الهوية وإحراجاتها: من الهوية الشخصية إلى الاعتراف الاجتماعي
Identity and Its Dilemmas: From Personal Identity to Social Recognition
الملخّص
* ديفيد سبارتي فيلسوف وعالم اجتماع إيطالي معاصر، أستاذ إبستيمولوجيا العلوم الاجتماعية في جامعة سييان Sienne، وجامعة بولونيا Bologne من قبل. نشر أعمال فلسفية باللغتين الإيطالية والفرنسية، منها: إبستيمولوجيا العلوم الاجتماعية Épistémologie ** أستاذ الفلسفة المعاصرة بقسم الفلسفة، جامعة الكويت.
**** فضَّلت استعمال كلمة "الذهن" بدل من كلمة الروح لترجمة كلمة Esprit، لأنَّ سياق النص كله يدور حول الذهني والعقلي ضمن التطورات التي عرفتها فلسفة اللغة في الفلسفة التحليلية. (المترجم) ***** نظرًا إلى حجم النص، والتعليقات الكثيرة التي قدَّمها المؤلف، فإنَّني اكتفيت بما هو ضروري منها، مع الإحالة إلى كل المراجع التي اعتمدها.
Abstract
This article seeks to show that the question of identity admits of two different approaches. For analytically oriented philosophers, identity must take root on a solid ground such as the truth about the mind and the body. For constructivists, identity is above all the product of a social context. I will also try to show that personal identity assumes the act of recognition While I emphasize, the circumstantial nature of identity, I describe the relative stability of the individual in different social contexts, in order to understand this mobile presence of personal identity. The fact that personal identity is constructed does not in any way mean that it does not exist, or that it is constantly erased and redrawn, according to the occasion. On the one hand, we must presume that there is a set of acts of recognition that have allowed the formation and establishment of a personal identity that unfolds over time, and on the other hand it must be recognized that there is also a process of recognition that guarantees the individual the risk of endless drift through different alternative forms. By identifying self-recognition as a process that enables us to develop a series in a unified manner for a certain number of acts of recognition that make us up as actors responsible for our choices, it proves that recognition of identity is not necessarily an unequal process, to the extent that we as recognized persons and as active persons participate in the game of mutual linguistic recognition.
- الهوية
- الاعتراف
- الاعتراف الذاتي
- Identity
- Recognition
- Self-Recognition
- Davide Sparti
الف سفة ذوي التوجه التحليلي، فإنّ الهوية يجب أن تتجذَّر في أرضية صلبة مثل الحقيقة
المتعلِّقة بالذهن والجسد ****. وأمّا بالنسبة إلى البنائيِّين Constructivistes، فإنَّ الهوية هي
قبل كل شيء نتاج سياق اجتماعي. وسأحاول أيضًا أن أبيِّن أنّ الهوية الشخصية تفترض فعل
الاعتراف. ومع ذلك، فإنّني إذا أكّدت، من جهة، على الطبيعة الظرفية للهوية، فإنَّني أريد، من
جهة ثانية، أن أنصف الاستقرار النسبي للفرد في السياقات الاجتماعية المختلفة، وذلك من أجل
فهم هذا الحضور المتنقِّل للهوية الشخصية. وحقيقة أنّ الهوية الشخصية هي بناء، لا يعني بأيٍّ
حال من الأحوال أنَّها غير موجودة، أو أنَّه يجري محوُها وإعادة رسمها باستمرار، ووفقًا للمناسبة.
علينا، من ناحية، أن نفترض مسبقًا وجود مجموعة من أفعال الاعتراف التي سمحت بتشكيل
وإقرار هوية شخصية تتكشّف مع مرور الوقت. ويجب الاعتراف، من ناحية أخرى، بأنّ ثمة
أيضًا عملية الاعتراف التي تضمن للفرد مخاطر الانجراف اللامتناهي من خ لاا أشكال بديلة
مختلفة. وبتحديد الاعتراف الذاتي L’auto–reconnaissance على أنه عملية تُمكِّننا من وضع
سلسلة بطريقة موحَّدة لعدد معيَّن من أفعال الاعتراف التي تشكِّلنا بوصفنا فاعلين مسؤولين عن
اختياراتنا، يثبت أنّ الاعتراف بالهوية ليس بالضرورة عملية غير متكافئة، وذلك بقدر ما نشارك
نحن بوصفنا أشخاصًا معترف بهم، وبوصفنا ذواتًا نشطة في لعبة التعارف اللغوي *****.
* ديفيد سبارتي فيلسوف وعالم اجتماع إيطالي معاصر، أستاذ إبستيمولوجيا العلوم الاجتماعية في جامعة سييان Sienne، وجامعة
بولونيا Bologne من قبل. نشر أعمال فلسفية باللغتين الإيطالية والفرنسية، منها: إبستيمولوجيا العلوم الاجتماعية Épistémologie
des sciences sociales، والهُوية والوعي Identité et conscience، والاعتراف الموزَّع La reconnaissance distribuée... إلخ.
** أستاذ الفلسفة المعاصرة بقسم الفلسفة، جامعة الكويت.
Professor of Contemporary Philosophy, Department of Philosophy, Kuwait University. zws61@yahoo.fr
no. 3 (2015), accessed on 26/4/2022, at: https://bit.ly/3Dypc9r
**** فضَّلت استعمال كلمة "الذهن" بدل من كلمة الروح لترجمة كلمة Esprit، لأنَّ سياق النص كله يدور حول الذهني والعقلي
ضمن التطورات التي عرفتها فلسفة اللغة في الفلسفة التحليلية. (المترجم) ***** نظرًا إلى حجم النص، والتعليقات الكثيرة التي قدَّمها المؤلف، فإنَّني اكتفيت بما هو ضروري منها، مع الإحالة إلى كل
المراجع التي اعتمدها.
Abstract: This article seeks to show that the question of identity admits of two different approaches. For analytically oriented philosophers, identity must take root on a solid ground such as the truth about the mind and the body. For constructivists, identity is above all the product of a social context. I will also try to show that personal identity assumes the act of recognition While I emphasize, the circumstantial nature of identity, I describe the relative stability of the individual in different social contexts, in order to understand this mobile presence of personal identity. The fact that personal identity is constructed does not in any way mean that it does not exist, or that it is constantly erased and redrawn, according to the occasion. On the one hand, we must presume that there is a set of acts of recognition that have allowed the formation and establishment of a personal identity that unfolds over time, and on the other hand it must be recognized that there is also a process of recognition that guarantees the individual the risk of endless drift through different alternative forms. By identifying self–recognition as a process that enables us to develop a series in a unified manner for a certain number of acts of recognition that make us up as actors responsible for our choices, it proves that recognition of identity is not necessarily an unequal process, to the extent that we as recognized persons and as active persons participate in the game of mutual linguistic recognition.
مقدمة: الهوية والتفرّد والمقاييس
1 إذا نظرنا في النقاش الحالي المتعلق بالهوية الشخصية، فإننا سنكتشف مجموعة من الأسئلة. المترابطة بشدة على المستوى المفاهيمي. ومع ذلك، يجب فصلها بعناية. وتتعلّق أول هذه الأسئلة بنوع الأفراد الذين من المفترض أن تعبِّر فئة الهوية الشخصية عن هويّتهم، ويجب بالضرورة أن
يمر كل تفكير لاحق في الهوية بهذا الأمر، لأنه يتعلَّق تحديدًا بمن تنسب إليه، أو تعيين أحدهم. إنَّ سؤال الهوية الشخصية مختلف عن سؤال ماهية الهوية في حدِّ ذاتها. يتعلّق الأمر بطبيعة الشخص بوصفه كذلك، أو بالشروط التي تسمح بجعل فرد عضوًا شرعيًّا في فئة "الأشخاص". ويتعلَّق، عمومًا، بتقديم
تعريف لهذه الشخصية Personhood ضمن فئة الهوية الشخصية التي تتّسم بالاستمرارية في الزمن. 2. يتعلَّق السؤال الثاني بالتفرُّد Individuation الذي يحيل إلى العكس، وليس إلى تمييز طبقة
(ما الذي يميِز طبقة "الأشخاص" من طبقة أخرى ببعض الجوانب القابلة للمقارنة؛ مثل الرئيسيّات،
والمؤسّسات، وأجهزة الكومبيوتر؟)، ولكن بالتمييز الفردي داخل الطبقة. ويمكننا صياغة السؤال
على هذا النحو: ما الاختلاف الخاص الذي يسمح لهويتنا الشخصية بأن تكتسب مسارًا، ومن ثم
يميِّزنا بوصفنا فردًا معيَّنًا (س " X ") من بقية الأفراد المماثلين لنا؟ كيف يمكن أن تُؤسّس مثل هذه
(1) Amélie Oksenberg Rorty, The Identities of Persons (Berkeley: University of California Press, 1976), pp. 1–2.
"الكينونة نفسها أو عينها"، أو "أن أكون نفسي عينه" I–ness/ être–moi–même، والتي هي ليست شخصية نوعية أو عامة؟ كيف يمكن أن تضمن هذه الذاتية Ipséité أنَّ هذا الشخص ليس هو ذلك الشخص، وأنَّه لا يمكن تعويضه؟ إنَّ مبدأ التفرد (أو مبدأ هوية ما لا يمكن تمييزه Indiscernables)، بألفاظ المنطق الفلسفي، هو أيضًا مبدأ للتمييز بين الأفراد: سيكون هذا الفرد (وليس فردًا آخر) إذا تمكَّنا فقط من تحديد وتعيين انفراده تجاه هذا الفرد أو عن أولئك الأفراد الذين يحيطون به، وتجنُّب اعتباره فردًا آخر (و هو ما يعدُّ، في حالات معيَّنة، اعتداءً خطِرًا على الهوية). يسعى التفرُّد لتحديد المقاييس
التي تسمح بالتمييز العددي لأعضاء كثيرين من الفئة نفسها. 3. يتعلَّق السؤال الثالث بالاستمرارية في الزمن، وقابلية تعيين هوية Identification، أو إمكانية إعادة تحديد هوية فرد في الزمن. فما الخصائص التي تسمح لنا بتعيين هوية فرد (س) من الأفراد، ووصفه في لحظة معيَّنة، كما لو أنَّه الفرد نفسه الذي وصفناه؟ وحتى لو افترضنا أنَّ الهوية خاصية لا تمحى،
وأنَّها تفترض مسبقًا استمرارية غير منقطعة في الزمن، فما الذي يمكن أن يقتضيه أو يتطلَّبه أو يُكوِّن، بالمعنى الدقيق للكلمة، هذا الجوهر الملاصق الذي تنتسب إليه كل أحداث السِّير الذاتية التي تحدَّث عنها إيرفينغ غوفمان Goffman Erving (1982–1922)؟. 4. باختصار تتعلَّق مسألة الهوية بثلاثة أسئلة مختلفة: 1. ما الذي يجعل من وحدة ما، أو كيان ما، شخصية؟ (مشكلة الإسناد)؛ 2. ما الذي يسمح بالتمييز بين فردين ينتميان إلى الفئة نفسها؟ (مسألة التفرُّد)؛ 3. ما الذي يضمن أنّ فردًا (س) سيظل هو الشخص نفسه في حالتين مكانيتين زمانيتين
متميِّزتين؟ (مشكلة الاستمرارية أو الدوام). وبناءً عليه، فإنَّ الهوية تحيل إلى ترابط مستقرٍّ زمنيًّا، وتعيِّن
استمرارية اختلاف (كما يلاحظها المراقب). طرحتُ هذه الأسئلة بترتيب منطقي: قبل التحقُّق من استمرارية فرد في الزمن. وإنّ السؤال يتمثَّل في معرفة ما نعدُّه فردًا على نحو دقيق، بغضِّ النظر عن الزمن، وتحديد هوية هذا الفرد بوصفه وحدة منفصلة، أي متفردة. وبعبارة أخرى، فإنَّه قبل تحليل معنى المصطلحات التي تحدِّد هذا الفرد أو ذاك بما يتضمَّنه من علاقة مع الهوية ("هذا مطابق لذاك" أو" يظل هذا مطابقًا لنفسه")، يجب أن نفترض سلفًا، (وبالطبع أن نعرف)، هوية كل وحدة، بمعنى الهوية التي بفضلها نشير في المقام الأول إلى الأفراد الذين يمكِّنوننا بعد ذلك من تحديد الهوية في الزمن أو بالنسبة إلى أفراد آخرين من الفئة نفسها. 5. أحال تيَّار الفلسفة التحليلية مؤخَّرًا مسألة الهوية العابرة للزمن إلى مسألة البقاء التي تُعرَّف وتُحدَّد
على أنَّها استمرار وجود هذا الفرد أو ذاك في الحاضر وفي المستقبل، وخاصة في مواجهة خطر حدوث
(((أضاف الفيلسوف غوتفريد ليبنتز قانونين إلى القوانين المنطقية الثلاثة التي أسَّسها أرسطو، وهما: قانون السبب الكافي، وقانون
هوية ما لا يمكن تمييزه، ومعناه: إذا كانت كل خصائص (أ) موجودة في (ب) وكل خصائص (ب) موجودة في (أ)، فإن (أ) هو (ب) والفرق بينهما هو الأسماء فقط. وعليه، لا لوجود لشيئين مختلفين متطابقين. ولكن هذا القانون ظل مثار نقاش بين الفلاسفة، لأنَّه يستدعى السؤال كيف يمكن أن نصل إلى كل خصائص (أ)؟ وكيف يمكن أن نصل إلى كل خصائص (ب)؟ ومن ثم نضمن أننا نحكم حكمًا صحيحًا بتطابقهما أو اختلافهما. (المترجم)
(3) Erving Goffman, Stigma: Notes on the Management of Spoiled Identity (New York: Simon & Schuster, 1963), p. 74.
