العودة إلى تفاصيل المؤلَّف براغماتية ريتشارد رورتي السياسية: بين اليوتوبيا الليبرالية والمنحى الساخري

براغماتية ريتشارد رورتي السياسية: بين اليوتوبيا الليبرالية والمنحى الساخري

Richard Rorty’s Political Pragmatism between Liberal Utopias and Cynicism

محمد جديدي *

Mohamed Djedidi *

الملخّص

تهدف الدراسة إلى رصد مظاهر توطيد البراغماتية الجديدة لصلتها بالفكر السياسي من خلال تتبع مسار الفيلسوف ريتشارد رورتي في مطابقة منحاه الفلسفي مع الليبرالية الديمقراطية، عبر تأكيده الأولويات التالية: الديمقراطية على الفلسفة، والأمل على المعرفة، والتضامن على الموضوعية. وذلك انطلاقًا من النظر إلى الممارسة السياسية الأميركية كتجربة في الزمن والتاريخ، بعيدًا عن كل محاولة لتأصيلها نظريًا. وتسعى الدراسة للإجابة عن سؤالين: هل أحدثت أطروحات رورتي النقدية آثارًا في النظريات السياسية الأخرى؟ وهل نعثر لدى رورتي على ضرب من الأثر البراغماتي للفكر في الواقع مثلما كان الأمر لدى جون ديوي؟ والرأي الذي سندافع عنه هو أنه من الصعب في كثير من الأحيان، تقريب مواقف رورتي من آراء أستاذه جون ديوي. إذًا، يجدر فصل آرائه عن آراء أسلافه ومن بينهم ديوي ومجايلوه من البراغماتيين، والإقرار بالتباعد بين هذه الآراء والواقع الأميركي وحقائقه السياسية، تمامًا مثلما يكون من المتعذر تفهم موقف رورتي الموزع بين التمسك بقيم الليبرالية من حرية وهوية أخلاقية واعتزاز بالماضي من ناحية، والدعوة من ناحية أخرى إلى العدالة الاجتماعية والتضامن والتقدم، التي هي قيم قمينة بنزعة تقدمية. إن هذا المشروع الفلسفي السياسي الذي يدرجه رورتي ضمن البحث عن يوتوبيا يسميها "ليبرالية برجوازية ما بعد حداثية"، يكون بطلها المثقف الساخري، وغايتها الأسمى تقليص الألم والقسوة، والتوجه صوب ثقافةٍ ما بعدَ فلسفية، تغلب عليها الجمالية والشاعرية، وهو ما سنعمل على عرض أهم ملامحه.

Abstract

Abstract: This article demonstrates aspects of the consolidation of neo–pragmatism’s relationship with contemporary political thought, through an examination of Philosopher Richard Rorty’s work. Rorty’s philosophical approaches are governed by their symbiosis with democratic liberalism, by prioritizing democracy over philosophy; hope over knowledge; and solidarity over objectivity. This is based on a view of US political practice as an experience in time and history, without an attempt to ground it theoretically. The article attempts to answer two questions: Did Rorty’s critical views affect other political theories? Does the intellect in Rorty’s works have any pragmatic impact on reality, as his mentor, John Dewey, had? The article highlights the difficulty of finding connections between Rorty’s

الكلمات المفتاحية:
  • البراغماتية الجديدة
  • الليبرالية
  • الديمقراطية
  • الساخرية
  • ما بعد الحداثة
  • ما بعد الفلسفة
  • ديوي
  • رورتي
  • هابرماس
Keywords:
  • Neo–pragmatism
  • Liberalism
  • Democracy
  • Irony
  • Postmodernism
  • Post–Philosophy
  • Dewey
  • Rorty
  • Habermas

خلال تتبع مسار الفيلسوف ريتشارد رورتي في مطابقة منحاه الفلسفي مع الليبرالية الديمقراطية،

عبر تأكيده الأولويات التالية: الديمقراطية على الفلسفة، والأمل على المعرفة، والتضامن على

الموضوعية. وذلك انطلاقًا من النظر إلى الممارسة السياسية الأميركية كتجربة في الزمن والتاريخ،

بعيدًا عن كل محاولة لتأصيلها نظريًا. وتسعى الدراسة للإجابة عن سؤالين: هل أحدثت أطروحات

رورتي النقدية آثارًا في النظريات السياسية الأخرى؟ وهل نعثر لدى رورتي على ضرب من الأثر

البراغماتي للفكر في الواقع مثلما كان الأمر لدى جون ديوي؟ والرأي الذي سندافع عنه هو أنه من

الصعب في كثير من الأحيان، تقريب مواقف رورتي من آراء أستاذه جون ديوي. إذًا، يجدر فصل

آرائه عن آراء أسلافه ومن بينهم ديوي ومجايلوه من البراغماتيين، والإقرار بالتباعد بين هذه الآراء

والواقع الأميركي وحقائقه السياسية، تمامًا مثلما يكون من المتعذر تفهم موقف رورتي الموزع بين

التمسك بقيم الليبرالية من حرية وهوية أخلاقية واعتزاز بالماضي من ناحية، والدعوة من ناحية

أخرى إلى العدالة الاجتماعية والتضامن والتقدم، التي هي قيم قمينة بنزعة تقدمية. إن هذا المشروع

الفلسفي السياسي الذي يدرجه رورتي ضمن البحث عن يوتوبيا يسميها "ليبرالية برجوازية ما بعد

حداثية"، يكون بطلها المثقف الساخري، وغايتها الأسمى تقليص الألم والقسوة، والتوجه صوب

ثقافةٍ ما بعدَ فلسفية، تغلب عليها الجمالية والشاعرية، وهو ما سنعمل على عرض أهم ملامحه.

ما بعد الفلسفة، ديوي، رورتي، هابرماس.

*أستاذ الفلسفة المعاصرة والبيوإتيقا، جامعة قسنطينة 2، الجزائر.

Professor of Contemporary Philosophy and Bioethics, University of Constantine 2, Algeria. majaladz16@gmail.com

and Dewey’s ideas. Therefore, Rorty’s views are better separated from those of his pragmatic predecessors, including Dewey and his contemporaries. The distance between Rorty’s views and the US political reality along with Rorty’s complex stance, torn between the advocacy of the values of liberalism: freedom, moral identity, and self–creation and, on the other hand, the progressive belief in social justice, solidarity and progress. Therefore, the philosophical project undertaken by Rorty is a quest for a utopia that he calls 'postmodern bourgeois liberalism', whose hero is a cynical intellectual and whose ultimate goal is the reduction of pain and cruelty in an aesthetic and poetic post–philosophical culture.

مقدمة

شهدت الفلسفة السياسية في أميركا، خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، انتعاشًا وحيوية بعد ركود نسبي، ميّز مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أي المرحلة التي انكمشت

فيها رقعة فلسفات المثالية Idealism، والواقعية الجديدة Neorealism، والبراغماتية Pragmatism، وتضاءل دورها مع رحيل آخر روادها الفيلسوف جون ديوي Dewey John (1952–1859)، الذي يعدّه ريتشارد رورتي Rorty Richard (2007–1931) فيلسوف الديمقراطية والمُعبّر عن الروح الأميركية.

كما أنها أيضًا المرحلة التي عرفت فيها الفلسفة التحليلية Philosophy Analytical انتشارًا واسعًا في الولايات المتحدة، عقب هجرة عديد الفلاسفة الأوروبيين المنضوين تحت لواء الوضعية المنطقية Positivism Logical إليها. ففي حقبة ما بعد 1945، التي خبا فيها الاهتمام الجماهيري بالفلسفة وانحصر في نطاق فئوي أكاديمي، ساد الاتجاه التحليلي مختلف الدوائر الجامعية، من دون أن يكون له كبير اكتراث بقضايا الفكر السياسي. مع نهاية ستينيات القرن الماضي، وعقب تصاعد وتيرة الاحتجاجات المطالبة بالمزيد من الحريات والاعتراف بحقوق الأقليات والمناهضة للتمييز العنصري ضد أصحاب البشرة السمراء والملوّنين،

وبروز حركات نسوية فاعلة، إضافة إلى تنامي مطالب تتعلق بمسائل سوسيو–إتيقية Socio–ethical مثل: الإجهاض، والتجريب على البشر، والقتل الرحيم Mercy–killing، وغيرها من المسائل الوطيدة الصلة بالسياسة والشأن العام، عادت الحياة مُجددًا لتُطرح ضمن قضايا الفلسفة السياسية، لا سيما بعد نشر كتاب اعتبره البعض بمنزلة مُنعطف في تاريخ الفكر الفلسفي السياسي المعاصر.

ومنها على الخصوص كتاب جون رولز Rawls John (1921–2002) نظرية في العدالة A Theory of Justice (1971)، وما خلّفه من نقاشات حادة بين الليبراليين Liberals من جهة والجماعاتيين

Communitarians من جهة أخرى.

(((أثار كتاب جون رولز نظرية في العدالة عدة تساؤلات وانتقادات حول مفهوم العدالة في الليبرالية وعلاقتها بالحرية والمساواة، وجدد الاستفهام حول الفرد والجماعة والدولة، من جراء قراءاته وتأويلاته. ومن الذين أسهموا في هذه النقاشات منذ سبعينيات القرن

الماضي وحتى الثمانينيات منه، مايكل ساندل Sandel Michael في كتابه الليبرالية وحدود العدالة Liberalism and the Limits of

Justice (1982)، وألسدير ماكنتاير MacIntyre Alasdair في كتابه ما بعد الفضيلة After Virtue (1981)، ومايكل والزر Walzer Michael

في كتابه دوائر العدالة Spheres of Justice (1983)، وتشارلز تايلور Taylor Charles في كتابه منابع الذات Sources of the Self.)1989(

وقد بزغ نجم الفيلسوف رورتي في خضمّ جملة من التحولات المهمة عرفها الفكر الأميركي والتطورات

العميقة التي شهدتها مجتمعات شمال الأطلنطي، ابتداء من الربع الأخير للقرن العشرين، ونذكر منها خاصة بروز البيوإتيقا Bioethics مج لً بحثيًا متميزًا، انطلق في عام 1971 مع الأميركي فان رانسيلاير

بوتر Potter Renssealer Van (2001–1911) وصدور كتاب رولز، المشار إليه، وظهور فلاسفة ومفكرين أثْرَوا الساحة السياسية بتحليلاتهم وتنظيراتهم على غرار حنة أرندت Arendt Hannah

(1975–1906)، وليو شتراوس Strauss Leo (1973–1899)، ودانييل بل Bell Daniel (2011–1919)، وآخرين، واحتدام الجدل حول الحداثة وما بعد الحداثة مع ترجمة كتاب الفرنسي جان فرانسوا ليوتار

إلى The Postmodern Condition الوضع ما بعد الحداثي) 1998–1924(Jean Francois Lyotard

الإنكليزية في عام 1979. في هذه الأثناء، أصدر رورتي أول كتاب مهم له وهو الفلسفة ومرآة الطبيعة Philosophy and the Mirror of Nature (1979). ولئن لم يكن هذا الكتاب مخصصًا للفلسفة السياسية، فإن تحليله ونقده للإبستيمولوجيا التقليدية Epistemology Traditional، الديكارتية Cartesian والكانطية Kantian منها على الخصوص، كان له استتباعات عميقة على الصعيدين الاجتماعي والسياسي ستثبتها كتاباته اللاحقة. بالنظر إلى اعتبار البراغماتية فلسفة أميركية المنبت والمنشأ، فقد اختلفت الآراء بشأنها ومدى تأثيرها في الحياة السياسية في الولايات المتحدة، من فريق مؤيّد للدور الذي أدته في فترة حاسمة من تطوّرها

إلى فريق آخر مستبعدٍ إدراجَها ضمن التقاليد المؤسسة للفلسفة السياسية، في بلد عُرف بتقليد ليبرالي

طويل. بيد أن الديمقراطية التمثيلية Democracy Representative التي ترسخت في الولايات المتحدة الأميركية نظامَ حكم، شهدت في نهاية ثمانينيات القرن الماضي هي الأخرى جدلً واسعًا حول حدودها

وصلاحياتها بوصفها نمطًا من الديمقراطية. ويعتبر رورتي أحد المساهمين والفاعلين في هذا الجدل من حيث دفاعه عن الديمقراطية التمثيلية ضد مناوئيها. وقد أثارت أفكاره الكثير من النقاش ولاقت عديد الانتقادات سواء داخل الفلسفة البراغماتية أو خارجها. تروم هذه الدراسة الوقوف عند افتراض ناصيف نصار، الذي يذهب إلى القول إن رورتي "ينطلق [...] من موقع الانتماء إلى مجتمع ليبرالي تكوّن في الحضارة الغربية، وبخاصة في الولايات المتحدة

الأميركية، ولا يزال يسعى إلى بلوغ شكله الكامل. ويضع مجهوده الفلسفي في خدمة هذا السعي". فهل تحقق البراغماتية مقترنة بمنحى ساخري مسعى رورتي في دفع المجتمع الليبرالي إلى بلوغ شكله الكامل مثلما يقول نصار؟ لأجل هذا، سنتتبع محاولة رورتي في ربط البراغماتية بالثقافة والسياسة، لنطرح السؤال: هل لتطور مسار رورتي الفلسفي استتباعات تؤشر على تأثير نقده لنظرية المعرفة منذ كتابه الفلسفة ومرآة الطبيعة في آرائه في الفلسفة السياسية؟ وسنعمل كذلك، ضمن الجدل الذي أثارته نصوص رورتي، إلى تحديد منزلة الفكر السياسي ضمن فلسفته ومساهماته في نقاشات الفلسفة السياسية الأميركية Philosophy Political American. سنبدأ أولً بعرض السياق العام الذي برزت فيه الأفكار السياسية لرورتي، وهو أميركا بوصفها مَخبَرًا للحداثة السياسية، لنعرج بعدها على البراغماتية

(((ناصيف نصار، باب الحرية: انبثاق الوجود بالفعل (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2003)، ص.194

الجديدة في مواجهة القضايا السياسية، ثم نتطرق إلى رورتي ومواقفه حيال اليسار والنزعة الوطنية، ونتوقف أخيرًا عند تقريظه لليبرالية الديمقراطية.

