هل ما زالت النظرية السياسية موجودة؟
Does Political Theory Still Exist?
الملخّص
* أستاذ النظرية النقدية، أكاديمية الفنون (مصر.)
** ظهرت النسخة الأصلية لهذه الدراسة باللغة الفرنسية في دورية المراجعات الفرنسية للعلوم السياسية Revue française de science politique، المجلد الحادي عشر، العدد الثاني، 1961. ورُوجعت منذ ذلك الحين بمعرفة المؤلف الذي يدين بالشكر لمن تفضلوا بقراءتها في نسختها الأولى وكانت لهم رؤى جديرة بالاعتبار: البروفيسور ستيوارت نيوتن هامبشاير S. N. Hampshire (2004–1914)، والبروفيسور هربرت ليونيل أدولفوس هارت H. L. A. Hart (1907–1992)، والبروفيسور فيروتشو روسي لاندي F. Rossi Landi (1921–1985)، والسيد باترك لاكيستر جارداينر P. L. Gardiner (1922–1997)، والسيد جيفري جيمز وارنوك G. J. Warnock (1923–1995)، وعلى وجه الخصوص السيد ماركوس د ك M. W. Dick.
Abstract
This paper explores the relevance of political theory despite the indications that testify to its decline. The paper assumes that the inability to give final answers to the questions posed by political theory is one of the most distinctive features of philosophical inquiry. Such questions are associated with value judgments, and such terms as power, sovereignty, freedom, right and justice entail significant normative dimensions in our contemporary life. As for the attempt to transform political theory into an applied science, it entails a celebration of one dominant paradigm based on solid facts and on reductionist metaphors that might distort reality. The paper concludes that imaginative insight is indispensable for an understanding of the various conceptions of human nature as well as the paradigms incorporated in dominant political outlooks.
- الفلسفة السياسية
- المفاهيم المعيارية
- النماذج المعرفية
- الأبنية التصورية
- الصور المجازية
- طبيعة الإنسان
- Political Philosophy
- Normative Concepts
- Paradigms
- Conceptual Structures
- Metaphors
- Human Nature
I
هل ما زالت النظرية السياسية موجودة؟ يتكرر هذا السؤال في مناسبات كثيرة على نحو غريب، ويتشكك في مكانة هذا الحقل المعرفي، ويوحي بأن الفلسفة السياسية قد ماتت أو أنها في طور الاحتضار مهما بلغت مكانتها في الماضي. والدليل الرئيس الذي يبدو أنه يؤيد هذا الاعتقاد هو عدم ظهور أي عمل بارز في النظرية السياسية في القرن العشرين. وأقصد بالعمل البارز أنه على الأقل قد حوَّل المفارقات إلى بديهيات أو العكس، وهذا يبدو لي معيارًا كافيًا لتحديد وجود الحقل المعرفي من عدمه. لكن قلّما يكون ذلك دليلً قاطعًا، ولا يمكن التصديق على شهادة وفاة حقلٍ معرفي إلا لسببين وجيهين: يتمثل أحدهما في التوقف عن قبول افتراضاته الأساسية، سواء أكانت إمبريقية أم ميتافيزيقية أم منطقية؛ لأنها قد تلاشت مع العالم الذي كانت جزءًا منه، أو لأنها قد تعرَّضت للرفض أو التفنيد. وأمّا الآخر فهو ظهور حقول معرفية جديدة تتولى عمل الحقول السالفة. وربما تعتري الحقول الجديدة عيوبٌ معينة، لكنها موجودة وتؤدي وظيفتها، وتمتلك وظائف الحقول السالفة، سواء أكانت وظائف موروثةً أم مغتصبة. فلا مكان للأسلاف الذين انحدر منهم الأخلاف، وهذا هو القدَر الذي شمل التنجيم، والخيمياء، وعلم فِراسة الدماغ (واللاهوت والميتافيزيقا عند الوضعيين القدماء والمحدثين). فإمّا أن الافتراضات الأساسية التي قامت عليها هذه الحقول قد هُدِمت، وإما أنها انهارت لأسباب أخرى؛ ولذا تُعدّ اليوم مجرد توهّمات. إن هذا القتل المنهجي للأصول والأسلاف هو تاريخ العلوم الطبيعية في علاقتها بالفلسفة؛ ولذا فهو يتصل بالقضية محل النظر اتص لً مباشرًا. لقد نجح البشر في إيجاد إجابات واضحة عن فئتين من الأسئلة: أمّا الفئة الأولى فقد جرى صوغها بما يسمح بالإجابة عنها بالملاحظة وبالاستدلال من المعطيات المرصودة على الأقل من حيث المبدأ (إن لم يكن دومًا في الممارسة)، وهذه الفئة تحدد مجالات العلم الطبيعي ومجالات الحس العام اليومي. فسواء أكانت الأسئلة بسيطة عن وجود طعامٍ في مكان معيّن، أو نوعية الطيور في منطقة معينة، أو نيّة شخص معين، أم كانت أسئلةً مركبة عن بنية المادة، أو سلوك الطبقات الاجتماعية، واتجاه الأسواق الدولية، فإن السائل يعلم أن الإجابة لا بد أن تستند إلى ملاحظة شخص معيّن لما يوجد أو يحدث في العالم المكاني والزماني، حتى يكون للإجابة أساس سليم من الصحة. وربما يصف البعض هذه العملية بأنها "ملاحظة منظَّمة"، وأنا أميل إلى موافقة هذا الرأي؛ لأن الملاحظة نشاطٌ وجزءٌ لا يتجزأ من غاية الملُاحِظ وعالمه التصوري. لكن الاختلافات في هذه المسألة لا تؤثر في حجَّتي، وإن كانت تنطوي على أهمية بالغة لفلسفة العلم. فكل التعميمات والافتراضات والنماذج التي تعمل بها أكثر العلوم تطورًا، يمكن ترسيخها ودحضها في النهاية بمعطيات التدقيق من الخارج أو المراجعة من الداخل. وأمّا الفئة الأخرى التي يمكن أن نلتمس إجابات واضحة عنها فهي الأسئلة الصورية، وفيها نعتمد على قضايا معينة تسمى المسلَّمات، ونستعين بالقواعد اللازمة لاستنباط قضايا أخرى منها، ونمضي
قُدمًا في عمليات حسابية محضة، ونحدد صحة الإجابات من عدمها بناءً على الاستخدام الصحيح للقواعد التي سلَّمنا بأنها جزءٌ من حقلٍ معرفي معين. ولا تتضمن تلك الحقول مقولات وصفيّة قائمة على ملاحظة الوقائع والحقائق؛ ولذا ليس من المتوقع من هذه الحقول اليوم أن تمدّنا بمعلومات عن الكون، سواء أكانت تُستخدَم في ذلك الغرض أم لا. وتُعدُّ الرياضيات والمنطق الصوري أشهر مثالين على العلوم الصورية، لكن علم شعارات النبالة والشطرنج ونظريات الألعاب بوجه عام تمثِّل تطبيقات مشابهة للمناهج الصورية التي تحكم تلك الحقول. هذان النهجان في الإجابة عن الأسئلة يمكن تسميتهما على وجه العموم بالنهجين الإمبريقي والصوري، وهما يتصفان بثلاث خصائص على الأقل: 1. حتى وإن كنا لا نعرف الإجابة عن سؤال معين، فإننا نعرف الطرق الملائمة للبحث عن الإجابة؛ نحن نعرف أنواع الإجابات ذات الصلة بهذه الأسئلة، حتى وإن لم تكن صحيحة. فإذا سألني أحدٌ عن الكيفية التي يعمل بها نظام القانون الجنائي السوفياتي أو عن سبب انتخاب الناس السيد جون كينيدي رئيسًا للولايات المتحدة، لربما عجزت عن الإجابة عن السؤال، لكني أعرف الحقل الذي يقع فيه الدليل السليم، والطريقة التي يستخدم بها خبيرٌ معين ذلك الدليل للوصول إلى الإجابة؛ لا بد أنني قادر على تحديد ذلك بلغة شديدة العمومية، حتى وإن كان ذلك لمجرد أن أظهر للسائل أنني قد فهمت السؤال. وعلى نحو مشابه، إذا طلب أحدٌ مني إثبات مبرهنة "فيرما" في نظرية الأعداد، فربما أعجز عن تقديم هذا الإثبات، وربما أعلم أنه لم يقدر أحدٌ حتى الآن أن يقدم إثباتًا لها، لكني أعلم أيضًا أنواع البراهين التي تُعدُّ إجابات عن هذا الموضوع، حتى وإن كانت غير صحيحة أو غير قاطعة، وأميزها من إثباتات غير ذات صلة بالموضوع. ففي كل هذه الحالات، حتى وإن كنت لا أعرف الإجابة، فإنني أعرف أين يمكن البحث عنها أو كيف أحدد عالِمًا أو خبيرًا يعلم كيفية البدء في البحث عنها. 2. نستشف من ذلك أن المفاهيم متى كانت ثابتة وواضحة ومقبولة بوجه عام، ومتى كانت طرق الاستنتاج محل اتفاق بين الناس (على الأقل بين غالبية المهتمين بهذه الأمور)، عندئذٍ فقط يمكن بناء علمٍ صوري أو إمبريقي. أمّا حينما لا تتوافر هذه الشروط، وتثير المفاهيم الغموض والخلاف، وينعدم الاتفاق العام على طرق الاستدلال والحد الأدنى من مؤهلات الخبير، وتتواتر اتهامات مضادة حول ما يمكن أن يرقى إلى مرتبة القانون أو الفرضية الراسخة أو الحقيقة القاطعة، فإننا نكون في أفضل الأحوال في مجال شِبه العلم. وبذلك، فإن المرشحين الأساسيين للانضمام إلى هذه الدائرة السحرية، والذين لم يجتازوا الاختبارات المطلوبة، هم شاغلو منطقة "الأيديولوجيات" الفسيحة الثرية المركزية، لكنها منطقة غير مستقرة وبركانية وضبابية. ويتمثل أحد الاختبارات الأولية في القدرة على تطبيق مجموعة من القواعد المقبولة من الغالبية العظمى من الخبراء والقابلة للإدراج في كتاب دراسي. وكلما كانت القواعد قابلة للتطبيق اقترب الحقل المعرفي من استيفاء الشرط المطلوب للعلم المقبول. إن علومًا من قبيل علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الدلالة، والمنطق، وربما بعض فروع الاقتصاد، تقع في أرض مبهمة، وبعضها أقرب إلى المنطقة الحدّية لأرض العلوم المعتمدة، وبعضها أبعد عنها.
