Return to Article Details What is Political Philosophy? A Study of the Concept and its Limits in Charles Larmore’s Thought

ما الفلسفة السياسية؟ بحث في مفهومها وحدودها عند الفيلسوف تشارلز لارمور

What is Political Philosophy? A Study of the Concept and its Limits in Charles Larmore ’ s Thought

الزواوي بغورة

Zwawi Beghoura

الملخّص

منذ ما يُعرف بـ "عودة الفلسفة السياسية في الفلسفة المعاصرة"، والنقاش يدور حول مفهومها وحدودها وقيمتها. ولقد قدم فلاسفة معاصرون كثيرون مقاربات مختلفة، منها مقاربة الفيلسوف الأميركي تشارلز لارمور التي سأحاول تحليلها ومناقشتها في هذه الدراسة، وذلك بالاعتماد على النصوص التي قدمها في هذا المجال، ومنها كتابه ما الفلسفة السياسية؟ (2020) الذي تضمن التمييز بين الفلسفة السياسية وفلسفة الأخلاق، وتأسيس منظور واقعي يناسب الليبرالية السياسية بما هي نظام شرعي ومحايد، يقوم على مجموعة من المبادئ، منها أخلاق الحد الأدنى، وذلك بهدف تجاوز الصراع والخلاف القائم بين التيار الليبرالي الفردي والتيار الجماعاتي.

Abstract

Abstract: The return of "political philosophy" to contemporary philosophy has spurred a wide discussion about its definition, limitations, and values. Several philosophers have presented different approaches to the matter, such as the American philosopher Charles Larmore, whose writings on the subject are to be discussed in this paper. His book, What Is Political Philosophy? (2020), discusses the difference between political philosophy and the philosophy of morals. In addition, the book founded a realistic conception of political liberalism as a neutral legal system, which is based on the principle of minimal morality. These principles were set in order to overcome the conflict between the individual liberalism and communitarianism.

الكلمات المفتاحية:
  • الفلسفة السياسية
  • فلسفة الأخلاق
  • الليبرالية
  • الشرعية
  • الحياد
  • لارمور
Keywords:
  • Political Philosophy
  • Philosophy of Morals
  • Liberalism
  • Legitimacy
  • Neutrality
  • Larmore

مقدمة

يدور نقاش كبير حول هوية الفلسفة السياسية المعاصرة، نقاش تزامن مع ما يُعرف بعودتها وتجدّدها منذ بداية سبعينيات القرن العشرين. لذا فإنني لا أجانب الصواب إذا اعتبرت أن عنوان هذا البحث ومحتواه يفرضان نفسيهما؛ ذلك أن كثيرًا من الفلاسفة المعاصرين طرحوا هذا السؤال بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وقدموا مقاربات جديدة، تفتح آفاقًا واسعة أمام البحث الفلسفي المعاصر. وتعدّ مقاربة الفيلسوف الأميركي تشارلز لارمور Larmore Charles، واحدة من هذه المقاربات الجديدة التي سأحاول تحليل عناصرها الأساسية، ومناقشة موقفه الذي يرى فيه أن الفلسفة السياسية يجب أن تكون مبحثًا مستقلً، ولكنها في الوقت نفسه لا تنفصل كليةً عن فلسفة الأخلاق، وذلك ضمن تحليله ونقده لمقاربتين سائدتين في الفلسفة الأنكلوسكسونية؛ الأولى تجعل الفلسفة السياسية جزءًا من فلسفة الأخلاق، والثانية تدعو إلى استقلالها استقلالً كليًا. وفي تقديري، فإن هذا الموقف الذي يزاوج بين الطبيعة الخاصة للفلسفة السياسية وأرضيتها الأخلاقية يقرّبه أكثر من الفلسفة الاجتماعية كما نقرأها في مدرسة فرانكفورت عمومًا، وفي الفلسفة البراغماتية الأميركية على وجه التحديد. وعملً على تحقيق ذلك، فإنني سأتبع ثلاث خطوات منهجية؛ أحدّد في الأولى مفهوم الفلسفة السياسية، وأدرس في الثانية علاقة المفهوم بالليبرالية السياسية، وأناقش في الخطوة الثالثة والأخيرة بعض جوانب المفهوم وحدوده.

أولا: في مفهوم الفلسفة السياسية

تكتسي قراءة نصوص الفيلسوف تشارلز لارمور أهمية منهجية وفلسفية، وذلك نظرًا إلى وضوحها وانفتاحها على الفلسفة القارية الأوروبية، إذا قبلنا بذلك التصنيف الذي عمد إليه بعض المؤرّخين المعاصرين الذين يرون أن الفلسفة المعاصرة تنقسم قسمين كبيرين هما الفلسفة القارية الأوروبية وتتزعمها الفلسفة الفينومينولوجية، والفلسفة الأنكلوسكسونية التي تقودها الفلسفة التحليلية1، ومناقشته لكثير من الفلاسفة الأوروبيين عمومًا، والفرنسيين على وجه التحديد، واهتمامه بسؤال: ما الفلسفة السياسية؟ الذي خصه بكتاب يحمل العنوان نفسه، كما توقف عنده في بعض أبحاثه التي سأشير إليها في سياق هذا البحث2. يتفق لارمور مع الرأي القائل إن تعريف الفلسفة السياسية يتطلب تعريف الفلسفة ذاتها، وهو ما بيّنه في كتابه الحداثة والأخلاق، إذ ركّز على أهمية المشكلات مقارنة بتحديد موضوع الفلسفة ومنهجها كما هو الحال في الفلسفة التحليلية أو الفلسفة الفينومينولوجية. فرغم الاختلافات الكثيرة

  1. مارك لوني، مدخل إلى الفلسفة المعاصرة، ترجمة الزواوي بغورة (بيروت: دار الروافد الثقافية–ناشرون، 2020)، ص.17
  2. إضافة إلى كتابه: ما الفلسفة السياسية؟ ناقش مسائل الفلسفة السياسية في عدد من كتبه، أهمها: Charles Larmore , The Autonomy of Morality (Cambridge: Cambridge University Press, 2008); Charles Larmore, The Morales of Modernity (Cambridge: Cambridge University Press, 1996). وسبق له أن نشر فصولً من هذا الكتاب باللغة الفرنسية.

بينهما، فإنهما يتفقان على فكرة محورية تتشكل من عناصر ثلاثة هي: أولً، يجب على الفلسفة أن تتحدد بمجالها الخاص، ومنهجها المحدد سلفًا، وأن تستلهم ثانيًا نموذج العلوم الصورية أو الطبيعية وتعمل على محاكاته، وأن تعتني ثالثًا بلغتها ومصطلحها الخاص، في حين أن الفلسفة في نظره لا تتحدد إلا بالمشكلات التي تناقشها. يقول: "يبدو لي أن التحديد الوحيد والمطابق للفلسفة يكمن في دراسة المشكلات التي هي تاريخيًا عرضية، ولأسباب متنوّعة، صُنِّفت على أنها مشكلات 'فلسفية"'3. وتعريف الفلسفة بالمشكلات التي تحاول دراستها وتقديم الحلول لها، ليست فكرة جديدة، وإنما سبق إليها الفيلسوف كارل بوبر الذي قال بأولوية المشكلات الفلسفية على طبيعة الفلسفة ذاتها4. وبالاعتماد عليه، عبّر لارمور عن اعتراضه لما يسمّيه "التحديد القبلي للفلسفة"، ودعا إلى ضرورة إعطاء الأولوية للمشكلات الفلسفية التي يجب أن تعالج بنوع من أخلاق الفكر pensée la de éthique المرتبطة بما هو قائم وجارٍ ومتداول في الرأي العام أو المشترك

.5opinion commun

ولكن ما تجب الإشارة إليه هو أنه إذا كان لارمور ينتقد هذين الاتجاهين السائدين في الفلسفة المعاصرة، وهما الاتجاهان الفينومينولوجي والتحليلي، فإنه يشيد بأهمية الوضوح الذي شددت عليه الفلسفة التحليلية بوصفه أسلوبًا في التفلسف. يقول: "إن مطلب الوضوح والانفتاح على العرضي contingence يلخّص في اعتقادي كل ما يمكن قوله عن طبيعة الفلسفة بشكل عام"6. فما الصلة بين الفلسفة بوصفها دراسة للمشكلات والفلسفة السياسية؟ لا يفصل لارمور مفهومه للفلسفة السياسية عن السياق الفلسفي الأنكلوسكسوني الذي ظهر فيه، والذي يرتبط ارتباطًا عضويًا بفلسفة الأخلاق التي تطورت انطلاقًا من جهود الفيلسوف الإنكليزي هنري سيدجويك في كتابه مناهج الأخلاق، وتعززت بجهود جورج مور في كتابه مبادئ الأخلاق. ومعلوم أن هذا الأخير مع زميله برتراند راسل وتلميذهما لودفيغ فيتغنشتاين قد أسسوا الفلسفة التحليلية، وأن جورج مور خاصة قد أرسى المفهوم التحليلي لفلسفة الأخلاق من خلال التركيز على تحليل مفاهيمها وحججها. ولقد كانت كل مناقشة لمسائل الفلسفة السياسية تمرّ حتمًا بمناقشة فلسفة الأخلاق التي تحولت إلى تراث فلسفي، غنيّ له أكثر من قرن، بما أنه بدأ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر واستمر طوال القرن العشرين، ولا يزال يعرف تجدّدًا وحيوية تؤكّدهما أعمال لارمور نفسه في فلسفة الأخلاق7.

  1. Charles Larmore, Modernité et morale (Paris: PUF, 1993), p. 2.
  2. كارل بوبر، بحثًا عن عالم أفضل، ترجمة أحمد مستجير (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2001)، ص.216
  3. Larmore, Modernité et morale , p. 2.
  4. Ibid., p. 14.
  5. من أهم أعماله في هذا المجال: Charles Larmore, Les pratiques du moi (Paris: Presses Universitaires de France, 2004); Charles Larmore, Morality and Metaphysics (Cambridge: Cambridge University Press, 2021); Charles Larmore , "Retours à la philosophie politique: Un entretien avec Charles Larmore," Le Monde , 28/2/1992.