أولا: أميركا مخبر الحداثة السياسية

وجدت البراغماتية على الأرض الأميركية ما ينعش حظوظها في صياغة فلسفة مختلفة عن نظيراتها الأوروبية وإمكانية إنشاء مخبر حقيقي للحداثة في منظورها المعرفي والسياسي. فمنذ أن صيغ تصور الحقيقة "بوصفها ما هو الأفضل لنا للاعتقاد به وليس بوصفها التمثيل الدقيق للواقع [...] وأن المعرفة ليست مفصولة عن الممارسة الاجتماعية"، تأكَّد أنه ينبغي أن توضع الأطر النظرية للمعرفة والحقيقة على محك الواقع واختبار الممارسات الاجتماعية، وهو ما عجلت به الأنوار الأميركية وحداثتها. مثّلت الولايات المتحدة أملً وطموحًا وحلمًا حداثيًا، لم يكن مكتوبًا في أشعار وقصائد لمحدَثين فقط

أو تصورات لفلاسفة ومنظّرين، بل في أحداث ووقائع جسدتها تلك الخبرات التي شكّلت في النهاية أميركا، وباتت مخبرًا لقيام حداثتها التي بدأت أوروبيًا، وتحولت بعدئذ من يوتوبيا التخييل والتنظير

الأوروبي إلى واقع التجسيد والإنجاز الأميركي. ولئن كان التنوير الأوروبي Enlightenment The قد شغل نفسه كثيرًا بتحديد أهدافه نظريًا، فإن نظيره الأميركي قد اتجه منذ بداياته إلى التجسيد والتحقق.

وبذلك اجتمع فيه، بحسب رورتي، نبل الغاية مع النظر والفعل، إذ يقول: "لا يزال الأمل الاجتماعي اليوتوبي الذي بزغ في أوروبا في القرن التاسع عشر من أرقى وأنبل إبداعات الخيال التي سجلناها"، أي تلك التي حققتها أميركا فكانت رائدة في مجالات الحرية والديمقراطية والحقوق. ظل هذا الحلم يتجسد بسرعة، خاصة بعد انتصار الحلفاء بزعامة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، وغدت أميركا قوة سياسية، بل إمبراطورية تؤدّي دورًا متناميًا في حفظ الأمن والسلم في العالم.

وقد آمن معظم الأميركيين بدور بلادهم هذا، ومنهم مفكرون ومثقفون، وأيضًا كثير من مواطني العالم قبل أن يهتز يقينهم في هذه الأمل عقب حربها في فيتنام، فتسرب الارتياب في كونها استثناء. وقد عززت هذه الريبة أحداثٌ أخرى جرت، مثل حرب العراق، ونقاشات أثيرت حول التاريخ الأميركي الحديث مثل تجارة الرقيق والعبودية التي قنّنتها أميركا، قبل أن تصحح الوضع بإلغاء الرّق من دون

أن تتمكن من إلغاء تبعاته (التميّيز العنصري وتهميش أصحاب البشرة السمراء)، التي لم تلازم النظام

الليبرالي الأميركي على المستوى الفردي والجماعي فحسب، بل على المستوى المؤسساتي أيضًا.

(((تبدو هذه الفكرة على قدر كبير من الأهمية، ليس من ناحية الفائدة التي ستكون مقياسًا سفسطائيًا محيّنًا من قبل رورتي في

قضايا المعرفة وإسقاطها على المسائل السياسية والاجتماعية والأخلاقية فحسب، إنما يتجلى ذلك أيضًا في التأكيد على عدم وجود شيء عميق في داخلنا، إلا ما وضعناه نحن كما أقر بذلك سيلارز وتبنّاه رورتي في هجومه على العقل باعتباره مرآة عاكسة للعالم

والطبيعة. ينظر: شيريل ميساك، البراغماتيون الأميركيون، ترجمة جمال شرف (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص 421 وما بعدها، 481.

(4) Richard Rorty, Philosophy and Social Hope (New York: Penguin Books, 1999), p. 277. (5) Paul Bouvet & John Rawls, "La renaissance de la philosophie aux Etats–Unis," Magazine Littéraire , no. 380 (October 1999), p. 57.

ويعترف رورتي ب "أن الولايات المتحدة الأميركية لمّا أنهت نظام الرق ابتدعت بعد ذلك ببراعة قوانين الفصل العنصري التي كانت قاسية مثل قوانين نورمبرغ لهتلر". لذلك تواصل النضال من أجل الحصول على الحقوق المدنية، ضمن حركة ضمّت كل الجهود التشريعية التي أعقبت مطالبة أصحاب البشرة السمراء بحقوقهم منذ ستينيات القرن الماضي، بينما على الأرض بقيت الممارسات المشينة في حق أميركا كبلد يدافع عن حقوق الإنسان أمرًا مذًّلًّ لها. وتقدّم لنا أحداث جرت مؤخرًا مثل مقتل مواطن أميركي أسمر البشرة غير مسلح في مينابوليس بمنيسوتا،

يُدعى جورج فلويد على يدي رجل شرطة أميركي، ما يؤكد رأي رورتي في أن أميركا مشروع لم ينتهِ بعد، وهو ما أراد استكماله الفيلسوف رورتي عبر كتابه تحقيق بلدنا. لقد كتب الباحث الكندي أندري باريل Baril André حول هذه الحادثة الأليمة التي هزت المجتمع الأميركي، وأحدثت فيه شرخًا كبيرًا ورابطًا إياها بالعودة إلى رورتي، وتصوره لمثل هذه الشروخ الكبيرة، التي يمكن أن تؤثر سلبيًا

في أميركا من الداخل، وتزيد من عمق جروحها مثل العنف والتمييز العنصري والتفاوت الاجتماعي. وقد ذكّر باريل بما كتبه رورتي في عام 1998 في تحقيق بلدنا بأنه "لا شيء يمكنه اعتراض ميلاد دولة رفاهية كاملة وعدالة اجتماعية أكثر تطورًا بكثير من تلك السائدة حاليًا في الولايات المتحدة الأميركية،

لا شيء سوى إحجام الفقراء عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع والتصويت لصالح الديمقراطيين اليساريين". وبين أحداث اليوم وآمال رورتي، لا يبدو أن الواقع قد تغيّر نحو الأحسن كما تمنّاه

فيلسوف البراغماتية الجديدة. ولفهم أفضل للمواقف السياسية لرورتي، يكون من الملائم التطرق إلى رؤيته للفلسفة وتصوره لعلاقة المعرفة والنظرية بالواقع بما في ذلك الواقع السياسي.

ثانيًا: رورتي بين الفلسفة والسياسة

لقد كان كتاب الفلسفة ومرآة الطبيعة الذي نُشر بالإنكليزية في عام 1979 أول عمل لرورتي لفت الأنظار، قدّم فيه نقدًا قاسيًا لنظرية المعرفة التقليدية، أي نظريات المعرفة التي سادت منذ العصر

الحديث. ومعروف أن هذه المذاهب الفلسفية، سواء كانت عقلانية أو تجريبية، قد وجّهت، ابتداء من القرن السادس عشر، بوصلتها صوب المعرفة بدل الوجود، ممّا جعل المنهج مسألة أساسية. وفي كتابه هذا، وظف رورتي طريقة التحليليين في رصد الأفكار ومتابعتها منطقيًا ومنهجيًا، مستندًا إلى ثلاثة

فلاسفة من القرن العشرين، وهم لودفيغ فتغنشتاين Wittgenstein Ludwig (1951–1889)، ومارتن هايدغر Heidegger Martin (1976–1889)، وجون ديوي. ويبدو أن تأثره بهم جاء على خلفية أهميّة

(6) Richard Rorty, Achieving our Country: Leftist Thought in Twentieth–Century American , 2 nd ed. (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1998), p. 14.

(((يوحي هذا العنوان Achieving our country في قراءته الأولية بعدة معانٍ، منها ما يدل على اعتراف ضمني بقصور ونقص يختلجان هذا البلد، ومنها أيضًا ما يفيد إمكانية التحسين والتطور التي يؤمن بها رورتي مثلما يشير هذا العنوان إلى دفاع جلي عمّا

أنجز، ولتحقيق ما تبقى.

(8) André Baril, "L’Amérique, ce projet inachevé," Le Devoir , 7/11/2020, accessed on 6/9/2022, at: https://bit.ly/3yVgHF8

(((ريتشارد رورتي، الفلسفة ومرآة الطبيعة، ترجمة حيدر الحاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2009

ثيمة اللغة عند فتغنشتاين (في المرحلة الثانية من تطور فكره)، وهايدغر (الأول)، ونقد ديوي لصورة العالِم بوصفه ذاك المتفرج المحايد في المعرفة. يؤكد رورتي، في أعقاب فتغنشتاين، ضرورة أن تُقلع الفلسفة عن تصور العقل بمنزلة مرآة عظيمة، بها تمثيلات ليست صادقة ودقيقة بجميعها، تقبل البحث بطريقة خاصة غير تجريبية. وللتحرّر من هذه

الصورة، يستعين رورتي بفتغنشتاين وتأكيده أن طرائقنا في وصف العالم وشَرحِه، هي بمنزلة أدوات تساعدنا على العيش داخله بدلً من ادعاء تمثيله. ومثل هذا التصور موجود كذلك لدى ديوي، الذي يعتبر الأفكار أدوات ووسائل تعيننا على التفاعل الإيجابي مع المحيط والتكيّف معه. وقد برز في هذا الكتاب تحوّل رورتي نحو البراغماتية التي أضحى محركها الجديد، بتوالي نصوصه في الظهور، بعد أن عرفت انحسارًا في الفترة 1970–1952 بعد موت ديوي. وقد صيّرت عدة أعمال ونصوص رورتي أقرب إلى أن يكون ناطقًا رسميًّا باسم البراغماتية الجديدة، ووجهًا بارزًا في الفلسفة الأميركية المعاصرة، أدّى دورًا حاسمًا في الربط بين الفلسفتين التحليلية (الأميركية) والقارّية

(الأوروبية)، وفي إبراز ما من تقاربٍ بين تيارات كل منهما في الطرح والتوجه. لم يكن ديوي هو الملهم الوحيد لرورتي، وإن تعلّم من نصوصه الكثير وانجذب بوضوح جلي ومعلن لأطروحاته وأفكاره، بل إنه – علاوة على تأثره بهايدغر وفتغنشتاين – صرّح في كثير من المرات بما لفلاسفة آخرين من فضل على مسيرته الفلسفية، ومن هؤلاء يذكر: ويلارد فان أورمان كواين Quine Orman Van Willard (2000–1908)، وويلفريد سيلارز Wilfrid Sellars (1989–1912)، ولويس إرفينغ كلارك الذين استلهم منهم نقده لمفاهيم المُعطى وعدم التحديد واللاتنصيص، ورفض التمثيل في المعرفة – أي المعرفة بوصفها مرآة للطبيعة – وهي أفكار أعانته على التخلي عن المقاربة التحليلية. يؤمن رورتي مثل ديوي بتقدّم أخلاقي واجتماعي وبنموّ يكون هدفًا دائمًا، بخلاف مثقفين آخرين لا يُقرّون بأيّ تقدّم خارج ميدان العلم والتقنية. فرورتي لم يتوقف عن الإيمان بأن بلده سيتجاوز معضلاته الاجتماعية والسياسية. وفي عام 1997 كتب يقول: "إنه لا يمكنه أن يتصور أن أميركا

(10) Richard Rorty, Derek Nystrom & Kent Puckett, Against Bosses, Against Oligarchies: A Conversation with Richard Rorty (Chicago: Prickly Paradigm Press, 2002), p. 7.