3. لكن إلى جانب هاتين الفئتين الأساسيتين تظهر أسئلة خارج نطاقهما. وهنا لا يقتصر الأمر على جهلنا بإجابات عن أسئلة معينة، بل يتعلق بجهلنا لكيفية البدء في محاولة الإجابة عنها (أين نبحث؟ وما الذي يمكن أن يمثل دليلً على إجابة معينة وما لا يمكن أن يكون كذلك؟). فإذا سأل سائلٌ عن مَوْضِع الصورة في المرآة أو عن إمكانية توقف الزمن عن الحركة، عندئذٍ أحتار في تحديد نوع السؤال، بل لا أعلم إن كان للسؤال من معنى، ولا تخفّ وطأة الموقف كثيرًا مع بعض الأسئلة التقليدية التي ربما أثارها البشر منذ فجر الفكر، من قبيل: كيف بدأ العالم؟ وماذا حدث قبل البداية؟ يقول البعض: إن هذه الأسئلة ليست مشروعة، لكن ما الذي يجعلها غير مشروعة؟ هناك شيء أسعى إلى الاستفسار عنه، وتنتابني الحيرة بالتأكيد. فعندما أتساءل: لِم لا يمكنني أن أكون في مكانين في وقت واحد؟ ولِم لا يمكنني أن أرجع إلى الماضي؟ أو ما العدل؟ وهل العدل موضوعي ومطلق؟ وكيف أتأكد أن أفع لً معينة عادلة؟ فإنني لا أملك طريقةً واضحة لحسم هذه الأسئلة؛ ذلك لأن إحدى أهم السمات الأكيدة للتساؤل الفلسفي – كما يتبدى في هذه الأسئلة جميعها – هي أن الحيرة تتملكنا من البداية، ولا نجد تقنية تلقائية ولا خبرة اختصاصية معتمدة من الجميع للتعامل مع تلك الأسئلة. إننا نكتشف أننا لا نعرف السبيل إلى البدء في تصفية أذهاننا، واستجلاء الحقيقة، وقبول الإجابات السابقة عن تلك الأسئلة أو رفضها. وفيما يبدو، لا يسعفنا هنا الاستقراء بالمعنى الواسع للاستدلال العلمي، ولا الملاحظة المباشرة الملائمة للتساؤلات الإمبريقية، ولا الاستنباط الذي تتطلبه الأسئلة الصورية. فعندما نشعر أننا نعرف تمامًا الطريق الملائم، لا تبدو الأسئلة فلسفية. واقع الأمر أن تاريخ الفكر البشري، بل تَقدُّمه، يكمن غالبًا في التعديل التدريجي لكل الأسئلة الأساسية التي يثيرها البشر في أي من المجالين المنظَّمين: الإمبريقي والصوري. فمتى صارت المفاهيم ثابتة وواضحة وحظيت بقبول جامع يظهر علمٌ جديد إلى الوجود، علمٌ طبيعي أو صوري. ويَحضُرني هنا تشبيهٌ لا يمكن أن أدّعي أنه من ابتكاري؛ وهو أن الفلسفة مثل شمسٍ متوهجة تبعث طاقةً من حين إلى حين، وتكتسب هذه الطاقات عندما تبرد بنيةً ثابتة ومميزة خاصةً بها، وتحظى بمسارات مستقلة باعتبارها كواكب منظَّمة، لكن الشمس المركزية تستمر في مسارها، ولا يبدو أنها تفقد شيئًا من طاقتها أو توهجها. بيد أن مكانة الفلسفة وحيويتها مسألةٌ أخرى، ويبدو ذلك في اتصالها مباشرةً بالمدى الذي تتعامل به مع قضايا تشغل الإنسان العادي. فعلاقة الفلسفة بالرأي والسلوك مسألةٌ مركزية لكل من التاريخ والسوسيولوجيا، ولا يتسع نطاق هذه الدراسة لتناولها، وما يهمنا هو أن الفلسفة في أحد أطوارها ربما تتحول إلى علمٍ في الطور التالي. لم يكن التباس الفكر وراء اعتبار علم الفلك، على سبيل المثال، حقلً فلسفيًّا في زمن جون سكوتوس أريجينا Eriugena Scotus John، عندما لم تكن مفاهيم الفلك ومناهجه ثابتة أو واضحة بمعايير عصرنا، وعندما كان دور الملاحظة المرتبطة بتصورات غائية قَبْلِية (مثل توْق كل جسم إلى أن يدرك الكمال التام لطبيعته) يجعل من المحال تحديد ما إذا كان خليط المعرفة بالأجرام السماوية إمبريقيًّا أم صوريًّا. وما إن تطوَّرت مفاهيم واضحة وتقنيات محددة، حتى ظهر علم الفلك إلى الوجود. بعبارة أخرى، لم يكن من الممكن تصنيف علم الفلك في بدايته في أحد المجالين، حتى وإن كان هناك تمييز
واضح بين المجالين الإمبريقي والصوري. وبالطبع، تبدَّت المكانة "الفلسفية" لعلم الفلك الوسيط في أن حضارة ذلك الزمان ("البنية الفوقية" في قاموس الماركسيين)، لم تسمح بتمييز واضح للحد الفاصل بين المجالين. وهكذا، فإن الطابع المميز للأسئلة الفلسفية على وجه الخصوص هو عدم استيفائها الشروط التي يتطلبها علمٌ مستقل (وبعض هذه الأسئلة قد لا يستوفي هذه الشروط أبدًا)، وأهمها هو تضمين الطريق إلى الإجابة في صوغ الأسئلة. مع ذلك، ثمة حقول يتضح أنها تكاد تحلِّق وتنفصل بقوة عن الجسد الرئيس الذي وُلدت منه، تمامًا مثلما فعلت الفيزياء والرياضيات والكيمياء والأحياء في زمانها. على سبيل المثال، ما زال علم الدلالة وعلم النفس غارقين بقدم واحدة في التربة الفلسفية، لكن يبعث كل منهما بإشارات الاستعداد للانفصال والتحرر، ولا تراودهما سوى ذكريات تاريخية تخبرهما بماضيهما الذي كان أشد ارتباكًا، وإن كان أشد ثراءً في بعض جوانبه.
II
ثمة مباحث تبقى فلسفية بصورة مستعصية، وتعجز رغم محاولات متكررة عن تحويل نفسها إلى علوم، وتتضمن بعض المباحث في جوهرها أحكام القيمة، وتتعلق مباحث الأخلاق والجمال والنقد تعلقًا واضحًا بالأفكار العامة، كما أن كل هذه المباحث باستثناء أغلب الأنواع التقنية من التاريخ والمعرفة ما زالت متحيرة ومتذبذبة، غير قادرة أو غير مستعدة للظهور لدى الباب الإمبريقي أو الصوري. وليس اتصال أحكام القيمة بالمبحث الفكري سببًا كافيًا لاستبعاد المبحث الفكري من أن يكون عِلمًا معترفًا به. إن مفهوم "الصحة الطبيعية" ينطوي على أحكام قيمة، ومع أن هناك إجماعًا عامًا كافيًا حول ما يمثِّل الصحة الجيدة، والحالة الطبيعية، والمرض، وما إلى ذلك، فإن هذا المفهوم ليس من صميم علوم التشريح، وعلم وظائف الأعضاء، وعلم الأمراض، وما إلى ذلك. ربما يكون الاهتمام بالصحة هو العامل الاجتماعي والنفسي (والأخلاقي) الأقوى في إنشاء هذه العلوم ونشرها، وربما يحدد مشكلات الموضوع وجوانبه التي جرت العناية بها بحماسة شديدة؛ لكن لا يُشار إليه في العلم نفسه، مثلما لا توجد ضرورة لذكر اهتمامات التاريخ أو المنطق في الأعمال التاريخية أو المنطقية. فإذا كانت بنية العلوم الطبيعية تستبعد قيمةً "موضوعية" واضحة تمامًا ومقبولة من الجميع مثل قيمة الصحة المنشودة، فإن هذه الحقيقة تظهر بمزيد من الوضوح في الحقول الأشد إثارة للجدل. ومنذ أفلاطون وحتى يومنا هذا، وعلى وجه الخصوص المحاولات الدؤوبة والمتجددة في القرن الثامن عشر، لم نشهد نجاحًا يُذكر للجهود الرامية إلى إقامة الأخلاقيات والجماليات الموضوعية على أساس القيم المقبولة من الجميع، أو على أساس المناهج المستخدمة في اكتشاف الأخلاقيات والجماليات، وما زالت تتوالى على إثر ذلك النزعاتُ النسبوية والذاتانية والرومانتيكية والشكوكية تجاه القيم. وهنا نثير الأسئلة التالية: ما موضع النظرية السياسية؟ وما مسائلها النموذجية المعتادة؟ وهل هي مسائل إمبريقية، أم صورية، أم لا هذا ولا ذاك؟ وهل تنطوي هذه المسائل بالضرورة على قضايا تتعلق بالقيم؟ وهل هذه المسائل في طريقها إلى مكانة مستقلة، أم أنها بطبيعتها مجبرة على أن تبقى فقط عنصرًا في كيان فكري أوسع منها بعض الشيء؟
تقع في صميم النظرية السياسية التقليدية مسائل تتعلق بطبيعة المساواة، وطبيعة الحقوق والقانون والسلطة والقواعد. ونحتاج إلى تحليل هذه المفاهيم أو إلى إثارة أسئلة حولها من قبيل: كيف تعمل هذه المفردات في لغتنا؟ وما الأشياء التي تأمر بها أو تنهى عنها؟ ولماذا؟ ومع أيّ نظام من القيم أو الرؤى تتلاءم؟ وبأيّ طريقة؟ وعندما نثير أهم سؤال سياسي تقريبًا، "لِمَ ينبغي لأي شخص أن يطيع أيّ شخص آخر؟"، فإننا لا نسأل: "لماذا يطيع الناس؟"، فهذا السؤال بهذه الصيغة قد تجيب عنه السيكولوجيا الإمبريقية والأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا. ولا نسأل "من يطيع من؟ ومتى؟ وأين؟ وما الأسباب المحددة لكل ذلك؟ فهذه الأسئلة بهذه الصيغ ربما يمكن الإجابة عنها على أساس دليل مستوحى من هذه الحقول ومن حقول مشابهة. بعبارة أخرى، عندما نتساءل: "لِم ينبغي أن يطيع الإنسان؟"؛ فإننا نطلب تفسيرًا للأبعاد المعيارية في أفكار من قبيل السلطة والسيادة والحرية، وتبرير صحتها في حجج سياسية. فهذه كلمات تصدر باسمها الأوامر، ويُقهر باسمها الرجال، وتُشنّ باسمها الحروب، وتُقام باسمها مجتمعات جديدة، وتُهدم باسمها مجتمعات قديمة؛ إنها مفردات تؤدّي دورًا كبيرًا في أنماط حياتنا المعاصرة. إن ما يجعل تلك المسائل فلسفية للوهلة الأولى هو عدم وجود اتفاق واسع على معنى بعض المفاهيم. فهناك اختلافات حادة حول ما يشكِّل الأسباب السليمة للأفعال في هذه الحقول، وعلى كيفية إثبات القضايا ذات الصلة أو حتى إضفاء المعقولية عليها، وعلى الأشخاص والكيانات التي تمثل سلطةً معترفًا بها للفصل في هذه المسائل؛ وبذلك لا يوجد إجماع على المنطقة الحدّية بين النقد العام والهدم، أو الحرية والقمع، وما إلى ذلك. وما دام المفكرون وأنصار المدارس المختلفة يقدِّمون إجابات متعارضة عن الأسئلة السياسية، فإن احتمالات تأسيس علمٍ إمبريقي أو صوري في هذا الحقل تبدو بعيدة. وغالبًا ما تصدر الخلافات حول تحليل مفاهيم القيمة عن اختلافات أعمق؛ لأن مفاهيم من قبيل الحقوق أو العدل أو الحرية ستكون مختلفة بصورة جذرية عند الملحدين والمؤمنين، وأنصار الجبرية الآلية والمسيحيين، والهيغليين والإمبريقيين، واللاعقلانيين الرومانتيكيين والماركسيين. ومن الواضح أن تلك الاختلافات ليست منطقية أو إمبريقية، وعادةً ما يتم تصنيفها بأنها فلسفية تمامًا. ينطوي ذلك على مدلول ضمني مهم واحد على الأقل. إذا ما أثرنا السؤال الكانطي: "في أي عالم تكون الفلسفة السياسية ممكنة من حيث المبدأ؟" (أو ما عالم النقاش والمناقشة الذي تقع فيه الفلسفة السياسية؟)، فإن الإجابة لا بد أن تكون على النحو التالي: "فقط في عالم تتصادم فيه الغايات". ففي مجتمع تهيمن عليه غاية وحيدة، لا يمكن أن نجد من حيث المبدأ سوى مناقشات حول أفضل وسيلة لتحقيق هذه الغاية، وستكون المناقشات تقنية (علمية وإمبريقية في طابعها)؛ وهذا يعني أنه يمكن حسم المناقشات بالخبرة والملاحظة أو بأي طرق أخرى تُستخدم في اكتشاف الأسباب والعلاقات المترابطة؛ ويمكن على الأقل من حيث المبدأ اختزالها إلى علوم وضعية. وفي مثل ذلك المجتمع لا يمكن أن تظهر أسئلة جادة حول الغايات أو القيم السياسية، بل تظهر أسئلة إمبريقية حول أكثر الطرق فاعلية إلى بلوغ الهدف. واقع الأمر أن شيئًا من هذا القبيل أكّده سان سيمون Saint–Simon (1825–1760) وأوغست كونت August Comte (1857–1798)، وكذلك ماركس (في ضوء بعض التفسيرات لفكره)، ما إن ينتهي "ما قبل التاريخ" (الحرب الطبقية) ويبدأ "التاريخ" الحقيقي البشري
للإنسان (الهجوم الموحد على الطبيعة للحصول على الخيرات التي أجمع المجتمع على مرغوبيتها.) ونستشف من ذلك أن المجتمع الوحيد الذي تكون فيه الفلسفة السياسية ممكنة هو مجتمع لا يوجد فيه قبول كامل لأي غاية وحيدة (ونقصد هنا الفلسفة السياسية بمعناها التقليدي، أي الحقل البحثي الذي لا يقتصر اهتمامه على شرح المفاهيم، بل ينشغل بالفحص النقدي للافتراضات والفرضيات المسبقة، ومساءلة ترتيب الأولويات والغايات النهائية). قد تتعدد أسباب ذلك المنحى فيما يلي: عدم قبول غاية وحيدة من جانب عدد كافٍ من الأشخاص، وعدم إمكانية النظر إلى غاية وحيدة باعتبارها غايةً نهائية لعدم وجود ضمان بأن قيمًا أخرى قد لا تشغل عقول الناس أو مشاعرهم، وعدم إمكانية إيجاد غاية نهائية فريدة ما دام الناس يمكنهم أن ينشدوا غايات متباينة كثيرة، ولا يوجد منها ما يُعدُّ وسائل لغيرها أو أجزاء من غيرها. قد يكون من بين هذه الغايات ما هو عام أو سياسي، وليس هنالك من سبب لافتراض ضرورة اتساق جميع الغايات وانسجامها، حتى من حيث المبدأ. فلا يمكن نشدان الفلسفة السياسية في اتساق إلا في مجتمع تعددي أو يُحتمل أن يكون تعدديًّا، ما لم تُحصر في تحليل المفاهيم. لكن ما دام كل تحليل – مهما كان مجردًا – يتضمن مقاربةً نقدية للافتراضات محل النظر، فإن هذا التمييز يبقى تمييزًا أكاديميًّا محضًا. فلا تتسق الواحدية الصارمة مع التحليل الفلسفي إلا في النظرية، ويمثل مأزق الفلسفة تحت الاستبداد في زماننا دليلً قاطعًا ملموسًا على هذه الأطروحة.
