مراجعة كتاب الهوية، مطلب الكرامة وسياسات الضغينة لفرانسيس فوكوياما
Book review Identity: The Demand for Dignity and the Politics of Resentment by Francis Fukuyama
الملخّص
بعد أن أحدث الكتاب الذي نشره الباحث الأميركي، فرانسيس فوكوياما، إثر انهيار المعسكر الاشتراكي وانتصار المعسكر الرأسمالي في بداية العقد الأخير من القرن العشرين والموسوم بـنهاية التاريخ والإنسان الأخير
Abstract
Book review: Identity: The Demand for Dignity and the Politics of Resentment by Francis Fukuyama
- الهوية
- الكرامة
- فرانسيس فوكوياما
- Identity
- Dignity
- Francis Fukuyama
الكتاب: المؤلف: الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات: 240 صفحة.
مقدمة
بعد أن أحدث الكتاب الذي نشره الباحث الأميركي، فرانسيس فوكوياما، إثر انهيار المعسكر الاشتراكي وانتصار المعسكر الرأسمالي في بداية العقد الأخير من القرن العشرين والموسوم بنهاية التاريخ والإنسان الأخير، ضجة عالمية، حيث أكد فوكوياما سيادة النظام الرأسمالي واقتصاد السوق وليبرالية الدولة على العالم، عاد المؤلف نفسه بعد ما يربو على ربع قرن ليصدر كتابه الهوية: مطلب الكرامة
الذي أشار في مقدمته إلى أنه لو أعاد النظر في كتابه نهاية التاريخ، فسيشير إلى إمكانية تحلل الدولة الليبرالية أو تراجعها. فما الأحداث التي جرت خلال ربع قرن ودفعته إلى هذا الرأي؟ هناك بلا شك عدة أحداث يمكن الإشارة إليها، منها: أولً، الأزمة الاقتصادية التي ضربت الاقتصاد العالمي في العمق في عام 2008، وأدت إلى إفلاس بنوك وشركات عالمية كبرى، ودفعت إلى تدخل الحكومات لتأميم شركات أو إنقاذ بعضها من الإفلاس؛ وهو عكس مبدأ "اقتصاد السوق"، وظلت تداعياتها مستمرة عدة سنوات في أنحاء كثيرة من العالم؛ ثانيًا، التقدم الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي الذي حققته عدة دول، أبرزها الصين التي أصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم، فقد أحرزت هذا التقدم في ظل نظام لاليبرالي، أي إنها تسير عكس مسيرة التاريخ التي قدمها المؤلف؛ ثالثًا، تراجع مؤشرات ممارسة الديمقراطية على مستوى العالم نتيجة لوصول رؤساء، وأحيانًا أحزاب ذات طابع تسلطي تعارض المؤسسات الديمقراطية وغيرها، وتحاول الاستفراد في الحكم؛ وأخيرًا بروز الشعبوية والأحزاب اليمينية المتطرفة ودخولها المشهد السياسي بقوة، بل وصولها إلى الحكم في عدة أنحاء من العالم، وخصوصًا الغربي، ومحاولة التملص من الاتحادات والتكتلات الدولية، كخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ووصول الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض الذي كان الدافع الرئيس لتأليف هذا الكتاب الجديد.
