Return to Article Details The Problem of Citizenship and Cultural Identity between Habermas and Nassar: Comparative Study of European and Lebanese Realities

إشكالية المواطنة والهوية الثقافية بين هابرماس ونصار: دراسة مقارنة بين الواقع الأوروبي والواقع اللبناني

The Problem of Citizenship and Cultural Identity between Habermas and Nassar: Comparative Study of European and Lebanese Realities

عبد الرحمن الشولي

Abdalrahman Al Sholi

الملخّص

اتخذت إشكالية المواطنة أبعادًا مختلفة في الفلسفة السياسية المعاصرة، واقترنت بقضية الهوية الثقافية التي تحدد انتماء المواطن في الدول الديمقراطية، والتي تقف طرفًا مقابلًا لما تواجهه هذه الدول من تحديات العولمة والحداثة. ورغم اختلاف معالجة الإشكالية بين الفكرَين الغربي والعربي، وجدنا مجالات رئيسة يمكن الاستناد إليها لعقد مقارنة بين طبيعة تناول يورغن هابرماس لها وفق الواقع الأوروبي، وطبيعة تناول ناصيف نصار لها وفق الواقع اللبناني. بناء عليه، تسعى الورقة إلى تبي ا ن نقاط الالتقاء والاختلاف في نظرية المواطنة لدى الفيلسوفَين ، وتحليل مدى إمكانية عقد مقاربة بين ما حققه الاتحاد الأوروبي من فكرة المواطنة، وما ينبغي تحقيقه في المجتمع اللبناني منها.

Abstract

Abstract: In contemporary political philosophy, the problem of citizenship has commonly been associated with national identity. In a context of globalization and the expansion of modernity, national identity became the basis for claims of patriotism and resistance to the challenges posed by this globalization in many democracies. Despite key differences in their approaches and the prevailing context in which they produce ideas, this paper identifies several similarities in their perspectives of citizenship and cultural identity. Therefore, the study looks for points of convergence and divergence in addressing the problem of citizenship and assesses EU achievements in the matter, and explores the potential of applying these to the Lebanese reality.

الكلمات المفتاحية:
  • المواطنة السياسية
  • الهوية القومية
  • التعددية الثقافية
  • يورغن هابرماس
  • ناصيف نصار
  • المواطنة العالمية
  • الدولة الديمقراطية
Keywords:
  • Political Citizenship
  • National Identity
  • Multiculturalism
  • Habermas
  • Nassar
  • Global Citizenship
  • the Democratic State

بقضية الهوية الثقافية التي تحدد انتماء المواطن في الدول الديمقراطية، والتي تقف طرفًا مقابلً

لما تواجهه هذه الدول من تحديات العولمة والحداثة. ورغم اخت ف معالجة الإشكالية بين

الفكرَين الغربي والعربي، وجدنا مجالات رئيسة يمكن الاستناد إليها لعقد مقارنة بين طبيعة تناول

يورغن هابرماس لها وفق الواقع الأوروبي، وطبيعة تناول ناصيف نصار لها وفق الواقع اللبناني.

بناء عليه، تسعى الدراسة إلى تبيان نقاط الالتقاء والاختلاف في نظرية المواطنة لدى الفيلسوفَين،

وتحليل مدى إمكانية عقد مقاربة بين ما حققه الاتحاد الأوروبي من فكرة المواطنة، وما ينبغي

تحقيقه في المجتمع اللبناني منها.

ناصيف نصار، المواطنة العالمية، الدولة الديمقراطية.

الجامعة اللبنانية.