III
دعوني أشرح هذه النقطة بمزيد من الوضوح. لنتصور مجتمعًا يعتقد فيه الجميع بوجود غاية بشرية جوهرية وحيدة (أو على الأقل كما يعتقد كثيرٌ من الناس أن غاية الطب هي نشر الصحة أو الحفاظ عليها، ويتفقون على المكون الذي يضمن الصحة)، على سبيل المثال، إرساء مجتمع تكنوقراطي ينصرف إلى التحقيق الأمثل للملَكات البشرية جميعها، أو مجتمع نفعي ينكب على تحقيق السعادة الكبرى للبشرية، أو مجتمع تومائي أو شيوعي أو أفلاطوني أو فوضوي، أو أي مجتمع آخر واحدي بهذا المعنى. عندئذٍ سيكون الشغل الشاغل هو إيجاد أنسب الطرق لتحقيق الغاية المقبولة من الجميع. هذا التصور في حاجة إلى تقييد في وجهين على الأقل: 1. يتسم هذا التصور في المقام الأول بأنه مفرط في التبسيط. ففي الممارسة يمكن أن تقود المجتمعات غايةٌ معينة (السعادة، أو القوة، أو الامتثال للمشيئة الإلهية، أو العظمة القومية، أو تحقيق الذات، أو غير ذلك من الغايات الكبرى في الحياة)، وتتسم كل غاية بأنها شديدة العمومية، ولا تتطرق إلى أنماط الحياة أو السلوكيات التي تجسدها. فلا يمكن أي مجتمع أن يكون كتلةً متراصة واحدة بلا ثغرة بين غايتها العليا والوسيلة اللازمة لتحقيقها، وهي ثغرة تشغلها غايات ثانوية، وقيم قبل نهائية ليست وسائل للغاية النهائية، بل عناصر فيها أو تعبيرات عنها، وهي تجسد نفسها بدورها في غايات أكثر تحديدًا على مستويات أدنى، وهكذا من أعلى إلى أسفل حتى نصل إلى مسألة السلوك اليومي. "ماذا يتعين علينا أن نفعل؟"، سؤالٌ يمكن أن يقع على أي مستوى (من الأعلى إلى الأدنى؛ لأن الشكوك والخلافات المتعلقة بالقيم المتضمَّنة في أي من المستويات، وعلاقات القيم فيما بينها، يمكن أن تظهر في أي
مرحلة.) هذه القضايا ليست تقنية وإمبريقية بصورة محضة، وليست مجرد قضايا تدور حول أفضل وسيلة لتحقيق غاية معينة، وليست مجرد قضايا تتعلق بالاتساق المنطقي (الصوري أو الاستنباطي)، بل إنها فلسفية كما ينبغي. ولنضرب أمثلة معاصرة: المطالبة بإدماج السود والبيض في الولايات الجنوبية من الولايات المتحدة، ليست وسيلة نحو تحقيق غاية خارجها (العدالة الاجتماعية أو المساواة)، بل إنها هي نفسها شكل منها، قيمة في تراتبية القيم. وبالمثل، فإن التمثيل المتساوي في التصويت (شخص واحد، صوت واحد)، أو حقوق الأقليات أو حقوق الأراضي المستعمرة ليست مجرد مسائل تتصل بالأدوات والوسائل، ليست وسيلةً خاصة لنشر المساواة التي يمكن تحقيقها جيدًا أيضًا من الناحية النظرية بوسائل أخرى وأدوات تصويت أكثر إبداعًا، بل هي في نظر المؤمنين بهذه المبادئ مكونات جوهرية في النموذج الأصلي للمساواة الاجتماعية؛ ولذا ينبغي نشدانها بالمعنى الدقيق للكلمة، وليس لأجل نتائجها فقط. وهذا يعني أنه حتى في مجتمع تهيمن عليه غايةٌ عليا وحيدة، فإن السؤال "ماذا يتعين علينا أن نفعل؟"، خاصة عندما تتعارض الغايات التابعة، لا يمكن الإجابة عنه بصورة تلقائية بالنهج الاستنباطي من المقدمات المطلوبة، كما زعم فيما يبدو بعض المفكرين (أرسطو في بعض الأحيان، أو برتراند راسل في مرحلته الوسطى، أو المفكرون الكاثوليك المتمرسون في الإفتاء في قضايا الضمير). 2. قد تكون الصيغ المقبولة من مجتمع معين مقدسةً وثابتةً، لكنها قد تحمل معانيَ مختلفة، بل متعارضة، لأشخاص مختلفين وفي مواقف مختلفة. وهذا يعني أن التحليل الفلسفي للمفاهيم ذات الصلة قد يُظهر خلافات حادة، ويتبدى ذلك بوضوح عندما يجري التعبير عن غاية مجتمع معيّن أو المثال الذي يطمح إليه بمفردات عامة وغامضة مثل الخير العام أو إقامة شرع الله، أو الحق في الحياة والحرية وطلب السعادة وما شابه. مع ذلك، ورغم هذين التحفظين، فإن النموذج الاتفاقي للمجتمع الذي قد تحددت غاياته مرة واحدة وإلى الأبد، والذي لا ينشغل إلا باكتشاف الوسائل، يعدّ تجريدًا مفيدًا. وتكمن فائدته في أنه يوضح أن إقرار واقع القضايا السياسية يفترض مسبقًا تعددية القيم، سواء أكانت قيمًا نهائية أو قيمًا أدنى في التسلسل الهرمي للقيم، والتي يتعارض الاعتراف بها مع بنية أحادية للقيم (تكنوقراطية أو استبدادية) ترى في كل شيء إما غاية وإما وسيلة أكيدة. ليس الموقف الواحدي من نسج الخيال النظري بالكلية. ففي المواقف الحرجة التي قد ينطوي فيها الانحراف عن القاعدة على عواقب كارثية (في المعارك، وغرف العمليات الجراحية، والثورات) تكون الغاية ملموسة تمامًا، ولا مجال فيها لتأويلات متباينة، وكل العمل يُعَدُّ وسيلة نحوها وحدها. فمن حيل النظم الشمولية أن تعرض كل المواقف باعتبارها طوارئ حرجة تتطلب الاستبعاد الحازم لكل الأهداف والتأويلات وأشكال السلوك، باستثناء غاية واحدة معينة وملموسة وعاجلة تمامًا وملزمة للجميع تدعو لأهداف ووسائل ضيقة جدًّا وقابلة للتحديد بوضوح؛ بحيث يسهل فرض عقوبات بسبب التخلف عن نشدانها.
إن العثور على الطرق هو عمل الخبراء. ولذا، من المعقول لذلك المجتمع أن يضع نفسه في أيدي المتخصصين أصحاب الخبرة الموثوقة والمعرفة والمواهب والنزاهة، والذين يرشدون القافلة البشرية إلى الواحة التي يعترف الجميع بواقعيتها ومرغوبيتها. وفي مثل ذلك المجتمع، وبصرف النظر عن سماته الأخرى، سنجد دراسةً مكثفة للسببية الاجتماعية، خاصةً للنظم السياسية التي تأتي بأفضل النتائج، أي الأفضل في الارتقاء بالمجتمع نحو الغاية العليا. ويغذي الفكر السياسي في ذلك المجتمع كل الأدلة التي يمكن أن توفرها العلوم الإمبريقية مثل: التاريخ، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، والقانون المقارن، وعلم العقوبات، وعلم الأحياء، وعلم وظائف الأعضاء، وما إلى ذلك. قد يزداد وضوح الهدف (وأفضل الطرق لاجتناب العوائق) بفضل الدراسات الدقيقة للفكر والسلوك البشريَين، ويجب ألّ يكون طابعه العام غامضًا أو مُلتبِسًا في أي مرحلة، وإلا تسللت اختلافات أحكام القيمة إلى العلوم السياسية كذلك، وأقحمت قضايا فلسفية (أو قضايا مبدأ) لا يمكن حلّها بالوسائل الإمبريقية أو الصورية. يجوز الاختلاف في تأويل الحقائق، شريطة أن تكون الاختلافات غير مشوبة بالخلافات حول غايات الحياة. لكن إذا ما أردنا تحويل النظرية السياسية إلى علمٍ تطبيقي، فإننا نحتاج إلى نموذج مهيمن وحيد مثل النموذج الذي يضعه الطبيب لجسم سليم مقبول من مجتمعٍ بأسره أو من القطاع الأكبر منه، وسيكون النموذج "أساسه الأيديولوجي". ومع أن النموذج شرطٌ ضروري لذلك العلم، فربما لا يصبح حينئذٍ شرطًا كافيًا. عندئذ يصبح الانقسام العميق بين أنصار الواحدية وأنصار التعددية مهمًا وجليًّا. ففي طرف، يقف الأفلاطونيون والأرسطيون، والرواقيون والتومائيون، والوضعيون والماركسيون، وكل الطامحين إلى ترجمة المسائل السياسية إلى مصطلحات علمية. إنهم يرون الغايات البشرية موضوعية، استنادًا إلى أن الناس يبقون على حالهم أو يتغيرون وفق قوانين قابلة للاكتشاف، ويمكن إثبات حاجاتهم أو مصالحهم أو واجباتهم بالطرق الصحيحة (الطبيعية أو المتعالية أو اللاهوتية). وبما أننا قادرون على إدراك الخطأ والارتباك السابقين بفضل أنماط صحيحة وموثوقة من البحث (الاستبصار الميتافيزيقي أو العلوم الاجتماعية، أو غير ذلك من الأدوات الموثوقة)، ومن ثمّ القدرة على تحديد ما هو خير للبشر وكيف يمكن تحقيقه، فإن المشكلات العالقة الوحيدة ستكون مشكلات تقنية، وستتعلق بكيفية الحصول على الوسائل اللازمة لتحقيق هذه الغايات، وبكيفية توزيع حصيلة الوسائل التقنية بأفضل طريقة من الناحيتين الاجتماعية والنفسية. هذا، على نحو شديد العمومية، هو المثال الذي كان ينشده اللادينيون المستنيرون في القرن الثامن عشر، والوضعيون في القرن التاسع عشر، وبعض الماركسيين في القرن العشرين، والكنائس التي تعرف الغاية التي خُلق من أجلها الإنسان، وتعرف أنه يمكن تحقيقها من حيث المبدأ، أو على الأقل يمكن معرفة الطريق المؤدي إلى تحقيقها (هنا، في الحياة الدنيا). في الطرف الآخر، يقف المؤمنون بإحدى صور الخطيئة الأولى أو امتناع الكمال البشري، وعادةً ما يشككون في القدرة الإمبريقية على الوصول إلى أي حل نهائي لأعمق المشكلات البشرية. وتضم هذه القائمة الشكوكيين والنسبويين والمؤمنين بأن الجهود المبذولة لحل مشكلات عصر معين أو ثقافة معينة تغيّر أصحاب الجهود والمستفيدين من تطبيق الحلول؛ ومن ثمّ فهي تخلق بشرًا جددًا،
ومشكلات جديدة لا يمكن توقع طابعها اليوم، ولا يمكن أن يحلّلها أو يحلّها أناسٌ مقيَّدون بآفاقهم التاريخية الخاصة. وهنا تنضم إلى القائمة طوائف كثيرة من الذاتويين واللاعقلانيين، وخاصةً المفكرين الرومانتيكيين الذين يرون أن غايات الفعل لا يجري استكشافها، بل يخلقها الأفراد أو الثقافات أو الأمم كما تُخلق الأعمال الفنية، وبذلك فإن السؤال: "ماذا يتعين علينا أن نفعل؟" غير قابل للاستكشاف، ليس لأن إيجاد الإجابة خارج قدراتنا، بل لأن السؤال ليس سؤال الحقائق أبدًا. فلا يكمن الحل في اكتشاف شيء على حاله (فرضية أو صيغة، أو خير موضوعي، أو مبدأ، أو منظومة قيم موضوعية أو ذاتية)، بل يكمن في الفعل، وهو شيء لا يمكن العثور عليه، بل لا بد من ابتكاره. إنه فعل من أفعال الإرادة أو الإيمان أو الخلق الذي لا يمتثل لأيٍّ من القواعد أو القوانين أو الحقائق الموجودة سلفًا. كما يقف في هذا الطرف ورثة الرومانتيكية في القرن العشرين، والوجوديون الذين يؤمنون بالالتزام الذاتي الحر من جانب الأفراد تجاه الأفعال أو أشكال الحياة التي تحددها الذات الفاعلة صاحبة الاختيار الحر. ولا يَعتدّ هذا الاختيار بالمعايير الموضوعية؛ لأنها في نظرهم مجرد وهم أو "وعي زائف"، ويُعزى الاعتقاد في تلك الخيالات من الناحية النفسية إلى الخوف من الحرية، الخوف من تخلي الآخرين وترك المرء يعتمد على قدراته وموارده الخاصة، وهذا شعور بالرعب يؤدي إلى قبول غير نقدي للنّظم التي تدّعي امتلاك سلطة موضوعية، ونماذج كونية لاهوتية أو ميتافيزيقية زائفة تزعم ضمان الصحة الأبدية للقواعد والمبادئ الأخلاقية أو الفكرية. ولا يبتعد عن هذا الطرف الجبريون والصوفيون، والمعتقدون بأن الصّدفة تهيمن على التاريخ، وغيرهم من اللاعقلانيين، بل وغير الحتميين وكذلك العقلانيين الحَيارى الذين يتشككون في إمكانية اكتشاف طبيعة بشرية ثابتة خاضعة لقوانين ثابتة غير متباينة، خاصةً من يرون أن افتراض إمكانية توقع الاحتياجات المستقبلية للبشر وإشباعاتها، لا يتلاءم مع فكرة الطبيعة البشرية التي تنطوي على مفاهيم من قبيل الإرادة والاختيار والجهد والغرض، إضافةً إلى افتراض الانفتاح الدائم لطرق جديدة من الفعل (وهو افتراض يدخل في صميم تعريف ما نعنيه ب "الإنسان"). هذا الاتجاه الأخير هو الموقف الذي يتخذه الماركسيون المحدثون الذين فهموا تداعيات فرضياتهم ومبادئهم رغم تأويلات الماركسية الأكثر فجاجة وشيوعًا.