أولا: عرض أهم أفكار الكتاب
يتألف الكتاب من أربعة عشر فصلً، يقدم من خلالها فوكوياما المحطات الرئيسة عن الهوية والكرامة، وترابطهما، ويرصد التطورات التي طرأت على الهوية بعد التحولات التي حدثت في القرون الأخيرة، ووصلت إلى تردي الأوضاع الاقتصادية في العالم الغربي، فأثرت في سمعة الديمقراطية الليبرالية وصورتها، وأعادت إلى الواجهة مسألة الهوية والكرامة. يبدأ فوكوياما كتابه بالإشارة إلى ما يعنيه بالهوية فيقول: "تبرز الهوية بين الذات الداخلية لأفراد والعالم الخارجي الذي يعيشون فيه وقواعده الاجتماعية التي لا تعطي اعترافًا كافيًا بأهمية الكرامة"، أي الكرامة الفردية، ويرى أن الذات الداخلية هي الأساس الذي تقوم عليه الكرامة. والكرامة مفهوم يتطور مع الزمن؛ فقد كانت في الثقافات القديمة تنسب إلى النخبة وإلى الغالب من المقاتلين أو فئات متميزة من المجتمع، لكن في المجتمع الحديث، تحول هذا المفهوم من كونه فئويًا إلى كونه كليًا وجماعيًا؛ بحيث ساوت المجتمعات الديمقراطية الحديثة جميع مواطنيها بمبدأ الكرامة الإنسانية، وأصبحت
الحريات مكفولة في الحقوق والقوانين في المجتمع. وفي العصر الحديث، جدّ تغير في النظرة إلى الإنسان؛ إذ فُصِل بين الذاتي الداخلي والآخر الخارجي، ويأتي ذلك في سياق التحولات الكبرى في مسيرة الإنسان الأوروبي، حينما بنى المدن الصناعية الحديثة، وهجر العديدون حياة الريف المنسجمة مع الطبيعة إلى المدن الصاخبة والمتنوعة اجتماعيًا وعرقيًا. فقد فرض هذا الوضع الجديد على الإنسان أن يتساءل: ما هو؟ ذلك أن أي تغيير نوعي في واقع حياة الإنسان يفرض عليه طرح هذا السؤال. يرى فوكوياما أن فكرة الهوية ولدت مع حركة الإصلاح الديني على يد مارتن لوثر، حينما رأى أن الكنيسة تمثّل البعد الخارجي الذي قيّد الأفراد بالتعاليم المسيحية، ووضعت قيودًا على الأفراد والذات الداخلية حينما وصفت نفسها بأنها حلقة الوصل بين الفرد وربه. وعلى الرغم من تمييز لوثر للذات الداخلية، فإنه رآها تمثل الخطيئة الإنسانية التي يمكن أن تطهر نفسها، من خلال إيمانها الديني الصحيح. وهنا يبرز تعارض رؤية لوثر للهوية مع الفهم الحديث لها، فجعل لها بعدًا واحدًا هو الإيمان وقبول مغفرة الله. ينتقل بعد ذلك فوكوياما إلى الحديث عما ذهب إليه جان جاك روسو في نظرته إلى الإنسان القديم الذي كان لديه حاجات محدودة ولم يعرف الشر والطمع والفخر والتمييز، لكن مع تشكّل المجتمع عرف الإنسان الملكية الخاصة من المعادن والزراعة. والظلم الاجتماعي الذي رآه روسو هو الذي دفعه إلى طرح مفهوم "العقد الاجتماعي"، بصفته نوعًا من المساواة التي تعزز الإرادة العامة، وتوحد الأفراد في الفضائل العامة. وميز روسو بين الذات الداخلية والمجتمع الخارجي، وأعطى الذات بعدًا علمانيًا لا دينيًا، وكذلك أعطاها الأولوية على تقاليد المجتمع العامة. وفي رأي فوكوياما، إن المجتمعات دائمًا تدفع بأعضائها للعيش وفق قواعد عامة، ومهما كانت محاولات كسر القواعد والتمرد عليها، ففي النهاية لا بد أن يخضع الأفراد لها. ومع بداية القرن التاسع عشر، يرى فوكوياما أن جميع عناصر الهوية قد اكتملت، وحددها بثلاثة: • التمييز بين الذات الداخلية والذات الخارجية. • إعطاء الفرد قيمة فوق الترتيبات العامة. • فهم كرامة الذات الداخلية يرتكز على حريتها الأخلاقية. يشير