تغيير جذري في هويته (غيبوبة، عملية جراحية في الدماغ). ومن بين مخاطر التغيُّر هذه، وأكثرها رعبًا
وفتكًا (لأنَّه أمرٌ قاتل من وجهة نظر منطقية) انقسام الهوية الذي يسمَّى التفرع Branching، أي تشعُّب
الهوية الفردية إلى وحدات غير متجانسة: إن هذا الشكل من التجزؤ يخرق مسلَّمة استمرارية كل علاقة هوية. وبناءً على ذلك، فإنَّ مبدأ الهوية، المحدَّد بالاستمرارية أو البقاء في الزمن، يجب حمايته
بأيٍّ ثمن من خطر الانقسام، لأنَّه لا يمكن القبول بوجود متزامن لفردين متميِّزين، ومن ثم منفصلين،
ويمكن أن يستوفيا مقياس الهوية. وفي مواجهة هذا الاحتمال بالانقسام، من الضروري التأكيد على فرضية عدم قابلية الفرد للانقسام أو التجزئة في الزمن، لأنَّ الهوية تُعرَّف بالمصطلحات المنطقية على
أنَّها علاقة رأسية بين عنصرين (أ=أ)، وليس باعتبارها علاقة بين عنصر وعناصر كثيرة أو متعدِّدة. إذًا، سيكون من المستحيل على أي فرد كان، أن يقيم علاقة هوية مع كثير من الأفراد الآخرين. وإنَّ العلاقة بين فرد حاضر الآن وفردين حاضرين في المستقبل (مثلما نقدر أنَّ "ز 2، 2 t " له أكثر من مرشَّح لهوية فرد واحد)، لن تكون بكل بساطة علاقة هوية، إلَّ إذا ألغينا التمييز بين الهوية العددية والمماثلة أو المشابهة (الهوية النوعية أو الكيفية). باختصار، من أجل عدم إزالة، أو انتهاك، انتقالية علاقة الهوية (التي تحدِّدها حقيقة أن "أ" يجب أن يكون مطابقًا ل: "أ"، ليس – أيضًا – مطابقًا ل "ب" في "ز 2"). يجب على الفرد أن يتجنَّب الاشتراك أو الانقسام على طول محور التفرع. 6. تذكِّرنا مشكلة التفرُّع بأنَّ إحراجات الهوية مترابطة ارتباطًا وثيقًا بإحصاء الأفراد المنفصلين، سواء
كانت تزامنية (كم عدد الأفراد الذين يجب تمييزهم في مكان واحد؟)، أو تعاقبية (الشيء نفسه في برهة زمنية). لننظر في حالة السفينة الأسطورية ثيسيوس Thésée وهي واحدة من أشهر التجارب الفكرية في تاريخ الفلسفة. لقد قدَّمها أفلاطون في محاورة فيدون)، وعرضها توماس هوبز من بين ما عرض في
كتابه عن الجسد، وفي بحث في الطبيعة البشرية لديفيد هيوم، قبل أن يعيد اكتشافها أُوتو نيوراث مؤلَّفه أسس العلوم الاجتماعية، وكذلك ويلارد فان أورمان كواين أيضًا. وهي قصة السفينة التي عاد بها البطل اليوناني إلى جزيرة كريت Crète بعد أن قتل المينوتور Minotaure. ومنذ ذلك الحين، وفي كل عام، يرسل ثيسيوس هذه السفينة محمَّلة بالقرابين إلى معبد ديلوس Délos. وبعد أن تدهور
هيكلها تدريجيًّا، كان لا بد من إصلاحه. وبعد مدة زمنية، جُدِّدت السفينة كلّها. فهل في إمكاننا أن
نؤكِّد أنَّ الأمر لا يزال يتعلَّق بالسفينة نفسها، بعد أن تم استبدال جميع أجزائها الواحد تلو الآخر؟ ولو استبدلت، على سبيل المثال، الألواح الخشبية بألواح معدنية، فإنَّنا لا نعدُّها السفينة نفسها. ولكن ماذا
(((إذا أخذت ورقة ورسمت عليها، فإنَّك ستغيِّر هُويتها النوعية، ولكن هُويتها الكمية لن تتغير.
(5) P laton , Phédon (Paris: Flammarion, 1999), § 581. (6) Thomas Hobbes, De Corpore , Karl Schuhmann (ed.) (Paris: Librairie Philosophique Vrin, 2000), § 2.11. (7) David Hume, Traité de la nature humaine , Book I, Part 4, Section 4 (Paris: Aubier Montaigne, 1983). (8) Otto Neurath, "Foundations of the Social Sciences. International Encyclopedia of Unified Science," The Journal of Symbolic Logic , vol. 2, no. 1 (Chicago: University of Chicago Press, 1944), pp. 1–51. (9) Willard Van Orman Quine, "Identity, Ostension and Hypostasis," in: Willard Van Orman Quine, From a Logical Point of View (Cambridge: Harvard University Press, 1961); Robert Nozick, Philosophical Explanations (Cambridge: Harvard University Press, 1981), p. 49.
لو جُدِّدت السفينة باستخدام ألواح جديدة متطابقة تمامًا مع الألواح السابقة؟ أشار هوبز إلى صعوبة
لاحقة، وهي: إذا وضع شخص ما كل الألواح الأصلية جانبًا ليستخدمها لاحقًا، وبالترتيب نفسه، لبناء
سفينة ثانية مماثلة للسفينة الأولى، عند ذاك، تخيَّل حالة القبطان المسكين الذي أقسم أن يغرق على
متن سفينته؟ وإذا كانت السفينتان (تلك التي جُدِّدت بالتدريج، والأخرى التي أعيد بناؤها بالألواح
الأصلية) ستبحران في الوقت نفسه، ففي أيّ سفينة يجب على القبطان تحقيق رغبته؟. 7. لنعدْ إلى الهوية الشخصية، ولننظرْ في الحالة التي يكون فيها الأفراد الخاضعون للعدِّ أو التكميم
الوجودي Existentielle Quantification، فهل سيكونون أشخاصًا؟ كيف نثبت أنَّ شخصًا (س) هو في لحظة "ز/2 2 t " هو الشخص نفسه في لحظة "ز 1/1 t "؟ يمكن أن نفكِّر في مثال العجوز الذي يعرض علينا صورته وهو طفل. أيتعلَّق الأمر بالشخص نفسه وهو ممتد في الزمن مثل عملية طويلة المدى أم بشخصين مختلفين؟ خبَّاز غيَّر فجأة حرفته، وبلده، وعائلته، أيبقى هو نفسه، أم أنَّه يصبح
شخصًا "آخر"؟ وإذا ما سُئل، فإنَّه سيقول إنَّه لم يتغيَّر البتة، ولكن إذا ما سألت عائلته السابقة، فستقول
لك إنَّه كان في السابق "مختلفًا جدًّا"، وإنَّه اليوم "لم يعد هو نفسه" (إنَّ دوام الاسم واستمراره والتجسد في جسد يمكن أن يكون كلّه موضوع تعرُّف عام، أو عمومي، يسمح بقبول درجات كثيرة من المفاضلة،
وعلى الأكثر، فإنَّه لدينا الحق في التأكيد على أن هذا [الخباز] لم يعد الشخص نفسه). 8. أكَّد كثير من المؤلفين على استمرارية الشخص الممتد في الزمن بوصفه كلًّ متجانسًا. يتحدَّث عالم
النفس كورت لوين Lewin Kurt (1947–1890)، في هذا الصدد، عن الهوية الجينية، وهي العبارة نفسها التي استعملها رودولف كارناب Carnap Rudolf (1970–1891)، قائلً: إنَّ الفرد يكبر ويشيخ، ومع ذلك يبقى هوية تكوينية بالنسبة إلى نفسه. وثمة آخرون، وخاصة ديرك بارفيت، كما سنرى ذلك لاحقًا، قدَّموا التصور الانقطاعي للشخص، وحدَّدوه بوصفه تجميعًا للمستويات المتعاقبة التي لا تفصلها فراغات، وغيابات الشخص، ولكنها تستبدل بمستويات أخرى يكون فيها هذا الشخص غائبًا (هنالك شخص آخر
يحلُّ في مكانه). وإذا قبلنا بهذه الإمكانية، فإنَّنا سنتخلى عن الحديث عن "الشخص"، ونتبنَّى بدلً منه عبارة "المرحلة الشخصية" Phase–personne (بول–الآن)؛ (بول–في–مرحلة "ز").
(1((يمكننا أيضًا أن نفكِّر في حالة الكنيسة التي احترقت في عام 1300 عيد بناؤها بعد ذلك. وبناءً عليه، فإنَّ المسند "هذه، والتي أ
الكنيسة" يشير إلى شيئين مختلفين: الكنيسة التي دمَّرتها النيران، والكنيسة التي أُعيد بناؤها، أي مزيج من المواد القديمة والجديدة.
إنَّ هذه المفارقة: استعمال مقولة الهوية لتعيين كيان لم يعد هو نفسه تمامًا واضح لأنَّ مفهوم "الكنيسة" بدلً من أن يشير إلى مادية
المبنى، يشير إلى هوية وظيفية، هوية مكان عبادة. إنَّ التركيب المادي للفرد يتجدَّد باستمرار، فهل يجب أن نغير اسمه شيئًا فشيئًا؟
سيكون ذلك عبثًا. إذا سمَّيت كائنًا باسم بلوتو Pluto، فإنَّني أعلم أنَّه سينمو ويكبر ويموت. يشير المفهوم التزامني للهوية إلى هوية
الحياة منظورًا إليها في كلِّيتها. وخلاف ذلك، فإنَّ أي تغيير في التركيب المادِّي المحدِّد للمبنى (الإضافات، الانكسارات... إلخ)
سينتهي به الأمر إلى أن يستوعب في إنتاج مبنى جديد. يُنظر:
Vincent Descombes, "Réflexions sur les questions d’identité," Bulletin de la société française de philosophie , vol. 3, no. 105 (Novembre 2011). (11) Michael Carrithers, Steven Collins & Steven Lukes (eds.), The Category of the Person: Anthropology, Philosophy, History (Cambridge: Cambridge University Press, 1985); Glenn Langford, "Persons as Necessary Social," Journal of the Theory of Social Behavior , vol. 3, no. 8 (1978), pp. 263–283. (12) Kurt Lewin, Der Begriff der Genese in Physik, Biologie und Entwicklungsgeschichte (Berlin: Springer, 1922).
9. على الذي ينتصر لهذا التصور الانقطاعي في الهوية أن يبيِّن موقفه من الحضور الزمني المشترك
والمحتمل لأشخاص المعنيين. وبتعبير آخر، فإنَّه مطالب بأن يحدِّد إن كانت منظَّمة أو مرتبطة فيما بينها بمحور تعاقبي مكوَّن بعلاقة وحدة تجعلهم أشخاصًا متشاركين Co–personnelles، إذا استعملنا مصطلح
برتراند رسل في كتابه فلسفة الذرية المنطقية لننظر في حالة فريد Fred الذي أصيب بمتلازمة كورساكوف Korsakoff في 1 أيلول/ سبتمبر 1990. ما يميِّز هذه الإصابة هو الضغط الجذري على مدى ذاكرة
الشخص أثناء بعض ساعات. وأمَّا بقية أيَّامه، فستكون متشابهة كلها. يستيقظ فريد في الصباح معتقدًا أنَّه في يوم 2 أيلول/ سبتمبر 1990. يحزنه اكتشافه أنَّه مخطئ، ولكن فريد عنيد: يتخذ قرارًا بشأن حالته، وسيحاول تدريجيًّا إعادة بناء سيرته الذاتية. لا يستوعب فريد ماضيه (من الداخل)، فهو ليس نتاج ذاكرة
معيشة، ولكنه نابع من سرد وحكاية الآخرين. لا يسترجع فرد ماضيه: إنَّه يتعلَّم أشياء صحيحة عن ماضيه. وبمجرَّد أن ينام يمحو النوم جميع المعلومات المخزَّنة خلال النهار. وسيكون التفسير الاستمراري لحالة
فريد تفسيرًا خطيًّا: هنالك شخص واحد، واحد فقط، أصيب بضرر، ويعيش يومه من جديد، وهنالك
تفسير متوافق مع تصرُّف أبنائه الذين يزورونه. ولكنّ الانقطاعيين، من جهة أخرى، يفسِّرون حالة فريد
بمصطلح التشعبات: بالنظر إلى الشخص (ف 0 0" F ")، فإنَّ المرض يؤدِّي إلى تعاقب جميع الأشخاص المختلفين والمجزَّئين (ف 1، ف 2، ف 3... فن) المتجسَّد في شيخوخة الجسد الخاص ب: (ف 0). إنَّ
هذا التفسير الثاني هو أيضًا، متوافق مع مواقف أي مراقب خارجي. فإذا حدث ولم يفِ فريد بوعد ما، فلن يمسك أحد ذلك ضده، (أو سيذكِّره بذلك): سنتصرف كما لو أنَّ هذا الوعد قد قطعه شخص آخر. 10. بوصفنا كينونات دائمة، لا يسع المرء إلَّ أن يسأل نفسه باستمرار: هل أنا حقًّا مثلما كنت بالأمس؟ وهل سأكون الشخص نفسه غدًا أو بعد غد؟ ما الذي يعطي الوحدة (ومن ثم الاستمرارية) لمختلف مراحل وجودي؟ أيتعلَّق الأمر بذاكرتي أم بمادية جسدي أم بوحدات مجرَّدة ومتعالية؟ خلال الثلاثين
عامًا التي فصلت بين مقالة الفيلسوف الأميركي برنار ويليامز (2003–1929) "الهوية الشخصية والتفرد"
)1956(، والمجلد الذي نشره بارفيت: الأسباب والأشخاص)1984(، فإنَّ سؤال الهوية وتفسيرها قد أدَّى إلى طرح فرضيَّات كثيرة مرتبطة بشروط تحديد الهوية الشخصية عبر الزمن. يتعلَّق الأمر بإيجاد
عناصر حاسمة متعلِّقة بتعريف الهوية الشخصية عبر الزمن. وتقوم على ما يعتبر مقياسًا لتعريف الهوية، أي على الملفوظ الذي يصوغ الشروط الضرورية والكافية (أو على الأقل الأسباب الوجيهة) للتأكيد على أن: الفرد (س) هو نفسه بالأمس (أو لم يعد كذلك). وسيطول مراجعة مختلف نظريات الهوية. ولذا، نلخصها في بضعة أسطر، مع الإشارة إلى أنَّ أصول كل منها أقدم كثيرًا من النقاش التحليلي
المتعلق بها.