IV
تُعدُّ معتقدات الناس في مجال السلوك جزءًا من تصورهم لأنفسهم وغيرهم باعتبارهم بشرًا، ويدخل هذا التصور، سواء أكان واعيًا أم غير واعٍ في صميم رؤيتهم للعالم. قد تكون الرؤية مكتملة ومتماسكة، أو غامضة أو مرتبكة، لكن يتضح في معظم الأحيان، وخاصة عند التعبير عن بنية متصورة للفكر أو الواقع، أنها محكومة بنماذج معينة، آلية أو عضوية أو جمالية أو منطقية أو صوفية، وأنها متشكلة بأقوى تأثير للعصر، ديني أو علمي أو ميتافيزيقي أو فني. هذا النموذج الحاكم يحدد محتوى المعتقد والسلوك وشكلهما. فالإنسان الذي يعتقد (مثلما اعتقد أرسطو أو توما الأكويني) أن كل الأشياء قابلة للتعريف من حيث الغرض، وأن الطبيعة تسلسل تراتبي أو تدرجٌ هرمي لتلك الأغراض، يلتزم برؤية مفادها أن غاية الحياة البشرية تكمن في تحقيق الذات، وأن طبيعة تحقيق الذات تتوقف على طبيعة الشخص وموضعه في النشاط المتناغم داخل مشروع تحقيق الذات الكلي الكوني. ولذا فإن الفلسفة السياسية؛
وخاصة طريقة تشخيص الإمكانات والغايات السياسية لإنسان أرسطي أو تومائي، ستكون بطبيعة الحال مختلفة اختلافًا جذريًّا عن طريقة شخص آخر تعلَّم من هوبز أو سبينوزا أو الوضعيين المحدثين أنه لا توجد غايات في الطبيعة، وإنما قوانين سببية (أو وظيفية أو إحصائية)، بل مجرد دورات متكررة للأحداث التي ربما يجري توظيفها في حدود معينة لتحقيق غايات البشر. وبذلك، فإن نشدان الغايات هو نفسه مجرد نتاج في الوعي البشري للعمليات الطبيعية التي ليس في وسع البشر تغيير قوانينها تغييرًا كبيرًا أو الكشف عن علة وجودها؛ إن كان التعليل يعني الكشف عن أهداف خالقٍ غير موجود، أو الكشف عن غايات طبيعة لا يُعقل أن نقول إنها تنشد غايات، أليس ذلك محاولة لتطبيق مقولة بشرية ذاتية على الطبيعة، وسقوطًا في مغالطة الإحيائية animism أو التشبيهية anthropomorphism؟ والقضية مشابهة فيما يتعلق بمسألة الحرية والسلطة؛ لأن السؤال "لِمَ ينبغي لي أن أطيع؟" (ولا أفعل ما يحلو لي؟) أجاب عنه مفكرون أمثال لوثر أو بودان أو أنصار السلافوفيليا الروس وكثير غيرهم ممن اصطبغت أفكارهم بالصور المجازية الواردة في الكتاب المقدس؛ فهم يتصورون الحياة – وإن كان ذلك بطرق متباينة بشدة – كأنها علاقات الأبناء بأبيهم، والقوانين باعتبارها أوامره، ولا يتشككون أبدًا في الولاء والطاعة والحب وحضور السلطة العاجلة، وهي أمور تحيط بالحياة من المهد إلى اللحد باعتبارها علاقات أو قوى فاعلة حقيقية أو محسوسة. لكن يجيب عن هذا السؤال بطريقة مختلفة جدًا أتباعُ أفلاطون أو كانط على سبيل المثال (وهناك بون شاسع بينهم كما بين أفلاطون وكانط)؛ فهؤلاء يؤمنون بالحقائق الموضوعية الكونية المتجردة الثابتة المتصوَّرة وفق نموذج القوانين المنطقية أو الرياضية أو الفيزيائية التي تتشكل مفاهيمهم الفلسفية بالقياس عليها. لكن ستظهر إجابات أخرى مختلفة تمامًا من منظور التصورات الكبرى للنظرية الحيوية vitalism، التي يُستقى نموذجها من حقائق النمو كما جرى تصورها في البيولوجيا القديمة، والتي ترى الحياة عمليةً عضوية نوعيّة لا يمكن تحليلها في وحدات كمية. وستظهر إجابات أخرى في عقولٍ تهيمن عليها صورةٌ لقوة مركزية دافعة إلى الأمام في أشكال وهيئات كثيرة مثل: الأفكار الغنوصية أو البرهمية عن الخلق الذاتي الدائم، أو قد ترجع هذه الإجابات إلى مفهوم مستوحى من النشاط الفني، فلا يشير الكون إلى عملية شبه بيولوجية لاواعية للروح أو الجسد، بل إلى خلق لانهائي تقوم به قوةٌ خلاقة. وتكمن الحرية وتحقيق الذات في إدراك الناس لأنفسهم باعتبارهم مشاركين في العملية الغائية للخلق الكوني، وهي رؤية لا تتجلى بكاملها إلا لمن يُكشف لهم عن طبيعة العالم، على الأقل بصورة متجزئة، من خلال خبرتهم الخاصة بصفتهم خالقين (انبثقت إجابات مشابهة عن فلسفة فيخته، وشلنغ، وكارليل، ونيتشه، وغيرهم من المفكرين الرومانتيكيين، وكذلك برغسون، وفي بعض المواضع هيغل، وفي شبابه ماركس؛ فقد كانوا مهووسين بنماذج بيولوجية جمالية). ويرى الفوضويون واللاعقلانيون الواقعَ تحررًا من كل القواعد والمُثل المقررة، لأنها قيودٌ على الروح الخلاقة الحرّة، حتى وإن كانت مفروضة ذاتيًّا. ويمكن اعتبار النموذج نفسه نتاج عوامل تاريخية مثل: العواقب الاجتماعية (والنفسية) لتطور القوى المنتجة كما اعتقد ماركس، أو الآثار الذهنية ذات العمليات النفسية الخالصة التي تناولها فرويد وتلاميذه. وقد صارت دراسة الأساطير، والآليات الدفاعية التبريرية، والأيديولوجيات، والأنماط الوسواسية القهرية المتعددة شاغلً كبيرًا وخصبًا في زماننا. والافتراض الضمني الجوهري لهذه المقاربة هو أن النموذج
"الأيديولوجي" لم يتم الوصول إليه بطرق عقلية بعد، بل إنه نتاج عوامل سببية؛ فقد يتنكر في هيئة عقلية، لكن في ضوء الظروف التاريخية أو الاقتصادية أو الجغرافية أو النفسية، لا بد أنه قد ظهر. بيد أن المفكرين السياسيين يرون أن المسألة الأساسية لا تتعلق بالخلق والتكوين وظروف النمو، بل تتعلق بصحة النموذج وحقيقته: هل النموذج يشوّه الواقع؟ وهل يعمينا عن الاختلافات والتشابهات الحقيقية ويُولِّد اختلافات وتشابهات وهمية؟ وهل يعمل على القمع والانتهاك والاختلاق والخداع؟ في حالة التفسيرات أو الفرضيات العلمية (أو النابعة من الحس العام)، تتضمن اختبارات الصحة زيادةً في سلطة التوقع الدقيق (أو المدروس) لاتجاه الموضوع محل النظر أو التحكم الدقيق فيه. هل الفكر السياسي عملي وإمبريقي بهذا المعنى؟ يتحدث ميكافيللي، وبدرجات متفاوتة هوبز وسبينوزا وهلفتيوس وماركس، كأن الفكر السياسي عملي وإمبريقي. هذا أحد تفسيرات المذهب الشهير القائل بوحدة النظرية والتطبيق. لكن هل هذا تفسير كافٍ لمقاصد أو إنجازات جون لوك أو إيمانويل كانط أو جان جاك روسو أو جون ستيوارت مِل أو الليبراليين، والوجوديين، والوضعيين المنطقيين ومنظِّري القانون الطبيعي المعاصرين؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي؟ فلماذا؟ لنَعدْ مرة أخرى إلى فكرة النماذج. من المعتاد والشائع اليوم أن معطيات الملاحظة يمكن استيعابها في أي نموذج نظري تقريبًا، وفي وسع المهووسين بنموذج واحد أن يقبلوا حقائق وفرضيات وافتراضات عامة، بل ومناهج حجة معينة قد استعملها وأتقنها أناسٌ كانوا خاضعين لنموذج مختلف تمام الاختلاف. إذا كنا نعني بالنظريات مجرد افتراضات وتفسيرات سببية أو وظيفية تكتفي بشرح ما يحدث (في هذه الحالة شرح ما اعتقده الناس أو فعلوه أو ما سيعتقدونه أو سيفعلونه)، فمن الممكن تمامًا أن تكون النظرية السياسية استكشافًا إمبريقيًّا تقدميًّا، وستكون بذلك قادرة على التجرد من أسسها الميتافيزيقية أو الأخلاقية الأصلية، وقادرة على التكيف في أثناء تغيرات كثيرة للمناخ الفكري للحفاظ على طابعها وتطورها باعتباره عِلمًا مستقلً. فمع أن الرياضيات كانت مرتبطة ومتقيِّدة بالميتافيزيقا واللاهوت، فإنها تقدَّمت من أيام الإغريق القدماء إلى الآن، كما تقدَّمت العلوم الطبيعية على أي حال منذ القرن السابع عشر، رغم الطفرات الواسعة في رؤى العالم العامة لدى المجتمعات التي استُحدِثت فيها. لكن إذا ما ابتعدنا عن تصور النظرية السياسية في إطار سوسيولوجي ضيق، سنجد أنها تختلف عن العلم السياسي أو عن أي بحث إمبريقي نظرًا إلى اهتمامها بمجالات مختلفة إلى حد ما، فهي تهتم بأسئلة حول الطابع المميز للظاهرة البشرية دون غيرها مع ذكر الأسباب. وإذا ما كانت مقولات معينة مثل: مقولة الغاية أو مقولة الانتماء إلى جماعة أو مقولة القانون، ضرورية لفهم طبيعة البشر، ومصدر غايات بشرية معينة ونطاقها وصحتها. فإذا كانت هذه هي مهمة النظرية السياسية، فليس بوسعها أن تتحاشى التقييم؛ لأن التزامها التام لا يقتصر على تحليل أفكار الخير والشر، والمباح والمحرم، والمسائل المتسقة والمتعارضة التي لا بد من أن تواجهها عاجلً أم آجلً أي مناقشة للحرية أو العدالة أو السلطة أو الأخلاق السياسية، بل يمتد التزامها التام إلى استنتاجات حول صحة هذه الأفكار والمشكلات. هذه
التصورات المركزية (الأخلاقية، والسياسية، والجمالية) قد تغيَّرت مثلما تغيَّرت النماذج الميتافيزيقية الشاملة نفسها التي تمثل فيها هذه التصورات عنصرًا جوهريًّا. إن أي تغيُّر في النموذج المركزي هو تغيُّر في طرق إدراك معطيات الخبرة وتفسيرها. وستعتمد الدرجة التي تزخر بها تلك المقولات بالتقييم على اتصالها المباشر بالرغبات والاهتمامات البشرية. إن التفاسير المتعلقة بالطبيعة الفيزيائية يمكن أن تحقق الحيادية في هذا الصدد، ويصعب ذلك عندما يتعلق الأمر بمعطيات التاريخ، ويمتنع تقريبًا في حالة الحياة الأخلاقية والاجتماعية؛ لأن الكلمات نفسها حافلة حتمًا بمضمون أخلاقي أو جمالي أو سياسي. وبذلك، فإن افتراض وجود عصور بلا فلسفة سياسية في الماضي أو المستقبل هو أشبه بالافتراض القائل إن وجود عصور من الإيمان يدل على وجود عصور من الشك التام في الماضي أو المستقبل. لكن هذا تصور عجيب، فلا وجود لنشاط بشري بلا رؤية عامة؛ إن توجهات الشكوكية، والتهكمية، ورفض الخوض في قضايا مجردة أو رفض التشكيك في القيم، والانتهازية العملية الواقعية، واحتقار التنظير، وكل تنويعات العدمية، إنما هي توجهات ميتافيزيقية وأخلاقية ومواقف التزامية. وقد أوضح الوجوديون هذه الحقيقة بصرف النظر عن أي شيء آخر قد تعلّمناه منهم. إن فكرة وجود نظرية منفصلة عن القيمة (أو نموذج منفصل عن القيمة) للفعل البشري، في مقابل سلوك الحيوان على سبيل المثال، تستند إلى تصور خاطئ ساذج عن الطبيعة الواجبة للموضوعية أو الحيادية في الدراسات الاجتماعية.