ولقد شكّلت الفلسفة السياسية في التراث الفلسفي الأميركي المعاصر جزءًا لا يجزأ من فلسفة الأخلاق، ومعظم فلاسفة السياسة يرون أنه يجب أن تكون أرضية المبادئ السياسية مكوّنة من مبادئ أخلاقية، كمبدأ العدل أو الخير على وجه التحديد، وأنه لا يمكن تصوّر دولة ليبرالية من دون تسويغ أخلاقي منظم8. وقد أسهمت أعمال جون رولز، على نحو حاسم، وخاصة كتابه المشهور نظرية في العدالة (1971)، في هذا النقاش الفلسفي والسياسي، وكذلك أعمال فلاسفة آخرين منهم روبرت نوزيك، وكذلك ما يُعرف بالماركسية التحليلية، وخاصة أعمال جيرالد كوهين9. ويعني ذلك أن هنالك ثلاثة اتجاهات كبرى في الفلسفة السياسية الأميركية في نظر لارمور؛ الاتجاه الليبرالي السياسي الذي يدور حول أعمال رولز، والاتجاه الليبرتاري libertarian الذي يتمحور حول أعمال نوزيك، ويركّز على حقوق الفرد في الحرية والملكية، ويقصر دور الدولة في حماية تلك الحقوق، وأن تكون في حالة الحد الأدنى، بحسب عبارته، لأن وظيفتها حماية الفرد من القوة التعسفية والسرقة والاحتيال، وضمان تنفيذ العقود وليس توفير شروط السعادة والحياة الرفيهة للناس. أما الاتجاه الثالث فتمثله الماركسية التحليلية التي تختلف عن الماركسية (الأرثوذكسية) من حيث هي تطبيق لمنهج الفلسفة التحليلية على الماركسية نفسها مع التركيز على المساواة والعدل، والتخلّص من عناصر أخرى في النظرية الماركسية الكلاسيكية، وخاصة نظرية القيمة، وسوق العمل في النظام الرأسمالي، ودور الأيديولوجيا... إلخ10. والسؤال الذي يفرض نفسه في هذه الحالة هو: ما موقع الفيلسوف لارمور في هذا التصنيف؟ وما مفهومه للفلسفة السياسية؟ تتكون الفلسفة السياسية بمعناها العام من مجموعة النصوص الفلسفية التي كتبها الفلاسفة منذ القديم إلى اليوم، ومن مشكلات كبرى منها: الحدود المقبولة لعمل الدولة، وأسس الإلزام السياسي، وفضائل المواطن، وطبيعة العدل... إلخ. وإذا نظرنا في مشكلة العدل، على سبيل المثال لا الحصر، فإنها لا تقتصر على الفلسفة السياسية، وإنما هي مشكلة مطروحة في فلسفة الأخلاق، وفلسفة القانون، والفلسفة الاجتماعية. من هنا اهتم لارمور أكثر بالسؤال الآتي: كيف نميّز بين الفلسفة السياسية وفلسفة الأخلاق، وخاصة أن المبحثين يهتمان بالمبادئ التي تمكِّننا من العيش معًا داخل المجتمع؟ فإذا قلنا إن العدل يعني إعطاء كل ذي حقٍّ حقه cuique suum، فهل نؤوِّل هذا القول من زاوية الفلسفة السياسية أم من زاوية فلسفة الأخلاق؟ ليس الهدف من هذا السؤال إقامة نوع من الحدود الفاصلة بين المباحث الفلسفية، أو إجراء تصنيف جديد لها، خاصة إذا علمنا أن هذه المباحث أو الفروع موجودة لحلّ المشكلات، وأن الحدود القائمة بينها تفرضها طبيعة المشكلات والحلول التي تقدمها، وإنما الاهتمام بالسؤال الآتي: ما تلك المشكلات التي تهتم بها الفلسفة السياسية باعتبارها مبحثًا مختلفًا عن فلسفة الأخلاق؟

  1. Larmore, "Retours à la philosophie politique: Un entretien avec Charles Larmore".
  2. حول الليبرتاريانية والماركسية التحليلية، يراجع: ويل كيمليشكا، مدخل إلى الفلسفة السياسية المعاصرة، ترجمة منير الكشو (تونس: المركز الوطني للترجمة، سناترا، 2010)، الفصلان 4 و.5
  3. كريستوفر بيرترام، "الماركسية التحليلية"، في: جاك بيديه وأوستاش كوفيلاكيس (تحرير)، معجم ماركس المعاصر، دراسات في الفكر الماركسي، ترجمة سمية الجراح (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2015)، ص.162–143

لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال خارج السياق الفلسفي الأنكلوسكسوني عمومًا، والأميركي على وجه التحديد، وعن الاتجاهات المشكِّلة له، خاصة ذلك الاتجاه الذي يرى أن فلسفة الأخلاق فرع فلسفي عام يدرس الخير والعدل في ملامحهما المتنوّعة، وأن الفلسفة السياسية تهتم بالمبادئ الأخلاقية ذات الصلة بالموضوع السياسي، وخاصة الشكل الذي يجب أن تكون عليه حياتنا السياسية. لذا فإن أحد الموضوعات الأساسية في الفلسفة السياسية هو العدل بوصفه مث لً أخلاقيًا، وهو الموقف الذي يمثله الفيلسوف جون رولز في نظريته في العدالة، بحسب لارمور الذي يعتبر نفسه مناصرًا وناقدًا له في الوقت نفسه11. في مقابل هذا الموقف الذي يجعل الفلسفة السياسية جزءًا من فلسفة الأخلاق العامة، يؤكّد الموقف الثاني أن الفلسفة السياسية فرع مستقل، لا يهتم فقط بالحقائق الأخلاقية، و"إنما بالمميزات الأولية للظرف الإنساني الذي يشكل حقيقة الحياة السياسية"12. ويظهر هذا الظرف الإنساني في أن الناس يختلفون فيما بينهم، وأن هذا الاختلاف يمتدُّ من مستوى مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية إلى مستوى الأفكار التي يشكِّلونها عن الخير والعدل. وأن المجتمع لا يمكن أن يتأسس إلا إذا أقيمت جملة من القواعد التي تملك سلطة قادرة على إجبار الناس، إما بالوعيد وإما باستعمال القوة. وبهذا المعنى يمكن الفلسفة السياسية أن تتدخل باعتبارها صاحبة رؤية معيارية، وذلك باقتراح المبادئ التي يُبنى عليها المجتمع، على أن تكون لتلك المبادئ قوة القانون، وعندئذ قد تتفق الفلسفة السياسية أو تختلف مع فلسفة الأخلاق، وخاصة فيما يتعلق بمسائل الصراع، والاختلاف، والسلطة. ويوصف هذا الموقف الذي يقول باستقلالية الفلسفة السياسية عن فلسفة الأخلاق بالموقف الواقعي realism، ويمثِّله الفيلسوف الإنكليزي برنارد وليامز Williams Bernard). 2003–1929(لم يكتف لارمور بعرض هذا التصنيف الأوّلي لطبيعة الفلسفة السياسية في السياق الفلسفي الأميركي، وإنما عمد إلى مساءلته، من أجل معرفة حقيقته، وذلك من خلال طرحه لهذا السؤال: هل يجب على الفلسفة السياسية أن تهتم بغايات الاجتماع السياسي، أم أن عليها أن تنطلق من طبيعة الاجتماع السياسي، أي من واقعه المتمثّل في صراع المصالح، وأن الناس على خلاف، وأنه من دون مؤسسة في القانون والسلطة، فإن الاجتماع السياسي يصبح ممتنعًا أو مستحيلً؟ لم يتردد لارمور في القول إن الفلسفة السياسية تتحدد بالمنطلق الذي تتبعه، فإما أن تكون فرعًا في فلسفة الأخلاق، وتقدِّم نموذجًا لأفضل مجتمع ممكن، وهو ما قدمه رولز في كتابه نظرية في العدالة، وإما أن تستقل بنفسها حتى وإن تضمنت بعض البواعث الأخلاقية التي ستكون موضوع خلاف

  1. خص لارمور رولز ببعض الدراسات، وناقش أفكاره في معظم نصوصه. ينظر: تشارلز لارمور، "العقل العمومي"، في: صموئيل فريمان (محرر)، اتجاهات معاصرة في فلسفة العدالة، جون رولز نموذجًا، ترجمة فاضل جتكر (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص 479–449.
  2. Charles Larmore, What Is Political Philosophy? (Oxford: Princeton University Press, 2020), pp. 22–23; Charles Larmore, "Qu’est–ce que la philosophie politique?" Phare , no. 10 (2010), p. 10 ; Charles Larmore, "Qu’est–ce que la philosophie politique?" in: Dalie Giroux & Dimitrios Karmis (sous. dir), Ceci n’est pas une idée politique: Réflexions sur les approches à l’étude des idées politiques (Québec: Presses de l’Université Laval, 2013), p. 290.