((1(مستوحى من الحالة التي قدَّمها أوليفي ساكس. ينظر:
Oliver Sacks, L’homme qui prenait sa femme pour un chapeau. Et autres récits cliniques (Paris: Points Essais, 2014).
(1((أعيدت طباعته في برنار ويليامز "الهُوية الشخصية والفردانية" في كتاب مشكلات الذات، يُنظر:
Bernard Williams, "Personal Identity and Individuation," in: Bernard Williams, Problems of the Self (Cambridge: Cambridge University Press, 1990). (15) Derek Parfit, Ragioni e persone (Italiano: Il Saggiatore, 1989).
11. الموقف الأول هو موقف الاختزالية أو النزعة الطبيعية التي ترى أنَّ الهوية تحافظ على العلاقة القائمة بين تجارب الفرد والجسد المادِّي الذي تسجَّل فيه أو ترسم وتدوَّن. وإذا ما فضَّلنا ذلك، فإن
الأمر يرتبط بالعلاقة بين السبب والنتيجة المتمثِّلة في إرساء هذه التجارب في الدماغ نفسه (أي في العناصر التجريبية التي تقوم عليها التجربة النفسية). وليس من الضروري أن يستمرَّ الجسد كلُّه في
العيش من دون تعديلات، بل يكفي الحفاظ على جزء أساسي معيَّن منه، وهو ما يجعل الإنسان ذاتًا حية
وعقلانية، ولا سيَّما الدماغ، حتى لو كان المرء لا يدرك تحديدًا علاقات السبب بالنتيجة. وأمَّا الموقف
الثاني فهو من النوع المعرفي الذي يحدِّد الهوية بالاستمرارية الداخلية للتجربة النفسية؛ فيما يمكن أن نطلق عليه إخلاصُنا لأنفسنا عبر الزمن. ولقد قدَّم جون لوك الصياغة الأكثر شهرة لهذه الفرضية
في كتابه: مقالة في الفهم البشري. وقد أعاد صياغة موقفه على نحو دائم من خلال عدة تنقيحات متتالية، بحيث أصبح القسم المخصص للهوية في الكتاب الثاني، (المقطع "§" السابع والعشرون) الذي أضيف فقط في الطبعة الثانية، بعد مرور ثلاثة وعشرين عامًا من كتابة المسوَّدة الأولى "أ"، أول
رسم تخطيطي لأطروحة. يقترح لوك معيارًا نفسيًّا، وليس جسديًّا، ويؤكِّد على وظيفة الذاكرة والوعي
الذاتي في تأسيس الهوية. والموقف الثالث هو موقف بارفيت (المستوحى من هيوم): الهوية على هذا النحو تخضع لسلسلة التجارب التي تربط ذواتنا الأنا/ moi) Le (المختلفة معًا. وفي مقطع مشهور من الملحق الأخير من أطروحته (الكتاب الأول، الجزء الرابع، القسم الرابع) يعلن هيوم عن مرواغة الذات (الأنا) وعدم قابليتها للتحديد. ينحل الكائن عند هيوم في سلسلة متَّصلة من الذرات العقلية/ الذهنية، ومن السمات وحزم الأحاسيس والمكوِّنات غير المتجانسة وظيفيًّا، وبلا أساس ما بعد تجريبي.
ويكمن الموقف الرابع والأخير في المنظور الكانطي الذي يجعل الهوية خاصية متعالية؛ ما يضمن أن تكون تجاربي هي بالضرورة تجاربي الخاصة. 12. أقترح في هذه الدراسة العمل على الموقف الثالث المتمحور حول مسألة استمراريتنا عبر الزمن.
وبعد تلخيص قصير لأطروحات ديريك بارفيت Parfit Derek)2017–1942(. سأحاول أن أُدمج، على نحو أفضل، مقاربته ضمن بعد اجتماعي. ولإنجاز ذلك، سأقوم بتحويل مركز ثقل المسألة من الشروط المسبقة للهوية (ما نوع الوقائع التي يجب افتراضها للتحدُّث عن الهوية؟) إلى مسألة نظام جديد يتمثَّل في ظروف تعيين الهوية وتحديدها (في أي ظرف ومناسبة يجري تعرُّف الهوية وتعرُّف
إسنادها؟). هنالك مقاربتان أساسيَّتان في النقاش متعلقتان بالهوية. فبالنسبة إلى الفلاسفة التحليليين،
يجب أن تتجذَّر الهوية في أرضية مادية، مثل الوقائع المتعلِّقة بالذهن والجسد على سبيل المثال. وبحسب البنائيِّين، فإنَّ الهوية هي، أولً وقبل كل شيء، نتاج عملية بينذاتية Intersubjective. ومع
ذلك، فإنَّه لا يكفي دعم الموقف الذي يفسِّر الهوية من وجهة نظر خارجية بحتة، ويعدُّها نتاج عمليَّات
لغوية ومعرفية معيَّنة، وإنَّما يمكن بلوغها من حيث المبدأ على نحو متساوٍ من قبل الجميع؛ سواء كان
ذلك من صاحب الهوية، أو من قبل المراقب أو الملاحظ. وسأسعى، من خلال اللجوء إلى مفهوم
(16) Geoffrey Madell, The Identity of the Self (Edimbourg: Edinburg University Press, 1984).
(1((فيلسوف بريطاني، اشتهر بتحليله ورفضه الهوية الشخصية. من بين أعماله: الأسباب والأشخاص Reasons and Persons (1984). (المترجم)
الاعتراف الذاتي إلى إثراء المنهج البنائي (أو الخارجي) ببعد إضافي، مع مراعاة عدم النفاذية النسبية لأيّ هوية فردية فيما يتعلَّق بعمليَّات الاعتراف الاجتماعي.
بارفيت وتفكيك الهوية
13. يتناول ديريك بارفيت في الجزء الثالث من كتابه الرئيس: الأسباب والأشخاص Reasons and Persons مسألة الهوية الشخصية. ويمكن تلخيص أطروحته الرئيسة بإيجاز شديد في العبارات الآتية: من الخطأ الاعتقاد، كما نميل إلى ذلك عادة، أنَّ الهوية شيء محدَّد تمامًا. وبعبارة أخرى، هنالك دائمًا
إجابة فورية وحاسمة عن السؤال: هل "س" هو نفسه دائمًا؟ ("نعم إنَّه هو هو أو إنَّه مطابق لنفسه"، أو "لم
يعد هو هو أو لم يعد مطابقًا لنفسه"). إنَّ عالِمًا طبيعيًّا سيدافع، على سبيل المثال، عن أن الهوية تحدِّدها
حقيقة من طبيعة فيزيائية متعلقة بجسدنا. لنفترض أنَّ هنالك جهازًا قادرًا على ضمان حدوث تغيير متقطع
في أجسادنا (بما في ذلك دماغنا الذي يجري استخراجه ويُعاد زرعه في مكان آخر، عن طريق الحقن أو
الابتلاع، بشرط أن تظل محتوياته المعرفية سليمة). لنفترض أن هناك آلة مذهلة قادرة على تسجيل بنية أجسادنا، وتقسيمها وتجزئتها بحثًا عن المعلومات ذات الصلة، وقادرة على نقل هذه المعلومات إلى ماسح ضوئي موجود في كوكب آخر، على بعد سنوات ضوئية من الأرض. يصنع هذا الماسح، بدوره، نسخة كربونية عن أنفسنا على الفور، وذلك من دون ألم خلال الجمع بين المعلومات المستخرجة من أجسادنا وذرات المادة الخام. من وجهة نظري الشخصية، يكفي أن أضغط فقط على الزر، و"فورًا"،
أجد نفسي على سطح المريخ "الكوكب"، مع ضمان استمرارية فيزيائية ونفسية كاملة. وبذلك ستستأنف حياتي مسارها من دون أي قلق من عدم التوافق والانسجام أو الرفض. يسمّي بارفيت هذه الآلة "التلفاز"
الذي يجمع بين أداة النقل عن بعد، وخط تجميع الفاكسات البشرية. يمكننا أن نتخيَّله على أنَّه شعاع
نقل عن بعد بأسلوب يُعرف ب: ستار تريك Trek Star. إنَّ المزايا العملية لمثل هذا الجهاز واضحة:
في حالة وقوع حادث خطِر، فإنَّ الماسح الضوئي يستعيد آخر تسجيل له (بطريقة ما؛ نسخة، أو نسخة واضحة احتياطية لشخصنا)، وسنحصل على جسد جديد، كلاهما جديد و"قديم" وبالقياس المناسب. ومع ذلك، فإلى جانب هذا المطلب المفهوم جدًّا للبقاء البيولوجي، فإنَّ السؤال المطروح هو ما الآثار الفلسفية للآلة التي تخيَّلها بارفيت؟ يتعلَّق الأمر بإثبات أنَّ سمات هُويتنا يمكن الحفاظ عليها في
غياب الاستمرارية الكاملة والأصلية لأجسادنا، وذلك ضد المقاربة الطبيعية. سيتعيَّن على علماء الطبيعة
الذين يخضعون إسناد الهوية لمقاييس من النوع الفيزيائي أن يرفضوا تجربة النقل عن بعد باعتبارها تجربة ازدواجية (يمكننا أن نفترض أنَّ نسخة ثانية من شخصنا تتجسَّد في وقت واحد على زحل) أو حتى موت
الأنا الأول (تتفكك وتعيد الآلة تكوينها)، بدلً من تجربة السفر أو النزوح. وإذا قبلنا بالمقياس الفيزيائي، فإنَّ كل "انشطار" يؤثِّر في الاستمرارية المادية للفرد، ومن ثم يفسد مقياس الهوية العددية أو الرقمية. لنتخيل أنَّنا نحب شخصًا استخدم هذا الناقل عن بعد. فكيف سيكون رد فعلنا؟ إذا توقَّفنا عن حبِّه فإنَّ
ذلك لن يكون منطقيًّا إلَّ إذا اعتقدنا أنَّ الهوية الشخصية هي حقيقة فيزيائية (مثلما يعتقد علماء الطبيعة)،
((1(انتقد العديد من المؤلفين اعتماد بارفيت على التخيل Fiction وألعاب التخيل بشكل حر، واعتبروا ذلك بمنزلة تعدٍّ، لأنَّ هذا
العالم لا يشبه عالمنا على أي نحو كان. فمن سيستفيد في عالم مبني على هذا النحو من التشكيك في مسألة الهوية الشخصية؟
أو أنّ الأمر يتعلَّق بحقيقة أخرى عميقة، تختلف اختلافًا كليًّا عن كل ازدواجية لن تكون قادرة على التكاثر
(مثلما يعتقد الثنائيُّون)، ولكن هذه الحقيقة، في كلتا الحالتين، ستضيع بلا رجعة. ومن ناحية أخرى، إذا
استمررت في حب هذا الشخص (واعتبرت أنَّه "هو نفسه دائمًا")، فسيتعيَّن عليَّ الاعتراف بأنَّ هويته ليست
منقوشة في مادة طبيعية، بل تقترب من البرمجيَّات Software في جسم مادِّي. 14. يمكننا بسهولة أن نوسِّع نطاق النقد الذي يوجِّهه بارفيت إلى مجموعة النظريَّات التي تفسِّر الهوية
انطلاقًا من عناصر تكوينية. وسيكون من السهولة الاعتراض على أنَّنا – وعلى كل حال – لا نظلُّ على حالنا أبدًا، إذا كان ذلك فقط بمعنى الهوية الكمية: يتغيَّر جسدنا المادي باستمرار، ومع مرور الوقت
يتجدَّد كل شيء فينا، بما في ذلك المادة التي تشكِّل الجزء الأقوى والصلب فينا (الأسنان). والأمر الرئيس هو أن الإلكترونات والجسيمات دون الذرية الأخرى ليس لها شخصية فردية، فلا شيء يسمح بتمييز جسيم من آخر، لأنَّ إلكترونين اثنين لا يمثِلّان أي فرق محدد أو خاص (إنَّ لهما الكتلة نفسها والشحنة نفسها والدوران نفسه أيضًا). وعلاوة على ذلك، تستند العمليات الفيزيائية والكيميائية على وجه التحديد إلى هذا النقص في الفردية المتمثِّل في مستوى الجسيمات غير القابلة للقياس أو اللاتقايسية Incommensurable تمامًا مع مستوى الكائنات العيانية التي يتكوَّن منها عالمنا الذي نعيش فيه. وهذا هو
السبب في أنَّ التصور الاختزالي للهوية والقاموس المستعار من الفيزياء الدقيقة سيفشلان تمامًا في تحقيق
هدفهما. لذلك، يمكن أن نستنتج أنَّ الدماغ هو بالفعل العضو الذي لا غنى عنه في تجربتنا المعرفية. ومن ناحية أخرى، فإنَّ هذا لا يعني، بأي حال من الأحوال، أنَّ الدماغ هو موضوع تجربتنا. 15. من أجل إثبات فرضيته الثانية (الهوية الشخصية لا تتوافق مع شكل صارم للهوية)، اقترح بارفيت تجربة فكرية أخرى: تجربة الطيف المركب combiné Spectre. لنتخيَّل طيفًا من التغيير الفيزيائي والنفسي
الذي سيعهد بالتحكم فيه إلى عالِم. تحتل فيه أنت أحد الأطراف القصوى لهذا الطيف، وفي الطرف المقابل تكون غريتا غاربو Garbo Greta. وفي ذروة نقطة المنتصف، يجب أن يختلط بعضكما ببعض بطريقة من الطرق. إذًا، يتعلَّق الأمر بمسألة التعبير عن علاقة الاستمرار، أو الانقطاع بينك وبين غاربو بدرجات متتالية قائمة على مقياس من (0) إلى (1). تمثِّل القيمة (0) درجة من التطور تنتمي إلى تطورك الطبيعي، وتشير الدرجة (0.5) إلى نقطة الانصهار، وتعبر الدرجة (1) عن الانقطاع التام بكل ما يتعلَّق
((1(بوصفنا أشخاصًا، فإنَّه من الواضح أنَّنا مكوَّنون من أجسادنا، ولكن هذا بعيد كل البعد عن أننا متطابقون مع هذا الجسد الذي
يشكِّلنا بالضرورة. إنَّ هذه العلاقة التكوينية هي نفسها العلاقة الموجودة بين ديفيد لمايكل أنجيلو بوناروتي Michelangelo Buonarroti وكتلة الرخام التي نحت منها ديفيد. يتكوَّن التمثال من كتلة معيَّنة من الرخام، ولكنَّها ليست مطابقة لتلك الكتلة. يمكنك إتلاف التمثال
جيدًا من دون الإضرار بالرخام. وحول الاختلاف بين أن يكون المرء يتكوَّن من شيء وبين الهوية، يُنظر:
David Wiggins, Sameness and Substance (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1980).