فوكوياما في الفصل الخامس (ص –42 49) إلى أن المجتمع الحديث ضمن المساواة في الحقوق والواجبات وتطبيق القانون وتكافؤ الفرص، والمشاركة الفعالة لأفراد في إدارة مجتمعاتهم، عبر خياراتهم السياسية والنقابية والفكرية. وعلى الرغم من القيم السامية التي تحملها المجتمعات القائمة على الليبرالية، فإنها لم تنجح في حل مسألة التفاوت الاقتصادي والعدالة؛ فالحقوق في بعض الأحيان تنتهك ولا يطبق القانون على الغني والمشهور، مثلما يطبق على الفقير والإنسان العادي. وهذا يؤدي إلى ظهور الفئات المضطهدة والمهمشة. ويناقش فوكوياما في الفصل السابع (ص –59 73) مسألتَي القومية والدين من منظور الهوية. فقد أشار إلى أن التحولات الاقتصادية التي جرت في أوروبا الحديثة تركت آثارًا اجتماعية، ساهمت في جزء منها في بروز القوميات؛ إذ إنّ التطوارت
العلمية الصناعية، والتوسع في حياة المدن، وبروز الهوية القومية، تزامنت مع التحولات الرأسمالية التي مهدت لحركة قوة العمل من مكان إلى آخر، سواء في البلد الواحد أو في بلدان أخرى؛ فخلق هذا ما يعرف ب "المهاجرين" الذين تستوعبهم سوق العمل أحيانًا، وفي أحيان أخرى يكونون عالة عليها. فحركة العمال الذين توجهوا من الأرياف إلى المدن، ساهمت في تراجع اهتماماتهم بهوياتهم التقليدية، وظهور ما أطلق عليه فوكوياما "الهوية السياسية"؛ وهي في حقيقة الأمر هوية ذات طابع أيديولوجي تستند إلى التعدد الحزبي السياسي ذي الطابع الأيديولوجي، كأحزاب اليمين واليسار، بحيث يختار الأفراد الأحزاب التي يرون أنها تحقق قيمهم وطموحاتهم وتحسن مستواهم المعيشي. وينتهي هذا الفصل بالإشارة إلى ثلاث نقاط التقاء بين القوميين والإسلاميين؛ إذ يرى فوكوياما أن كلا الطرفين جزء من الهوية السياسية، فكلاهما يظهر في عالم يعيش تحولات اجتماعية من مجتمعات تقليدية إلى مجتمعات حديثة، وكلاهما يحمل أيديولوجيا تدفعهم للانعزال والاضطراب؛ فيعدّون أنفسهم ضحايا الآخرين الخارجيين، وكلاهما يطالب الآخرين باحترام كرامة الجماعة التي ينتمي إليها. يخصص فوكوياما الفصلين الثامن والتاسع (ص 90–74) لمناقشة أوضاع البيض في العقدين الأخيرين، والتساؤل عن دور اليسار الذي يكاد يختفي. فقد ساهمت مشاريع الخصخصة التي اجتاحت العالم، مع العولمة والتوجه إلى اقتصاد السوق، في اتساع الهوة بين فئات المجتمع، وأثّرت تأثيرًا قاسيًا في أكثر طبقة منتجة وفاعلة، وهي الطبقة الوسطى التي يرى المؤلف أنها تحمل الهوية الوطنية. وفي الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، كانت هذه الطبقة تتكون في الأغلب من البيض الذين أخذت أحوالهم تسوء، وتنتقل إليهم مشكلات الشرائح الأخرى في المجتمع الأميركي، كالمخدرات والتفكك الاجتماعي والبطالة وغيرها؛ فسادت حالة من الاستياء والامتعاض بين البيض الذين ينسبون ما يجري لهم من تردٍّ إلى المهاجرين الذين اقتنصوا وظائفهم ودخولهم وامتيازاتهم. أمام هذه الأوضاع، يتساءل فوكوياما عن دور اليسار. ومشكلة اليسار أنه تحول من التركيز على الطبقة العاملة، التي تراجعت لأسباب أيديولوجية، إلى التركيز على الأقليات والمهمشين، وفي الوقت نفسه لا يتبنى المؤلف موقفًا معاديًا للمهاجرين، بل على العكس يقف مع تخفيف القيود على الهجرة. كما كان التنافس في الانتخابات قبل نهاية الحرب الباردة يعطي الناخب الغربي فرصة للتغيير، لكن