V
لن تصمد أمام النقد الفكرةُ القائلة بأن التشبيهات أو النموذج المستوحى من مجال معين ينطوي على تضليل بالضرورة عند تطبيقه على مجال آخر، وأنه من الممكن التفكير من دون تشبيهات ومقارنات بطريقة مباشرة، "وجهًا لوجه" مع الحقائق. أن نفكر يعني أن نعمم، وأن نعمم يعني أن نقارن. أن نفكر في ظاهرة معينة أو سلسلة من الظواهر يعني أن نفكر بلغة التشابهات والاختلافات مع غيرها. وهذه بديهية عتيقة اليوم. فلولا التماثلاث والتشابهات بين مجال من الفكر والفعل وغيره من المجالات، سواء أكانت واعية أم غير واعية، لامتنعت وحدة تجربتنا، بل تجربتنا نفسها. وبذلك، فإن كل ما يتصل باللغة والفكر "مجازي" بالضرورة. وما إن تصبح النماذج واعية وواضحة، حتى يتبين أنها بالية أو مضلِّلة. بيد أن أكثر النماذج فقدانًا للمصداقية في السياسة (العقد الاجتماعي، نظام الأبوة، والمجتمع العضوي، وما إلى ذلك) لا بد أنها قد بدأت بشرعية مبدئية حتى تمتلك ما امتلكته من تأثير في الفكر. لا يمكن صورة مجازية قوية إلى درجة التحكم في مفاهيم أجيال من الناس أن تكون مضللة بالكُلّية. فعندما يقوم جان بودان أو يوهان هردر أو أنصار السلافوفيليا الروس أو عالم الاجتماع الألماني فرديناند تونيز بنقل صورة "رابطة الأسرة" إلى الحياة السياسية، فإنهم يذكروننا بجوانب العلاقات بين أناس موحَّدين بروابط تقليدية أو ملتزمين بالعادات والولاءات المشتركة، التي أساء تصويرها الرواقيون أو ميكافيللي أو بنثام أو نيتشه أو هربرت سبنسر. وعلى نحو مماثل، نجد أن تشبيه القانون بأمرٍ تصدره سلطةٌ مَعْنيّة في أحد الأنماط الثلاثة للنظام الاجتماعي كما ميزها ماكس فيبر إنما يسلِّط بعض الضوء
على مفهوم القانون. وعلى نحو مشابه، تمثّل صورة العقد الاجتماعي نموذجًا يساعدنا إلى يومنا هذا في تفسير شيء مما يستشعر الناس أنه خطأ عندما يصرح أحد الساسة أن فئةً كاملة من المواطنين ليست من المجتمع، وليس لها حق في المزايا والامتيازات التي تمنحها الدولة وقوانينها. ويسري ذلك على صورة المصنع الذي لا يحتاج إلى إشراف شرطة قمعية بعد أن تلاشت الدولة (لينين)، وصورة الجلاد والضحية باعتبارها الركيزة الأساسية لكل سلطة أو صورة الحياة باعتبارها ساحة اقتتال دائم لا يستطيع فيها إلا إرهابُ قوةٍ خارقة أن يمنع الناس من الإبادة المتبادلة (جوزيف دو مايستر Joseph Maistre) de، وصورة الدولة باعتبارها ضابط المرور والخفير الليلي (الوصف الاحتقاري للمثال الليبرالي عند الاشتراكي فرديناند لاسال Lassalle Ferdinand)، وتشبيه الحكومة بالوصاية عند جون لوك، والاستخدام الدائم للصور المجازية المستوحاة من النمو والتحلل العضوي عند إدموند بيرك والحركة الرومانتيكية بأسرها، والنموذج السوفياتي لجيش يتقدم إلى الأمام مع خصاله وقيمه الملازمة له، مثل الولاء غير النقدي، والإيمان بالقيادة، والغايات العسكرية مثل الحاجة إلى مباغتة عدوّ معين وتدميره وقهره؛ فكل هذه الأمثلة توضح بعض أنماط الخبرة الاجتماعية. استلهمت التشويهات الكبرى والأخطاء والجرائمُ وجودَها وتبريره في تلك الصور المجازية، وهي دليل على الاستقراء الآلي أو الإفراط في تطبيق صورة مجازية تفسيرية محدودة على الحياة كلها. إنه أحد أشكال المغالطة القديمة عند الفلاسفة الأيونيين الذين أرادوا إجابة واحدة عن السؤال التالي: ممّ تتكون الأشياء جميعها؟ ليست كل الأشياء تتكون من ماء، ولا من نار، ولا يفسِّرها التقدمُ المغري نحو الدولة العلمية أو المجتمع غير الطبقي. وقد أوضح هيغل ببراعة شديدة أن تاريخ الفكر والثقافة هو نمط متغير للأفكار التحررية العظيمة التي تتحول حتمًا إلى قيود خانقة، ومن ثمّ فإنها تحرِّض على تدمير نفسها بتصورات جديدة تحررية واستعبادية في آن. والخطوة الأولى لفهم الناس هي التوعية بالنموذج أو النماذج التي تهيمن على فكرهم وعملهم. وتشبه هذه الخطوة كل المحاولات الرامية لتوعية الناس بالمقولات التي يفكرون من خلالها؛ ولذا فهي عملية صعبة وأحيانًا مؤلمة، ومن المحتمل أن تسفر عن نتائج مزعجة بشدة. أمّا الخطوة الثانية فهي تحليل النموذج نفسه، وهذا يلزم المحلل بقبوله أو تعديله أو رفضه، وفي الحالة الأخيرة يلزمه بتقديم نموذج أنسب منه. قلَّما نجد نموذجًا وحيدًا يحدِّد فكرنا، ومن النادر أن نجد أناسًا (أو ثقافات) مهووسة بنماذج وحيدة. وبينما تتمتع النماذج بمزيد من الاتساق عندما تصل إلى ذروة قوّتها، فعادةً ما تنهار بمزيد من القوة عندما تجتمع أحداث الواقع المعيشة "الداخلية" أو "الخارجية" لتنسف مفاهيمها. يهيم أغلب الناس في الأرض، ويهتدون بأكثر من نموذج، وأحيانًا يسيطر على عقولهم أكثر من نموذج، وقلّما يعبؤون بتحقيق التوافق والاتساق بين نماذج كثيرة، أو حتى شذرات نماذجية من نمط أو أنماط لا تتسم باتساق أو ثبات كبير. من الممكن أن يؤدي تسليط الضوء على النماذج إلى تفسيرها، وأحيانًا إلى تبريرها. والغرض من الإضاءة هو الإيضاح، لكن الإيضاح قد يفضح العيوب ويهدم الموضوع محل النظر. وغالبًا ما واجه الفكر السياسي ذلك الاتهام وكان مستحقًا له، فهو لا يتبرأ من هذه القدرة الخطيرة. والاختبار النهائي لانسجام الأنماط الأساسية التي نفكّر بها ونعمل، هو الاختبار الوحيد الذي يتيحه
الحس العام أو العلوم، أي الانسجام مع الخطوط العامة التي نفكر بها ونتواصل. فإذا تشككنا في بعض الخطوط العامة، فإن المقياس النهائي هو دومًا المواجهة المباشرة مع المعطيات الملموسة للملاحظة والمراجعة الداخلية التي تنظِّمها وتوضحها المفاهيم والمقولات والعادات. وبهذا المعنى تستند النظرية السياسية إلى الخبرة الإمبريقية، مثل أي شكل آخر من الفكر الذي يتعامل مع العالم الواقعي، وإن كان معنى كلمة "إمبريقي" يبقى محل نقاش.
VI
عندما نحتج على التطبيق الكلي للنماذج (الاجتماعية أو السياسية) أو لتوليفات من نماذج متداخلة تختص على أقصى تقدير بجزء واحد من خبرتنا وحياتنا، ونقول إنه يؤدي إلى تشوهات خارج نطاق هذا الجزء الواحد، فكيف نبرر هذه التهمة؟ وكيف نعلم أن النتيجة هي التشويه؟ عادةً ما نعتقد ذلك؛ لأن التطبيق الكوني لتشبيه أو نمط معين، على سبيل المثال، نمط الإرادة العامة أو المجتمع العضوي، أو البنية التحتية والبنية الفوقية، أو الأسطورة المحرِّرة للطاقات، يبدو لرافضيه أنه يتجاهل شيئًا يعرفونه مباشرةً عن الطبيعة البشرية، وينتهك بذلك طبيعتنا أو معرفتنا بإرغام التشبيه أو النمط على التوفيق القسري لعقيدة متصلبة، وهذا يعني أننا نحتج باسم رؤيتنا لما يكون عليه البشر وما كانوا عليه وما يمكن أن يكونوا عليه. كيف نعرف هذه الأمور؟ وكيف نعرف البرنامج الملائم أو غير الملائم للبشر في ظروف تاريخية معينة؟ وهل هذه المعرفة سوسيولوجية أم نفسية؟ وهل هي إمبريقية أم ميتافيزيقية، أم لاهوتية؟ وكيف نتناقش مع من تصوراتهم تختلف عن تصوراتنا؟ يؤكد هيوم وكلود أدريان هلفتيوس Helvétius Adrien Claude (1771–1715) والمركيز دو كوندورسيه Condorcet of Marquis (1794–1743) وكونت أن تلك المعرفة لا بد أن تكون قائمة على المعطيات الإمبريقية ومناهج العلوم الطبيعية. وكل ما عدا ذلك فهو خيالي وغير مُجد.ٍ إن الإغراءات الدافعة إلى قبول هذا الحل البسيط كانت وما زالت كبيرة جدًا. وقد تفاقم صراع التفاسير (أو النماذج) المتنافسة المتعلقة بالحياة الاجتماعية والفردية، وتحوَّل في نهاية القرن التاسع عشر إلى فضيحة. على سبيل المثال، إذا ما دققنا في الإجابات المتاحة بين موت نيوتن وميلاد داروين عن سؤال سياسي مركزي (لِمَ ينبغي لأيّ أحد أن يطيع أي أحد آخر؟)، لهالنا اختلاط الأصوات، وربما هالتنا أشد لحظات البلبلة في التاريخ المدون. رأى فريق وجوب اتباع القواعد أو المؤسسات التي يحقق الامتثالُ لها وحدها طبيعتهم الحقة، مؤكدين أن حاجاتهم والطريق الصحيح إلى إشباعها واضحة فقط للمراقبين المتميزين الذين استوعبوا على الأقل جزءًا من التراتبية العظيمة للوجود. وقال فريق ثانٍ بوجوب طاعة سلطة بعينها أو قانون بعينه لأن هذه الطريقة وحدها كفيلة بتحقيق الطبيعة الحقة (من دون مساعدة الخبراء)، أو التمكين من الاندماج في كُلٍ متناغم. وافترض فريق ثالث أن هذا الكل المتناغم ساكن، ورأى غيرهم أنه حركي، لكن لم يتفقوا بشأن حركته في دورات متكررة أو في خط مستقيم أو حلزوني أو تطوري غير منتظم، أو حركته بسلسلة من التذبذبات التي تؤدي إلى انفجارات "ديالكتيكية"، أو إذا ما كان هذا الكل المتناغم غائيًّا، أو وظيفيًّا، أو محتمًا باقتضاء سببي.