(1((نتائج البراغماتية (1982)، العارضية، الساخرية والتضامن (1989)، الموضوعية، النسبية، والحقيقة (1991)، محاولات عن

هيدغر وآخرين (1991)، الحقيقة والتقدم (1998)، الفلسفة كسياسة ثقافية (1998)، تحقيق بلدنا (1998)، الفلسفة والأمل الاجتماعي

(2000)، ضد أرباب العمل، ضد الأوليغارش: محادثة مع رورتي (2002)، مستقبل الدينبالاشتراك مع جياني فاتيمو (2005)،

أخلاقيات اليوم: إيجاد أرضية مشتركة بين الفلسفة والدين (2005). إضافة إلى نصوص أخرى ومقالات منشورة في دوريات وكتب جماعية. ((1(ذلك ما عكسه حضوره المتواصل للندوات والملتقيات التي كانت تنظم في مختلف البلدان الأوروبية (خاصة فرنسا وألمانيا) وقراءاته المختلفة والعديدة لنصوص الفلاسفة الأوروبيين، ومن ثم استحق هذا الوصف "أكثر الأميركيين أوروبية"

. Le plus européen des américains

لن تشهد أثناء القرن المقبل تطورًا أخلاقيًا كبيرًا". هذا الأمل الذي فضّله دومًا على المعرفة هو

ما دفعه إلى القفز أحيانًا على النظر بعمق، كما دعا إلى ذلك هو نفسه، إلى التضامن مع مختلف الفئات الهشة في بلاده التي تعاني تفاوتًا وظلمًا اجتماعيًّا وعدم تكافؤ في الفرص، منعها من أن

تكون خير سند للطبقة الوسطى واليسار، وداعمًا أساسيًا لمسار الديمقراطية. وفي هذا يكون رورتي

في انسجام مع نظرته التحسينية وإيمانه بأنه يمكن تحسين الواقع المأزوم وتجاوز مساوئ بعض سياسات الليبرالية.

ثالثًا: الحداثة السياسية أميركيًا

هل يمكن اعتبار أميركا الحلم الإنساني الذي لم يكتمل؟ إن عنوان مقال هابرماس "الحداثة مشروع لم يكتمل" يصدق، في رأينا، على أميركا لمبررات ثلاثة، لعل أبرزها تماثل أميركا والحداثة؛ إذ تعتبر السياسة بوصفها مشاركة في صناعة القرار العام ومداولة عامة وتداولً سلميًّا على السلطة، المَعلَم

الأبرز للحداثة، وهو ما تبدّى بوضوح في الولايات المتحدة بوصفها تجربة ديمقراطية عُدّت، ولا تزال، نموذجًا يُحتذى به. ووفقًا لرأي هابرماس، تُمثّل أميركا تجسيدًا للحداثة، سواء في صيغتها السياسية أو

من حيث نظامها الاقتصادي والتطور الاجتماعي والتقدم المعرفي والعلمي. هناك مبرر ثانٍ يقرّبنا من هذا التماثل بين الحداثة وأميركا بوصفهما مشروعين غير تامين، هو

مؤلَّف رورتي تحقيق بلدنا الذي بدا فيه مدركًا جيّدًا لنقص لا تزال تعانيه أميركا، ويجعلها مشروعًا

في حاجة إلى أن يُستكمَل. وفي هذا الكتاب يرسم رورتي ما يعدّه ملامح بناء الولايات المتحدة

كما يراها مواطنوها، سواء كانوا من اليمين أو اليسار، بحيث نلمس من خلال تحليلاته للواقع الأميركي ولحيثيات التجاذبات السياسية قبيل الحربين العالميتين أو بعدهما، تركيزًا على البعد القومي في بناء أميركا، بغضّ النظر عن الانتماء العرقي أو الإثني أو الثقافي والتفضيل السياسي لحزبٍ ما. قد يتيح لنا مبرر آخر هذا التقابل الكامن في التوافق في الرؤى بين الفيلسوفين هابرماس ورورتي على المستوى السياسي، رغم الاختلاف بينهما على المستوى الفلسفي والفكري. ويبدو ذلك في نظرنا واضحًا في النقاش الذي دار بينهما حول الحداثة وما بعد الحداثة؛ إذ يقول رورتي في

بداية مقاله: "هابرماس، ليوتار وما بعد الحداثة" ما يلي: "إن كل ما يحتفظ به هابرماس كشيء مهم هو المقاربة النظرية التي سيعتبرها ليوتار إنكارًا، وكأنها ميتا–رواية. إن جميع من يتخلى عن هذه

المقاربة في نظر هابرماس محافظ جديد، لأن هذا سيجعل من الأفكار المهجورة، في الوقت نفسه، المستخدمة في تثبيت الإصلاحات التي طبعت تاريخ الديموقراطيات الغربية منذ الأنوار، ما تزال تستخدم أيضًا في نقد المؤسسات المختلفة الاجتماعية والاقتصادية [أو السوسيو–اقتصادية] للعالم الليبرالي والعالم الشيوعي على حد سواء. إن في التخلي عن وجهة نظر هي على الأقل

(13) Rorty, Achieving our Country , p. 106.

(1((يورغن هابرماس، "الحداثة مشروع لم يكتمل"، ترجمة فتحي المسكيني، تبيّن، مج  1، العدد 1 (صيف 2016)، ص.196–183

'كونية'، إن لم تكن متعالية، يمثل لهابرماس خيانة للآمال الاجتماعية التي اعتبرت أساسية من طرف السياسة الليبرالية". يتضح من خلال هذه الفقرة أن موقف رورتي يقترب من موقف ليوتار في إنكار سرديات المشاريع التي استلهمت بناءها من العقلانية الغربية، مكرّسة وجهة نظر تأسيسية نظرية. وفي هذا لا يوافق

رورتي هابرماس، في حين يشاطره الرأي في ضرورة استمرار هذا البناء المؤسساتي للليبرالية عبر الإصلاح، حتى لا تتحول هذه المشاريع المتجذرة في فكر الأنوار والحداثة إلى إخفاقات على الصعيد الاجتماعي. ولهذا السبب، يوافق الفلاسفة نقاد العقلانية، مثل فريدريك نيتشه Nietzsche Friedrich (1900–1844)، وهايدغر، وميشيل فوكو Foucault Michel (1984–1926)، وجاك دريدا Jacques.)2004–1930(Derrida لقد بدت أميركا حلمًا بفعل ما أنجزته الحداثة. وما كان حلمًا لملايين البشر في الداخل الأميركي

وخارجه، وعبّر عنه مثقفون من فلاسفة ومفكرين وأدباء وشعراء أراد رورتي أن يخلّده من خلال

قراءاته وتحليلاته لأعمال كتّاب أميركيين عظام. ففي كتابه لنكمل بلدنا، اعتبر والت وايتمان Walt Whitman (1892–1819) وديوي مثالين لمثقفين آمنا بأميركا وقدرتها على تجسيد هذا الوعد بالحرية والعدالة، أكثر وأفضل مما كانت دول أخرى قادرة على القيام به. وتلك التي كانت رائدة في الثقافة والعلم والثورة الصناعية غدت تستلهم اليوم دروس التقدم والديمقراطية من العالم الجديد الذي جسّدته أميركا. فعلى غرار ما اعتبر هابرماس الحداثة مشروعًا لم يكتمل، يمكننا اعتبار

أميركا مشروعًا لم يكتمل، إذا صح اعتبار أميركا هي الحداثة ذاتها، كما أعلنت عن نفسها مرات عدة. فرورتي يتفق مع هابرماس سياسيًا من حيث تأييده للليبرالية والحداثة السياسية، في حين يختلف

معه فلسفيًا؛ إذ إن هابرماس يصنّف رورتي ضمن النسبويين Relativist، وهذا الأخير يعتبر هابرماس

فيلسوفًا ترنسندنتاليًا Transcendentalist. ويمكن أن نفهم على نحو أفضل رأي رورتي بمقارنته برأي ديوي. فقد كان المذهب البراغماتي جوابًا من ديوي عن سؤال: ماذا يمكن أن تقدّم الفلسفة للولايات المتحدة؟ أكثر منه جوابًا عن السؤال: كيف يمكن تبرير أميركا فلسفيًا؟ فلم يكن همّ ديوي أن تُبنى أميركا وتؤسِّس ميتافيزيقا، بقدر ما يهمّه أن تكون

الفلسفة إلى جانب الشعر أو السرد أدوات للتعبير عن أميركا؛ الدولة والأمة التي تصوغ وجودها الآني والمستقبلي، من دون الرجوع إلى طبيعة داخلية لوضعية الوجود. وفي السياق نفسه لأفكار ديوي

(1((ريتشارد رورتي، "هابرماس، ليوطار وما بعد الحداثة"، ترجمة محمد جديدي، ترجمات، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2016/10/15، شوهد في 2022/9/6، في: https://bit.ly/3GkZJla ((1(وهو الأمر الذي يؤكده رورتي بقوله: "لقد أكدت في عديد الكتب أن الفلاسفة الذين يستشهد بهم غالبًا اليساريون الثقافيون،

من قبيل نيتشه، وهايدغر، وفوكو، ودريدا، على حق إلى حد بعيد في انتقاداتهم لعقلانية التنوير. لقد أكدت أيضًا أن الليبرالية التقليدية والإنسانية التقليدية منسجمتان جدًا مع مثل هذه الانتقادات". ينظر: , p. 96 Achieving our Country Rorty,.

(17) Ibid., p. 101. (18) Eduardo Mendieta, Take Care of Freedom and Truth Will Take Care of Itself: Interviews with Richard Rorty (Stanford: Stanford University Press, 2006), p. 32.

وضمن الوجهة نفسها، يتحدث رورتي عن الأميركيين قائلً: "نحن أعظم قصيدة لأننا نضع أنفسنا مكان الله: جوهرنا في وجودنا ووجودنا في المستقبل". فوجود الإنسان هو وحده ما يملأ التاريخ، وبناء عليه، فما يصبح ذا دلالة وفعالية، ليس هو التأسيس النظري بقدر ما هو التدليل التاريخي والحضوري. وإذا كانت الولايات المتحدة قد برزت قطبًا ديمقراطيًا منذ القرن التاسع عشر وأخذت مكانها بقوة

بوصفها ديمقراطية فتية، وغدت نموذجًا انبهر به مفكرون وفلاسفة، ومنهم ألكسيس دو توكفيل Alexis Tocqueville de (1859–1805)، فهل يجب تبريره نظريًا والدفاع عنه فلسفيًا؟ لا يرى رورتي هذا الدفاع

والتأسيس الفلسفي للأفكار والنظريات أمرًا مهمًّا ولا مجديًا. وهو المسلك الخطأ الذي انخرط فيه الكثير

من الفلاسفة ومنهم أميركيون. ففي معرض حديثه عن رولز، يشير رورتي إلى أن صاحب كتاب نظرية في العدالة قد أخطأ في الصيغة الأولى لنظريته، قبل أن يتدارك في صيغتها الثانية التي قدّمها في كتاب الليبرالية السياسية حيث اعتبر أن العدالة بوصفها فضيلة اجتماعية، لا يمكن تأسيسها وتبريرها فلسفيًا.

لذلك؛ استنتج رورتي فيما بعد أن رولز أقرب إلى جورج فيلهلم فريدريش هيغل Wilhelm Georg Hegel Friedrich (1831–1770) وديوي، منه إلى إيمانويل كانط Kant Immanuel) 1804–1724(الذي، كما نعرف، اعتمده رولز مرجعًا أساسيًا في كتابه الأول. وفي هذا الصدد، يذكّر رورتي "بأن الفلسفة

باعتبارها بحثًا عن الحقيقة على أساس ميتافيزيقي أو عقلي مستقل، لا يمكنها في تقدير رولز أن تزوّدنا بقاعدة عملية ومشتركة بين الجميع لإنشاء تصور سياسي للعدالة في مجتمع ديمقراطي". فليس مطلوبًا

من الفلسفة أن تقوم بتأسيسٍ للديمقراطية في محاولة لضمان مشروعيتها. وما قام به الفيلسوف ديوي لا يحمل مشروعا تأسيسيًا للديمقراطية، وإنما يندرج في إطار تصوره العام للخبرة ونموّها، بما في ذلك

الخبرة السياسية، وتجربة الديمقراطية بما هي شكلٌ لها، تندرج في زمنٍ ما وتبنّاها الإنسان (الجماعة البشرية)، كي يتحرّر من سلطان القسر والقيود ليعيش في ظل الحرية والعدالة ورفض العبودية، وهي

ليست في حاجة إلى التنظير لها فلسفيًا. لذلك؛ لا يعتبر أن من مهمّات البراغماتية الجديدة، تولّي مثل هذا

المشروع والسعي إلى التأسيس الفلسفي والنظري للديمقراطية وقيمها.

رابعًا: البراغماتية الجديدة والسياسة

من الخطأ اعتبار البراغماتية تيارًا فلسفيًا واحدًا، منسجمًا منهجًا ومضمونًا. وقد عرفت الفلسفة

البراغماتية أو السلالة البراغماتية – إن جاز هذا التعبير – مرحلتين مهمتين؛ الأولى منذ قيامها في ستينيات القرن التاسع عشر، على يد تشارلز ساندرز بيرس Peirce Sanders Charles (1914–1839)، والنادي الميتافيزيقي اللذين تلاشيا بُعيد الحرب العالمية الثانية. أما المرحلة الثانية فقد بدأت في ستينيات القرن العشرين، ويُعد رورتي أبرز وجوهها. وقد توسّعت البراغماتية في

المرحلتين، وامتدَّت إلى مجالات فكرية وإنسانية لم تكن مطروحة في البداية، مما لم يكن يُرضِي

(19) Rorty, Achieving our Country , p. 32. (20) Richard Rorty, Objectivisme, relativisme et vérité , Jean–Pierre Cometti (trad.) (Paris: PUF, 1994), p. 200.