((2(إنَّ هذا لا يمنع، بأي حال من الأحوال، وإذا لزم الأمر ذلك، استدعاء الركيزة الدائمة للشيفرة الجينية، المعبَّر عنها بين أشياء
أخرى، في بصمات الأصابع. ((2(لأحلام أساس عصبي، ولكن إذا حلمت بكابوس يهدِّدني فيه والدي بالقتل، فهل سأقلق بشأن الوسائط العصبية؟ أم بالأحرى
بسبب المحتوى الرمزي لهذا الكابوس؟
(22) Parfit, p. 301.
((2(غريتا غاربو (1990–1905) ممثلة سويدية مشهورة. (المترجم)
بحاضرك، لأنَّك أصبحت غريتا غاربو. والآن سينشِّط العالِم الطيف، ويغيِّر درجة الاستمرارية الفيزيائية
والنفسية بينك وبين غريتا جاربو. وكما رأينا، فإنَّ الدرجات الأولى، قريبة جدًّا، إذا جاز التعبير، ومتجاورة مع هُويتك، وتتضمَّن تحوُلّات غير واضحة وغير مهمة: ثمة بضع خلايا وذكريات قليلة بدرجة أكبر أو أقل. ويظلُّ تواصلك النفسي والفيزيائي مع نفسك كليًّا. وبينما تتحرَّك نحو الطرف الآخر من الطيف،
كما قلنا، تقترب من موقف متطرف: ففي الحدِّ الأقصى، لن يكون لدى الفرد الذي يخرج من الطيف علاقة بالفرد الذي أنت هو عليه. ستصبح غريتا غاربو، ولن يعترف أحد أنَّك ما زلت أنت. وما لا نعرفه، وهذا هو السؤال الذي طرحه بارفيت، هو إلى أي مدى سنعيش أكثر من أنفسنا؟ وهل هنالك، على امتداد طول الطيف، نقطة محددة، نقطة اللاعودة حيث كل شيء يكون على المحك، وخارجًا عنها؛ فإنَّك لا تزال أنت نفسك أو ذاتك، وبعد ذلك لن تكون الشخص نفسه؟ وأين الحدود؟ يجيب بارفيت بأنه لا توجد حدود، مثلما لا توجد نقطة اللاعودة، وأنَّه من المستحيل تحديد الدرجة الدقيقة للارتباط النفسي الفيزيائي الذي يسمح لنا بالحديث عن الهوية (وعن الشخص نفسه). إنَّ الخط الفاصل بين تفكك كل استمرارية (أي الانقطاع)، وبين استمرارية الاتصال الكلِّي غير واضح، وغير محدَّد، وغير قابل للتحديد. لذلك، سنكون مضطرين إلى التخلِّي عن فكرة الهوية الشخصية التي تُحدَّد دائمًا تحديدًا كليًّا. وسنرى لاحقًا كيف أنَّ
حدود فئة (الشخص) غير واضحة. وهذا هو السبب الذي جعل بارفيت يقارن الهوية الشخصية بالنادي، وهي مقارنة مستوحاة من هيوم وتشبيهه لها بالجمهورية الفردية. فمن الواضح أنَّ لكل نادٍ اسمًا ومكانًا محدَّدًا في الفضاء وتاريخًا وقواعد محدَّدة أو إجراءات عمل وتشغيل. ومع ذلك، فإنَّ مقياس الهوية الذي يحدِّد النادي غير مؤكَّد، ومتغيَّر، لأنَّ الأعضاء يتغيَّرون باستمرار، ولا شيء يمنع النادي من إغلاق أبوابه
مؤقَّتًا ليعيد فتحها بعد مدة زمنية. فكيف لي أن أصف هذا الاحتمال الأخير؟ أيجب أن أتحدَّث عن غياب النادي أم عن توقُّف أنشطته أم عن حلٍّ مؤقت؟ إنَّ هذا السؤال بلا معنى، فهل يتوقَّف الحزب السياسي عن الوجود ببساطة عندما ينقسم إلى فصيلين؟ أم أنَّه سيبقى كحزبين مختلفين وجديدين؟ 16. استمد بارفيت من هذه الملاحظات نتائج طبيعية مفيدة. واقترح على وجه الخصوص التمييز بين الاستمرارية Continuity والترابط Connectedness النفسي. سنتحدَّث عن الاستمرارية عندما يتكشَّف وجود الإنسان تدريجيًّا، من دون انقطاعات أو انكسارات داخلية؛ عندما لا ينقطع تسلسل تجربة سابقة
مع ذاكرتها الحالية من ناحية، أو عندما يكون هنالك تجانس بين القرار المتخذ في زمن (ز 1/1 t) وإدراكه العملي في الزمن (ز 2/2 t) من ناحية أخرى، على سبيل المثال. وفي المقابل، سنتحدَّث عن الترابط عندما يكون الارتباط بين الحالات العقلية المتتالية للشخص جزئية فقط. والمهم في هذه الحالة هو التأكيد على أنَّ الترابط ليس علاقة متعدية. وبوصفي حاليًّا أنا، فإنَّني متَّصل بنفسي منذ عام مضى، وقبل عام كنت
على اتصال بنفسي في العام السابق، وهكذا. ولكن لا يترتب على ذلك أنَّ لديَّ حالً وآنيًّا صلة بنفسي منذ
عامين. بعبارة أخرى، سيكون الشخص (س / x) في الزمن (ز 3/3 t) هو (الرجل العجوز المتقاعد) في علاقة مستمرة مع الشخص في الزمن (ز 2/2 t) وهو (الموظف المدني)، وسيكون هذا الشخص في الزمن
(24) Parfit, p. 275. (25) Ibid., p. 266.
ز (2/2 t) في علاقة مستمرة مع الشخص في الزمن (ز 1/1 t) وهو (الطالب في المدرسة الثانوية)، ومع ذلك فإنَّ هذا لا يعني، بأي حال من الأحوال، أن الشخص في الزمن (ز 3/3 t) هو بالضرورة في علاقة استمرارية مع الشخص في الزمن (ز 1/1 t) أي (طالب المدرسة الثانوية). وفي الوهلة الأولى، ومن وجهة نظر ذاتية، يتبيَّن أن فكرة هذا الانقطاع غير بدهية. وفي الواقع ليس من الغريب الردُّ عن السؤال: "هل السيد فلان
لا يزال هو الشخص نفسه؟"، أي "هل حياته عبارة عن ترابط متسلسل للخبرات والتجارب؟"، مع إجابة مثل: "الأمر يعتمد، إنَّها مسألة درجات". وقبل كل شيء، فإنَّه ليس صادمًا، بالنسبة إلى أغلبنا، أن يكون
الشخص الذي نحن عليه الآن مرتبطًا، على نحو فضفاض، بنفسه في سن المراهقة. يطرح سؤال الهوية الشخصية بصرامة، وهو صالح من دون استثناء لجميع المواقف وجميع العوالم الممكنة، ولا يقبل سوى إجابة ثنائية من دون فروق دقيقة: "أنا متطابق مع نفسي، أو أنا لست متطابقًا مع نفسي"، في حين أنَّ الترابط النفسي هو مسألة سُلَّم ودرجات، يقبل ويعترف بالدرجات. 17. من الواضح أنَّ مفهوم الترابط يعني ضمنيًّا فكرة تعدُّد الذات المتتالية؛ فوفقًا لبارفيت، تُعرَّف الذات
على أنَّها مجموعة من الحالات الذهنية المترابطة بقوة. ولجعل فكرة الانقطاع هذه أقل تجريدية، فإنَّه ليس من الضروري التذرع بحالات قصوى أو متطرِّفة من التحوّل، مثل تحوّل شابٍّ ثري من أسيز
Assise إلى القديس فرنسوا François Saint: يكفي النظر في المهاجرين والمحاربين. فعند العودة إلى البلد، غالبًا ما يكونون غرباء وأناسًا جدُدًا (خاصة في عيون أولئك الذين كانوا ينتظرون بفارغ الصبر
عودة أحد الأحبة، ولا يجدون فيهم سوى اسم العائلة). وفي كثير من الأحيان، نتَّخذ احتياطات ضد خطر مثل هذا التحول، وذلك بإيداع، على سبيل المثال، وصية غير قابلة للنقض. وبارفيت محقٌّ في هذا الصدد باقتباس هذا المقطع من بروست Proust: "والخوف من مستقبل يسحب فيه منَّا رؤية من نحبُّهم والتواصل معهم، والذين نستمد منهم أعز فرحتنا.
إنَّ هذا الخوف، وهو بعيد عن التبدُّد، يزداد إذا انضاف إلى هذا الألم، وهو ما يبدو لنا حاليًّا أكثر قسوة
ألَ وهو: ألَّ نشعر به كألم، وأن نبقى لامبالين، وذلك لأنَّ ذواتنا حينئذ ستتغير [...]، لذلك سيكون ذلك موتًا حقيقيًّا لذواتنا، وسيعقبه موت حقيقي، تليه قيامة وبعث، ولكن في ذات مختلفة، وحتى الحب
لا تقوم إليه أجزاء الذات القديمة المحكوم عليها بالموت". 18. في تحليل كانط المغالطة Paralogisme الثالثة في نقد العقل الخالص (أ 230–228)، "الشخصية" (في الواقع، تعرِض هذه الصفحات استمرارية الهوية عبر الزمن)، فإنه كان قريبًا بشكل مدهش من
موقف بارفيت. يتساءل الفيلسوف الألماني عن الاحتمال المنطقي لتعدُّد الذوات غير المادية التي تتكوَّن منها سيرة ذاتية ما: تنقل كل واحدة من هذه الذوات إلى خليفتها تراثًا من الذكريات، بحيث
تحتفظ كل ذات جديدة بأفكار الذات التي سبقتها. وستكون العلاقة بين هذه الذوات المتتالية أقرب إلى الذوات التي تحكم تعاقب الكرات المرنة الصغيرة، وتوصيل حركتها بعضها ببعضها الآخر
(26) Ibid. (27) Marcel Proust, À l’ombre des jeunes filles en fleurs , 2 ème partie, in: Marcel Proust, À la recherche du temps perdu , vol. 2 (Paris: Gallimard; Bibliothèque de La Pléiade, 1988), pp. 31–32.