تصوَّر فريقٌ النموذجَ الكوني النهائي من منظور آلي، وفريقٌ ثانٍ من منظور عضوي، وفريقٌ ثالث من منظور جمالي. وكان هناك فريقٌ يقول بوجوب الطاعة؛ لأن الناس وعدوا بالطاعة أو وعد آخرون بذلك نيابة عنهم، أو أنهم كانوا يتصرفون كما لو أنهم قد وعدوا بذلك، وكان ذلك بمنزلة عهد على أنفسهم، سواء اعترفوا بذلك أم لم يعترفوا به، أو إذا بدا ذلك غير مقنعٍ، يقولون إنه كان من الأفضل أن يتصرفوا كما لو أنهم قد وعدوا بذلك، وإلا فلن يعرف أحدٌ موضعه وستعمّ الفوضى. طلب البعضُ من أناسٍ الطاعة لأنها ستجعلهم أكثر سعادة، أو لأنها ستجعل غالبية الناس أو كل الناس أكثر سعادة، أو لأن الطاعة تستوجبها إرادة الله، أو إرادة السيد، أو إرادة الأغلبية، أو إرادة الأفضل أو الأكثر حكمة، أو إرادة التاريخ، أو إرادة دولتهم، أو عرقهم، أو ثقافتهم، أو كنيستهم. قالوا أيضًا بوجوب الطاعة لأن القانون الطبيعي قد استوجبها. لكن ظهرت اختلافات حول وسيلة الكشف عن مبادئ القانون الطبيعي، سواء أكانت وسيلة عقلانية أم إمبريقية أم حدسية، وحول القائمين بالكشف عنها، سواء أكانوا من الناس العاديين أم من الخبراء وحدهم، وكان البعض يَقْرن بين الخبراء والعلماء الطبيعيين ويوحدهم، وكان غيرهم يَقْرن بين الخبراء والمتخصصين في الميتافيزيقا أو اللاهوت، أو ربما المتخصصين في حقل معرفي آخر (علم نفس الجماهير، أو الكشف الصوفي، أو قوانين التاريخ، أو قوانين الاقتصاد، أو قوانين التطور الطبيعي، أو قوانين مُركبٍ جديد من كل هذه الحقول أو من بعضها). وافترض البعض أن الحقيقة يمكن معرفتها بملَكة الحس الأخلاقي، أو الحس العام السليم، أو إدراك سلامة الأمور، أو أنها تكمن في أقوال الآباء أو المربّين، أو أنها تتبدى في الرؤى المقبولة التي كان التشكك فيها يُعدُّ انحرافًا محضًا، أو أنها جاءت من أحد المصادر الكثيرة التي يسخر منها بنثام بكل سرور. وشعر أناسٌ، وربما كانوا الأغلبية دومًا، أن مجرد إثارة تلك الأمور عملٌ من أعمال الهدم والتخريب. أثار هذا الموقف استياءً مبررًا في بلدٍ يسوده البحث الحر وانتصاره الأعظم (العلم النيوتوني). بالتأكيد كان يمكن تبديد هذه البلبلة الرهيبة بالأداة الجديدة القوية التي يمثلها المنهج العلمي. فلقد سادت منذ فترة ليست ببعيدة فوضى مشابهة في العلوم الطبيعية، ونجح غاليلو ونيوتن (ونور العقل والتجربة)، وأسكتا إلى الأبد اللغوَ العقيمَ الذي يخوض فيه الجاهلون، والتمتمة المبهمة التي يُصدرها الميتافيزيقيون، وصيحات الترهيب التي يتوعد بها الواعظون، والصرخات الهستيرية التي يطلقها الظلاميون؛ فكانت كل الأسئلة الجوهرية أسئلةً عن حقائق قابلة للاكتشاف، وأعلن كندروسيه أن الحساب هو شعار المنهج الجديد، وكان ذلك يعني أن كل الأسئلة لا بد من إعادة صوغها بما يمكِّن عملية فحص الحقائق، المدعومة بالأساليب الرياضية، من الإجابة القاطعة عنها، مع وصف إمبريقي واضح وصحيح كونيًّا لحقائق قابلة للإثبات.
VII
مع ذلك، لم تنجح محاولات فلاسفة القرن الثامن عشر لتحويل الفلسفة، وخاصةً الفلسفة السياسية والأخلاقية، إلى علم إمبريقي أو إلى علم النفس الفردي والاجتماعي. لقد باءت هذه المحاولات
بالفشل؛ لأن أفكارنا السياسية جزءٌ من تصورنا لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان، وليست مجرد مسائل تتعلق بالحقائق الصلبة أو الحقائق كما تتصورها العلوم الطبيعية، وليست نتاج التأمل الواعي في الاكتشافات الخاصة للأنثروبولوجيا أو السوسيولوجيا أو السيكولوجيا، وإن كانت كل هذه الحقول ذات صلة وثيقة بالموضوع وضرورية لتحقيق تصور مناسب لطبيعة الإنسان بوجه عام، أو لطبيعة جماعات معينة من الناس في ظروف معينة. إن لدينا فكرة واعية عن الإنسان، وعن أوجه اختلاف الإنسان عن غيره من الكينونات، وعن الإنساني أو غير الإنساني أو اللاإنساني، وتتضمن هذه الفكرة استخدام بعض المقولات التي على أساسها ندرك المعطيات ونرتِّبها ونفسِّرها. وينطوي تحليلنا لمفهوم الإنسان على إدراك هذه المقولات على حقيقتها؛ فندرك أنها مقولات، وليست موضوعات لفرضيات علمية. تستحوذ التشبيهات والمقارنات بالعلوم على المفكرين قبل الكانطيين في القرن الثامن عشر (على سبيل المثال جون لوك، وديفيد هيوم، وإيتين بونوت دي كوندياك Condillac de Bonnot Étienne)، وهذا سوء تطبيق نمطي لنموذج ناجح في مجال معين على مجال آخر، ومن شأنه أن يؤدي إلى مزيد من الغموض على الأقل بقدر ما يؤدي إلى الإيضاح. دعوني أشرح ذلك بمزيد من التخصيص. عندما جرت إطاحة النماذج اللاهوتية والميتافيزيقية التي سادت العصر الوسيط عن طريق علوم القرنين السابع عشر والثامن عشر، فإنها اختفت إلى حد بعيد لأنها لم تتمكن من التنافس مع حقول جديدة في توصيف محتويات العالم الخارجي والتنبؤ بها والتحكم فيها. وبدأت علوم الإنسان (السيكولوجيا، والأنثروبولوجيا، والاقتصاد، والسوسيولوجيا، وغيرها) تحلّ محل أسلافها اللاهوتيين والميتافيزيقيين، معتبرةً الإنسان مادةً في الطبيعة المادية، وتأثرت أسئلة الفلاسفة بهذا الأمر، وأجيبَ عن بعض الأسئلة أو عُدَّت أسئلةً بائدة، لكن بقي بعض الأسئلة من دون إجابات. وقامت العلوم الإنسانية الجديدة بدراسة العادات الفعلية التي يمارسها الناس، ووعدت بتقديم تحليلات لما يقوله الناس وما يريدونه وما يحبونه وما يكرهونه (بل قدَّمت بالفعل تحليلات لهذه الأمور في بعض الأحيان). لقد كانت العلوم الإنسانية مستعدة لتقديم دليل إمبريقي على كل ظاهرة، أو إثباتها عن طريق التجربة، لكن جهودها الرامية إلى حل القضايا المعيارية كانت أقل نجاحًا. فلقد حاولت أن تختزل أسئلة القيمة إلى أسئلة الحقائق الصلبة (ما الذي يجعل أناسًا بعينهم يشعرون أو يسلكون كما يشعرون أو يسلكون في ظروف شتى؟). لكن عندما رفض كانط أو هردر أو ديستيوفسكي إجابات الموسوعيين الفرنسيين، لم تنحصر اتهاماتهم الموجهة للموسوعيين في الملاحظة الخاطئة أو الاستدلال غير السليم، بل اتهموهم بالفشل في إدراك معنى أن يكون المرء إنسانًا؛ الفشل في مراعاة طبيعة الأطر والمقولات الأساسية التي نفكر بها ونسلك، ونفترض أن غيرنا يفكر بها ويسلك، إن أردنا للتواصل بيننا أن ينجح. إن المشكلة التي اتضح أن حلولها غير ملائمة ليست إمبريقية بالمعنى المعتاد، وليست بالتأكيد صورية، بل كانت مسألة لا يصفها أي من المصطلحين وصفًا مناسبًا. فعندما رفض روسو آراء هوبز في الالتزام السياسي (سواء أفهم آراء هوبز فهمًا صحيحًا أم لم يفهمها)، ورأى أنه (هوبز) يعزو الالتزام السياسي
إلى مجرد خوفٍ من قوة قاهرة، فإنه لم يزعم أن هوبز أغفل حقائق إمبريقية مهمة معيّنة قابلة للاكتشاف من الناحية النفسية، ولا أنه ساق حجته بطريقة غير صحيحة من المعطيات التي رصدها، بل وجد روسو أن تفسير هوبز يتعارض مع كل ما نعرفه عن كينونة الإنسان عند التفكير في البشر باعتبارهم بشرًا، وتمييزهم جميعًا، حتى أرذلهم، من سائر الكينونات، ليس فقط في الفكر الواضح، بل في المشاعر والأفعال. لا يحاجّ روسو بأن الحقائق المستخدمة في بناء نموذج هوبز تعاني فجوات، بل إن النموذج غير ملائم من الأساس؛ ليس لأن هذه العلاقة الارتباطية أو تلك جرى إغفالها، بل لأنها قامت على إخفاقٍ في فهم ما نعنيه بالدافع والغاية والقيمة والشخصية، وما إلى ذلك. عندما ينفصل كانط عن تقاليد المذهب الطبيعي، أو عندما يرفض ماركس الأخلاقية السياسية لدى بنثام، أو عندما يعبّر تولستوي عن رأي سيئ في تعاليم كارل ماركس، فإنهم لا يَشْكون فقط جهلً إمبريقيًّا أو منطقًا ضعيفًا أو دليلً تجريبيًّا غير كافٍ، أو تناقضًا داخليًّا، بل يستهجنون خصومهم لعدم فهم كينونة الإنسان، ونوعية العلاقات بين البشر، أو نوعية العلاقات بين البشر والمؤثرات الخارجية التي تجعل الإنسان إنسانًا. إنهم لا يَشْكون إغفال الجوانب العابرة لتلك العلاقات، بل يَشْكون إغفال الخصائص الثابتة التي يعتبرونها جوهرية لفكرة الإنسان في حد ذاته (مثل تمييز كانط لإرادة الواجب من إرادة الخير، أو فكرة ماركس عن التغيير المنهجي للذات عن طريق العمل الذي تقوم به)، وبذلك تتعلق انتقاداتهم بملاءمة المقولات التي نناقش بها غايات البشر أو واجباتهم أو مصالحهم واهتماماتهم، والإطار الثابت الذي قد تنشأ فيه، وليس حوله، خلافاتٌ إمبريقية عادية. ما هذه المقولات؟ وكيف نكتشفها؟ وإذا كنا لا نكتشفها بوسيلة إمبريقية، فبأيّ وسيلة إذًا؟ وكيف تكون هذه المقولات كونية وثابتة؟ وكيف تدخل في الأنماط والنماذج وتشكِّلها بالطرق التي نفكّر ونتفاعل بها؟ وهل نكتشف طبيعتها بالاهتمام بالفكر أو الفعل أو بالعمليات اللاواعية؟ وكيف نُحدِثُ التوافق بين تلك المصادر المتنوعة من المعرفة؟ تتميز هذه الأسئلة بأنها فلسفية؛ لأنها تدور حول الطرق الثابتة تقريبًا التي نفكر بها ونقرر وندرك ونحكم، ولا تدور حول معطيات الخبرة (الأشياء نفسها). إن اختبار مقدرة المناهج والمقارنات والنماذج الفاعلة في اكتشاف اتجاه هذه المعطيات الإمبريقية وفي تصنيفها، كما يفعل العلم الطبيعي والحس العام، هو اختبار إمبريقي في جوهره، ويعكس درجة نجاحها في تكوين نسقٍ تصوري متماسك ومستقر. أمّا محاولة تطبيق النماذج والمناهج على الإطار نفسه الذي نستعين به في إدراكها وتأملها فهي مغالطة أساسية. وبتحليل هذه المغالطة، أحدث كانط تحوُّلً في الفلسفة. لقد ارتكب الفلاسفة هذه المغالطة في السياسة (على سبيل المثال ديفيد هيوم وبرتراند راسل)، عندما خلطوا بحث الخصائص الإمبريقية للبشر بتحليل فكرة الإنسان (أو "الذات" أو "المراقِب" أو "الفاعل الأخلاقي"، أو "الفرد" أو "الروح"، وما إلى ذلك)، التي على أساسها جرى تجميع الخصائص الإمبريقية نفسها ووصفها. افترض كانط أن هذه المقولات قابلة للاكتشاف عن طريق يقينيات قَبْلية. لسنا في حاجة إلى قبول هذا الافتراض؛ فهو لا يقوم على تبرير علمي، بل ينبع من الإدراك السليم بأن هناك سمات مركزية لخبرتنا تتميز بالثبات
والدوام المطلق، أو تتميز بأنها أقل تغيرًا وتقلبًا وتحولً من خصائصها الإمبريقية الكثيرة، ولذلك السبب تستحق أن نميزها باسم المقولات. هذا الأمر واضح جدًا في حالة العالم الخارجي، فعلى سبيل المثال نجد أن الأبعاد الثلاثية للفضاء، أو صلابة الأشياء فيه، أو فكرة "اللارجعة" في محور الزمن، من أشهر الخصائص التي على أساسها نفكر ونفعل. إن العلوم الإمبريقية التي تتناول هذه الخصائص ليس لها وجود، ليس لأنها تفتقر إلى أي انتظامات أو اطرادات (فهي النموذج الأصيل لمفهوم الانتظام والاطراد نفسه)، بل لأنها مفترَضة مسبقًا في اللغة نفسها التي نصوغ بها الخبرة الإمبريقية. ولذلك يبدو من غير المعقول أن نطلب دليلً على وجودها، والأمثلة الخيالية كافية للكشف عن بنيتها؛ لأنها مُفترَضة مسبقًا في أفعال الفكر أو القرار الأكثر شيوعًا. فمتى كانت الأمثلة الخيالية تضاهي أو حتى تفوق المعطيات الإمبريقية المستقاة من الخبرة الفعلية، عندئذٍ قد نتأكد أن البحث ليس بحثًا إمبريقيًّا بالمعنى العادي. ويمكن العثور على تلك السمات الدائمة في العوالم الأخلاقية والاجتماعية كذلك، وربما تكون أقل استقرارًا وانتشارًا من السمات الدائمة في العالم الفيزيائي، لكن لا غنى عنها في أي نوع من التواصل بين الناس، ومن ثمّ لا غنى عنها في الفكر والفعل. إن البحث الذي يمضي قدمًا بالأمثلة، سيكون على الأرجح بحثًا فلسفيًّا (إنه ليس علميًّا، لكنه ليس صوريًّا). بالطبع، ثمة مدلول نهائي تكون فيه الحقائق مسلَّمات صرفة (حقائق دامغة، وليست يقينيات قَبْلية)، مثل قولنا إن الفضاء يتألف من ثلاثة أبعاد، أو إن البشر كائنات تطلب التعليلات أو تتخذ الخيارات. فليس من غير المعقول افتراضُ أن الأمور كان من الممكن أن تكون على صورة مختلفة. لكن إن كانت غير ما هي عليه الآن (أو ستكون في يوم من الأيام)، لكان جهازنا التصوري بكامله (الفكر، والإرادة، والشعور، واللغة)، ومن ثمّ طبيعتنا نفسها، مختلفة على نحو يكون فيه من المحال أو الصعب أن نصفه بالمفاهيم والكلمات المتاحة لنا كما نحن اليوم. والمقولات (والقيم) السياسية جزءٌ من هذا كله، لكنها شبكة محتومة من طرق العيش والفعل والتفكير، شبكة معرّضة للتغيير فقط نتيجة تغيرات جذرية في الواقع، أو من خلال الانفصال عن الواقع من جانب الأفراد، أي الجنون.