سياسي، وهو ما يجعله يبتعد قليلً عن رولز، ويقترب أكثر من الواقعية السياسية لبرنارد وليامز، من دون أن ينكر دور البواعث والدوافع الأخلاقية للسياسة. ولكن ما يجب ملاحظته هو أنه في تحليله لعناصر الموقفين اكتفى بمناقشة آراء جيرالد كوهين الذي صنف موقفه ضمن الموقف الأخلاقي moralism، الذي يقابله الموقف الواقعي لبرنارد وليامز، ويظهر جليًا في موضوع العدل13. وفي تقديره، إنه إذا كان للموقفين الأخلاقي والواقعي ما يسوّغ أطروحاتهما، فإن على الفلسفة السياسية أن تتجاوز هذا التقابل، لأنه إذا كان عليها أن تعالج المشكلات المميِّزة للحياة السياسية، فإن ذلك لا يعني أن معالجتها ستكون من دون الإحالة إلى المبادئ الأخلاقية. يجب على الفلسفة السياسية، كما يقول، أن تكون مشروعًا أكثر تعقيدًا مما يطرحه الموقفان الأخلاقي والواقعي. أي، بعبارة أخرى، يجب عليها أن تجمع بين البعدين الأخلاقي والواقعي على حدٍّ سواء. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يكون ذلك؟ ينطلق لارمور من مفهوم المجتمع في الفلسفة السياسية، ويلاحظ أن ثمة تصوّرين للمجتمع السياسي؛ أولًالتصوّر القديم الذي يرى أن الاجتماع السياسي يتحدد بالغاية القصوى المتمثّلة بالخير الأسمى. وهذا ما عبّر عنه أرسطو نفسه في الفصل الأول من كتابه السياسة، معتبرًا أن السعادة لا تتحقق إلا في الحياة الجماعية التي تشكِّل النهاية والغاية للحياة العائلية والاقتصادية، أي في المدينة/ الدولة. وثانيًا التصوُّر الثاني الذي قدمه توماس هوبز وماكس فيبر في العصر الحديث. يرفض فيبر، على سبيل المثال، أيّ حديث عن الغايات، ولا يحدّد السياسة إلا من خلال الوسائل. فالاندماج بين المواطنين يحدث إما عن طريق اتفاق إرادي وإما بالقهر. وما يلاحظه لارمور هو أن هذا التصوّر الذي يبتعد عن الغايات ويركّز على الوسائل، لا يمكن أن ينفي كل غاية، ولو بنحو غير مباشر أو مبطن، ومنها أن غاية الدولة إقامة النظام الذي تضمنه من خلال الأولوية التي تعطيها للقانون، والسلام، والتعاون الاجتماعي14. لذا، فإن ما يجعل فيبر وقبله هوبز مختلفًا عن أرسطو في نظر لارمور يتمثل بمبدأ الصراع الذي يكتنف الحياة الاجتماعية والسياسية، وهو ما يقرِّبه من منظور الفيلسوف الألماني أكسيل هونيث Honneth Axel، والفلسفة الاجتماعية التي تركّز على مظاهر الصراع والهيمنة. فالصراع بين أفراد المجتمع وطبقاته وفئاته لا يعود إلى خطأ في العقل، بل يعود إلى الاختلاف في التجارب والمصالح، وأحكامهم حول ما له دلالة ومعنى، وطرقهم في تنظيم الأشياء، وهو ما سأتوقف عنده في العنصر الثالث من هذا البحث15. لا شك في أن أرسطو يعترف باختلاف المصالح داخل المجتمع أو في المدينة، إلا أنه لم يكن يرى أن ثمة اختلافًا أيضًا في طبيعة العدل والخير، وأما هوبز فيقدِّم منظورًا واسعًا لمصادر الصراعات الاجتماعية، ومنها أن العقل نفسه قد يؤدّي إلى رؤى متضاربة. لذا لجأ إلى القانون بدلً من الأخلاق، من أجل تأسيس السلطة السياسية، وإقراره بمبدأ الخلاف المعقول disagreement reasonable، في

  1. Larmore, "Qu’est–ce que la philosophie politique?" p. 54.
  2. Ibid., p. 29.
  3. الزواوي بغورة، "الفلسفة الاجتماعية بحث في مفهومها ونظريتها وعلاقاتها"، تبيّن، مج  8، العدد 30 (خريف 2019)، ص –57

مقابل تعدّد القيم والنزعة الشكّية. فالاجتماع السياسي لا يعني التحقيق الجماعي للخير الإنساني، وإنما الهدف من الاجتماع السياسي هو تأسيس بناء يسمح بإقامة سلطة تنظّم الصراعات الاجتماعية، بحيث تقوم السلطة السياسية بدور الحكَم. من هنا، خلص لارمور إلى القول إن مفهوم الفلسفة السياسية الذي يركّز على "مشاكل الصراع والسلطة يتفوق على التصوّر الذي يحاول صياغة بُنى وأنساق مجتمع مثالي"16. ويكمن سبب التفضيل في أن المثُل الأخلاقية التي يستند إليها هذا التصوّر تشكّل مصدرًا للخلافات، وجزءًا من مشكلات الحياة السياسية، وليست حلً لها. وبناء عليه، فإنّ الفلسفة السياسية لا يمكن أن تكون نوعًا من فلسفة الأخلاق التطبيقية (العملية)، وإنما يجب أن تكون فرعًا مستقلً ومتجذّرًا في أرضية تتميز بالخلافات العميقة التي يؤدّي إليها التفكير الأخلاقي غالبًا. وبهذا المعنى تكون الفلسفة السياسية نوعًا من "التفكير المنظم في طبيعة الحياة السياسية الواقعية وغاياتها"17. ومن الجليّ أنّ هذا المفهوم الخاص بالفلسفة السياسية مشروط بمدى فهمنا للحياة السياسية عبر التاريخ، وما أصبحت عليه في زمن الحداثة. وهو ما يمكن توضيحه من خلال النظر في الإجابة التي قدّمها لهذا السؤال الذي طرحه وأجاب عنه في الوقت نفسه. يقول: "إذا كان المجتمع السياسي يقوم على نظام يؤدّي إلى ظهور سلطة منظِّمة للصراع الاجتماعي، فمن أين يستمد هذا النظام 'سلطته'؟"18. تكمن الإجابة عن هذا السؤال في كلمة واحدة، وهي: الشرعية legitimacy. يفرض النظام السياسي سلطته عندما يتمتع بالشرعية في نظر أعضاء المجتمع، أي عندما يعتبره أعضاؤه نظامًا مسوغًا بطريقة شرعية. وهو ما يعني الإحالة إلى فيبر الذي يرى، كما هو معلوم، أن الدولة ليست فقط سلطة قهرية وتفرض طاعة قواعدها، وإنما هي تحتكر ما يعتبره الاستعمال المشروع للقوة. ومن ثم، فإن المسألة الأساسية في الفلسفة السياسية عند لارمور هي مسألة الشرعية التي حللها من خلال مناقشته لآراء برنارد وليامز الذي صاغ عبارة: المطلب الأساسي للشرعية Legitimation Basic Demand، وتعرف اختصارًا ب  BLD19. ورغم استناده إلى التحليلات التي قدّمها وليامز، يرى لارمور أن هذا الأخير لا يميّز تمييزًا واضحًا بين السلطة والشرعية، مبيِّنًا أن مسألة الشرعية هي أولً وقبل كل شيء مسألة تاريخية أو مقولة تاريخية، وأن طبيعة الشرعية تختلف بحسب الوضعيات التاريخية، وكذلك الحال بالنسبة إلى معاييرها، وهو ما يعني أن لارمور يحاول أن يجد طريقًا وسطًا بين ما يسمّيه الطرح الأخلاقي والطرح الواقعي في الفلسفة السياسية. يقول: "يجب أن ترتكز الفلسفة السياسية على

  1. Larmore, "Qu’est–ce que la philosophie politique?" p. 38.
  2. Ibid., p. 32.
  3. Ibid., p. 34. تناول لارمور بالتفصيل مسألة الشرعية في علاقتها بالليبرالية في الفصل الثالث من كتابه: ما الفلسفة السياسية. وسأكتفي بأهم. Larmore, What Is Political Philosophy , pp. 122–171:عناصرها. ينظر
  4. Larmore, "Qu’est–ce que la philosophie politique?" p. 104.

مبادئ ذات طبيعة أخلاقية تحكم الاستخدام المشروع للإكراه"20. ولا تُستمد هذه المبادئ من العدالة بوصفها مث لً أخلاقيًا، ولكن من العدالة بوصفها سياسة. وهو ما يعني أن الشرعية لا تطرح إلا ضمن منظور إجرائي procedural، وهو ما يعني اتفاقه مع الفيلسوف جون رولز. فلا تحيل الفلسفة السياسية إلى مثال الخير والعدل على نحو مطلق، وإنما تشكِّل قاعدة لما يسمّيه العدل السياسي Political Justice الذي يختلف عن العدل بوصفه قيمة أخلاقية مطلقة. ولا ترتبط الفلسفة السياسية بالمبادئ الأخلاقية، وليس لها أن تستدعي العدل بوصفه مث لً أخلاقيًا، وإنما تستدعيه بوصفه عدالة سياسية، لأنها: "تعرض الشروط التي من خلالها يكون صحيحًا إخضاع الناس إلى قواعد إكراهية أو قسرية coercition تجعل الاجتماع السياسي ممكنًا"21. وفي هذه الحالة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الفرق بين العدل الأخلاقي والعدل السياسي، وهل العدل السياسي يحيل إلى تجربة تاريخية وسياسية كالتجربة الليبرالية على سبيل المثال؟ لم يقدّم لارمور نظرية في العدالة، وإنما انتصر لنظرية رولز في العدالة، وخاصة في بعدها السياسي كما سيتبين ذلك في العنصر الثاني من هذا البحث. وفي هذا السياق، يبدو لي أن لارمور يستعيد، بطريقة غير مباشرة، ما ذهب إليه هوبز في تسويغه للنظام السياسي، وأقصد بذلك أن العدل السياسي في نظره يستوجب مج لً خاصًا هو مجال القانون، الذي هو نفسه يتمتع بطابعه الإكراهي. لذا، فإننا في "حاجة إلى وصف للشروط التي من خلالها يصبح العدل مشروعًا، ومن ثم يتحول إلى سلطة"22، وأن مبادئ الشرعية بوصفها نظامًا ثانيًا order second، تشكِّل تصوّرًا خاصًا للعدل له قوة القانون. فليس على الفلسفة السياسية أن تفكّر في العدل كما لو أنه مثال أخلاقي خالص، وإنما عليها أن تقدّم مقاربة مختلفة بشأن العدل السياسي الذي يتحدد بالشروط التي بموجبها تمارس السلطة على نحو شرعي. وهذا يعني أن العدل السياسي يتحدد بالشرعية أو بدوره في الشرعية السياسية. يقول: "ما أريد أن أقوله هنا هو أن على الفلسفة السياسية أن تقف موقفًا مختلفًا: يجب على العدل بوصفه مث لً سياسيًّا أن يحدِّد الشروط التي يمكن بموجبها ممارسة السلطة على نحو شرعي Rightly Legitement "23. فما معنى الشرعية؟ وما علاقتها بالسلطة؟ تتكون شرعية السلطة/ الدولة من ثلاثة عناصر، هي: حق الدولة في ممارسة القسر أو الإكراه، وتحديد مجالات الحياة الاجتماعية التي تمارس فيها هذا الإكراه، والأشخاص الذين يشملهم التشريع. وهنا لا بد من تمييز السلطة authority من الشرعية. تعدّ السلطة شرطًا ضروريًا، ولكنها شرط غير كافٍ للشرعية؛ ولذا يجب على الدولة أن تقدّم قصة أو حكاية أو سردية شرعية story legitimation. وتختلف هذه السردية من دولة إلى أخرى، وذلك بحسب نظامها السياسي، إذ يمكن أن تكون هذه السردية أسطورة تأسيسية، أو تعود إلى كاريزما القائد، أو إلى حدث تأسيسي كالثورة مثلً. ومهما يكن الحال، فإن ثمة حاجة ضرورية للشرعية تفرض على الدولة أن تقدم تسويغًا لسلطتها أو حكمها، على