((2(ذلك ما نقرؤه عنوانًا داخل كتاب: ميساك، ص 329 وما بعدها.

بعضَ روَّادها. فبيرس مثلً لم يكن راضيًا عن محاولات وليام جيمس James William –1842(

1910)، وديوي جرّ المذهب بعيدًا عن الاهتمامات المعرفية والمنطقية، والزجّ به في قضايا الأخلاق

والسياسة. ولئن تنوّعت انشغالاتها الفكرية وتصوراتها للعقل والطبيعة والأخلاق والسياسة، فإن

البراغماتية توحّدت في الطريقة الفاحصة عن معنى وصدق الأفكار من خلال النتائج فحسب؛

الشيء الذي يدفع إلى القول إن في هذه الطريقة ما ينمّ عن نمط تفكير متأصّل لدى الأميركيين، هيّأ

لبروز البراغماتية في أميركا دون غيرها من الأماكن. لم يعد مصطلح "البراغماتية" غريبًا في معظم الدوائر الفكرية والسياسية، وبات متداولً بكثرة على

ألسنة الكثيرين ومنهم السياسيون، حتى إن أخذ المصطلح دلالات متباينة تُراوح بين درجات استخدامه والمقاصد منه، من واقعية وعقلانية وحوكمة رشيدة إلى نفعية وانتهازية. فلم يعد تداوله حكرًا على

طرف سياسي أو حزبي واحد، وبات مستخدمًا من اليمين واليسار على حدّ سواء. وهو ما أضفى على البراغماتية السياسية صفة التعويذة التي تفيد في تجاوز الخطوط الأيديولوجية، لتُحيل فقط إلى الكفاءة والحكمة، من دون أن يقرّبها من حزب سياسي أو طبقة سياسية ما. فكأن استخدامها على هذا النحو

هو بمنزلة نقلٍ لها من مجال الفلسفة إلى مجال آخر هو المجال السياسي. قد يكون على صواب من يلاحظ أن البراغماتية الأولى، في صيغتها الكلاسيكية، أقرب إلى الجمهور من البراغماتية الثانية أو البراغماتية الجديدة، لأنها كانت أكثر تعبيرًا عن الروح الأميركية، بل أكثر وعيًا

بالتحديات التي تواجهها أميركا وأزماتها، وأكثر تناولً لمشكلات المواطن السياسية والأخلاقية والتربوية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حتى منتصفه، بينما لم تكن البراغماتية الجديدة بهذا القدر من الاعتناء في الربع الأخير من القرن العشرين بهموم وانشغالات المواطن السياسية. ولئن كانت الخبرة موضوعا مشتركًا وشاملً لرواد البراغماتية، تشارلز بيرس، ووليام جيمس، وجون ديوي، وجورج هربرت ميد Mead Herbert George (1931–1863)، بفضل ما توفّره من إمكانية المناقشة المستفيضة للواقع وقضايا الفكر الأميركي، فإن اهتمام البراغماتية الجديد انحصر، على ما يذكر رورتي، في اللغة ومنعرجها كموضوع مركزي، وفي طرق مشكلات منهجية ومعرفية ذات بعد أكاديمي ونخبوي، أقل من أن يحظى باهتمام ومتابعة فئات واسعة من الرأي العام. لكنّ سعي رورتي لتوجيه اهتمامات الفلسفة البراغماتية صوب القضايا الاجتماعية والسياسية، لا يخلو من صعوبات. ففلسفته تأبى التنظير والتأسيس، ولا تنظر إلى السياسة إلا من زاوية السياق، أي التاريخ والثقافة المميّزة لحقبة وعصر ما. وقد دعا صراحة إلى طلاق واضح بين الفلسفة والسياسة،

لما أشعل النار في برميل البارود، بتعبير توم ماكارثي McCarthy Thomas، عندما قال في ختام إحدى محاضراته: "ينبغي أن تظل الفلسفة منفصلة عن السياسة كما يجب أن يكون ذلك عن الدين [...]

(22) Alain Joxe et al., Les grands entretiens du monde, penser l’apres–communisme, penser l’europe, penser l’etat, penser, l’histoire , vol. 1 (Paris: Le Monde, 1993).

((2(ألقيت هذه المحاضرة في مؤتمر الفلسفة لما بين الأميركيتين في تشرين الثاني/ نوفمبر 1985، بغوادلاخارا في المكسيك.

. Alice Le Goff, Pragmatisme et démocratie radicale (Paris: CNRS Éditions, 2019), p. 95 ينظر:

إن محاولة تأسيس النظرية السياسية على نظريات شمولية حول الطبيعة الإنسانية أو غاية التاريخ قد أضرّت أكثر مما أفادت. ولا ينبغي لنا كأساتذة فلسفة أن نفترض أن مهمّتنا أن نكون طليعة الحركات السياسية. بل علينا تصوّر السياسة فرعًا من الفروع التجريبية بدلً من كونه فرعًا نظريًّا". فرورتي، كما أشار هابرماس، لم يكن "في ذهنه سوى تعزيز ثقافة تحرر نفسها مما اعتبره هواجس مفاهيمية للفلسفة اليونانية، ونزعة صنمية العلم التي انبثقت من أخاديد تلك الميتافيزيقا"؛ ما يعني أن تحرّر الثقافة ما بعد الفلسفية، التي يدعو إليها رورتي، من صنمية المطلق اليوناني وسرديات الحداثة المكبّلة للخلق والتجديد على المستويين الفردي والاجتماعي بات أمرًا ضروريًا.

خامسًا: رورتي وأولوية الديمقراطية

لقد أراد رورتي بعث الروح في المسار المتجدّد للبراغماتية، وقد استلهم في ذلك من ديوي ما يوقظ تلك الجذوة. ولم تكن الديمقراطية لدى الأخير تمثل موضوعًا من بين مواضيع أخرى، بل كانت في تصوره على الدوام المهمة التي تنتظرنا. إنها تنتصب في قلب الوجود في نظر ديوي، وهي القطب الذي يشرئب إليه ذكاؤه. فكل ما قاله وما فعله ينبع من الحرص الذي حمله على الديمقراطية، وعلى تطورها ومصيرها. وقد استلهم رورتي من ديوي ذلك البحث عن مسلك وسط بين الرأسمالية والاشتراكية، ومثله رأى أن لا بديل من الديمقراطية كضامن لحقوق الأفراد والجماعات. وهذا الضامن هو، في رأيه، توماس جيفرسون عندما حدّد نبرةَ السياسة الليبرالية الأميركية على النحو التالي حين قال: "إنّ جاري لا يلحقه أيّ أذى منّي، إذا قلت إنّ هناك عشرين إلهًا أو لا إله البتة". فقد أعاد بذلك جيفرسون التأكيد على إحدى أهم أفكار الحداثة والتنوير، وهو أنّه ينبغي أن تفصل السياسة عن الاعتقادات المتعلّقة بقضايا يوليها الناس أهمية قصوى، مثل الإيمان والخلاص. فهذه المعتقدات رغم أهميتها في حياة الناس، ليست جوهرية بالنسبة إلى مجتمع ديمقراطي. إن الديمقراطية الليبرالية، إذًا، عنوان ملائم لنظرته إلى نظام الحكم السياسي الجيّد، وهي التي يجعلها ذات أولوية على الفلسفة. ففي مقاله "أولوية الديمقراطية على الفلسفة"، ينتصر رورتي للديمقراطية،

(24) Thomas McCarthy, "Ironie privée et décence publique: Le nouveau pragmatisme de Richard Rorty," in: Jean–Pierre Cometti (dir.), Lire Rorty: Le pragmatisme et ses conséquences (Combas: Editions de L’Eclat, 1992), p. 77. (25) Jürgen Habermas, "'And to Define America, Her Athletic Democracy': The Philosopher and the Language Shaper; In Memory of Richard Rorty," New Library History , vol. 39, no. 1: Remembering Richard Rorty (Winter 2008).

((2(لا يتضمن ما بعد الفلسفة التحقيق في الأصول المطلقة والغايات النهائية، بل إنه ينفر من مثل هذا البحث ويحاول أن يجعل

المستقبل مختلفًا عن الماضي؛ تمامًا مثلما يتضمن الاعتراف بالعارضية الاجتماعية والتاريخية للعقلانية. (2((ينظر: ريتشارد برنشتاين، "الديمقراطية الخلاقة: المهمة التي تنتظرنا"، ترجمة محمد جديدي، ترجمات، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2021/5/21، شوهد في 2022/9/6، في: https://bit.ly/3sUhH8k ((2(ينظر: ريتشارد رورتي، "في أولويّة الديمقراطية على الفلسفة (1) التسامح هو فصل السياسة عن الحقيقة"، ترجمة فتحي

المسكيني، مقالات، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2019/3/23، شوهد في 2022/9/6، في: https://bit.ly/3PL87Pg

وتحديدًا لتلك الديمقراطية التي يسميها، على غرار ديوي، ب "الخلاقة" Creative Democracy، وقد رأى في مديح الشاعر والت وايتمان لها، حينما قال: إن أميركا هي أعظم قصيدة Greatest poem، وجعل من أميركا والديمقراطية مصطلحين متبادلين، أفضل تجسيد لفكرتها. ولئن لم يكن ديوي بالوضوح الذي أبانه وايتمان، فإنه كان قريبًا من هذا المعنى في قوله بالديمقراطية الخلاقة

وأميركا كقصيدة كتبت في التاريخ، وأنها في حد ذاتها مرجعية لنفسها، وليست في حاجة إلى أيّ

مرجعية فلسفية أو غير فلسفية لتسويغ وجودها. ولأن فكرة المرجعية تعني من ضمن ما تعنيه، التأسيس والتأصيل، ينكر رورتي أهميتها وجدواها، ويختلف مع هابرماس، لأن مشاريعه التأسيسية ستعيدنا إلى وهم السرديات التي فنّدها فكر ما بعد الحداثة، وأبرز أعطالها من قبيل عقلانية الأنوار والمطلق الأفلاطوني Absolute Platonic، والنومين الكانطي Nomenclature Kantian، والبروليتاريا الماركسية والاشتراكية. لكن، لئن اتفق رورتي مع ليوتار في هذه النقطة، فلا يبدو متفقًا معه على قاعدة مرجعية يستخلص منها قائمة السرديات الكبرى أو الميتا–حكايات. فهل نقتصر على تلك التي أوردنا ذكرها أم أن هذه القائمة تتسع لتشمل، على سبيل المثال، الليبرالية، واعتبارها سردية كبرى إلى جانب السرديات المضلّلة الأخرى؟ فضلً عن هذا، يظل سؤال يُطرَحُ بشدَّة، وهو إذا كانت السرديات الكبرى بمنزلة الأسطورة

المؤسسة، فهل يُستغنى عنها حقًا في تاريخ وحياة الأفراد والمجتمعات؟ ولماذا لا تكون الليبرالية هي

الأخرى سردية كبرى يمكن إسقاطها والتخلي عنها؟ لا يتوانى رورتي كثيرًا عن تفضيل ديوي والبراغماتيين الآخرين على أفلاطون Plato (347–427 ق.م.)

وكانط، وعلى الفلاسفة الذين دأبوا على السير خلف الموضوعية والحقيقة. فبالنسبة إليه، يظل المحدّد الأول هو التجارب والخبرات الأخلاقية والسياسية، التي يمرّ بها الأفراد في واقع الحياة والعالم لنجاح

ما يطمحون إليه أو فشله. فوحدها الخبرة، بتراكماتها ومنعرجاتها في توجيه الفعل السياسي والأخلاقي نحو تحقيق غايات الفرد والمجتمع، تصلح مقياسًا. في حين تمثل الديمقراطية الإطار الأمثل الذي

يسمح لهذه الخبرة بالتطور، والذي يمكّن مسار تصحيحها، والتعلّم من نجاحاتها وانتكاساتها من أن يبلغ مداه. فوحدها الخبرة، بأخطائها وتصحيحاتها وتراكماتها ومنعرجاتها، تصلح مقياسًا لتوجيه

الفعل السياسي والأخلاقي صوب غايات الفرد والمجتمع المراد تحقيقها. ويبدو ذلك، مثلً، جليًّا في

الديمقراطية الأميركية بصفتها تجربة شهدت في مراحلها تطورًا ونموًّا، فترسخت عبر مؤسساتها، ولم

((2(يقول رورتي ما يلي: "لا تعني الديمقراطية الخلاقة أو الجذرية مجموع المؤسسات ولا الإجراءات الشكلية ولا الضمانات القانونية، بقدر ما تترجم ثقافة تتجسد بشكل ملموس في الحياة اليومية، إنها اعتقاد متبصر في قدرة كل كائن بشري على الحكم، والمداولة والفعل الذكي في الوقت الذي تتوافر له فيه الشروط المناسبة. فمهمة الديمقراطية هي دوام خلق خبرة أكثر حرية وأكثر إنسانية، بحيث يأخذ كل واحد حصته ويساهم بحصته". ينظر: , p. 29 Achieving our Country Rorty,. ((3(يؤكد رورتي على فعل الخلق الذاتي سواء للشاعر القوّي Poet Strong The رمز الثقافة ما بعد الحداثية أو الدولة نفسها بمنزلة

قوة ذاتية، كالشاعر تمامًا، بحيث يوضح مقولة وايتمان ويقول: إن القول إن الولايات المتحدة نفسها هي في الأساس أعظم قصيدة،

هو القول إن أميركا ستخلق الذوق الذي سيتم الحكم عليها من خلاله. إنه تصور دولتنا القومية على أنها شاعر مبدع ذاتيًا وقصيدة

ذاتية.