(ومن ثمّ، حالتهم الخاصة، وهُويتهم الخاصة أيضًا). وفي حين يعترض كانط على إمكانية تعريف مثل هذه السيرة بأنها نقطة وصول تتابع من الأشخاص، بدلً من التعبير عن فرد واحد، يعترف بارفيت بذلك ويجذره، ويدعونا إلى الحديث عن "بقاء الشخص"، بدلً من الهوية الشخصية. إنَّ البقاء على قيد الحياة من زمن (ز 1/1 t) إلى (ز 2/2 t) يعني، على الأقل، درجة معيَّنة من الترابط. ولقد استنتج
بارفيت من ناحية أخرى، على نحو غير متوقَّع؛ بما أنّ الترابط ليس علاقة انتقالية، وهو على عكس الاستمرارية، أنَّ العلاقة بين ذاتي الحالية وذاتي في المستقبل يمكن أن تكون مماثلة للعلاقة بيني وبين أي فرد تربطني به صلات قوية. 19. يتوافق هذا الاستنتاج تمامًا مع أطروحات بارفيت الأكثر مناقضة للحدس، والتي وفقًا لها يجب أن
نعترف بأنَّه ليس لدينا البتة أدلة قاطعة تتعلَّق بحقيقة أنَّ عامل الاستمرارية غير قابل للتجزئة. وبمجرَّد قبول
المرء لمقياس بارفيت، يصبح من المستحيل الاعتراض من حيث المبدأ على التشعب، وحتى انتقال الحالات الذهنية. وقد يشترك شخصان مختلفان في الحالة الذهنية نفسها (في اعتقاد ما، على سبيل المثال): فما الموقف المبدئي الذي سيمنعهما بعد ذلك من التشارك في جميع حالاتهما الذهنية؟ على سبيل المثال، يمكن أن تكون حنّة من فرانكفورت في الزمن (ز 1) هي الشخص نفسه مثل نعيمة في المغرب في الزمن (ز 2)، إذا كانت نعيمة (بحكم تحوُّل اجتماعي وسياسي) أقرب نفسيًّا إلى حنة في لحظة
(1 ز) أكثر من حنة نفسها في لحظة (ز 2)، وبالطبع، ومن وجهة نظر زمانية–مكانية، فإنَّ جسد حنة في لحظة (2 ز) يمكن أن يكون متجاورًا مع جسد حنة في لحظة (ز 1)، ولكن المهم هو الحالات الذهنية التي من الممكن أن تقاسمها أو تشاركها نعيمة في لحظة (ز 2) بأكبر عدد الحالات الذهنية لحنة في لحظة (ز 1)، وأكثر من حنة نفسها في لحظة (ز 2). يعيد بارفيت النظر في الأطروحة القائلة بتعاقب الذوات المختلفة، أو في نوع معيّن، وكذلك ما يسمّيه بعضهم ترابطًا سببيًّا بين حالة ذهنية معطاة وأصلها الفيزيائي. وفي هذه
الحالة، فإنَّ نعيمة ستكون أفضل المرشحين لخلافة حنة في لحظة (ز 1). 20. من أجل إظهار أنَّ علاقتنا بذواتنا لا تختلف على المستوى المفاهيمي عن علاقتنا بأي فرد آخر (بشرط أن يكون مماثلً لنا)، يدعونا بارفيت إلى التفكير في آثار فقدان الذاكرة الرجعي rétrograde Amnésie
((2(لا ينفصل تحليل الهوية عند بارفيت عن فلسفة الأخلاق. إنَّ الهدف من كتابه هو أن يبيِّن أنَّ مفهومًا آخر عن الشخص، أو
طبيعة الهوية، ستكون له تداعيات على حدسنا ومعتقداتنا الأخلاقية. والاستدلال بحالات الشخص (س " X ") (وتعرَّف الحالة بأنَّها
مجموعة من التصرفات العقلية للفرد في زمن " t ")، وإخضاع الهوية نفسها لتسلسل هذه الحالات في الوقت المناسب، يسمح كلّه لبارفيت بإحداث ثورة منهجية في توزيع المزايا والمسؤوليات، وفي الحصيلة فتح إمكانية تأكيد معايير التعويض لهذا الشخص أو ذاك. لنتخيَّل ماذا سيحدث لشخص ارتكب جريمة وسُجنت ذاته المستقبلية – وهي نسخة ممسوحة إلى حدٍّ ما من ذاته الحالية –
ودِينَ، أو أُعدم بسبب الإساءة لذاته السابقة. وعلى العكس من ذلك، تخيل أنَّ هنالك من يقول لذاته في المستقبل: من الصواب أن
تستفيد من الموارد المحدودة، وأن تعيش في فقر نسبي من أجل التعويض عن الرفاهية التي تتمتع بها (ذاتك السابقة) ذات يوم! ((2(يجب التذكير بأنَّ بارفيت أبعد ما يكون عن الإقرار بالحاجة إلى افتراض وجود سبب طبيعي يفسر الارتباط النفس–جسدي بين الجسد والدماغ. ويمكن تفسير ظاهرة الاتصال النفسي بأي سبب فعَّال من دون الحاجة إلى تدخل سبب طبيعي من شأنه أن
يعمل من خلال الجسد أو الدماغ. ويستخدم بارفيت تشبيهًا يتمثَّل في شخص أعمى يمكنه إدراك العالم بفضل عيون اصطناعية
يتحكَّم فيها معالج دقيق. يرسل المعالج نبضات كهربائية إلى (دائرة مركزية) مطابقة تمامًا لتلك الخاصة بالعين الطبيعية. ونظرًا إلى
أنَّ هذا الرجل يرى الأشياء التي أمامه، أو لديه القدرة على الرؤية المماثلة لقدرتنا، فإنَّ ذلك يعني أنَّ مساعدة سبب طبيعي ليست ضرورية. ينظر: Parfit, p. 269.
الذي تسببه بعض المخدرات. أتناول حبوب النوم الخاصة بي، وبعد ساعة أنام. وعندما أستيقظ، لن أتذكَّر نصف ساعة من اليقظة. وقبل ساعة واحدة، تحديدًا، تناولت مخدِّرًا: إنَّ الشخص الذي سيستيقظ
صباح الغد في سريري لن تكون له علاقة بذاتي الحالية، ولكن على الأكثر منذ ثلاثين دقيقة. وفي هذه اللحظة، أجد نفسي في فرع نفسي ثانوي سينقطع قريبًا، كما لو كنت شخصًا فيما يتعلَّق بذاتي في
المستقبل، وكما لو أن ذاتي متفرعة. وفي مواجهة مثل هذا الموقف، فإنَّ احتمال استمرار خليفة لي غير معروف في فرع أصغر من حياتي يبدو أقلَّ تناقضًا، وربَّما أقل إثارة للقلق. 21. من خلال إضفاء الطابع النسبي على منطق الهوية، يدعونا بارفيت إلى الترحيب بهدوء بفكرة تعدد المكملين المحتملين. إنَّ التوقُّف عن التفكير في أنَّ هُويتنا هي الأهم، من شأنه أن يسمح لنا، وذلك من بين أمور أخرى، بتغيير موقفنا من الموت. إنَّ ما يهم حقيقة، كما يشرح ذلك بارفيت، هو تحقيق درجة معيَّنة من الترابط بطريقة أو بأخرى، فمهما كان شكل الهوية وسببها المباشر، فإنّ الأمر، في
النهاية، يمكن أن يكون متعلِّقًا بذاكرة متضمَّنة في عقل فرد آخر. إنَّ نهجًا كهذا متجذِّر في مفهوم غير
مملوك non–propriétaire للشخص. لماذا يجب أن تنتمي كل التجارب بالضرورة إلى شخص ما؟ يرى بارفيت أنّ هذا الادعاء غير مسوَّغ. وعلاوة على ذلك، فإنَّ الوجود المحتمل لشخصين أو
أكثر في المستقبل يثبتان أنَّهما الأكثر ترابطًا على نحو مباشر مع الشخص الذي أنا عليه الآن (يعرَّف
الشخص على أنَّه مجموعة من التجارب التي صنعتُ منها ذاتي الحالية)، ويفترض مسبقًا فصل سلسلة تجاربي المعيشة عن صاحبها الحصري. ومن وجهة نظره، فإنَّ الموت لم يعد خسارة حادة، وضيَاعًا
لهُويتنا، لا يمكن إصلاحه، بل هو يشبه تفكُّك مجموعة، يمكن وصفها على النحو الآتي: ستستمر بعدي تجارب عديدة قريبة جدًّا من تلك التي تشكِّلني، وتفعل فعلها على الأكثر من دون أن يتم ربطها بتجاربي الحالية من خلال الترابطات المباشرة، كلحظة ماضية أو تحقيق مقصد. ولكن يجب التأكيد، في الوقت نفسه، على أن الذكريات والحالات الذهنية لا تطفو في الهواء قبل أن تنسب إلى هذا الموضوع أو ذاك: إنَّها بالضرورة ذكرياتي وملكي الخاص، ويجب أن تكون من أجل فهم أفضل. وبالطبع يمكن أن يتذكَّر بيير أو حنة الشيء نفسه؛ مثل حفلة عيد ميلاد جان الثامن عشر على سبيل المثال، وقد تكون لديهما ذكريات متطابقة نوعيًّا لذكريات جان، ولكن هذا لا يعني بأي حال من
الأحوال أنَّ جان يتذكَّر ذكرياتهما.
(30) Ibid., p. 366. (31) Ibid., p. 319.
((3(النتائج التي يستخلصها بارفيت من مفهومه للهوية التي ينظر إليها على أنَّها عبارة عن صلة بين ذوات مختلفة مع مرور الزمن،
تخطئ في التفاؤل أحيانًا، أو تتناقض، على نحو صارخ مع تجربتنا الإنسانية. "ماذا سيحلُّ بنا؟" إنَّ هذا السؤال لا يزال محمَّلً بالقلق،
وهو ما يتَّضح من الانبهار الذي يمارسه بعض الشخصيات المتوحشة علينا (يمكننا أن نفكِّر في تلك التحوُلّات المسخية التي كتب
عنها فرانس كافكا Franz Kafka). وتذكِّرنا هذه الحالات الشاذة بأنَّ هويتنا محفوفة جدًّا بالمخاطر، ويمكن أن تصبح مختلفة في أي
لحظة، وخارجة عن إرادتنا. وعلاوة على ذلك، فإنَّ الصدمة التي تصاحب الوعي بمحدودية حياتنا وهشاشها تشجِّعنا على تنفيذ
استراتيجيات الدفاع عن الذات على نحو يهدف إلى "توطين" المستقبل (وهذه هي حالة الأدوار التي تجمِّد بشكل معياري هويتنا
بوصفنا أمًّا، أو ساعي بريد، أو مؤيدًا لنادٍ ما، وما إلى ذلك). ((3(يؤدِّي حدس بارفيت إلى نتيجة مفارقة: كيف يمكننا أن نميِّز بين شخص يعتقد أنَّه يجسد نابليون بعد قراءته لكل ما كتب عن
سيرته، وفرد هو نابليون بالفعل؟
22. في الختام، يؤكِّد بارفيت أنَّ الهوية، بالمعنى الدقيق للكلمة، هي علاقة صورية بمصطلحين لا يقبلان الدرجات: "لا يمكن أن يكون الفرد متطابقًا مع فردين مختلفين". ثمّ إنَّ العلاقات بين الحالات الذهنية ليست مطلوبة لتلبية هذا المقياس الصوري. إذًا، إنَّ ما يهم هو ليس الهوية في ذاتها، ولكن الذي يهم هو علاقة أضعف كثيرًا؛ هي الهوية من خلال الترابط. وبناءً عليه، فإنَّ الجانب الأساسي لانكشاف
الشخص وانتشاره وتمدُّده عبر الزمن، هو النقطة التي يجب أن تكون مهمة بالنسبة إلينا، فليست الهوية (الصورية) هي المهمة، بل الترابطية بجميع أشكالها.
من الهوية الشخصية إلى موضوع الاعتراف
23. تعتبر أطروحات بارفيت، في بعض جوانبها، جريئة بقدر ما هي مقنعة على نحو عام. ومع ذلك، فإنَّه يتجاهل سؤالً جوهريًّا: إنَّه ينسى تحديدًا من يفترض إنشاء هذه الروابط الطويلة الأمد بين الذوات
المتتالية (سواء تعلَّق الأمر بالاستمرارية أم بالانقطاع). يمكن أن يتخيَّل المرء الهويةَ على أنَّها شهادة
ذاتية Autocertifiant من خلال إشارة قاطعة ومستقرة إلى سند فيزيائي حيوي، مثل الجسم المادي، ولكننا رأينا أنَّ المفهوم الكمي البحت للهوية الشخصية يثبت أنَّه صارم جدًّا. ويبدو أنَّ التصوُّر النوعي
المعرفي يلائم أهدافنا بطريقة أفضل. 24. ومع ذلك، يمكن أن يدافع المرء عن أنَّ كل ذات تؤسِّس هُويتها الخاصة على نحو سياديّ.
والحال أنَّ هذا الموقف الواحدي ضعيف جدًّا على المستوى المنطقي. إنَّه يبدو كما لو أنَّنا نختار أن نقيس قامتنا بسلَّم قيمٍ مستقل، ولكن بوضع يدنا على رأسنا، أو ندَّعي حضور مؤتمر من خلال حمل إشارة مكتوب عليها كلمة "أنا". إن سلسلة الذوات، إذا شاءت أن تتجنّب التعسف، يجب أن تقاس، كما سنرى ذلك، بمقياس آخر غير الأنا، يتضمَّن الإحالة إلى ممارسة تحدِّد الهوية، والإحالة
إلى جماعة محدَّدة أيضًا. ويعتمد الافتراض المسبق للترابطية على شرط فوقي Méta–condition أنَّه يشير إلى استمرارية المقاييس مع الزمن. ومع ذلك، ونظرًا إلى أنَّ الطريقة الوحيدة لافتراض وجود
ترابط بين الذوات المختلفة التي تعاقبت فيما بينها مع مرور الزمن هي التحقُّق البينذاتي لاستمرارية (أو عكسها)، فإنَّ الاستنتاج الوحيد الممكن هو أنَّ افتراض الاستمرارية لا يقتصر على الأنا وحدها، ولا يعتمد عليها فقط. 25. إنَّها، إذًا، مسألة معرفة، أي هيئة يفترض أن تضمن ثبات هُويتنا. فهل يمكن أن تستمر حالاتنا الذهنية وتفضيلاتها مع مرور الزمن؟ وهل يمكن أن تكون "أنا نفسي" في المستقبل مطابقة ل "أنا نفسي الحالية"؟ ومن الذي سيحدِّد إنْ كان هذا هو الحال؟ ومن سيكون مسؤولً عن تطبيق مقاييس تحديد الهوية؟ ومن (أو أي كيان) يشكِّل وحدة التقييم؟ وما الذي يمكن أن يوفِّر إطارًا معقولً وفعَّالً لتحوُلّات
الأنا مع مرور الزمن؟ يبدو، في كثير من الأحيان، أنَّ الفلاسفة ذوي التوجه التحليلي (بمن فيهم بارفيت) يعتقدون أن شروط الاستمرارية (أو الترابطية) يمكن إشباعها داخليًّا بحكم قيام الفاعل بتقييم (إعطاء
معنى) أفعاله وذكرياته باستمرار، في ضوء المركب الإرادي المعرفي. ويُقارن فاعل معيَّن من خلال
الزمن تجربتين مستمدَّتين من تاريخه الشخصي من أجل إثبات هُويته. وللقيام بذلك، فإنَّه يتَّبع قاعدة
تسمح له بإجراء هذه المقارنة. وإذا كان الأمر كذلك، فإنَّ هذا الفحص أو الاختبار يعتمد على قاعدة خاصة مؤدَّاها: أنا الحكَم الوحيد المخوَّل للحكم على التطبيق الصحيح. 26. دعونا نلقي نظرة فاحصة على النقد ذي الطابع الفيتغنشتايني لفرادنية بارفيت. يمكن فهم أي فعل من خلال ربطه بالقواعد. نعتقد أنَّ الفرد يتصرَّف كما لو كان يطبِّق القواعد، وبذلك ندمج الفرد في
مجتمعنا، ونطبق مقاييسنا على سلوكه. ومن ناحية أخرى، لا يمكن أن يسوِّغ شخصٌ منعزل أفعالَه على
أساس هذه القواعد. ففي ظل أيّ ظروف يمكن أن يكون مخطئًا؟ إنَّ الفاعل المنعزل يضع قواعده الخاصة للعبة، ولا يمكننا أن نقول إنَّه خالفها (على نحو أفضل، يمكننا أن نقول: يكفي أنَّه يرغب في خرقها، بما أنَّه لا يوجد مقياس مستقل لتحديد إنْ كان يتصرف وفقًا لقواعد سلوك معيّنة). إنَّ الفرد المنعزل هو حر في الرد
بأيّ طريقة، لأنَّه ستكون لديه دائمًا إمكانية إعادة تفسير سلوكه بطريقة تسوِّغ ذلك. وبحسب فيتغنشتاين،
فإنَّنا نصل إلى الاستنتاج الآتي: إذا كانت مقاييس الهوية (خاصة) – وبعبارة أخرى إذا طرحها، على نحو مستقل، الشخص المعني الذي سيكون عندئذ الحكَم الوحيد على سلوكه – فسنكون عندئذ مخطئين
في الحديث عن المقياس الذي وضعه شخص واحد يفتقر إلى المعيارية Normativité، ولا يسمح لنا بالتمييز بين التطبيقات الصحيحة وغير الصحيحة للقاعدة. ومن ثمّ، فإنَّ أي سلوك سيكون صحيحًا،
ما دام الفاعل يحكم عليه على هذا النحو. ولكن حقيقة الاقتناع الوثيق بتطبيق قاعدة ما لا تشكِّل بأيّ حال من الأحول مقياسًا للحكم بشأن توافق القاعدة مع هذه القاعدة، لأنَّه سيكون عندئذ من المستحيل التمييز
بين اقتناعنا بطاعة هذه القاعدة والإجراء الذي من شأنه أن تتوافق معه في الواقع. وبناءً عليه، فإنّ ما يبدو
صحيحًا بالنسبة إلينا سيكون صحيحًا: لن تملي أي قاعدة سلوكًا معيَّنًا، ما دام أي سلوك معيَّن يمكن
التوافق معه، إذا لزم الأمر. 27. يتعلَّق المقطع الأساسي في استدلال فيتغنشتاين بالمقدمة التي انطلقنا منها، وهي الفكرة التي مؤدَّاها أنَّه يوجد أفراد معزولون، وأنَّ إجراءً لاحقًا سيتولَّى وضعهم في سياق معيّن. إنَّ فيتغنشتاين
لا يؤمن البتة بوجود مثل هؤلاء الأفراد المنعزلين إلى درجة تخوِّلُ ربطهم بجماعة. قد تكون هذه
بداية خاطئة، أو خطأً فادحًا: إنَّ هذا يعود بالضرورة إلى افتراض أنَّ الأفراد مسجَّلون أو مدوَّنون
في شكل من أشكال الحياة فقط، وذلك بعد القيام بعملية تأويلية خاصة. والحال، فإنَّ هذا الفرد
((3(بناءً عليه، ليست الهوية شعورًا ذاتيًّا، ولكنها إسناد من جانب أشخاص آخرين، ومن ثم فهي عملية اعتراف. يُنظر:
Alessandro Pizzorno, "Identità e sapere inutile," Rassegna Italiana di Sociologia , no. 30, vol. 3 (1989), pp. 305–319.