مع انهيار المعسكر الاشتراكي تلاشت تقريبًا الفروق الاقتصادية بين اليمين واليسار، ولم يجد الناخب منهما تحسنًا في أحواله المعيشية عندما يصل أيّ منهما إلى السلطة. وفي ظل هذه الظروف التي لم يعد يرى فيها المواطن الأميركي أن القوى السياسية التقليدية تمثله، وجد ضالته في جذوره وهويته التي تمثله وتميزه من غيره. فالقوميون البيض حينما شعروا بتراجع أوضاعهم الاقتصادية، لم يقتصر الأمر عندهم على ذلك، بل امتد إلى تراجعٍ وخسارةٍ للهوية التي أصبحت تمثل كيانهم، ويجدون مع من ينتمون إليها قضايا مشتركة أكثر مما يجدونه في الإطار العام لمجتمعهم. قاد ذلك إلى ظهور القادة الشعبويين في الغرب ومناطق أخرى في العالم تلقفت هذا الاستياء،
واستطاعوا من خلال خطابهم الصدامي أن يحدثوا انقلابًا في الواقع السياسي ببلدانهم ووصل العديد منهم إلى السلطة. في الفصول الثلاثة التالية (ص 139–91)، يتناول فوكوياما مسألة الهوية في الدول الغربية وبعض الدول الآسيوية؛ إذ يرى أن المجتمعات الغربية تحولت من مجتمعات ذات هوية واحدة إلى مجتمعات متعددة الهويات، وأخذت الجماعات التي كانت مهمشة سابقًا تطالب بمساواتها في التعامل مع الجماعة أو الجماعات المهيمنة. وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز العلاقات بين أعضاء المجاميع المهمشة، وخلقت لها قيادات وأصبح لبعضها امتدادات خارجية؛ فساهم ذلك في تعزيز انغلاقها بصفتها مجاميع فئوية. وقد ساهمت مشكلة بروز الهويات في: أولً، صرف النظر عن قضايا التنمية والمساواة الاقتصادية والاجتماعية والإصلاح السياسي، وقاد اهتمام اليسار بالمهمشين والأقليات إلى إهمال الفئات الكبرى المتضررة اقتصاديًّا ثانيًا، تهديد حرية التعبير والخطاب العقلاني الذي يحمي المجتمع، فخطاب الهويات شخصي ذاتي ويتصادم مع الأفراد الآخرين مباشرة، ويتميز بأنه انفعالي ولا يقيم وزنًا للعقل أو المساجلات الفكرية. والمشكلة أن مطالب سياسيي الهوية، مثل الشعبويين، ليست اقتصادية أو تنموية بالدرجة الأولى، بل عرقية ودينية، وبمجرد تأسيس مطالب تستند إلى الهوية، فذلك سيستنفر الجماعات الأخرى في المجتمع وقد تأخذ المنحى نفسه. في مقابل الغرب وأزمة الهوية، يرى فوكوياما أن دولتي اليابان والصين نجحتا في التحول الاقتصادي وتحديث المجتمع، وحافظتا في الوقت نفسه على هوية متماسكة سهلت عملية التحديث. وتعتمد قوة الدولة ومؤسساتها على الهوية الوطنية التي تتحقق وتنتشر، من خلال التعليم، والترابط بين مكونات المجتمع المختلفة. ثم يتحدث المؤلف عما يجب عمله من أجل تماسك الهوية الوطنية؛ فيشير إلى أن تماسك الكيان الفعلي للدولة يعزز الهوية الوطنية، وفي حالة غيابها ستبرز الهويات الفرعية وتتفكك الدولة. ووجود الهوية الوطنية سيقود إلى وجود حكومة قوية، ذات كفاءة عالية وترتكز على التنمية، وتعزز التطور الاقتصادي الذي يعزز انتماء المواطنين وفخرهم بوطنهم. وتحقق الهوية الوطنية أيضًا نوعًا من الثقة بين مكونات المجتمع، وتخلق شبكة اجتماعية متماسكة، وتعالج عدم المساواة الاقتصادية، وتقود إلى فاعلية الديمقراطية الليبرالية والمشاركة السياسية. ويختتم الفصل بالتأكيد على ضرورة عدم وجود سياسة هجرة مفتوحة، بل تتحدد الهجرة بناء على الحاجات الفعلية للمجتمع. يناقش الفصل الثالث عشر (ص 162–140) كيفية تكوين الهوية الوطنية، وقد