(31) Rorty, Achieving our Country , p. 29.

تؤثّر في مسيرتها ما عرفته من أحداث سياسية يمكن أن تعدّ انتكاسة لها، مثل ما هو الحال بالنسبة إلى حرب فيتنام مثلً. لهذا السبب، ينأى رورتي عن كل محاولة لتأصيل التجربة الديمقراطية الأميركية نظريًّا، والبحث لها عن خلفيات وروافد ميتافيزيقية؛ إذ تُخرجها محاولة كهذه من دائرة الزمن، لتضعها على طريق المطلقية، ومن ثم تقرّبها من المثال الأفلاطوني والكونية الكانطية والعقل المطلق الهيغلي. ولهذا السبب أيضًا،

لا يرى البراغماتيون جدوى في المحاولات الرامية إلى جعل الموضوعية معيارًا للإتيقا أو السياسة، انطلاقًا من وجهة نظر تفلت من الزمن والصدفة. وبدلً من الموضوعية، يرى البراغماتيون ضرورة اعتماد التوافق داخل جماعة تقتسم القيم نفسها للصدق والحقيقة والإخلاص والعدل والخير، ولو في صيغة دنيا، مع قابلية تمدده؛ ليشمل أفرادًا آخرين، لهم استعدادٌ لاقتسام القيم نفسها. إن التجربة الديمقراطية في أميركا حديثة نسبيًا، وما اندراجها في الزمن إلا دليلٌ على قابليتها للتطور، وتصحيح

ذاتها في مختلف المراحل التاريخية التي مرّت بها، ومقارنة مكتسباتها على المستوى المؤسساتي

الضامن لاستمراريتها ولإمكان تحسين أدائها. إن في الثقافة ما بعد الفلسفية، التي تتخلى عن تبنّي خطاب يزعم امتلاك الحقيقة المطلقة، وتكتفي بكونها محادثة إنسانية، وهي التي يدعو إليها رورتي، ما يوحي بأربعة تفاصيل لعلاقة الفلسفة بالسياسة، يحصرها الفيلسوف البلجيكي جيلبر هوتوا Hottois Gilbert) 2019–1946(في التالي: ليس هناك ارتباط سببي بين الفكر الفلسفي والنشاط السياسي. فأيّ توجه فلسفي ما، لا يعني بالضرورة موقفًا سياسيًا يترتّب عليه. فالمثالي ليس بالضرورة أن يكون يمينيًا على

سبيل المثال. لا تمثل الفلسفة مصدرًا لمشروعية الديمقراطية، فهي لا تؤسسها بمعنى أن تكون الأولى شرط إمكان الثانية. فإعمال الفكر يستوجب الحرية، في حين أن هذه الأخيرة لم تنبثق تاريخيًا إلا ضمن أجواء الحكم الديمقراطي. فتفوق السياسة الديمقراطية مسألة إمبريقية وعارضية،

ولا تنتمي إلى مجال الحقيقة أو العقل أو الضرورة التي تتكفل الفلسفة باكتشافها أو صياغتها في مبادئ عامة كالتي توضع في الدستور. ليست الفلسفة غير نشاط خاص Activity Private، بحسب رورتي، مثلها في ذلك مثل الفن والشعر وليس للفيلسوف أيّ مهمّات عمومية كما ليس عليه أن يقرر بشأن القانون والحقيقة والقيمة. وأيّ محاولة لإقامة السياسة على الحقيقة، لا يمكن أن تُفضي إلا إلى الشمولية والفاشية. فلن تسعف الفلسفة السياسة في مديحها للديمقراطية؛ لأنها، بتصور رورتي، ليست سوى نوع من الكتابة الخاصة كالأدب؛ أي كتابة باحثة عن الكمال الذاتي وكل أشكال التعبير الإنساني التي تشكل محادثة إنسانية،

(32) Pierre–Luc Dostie–Proulx, "Le point de vue moral dans la philosophie éthico–politique de Richard Rorty," Revue Phares , vol. 8 (Hiver 2008), p. 89. (33) Gilbert Hottois, De la Renaissance à la Postmodernité: Une histoire de la philosophie moderne et contemporaine , 2 ème éd. (Bruxelles: De Boeck Université, 1997), pp. 459–460. (34) Ibid., p. 460.

يكون فيها للفلسفة صوت من بين أصوات أخرى عديدة. ومن ثم، فصياغتها العامة، إن اضطررنا إليها، لن تكون إلا في شكل مبادئ عامة كما يحدث في الدستور، لتيسير حفظها والتذكير بها. فلا يجعل رورتي للفيلسوف مهمة خاصة يتكفل بها، بل يذهب إلى أننا ربما وقعنا ضحية خداع لرأي ساد من ماركس إلى فوكو، يعتبر أن الفيلسوف حتى وإن تبنّى رؤية مناهضة للأفلاطونية، يظل من دوره تحرير المدينة. وتحرير السياسة من الوصاية الضاغطة للعقل حتى تمنح أخيرًا الأولوية للديمقراطية على

الفلسفة، وهو الموقف الذي عُرف به رورتي، وفيه يفضل الديمقراطية على الفلسفة، تمامًا كما يفضل الأمل على المعرفة، والتضامن على الموضوعية. ويُعزى هذا التفضيل لدى رورتي للديمقراطية على الفلسفة أيضًا، إلى واحدة من مفردات خطابه الفلسفي، التي تنسحب على اللغة والتاريخ، كما تنسحب على الفرد والدولة ونقصد بها فكرة "العارضية". العارضية مقابل الضرورة، والأساس، والسبب الكافي، وهو ما يعني من وجهة نظر رورتي استحالة تبرير لماذا تكون الأشياء على هذا النحو وليس على نحو آخر، أو لماذا يوجد شيء ما بدلً من لا شيء؟ وبالقدر نفسه، تشير إلى استبعاد كل محاولة لتبرير جميع الأشياء والاكتفاء بالنظر فقط في وجودها "من دون سبب"، لأنها ستشكّل نقطة انطلاق مميزة لأيّ تشخيص ما بعد ميتافيزيقي. ويسارُ رورتي في هذا المنحى موقفُ الشاعر والت وايتمان الذي يذهب إلى أن المستقبل وحده هو ما يمكن أن يبرر أميركا. وعلى أعقاب جيمس وديوي، يسير رورتي معتبرًا معيار النمو وحده هدفًا أخلاقيًّا

للخبرة، بحيث لا شيء يقف في وجه نمو الخبرة سوى النمو نفسه، تمامًا مثلما يكون التراكم في المعرفة العلمية مطلوبًا لذاته، أي زيادة المعرفة وتراكمها بغضّ النظر عن فائدتها للفرد وللمجتمع، وفق ما يقوم عليه مبدأ التجريب. ويشدّد رورتي على موقفه الجامع بين وايتمان وديوي، فحتى إن لم يتميز المستقبل بالوضوح الكافي، يكون من الضروري التوجه صوبه؛ إذ يقول: "إذا كان لدى وايتمان وديوي قاسمٌ مشترك مثير للاهتمام، فهو غموضهما المتعمد وغموض مبدئهما. لأن هذا الغموض في المبدأ يميز الطريقة الأميركية لفعل ما أسماه هايدغر الذهاب إلى ما وراء الميتافيزيقا". ولعل هذا ما اندهش له رورتي من عبارة ديوي في وصف علاقة الإنسان بالطبيعة بأنها ميتافيزيقية، فحتى وهي في أوج تقدمها التقنوعلمي، تظل علاقة الإنسان بالطبيعة متقمصة لإطار ميتافيزيقي في نظر البراغماتيين.

(3((هذا ما صرح به رورتي في المجلد الثاني من مقابلات جريدة لوموند الفرنسية حينما سئل: هل للفلاسفة دور يمكن أن يؤدوه في مجتمعنا؟ أجاب: بصراحة، لا أعتقد أن للفلاسفة دورًا يمكن أن يؤدوه في الحياة الاجتماعية لزماننا. ودعا المثقفين إلى التوقف

عن تبنّي موقف نقدي جذري إزاء مؤسسات المجتمع. ينظر:

Les grands entretiens, Le Monde , vol. 2, Numéro spécial de Dossier et Documents du Monde (Mai 1994). (36) Olivier Tinland, "Richard Rorty et le libéralisme: De la fondation à la redescription," in: Olivier Tinland et al., La pensée libérale: Histoire et controverses (Paris: Ellipses, 2010), pp. 195–208.

((3(ارتأيت تعريب لفظ Contingence بالعارضية، في حين يستخدم بعض الباحثين لفظة طوارئ أو احتمالية أو عرضية. وإذا علمنا

أن المقصود ب  Contingent ما يكون عارضًا واحتماليًا وحادثًا وليس ضروريًا أو ما يطرأ ويحدث مصادفة، أضحى المعنى الناتج

عارضًا ويمكن الاصطلاح على النزعة ب "العارضية".

(38) Richard Rorty, L’espoir au lieu du savoir: Introduction au pragmatisme (Paris: Albin Michel, 1995), p. 23. (39) Ibid.

فالبحث الميتافيزيقي عن المستقبل غير المحدّد، هو ما جعل هايدغر ينحو إلى اعتبار البراغماتية تأويلً مطابقًا للأمركة، ينظر إلى الأفكار بوصفها مخططات وأدوات وبرامج لعمل مستقبلي، وليست معطاة في ذاتها. وهو الأمر ذاته الذي دفع رورتي إلى الإعجاب بهايدغر واعتباره مع ديوي وفتغنشتاين من أهم فلاسفة القرن العشرين. غير أن ذلك كان في مرحلة لاحقة؛ مرحلة نضج فلسفي ميزت فكره بعد أن كان متشبعًا بأفكار اليسار، لا سيما في بعدها الإصلاحي.

سادسًا: رورتي: اليسار والنزعة الوطنية

تتأرجح الفلسفة السياسية في أميركا بين نزعتين؛ إحداهما محافظة وأخرى تقدمية. تنزع المحافظة إلى تثبيت الوضع السياسي القائم وترسيخ مؤسساته، ولا ترى عيبًا في نقائصه من قبيل التفاوت الاجتماعي

والتمييز العنصري والجندري، وترى في كل انبعاث لحركات اجتماعية مطالبة بإيجاد حلول جذرية لما تعتبره أعط لً للمجتمع، خطرًا على استقرار البلاد وتهديدًا للعقد الاجتماعي الذي قام عليه

استقرارها. ترفع النزعة المحافظة صوتها عاليًا معتزة بالوطنية الأميركية Pride American من خلال حزب

المحافظين الذي "يعتقد [يقول رورتي] أن بلدنا لديه بالفعل هوية أخلاقية، ويأمل في الحفاظ على هذه الهوية كما هي". فهذه النزعة تخشى في رأيه "التغيير الاقتصادي والسياسي، ومن ثم تصبح بسهولة بيدقًا للأغنياء والأقوياء، أي الأشخاص الذين تخدم كلُ عرقلة للتغيير مصالحهم الأنانية"، في حين تدعو النزعة التقدمية إلى إصلاح ما تأسس؛ بغية تحقيق أكبر قدر من العدالة الاجتماعية وسد معايب الليبرالية بإتيقا وسياسة تضامنية، من دون أن يُفقد ذلك من قيم الليبرالية والفخر الوطني شيئًا، بل يعزز من موقع الليبرالية ويدفع نحو استكمال إنجاز أميركا المنتظرة. فبينما يسعى اليمين إلى الإبقاء على الواقع بما ينتجه اقتصاد السوق من تفاوت وفجوة بين الأغنياء والفقراء؛ "يرى اليسار، حزب الأمل، أن الهوّية الأخلاقية لبلدنا لم تتحقق بعد، وليست في حاجة إلى الحفاظ عليها". وهنا تتضح واحدة من صور الجمع لدى رورتي بين حقوق وحريات لا مناص من التمسك بها مع ضرورة تعزيزها بنزعة تضامنية. وتطبع هذه المحاولة التوليفية فلسفة رورتي كما تشير إلى هذا الفيلسوفة الأميركية نانسي فرايزر؛ إذ تؤكد أن فلسفته عرفت تأرجحًا بين الدافعين الرومانطيقي والبراغماتي، اللذين سعت فلسفته السياسية للجمع بينهما في آن واحد، باعتبارهما المحققين للحرية والتضامن.

(40) Rorty, Achieving our Country , p. 31.

(4((لا يرى رورتي أن هناك بديل من اقتصاد السوق، على الرغم مما يفرزه من تفاوت وطبقية، بل يذهب إلى جعل اقتصاد السوق معيارًا للتقدم ونجاعة الليبرالية.