وما هو أساسي هو الجزء الذي يظهره الشخص من حياته الذاتية، لأن في هذا الجزء المكشوف، يكمن فعل الاعتراف.
(35) Jack Temkin, "A private language argument," Southern Journal of Philosophy , vol. 24, no. 1 (Spring 1986), pp. 109–121. (36) Ludwig Wittgenstein, Philosophical Investigations (Oxford: Basil Blakwell, 1953), § 202–258; Jeffrey A. Coulter, Mind in Action (Atlantic Highlands: Humanities Press International, 1989); Saul Kripke, Wittgenstein on Rules and Private Language (Boston: Harvard University Press, 1982). (37) Wittgenstein, Philosophical Investigations, § 432. (38) Ludwig Wittgenstein, Fiches , Jean–Pierre Cometti & Elisabeth Rigal (trad.) (Paris: Gallimard, 2008), § 143, 233,
(منظورًا إليه في حدِّ ذاته) ليس سوى فكرة مجرَّدة. ويمكن مقارنتها بالخلية التي نعزلها اصطناعيًّا عن
الكائن الحي، ثم يمكننا بعد ذلك دراستها، وهي ميتة، من أجل فهم وظيفتها الحيوية (مثلما نحاول أن نفهم لحنًا موسيقيًّا بتحليل كل مقطع على حدة من دون أن نأخذ في الحسبان مجاله الكلي Gestalt). 28. تنطبق هذه الاعتبارات جيِّدًا على دلالات الفعل. وعلاوة على ذلك، فإنَّ الهوية لا يجري تشكيلها
أو التعرُّف إليها "كلية"، و"بشكل كلِّي" (فما الهوية بشكل كلي؟). تتكوَّن الهوية في الزمن، وعبره، ومن
خلال فعل إلى فعل، وذلك لأنَّ المعنى ينبثق من أفعالي (ويختلف عن المعنى الذي يمكنني أن أنسبه إلى أفعالي عن قصد). ولأنَّنا لا نملك القدرة على تجاوز المواقف التي نكون فيها، فإنَّنا نكتشف، من خلال التفاعل، تدريجيًّا دلالة تصرُّفاتنا في علاقتها بالأشخاص الآخرين الذين يتفاعلون مع اختيارنا في
سياق معيّن. ولتحديد معنى الفعل، من الضروري فحص ردود الفعل التي أثارها هذا الفعل نفسه ضمن
دائرة الاعتراف reconnaissance de Cercle، وهذه هي الصياغة التي قدَّمها جورج زيمل. وبدلً من الانطلاق من القصد الذاتي الذي فرض إجراءً معيَّنًا، فإنَّ الأمر يتعلَّق بإعادة تشكيل سلسلة تلقِّي هذا
الفعل، وتفسير المقاييس التقديرية التي نعتمدها تجاه الفاعل. ولا تعتمد هذه المقاييس والتفسيرات على الفاعل فقط. وممَّا لا شك فيه أنَّنا نتصرَّف دائمًا وفقًا لمقاييس في إسناد المعنى الذي نفترض أنَّه مشترك،
ولكن ليس لدينا الحق في افتراض تطابق شخصي كامل ومسبق (مطابقة المعايير التي يستعملها الفاعلون لتقييم أثار فعل ما أو نتائجه) مع ثبات زمني (وادعاء معرفة من سأكون، وماذا أريد في زمن: (ز"1"+ +1 t)). إن تقرير ما يجب اعتباره "واضحًا" بشكل سيادي ليس في مقدرتنا: إنَّنا نكتشفه كل مرة في التفاعل.
وواقعُ أنَّني أكشف عن نفسي من خلال سلوكي وتصرُّفي لا يجعلني، بأي شكل من الأشكال، مؤلِّفًا
لهويتي أو مُنتجها. إنَّ ما سنصبح عليه في نهاية التفاعل (ما المعنى الذي ينسب إلى أفعالنا؟ وما الهوية التي ستنسب إلينا؟) لا يعتمد علينا فقط. إنَّ شخصًا ما، حتى لو افترضنا أنَّه كشف عن نفسه مرة واحدة بالفعل من خلال أفعاله وتصرُّفاته، فإنَّه غير قادر على التنبؤ بالكيفية التي سيكشف من خلالها عن نفسه
(وما سيكون عليه) في فعله التالي. وكما يلاحظ فيتغنشتاين، إنَّ كل فعل موجه إلى الآخر بوصفه نوعًا من الاستجواب، ويحيل إلى مستقبل لا يمكننا أبدًا التنبؤ به بدقة بوصفنا فاعلين. ويترتب على هذا أنَّنا لا نملك أي ضمان ضد عدم اليقين من الآثار الصادرة عن أفعالنا. إنَّ مثل هذا الضمان يتضمَّن
الخروج من البعد الزمني أو التطور داخل مجتمع منظَّم على نحو صارم، يتقاسم الفاعلون فيه، ويتشاركون في معايير تقييم متطابقة بالفعل. وتنطبق الشروط نفسها على الألقاب، والأوسمة، والوثائق الداعمة،
(3((تتشك ل هُويتنا داخل مجال من المواقف المتشابكة وغير الخاضعة لسيطرة مركزية، ولا يمكن لأي شخص أن يتجاهل
العلاقات الموضعية التي يجري فيها استجوابه، وذلك من وجهة نظر خارجية مفترضة، ومن خلال شبكة أفعال الكلام التي تتك ون
منها. عندما تفكِّر في هويتك أو تتحدَّث عن ذاتك بضمير الغائب، فإنَّك ستخوض تجربة مربكة، لأنَّك لم تعد تشعر و"كأنك في
بيتك"، لذا ستكون غير مرتاح. إن الهُوية بوصفها مشكلة لا تنفصل عن مخاوف الحداثة (تأكّل الهرميات أو المراتبيات الاجتماعية،
وأزمة فكرة مصيرنا، والغرض من وجودنا الذي يتحدَّد عند الولادة بحسب مستوانا أو وضعيتنا). يُنظر:
Roland Barthes & Flahault François, "Parola," in: Enciclopedia Einaudi , vol. 10, no. 1 (Turin: Einaudi, 1980), p. 434. (40) Georg Simmel, "La différenciation sociale," Revue internationale de sociologie , vol. 1, no. 2 (1894), pp. 198–213. (41) Wittgenstein, Philosophical Investigations , § 457; Ludwig Wittgenstein, Zettel (Oxford: Basil Blackwell, 1986),
والأسماء، والأدوار، والثياب؛ وباختصار، على جميع الإشارات والعلامات التي من خلالها "يتواصل" أو "ينقل" حضورنا، وإشاراتنا، وإيماءاتنا، واختياراتنا إلى مجموعة معيَّنة من الأفراد، دلالة، أو معنى محدَّدًا
على أساسه وقاعدته تتشكَّل هوية وتنسب إلينا أو تسند. وباختصار، سيكون من غير المعقول اختيار هوية بكل سيادة من دون الإحالة ضمنيًّا إلى أفراد آخرين يفترض أن يتعرَّفوا إليها؛ سواء كان ذلك بطريقة
مباشرة، أو بطريقة مناقضة (على سبيل المثال، عندما يحسدنا شخص ما أو يبغضنا). 29. لفهم قوة هذه الحجج بطريقة أقل تجريدًا، لنعُدْ إلى مثال النقل عن بعد الذي قدَّمه بارفيت، ولكن في نسخة أكثر منطقية، وضمن مسار اجتماعي وأنثروبولوجي. لنتخيَّل أنفسنا في مكان أولاتونجي
Olatunji، محارب من يوروبا Yoruba، وقد رُحِّل إلى ألاباما Alabama. وبسبب سلسلة من الظروف
المناسبة، نجونا من الترحيل، واحتفظنا بكل ملكاتنا المعرفية والجسدية. ولم يتغيَّر إلا الناس الذين من
حولنا: لقد أصبحوا الآن مزارعين. بعد إدانتنا بأسر طويل في المزرعة، وعَزلنا عن أي اتصال مع دوائرنا المرجعية الاجتماعية، فقدنا مصادر الاعتراف التي بها يعطي بعضنا بعضًا هوية في يوروبا؛ وهي متمثلة في: اللغة، والاسم، والأدوار الاجتماعية، والحلي، والملابس، والممارسات، والطقوس. وقبل ترحيلنا من العالم الأفريقي الذي عشنا فيه، حُدِّدت هويتنا من خلال هذه المعالم العامة والدائمة التي تعمل
كإشارات بفضلها كان الاعتراف يتجدَّد في كل يوم. ولقد سمحت لنا هذه المعالم بوضع محاورينا في شبكة من العلاقات الاجتماعية، ومن خلال تشابكاتها ظهرت الهوية. وليس الأمر كذلك في المزارع الأميركية. لقد زُرعنا في سياق آخر، وأصبحنا ذاتًا مختلفة (ومهينة أيضًا) من جهة الأفراد الذين يفضِّلون قيمًا أخرى، ويسعون إلى أهداف أخرى، ويصنِّفون الأفراد على أساس علامات أخرى، بحيث نجد أنفسنا
مجرَّدين مما كان يشكِّل هويتنا ذات مرة في الذات الاجتماعية، بمعنى في الطريقة التي تعلَّمنا بها تعريف
أنفسنا. لنفكر في أولاتونجي القديم، ولنسأل أنفسنا: ألا يزال مطابقًا للفرد الذي أُجبر على إخفاء هُويته من أجل البقاء في سياق مختلف؟ لو تعلَّق الأمر بالهوية العددية، فإنَّ الشخصين متطابقان بالفعل (إنَّه الجسد المادي نفسه في نقطتين مختلفتين من الفضاء). ولكن من وجهة نظر الهوية النوعية، فإنَّ الأمر على العكس من ذلك. إنَّ الأفراد الذين يسمُّون أولاتونجي لم يعودوا متطابقين على الإطلاق. لقد كف
أولاتونجي، الذي هو من شعب يوروبا، عن الوجود، ولقد أُجبر على التحوُّل والتغيُّر – بطريقة حقيقية
وليست مجازية – إلى فرد آخر: لقد أصبح يحيا حياة أخرى، ويحمل اسمًا آخر، ويقوم بدور آخر، ويتكلَّم
لغة أخرى. لم يتغيَّر شيء فينا، ولكن هويتنا القديمة، بطريقة ما، لم تعد موجودة، وذلك بمجرَّد أن تغيَّرت
الدائرة التي تمنح قيمة لإيماءاتنا، وخياراتنا، ونياتنا، وتأكيداتنا. سيقول بارفيت إنَّ أنا جديدة قد حلَّت محلَّ الأنا القديمة. ربما لا تزال هنالك رابطة بين الأنا الجديدة والأنا القديمة، ولكن هذا الارتباط ليس ارتباطًا سببيًّا، ولا ذاتيًّا، بل هو ارتباط اجتماعي، وهو يعتمد على الدوائر التي اخترنا أن نتطوَّر فيها، أو
أجبرنا عليها.