VIII
ترتبط المقولات الأساسية ومفاهيمها المتناظرة في تعريف البشر بأفكار من قبيل المجتمع والحرية والزمن والتغير والمعاناة والسعادة والإنتاجية والخير والشر والحق والباطل والاختيار والجهد والحقيقة، والوهم (لنأخذهم جميعًا بصورة عشوائية). لا تتعلق المقولات بالاستقراء والفرضيات. أن نفكِّر في شخصٍ باعتباره إنسانًا يعني بحكم طبيعة الحال أن نفعِّل دور جميع هذه الأفكار. أن نقول عن شخصٍ إنه إنسان، ثم نقول إن الاختيار أو فكرة الحقيقة لا تعني شيئًا له، فإن كلامنا سيكون غريبًا وعجيبًا، وسيتعارض مع ما نعنيه بكلمة "إنسان"، ليس باعتبارها مسألة تعريفٍ لفظي (قابل للتغيير بحسب المراد)، بل باعتبارها مسألةً تقع في صميم طريقة تفكيرنا، ولا يمكننا إلا أن نفكر بها (وهذه حقيقة دامغة). يسري ذلك على القيم أيضًا (ومن بينها القيم السياسية) التي على أساسها يتم تعريف البشر. وهكذا، عندما أقول عن شخصٍ إنه كريمٌ أو قاسٍ، أو إنه يحب الحق أو لا يبالي به، فإنه يبقى إنسانًا في أي من
الحالتين. لكن إن وجدتُ شخصًا لا يختلف عنده ركل الحصى أو قتل أسرته لأن أيًا منهما سيكون ترياقًا للسأم أو الخمول الذي يعانيه، فلا يجوز لي أن أقول، مثلما يفعل النسبويون المتسقون مع أنفسهم، إنه يتبع قواعد أخلاقية مختلفة عن قواعدي أو عن قواعد أغلب البشر، أو أن أقول إننا نختلف حول المسائل الجوهرية، بل سأتحدث عن الجنون واللاإنسانية، وسأعتبره مجنونًا، مثلما يجن شخص يعتقد نفسه نابليون، ولن أعتبر ذلك الكائن يتمتع تمامًا بكينونة الإنسان أبدًا. يبدو أن هذه الحالات توضح أن القدرة على إدراك القيم الكونية (أو الكونية تقريبًا) تدخل في تحليلنا لتلك المفاهيم الجوهرية من قبيل "الإنساني" و"العقلاني"، و"السليم"، و"الطبيعي"، وما إلى ذلك، والتي عادةً ما يُعتقد أنها وصفية وليست تقييمية. وتلك الحالات هي التي تقع في صميم الترجمات الحديثة لجوهر الحقيقة إلى مصطلحات إمبريقية في مبادئ القانون الطبيعي القَبْلي القديم. إن تلك الاعتبارات التي حثَّ عليها الأرسطيون الجدد وأتباع المبادئ المتأخرة لدى فتغنشتاين هي التي زعزعت إيمان بعض الإمبريقيين المخلصين بالانفصال المنطقي الكامل بين المقولات الوصفية ومقولات القيمة، وشككت في التفرقة المشهورة المستقاة من ديفيد هيوم. تنطوي الحالات القصوى من هذا القبيل على أهمية فلسفية؛ لأنها توضح أن تلك الأسئلة لا تجيب عنها الملاحظة الإمبريقية أو الاستنباط الصوري. ونستشف من ذلك أن من يحصرون أنفسهم في ملاحظة السلوك البشري والفروض الإمبريقية حوله (علماء النفس، وعلماء الاجتماع، والمؤرخون)، ليسوا منظِّرين سياسيين، مهما اتسموا بالعمق والأصالة، حتى وإن كان لديهم آراء كثيرة مهمة في مجال الفلسفة السياسية. ولذا فإن الإمبريقيين المخلصين أمثال الدارسين لتكوينات الأحزاب أو النخب أو الطبقات واتجاهاتها، أو الدارسين لطرق الإجراء الديمقراطي ومآلاته، لا نَعدُّهم فلاسفة سياسيين أو منظِّرين اجتماعيين بالمعنى الأوسع. هؤلاء في المقام الأول دارسو حقائق، وهم يطمحون إلى صوغ فروض وقوانين مثلما يفعل العلماء الطبيعيون. لكن من حيث المبدأ لا يمكنهم أن يذهبوا أبعد من ذلك. فعادةً ما يحلّلون الأفكار الاجتماعية والسياسية في ضوء معتقد غالب بين الناس كالاعتقاد بأن غاية الحياة بأسرها هي خدمة الله (أو ينبغي أن تكون خدمة الله)، بصرف النظر عن تأويلات هذه الخدمة. أو على العكس من ذلك، أن غاية الحياة هي الإشباع الفردي أو الجمعي القابل للاكتشاف بطريقة تجريبية، أو أن غاية الحياة هي التحقيق الذاتي لنمط تاريخي (أو نفسي أو جمالي)، وأن تحقيق هذا النمط هو وحده الذي يفسر للبشر ذواتهم ويضفي معنى على أفكارهم وأفعالهم. أو أنه على العكس من ذلك، لا توجد غاية إنسانية، أو أنه ليس في وسع الناس إلا أن ينشدوا غايات متعارضة، أو ليس في وسعهم أن يجتنبوا النشاطات التي لا بد أن تنتهي بالإحباط الذاتي (إلا إذا انتفت عنهم صفة البشرية). ومن ثمّ، فإن الفكرة التي تتحدث عن وجود حلٍ نهائي هي محض هراء. وما دامت تلك التصورات الجوهرية عن الإنسان هي التي تحدد المذاهب السياسية، يتضح أن المحكومين بهذه التوليفات التكاملية holist الكبرى يجلبون إلى دراستهم شيئًا آخر غير المعطيات الإمبريقية (ومنْ ينكر أن المسائل السياسية حول الصورة الممكنة أو المرجوة لكينونة البشر والجماعات وأفعالهم تعتمد على تحديد طبيعة الإنسان؟).
إذا فحصنا النماذج المعرفية والنماذج الإدراكية والأبنية التصورية التي تحكم الرؤى المتنوعة بوعي أو من دون وعي، وقارنَّا المفاهيم والمقولات المتنوعة ذات الصلة من حيث اتساقها الداخلي أو مقدرتها التفسيرية، سيتبين أن المجال الذي نعمل فيه ليس علم نفسٍ أو علم اجتماعٍ أو علم منطقٍ أو نظرية معرفة، بل نظرية أخلاقية أو اجتماعية أو سياسية (أو الثلاث معًا). ويتوقف ذلك على ما إذا كنّا نحصر عملنا على الأفراد أو على الجماعات أو على أنواع معينة من الأنظمة البشرية التي تصنَّف بأنها سياسية، أم أننا نتعامل مع كل ذلك باعتباره عالمًا واحدًا ذا ميزات متنوعة. فليس في وسع الملاحظات الإمبريقية والفروض الجريئة المثمرة أن تشرح لنا اعتقاد المؤمنين بأن الدولة مؤسسة إلهية، أو معنى كلماتهم أو طرق اتصالها بالواقع، ولا أن تشرح لنا اعتقاد المؤمنين بأن الدولة عقاب على خطايانا، أو بأن الدولة مدرسة لا بد أن ندخلها قبل أن نصل إلى مرحلة البلوغ والحرية والقدرة على الاستغناء عنها، أو أن الدولة عمل فني، أو أداة نفعية، أو تجسدُ القانون الطبيعي، أو لجنة من الطبقة الحاكمة، أو المرحلة العليا من الروح البشرية المطوِّرة لذاتها، أو عينة من الجريمة الحمقاء. لكن، إن لم نستخدم ملَكة التخييل التي عادةً ما يمتلكها الروائيون بدرجة أكبر من المناطقة، حتى نفهم التصورات المتنوعة لطبيعة الإنسان، أو غياب هذه التصورات المتضمَّنة في هذه الرؤى السياسية، وحتى نفهم النموذج المهيمن في كل حالة، فلن نفهم مجتمعنا البشري أو أي مجتمع بشري آخر، ولن نفهم تصورات العقل والطبيعة التي حكمت الرواقيين أو التومائيين أو التي تحكم الديمقراطيين المسيحيين الأوروبيين اليوم، ولن نفهم التصورات المختلفة في صميم الحرب المقدسة التي تخوضها أو قد تخوضها قريبًا الحركات الماركسية–القومية في أفريقيا أو في آسيا، ولن نفهم التصورات المختلفة التي تحرِّك مهادنات الغرب الليبرالية والديمقراطية. من البديهي اليوم أن نقول إن فهم الفكر والفعل البشريَّين يتمثل إلى حد بعيد في فهم نوعية المشكلات والتعقيدات التي يسعيان إلى حلّها بنجاح. فعندما نعتبر تلك المشكلات، سواء أكانت إمبريقية أم صورية، نماذج عتيقة للواقع ومقبولة ومستقرة على نطاق واسع حتى إننا نستخدمها اليوم، فإننا نفهم المشكلات والصعوبات والحلول التي جُرِّبت في الماضي من دون إشارة صريحة إلى المقولات الحاكمة؛ فلا تقحم المقولات نفسها علينا لأنها مشتركة عندنا وعند الثقافات البعيدة عنا، بل تبقى كما لو أنها متوارية عن الأنظار. في حالات أخرى، وهذا يسري بوضوح على السياسة، لم تبق النماذج على حالها؛ لأن بعض الأفكار التي قامت عليها لم تعد مألوفة. لكن إن لم نمتلك المعرفة والخيال لتمَثُّل الحالات الذهنية التي تهيمن عليها النماذج المهملة أو الآيلة إلى الزوال اليوم، فإن الأفكار والأفعال الواقعة في صميم النماذج ستبقى مبهمة لنا. إن الفشل في القيام بهذه العملية هو الذي يميز كثيرًا من تاريخ الأفكار، ويحوِّله إلى تدريب أدبي سطحي أو قائمة عتيقة من الأخطاء والالتباسات الغريبة، والمستعصية على الفهم أحيانًا. ربما لا يهم ذلك كثيرًا في الحقول الإمبريقية والصورية التي يعتمد فيها اختبارُ اعتقادٍ معين على الإثبات أو الاتساق المنطقي، وفي وسع المرء أن يقبل الحلول الأحدث وأن يرفض الحلول الماضية المفنَّدة أو غير المتسقة، من دون الاكتراث لفهم أسباب قبولها أصلً في الماضي (إن كان المرء يشعر