(42) Rorty, Achieving our Country , p. 31.

(4((تناقش نانسي فرايزر هذه الإشكالية ضمن كتابها ممارسات جموحة: السلطة، الخطاب والجندر في النظرية الاجتماعية

المعاصرة، وذلك في الفصل الخامس من الكتاب بعنوان "تضامن أم تفرد؟ ريتشارد رورتي بين الرومانطقية والتكنوقراطية". ينظر:

Nancy Fraser, Unruly Practicies: Power, Discourse, and Gender in Contemporary Social Theory (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1989), pp. 93–110.

باختصار، تتنازع أميركا قوتان سياسيتان: إحداهما تسعى إلى تكريس النظام الاجتماعي الموجود، يتزعمه المحافظون الذين يتبنّون ليبرالية من النوع الكلاسيكي، مثل تلك التي دافع عنها الاقتصادي النمساوي فريدريش هايك Hayek Friedrich، والأخرى تطمح إلى التغيير عبر الديمقراطية، جسّدها التقدميون الذين يعترفون بمزايا اقتصاد السوق الحرة ويقرُّون أيضًا بسلبياتها، ويعدّ رورتي من ضمن هؤلاء التقدميين الذين يعتبرون المشكل في أميركا قائمًا في الأساس في الزاوية الاقتصادية؛ أي في المواجهة بين الفقراء والأغنياء حول اقتسام مزايا العيش المشترك وأعبائه. وهو ما تناوله في مقاله "النزعة الكونية الأخلاقية والفرز الاقتصادي"، حيث طرح سؤاله الأساسي "من نحن؟". ويحدّد هذا السؤال الوضعية الحالية والهوية الأخلاقية والسياسية والمستقبلية ويحثّنا على الجواب عن سؤال آخر وهو: ماذا نريد أن نكون؟ تأثر رورتي في فكره السياسي بتربيته اليسارية وما عايشه في صغره وفي بيئته الأسرية التي ناضلت ضمن الحزب الشيوعي الذي انتمى إليه والده، وكان لهذه التربية تأثيرها في ذهنه، وغرست فيه أفكار العدالة الاجتماعية والتضامن، وقيمَها. غير أن هذه التربية اليسارية لم تمنعه من تقييم مسيرة اليسار الأميركي ونقد تحوله من يسار إصلاحي هدفه التقدم والتنمية والدفاع عن العدالة الاجتماعية، إلى يسار ثقافي منحصر في بيئة أكاديمية، ومنعزل عن الحياة الاجتماعية والسياسية. وهو الاتجاه الذي جسّده في نظره اليسار النيتشوي أو الثقافي – كما يصطلح عليه – وكذلك مدرسة فرانكفورت ونزعتها الراديكالية الرافضة لليبرالية والرأسمالية. ضمن كتابه تحقيق بلدنا، يطرح رورتي سلسلة من الأسئلة تتعلق بوضعية اليسار وتحولاته من قبيل: ما اليسار وما مصادره؟ كيف يبدو اليسار اليوم؟ كيف يمكن أن يحقق اليسار الكرامة الوطنية ليجعل من النزعة اليسارية ذات قاعدة شعبية عريضة؟ يبدأ رورتي كتابه تحقيق بلدنا بوصف لمصادر النزعة

((4(لمزيد الاطلاع على الاختلاف بين الليبرالية الكلاسيكية والليبرالية المساواتية والتقدمية لرولز وروتي ودووركين، ينظر: منير

الكشو، "نظرية جون رولز في العدالة التوزيعية ونقادها"، تبيّن، مج  9، العدد 36 (ربيع 2021)، ص.72–49 (4((في رده على سؤال لماذا كتب تحقيق بلدنا؟ أجاب رورتي أنه كان يرغب في كتابة شيء عن الحياة الفكرية في أميركا وعن اليسار بشكل خاص. ولما طلبت منه جامعة هارفارد تقديم محاضرات حول الحضارة الأميركية، أفاد أنه سُعد بتتبّع خطى ما قام به

إرفينغ هوي Howe Irving، واعتبر عمله استمرارًا لما قام به هذا المفكر الاشتراكي في مشروعه في تقفّي أثر الكتّاب ودورهم في

الحياة الاجتماعية الأميركية في القرنين 19 و 20، بحيث يكون استئنافًا للكتابة عن الحياة الفكرية والسياسية الأميركية وبخاصة عن اليسار. ((4(يذكر هذا بتفصيلاته في مقاله الشهير "تروتسكي والأوركيد البري" " Orchids Wild The and Trotsky "، وهو مقال منشور في مجلة Common Knowledge، في عام 1992، وأعيد نشره في أكثر من كتاب له. وبين كتاب تروتسكي وكتاب كرافت إرفينغ، تشتت

ذهن رورتي بين نزعتين ظلتا ملازمتين لفكره ومنحاه. فبينما كان كتاب غير مذنبلتروتسكي يرمز لديه إلى العدالة والتضامن، مثّل

لديه كتاب بسيكوياتيا جنسية لإرفينغ، الحرية والكمال الخاص. ينظر: محمد جديدي، الحداثة وما بعد الحداثة في فلسفة ريتشارد

رورتي (بيروت: الدار العربية للعلوم؛ الجزائر: منشورات الاختلاف؛ دبي: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، 2008)، ص 81 وما بعدها. ((4(يبدو هذا النقد لأفكار مدرسة فرانكفورت واليسار النيتشوي وخاصة فوكو قويًا ولاذعًا لدى رورتي في:

Richard Rorty, "The Overphilosophication of Politics," Constellations , vol. 7, no. 1 (March 2000).

اليسارية التي يتبناها؛ أولها ذاك الموقف السياسي الذي يتصالح مع الشعور القومي ويطالب بالاعتزاز به في الواقع، فيقول: "إن ما يعنيه الاعتزاز بالوطن للبلدان، هو ما يعنيه احترام الذات بالنسبة إلى الأفراد، من حيث إنه شرط ضروري لتحسين الذات. يمكن أن ينتج الإفراط في الاعتزاز القومي عدوانية واستبدادية، تمامًا كما يمكن أن يؤدي الاحترام المبالغ فيه للذات إلى الغطرسة والتعجرف. ولكن كما أن قلة احترام الذات تجعل من الصعب على الشخص إظهار الشجاعة الأخلاقية، لا ترجح الكبرياء الوطنية غير الكافية إجراء مناقشة نشطة وفعالة حول السياسة الوطنية". لا يُخطِّئ رورتي اليسار الأميركي فقط لاتّهامه بعدم الوطنية أو لانحرافه عن نهج إصلاحي كان قد بادر به أول القرن، لكن أيضًا وبالنظر إلى مصدره الماركسي؛ كان وب لً، ليس فقط على البلدان التي طُبّقت فيها الماركسية،

بل على اليسار الأميركي كذلك، بحيث كانت وضعية اليسار الماركسي في الربع الأخير من القرن العشرين، في نظره، مماثلة لوضعية الكاثوليكية الرومانية في نهاية القرن السابع عشر؛ وضعية هشة، قاب قوسين من الانهيار. ولا يتردّد رورتي في التنويه بقيمة الاعتزاز الوطني وضرورته لتوجيه اليسار نحو سياسة وطنية، ويعيب على اليساريين عدم برهنتهم بالقدر الكافي على وطنيتهم واعتزازهم ببلدهم، وهو ما جعل كل إصلاح يتقدمون به محل شك. غير أنه لا يبدو أن رورتي يتخذ من هذه القضية سببًا وحيدًا لنقده اليساريين.

ففي الوقت الذي يشيد فيه باليسار حركةً إصلاحيةً، امتدت منذ بداية القرن العشرين حتى الستينيات، ينتقد بشدة، كما أسلفنا، ما يسميه اليسار الثقافي الذي أخذ في السيطرة على الحركة اليسارية منذ ذلك التاريخ إلى اليوم. فالنزعة الوطنية التي ميزت اليسار في مرحلته الأولى، ودفعته إلى النضال والإسهام في تغيير الأوضاع، عبر مقترحات فعالة في العمل وتحسين ظروف العمال والدفاع عن حقوقهم، ورفع الضيم عن الأقليات والعمل على إدماجها، تراجعت مع اليسار الثقافي (اليسار الجديد) الذي انكمش وانحصر اهتمامه في نقاشات نظرية وأكاديمية، أساسُها أفكار هايدغر ودريدا وفوكو، وحوّل نظره إلى قضايا التنوع والاختلاف الفكري والسياسي، من دون مشاركة فعلية في اجتراح حلول لتحسين الأوضاع. من أجل هذا، لا يتوانى رورتي في الاستناد إلى مواقف السياسيين، متخذًا من جيفرسون نموذجًا لتعزيز الديمقراطية، نظرًا إلى دوره الرئيس في إرساء قواعدها أثناء فترة حكمه، وحتى قبلها، بوصفه أحد

محرري وثيقة الاستقلال، وفي إسهامه في جعل "الفكرة القائلة بإمكانية فصل السياسة عن الاعتقادات

((4(يأخذ رورتي عنوان كتابه هذا من السطر الأخير من رواية The Fire Next Time لجيمس بالدوين Baldwin James –1924(1987)، وهو كاتب أميركي، من أصول أفريقية، مؤلف الروايات والقصائد والقصص القصيرة والمسرحيات والمقالات. أشهر أعماله هي روايته الأولى، شبه السيرة الذاتية La Conversion: Go Tell It on the Mountain، التي نُشرت في عام 1953 وقصص أخرى.

جمعت مقالاته في عملين هما: وقائع ابن بلد أصلي Notes of a Native Son (1955)، و المرة القادمة، النار The Fire Next Time (1963). وفي مقالاته نكتشف عمق التوترات ذات الطابع العرقي والعنصري والطبقي والجنسي في المجتمع الغربي والأميركي خاصة في الفترة التي واكبها ودفعته إلى هجرة بلاده نحو فرنسا وحياته الصعبة هناك.

(49) Rorty, Achieving our Country , p. 3. (50) Ibid., p. 51.

المتعلقة بمسائل ذات أهمية قصوى، وبأن الاعتقادات المشتركة بين المواطنين حول مثل هذه المسائل ليست أساسية بالنسبة إلى مجتمع ديمقراطي"، ويتّخذ من الفلاسفة والكُتّاب، أمثال إمرسون ووايتمان وبالدوين وديوي، مصادر إلهام لاستكمال البناء الأميركي، وذلك لإيمانهم بقدرات أميركا في فترة تأسيسها وتشييدها، ودعواتهم إلى اعتماد أميركا على ذاتها، كما نادى بذلك إمرسون في مبدئه الاعتماد على الذات Self–Reliance.

سابعًا: تقريظ الليبرالية الديمقراطية

عُرف عن رورتي عبارته التي جمع فيها بين الليبرالية والبرجوازية وما بعد الحداثة. ولئن كانت ميوله واضحة تجاه هذه التيارات والأنظمة والمفاهيم، فبالقدر نفسه له عليها تحفظات. فماذا يقصد بعبارته تلك؟ يذكر في مقال له يحمل العنوان ذاته: "إن ما اصطلح عليه بالليبرالية البرجوازية ما بعد الحداثية، يعني اسم المشروع الهيغلي الذي يهدف إلى الدفاع عن مؤسسات وممارسات الديمقراطيات المتطورة في شمال الأطلنطي، من دون اللجوء إلى مثل أحجار الزاوية هذه". ويضيف رورتي أنه يستعمل "برجوازي" Bourgeois؛ ليؤكد أن معظم الأشخاص الذين تحدّث عنهم لا يعترضون على الفكرة الماركسية القائلة إن عددًا كبيرًا من هذه المؤسسات والممارسات ليس ممكنًا وليس مبررًا، إلا في ظل

شروط تاريخية معينة، وتحديدًا في ظل شروط اقتصادية. إن انتماء أميركا إلى منظومة حكم ليبرالية ديمقراطية، نشأت وتطورت في شمال أميركا وباتت تترأسها، جعلها نموذجًا لدول أخرى. هذه المنظومة التي نشأ في ظلها الفيلسوف رورتي ووقف على محطات

مهمة من حياتها، تأزمت أوضاعها أحيانًا وبرزت أحيانًا أخرى بوصفها منقذًا للعالم، لا سيما أثناء الحرب الباردة. ولا يتردد في الاستناد، في موقفه تجاه الليبرالية وفهمها، إلى جون ديوي. وهذا يعني بالنسبة إليه مثلما يقول: "باختصار؛ أن تصبح الليبرالية الآن راديكالية، ويستفاد من 'راديكالي' إدراك لضرورة إجراء تغييرات شاملة ومستمرة في إنشاء المؤسسات والنشاط الملائم لتحقيق التغييرات". فاستمرار الليبرالية مرهون، إذًا، بإدخال إصلاحات كفيلة بتعزيز موقعها والحفاظ على قوتها وحيوتها. وأهم هذه الإصلاحات تحقيق أكبر قدر من العدالة الاجتماعية. ولم يمنع رورتي انتسابه الليبرالي وإشادته بالديمقراطية من اتخاذ موقف ساخري رآه أساسيًا لذاته

بوصفه مثقفًا مهتمًا، بتحصين حريته وكماله الخاص، من دون أن يستبعد في الوقت نفسه من دائرة

اهتماماته العدالة الاجتماعية والتضامن الإنساني. هذا الموقف يراه مهمًا لتشخيص مثالب الليبرالية

(51) Rorty, Objectivisme, relativisme et vérité , p. 191; Richard Rorty, "Postmodernist Bourgeois Liberalism," Journal of Philosophy , vol. 80, no. 10 (October 1983), pp. 583–589. (52) Rorty, Objectivisme, relativisme et vérité , p. 225. (53) Ibid. (54) John Dewey, Liberalism and Social Action , 4 th ed. (New York: Capricorn Books, 1963), p. 62.