((4(عندما تتغَّير دائرتنا الاجتماعية المرجعية أو معايير التقييم الخاصة بنا، سيبدو لنا أنّ أفعالنا، هذه أو تلك، نابعة من هُوية لم يعد
يعرفها أحد. وبتعبير آخر، لم يعد أحد يدرك قيمتها بعد الآن مثلما تتجسَّد أو تتحقَّق في هذا الفعل.
(43) Alessandro Pizzorno, Il velo della diversità. Studi su razionalità e riconoscimento (Milano: Feltrinelli, 2007), p. 264.
30. وفي وضعية عدم اليقين، وعندما نجد أنفسنا لا نتقن اللغة التي تحيط بنا، ونجد أنفسنا في الحصيلة، خاليين من المعايير، ومن الاسم (وهذه هي حالة أولاتونجي، إنَّه غير قادر على توقُّع آثار أفعاله ونتائجها في سياق جديد). وفي مثل هذه الحالة يتراجع الفرد ويتقهقر إلى درجة الصفر. لقد
مُحِيَت هُويتُه السابقة، وكذلك أناه. لم تعد لدينا مقاييس تسمح لنا بتوقع المعنى المحتمل لأفعالنا.
وبمعنى آخر، من المستحيل بالنسبة إلينا أن نعرف مسبقًا كيف سيجري التعرف إلينا. ولكي نكون متأكِّدين على نحو معقول من أنَّ مقاييس تقييم هُويتنا الشخصية ستكون هي دائمًا نفسها عند حدوث
عواقب أفعالنا ونتائجها، فإنَّنا نحتاج إلى ضمانات معيَّنة حول استقرار السياق الذي يعطي قيمة
لخياراتنا ونياتنا وأفعالنا، ويحدِّدها، ويتعرَّف إليها. 31. حان الوقت لتلخيص نتائج نقدنا لبارفيت. لقد كان السؤال: "من أين تأتي هويتنا؟"، و"كيف اكتسبناها؟". لقد وجدنا أنَّ هذه الهوية ليست "مختارة"، ولكنَّها تنبثق من مجموعة خيَارات (أفعال)
فاعل كما هو معترف به من جهة مراقب أو ملُاحظ. فحتى نكتسب هوية محدَّدة، فإنَّنا بحاجة إلى
مساعدة شخص آخر (وإلى حدٍّ ما إلى خصمٍ) يعترف بوجودنا و"ينسب إلينا اسمًا يُعيِّننا به، نقبله أو
نرفضه". فليست الهوية خاصية مخبأة في أعماقي ذاتي، والتي يمكن أن تكون موضوع اعتراف، وليست تأكيدًا مستقلًّ للذات في مقابل الذوات الأخرى. إنَّ الهوية هي الإسناد الذي ينشأ بيننا في إطار محدَّد يتَّسم بالعرض المتبادل الذي ينتجه التفاعل. 32. باختصار، سيكون من الخطأ اعتبار أنّ الذات مكوَّنة ذاتيًّا، وأنّ الهوية تعبير عن بيولوجيَّتها. إنَّ
أسبقية الاعتراف على الهوية أولوية منطقية حتى قبل أن يكون ثمة ترتيب زمني أو جيني. إنَّ الاعتراف مرسوم، أو مدوَّن، في نشأة الهوية ذاتها التي تفتقر إلى القدرة على إثبات نفسها، ولا يمكن إقرارها
أو إثباتها من دون فعل مسبق للاعتراف. وإذا ما فكَّرنا في تجربتنا الخاصة، فسنجد أولً عالمًا
من الأشخاص الذين قدَّموا أنفسهم إلينا علنًا، وقاموا بتعريفنا، كما نجد الأشخاص الذين تفاعلوا مع أفعالنا، ومن ثم تعرَّفوا إلينا. إنَّ الحاجة إلى الاعتراف تسبق الاعتراف الذاتي. وبمجرَّد أن نتوقَّف عن
تصوُّرها على أنَّها طبيعة جوهرية، ونعتبرها استمرارية نسبية للوظيفة التعينية للاعتراف، فإنَّ الهوية تقدِّم
((4(يمكن إثبات وجود علاقة داخلية بين الهُوية الشخصية من جهة وإمكانية تعرّف الآخرين إليها من جهة أخرى، وذلك من خلال
مثال بسيط تمامًا: إذا نظرنا في صورتنا ونحن أطفال، فإنَّ وسيط ا ثالثًا يفرض نفسه، ليسمح لنا بمعرفة هُويتنا الذاتية، ومن ثم التعرف
إلينا. وبناءً عليه، لن نكون، من دون تحقيق أولي للاعتراف الجماعي بالهُوية، قادرين على معرفة هُوية الذات التي يجب أن ننسب
إليها هذا أو ذاك من الاختيارات، أو هذا وذاك من الأفعال في هذا السياق أو ذاك. ((4(فكرة الهُوية التي نكون نحن مسيّريها ومدبِّريها منتشرة إلى حدٍّ ما. ففي نقد تشارلز تايلور لنظرية الاختيار العقلاني وحدودها،
يجادل بأنَّنا لسنا مستعدِّين فقط، بل إننا نسأل في فعل التداول ذاته: "من" نريد أن نكون؟ يُنظر:
Charles Taylor, "Agency and the self," in: Charles Taylor, Philosophical Papers , vol. 1 (Cambridge: Cambridge University Press, 1985), pp. 16–17, 23, 34–35, 67, 99, 104. (46) Pizzorno, p. 22. (47) Richard Rorty, Philosophy and the Mirror of Nature (Princeton: Princeton University Press, 1980), p. 177; Erving Goffman, La mise en scène de la vie quotidienne. 1. La présentation de soi (Paris: Minuit, 1973), p. 238. (48) John Shotter, "Social Accountability and the Social Construction of 'you'," in: John Shotter & Kenneth J. Gergen (dir.), Texts of Identity (London: Sage, 1989).
نفسها بوصفها معلمًا مرجعيًّا دائمًا، تسمح للمراقب بإسناد المعنى إلى أفعال معيَّنة. من أجل ذلك كلّه،
سيكون الحديث، من الناحية الفكرية، صادقًا عن التعيين والتحديد Identification (فعل التمييز)، بدلً من الحديث عن الهوية. إنَّ الهوية هي فكرة–حد، ومحور تخييلي لعملية تحديد وتعيين، وإشارة موضعية تسمح للمراقب بوضع السلوك البشري داخل نظام الإحالات.
من الاعتراف إلى الاعتراف الذاتي
33. ما "الاعتراف"؟ تتعايش العديد من القيم الدلالية المتناقضة في هذه الكلمة، وذلك بدءًا من فكرة
"كشف القناع": (لقد تعرَّفت إليك!) إلى فكرة "الجائزة" و"التكريم" ("تقليد وسام" اعترافًا بإسهام مهم،
على سبيل المثال). إنَّ هذين المعنيين قد يؤديان إلى تضليلنا؛ إذ يبدو، من ناحية، أنَّنا نفترض نوعًا من العلاقة الحميمية السرية التي يجب الكشف عنها (الهوية الحقيقية للذات)، ومن ناحية أخرى فإنَّنا نفكِّر في التصديق على قيمة هذا الفرد أو ذاك، كما لو أنَّ الاعتراف الوحيد الممكن هو الموافقة أو الإقرار. 34. عندما أُؤكِّد أنَّني تعرَّفت إلى شخص ما، أو شيء ما، فإنَّني أشير إلى وجود فجوة زمنية تفصل
بين فعلين متميِّزين من أفعال المعرفة. وفي هذه الفجوة يجري وضع تحديد جديد لشيء كنت أعرفه
سابقًا. وبعبارة أخرى، يتم سد الفجوة من خلال تكرار فعل المعرفة السابق، وإعادة التعرَّف يعيد
تأسيس شيء كان معروفًا لي من قبل. وتشير البادئة Re–) (إلى فعل المعرفة في أوقات مختلفة، وفي تنوع مظاهرها وتجلياتها. إنَّ التعرُّف هو أن تتعرَّف شيئًا بوصفه شيئًا، وعلى أنَّه الشيء نفسه Le
même، وأن تتعرَّفه على هذا النحو عدة مرات. وبهذا المعنى، لا يبدو أنَّ ثمة فرقًا جوهريًّا بين المعرفة
والاعتراف الذي يتحدَّد من خلال الفاصل الزمني. وفي الواقع، يعني الاعتراف حصر شيء ما أو أحد ما، وتثبيت صورته، ووضع مخطَّط له يتجاوز تفرُّد الإدراك المؤقت. إنَّ التعرف يعني أن نحدِّد شيئًا على
أنَّه هذا الشيء، وعلى أنَّه مطابق لذاته، وليس لشيء لن يكون عليه. إنَّه تثبيت لهذا الاختلاف. 35. يُحضر لي رجل قطعة من الورق. أحيط علمًا بفعله، وأقارنه بملاحظات سابقة أخرى. إنَّ هذا في
الواقع سلوك ساعي البريد. تشير ملاحظة هذا الفعل المعزول إلى مرجع ثابت هو إسناد دور (دور ساعي البريد) مع الإجراءات التي ينطوي عليها هذا الدور. تسمح لنا هذه الإشارة بإعطاء معنى للفعل المرصود وللآخرين الذين ينتمون إلى السلسلة نفسها، والتي بدورها تكتسب أهميَّتها على أساس
الإسناد المتعلِّق بالموضوع التمثيلي فقط. ولفهم معنى إيماءة ساعي البريد، يجب ربط هذا الفعل بالأفعال السابقة وطرح فرضيات (يجري التحقق منها بالملاحظة) متعلقة بالنتائج (الأفعال اللاحقة) التي ستترتَّب على الإجراء المرصود، وهو تسجيل هذه الإيماءة في سلسلة. إنّ العملية التي وصفتها (اختزال الأفعال التي تحيط بنا إلى هوية الأشخاص الذين أنجزوها، أو تعرُّفوا إلى هوية الفرد بدءًا من
الفرضية القائلة إنّ أفعاله تشكِّل سلسلة) تمثِّل نموذجًا للاعتراف يمكن القول إنه "اعتراف معرفي".
وفي هذه الحالة، يتعلَّق الأمر بافتراض وحدة فئة معينة من الأفعال من خلال إسنادها إلى مصدر
(49) Paul Ricœur, Parcours de la reconnaissance (Paris: Stock, 2004). (50) Marcel Proust, À la recherche du temps perdu , vol. 4 (Paris: Gallimard, 1989), p. 518.
مشترك (والمجتمع الذي يستحيل فيه إسناد أفعال إلى ممثِّل يكون من الصعب تخيُّله ويكاد يكون من
المستحيل فكُّ رموزه). 36. إنَّ الاعتراف، على الرغم من ذلك، لا يقتصر على تحديد مكان شيء ما أو شخص ما، وتقييده فيما يتعلَّق بالعالم المحيط به، وإعادة تحديده بمرور الزمن. إنَّه يعني القيمة، ولنقل الموارد الرمزية التي تعمل على التحقق من الهوية الشخصية (نصيحة، كلمة تشجيعية، لفتة قَبول، قُبلة، تعبير عن المودة
أو الدعم). إنَّني أُسمي هذه الموارد ب "خَيْرات الهوية"، لأنَّها تدعِّم نشر الهوية وتعزِّزها. وباختصار
يشكِّل الاعتراف عامل تحديد الهوية (بالمعنى المعرفي)، وموزِّعًا للقيمة (بالمعنى الأخلاقي). وهنا يتعلَّق الأمر بالانتقال من التعيين والتحديد إلى الهوية، من دون اللجوء إلى الفرضية الخاطئة للحضور المزدوج (يختفي في مكان منَّا، وفي جانب من جوانب ذاتي عينها، وفي أناي، وفي الجوهر الحقيقي لهويتي، و"ذاتي"). وللقيام بذلك، سأستحضر فكرة اقترحتها في مكان آخر، إنَّها فكرة الاعتراف الذاتي Auto–reconnaissance. تسمح هذه الفكرة بالأخذ في الاعتبار البناء البينذاتي للهوية من دون إهمال ل "الإغلاق أو السياج" النسبي أو عدم النفاذية لأي شخص فيما يتعلَّق بالسياقات التي يتصرَّف فيها،
والتي يجري التعرف إليه فيها وفقًا لاستراتيجية يمكن أن نسمِّيها صيانة الهوية الشخصية. 37. يمكننا أن نتصوَّر الاعتراف الذاتي بوصفه عملية تفكُّر ذاتي تؤثِّر في ذاكرة أفعال الاعتراف المتتالية
التي كنَّا هدفًا لها داخل مجتمع معين. وهذا لا يعني أنَّنا ندرك ذواتنا في التعريف الذي يقدِّمه الآخرون عن أنفسهم فقط (يمكننا أن نفكِّر في السرد الجماعي للحركة، وعلى سبيل المثال الحركة النسوية). إنَّ الاعتراف الذاتي هو أولً أن ننسب الوحدة الشخصية إلى أفعال الاعتراف العامة التي كنَّا هدفًا لها. وفي هذه الحالة، يختلف الاعتراف عن الاعتراف الذاتي الذي ينشئ صلة بين مجموعة من الإجراءات وبين الفرد الذي من المفترض أن يكون فاعلها. ومن ناحية أخرى، يتكوَّن الاعتراف الذاتي من الارتباط بين
جسد محدَّد ومجموعة من الإجراءات التي تعود إلى مرحل مختلفة. وتقوم هذه العملية على تحديد فجوة واضحة بين الذات عينها والآخرين، وإدامة هذا التمايز مع مرور الزمن. 38. مثلما أشرت إلى ذلك آنفًا، فإنَّ عملية التنشئة الاجتماعية، بالنظر إلى التعريف، تنطوي على التصرف أمام الآخرين، ومن ثم يكون الشخص مرئيًّا. ومن دون تاريخ أو معرفة (ضمنية) بالدوائر
الاجتماعية التي ننتمي إليها أو ما زلنا ننتمي إليها، ومن دون ذكر الأدوار التي قمنا بها، والطرق المختلفة التي جرى تمثيلنا بها أو وُصفنا بها، فإنَّ تعريفنا لأنفسنا لن يصبح له أي معنى؛ وهو ما يعني أن عملية التفرد تتجذَّر في تاريخ شخصي يتكوَّن من أفعال الاعتراف المتبادل بين الأفراد والأوساط الاجتماعية
التي شهدت فعله. وبهذا المعنى، يكون الاعتراف الذاتي بعد الاعتراف ويفترض ذلك مسبقًا، ومن خلال ميراث أفعال الاعتراف التي جمعناها (بالمعنى المزدوج ل "المراكمة" و"التحمُّل")، تدخل ردود أفعال الآخرين في صيغة هُويتنا. ومع ذلك، وهذا هو الشيء الرئيس، فإنَّ صياغة تعريفنا الذاتي هي عملية نشطة. فإذا كان الفرد من ناحية، على المستوى المعرفي، يستوعب الصورة الذاتية التي يرسلها
(51) Davide Sparti, L’importanza di essere umani. Etica del riconoscimento (Milano: Feltrinelli, 2003).