  1. Ibid., p. 49.
  2. Ibid., p. 44.
  3. Ibid., p. 77.
  4. Ibid., p. 145.

أن يكون هذا التسويغ مقبولً من جانب شعبها أو من معظمه، وأن يكون واقعيًا وليس تصوّريًا، وأن لا توجِّه إلا إلى الذين تبحث عن ولائهم allegiance. وهذا يعني أن لارمور يستند إلى القانون وفلسفة القانون، وليس إلى الأخلاق وفلسفة الأخلاق في تأسيسه لشرعية الدولة التي تهدف إلى الإخضاع submission، وليس الموافقة approval فقط. وإذا كان من غير الممكن أن تحقّق الدولة اعتراف الجميع بشرعيّتها، فإنه من المهم أن يكون القسم الأكبر والأهم من المجتمع يعترف بها. وهو ما يعني أن فكرة جان جاك روسو عن قبول الجميع وموافقتهم، فكرة مستحيلة. تقوم شرعية السلطة على مبادئ، وهذه المبادئ هي مبادئ العدالة، لأن العدالة هي التي تصف شروط ممارسة السلطة الإكراهية، وتتضمن بالضرورة ما يسمّيه الأخلاق السابقة عن السياسي. ومما لا شك فيه أن الشرعية والعدل معياران مختلفان، فقد تكون القوانين عادلة في مضمونها، ولكنها لم تناقش على نحو شرعي، ويمكن أن تكون شرعية في سنّها أو تشريعها، ولكن من دون أن تكون عادلة. وهنا، يجب الإشارة إلى أنه على الرغم من أن لارمور ينتصر للموقف الواقعي في الفلسفة السياسية، فإنه يختلف عنه في أمور تفصيلية دقيقة ومهمة في الوقت نفسه، منها: 1. لا يمكن أي نظام أن يؤكّد أنه نظام شرعي من دون أن يستند إلى تصوّر يتضمن نظامًا سياسيًّا عادلً حتى وإن سنّ قوانين غير عادلة. 2. يجب أن تحدِّد العدالة ضمن أي شروط تكون القوانين منصفة fair، بما أنها ذات طابع إكراهي، وتُفرض على أعضاء المجتمع. وهو ما يعني أن الشرعية عنصر أساسي في مفهوم العدالة، والعدالة السياسية على وجه التحديد. 3. إن العلاقة بين العدالة والشرعية علاقة متبادلة، فمن أجل أن يكون النظام شرعيًّا، لا يكفي أن يكون له هدف أو غاية، وإنما عليه أن يتصرف وفقًا لمفهومٍ ما في العدالة السياسية، يتطابق مع الجزء الأساسي من العدل الذي يحدّد الشروط التي من خلالها يمكن الدولة أن تمارس سلطتها القهرية على نحو شرعي. يعني هذا أن الفلسفة السياسية تتأسس على مفهوم في العدالة السياسية، يتسم بجملة من السمات الأساسية، منها: 1. تقدِّم العدالة السياسية الشروط التي من خلالها يصبح مشروعًا إخضاع الناس لقواعد قسرية تجعل الاجتماع السياسي ممكنًا. 2. يرتبط كل تصور في العدالة السياسية بشكل من أشكال القانون الذي يتصف بطابعه القسري. 3. مبادئ العدالة السياسية متجذِّرة في مبادئ أخلاقية تحدّد الاستعمال الشرعي للإكراه. 4.  يؤدّي هذا الموقف إلى القول إن كل تحليل للعدل بوصفه مث ل أخلاقيًا يعدُّ تحليلً باطلً أو خاطئًا أو لا جدوى منه، وإنما يعني أن ذلك يخص فردًا من الأفراد، ولا يجعله نظامًا مفروضًا.

5. ضرورة تحديد مكانة الليبرالية في تنظيم الحياة السياسية، لأنه مهما كان الاختلاف بين أفراد المجتمع، فإن عليهم أن يتصرفوا بوصفهم مواطنين أحرارًا ومتساوين، وذلك بحكم أن الحرية والمساواة هما القيمتان الأساسيتان للشرعية الليبرالية، ولأن القاعدة الاجتماعية التي تقوم عليها الليبرالية هي أنه على الرغم من اختلاف المواطنين، فإنه في إمكانهم أن يتوصلوا إلى اتفاق حول مبدأ الشرعية السياسية، مستعينين بالتربية الأخلاقية والمدنية، والسلام والازدهار الذي يحصلون عليه مع الوقت، وهذا أمر متعلِّق بالأمل، وليس بالتنبؤ أو التوقُّع أو الضمان. وهو ما يعني أن الشرعية السياسية تسمح بالأمل الفسيح، إذا استعرنا عبارة الماوردي في أدب الدنيا والدين، رغم أن الليبرالية تعترف "بعمق الاختلاف المعقول بالنسبة إلى قيمتَي العدل والخير"24. وإجم لً، يمكن القول إن الفلسفة عمومًا والفلسفة السياسية تحديدًا، تهتم بالوقائع والمشكلات، ولا تستطيع أن تحدّد المبادئ التي يجب أن تحكم حياتنا الجماعية ما لم تنظر في الوقائع الدائمة، ولكن عليها أيضًا أن تنظر في الأخلاق حتى تستطيع أن تحكم على كيفية معالجة هذه الوقائع. فإذا اعتمدنا ثنائية الواقع/ المعيار تصبح الفلسفة السياسية عند لارمور مختلفة عن التصوّر التقليدي الذي يحدد الفلسفة السياسية باعتبارها جزءًا من الأخلاق، أي جزءًا من العلم المعياري أو هي العلم المعياري في حدّ ذاته، وليست تطبيقًا للأخلاق على الواقع السياسي، لأن فلسفة الأخلاق والتفكير الأخلاقي عمومًا موضوع جدال وخلاف، ومصدر انقسام داخل المجتمع، لذا يجب أن تستقل الفلسفة السياسية عن فلسفة الأخلاق، وأن تبحث في المبادئ التي تجعل الحياة السياسية في المجتمع الليبرالي ممكنة من خلال مبدأ الشرعية، والعدالة السياسية، وهو ما يؤدّي إلى طرح السؤال الآتي: ما علاقة مفهوم لارمور للفلسفة السياسية بالليبرالية، وبالليبرالية السياسية تحديدًا؟

ثانيًا: في الموقف من الليبرالية

يعترف لارمور بأن آراءه حول الليبرالية تتفق مع ما عرضه رولز في كتابه الليبرالية السياسية، إلا أن نقاط الاختلاف بينهما، مع ذلك، كثيرة. فما موقفه من الليبرالية؟ وما علاقة موقفه منها بمفهومه للفلسفة السياسية؟ تعدّ الليبرالية محاولة لتقديم جواب للتجارب الأساسية للحداثة الغربية، وخاصة تجربة الاختلاف التي تطبع الاجتماع البشري، والتي عبّر عنها توماس باين Paine Thomas) 1809–1737(أحسن تعبير، فيقول: "لا أعتقد أن ثمة شخصين، مهما كانا، سيفكّران بالطريقة نفسها إذا فكّرا حقيقةً في ما يسمى النقاط المذهبية. فليس هناك إلا الذين لم يفكّروا، سيجدون أنفسهم متفقين"25. وهذا يعني أن الاختلاف أمر جوهري وأساسي في الفكر البشري، لذا انتهى المفكرون الليبراليون إلى أنه لا يمكن البحث عن معالم الحياة السياسية كما كان الأمر في الماضي، في نوع من التصوّر الجوهري للغايات القصوى للإنسان، وإنما يجب البحث عنها في نوع من أخلاق الحد الأدنى moral minimal يمكن أن يشترك فيها أناس عقلاء رغم اختلافاتهم الدينية والأخلاقية. من هنا اعتمد كبار مؤسّسي الليبرالية

  1. Ibid., p. 152.
  2. Larmore, Modernité et morale , p. 173.

على الفلسفة الفردية التي تجسد قيمة الاختلاف، وذلك في محاولة للانفصال عن التقاليد أو التراث الثقافي والأخلاقي الذي يطبع الاجتماع البشري، والاجتماع السياسي منه تحديدًا. كما ابتعدوا عن التصوّر الجوهري للخير الإنساني، وهو ما يعني أن أي "صورة للحياة" أو "شكل للحياة"، كما طرح ذلك فتغنشتاين، لا يمكن لها أن تمتلك قيمة حقيقية، إذا لم تكن اختيارية. لماذا؟ لأن القيمة العليا في الليبرالية هما قيمتا الحرية والمساواة. ولقد تعززت هاتان القيمتان بالمؤسسات السياسية القائمة على مبدأ الفصل والتمييز بين السلطات، التشريعية والتنفيذية والقضائية، والفصل بين السياسي والديني باسم العلمانية، وإقامة مؤسسات المجتمع المدني، وبناء اقتصاد سوق ضمن النظام الرأسمالي. ولكن، رغم ما حققته الليبرالية من إنجازات تاريخية، فإن ثمة مشكلات لا تزال تواجهها، ومنها تلك النابعة من نظريتها، ومن بعض مبادئها، وخاصة مبدأ الفردانية الذي سبق أن نقده الفيلسوف الألماني يوهان هيردر على نحو خاص. وقد تعمق الخلاف بين الليبرالية ونقادها حول منزلة الفرد في نظام المجتمع أكثر، في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين مع القوة المتزايدة التي اكتسبها تيار الجماعاتيين وتشديده على أهمية مفاهيم التراث والانتماء إلى ثقافة وإلى جماعة محددة، التي هي أساس الهوية الفردية والجماعية والخصوصية. وإزاء هذا الوضع، لم يعد المطلوب الفصل في الحجج التي يقدّمها كل فريق، وإنما الإجابة عن هذا السؤال: كيف يمكن أن يتصرف الفكر الليبرالي أمام هذه الأسئلة العويصة التي تؤدّي إلى خلافات من قبيل: هل نؤسس الرابطة الاجتماعية على الفرد ومصالحه وتصوراته وآرائه أم على التقاليد والأعراف والقيم المشتركة لجماعة ما؟ وهل ينبغي له أن يواصل التشبث بالأخلاق الفردية وبقيم الاستقلالية الذاتية والحرية الفردية (إيمانويل كانط وجون ستيوارت ميل، مثلً)، ويؤكّد على ضرورة أن يلتزم بها كل ليبرالي، أم عليه أن يبحث عن معالمه في فكرة التسامح التي استلهمها المفكّرون الكلاسيكيون الليبراليون، والتي، خلافًا لقيمتَي الاستقلالية الذاتية والحرية الفردية، لا تبحث عن تجسيد لها من خلال القانون المجرّد وإنما في الفضائل الأخلاقية الجماعية والمشتركة، أي في ما أسماه هيغل بالأخلاق الموضوعية؟ وبتعبير آخر، ما الوسيلة العملية لحلّ النزاع والخلاف الذي تجلّت صورته في النقاش الفلسفي الذي ميز الفلسفة الحديثة والمعاصرة من الفلسفات القديمة حول مسألة أولوية الخير أو العدل في الحياة الاجتماعية والسياسية المعاصرة؟26يرى لارمور أن الليبرالية السياسية تنحاز إلى التوجه الثاني، وتقدّم العدل على الخير، وتعيّن المبادئ الأساسية للاجتماع السياسي، بحيث يمكن تسويغ القناعات الدينية، ومفاهيم الخير الإنساني، ومُثل الفردانية باعتبارها قيم الانتماء والتراث، وهو ما يعني أن الاختلاف الأساسي بينه وبين رولز يتمثل في تعيين مضمون أخلاق الحد الأدنى التي يجب أن تكون قاعدة للمجتمع الليبرالي، وتحدّد روح التسامح المميّزة له، فيقول: "أعني بتصوّر الأخلاق في حدودها الدنيا، أن هذا التصوّر يستعمل قاعدة مشتركة، وأن