((5(كأن يكون ذلك في تأمين التغطية الصحية وإتاحة الفرص أمام أكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع في التربية والصحة والترقية الاجتماعية... إلخ.

ونقائصها، وخاصة ما تنتجه من قسوة وفظاظة، أهمها قسوة التفاوت الاجتماعي. فرورتي يرى أن الصراع سيظل بين الأغنياء والفقراء، واتخذ لذلك لنفسه مسافة تجاه نظام الحكم المتّبع في بلده، على نحو يتيح له تشكيل رؤية لكيفية تصحيح مسار منظومته السياسية.

ثامنًا: الساخري الليبرالي

يقصد رورتي ب "الساخرية": تلك "القدرة الفردية على إعادة الوصف الذي قد يشمل وضعية ما أو قصة فرد، بحيث يمكن أن يكون لها مغزى مهم ومعتبر، لأنها تعمل على تجديد الهوية والقيم والكلمات الأولية للفرد الذي يولد من جديد". بتعبير آخر، يتجدد الفرد عبر إعادة الوصف، عبر تجديد في لغته الراهنة. ويعترف رورتي بأن منحى الساخرية كتمرين قاسٍ وفظ، فضلً عن نزعته الفردية، يستعين دومًا في توصيفه بالاستعارة وإبداع معجم جديد يؤهله لتحقيق حاجته من الخلق والازدهار الذاتي، من دون الزعم بأن معجم الوصف لديه نهائي. لتجاوز هذا النقص، يستنجد رورتي، ضمن يوتوبياه الليبرالية البرجوازية ما بعد الحداثية، بفكرة التضامن التي لا يراها مسألة تكتشف بالفكر، بقدر كونها خلقًا وابتداعًا يمكّنانا من الإحساس بالتفاصيل الخاصة بالألم، والإهانة التي تلحق بأشخاص يتألمون وهم غرباء عنا. يقول رورتي: "في اليوتوبيا التي أدعو إليها، لا ينظر إلى التضامن على أنه حدث يُنخرط فيه لأجل إزالة الآراء المسبقة، وبالتنقيب في أعماق غير مستكشفة. لكن ينظر إليه على أنه هدف يجب بلوغه. وهذا لن يتأتى بالبحث وإنما بالخيال، أي بتلك الملكة التي ترينا أناسًا مثلنا يتألمون وهم غرباء عنا". يبتدع هذا التضامن عبر أدوات غير فلسفية، ويساعدنا في ذلك الرواية والتحقيق الصحافي والشريط الوثائقي والإثنوغرافيا. ويبدو هذا الأمر منطقيًا جدًّا لدى رورتي، من أجل نفيه إمكان مساعدة الفلسفة

لنا على تأسيس مشاريعنا السياسية، أو تبريرها. ومن هنا وجب البحث عن قنوات بديلة. ولا يلتفت رورتي إلى ذلك التقابل بين تاريخ الفلسفة وتاريخ السياسة، وإنما يتبنّى طرح ميلان كونديرا Milan Kundera الذي يحوّل هذا التقابل في اتجاه الأدب، ليصبح تاريخ الرواية هو تاريخ الديمقراطية، بل

إنه يقرن الرواية باليوتوبيا الديمقراطية؛ أي بمجتمع مستقبلي متخيل، حيث لا أحد سيفكر في الإله أو

((5(فضلنا استخدام كلمة "الساخرية" ترجمةً ل  Irony، تعبيرًا عن إمكانية تحويلها إلى نزعة تجدد إمكانية الوصف بلغة مغايرة.

ومعروف أن السخرية ليست مصطلحًا جديدًا في الفلسفة، فقد استخدمه فلاسفة في القديم كسقراط، والمعاصر سورن كيركك ورد

Kierkegaard Søren، وسواء أكان بدلالة معرفية أم أخلاقية، فإنه لا يحمل معنى التهكم والازدراء بقدر ما يوجه ضد الميتافيزيقا، بحيث تقوم نزعة الساخرية فيه وفق ما يؤكد ناصيف نصار على عناصر ثلاثة أساسية هي: التاريخانية، والعارضية، والاسمية. يجعل رورتي بتبنّيه الساخرية أسلوبًا للتفكير والعيش لدى نموذج المثقف الليبرالي، الذي يجد نفسه في وضع حرج، فهو من ناحية ينتقد

المجتمع الذي ينتمي إليه ولا يراه محققًا لآماله وطموحاته، ومن ناحية أخرى لأن المجتمع، على مساوئه، منحه فرصة الوصف وإعادة الوصف لطموحاته ومشاريعه.

(57) Hottois, p. 458. (58) Richard Rorty, Contingence, ironie et solidarité , Pierre–Emmauel Dauzat (trad.) (Paris: Armand Colin, 1993), p. 17. (59) Hottois, p. 458.

الحقيقة أو طبيعة الأشياء. في هذا التصور الذي يدعمه رورتي، يختفي كل توجّه ميتافيزيقي، خارج

عن إرادة الإنسان وتنمحي معه مزاعم امتلاك المقدرة الفلسفية على النفاذ إلى طبائع الأشياء، فكل ما يطالب به حتى الأدب هو تجربته التاريخية والتفرّد الذي يميزها. في الاتجاه المتفائل ذاته، الذي سار عليه ديوي، يبني رورتي موقفه الإنساني على نزعة وجدانية. وفي هذا الاتجاه أيضًا، يسير رورتي على خطى ديوي مدافعًا باستماتة عن الديمقراطية الليبرالية ومؤسساتها وآلياتها، مؤكدًا على ما يصطلح عليه في "يوتوبياه الليبرالية" بعنصري التضامن والساخرية والتسامح وحبّ المعرفة. ففي "الديمقراطية اليوتوبية، يصبح التسامح والفضول أهم الفضائل الفكرية"،

ويكونان بديلين من التطلع إلى الحقيقة. إذا كان لا بد من التلازم بين السياسة والحكمة، بين الديمقراطية والفلسفة، وهو على ما يذكر مفكرون خصوا هذه العلاقة بتأكيد وتأييد منذ اللحظة اليونانية التي أمكنها تكريس وجود الفلسفة وربطه بوجود الديمقراطية، فإنها كذلك تغدو ملازمة لمنحى رورتي، وهو الذي التمس في الليبرالية فسحة الحرية التي مكّنته من تحقيق نموذجه للمثقف الساخري الليبرالي، والذي لم يكن ممكنًا وجودُه في ظل أنظمة حكم أخرى. فهل من الضروري وجود ترابط بين الليبرالية والساخرية؟ لا يرى ناصيف نصار أن فكر رورتي يعطي أسبقية لنظرية الساخرية على الليبرالية بالمعنى الذي يفيد أن الليبرالية تطبيق لنظرية الساخرية. وإذا كانت الأولى لا تعتبر نظرية للثانية، ولا هذه تطبيقًا للأخرى، فإن الأمر لا يعدو أن يكون سوى مجرد تأويل. لئن سعى رورتي إلى الابتعاد عن السند النظري والفكري لليبرالية، فإن بعضًا من الكُتّاب، ومنهم مارسيل غوشيه Gauchet Marcel، يذهبون إلى "أن الانبعاث البارز لليبرالية [...] منح هذا التغيير طابع تكريس فلسفي للتجربة الأميركية". وهو لا يفيد فحسب، في تصوري، أن التجربة الأميركية في الليبرالية أثبتت نجاعتها الفعلية والنظرية في آن واحد، وإنما أيضًا أنه وفق المنطق البراغماتي تتضح صحة الليبرالية بنتائجها الفعالة والناجحة نسبيًا، وفق ما تقول قاعدة الحكم على الأفكار لدى

البراغماتيين؛ ذلك أن "الساخري بوصفه ابنًا للبراغماتي يضع في المنطلق كلمات الفاعل والفعل والمنفعة". يتشارك رورتي، مع بعض الفلاسفة المعاصرين، التصور نفسه بخصوص الليبرالية الذي يجعل منها مذهبًا مستساغًا على أسس تاريخية واجتماعية، لكن من دون أساس ميتافيزيقي. ولئن اتفق مع

(6((ينظر: محمد جديدي، ما بعد الفلسفة: مطارحات رورتية (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون؛ الجزائر: منشورات الاختلاف، 2010)، ص 184 وما بعدها. ((6(نصار، ص.197

(62) Richard Rorty, Essais sur Heidegger et autres écrits , Jean–Pierre Cometti (trad.) (Paris: PUF, 1995), p. 122.

(6((نصار، ص.209

(64) Marcel Gauchet, L’avenement de la démocratie, 4: Le nouveau monde (Paris: Gallimard, 2017), p. 6.

((6(نصار، ص.209

هابرماس من حيث قبول الليبرالية، فهو يختلف معه في جدوى الغوص في تأسيس نظري لها من جهة أولى، ومن جهة أخرى، حينما يتبنّى موقفًا ساخريًا من المجتمع الليبرالي. وفي هذا الموقف الأخير يجد دعمًا من فيلسوف مثل ميشيل فوكو، عمل ضمن حفرياته على تعرية عيوب المجتمع الغربي.

وإذًا، فهو أقرب في ساخريته إلى اللاعقلانية الفوكالدية (نسبة إلى فوكو)، منه إلى هابرماس. لكنه من جهة أخرى لا يوافق فوكو في نقده النيتشوي لليبرالية. ووفق هذا نكون أمام موقف يتوسط فيه رورتي هابرماس وفوكو، من حيث إنه يمثل هذا النموذج الساخري الليبرالي. يستفاد من هذا أن المعنى الذي يلحقه رورتي بالساخري الليبرالي، متضمن في شخصية سقراط، وإن كانت الغايات والنتائج ليست واحدة. ولعل ما يؤيد مثل هذا الرأي هو اختيار رورتي لشخصية الساخري بميزتها الأساسية؛ أي الارتياب الدائم، لأنها الأنسب لتمثيل ما بعد الحداثي بحسب المعنى الذي يعطيه ليوتار ل "ما بعد الحداثي"، والذي يوافقه فيه رورتي. ويذهب رورتي إلى أن "الطريق المؤدّي إلى ثقافة ساخرية لما بعد الحداثة يتصل بتحرير تدريجي للفكر من هيمنة العقل. وذلك بالدفاع والاستنجاد بالجمال"؛ أي في محاولة الإفلات من قبضة العقل والانفتاح على التجارب الجمالية الممكنة، من خلال الارتياب الذي يمارسه الساخريّ؛ ذلك أن هذا الأخير، وذلك من سخرية القدر، وربما من تناقضات رورتي أيضًا، هو ذاته وليد هذه البيئة الديمقراطية التي لولاها ما كان ليكون. ومن ثم، فإن هدفه يكون التحرر من اقتضاءات عقلانية هذه البيئة لاعتماد مفردات جمالية. إن الساخرية صفة من يعمد إلى اتخاذ الارتياب والتشكيك في عباراته وأحكامه، رافضًا إعطاءها صبغة مطلقية أو ميتافيزيقية، بمعنى أن الساخري هو من يُبقي على ارتيابه الدائم إزاء خطابه، ولا يعتقد أنه أقرب إلى الواقع أو أكثر مطابقة له من الخطابات الأخرى. فالسخرية Irony لا تفيد في هذا الصدد ما قد يعنيه حدُّها القديم فعلً للتساؤل مع التظاهر بالجهل على الطريقة السقراطية، ولا معناها الحديث بوصفها نوعًا من قلب للمعنى، والاكتفاء بالاستعارة؛ أي كونها صورة للخطابة تتضمن تبليغ ما يرغب المرء في قوله مع قول العكس تمامًا. ومثلما يرى نصار، فإن "الساخرية في هذا المقام لا تحمل المعنى النفسي الأخلاقي الذي تحمله، في العادة، لفظة السخرية، ولا بالطبع المعنى الذي تحمله لفظة التهكم أو لفظة الاستهزاء، بل تعني مذهبًا فلسفيًا موجهًا ضد الميتافيزيقا، ويقوم على ثلاثة

أركان: التاريخانية والعارضية والاسمانية". لكن ما يلاحَظ، وهو أمر مضمر، في الطريقة السقراطية،

أنها تحمل في طياتها مضمونًا ارتيابيًا؛ فتصنُّع الجهل من سقراط، ينمّ عن ارتياب وشكّ حيال من يقف

أمامه، ولا يزول هذا الشكّ إلا بعد الخضوع للاختبار سلبيًا أو إيجابيًا. يُدرك رورتي أن من الصعب الحصول على هذه الوضعية المريحة للساخري، بحيث يشكّل جماعة سياسية يكون ولاؤه لها، لأنها منحته فرصة التجلي هذه، وزودته بسياق إعادة وصفه لذاته ومجموعته.