حددها فوكوياما في أربع طرائق رئيسة: الأولى، تقوم على نقل الشعوب عبر الحدود السياسية إلى مناطق جديدة، وإزاحة سكانها الأصليين أو قتلهم، كما حدث في الأميركتين؛ الثانية، نقل الحدود إلى شعوب متصلة لغويًا وثقافيًا؛ الثالثة، هضم الأقليات في إطار الإثنية والثقافة الكبرى في المجتمع؛ الرابعة، إعادة صياغة الهوية الوطنية وتثبيت سماتها الموجودة فعليًّا في المجتمع. يعرج بعد ذلك فوكوياما على مناقشة تجربة الوحدة الأوروبية، التي كان الهدف منها، بعد الحرب العالمية الثانية، هو تجاوز الهويات الوطنية
أو إضعافها، والسعي لهوية أو وعي أوروبي، وتداخل اقتصادي بين الدول، حتى لا تعود القوى العنصرية التي دمرت أوروبا إلى السلطة. لكن الوحدة الأوروبية لم تنجح في تحقيق ذلك؛ إذ خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ووصلت قوى يمينية عنصرية إلى السلطة في بعض دول الاتحاد، وتحملت دول تكاليف اقتصادية باهظة للوحدة، كألمانيا مثلً، وأخذ الأوروبيون بإعطاء برلماناتهم المحلية الأولوية وعدم الاهتمام بالبرلمان الأوروبي. أما الفصل الأخير (ص 184–163 فيجيب)، عن سؤال: ماذا يمكن فعله لتجاوز الأزمة؟ وفي هذا الإطار، يرى فوكوياما ضرورة تعاون أحزاب اليمين واليسار لتجاوز المعضلات التي يعيشها المجتمع الأميركي بخاصة، كما يذهب إلى أن عملية تحديث المجتمعات مستمرة، وتفتح أبوابًا جديدة؛ وهذا يستدعي إعادة النظر في مفهوم الهوية، بصفة مستمرة. ويجب أيضًا ضبط حدود الدول ومنع الهجرة غير الشرعية مع قصر الهجرة على المهاجرين الممكن استيعابهم، والذين يحافظون على التنوع ولا يكونون عبئًا على المجتمع. ويستدعي ذلك وقف أشكال سوء التعامل مع الأقليات، ومحاربة أشكال التمييز، ونشر القيم المدنية الحديثة عبر التعليم الذي يجب أن يكون موحدًا ومن دون مدارس دينية، ولا يقتصر على المهاجرين، والدفع برابط ثقافي بين الفئات المختلفة وهوياتها، وتعزيز دمج القادمين الجدد للمجتمع عبر الخدمتين العسكرية والمدنية.
ثانيًا: خلاصة ومناقشة
من دون شك، قدم فوكوياما تشخيصًا دقيقًا إلى حد بعيد لواقع المجتمع الأميركي الحالي بخاصة، والغربي بعامة. فما يجري في الغرب حتى يومنا هذا هو نتاج لعالم القطب الواحد الغربي الذي شكّل العالم وفقًا لمصالحه الاقتصادية بالدرجة الأولى، خلال العقود الثلاثة الأخيرة. لكن هذا التشخيص لم تستكمل أبعاده التي لا تقف على الظواهر أو النتائج فقط، بل تذهب إلى الأسباب التي تقف وراءها. وفوكوياما مفكر يميني بامتياز، ومن أكثر المدافعين عن النظام الرأسمالي وما يمثله من شركات كبرى. فحقيقة الأزمة التي يعيشها العالم الغربي هي أزمة النظام الرأسمالي نفسه؛ إذ لم يتطرق المؤلف إلى مكامن الخلل في الرأسمالية الغربية، فاقتصاد السوق، الذي يلمح إليه تلميحات هامشية، هو السبب الرئيس لأزمة الحالية. فقد تسبب هذا النمط من الرأسمالية في أزمة اقتصادية عالمية في عام 2008، تطلبت تدخل الحكومات الذي لولاه لاستمرت الأزمة إلى يومنا هذا، والتي وصلت إلى إعلان بعض الدول إفلاسها. وهذا النمط من الاقتصاد الرأسمالي تغيب عنه المعايير الإنسانية والأخلاقية والاجتماعية؛ إذ يهيمن عليه الاقتصاديون التكنوقراط والشركات العملاقة التي تتعامل مع الأرقام المجردة وتتخذ قرارات من دون الالتفات إلى آثارها الاجتماعية والإنسانية، وهي