  1. خص لارمور هذا الموضوع بدراستين: الفصل الثاني من: , pp. 45–70 Modernité et morale Larmore,؛ وبحث بعنوان "مفهوم الخير"، في: Charles Larmore, "Le concept de bien," Les ateliers de l’éthique/ The Ethics Forum , no. 14 (2019), pp. 35–47.

الذين ينتمون إليه سوف يخضعون له من دون جهد أو استثناء"27. لا تنفصل هذه الدعوى إلى أخلاق الحد الأدنى عن النقاش الدائم والمعقد والمعاصر مع الاتجاه الجماعاتي communautarism28، وخاصة في مسألة الحياة الخيِّرة، ودور الدولة في إقرار أخلاق الحد الأدنى التي تشكِّل نوعًا من الخير المشترك الذي يفرض القول بالحياد تجاه التصوّرات الأخلاقية الخاصة، ويعمل على فصل الليبرالية عن كل فلسفة في الإنسان، أو تحويلها إلى: "نظرية أخلاقية عامة"29. من هنا، يتأتّى ربط لارمور الليبرالية السياسية بالحياد السياسي الذي يجد جذوره في الفكر الليبرالي في مرحلته الأولى، وتحديدًا في نظريات القانون أو الحق الطبيعي عند غروتيوس Grotius (1645–1583)، وبوفندورف Pufendorf (1694–1632)، ونظرية التسامح عند جون لوك، وبيير بايل Bayle Pierre (1706–1647) المصممة في القرن السابع عشر، وذلك بحكم أن هذه النظريات تعالج: "المشكلة المطروحة من قبل الخلاف المعقول بالنسبة إلى الدين الحقيقي، وتبحث عن المبادئ السياسية التي تقوم على قاعدة غير طائفية. وتتمثل اليوم مهمة النظرية الليبرالية في النظر في كيفية تسويغ مبدأ حيادية الدولة من دون أن تنحاز إلى أي جهة من الجهات في السجال القائم بين النزعة الفردية والنزعة التقليدية"30. ولذا، يمكن أن "نعدّ الليبرالية السياسية كمحاولة لإيجاد موقع بين حدَّي القطبين "31، أي بين قطب الفردانية التي تتزعمها الليبرالية وخير الجماعة الذي تدافع عنه النزعة الجماعاتية. تقوم الليبرالية السياسية على الأخلاق في حدّها الأدنى، لأنها تعتمد على نوع من الحياد neutrality الذي يعني أنه حيثما يكون هنالك خلاف معقول، يجب على الدولة أن تبقى محايدة. وهذا يعني أن الدعوة إلى الحياد الليبرالي عند لارمور، سببه بعض المبادئ التي تقوم عليها الليبرالية، وخاصة مبدأ الفردانية والاستقلال الذاتي، وما جلبته من نقد الرومانسيين للّيبرالية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ومن جانب الجماعاتيين من النصف الثاني من القرن العشرين وإلى غاية اليوم، وذلك بسبب تصويرها للفرد بطريقة مجردة ومنفصلة عن علاقاته الاجتماعية والثقافية، وتفضيلها للعدل على الخير، وتأسيسها لفلسفة فردية ترى فيها أن أيّ تصوُّر للخير لا قيمة له إلا إذا كان موضوعًا للاختيار، وقابلً للمراجعة. وإذا كان صحيحًا أن الرومانسيين لم يكونوا كلّهم مناهضين للنزعة الفردانية والليبرالية، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر فلهيلم فون همبولت Humboldt von Wilhelm (1835–1767)، وهنري ديفيد ثورو Thoreau David Henry (1862–1817)، فإنّ لارمور، مع ذلك، يشكِّك في إقامة الليبرالية على قيم الفردانية والاستقلال الذاتي كما فعل كانط أو ميل، لأن مثل هذا التأسيس لا يترك

  1. Larmore, Modernité et morale , p. 165.
  2. الجماعاتية تيار فلسفي يعطي الأولوية للجماعة وتراثها وتقاليدها، ويناهض القيم الفردانية التي تنادي بها الليبرالية. ظهر في بداية ثمانينيات القرن العشرين، ويتزعمه فلاسفة أنكلوسكسون في أغلبهم. وحول النقاش الدائر بينه وبين التيار الليبرالي، ينظر: Justine Lacroix, Communautarisme Versus libéralisme: Quel modèle d’intégration (Bruxelles: Editions de l’Université de Bruxelles, 2003).
  3. Charles Larmore, Patterns of Moral Complexity (Cambridge: Cambridge University Press, 1987), p. 129.
  4. Larmore, Du libéralisme politique , p. 174.
  5. Ibid., p. 175.

مج لً لفكرة الانتماء إلى تراث معيّن لجماعة ما. من هنا حاول أن يُبعد الليبرالية عن الجدل والاختلاف القائم حول الفردانية، ليقدِّم تسويغًا يقوم على مبدأ الحياد الليبرالي. يتأسس هذا الحياد الليبرالي على أخلاق الحد الأدنى وعلى معيارين متكاملين هما: الحوار العقلاني والاحترام المتساوي للأشخاص. وفي تقديره، إنه إذا كان معيار الحوار العقلاني "لا يشكِّل أساسًا كافيًا لتسويغ مبدأ الحياد الليبرالي، لأنه يشير إلى ما يجب أن نقوم به إذا شئنا أن نتحدث معًا عن المبادئ السياسية التي نقيمها، فإنه لا يقول لنا إنه يجب أن نستمر في النقاش عندما تظهر نقاط اختلاف حول المبادئ التي يجب تبنّيها"32. وهو ما يعني عدم استبعاد اللجوء إلى القوة، بدلً من الاستمرار في النقاش. لذا، يجب الاعتماد على المعيار الثاني، وهو الاحترام المتساوي للأشخاص، لأنه "يُلزمنا بالاستمرار في النقاش"33، ولأنه قريب من القاعدة الكانطية التي تقول "إنه يجب ألّ نعامل الآخر بوصفه وسيلة، وبوصفه مجرد أداة لإرادتنا، وإنما يجب بالعكس أن نعامله دائمًا بوصفه غاية، وبوصفه فردًا قائمًا بذاته"34. ثم إن الحرية في الليبرالية يجب أن تفهم على أساس الحرية السلبية في مقابل الحرية الإيجابية، وهو التمييز الذي أدخله، كما هو معلوم، أشعيا برلين Berlin Isaiah)1997–1909(35. إن المعنى السياسي للحرية، في نظر لارمور، معنى سلبي، إذ لا يجب أن نفهم الحرية على أنها إمكانية لنقوم بما نشاء. ولذا فضل لارمور العودة إلى جون لوك الذي حذّرَنا من الخلط بين الحرية والإباحة license، لأنه لا وجود، في نظره، للحرية في غياب القانون. وهذا موقف يتفق مع موقف كارل بوبر على نحو خاص، ومع عدد من فلاسفة الليبرالية، من جهة أولى. ومن جهة ثانية، فإن قيمة الحرية السلبية ترتبط ارتباطًا جوهريًا بقيمة الحياد باعتبارها القيمة الأساسية في الليبرالية، يقول: "يؤكِّد الحياد على الحرية المتساوية التي يجب أن يتمتع بها جميع الأشخاص لمتابعة تصوّرهم للحياة الخيِّرة. وبحسب النظرية السياسية الليبرالية، فإن الحرية لها معنى محدّد للغاية، ويشتمل فقط على حق الشخص في مواجهة تدخّل الدولة غير المسوغ بشكل محايد"36. فما هذا الحياد الذي يشتقه من المعنى السلبي للحرية؟ يميّز لارمور بين حياد التسويغ وحياد الهدف. ويعتبر الحياد الأول هو الملائم فقط لليبرالية السياسية، ولكن هذا لا يعني أن الدولة المحايدة هي دولة الحد الأدنى، كما ذهب إلى ذلك نوزيك، لأنه إذا كانت الدولة قادرة على اتخاذ موقف الحياد وتسويغه بحجج عقلانية ومعقولة يقبل بها الجميع، فهي قادرة أيضًا أن تحدِّد سياساتٍ لها أهداف توزيعية، وتدعم ذلك بحجج تبدو للمحكومين سائغة عقلانيًا. ولكن، يبدو أن هذا التمييز بين شكلَي الحياد قد تلاشى في كتابات لارمور الأخيرة؛ لأن الحياد

  1. Ibid., pp. 175–176; Larmore, What Is Political Philosophy? pp. 148–160.
  2. Larmore, Du libéralisme politique , p. 176.
  3. Ibid., p. 177.
  4. أشعيا برلين، أربع مقالات في الحرية، ترجمة عبد الكريم محفوظ (دمشق: منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1980)، ص.87–48
  5. Larmore, Du libéralisme politique , p. 183.