(66) Albrecht Wellmer, "Vérité, contingence et modernité," Rue Descartes , vol. 5–6 (Novembre 1992), pp. 177–178. (67) André Lalande, Vocabulaire technique et critique de la philosophie , vol. 1, 4 ème éd. (Paris: PUF, 1997), pp. 544–

((6(نصار، ص.195

لكنه يجد في تاريخ أميركا نموذجين يضعهما على قمة هرم هذا الطموح الذي يتحقق فيه الازدهار الشخصي والتضامن الاجتماعي والفخر الوطني؛ فيقول: "يوجد على قمة هذا الصرح أبطال وطنيون مثل ديوي ووايتمان. هذه هي الشعارات الفكرية والشعرية لهذا المجتمع والتمجيد التأسيسي الهادف إلى السعي لتحقيق المثل الأعلى السياسي ومشاركة القيم المشتركة بين المجتمعات الأخرى". وهذه القيم يمكن اقتسامها عبر الثقافة الشاعرية التي ستطبع المجتمعات المستقبلية وتشيع فيها فضائل الحب والتسامح والسلم والتضامن والأمل، والتي يتفاءل كثيرًا رورتي ببلوغها.

خاتمة

يمكن أن نخلص إلى أن رورتي سعى إلى إعادة البراغماتية إلى روحها الأولى، وتقريبها من قضايا المجتمع السياسية والأخلاقية، واستطاع أن ينخرط مع الفلاسفة الأميركيين الآخرين والأوروبيين ضمن النقاشات السياسية التي فرضت نفسها على المجتمعات الغربية في نهاية القرن العشرين، وأهمها مسائل الديمقراطية والعدالة والحقوق. ولئن لقيت أفكار رورتي اعتراضات من لدن البعض، خاصة المفكرين والمثقفين الأميركيين، واتُّهِم بتطويع النصوص بغية قراءات انتقائية، ورفض بعضٌ آخرُ فهمَه لديوي وفلاسفة آخرين على نحو يدعم

نزعة النسبية والمركزية الغربية، فقد لقي قبولً حسنًا لتصورات له أخرى، لا سيما ما تعلّق منها برفض تصور العقل كمرآة تمثّل العالم والطبيعة. ولقد بدت أفكاره متسمة بصفة ثورية في بداياتها ثم انتهت إلى أقل ثورية كما أشارت إلى ذلك الفيلسوفة شيريل ميساك، بتركيزها على قابلية التحسّن وقدرة

المجتمع الليبرالي الأميركي على إصلاح عثراته وتقليص تناقضاته لصالح مجتمع متصالح مع ذاته وأقل قسوة. تقتسم فكر رورتي نوازع متوترة سياسيًا وفلسفيًا، فهو على شاكلة أستاذه ديوي يفضّل محو الحدود بين

الحقول والفروع العلمية والمعرفية ضمن الثقافة الشاعرية المميزة لما بعد الحداثة. كما سعى ضمن مفردات خطابه الفلسفي الليبرالي الساخري إلى تجاوز الثنائيات التي عمّرت طويلً في تاريخ الفكر

الفلسفي والسياسي؛ فأوقعت مساره الفلسفي بين رحى الواقعية تارة والمثالية تارة أخرى، بين ثنائية الرغبة والاعتقاد، تمامًا مثلما جعلت منحاه الاجتماعي والسياسي يُراوح بين نزعتين فردانية واجتماعية.

وفي محاولته لردم هوة الثنائيات، يقترح رورتي موقفًا ليبراليًا ساخريًا، رأى أنه الأقرب إلى تمثيل وجهة

نظره المعبّرة عن جماع قيم يصعب أن يجد لها نموذجًا توحيديًا في تاريخ الفكر الغربي، واستلهم

من بعض المثقفين والكتّاب أمثلة استشهد بها في تحليلاته، ومنهم إمرسون ووايتمان ونيتشه وديوي، ليقدّم نفسه هو مثقفًا تتجسد معه سمات المثقف الليبرالي الساخر. كان رورتي يدرك صعوبة موقفه الباحث عن الجمع بين رغبتين شبه متعارضتين، ولذلك حينما عنون مق لً له بالليبرالية البرجوازية ما بعد الحداثية، ذكر أن هذا العنوان قد يبدو متناقضًا.

(69) Laurent Dessberg & Richard Rorty, "Une philosophie de l’éducation entre conservatisme et élitisme," in: Anne– Marie Drouin–Hans (dir.), Philosophie de l’éducation: Itinéraires Américains (Paris: L’Harmattan, 2012), p. 105.

تظل مواقف رورتي غالبًا متأرجحة بين حدَّيْن يختار فيهما فيلسوف البراغماتية الجديدة موقفًا وسطًا.

فإذا كان موقفه من الفلسفة يتلخص في فلسفة من دون تلك الفلسفات التي انتقدها، فهو يتفلسف مستمدًّا أدواته من انتقاءاته لفلاسفة مثّلوا وجهات نظر غير تقليدية، مثلما هو الحال مع هايدغر وفتغنشتاين وديوي. فالفلسفة من دون فلسفة لدى رورتي ولدى البراغماتيين، تتمثل في محاولة هادفة إلى إقامة حجج ضد فلسفية داخل لغة غير فلسفية. تشدّد البراغماتية الجديدة على أن الفلسفة محادثة نقدية بين العقول والنصوص في الزمان. ومن هنا، تتضح وجهة نظر رورتي السياسية الباحثة عن إدراج تجربة أميركا في التاريخ، ضمن أفق إنساني من دون مرجعية باطنية خارج/ فوق إنسانية. ونتبيّن في مواقف رورتي السياسية توجهه البراغماتي. ففي

حكمه على اليسار، يذهب إلى توزيعه على مرحلتين؛ واحدة كان فيها فاعلً أكثر منه متفرجًا، وأخرى

أضحى فيها همّه ثقافيًا أكثر منه اجتماعيًا واقتصاديًا، وانحسر دوره الإصلاحي وأخذ ملمحًا أكاديميًا

أفقده بعده الجماهيري. وفضلً عن هذا، غاب عن اليسار فخره القومي الأميركي كما بدا مع اليسار الإصلاحي الذي حرص على القيام بدوره الطليعي والإصلاحي من الداخل، واحتك بالقوى العمالية المطالبة بحقوقها وأسهم في تأطير نضالاتها إيمانًا منه بأن الفرد بناء اجتماعي، كما ذهب إلى ذلك ديوي. لكن المشكل الذي لم يستطع اليسار الأميركي تجاوزه يتمثل في حرب فيتنام التي هزت في نفوس الأميركيين مشاعر الافتخار ببلدهم، وولّدت إحساسًا بالعار والخجل، وسببت انكماشًا للروح

القومية وأشاعت لديهم الشكوك في قدرة بلدهم على تحقيق يوتوبيا الحرية والعدالة والإخاء. يدرك رورتي هذه الثغرة في التاريخ الأميركي الحديث التي وفرت الإطار لتزدهر فيه طروحات اليسار الثقافي. ولكن هذه الثغرة كان لها الأثر الكبير فيه؛ إذ أبعدته عن موقف أخلاقي حيال الحرب والقوة والعنف، وقربته من مقاربة جمالية. فمنطلقه الفلسفي هو إعادة وصف الفرد والمجتمع والعالم بلغة تتجدّد بحسب السياقات الثقافية. ورغم انجذابه القوي إلى تيار ما بعد الحداثة، فإنه لم يعدم فرصة للثناء على جهود الأميركيين التنويريين والحداثيين الذين أرسوا قواعد الحداثة الديمقراطية وجعلوها تجربة إنسانية قابلة للتطور والتعديل والتشكيل المتجدّد. إذا ما أردنا تلخيص موقف رورتي من سؤال علاقة الفلسفة بالسياسة الذي انطلقنا منه، وجدناه في الإنسان الذي يسعى إلى التقاط معناه من داخل التاريخ الإنساني من خارجه؛ أي من حقيقة غير بشرية. ويشتمل موقف رورتي على رغبة أخرى لا يخفيها ويعلن فيها عن توجه كوسموسياسي ينبثق من "نحن" تكون جماعية قابلة للتمدّد والتوسّع، كلما تقاربت القيم والآراء وتناغمت الشبكة العلائقية

للرغبات والسلوكات وتوافرت فضيلة التضامن.

References

المراجع

العربية

برنشتاين، ريتشارد. "الديمقراطية الخلاقة: المهمة التي تنتظرنا". ترجمة محمد جديدي. ترجمات. مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث. 2021/5/21:. في https://bit.ly/3sUhH8k

جديدي، محمد. الحداثة وما بعد الحداثة في فلسفة ريتشارد رورتي. بيروت: الدار العربية للعلوم؛ الجزائر: منشورات الاختلاف؛ دبي: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم،.2008 ________. ما بعد الفلسفة: مطارحات رورتية. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون؛ الجزائر: منشورات الاختلاف،.2010 رورتي، ريتشارد. الفلسفة ومرآة الطبيعة. ترجمة حيدر الحاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2009 ________. "هابرماس، ليوطار وما بعد الحداثة". ترجمة محمد جديدي. ترجمات. مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث. 2016/10/15:. في https://bit.ly/3GkZJla ________. "في أولويّة الديمقراطية على الفلسفة (1) التسامح هو فصل السياسة عن الحقيقة".

ترجمة فتحي المسكيني. مقالات. مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث. 2019/3/23. في:

https://bit.ly/3PL87Pg

الكشو، منير. "نظرية جون رولز في العدالة التوزيعية ونقادها". تبيّن. مج  9، العدد 36 (ربيع.)2021 ميساك، شيريل. البراغماتيون الأميركيون. ترجمة جمال شرف. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 نصار، ناصيف. باب الحرية: انبثاق الوجود بالفعل. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.2003 هابرماس، يورغن. "الحداثة مشروع لم يكتمل". ترجمة فتحي المسكيني. تبيّن. مج  1، العدد 1 (صيف

الأجنبية

Bouvet, Paul & John Rawls. "La renaissance de la philosophie aux Etats–Unis." Magazine Littéraire. no. 380 (October 1999). Cometti, Jean–Pierre (dir.). Lire Rorty: Le pragmatisme et ses conséquences. Combas: Editions de L’Eclat, 1992. Dewey, John. Liberalism and Social Action. 4 th ed. New York: Capricorn Books, 1963. Dostie–Proulx, Pierre–Luc. "Le point de vue moral dans la philosophie éthico–politique de Richard Rorty." Revue Phares. vol. 8 (Winter 2008). Drouin–Hans, Anne–Marie (dir.). Philosophie de l’éducation: Itinéraires Américains. Paris: L’Harmattan, 2012. Fraser, Nancy. Unruly Practicies: Power, Discourse, and Gender in Contemporary Social Theory. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1989. Gauchet, Marcel. L’avenement de la démocratie, 4: Le nouveau monde. Paris: Gallimard,

Habermas, Jürgen. "And to Define America, Her Athletic Democracy': The Philosopher and the Language Shaper; In Memory of Richard Rorty." New Library History. vol. 39, no. 1: Remembering Richard Rorty (Winter 2008). Hottois, Gilbert. De la Renaissance à la Postmodernité: Une histoire de la philosophie moderne et contemporaine. 2 ème éd. Bruxelles: De Boeck Université, 1997. Joxe, Alain et al. Les grands entretiens du monde, penser l'après-communisme, penser l’europe, penser l’etat, penser, l’histoire. Paris: Le Monde, 1993. Lalande, André. Vocabulaire technique et critique de la philosophie. 4 ème éd. Paris: PUF,

Le Goff, Alice. Pragmatisme et démocratie radicale. Paris: CNRS Éditions, 2019. Mendieta, Eduardo. Take Care of Freedom and Truth Will Take Care of Itself: Interviews with Richard Rorty. Stanford: Stanford University Press, 2006. Rorty, Richard, Derek Nystrom & Kent Puckett. Against Bosses, Against Oligarchies: A Conversation with Richard Rorty. Chicago: Prickly Paradigm Press, 2002. Rorty, Richard. "Postmodernist Bourgeois Liberalism." Journal of Philosophy. vol. 80, no. 10 (October 1983). ________. Contingence, ironie et solidarité. Pierre–Emmauel Dauzat (trad.). Paris: Armand Colin, 1993. ________. Objectivisme, relativisme et vérité. Jean–Pierre Cometti (trad.). Paris: PUF,

________. Essais sur Heidegger et autres écrits. Jean–Pierre Cometti (trad.). Paris: PUF, 1995. ________. L’espoir au lieu du savoir: Introduction au pragmatisme. Paris: Albin Michel, 1995. ________. Achieving our Country: Leftist Thought in Twentieth–Century American. 2 nd ed. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1998. ________. Philosophy and Social Hope. New York: Penguin Books, 1999. ________. "The Overphilosophication of Politics." Constellations. vol. 7, no. 1 (March

Tinland, Olivier et al. La pensée libérale: Histoire et controverses. Paris: Ellipses, 2010. Wellmer, Albrecht. "Vérité, contingence et modernité." Rue Descartes. vol. 5–6 (Novembre 1992).