بعدم المبالاة). لكن المذاهب الفلسفية لا تُقام ولا تُهدم بهذه الطريقة؛ لأنها تتعلق بمشكلات، بل تدين بوجودها لمشكلات لا يمكن حلّها بهذه الطرق. إنها لا تتعلق بحقائق معينة، بل تتعلق بطرق النظر فيها، كما أنها لا تتألف من قضايا الدرجة الأولى المتعلقة بالعالم، بل إنها مقولات الدرجة الثانية أو الدرجة الأعلى حول الطبقات الخاصة بتوصيفات العالم ونشاطات الإنسان فيه، أو الاستجابات لهذا العالم ونشاطات الإنسان فيه، وتحددها النماذج وشبكات المقولات، الوصفية والتقييمية، وأنماط هجينة، بحيث لا يمكن فصل الوظيفتين حتى في الفكر (فهذه المقولات، إن لم تكن أبدية وكونية، فإنها أكثر استقرارًا وانتشارًا من مقولات العلوم؛ إنها متواصلة بما يكفي حقًا لتشكيل عالم مشترك مع مفكري الحقبة الوسيطة والحقبة الكلاسيكية). قد تكون الكونيات الأيونية، وبيولوجيا أرسطو، والمنطق الرواقي، والجبر العربي، والفيزياء الديكارتية، محل اهتمام المتخصصين التاريخيين، لكنها لا تشغل عقول الفيزيائيين أو البيولوجيين أو الرياضيين الذين يهتمون فقط باكتشاف حقيقة جديدة؛ ولذا، هناك تقدم حقيقي في هذه الدراسات، فما مضى مهملٌ إلى حد بعيد. لكن ذلك لا يسري على الفلسفة السياسية عند أفلاطون أو أرسطو أو ميكافيللي، والرؤى الأخلاقية لدى الأنبياء العبرانيين أو الرؤى الأخلاقية في الأناجيل أو عند المشرِّعين القانونيين الرومان أو عند الكنيسة في العصر الوسيط؛ ذلك، لأن هذه الرؤى الأخلاقية، سواء أكانت في أصولها أو في أعمال شُرّاحها المحدثين، تتسم بأنها أكثر معقولية ومفهومية وملاءَمة لانشغالاتنا المعاصرة من علوم المجتمعات القديمة. إن موضوع هذه الحقول جميعها هو أعم خصائص البشر، باعتبارهم كينونات منخرطة في نشاطات أخلاقية أو اجتماعية أو روحية. ويبدو أن هذا الموضوع يتناول مسائل تحتفظ بدرجة كبيرة من الاستمرارية والتشابه من عصر إلى آخر، ومن ثقافة إلى أخرى. وتتنوع طرق التعامل مع هذه المسائل إلى حد بعيد، لكن لم يحقق أي منها انتصارًا حاسمًا يُغرق المنافسين في غياهب النسيان. فلقد اندثرت بوضوح، وبوجه عام، نماذج الفكر السياسي غير الملائمة، وطوتها صفحة النسيان، وما تزال النماذج المضيئة العظيمة محل جدل اليوم، وما زالت تحرِّضنا على الالتزام أو النقد أو الاستياء الشديد. يمكننا أن نضرب أمثلة على ذلك باستهجان كارل بوبر للفلسفة السياسية عند أفلاطون، أو بالخطابات التنديدية التي وجهها إرفينج بابيت Babbitt Irving ضد روسو، وبالنفور الشديد الذي أبداه سيمون فايل Weil Simone تجاه أخلاقيات العهد القديم، أو بالهجمات المتكررة التي تُشنّ اليوم على النزعة الوضعية في القرن الثامن عشر أو النزعة العِلمَوية في الأخلاقيات السياسية1. تتعارض بعض التصورات الكلاسيكية فيما بينها، لكن طالما أن كل تصور يقوم على رؤية حيّة لسمات بشرية ثابتة، ويستطيع إرضاء بعض العقول الباحثة عن الحقيقة في كل جيل، بصرف النظر عن مدى اختلاف ظروف الزمان والمكان، فإن نماذج أفلاطون أو نماذج أرسطو أو نماذج اليهودية، والمسيحية والليبرالية الكانطية والرومانتيكية والتاريخانية، جميعها تبقى على قيد الحياة وتتصارع فيما بينها في هيئات متنوعة. فإذا ما تغيّر الناس أو الظروف تغيرًا جذريًّا، أو إذا ما اكتسبنا معرفةً إمبريقية جديدة تُثوِّر تصوراتنا للإنسان،
عندئذٍ ستنعدم بالتأكيد أهمية بعض هذه الصروح وستطويها صفحة النسيان كما طوت مباحث الأخلاق والميتافيزيقا في حضارة مصر القديمة أو في حضارة الإنكا القديمة. لكن ما دام البشر على حالهم، فسيستمر الجدل بمصطلحات تضعها هذه الرؤى وغيرها من الرؤى المشابهة، وكلٌ سيكتسب أو يفقد تأثيرًا؛ لأن الأحداث تدفع هذا الجانب من البشر أو ذاك إلى مكانة بارزة. يبقى شيءٌ واحدٌ فقط هو المؤكد، وهو أن الإجابات، المذاهب السياسية الأساسية لدى الغرب في هذه الحالة، قد تبدو خيالات فكرية وتصورات وأبنية فلسفية متجردة من دون علاقة كبيرة بالأفعال أو الأحداث. ولن تبدو هذه الإجابات على هذه الصورة عند من يفهمون، بل يستشعرون طبيعة السؤال الفلسفي واختلافه عن السؤال الإمبريقي أو الصوري. هؤلاء وحدهم قادرون إلى حد ما على أن يتمثلوا من جديد الحالات الذهنية لبشر تعذبهم أسئلة تزعم هذه النظريات أنها إجابات عنها، أو الحالات الذهنية لمن قد يرتضون هذه الإجابات بطريقة غير نقدية، لكن سيسقطون من دونها في حالة من القلق وفقدان الأمان (هؤلاء وحدهم قادرون على استيعاب الدور الذي أدّته الرؤى الفلسفية، وخاصة المذاهب السياسية في التاريخ في العالم الغربي). لقد تقهقر عملُ المناطقة أو الفيزيائيين السابقين لأن عملً جديدًا قد حلّ محله وتجاوزه. لكن من العبث الإيحاء بأننا نرفض المذاهب السياسية عند أفلاطون أو الجماليات أو الأخلاقيات عند كانط لأن مذاهب جديدة حلّت محلها وتجاوزتها. هذا الدفاع وحده يمنع المماثلة السطحية للحالتين، وقد يواجه اعتراضًا بأننا نعتبر مذاهب أخلاقية أو سياسية قديمة جديرة بالنقاش لأنها جزءٌ من تقليدنا الثقافي الغربي، ولولا أن الفلسفة الإغريقية وأخلاقيات الكتاب المقدس، وما إلى ذلك، مترسخة في صميم التعليم الغربي، لكانت اليوم بعيدة عنا بُعدَ التصورات الصينية القديمة. لكن ذلك الاعتراض يجعل الدفاع يتراجع خطوةً إلى الوراء فحسب. فإذا كانت الخصائص العامة لخبرتنا الطبيعية قد تغيَّرت تغيرًا جذْريًّا بما فيه الكفاية من خلال ثورة في معرفتنا أو طفرة طبيعية غيَّرت استجاباتنا، لربما شعرنا أن المقولات القديمة قد صارت الآن بالية (مثل مقولات حمورابي أو ملحمة جلجامش). وهذا كلام مردودٌ عليه بلا شك؛ لأن خبرتنا نفسها منتظمة وملونة بمقولات أخلاقية أو سياسية قد ورثناها عن أسلافنا، النظَّارات القديمة التي من خلالها ما زلنا نرى العالم. لكن الأرحج أن النظارات تسببت في تخَبُّطنا وتَعثُّرنا، وأنها أفسحت الطريق لنظارات أخرى، أو أنه جرى تعديلها كما جرى تعديل النظارات الفيزيائية والبيولوجية والرياضية، إن كانت لم تقم بمهمتها كما ينبغي حتى الآن، مما يدل على درجة معينة من استمرارية الوعي الأخلاقي والسياسي على مدار ألفي عام على الأقل.
IX
ربما يقال لنا إنه بصرف النظر عمّا نزعمه عن مصادر معتقداتنا ودوافعها وتبريراتها، فإن المضمون الذي يعتقده أتباع فلسفات شتى عادةً ما يكون متشابهًا إذا كانوا ينتمون إلى بيئة ثقافية أو اقتصادية أو اجتماعية مشتركة أو كانت لديهم خصائص مشتركة أخرى (سيكولوجية أو فيسيولوجية). كان الفيلسوفان الإنكليزيان توماس هِل غرين Green Hill Thomas وجون ستيوارت مِل ينشران مذهبين متناقضين من الناحية الفلسفية؛ فبينما كان غرين ميتافيزيقيًّا يسير على نهج هيغل إلى حد ما، كان
مِل إمبريقيًّا يسير على نهج هيوم، لكن كانت استنتاجاتهما الفلسفية متقاربة؛ كان الاثنان من أنصار الليبرالية الإنسانية في العصر الفيكتوري مع قدر جيد من التعاطف تجاه الاشتراكية. ويقال لنا إن هذا يعزى إلى خضوع الناس لعوامل تاريخية موضوعية تفرض عليهم اعتقاد ما يعتقدون (الوضع الاجتماعي أو البناء الطبقي لمجتمعهم ووضعهم فيه)، مع أن تبريراتهم الخاطئة لاعتقاداتهم قد تكون مختلفة اختلافًا كبيرًا كاعتقادات مِل وغرين. كما قيل إن الرؤى (الأفكار الإجرائية) لدى الفاشيين والشيوعيين تكشف عن درجة مذهلة من التشابه، مع التسليم بالتقابل والتعارض اللذين يعتريان المسلَّمات الرسمية التي ينطلق منها هذان الفريقان. ويُستدل بذلك على معقولية بعض مناهج "سوسيولوجيا المعرفة"، سواء أكانت تسير على نهج كارل ماركس أم فلفريدو باريتو Pareto Vilfredo أم نهج التحليل النفسي، وكذلك معقولية الأشكال الانتقائية المتنوعة التي اكتسبتها هذه الأداة بفضل ماكس فيبر وكارل مانهايم Mannheim Karl وغيرهما. لقد سلَّط هؤلاء المنظّرون الضوء على الجذور المبهمة لمعتقداتنا. فقد نخضع لظروف تفرض علينا أن نعتقد ما نعتقده بطريقة غير عقلانية بسبب ظروف خارجة عن إرادتنا بالأساس، وربما خارج نطاق معرفتنا كذلك. لكن بغض النظر عن الأمور التي تحدد معتقداتنا في الواقع بطريقة سببية، فإننا سنقدم تنازلً مجانيًّا عن قوى إعمال العقل التي نمتلكها (بسبب خلط العلم الطبيعي بالبحث الفلسفي) إن عزفنا عن معرفة اعتقاداتنا، وأسبابها، ودلالاتها الميتافيزيقية، وعلاقتها بأنماط أخرى من الاعتقاد، ومعايير القيمة والحقيقة التي تنطوي عليها، وأسبابنا للاعتقاد بأنها صحيحة أو سليمة. تقوم العقلانية على الاعتقاد بأن المرء يمكن أن يفكر ويفعل لأسباب يمكن أن يفهمها، وليست مجرد نتاج عوامل سببية غامضة تُحدِث "الأيديولوجيات"، ولا يمكن بأي حال تغييرها من جانب ضحاياها. فما دام الفضول العقلاني موجودًا (الرغبة في التبرير والتفسير على أساس الدوافع والأسباب، وليس فقط المسببات أو الارتباطات الوظيفية أو الاحتمالات الإحصائية)، فلن تزول النظرية السياسية بكاملها من على وجه الأرض، مهما قد يدَّعي منافسوها أنهم بدّدوا عالمها التخيلي (ومن هؤلاء المنافسين علم الاجتماع، والتحليل الفلسفي، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم السياسة، وعلم الاقتصاد، وعلم التشريع، وعلم الدلالة). إنها لمفارقة غريبة أن يتراءى لنا أن النظرية السياسية تعيش وجودًا مبهمًا في وقت تشهد فيه البشرية بأسرها حرفيًّا انقسامات حادة أول مرة في التاريخ بفعل قضايا تبقى حقيقتها دومًا العلة الوحيدة لوجود هذا الفرع من الدراسة. لكن ليست هذه نهاية القصة بكل تأكيد. إن الماركسية الجديدة والتومائية الجديدة والقومية والتاريخانية والوجودية والليبرالية والاشتراكية المناهضة للجوهرانية، وتحولات الحقوق الطبيعية والقانون الطبيعي إلى مصطلحات إمبريقية، والاكتشافات التي حققها التطبيق الماهر للنماذج المستوحاة من الأساليب الاقتصادية والأساليب ذات الصلة على السلوك السياسي، والتصادمات والتوفيقات والنتائج العملية لهذه الأفكار، لا تشير إلى موت تقليدٍ عظيم، بل تشير إلى تطورات جديدة غير متوقعة.