تجاه تصورات الخير المتنافسة داخل المجتمع، مبدأ من المبادئ الدستورية للدولة الليبرالية، لكنه يصعب أن تتبنى الدولة الليبرالية سياسات توزيعية وأن تحافظ في الوقت نفسه على موقف محايد تجاه تصورات الخير. ويستخدم لارمور حججًا تاريخية في الدفاع عن فكرة الحياد. ومنها أن الليبرالية منذ القرن السادس عشر طرحت مسألتين هما: 1. وضْعُ حدودٍ أخلاقية لسلطة الحكومات، وذلك في مقابل نظريات داعي المصلحة العليا. ولقد دافع الليبراليون عن فكرة وضع حدٍّ لفعل الدولة في المسائل ذات الصلة بحرية الأفراد ومسؤوليتهم على أفعالهم وفق ما يقتضيه الأمن العام والسلم المدني. 2. الوعي المتدرِّج بأن الكائنات العاقلة تميل نحو الاختلاف في تحديد الحياة الخيِّرة، وليست حروب الدين إلا تأكيدًا مأساويًا لهذا المعطى. وبناء عليه، فإن ثمة ما يمكن وصفه بالخلاف المعقول. ولا يتوافق الخلاف المعقول مع ما أصبح يسمى بالتعدّدية pluralism. لذا اقترح الليبراليّون نظرية في الأخلاق تقوم على الحد الأدنى، لأنه من الضروري "صياغة مبادئ سياسية تعبِّر عن فكرة الخير المشترك good common، ينتمي إليه أكبر عدد من الناس"37. ولوضع قواعد لأخلاق الحد الأدنى، فإن فكرة الحياد تفرض نفسها، ففي الليبرالية يجب أن تكون المبادئ السياسية محايدة تجاه المفهوم الجدلي والخلافي للخير. ويتسم الحياد في المنظور الليبرالي بسمتين أساسيتين: 1. ليست الليبرالية مفهومًا أخلاقيًا، أو هي بالأحرى تعدُّ مفهومًا محايدًا تجاه الأخلاق، أو تسعى لأن تكون محايدة تجاه مختلف التصوّرات المختلفة حول الحياة الخيِّرة، وأنّ "على الدولة الليبرالية أن تعمل دائمًا وفقًا لأخلاق أولية ethics elementary ومشتركة، وقابلة لأن تكون موضوع اتفاق معقول

.38" reasonable agreement

2. تتضمن فكرة الحياد نفسها معانيَ كثيرة؛ فمثلً، إن التصوّر النفعي يرى أن ثمة قاعدة مشتركة للقيمة، وأن مختلف التصوّرات الخاصة بالحياة الخيِّرة تعدّ بمنزلة طرق للبحث عن هذه القيمة المشتركة، وهي اللذة. وتتطلب الطريقة المحايدة لحلِّ الصراعات بين مختلف التصوّرات احترام مبدأ العدد الأكبر. ولكن ليس هذا التصوّر إلا واحدًا من التصوّرات الكثيرة، لأن هنالك من يرى أن "المبادئ المحايدة هي تلك التي نستطيع تسويغها من دون أن نحيل إلى التصوّرات الخلافية أو الجدالية للحياة الخيِّرة التي تفرّقنا، ومن ثم، البحث عن حياد يكون موضوع اتفاق، ويكون له مضمون أخلاقي، وإلا فإنه لا يستطيع أن يضع حدًا للدولة"39. وإذا أخذنا في الاعتبار هذين العنصرين، فإن الحياد هو بلا شك

  1. Ibid., p. 164.
  2. Ibid., p. 169.
  3. Ibid., p. 170.

"المبدأ الذي يصف على نحو أفضل التصوّر الأخلاقي في الحدود الدنيا لليبرالية"40. وهذا يعني أن الحياد الليبرالي هو مثال إجرائي procedural ideal، ولا يعني الشك أو التشكيك في التصوّرات الأخلاقية، كما لا يمثِّل نزعة شك ية scepticism، مع أن هنالك ليبراليين شكاكين. وبناء عليه، فإن الحياد السياسي مبدأ أخلاقي يسمح بتسويغ مبادئ سياسية، ويفرض نفسه لأسباب كثيرة، منها أن مجتمعاتنا تتصف بالتعدّد والتنوّع القيمي. هذا على مستوى الواقع، أما على مستوى التاريخ، فإن الحروب الدينية التي عرفتها أوروبا في العصر الحديث تشكِّل دليلً على ضرورة حياد الدولة تجاه التصوّرات الدينية المختلفة. ثم إن الدولة التي لا تكون محايدة، ستصبح عاملً للقهر، ولعدم الاستقرار السياسي، وتخالف مبدأ الاحترام المتساوي بين المواطنين، وقد تسيء إلى حريتهم، خاصة أنه من الممكن أن تلجأ إلى أحكام القيمة التي قد تكون خاطئة أو لا يمكن تأسيسها عقليًا. لهذا نجد بعض الليبراليّين يرَون أن ثمة علاقة بين الحياد والتسامح، وهو ما ذهب إليه لوك على سبيل المثال. وفي الفلسفة السياسية المعاصرة، وتحديدًا في بداية سبعينيات القرن العشرين، دافع عن مبدأ الحياد في الدولة الليبرالية روبيرت نوزيك، قبل أن يجعل منه الفيلسوفان رونالد دوركين وجون رولز مفهومًا أساسيًا في الليبرالية. لكن رولز، في نظر لارمور، لا يعطي للحياد أهمية كبرى مقارنة بأولوية العدل على الخير، في حين يشكّل عنده أفضل وسيلة لوضع حدٍّ لتعسُّف السلطة السياسية، ويستجيب لاهتمام أساسي عنده وعند الليبراليين عمومًا، وهو حماية الحريات الفردية من خلال وضع حدود للممارسة الشرعية للسلطة السياسية. من هنا، يجب أن يتحول الحياد إلى مثال سياسي يحكم العلاقات العمومية بين المواطنين وبين الدولة، كما يحكم العلاقات الخاصة بين المواطنين وبين بقية المؤسسات الاجتماعية والسياسية41. وبهذا المعنى، فإن لارمور يعيد صياغة أسس الليبرالية، انطلاقًا من معطى قائم في المجتمع الحديث، وهو عدم الإجماع على معنى وقيمة للحياة الخيِّرة، وأنه يجب ألّ تصبح الليبرالية نوعًا من الفلسفة العامة في الإنسان، وإنما هي مجرد نظرية سياسية يصطلح عليها بالليبرالية السياسية، وأنّ الحياة الخيِّرة، والمثُل الشخصية ليس لها أي صلاحية خارج الفضاء الخاص42. والسؤال الذي يفرض نفسه في هذه الحالة هو كيف لنا أن نرسم خطًا فاصلً بين ما هو خاص وما هو عام؟ أو بتعبير آخر، أين ذلك المعيار الذي يسمح لنا بالتمييز بكل وضوح بين ما هو خاص وما هو عام؟ خاصة أن هذا التقسيم الذي يطرح، كما هو معلوم، مسألة العلمانية في المجتمع الليبرالي، يعرف نقاشات حادة في وقتنا الحاضر، وذلك تحت تأثير ما يُعرف ب "عودة الديني"43، بحيث تحوّل موضوع التمييز بين العمومي والخاص إلى موضوع جدل ونقد من جانب تيارات داخل الليبرالية، ومن التيار الجمَاعاتي تحديدًا.

  1. Ibid., p. 165.
  2. Ibid., p. 123.
  3. Ibid., p. 132.
  4. Ibid., pp. 71–92.

لا تكشف النصوص التي نشرها لارمور إلى حدّ الآن عن اهتمام أو إسهام في نظرية العلمانية، ولعل ذلك مردُّه إلى اهتمامه الشديد بمبدأ الحياد ومعاييره. ولعل ما يجب الإشارة إليه في هذا السياق هو أن لارمور يرى أنه فيما يتعلق بالمعيار الأول، المناقشة العقلانية، من الضروري أن تقتصر على المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا تتعداها إلى المسائل الأخلاقية والميتافيزيقية، مستعينًا في ذلك بما ذهب إليه المفكر الفرنسي ميشيل دو مونتين Montaigne de Michel (1592–1533) الذي أشار في بداية عصر النهضة إلى أنه كلما تحدثنا مع أناس عقلانيين في كل ما يعطي معنى للحياة وقيمة للوجود الإنساني، تعمقت اختلافاتنا44، وأنه إذا كانت المناقشة العقلانية تحيلنا إلى أخلاق المحادثة discussion la de éthique عند هابرماس، فإنها لا تسمح لنا بمعرفة الحدود بين العمومي والخاص، ولا تقدِّم لنا الوسائل الكافية لتسويغ الحياد، في حين أن ما يميّز مبدأ المناقشة العقلانية من أخلاق المحادثة هو الإرادة في تفادي الأفكار الأخلاقية الخلافية من أجل الوصول إلى حلّ، وأن معيار المساواة في الاحترام بين الأشخاص يسمح بمتابعة المناقشة، من دون اللجوء إلى التهديد بالقوة حتى نفرض تصوُّرًا من تصوّرات الحياة الخيِّرة. وفي تقديره، فإن معيار الاحترام يتضمن سمة مميّزة لأشخاص عقلاء، بما أنهم قادرون على التفكير والعمل بناء على معرفتهم بالأسباب. وفي المقابل، فإن على الدولة أن تكون في مستوى يسمح لها بالتوضيح لمواطنيها الأسباب المسوِّغة لإجراءاتها الإكراهية، وهو ما يعني انتصار لارمور للطابع الإجرائي للمعايير الموجِّهة للحياد، وبتصوّر مقيّد restrictive للفضاء العمومي45، غايته ضمان إجماع حول مبادئ الليبرالية السياسية، وعلى رأسها الديمقراطية الليبرالية. غير أن هناك سؤلً ما ينفك يطرح نفسه، أشار إليه كثير من نقاد لارمور، هو: ما الذي تبقّى من قيم الليبرالية في هذه الليبرالية المحايدة، ذات التصوّر المقيّد، خاصة إذا استعدنا تاريخ النظريات الليبرالية، ورفضه لمبدأ الاستقلالية الذاتية عند كانط، والفردانية عند ستيوارت ميل، على سبيل المثال، وكل ذلك من أجل فتح النقاش مع الرومانسيين والجماعاتيّين المناصرين للتقاليد والتراث الخاص، وبكلمة مختصرة: الحياة الخيِّرة؟ ألا تعدّ الليبرالية بالضرورة فلسفة في الإنسان وحريته؟ تؤدي هذه الأسئلة وغيرها إلى طرح سؤال مشروع وهو: ما القيمة المعرفية والفلسفية لمفهوم الفلسفة السياسية عند لارمور؟