الآخرون إليه، فإنَّه من ناحية أخرى، يجري إعادة تفسير هذه الصورة وإعادة تكوينها من خلال نوع من الجماعة الداخلية. إنَّ الاعتراف الذاتي هو وسيلة للعودة إلى ميراث أفعال الاعتراف المتراكمة حتى ذلك الحين، ولتحويل الذات عينها إلى جمهور يخبر المرء نفسه أمامه، ليصبح هو "الآخر"، وأوَّل متلقٍّ ومؤوّل لأفعاله وشارح لها. وفي لحظة استقبالها أو تلقِّيها، فإنّ أفعال الاعتراف تكون أفقية (يرسلها الآخرون إلينا في حالة من التفاعل الآني الخالص)، ولكن مع مرور الزمن يترسب هذا الميراث الأفقي في مجموعة عمودية، لأنَّه مقسَّم إلى طبقات من الذكريات، وهو ما نسمِّيه تاريخ الشخص. لذلك فإنَّ الفرد يدخل في أي تفاعل جديد مجموعة مختارة من ماضيه أو تاريخه، وهو ما يسمح بالتعرف إلى ذاته. وهذه الوحدة الذاتية غير قابلة للاختزال في مجرد إضافة بسيطة لأفعال الاعتراف المعزولة، بما أنَّ الماضي يجري سرده وتأليفه في كل مرة ومن جديد. 39. على الرغم من أولوية الشخص الثاني (بالنظر إلى أنَّ مواريث الاعترافات التي تُتلقّى تبني الهوية) على الشخص الأول (الاعتراف الذاتي)، فإنَّني لا أدافع بأي حال من الأحوال عن الاسمية المتطرفة أو الحتمية الاجتماعية، واختزال الهوية في مجرَّد أن نكون من أجل الآخرين بشكل بسيط ونقي، وكأنَّنا
في كل مرة نكون "رهائن" للاعتراف الممنوح لنا. إنَّ نشاطنا المعرفي إيجابي، وليس نشاطًا سلبيًّا فقط.
وبالنظر إلى الاعتراف الذاتي، نتمكَّن من إبعاد ذواتنا عن صفات وأفعال الاعتراف التي نكون هدفًا لها: اليوم تراني بطريقة معيَّنة، ولكنني أتذكَّر دائمًا حقيقة أنَّ شخصًا آخر رآني بشكل مختلف منذ ثلاث
سنوات أو ثلاثين سنة. ولديَّ الحق في التأكيد، وذلك بحسب تقديري، على إحدى صفات التقدير التي سأجمعها تدريجيًّا. وتضاف إلى الهوية–المرآة miroir – Identité هوية تنتج الحدود. وكما يفسِّر
ذلك غوفمان، فإنَّه يحق للفرد رفض إسناد هوية في أي وقت (يفكِّر غوفمان، أولً وقبل شيء، في الالتزامات التي ينطوي عليها هذا الدور أو ذاك)، وأن يسوِّغ رفضه، أو مهنته باستقلالية، وذلك بواسطة قوة أفعال الاعتراف التي جمعها إلى حد الآن. وتشير صفات التقدير هذه إلى الدوائر الاجتماعية الأخرى التي ينتمي إليها الفاعل أو يرغب في الانتماء إليها في المستقبل. وباختصار، لا تُمنح الهوية الشخصية للفرد عند الولادة، ولكنَّها تتشكَّل باستمرار طوال زمن وجوده، ومن خلال علاقاته المتعددة مع الآخرين.
خاتمة
40. كانت نقطة انطلاقي هي المناقشة التحليلية للهوية الشخصية. ثم قدَّمت نظرية بارفيت، وأكَّدت، أولً وقبل كل شيء، على مسألة بقاء هُويتنا عبر الزمن. وفي ظل هذه الانعكاسات، يبدو لي أنَّني
أستطيع أن أُؤكِّد أنَّ حقيقة الاعتراف تمثِّل شرطًا مسبقًا لأيّ هوية. وإذا كان هذا صحيحًا، فإنَّ أي ذات ستعمل حتمًا على ضمان حالات الاعتراف في المستقبل، خاصة أنَّه لا يوجد حدٌّ مطلق ونهائي
((5(لنتخيَّل أنَّ هُويَّتنا النوعية، مثل قارب ثيسيوس، وقد أعيد تشكيلها بمرور الوقت من خلال أعمال الاعتراف المتتالية. فهل أننا
في هذه الحالة لا نزال الأشخاص أنفسهم؟ تسمح لنا نظرية الاعتراف المزدوج، التي بموجبها يتعرف المرء أفقيًّا من قبل الآخرين،
وعموديًّا من قبل نفسه (الاعتراف الذاتي)، بالإجابة عن هذا السؤال.
للاعتراف ("حدّ كافٍ " للاعتراف بالهوية). فكم من مرة علينا أن نشفق على شخص آخر، أو نتعامل معه، أو نساعده، أو نستمع إليه، أو نقبل اعتذاره، أو نقدِّر صفاته قبل أن نقول: "هذا كل شيء، لقد تعرَّفت إليك بما فيه الكفاية". لا توجد حدود نهائية يجب اجتيازها، فكِّر في الموكب المستمر للجمل
والعبارات فقط، من قبيل: "أخبرني أنَّه لا يزال لديَّ فرصة/ ستكون هنالك فرصة أخرى"، "أعطني فرصة جديدة"، "دعني أحاول مرة أخرى". إنَّ الرهان في مختلف هذه المواقف يتمثَّل في يقين الفاعل، أو عدم يقينه، بالنسبة إلى ذاته التي ستكون موضوعًا للاعتراف على المدى الطويل، وذلك من جانب شركائه الاجتماعيين. وإذا كان البقاء بوصفه استمرارًا للاعتراف – ولنسمِّه البقاء الاجتماعي – له علاقة
بالضمان المتوقَّع بالتعرُّف إليه بطريقة ما، وباستقراره النسبي، فإنَّه يمكن عندئذ تفكير ممارسات التعيين
والتحديد، وبناء الهوية الشخصية بوصفها نوعًا من "عقد" التأمين ضد مخاطر فقدان الاعتراف. 41. لقد أردت أولً أن أُبيِّن أنَّ سؤال الهوية يقبل بمعالجتين وطريقتين مختلفتين. فوفقًا للفلاسفة
ذوي التوجه التحليلي، يجب أن ترتكِّز الهوية على أرضية صلبة، مثل حقيقة الذهن والجسد. أمَّا وفقًا للبنائيِّين، فإنَّ الهوية هي، قبل كل شيء، نتاج سياق اجتماعي. ثم بعد ذلك، حاولت أن أبيِّن أنَّ الهوية
الشخصية تفترض فعل الاعتراف. ومع ذلك، فإنَّني إذا كنت قد أكَّدت من ناحية على الطبيعة الظرفية للهوية، فإنَّني قد حاولت التأكيد على تحقيق الاستقرار النسبي للفرد في سياقات اجتماعية مختلفة، وذلك من أجل فهم هذا الوجود المتنقِّل الذي تمثِّله الهوية الشخصية. إنَّ حقيقة أنَّ الهوية الشخصية هي بناء أمرٌ لا يعني، بأي حال من الأحوال، أنَّها غير موجودة، أو أنَّه يجري محوُها وإعادة رسمها
باستمرار، وفقًا للمناسبة أو الظرف. فمن ناحية، يجب أن نفترض مسبقًا وجود مجموعة من أفعال الاعتراف التي سمحت بتشكيل هوية وإقرارها شخصية تتكشَّف مع مرور الزمن. ومن ناحية أخرى، يجب الاعتراف بأنَّ هناك أيضًا عملية للاعتراف الذاتي تؤمِّن الفرد ضد مخاطر الانجراف اللانهائي من خلال عدد غير محدَّد من الأشكال البديلة. تحدَّد الهوية وتعرَّف بأنَّها عملية تسمح لنا بوضع سلسة من الصفات، وتوحِّد عددًا معيَّنًا من أفعال
الاعتراف التي تشكِّلنا بوصفنا فاعلين مسؤولين عن اختياراتنا، ويثبت الاعتراف الذاتي أن الاعتراف بالهوية ليس بالضرورة عملية غير متكافئة، قياسًا على أنَّنا نحن ذاتنا، وبوصفنا شخصًا معترفًا به، نشارك
بوصفنا ذاتًا فاعلة في لعبة لسانيَّات الاعتراف linguistique de la reconnaissance.
References
المراجع
Barthes, Roland & Flahault François. "Parola." Enciclopedia Einaudi. vol. 10, no. 1. Turin: Einaudi, 1980. Butler, Judith. Le récit de soi. Bruno Ambroise & Valérie Aucouturier (trad.) Paris: PUF,
Carrithers, Michael, Steven Collins & Steven Lukes (eds.). The Category of the Person: Anthropology, Philosophy, History. Cambridge: Cambridge University Press, 1985.
(53) Judith Butler, Le récit de soi , Bruno Ambroise & Valérie Aucouturier (trad.) (Paris: PUF, 2007), p. 40.
Coulter, Jeffrey A. Mind in Action. Atlantic Highlands: Humanities Press International,
Descombes, Vincent. "Réflexions sur les questions d’identité." Bulletin de la société française de philosophie. vol. 3, no. 105 (Novembre 2011). Goffman, Erving. Stigma: Notes on the Management of Spoiled Identity. New York: Simon & Schuster, 1963. _______. La mise en scène de la vie quotidienne: 1. La présentation de soi. Paris: Minuit, 1973. Hobbes, Thomas. De Corpore. Paris: Librairie Philosophique Vrin, 2000. Hume, David. Traité de la nature humaine. book I. part 4. section 4. Paris: Aubier Montaigne, 1983. Kripke, Saul. Wittgenstein on Rules and Private Language. Boston: Harvard University Press, 1982. Langford, Glenn. "Persons as Necessary Social." Journal of the Theory of Social Behavior. vol. 3, no. 8 (1978). Lewin, Kurt. Der Begriff der Genese in Physik, Biologie und Entwicklungsgeschichte. Berlin: Springer, 1922. Madell, Geoffrey. The Identity of the Self. Edimbourg: Edinburg University Press, 1984. Neurath, Otto. "Foundations of the social sciences. International encyclopedia of unified science." The Journal of Symbolic Logic. vol. 2, no. 1. Chicago: University of Chicago Press, 1944. Nozick, Robert. Philosophical Explanations. Cambridge: Harvard University Press,
Parfit, Derek. Ragioni e persone. Italiano: Il Saggiatore, 1989. Pizzorno, Alessandro. "Identità e sapere inutile." Rassegna Italiana di Sociologia. vol. 3, no. 30 (1989). Pizzorno, Alessandro. Il velo della diversità. Studi su razionalità e riconoscimento. Milano: Feltrinelli, 2007. Platon, Phédon. Paris: Flammarion, 1999. Proust, Marcel. À la recherche du temps perdu. vol. 2. Paris: Gallimard; Bibliothèque de La Pléiade, 1988. _______. À la recherche du temps perdu. vol. 4. Paris: Gallimard, 1989. Quine, Willard Van Orman. From a Logical Point of View. Cambridge: Harvard University Press, 1961. Ricœur, Paul. Parcours de la reconnaissance. Paris: Stock, 2004. Rorty, Amélie Oksenberg. The Identities of Persons. Berkeley: University of California Press, 1976.
Rorty, Richard. Philosophy and the Mirror of Nature. Princeton: Princeton University Press, 1980. Sacks, Oliver. L’homme qui prenait sa femme pour un chapeau. Et autres récits cliniques. Paris: Points Essais, 2014. Shotter, John & Kenneth J. Gergen. Texts of Identity. London: Sage, 1989. Simmel, Georg. "La différenciation sociale." Revue internationale de sociologie. vol. 1, no. 2 (1894). Sparti, Davide. L’importanza di essere umani. Etica del riconoscimento. Milano: Feltrinelli, 2003. ________. "L’identité et ses dilemmes, De l’identité personnelle à la reconnaissance sociale." Terrains/ Théories , no. 3 (2015). at: https://bit.ly/3Dypc9r Taylor, Charles. Philosophical Papers. Cambridge: Cambridge University Press, 1985. Temkin, Jack. "A private language argument." Southern Journal of Philosophy. vol. 24, no. 1 (Spring 1986). Wiggins, David. Sameness and Substance. Cambridge, MA: Harvard University Press,
Williams, Bernard. Problems of the Self. Cambridge: Cambridge University Press, 1990. Wittgenstein, Ludwig. Zettel. Oxford: Basil Blackwell, 1986. ________. Philosophical Investigations. Oxford: Basil Blakwell, 1953. ________. Fiches. Jean–Pierre Cometti & Elisabeth Rigal (trad.). Paris: Gallimard,