تُعنَى بالدرجة الأولى بمصالحها لا مصالح مجتمعاتها ودولها الوطنية. فالشركات المتعددة الجنسيات، ساهمت بنسبة كبيرة في الأزمة الحالية، حينما نقلت التكنولوجيا والمصانع إلى معظم دول العالم، بحثًا عن العمالة الرخيصة والأرباح العالية، وتسببت في تزايد البطالة في مجتمعاتها، وأجبرت السياسيين على وضع القوانين والتشريعات والاتفاقيات العالمية لتحقيق أهدافها. وفي هذا الصدد، لم يقدّم المؤلف تحليلً فعليًا لدور العولمة وآثارها في الدول
الرأسمالية التقليدية، والتي قامت بترويجها عبر فرض اقتصاد السوق وقيمها السياسية والحقوقية وغيرها على معظم دول العالم. وكان يقلل أيضًا إلى حد ما من دور الأحزاب اليمينية في إثارة العنصرية والأطروحات المتعلقة بالهوية؛ فهذه الأحزاب التي تصنف ما بين يمينية متطرفة ويمينية معتدلة، تُعدّ مسؤولة إلى حد بعيد عن إثارة مسألة الهوية واتباع سياسات تهدف إلى التفرقة والتمييز بين الأقليات، في مقابل التحيّز إلى التي تمثلها. هناك أيضًا مسائل لم يشر فوكوياما إليها في تحليله، وهي ذات دور أساسي في الأزمة الحالية يمكن الإشارة إلى أهمها: • نتائج تراجع الفكر والأيديولوجيا عمومًا عن الساحة السياسية، ومدى انعكاس ذلك على الأحزاب التقليدية التي كانت تتنافس على السلطة والناخبين؛ فلقد شاهدنا خسارة أحزاب عريقة للانتخابات لصالح أحزاب جديدة، بل لصالح الشعبويين أيضًا. كما أن الفكر والأيديولوجيا كانا الرابط الذي يربط أفرادًا ينتمون إلى مجموعات اجتماعية ومعتقدات وأعراق مختلفة، ويتجاوزون الشرائح الاجتماعية التي أتوا منها، لكن مع انحسارهما بدأ الأفراد يعودون إلى جذورهم الاجتماعية ومعتقداتهم الدينية وثقافتهم العرقية أو القومية؛ ما ساهم في إحياء الهويات التقليدية، وتشظي المجتمعات، وتحوّل الصراعات إلى المذهبية والدينية والعرقية. • كان من المفترض مناقشة الدور السلبي للثقافة الاستهلاكية وآثارها في الإنسان وثقافة المجتمع. فقد أزاحت هذه الثقافة جوانب عديدة من الثقافة المدنية التي تعززت بعد الحرب العالمية الثانية، وجذرت المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين؛ فأزاحت معها القيم الرصينة التي تميزت بها المجتمعات قبل الدخول في اقتصاد السوق، فشيَّأت ما لا يُشيَّأ بما في ذلك الإنسان، وعززت الأنانية وعدم الاكتراث بالقضايا والقيم المتعلقة بالصالح العام، والتي تدفع بوحدة قطاعات عدة في المجتمع. • جرى إغفال دور المؤسسات الإعلامية، وخصوصًا الكبرى، والقائمين عليها، في توجيه الرأي العام، وإثارة بذور الشقاق في المجتمع. صحيح أن وسائل التواصل الاجتماعي قلصت إلى حد ما تأثير تلك المؤسسات، لكن عندما تتلقف بعض القضايا وتوظف وسائلها فيها، ستجذب اهتمامات واسعة في المجتمع. فالدور الذي تقوم به معظم هذه المؤسسات، في التفريق بين مكونات المجتمع، وإظهار الأقليات والمهاجرين بصورة سلبية والتشويه المتعمد لهم ومحاولات عزلهم بخطاب تحريضي، كان وما يزال واحدًا من أبرز أدوات التفرقة وإثارة النعرات وبث الكراهية بين مكونات المجتمعات الغربية. على الرغم مما سبق من مآخذ، يبقى الكتاب على قدر كبير من الأهمية في تشخيصه جوانب عدة من إشكاليات المجتمع الأميركي والغربي ككل، ويفتح المجال للبحث عن حلول تتجاوز ظواهر قد يعود بعضها إلى ما قبل العصر الحديث والدولة المدنية.