ثالثًا: في قيمة المفهوم وحدوده

لا ينكر لارمور النقد الموجه لمفهومه لليبرالية بما هي ليبرالية سياسية محايدة، بما أنه يؤكِّد على طابعها الإجرائي أو الأداتي أو البراغماتي الذي يصلح لتجاوز العقبات والمشكلات التي عرفها تطوُّر المجتمعات الليبرالية المعاصرة، يقول: "الليبرالية السياسية مجرد معيار سياسي، قابل للتطبيق على الأشخاص بوصفهم مواطنين"46. وهذا يعني أن ما يهمه هو تقديم مفهوم للفلسفة السياسية يتفق

  1. Ibid., p. 191.
  2. Ibid., p. 136.
  3. Ibid., p. 140.

والليبرالية السياسية في مواجهتها للمشكلات السياسية والأخلاقية، ومنها النزاع بين التيارين الفرداني والجماعاتي، وما ينجم عنه من فصل بين الفلسفة السياسية وفلسفة الأخلاق، سواء من ناحية البنية المفهومية المتمثِّلة في قيمة العدالة، أو من الناحية التاريخية والسياقية المتمثلة في التراث الفلسفي الأنكلوسكسوني الحديث والمعاصر، ومن ثمة الدفاع عن مفهوم للفلسفة السياسية يتشكل من عناصر الصراع والاختلاف والسلطة والإكراه والشرعية والحياد، وقبل هذا وذلك، من التجربة الاجتماعية. وبهذا المعنى، يمكن القول إنه إذا كان رولز يرى أن العدالة هي الفضيلة الأولى للمؤسسات الاجتماعية، مثلما أن الحقيقة هي الفضيلة الأولى لأنظمة الفكر، فإن لارمور يرى أن الشرعية والحياد هما القيمتان المؤسِّستان للاجتماع السياسي أو للحياة السياسية في النظام الليبرالي. يؤدّي هذا الطرح إلى تفضيل المفهوم الجديد للفلسفة السياسية الحديثة والمعاصرة بما هي فلسفة واقعية تُعنى بالتجربة أو الظرف الإنساني مقارنة بمفهوم ليو شتراوس للفلسفة السياسية الكلاسيكية التي تُعلي من الجانب المعياري، ومن عنصر البحث عن أفضل نظام ممكن47. وسبب هذا التفضيل هو بروز إحدى المسائل المركزية في المجتمعات الحديثة والمعاصرة، وهي مسألة الصراع والاختلاف حول المصالح والقيم في الوقت نفسه، ومن أن وجود الصراع يمنع الفلسفة السياسية من أن تكون قسمًا أو مبحثًا من مباحث فلسفة الأخلاق، خاصة أن بعض مظاهر الصراع يتشكل من عناصر أخلاقية. وبناء عليه، فإن الحل لا يكمن في المشكلة، وإنما في إيجاد أرضية مشتركة تسمح بالخلاف المعقول الذي يكون نتاج النقاش الحر، ترعاه سلطة شرعية عادلة تحظى بقدر أكبر من القبول. من هنا، يمكننا أن نجازف بالقول إنه على الرغم من اختلافه في بعض الجزئيات مع الطرح الواقعي لبرنارد وليامز، مثلً، ومحاولته إيجاد طريق وسط بين النظرة الواقعية والأخلاقية، فإنه ينتصر للمنظور الواقعي في الفلسفة السياسية، إن لم يكن للمنظور البراغماتي كما يذهب إلى ذلك في مفهومه للأخلاق48. وفي تقديري، إن مناقشة هذه المقاربة وتقييمها بقدر من الموضوعية والتحليل النقدي، يستدعيان النظر في ثلاثة معطيات أساسية؛ أولها، السياق الثقافي والفكري الذي تندرج فيه. وثانيها، علاقتها بمفهومه للأخلاق وفلسفته العامة. وثالثها، علاقتها بأشكال العودة التي عرفتها الفلسفة السياسية المعاصرة، ونوعية القضايا التي طرحتها، وذلك على النحو الآتي: 1. تندرج مقاربة لارمور في الفلسفة السياسية ضمن سياق ما اصطلح عليه بعبارة "عودة الفلسفة السياسية" بشكل عام، وعودتها ضمن السياق الفكري الأميركي خاصة. وإذا كان لارمور يربط عودتها وحضورها بما أحدثته نظرية رولز من أثر في المناقشات الفلسفية السياسية، وبالحضور المكثف لفلسفة الأخلاق، فإن ما يجب ملاحظته، أولً، هو عدم وقوفه عند بعض الأسباب التي أدت إلى غيابها، ومنها الصراع الأيديولوجي بين المنظومتين الليبرالية والاشتراكية، وغلبة النظرية الماركسية على المناقشات النظرية، وصعود العلوم الاجتماعية وتغليبها للمنظور العلمي، وسيطرة النزعة الوضعية،

  1. Leo Strauss, Qu’est–ce que la philosophie politique , Olivier Sedeyn (trad.) (Paris: PUF, 1992), p. 17.
  2. Hugues Poltier, "Le pragmatisme: Solution au problème morale de la modernité?" Revue de Théologie et de Philosophie , no. 44 (1994), pp. 353–359.

وغياب الأسئلة السياسية في الفلسفة التحليلية السائدة في البلدان الأنكلوسكسونية وهو الأمر الذي دفع ببيتر لسليت إلى القول عام 1951: "في الوقت الحالي فإن الفلسفة السياسية قد ماتت"49. ثم إن هذه العودة لا تعكس بالضرورة ما توحي به العبارة، والسبب في ذلك هو أنه كان قبل السبعينيات من القرن العشرين، بعض الجهود والإسهامات في الفلسفة السياسية التي لا يمكن تجاهلها. ونعني بذلك جهود ليو شتراوس التي تعود إلى نهاية الخمسينيات والتي استمرت إلى بداية السبعينيات. ورغم طابعها الهامشي داخل المؤسسة الأكاديمية كانت هذه الجهود وراء ظهور تيار سياسي أميركي مؤثِّر داخل المجتمع الأميركي وخارجه، يُعرف باسم "المحافظون الجدد". ولا ينبغي السهو عن أهمية ما قدمته الفيلسوفة حنة آرندت سواء على مستوى تحليلها للشمولية totalitarianism أو مناقشتها لجملة من القضايا المحورية في الفلسفة السياسية، منها خاصةً مسألة السلطة، والحرية، والحقيقة والسياسة وغيرها من القضايا50، رغم ما أثاره موقفها من الفلسفة السياسية من نقاش سواء من جهة إنكارها أو انتصارها لقيام فلسفة سياسية جديدة مختلفة عن تلك التي دعا إليها ليو شتراوس51. 2. ثمة تساؤلٌ حول حقيقة هذه العودة، ومؤداه: هل يتعلق الأمر بعودة الفلسفة السياسية باعتبارها فرعًا فلسفيًا أكاديميًا أم عودة إلى المسائل السياسية. وبالطبع، فإن اختلافًا أساسيًا قائمًا بين التوجّهين؛ يرى التوجّه الأول أن هذه العودة داخلية، وتجري ضمن تاريخ الفلسفة، وذلك بعد انتفاء الظروف الطارئة التي أدت إلى تراجعها أو اختفائها، في حين يرى التوجّه الثاني أن ثمة عودة للقضايا السياسية بعد تفكك الهيمنات الشمولية dominations totalitaires، وأن العودة التي تؤدّي إلى تجدّد الفلسفة السياسية تتجلى في الحاجة إلى النظر في القضايا السياسية لما بعد الشمولية post–totalitaire، وأن على الفلسفة السياسية أن تستعيد دورها في عملية التنوير والتحرّر والانعتاق، ومن ثم يجب عدم الفصل بين نقد أشكال الهيمنة وبين النظرية النقدية التي تمثِّلها مدرسة فرانكفورت52. 3. تتضمن فكرة عودة الفلسفة السياسية، ومنها بالطبع مقاربة لارمور نفسه، موقفًا يعبر عن تراجع العنصر الأيديولوجي لصالح العنصر الفلسفي والمعرفي بعد انتهاء الحرب الباردة، وانهيار المعسكر الاشتراكي، ومن ثم الخروج من الأيديولوجيا الماركسية تحديدًا، على اعتبار أنها أيديولوجيا مهيمنة في مقابل الليبرالية التي يحضر فيها العنصر الأيديولوجي على نحو أقل، وهو ما أَصطلح عليه ب "نهاية الأيديولوجيا". ولكن ما يجب أن نأخذه في الاعتبار، هو أن العنصر الأيديولوجي كان ولا يزال عنصرًا حاضرًا في مجال العلوم الإنسانية، وإنْ كان بدرجات مختلفة وبأشكال متنوّعة، ما دامت الوقائع والقضايا الإنسانية يتداخل فيها البعدان الواقعي والمعياري، والماركسية في عمومها، أو في بعض أشكالها مثل الماركسية التحليلية أو ما بعد الماركسية تشكّل نظرية من نظريات الفلسفة السياسية التي

  1. Peter Laslett (dir.), Philosophy, Politics and Society (New York: Macmillan, 1956), p. VII.
  2. Hannah Arendt, Qu’est–ce que la politique ?, Sylvie Courtine–Denamy (trad.) (Paris: Seuil, 1995), pp. 28–32.
  3. حول مناقشة هوية الفلسفة السياسية بين شتراوس وآرندت، ينظر: Carole Widmaier, Fin de la philosophie politique? Hannah Arendt contre Leo Strauss (Paris: CNRS Éditions, 2012).
  4. Miguel Abensour, "Philosophie politique critique et émancipation?" Politique et Sociétés , vol. 22, no. 3 (2003), p. 122.

لا يمكن إنكارها أو تجاهلها. وفضل عن هذا، فإن أي تأسيس علمي للفلسفة السياسية المعاصرة يحتاج إلى مناقشة القضايا التي طرحتها، خاصة ما تعلق بالصراع، والهيمنة، والعدالة وغيرها من القضايا، وهو ما حتم على لارمور مناقشة آراء كوهين، من دون أن يعطي أهمية لعنصر الأيديولوجيا الذي اعتقد أن الحياد والمناقشة العقلانية يكفيان للحدّ منه، وهو ما يعني أن مسألة العلاقة بين الفلسفة السياسية والمجتمع وثقافته لا تزال مسألة مطروحة على النقاش الفلسفي المعاصر. 4. عرف مبحث الفلسفة السياسية المعاصرة إسهامات ومقاربات متعدّدة منذ ما يُعرف ب "عودة الفلسفة السياسية"، المرتبط بمناقشة نظرية رولز في العدالة التي أسهم فيها لارمور. ولعل ما يسترعي الانتباه في مساهمته هذه هو تأكيده على عناصر تلتقي مع ما يُعرف بالفلسفة الاجتماعية، أكثر من التقائها بمبحث الفلسفة السياسية بمعناها التقليدي الذي يهتم بأفضل نظام سياسي ممكن، كما نقرأه على سبيل المثال لا الحصر عند ليو شتراوس، أو بمعناها المعاصر الذي يركّز على قضية العدالة ويسمى في بعض المؤسسات الأكاديمية الأميركية وغيرها بالفلسفة السياسية والاجتماعية. ويعود السبب في ذلك إلى التوجّه الواقعي الذي يصرّ عليه الفيلسوف لارمور، وتأكيده على أن مسألتي الصراع والإكراه من المسائل المركزية في الفلسفة الاجتماعية، كما تكشف عنها تحليلات مدرسة فرانكفورت بأجيالها المختلفة. وإذا كان صحيحًا أن لارمور لا يقيم حوارًا مباشرًا مع مختلف أعلام هذه المدرسة، فإنه قد ناقش آراء هابرماس في الليبرالية والعدالة، وفي علاقة العقل بالتاريخ في الفلسفة السياسية، ولا يختلف جوهريًا معيار الحوار العقلاني الذي قال به عن أخلاق المحادثة53، وبعض عناصر مفهومه للفلسفة السياسية لا تتعارض مع الفلسفة الاجتماعية، وخاصة ما تعلق بالصراع والإكراه، وتجربة الحياة السياسية، وكذلك بحكم أن أحد مصادر الفلسفة الاجتماعية كما صاغتها مدرسة فرانكفورت، سواء عند الجيل الثاني (هابرماس)، أو عند الجيل الثالث (هونيث)، هو البراغماتية بمعناها اللغوي التداولي pragmatique، أو بمعناها الفلسفي الذرائعي pragmatisme، ونقرأه في كتابات جورج هربرت ميد George Herbert Mead (1931–1863) وجون ديوي. ويعدّ لارمور من المجدّدين لهذا التيار الفلسفي في صورته الأخلاقية والسياسية والفلسفية. 5. مما لا شك فيه أن ثمة قراءات عديدة لميراث الفلسفة البراغماتية، ومنها القراءة التي تعتبرها فلسفة سياسية واجتماعية، ومن أن فلسفة سياسية براغماتية مشروع قابل للإنجاز، ويمتلك مقومات التأسيس، ومنها على وجه التحديد: التعدّدية، وأهمية المنهج، والسياقية التاريخية، ونوع من إبستيمولوجيا البحث épistémologie de l’enquête، والتأكيد على التجريب54. وفي تقديري، إن مقاربة لارمور للفلسفة السياسية تندرج ضمن هذه القراءة للفلسفة البراغماتية التي كشف عنها في دراساته الكثيرة لفلسفة الأخلاق، وبين بعض معالمها في كتابه ما الفلسفة السياسية؟ وقبله في كتابه الحداثة والأخلاق.

  1. Larmore, Modernité et morale , pp. 221–248.
  2. Roberto Frega, Le pragmatisme comme philosophie sociale et politique , Jim Gabaret (trad.) (Paris: Editions Le bord de l’eau, 2015), p. 13.

6. رغم تأكيد لارمور على المجتمع، والصراع الاجتماعي، والإكراه، فإنه لم يهتم في تحليله لهذه القضايا بما تقدِّمه العلوم الاجتماعية والإنسانية من إسهامات علمية ضرورية لفهم المجتمعات الحديثة والمعاصرة، ويطرح مشكلات إبستيمولوجية ليس أقلّها مفهوم المجتمع نفسه، ومكوّناته، وصراعاته أمام المنظور الواقعي والبراغماتي للفلسفة السياسية الذي يفترض أن يهتم أكثر بالجانب الوصفي، وأن لا يكتفي بالجانب المعياري، مثلما تبيّنه دراسته للعلاقة بين القيمي والمعياري55. ويعني ذلك أنه لا ينبغي التقليل من دور المعرفة العلمية في فهم المجتمعات المعاصرة التي تتسم بالتعقيد الشديد، وتحاول الفلسفة الاجتماعية أو الفلسفة السياسية والاجتماعية تحديد المعايير الأساسية الضابطة لنمط اشتغالها. وإذا كان بعض الفلاسفة يرون أن انحسار الفلسفة السياسية يعود إلى هيمنة الأيديولوجيا وغلبة العلوم الاجتماعية، فإن عودتها، في تقديري، يجب ألّ تقلّل من أهمية ما تقدّمه العلوم الإنسانية والاجتماعية في معرفة المجتمع وقضاياه المعقدة، والمتعدّدة، والمتغيّرة، وأنّ البحث البيني interdisciplinary يُعدّ من أفضل السبل للفهم وتجاوز العقبات الكثيرة.

خاتمة

يمكنني القول إنّ مفهوم الفلسفة السياسية عند لارمور، يطرح مسألة الصلة بين المفهوم الفلسفي والتجربة التاريخية. والمقصود بذلك أنه إذا كان الفيلسوف قد فضّل الطرح الواقعي البراغماتي مقاربةً لتجاوز العقبات التي تواجهها التجربة التاريخية الليبرالية للمجتمع الأميركي، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل مفهومه للفلسفة السياسية يرتبط بالتجربة الليبرالية للمجتمع الأميركي فقط أم هو مفهوم فلسفي شامل يصلح لمختلف المجتمعات المعاصرة التي، كما نعلم، ليست كلّها ليبرالية؟ وهل الليبرالية السياسية المحايدة تملك الصلاحية النظرية للإجابة عن الأسئلة التي تطرحها تجارب المجتمعات غير الليبرالية، ما دام يعتبرها نموذجًا إجرائيًا؟ يترتب على هذا السؤال المشروع، طرح سؤال آخر لم يفارق خطاب الفكر العربي الحديث والمعاصر، وهو: ما الذي يمكن أن تقدّمه لنا هذه المقاربة؟ هل تساعدنا على تأسيس فلسفة سياسية في فكرنا العربي المعاصر؟ مهما كانت الإجابة التي نقدّمها عن هذين السؤالين وغيرهما، فإنه يبدو لي أن الانفتاح على التجارب الفلسفية المعاصرة المختلفة أمرٌ ضروري فلسفيًا وثقافيًا، وأن الفصل والوصل بين مختلف المعارف الإنسانية والمباحث الفلسفية أمر مطلوبٌ منهجيًا ومعرفيًا، وإعطاء المجتمع والتجربة التاريخية الأولية يسهم إيجابيًا في معرفتنا الفلسفية، مع ضرورة نقد ما هو قائم من أجل الكشف عمّا يجب أن يكون، وما يمكن أن يكون.

References

المراجع

العربية

اتجاهات معاصرة في فلسفة العدالة: جون رولز نموذجًا. ترجمة فاضل جتكر، صموئيل فريمان (محرر). الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015

  1. Charles Larmore, "Le normatif et l’évaluatif," Philosophiques (Automne 2004), pp. 398–402.

والإرشاد القومي،.1980

ترجمة سمية الجراح. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2015

سناترا،.2013

الأجنبية

برلين، أشعيا. أربع مقالات في الحرية. ترجمة عبد الكريم محفوظ. دمشق: منشورات وزارة الثقافة بغورة، الزواوي. "الفلسفة الاجتماعية: بحث في مفهومها ونظريتها وعلاقاتها". تبيّن. مج  8. العدد 30 بوبر، كارل. بحثًا عن عالم أفضل. ترجمة أحمد مستجير. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، بيديه، جاك وأوستاش كوفيلاكيس (تحرير). معجم ماركس المعاصر: دراسات في الفكر الماركسي. دووركين، رونالد. أخذ الحقوق على محمل الجد. ترجمة منير الكشو. تونس: المركز الوطني للترجمة، لوني، مارك. مدخل إلى الفلسفة المعاصرة. ترجمة الزواوي بغورة. بيروت: دار الوافد الثقافية–ناشرون،

Abensour, Miguel. "Philosophie politique critique et émancipation?" Politique et

Sociétés. vol. 22, no. 3 (2003).

Arendt, Hannah. Qu’est–ce que la politique ? Sylvie Courtine–Denamy (trad.). Paris:

Seuil, 1995.

Frega, Roberto. Le pragmatisme comme philosophie sociale et politique. Jim Gabaret

(trad.). Paris: Editions Le bord de l’eau, 2015.

Honneth, Axel. Le droit de la liberté, Esquisse d’une éthicité démocratique. Joly et

Pierre Ruch (trad.). Paris: Gallimard, 2015.

Lacroix, Justine. Communautarisme Versus libéralisme: Quel modèle d’intégration.

Bruxelles: Editions de l’Université de Bruxelles, 2003.

Larmore, Charles. What Is Political Philosophy? Oxford: Princeton University Press,

_______. "Le concept de bien." Les ateliers de l’éthique/ The Ethics Forum. no. 14

_______. "Qu’est–ce que la philosophie politique?" Phare. no. 10 (2010).

_______. The Autonomy of Morality. Cambridge: Cambridge University Press, 2008.

_______. "Le normatif et l’évaluatif." Philosophiques (Automne 2004).

_______. The Morales of Modernity. Cambridge: Cambridge University Press, 1996.

_______. Modernité et morale. Paris: PUF, 1993.

_______. Patterns of Moral Complexity. Cambridge: Cambridge University Press,

Laslett, Peter (dir.). Philosophy, Politics and Society. New York: Macmillan, 1956.

Poltier, Hugues. "Le pragmatisme: Solution au problème morale de la modernité?"

Strauss, Leo. Qu’est–ce que la philosophie plolitique. Olivier Sedeyn (trad.). Paris:

Taylor, Charles. Sources of the Self, The Making of the Modern Identity. Cambridge –

Widmaier, Carole. Fin de la philosophie politique? Hannah Arendt contre Leo Strauss.

Williams, Bernard. In the Beginning Was the Deed: Realism and Moralism in Political

Revue de Théologie et de Philosophie. no. 44 (1994).

PUF, 1992.

Massachusetts: Harvard University Press, 1989.

Paris: CNRS Éditions, 2012.

Argument. Princeton: Princeton University Press, 2009.