Professor of Arabic at the Arab International Academy in Doha. He holds a PhD in educational and political philosophy at the Lebanese University. abdalrahman.alsholi@gmail.com

مقدمة

لعل الحديث عن العدالة بمختلف وجهات تناولها – منذ أن بحث أفلاطون ماهيتها في "جمهوريته"، إلى أن قعّد جون رولز Rawls John (2002–1921) أسس مأسستها في "نظريته" – لم يعد كافيًا للبحث في حقيقة الواقع السياسي والاجتماعي في الدول الغربية والعربية على

حد سواء، في ظل التحولات الفكرية التي يشهدها عصرنا؛ عصر العولمة والحداثة غير المكتملة. فقد أظهر قلق المواطنين تجاه دولة الرفاه بعد أن تفاقمت ظاهرة التعدد الثقافي إثر لجوء نسبة مرتفعة من ساكني الدول النامية إليها، فضلً عن الفشل الذي هدد دولة الحق إثر جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–) وعجز السلطة عن إرغام المواطنين على البقاء في منازلهم؛ أن ديمومة الدولة ليست متعلقة بعدالة قوانينها ومؤسساتها، بقدر تعلقها بمواقف مواطنيها حيالها وبخصوصية هوياتهم الثقافية. إذا أضفنا إلى ذلك أن الفجوة بين طرفي النظريات السياسية الحديثة والمعاصرة؛ الحرية والمساواة، قد ازدادت حدتها، ولا سيما بين تيار الفردانية الليبرالية الذي يمنح الفرد حرية واسعة النطاق ضمن المؤسسة والمجتمع والسوق، وتيار الجماعاتية الداعي إلى إعارة الأهمية إلى الانتماء إلى جماعة سياسية وتحديد هوية وطنية ضمن حدود الدولة. بدت المواطنة حًّلًّ توفيقيًّا يخفف من حدة الفجوة

بين حرية المواطن الفردية وهويته الوطنية الجماعية. وهذا ما جعل البحث في المواطنة مشغلة الفكر السياسي منذ العقد الأخير من القرن العشرين، أو كما يقول كيملشكا: "بداية من سنة 1990، أصبحت المواطنة الكلمة الشائعة بين المفكرين من كامل ألوان الطيف السياسي". رغم الأهمية التي حازتها المواطنة في الفكر السياسي المعاصر، فإننا لا نعثر إلا على عدد قليل من الأبحاث والمؤلفات التي عُنيَت بمسألة المواطنة في حد ذاتها، ونجدها مطروحة هنا أو هناك في فصل

من كتاب أو في جزء من مقال أو في سطور قليلة عابرة ضمن كلام عام حول مبحث آخر من المباحث السياسية المتصلة بالمواطنة. ورغم أن المواطنة كانت بمنزلة النظرية الحلّ للخلاف السياسي البارز بين الليبرالية والجماعاتية، لم تخلُ من إشكاليات وتساؤلات تضعها طرفًا مقابلً للهوية الثقافية التي تحدد انتماء مجموعة سياسية أو دينية داخل المجتمع الواحد. ما من شك في أن واقع المواطنة في الدول الغربية مختلف كثيرًا عن واقعها في الدول العربية عامة من

نواحٍ عدة، تحددها طبيعة الأنظمة السياسية في المنطقة، غير أن تشابهًا يُذكَر بين بنية المجتمعين، حيث الديمقراطية المشرعة للمواطنة سيدة الموقف في المنطقتين، من الناحية النظرية على الأقل، مع مراعاة نجاحها النسبي في الواقع الأوروبي وإخفاقها العام في الواقع العربي عامة وفي الواقع اللبناني خاصة. ورغم ذلك، لم تتجاوز المجتمعات الأوروبية جميع التحديات التي تواجهها فكرة المواطنة وما زالت تعاني بعض المشكلات، ومن هنا يجوز لنا مقارنتها بتلك التي يعانيها المجتمع اللبناني. وفي معالجة كل من الألماني يورغن هابرماس Jürgen Habermas) (لمشكلات المواطنة في المجتمع الأوروبي، واللبناني ناصيف نصّار لتحديات المواطنة في المجتمع اللبناني، لاحظنا تطابقًا في الرؤى

(((وِيل كيملشكا، مدخل إلى الفلسفة السياسية المعاصرة، ترجمة منير الكشو (تونس: المركز الوطني للترجمة، 2010)، ص.355

أحيانًا واختلافًا أحيانًا أخرى، إما بسبب اختلاف الواقع السياسي للمنطقة التي ينتمي إليها كل منهما، وإما لاختلاف منظومتَيها الفلسفية والفكرية. فمثلما سعى هابرماس إلى تأسيس نظرية في المواطنة تخلّص الدول الأوروبية من الأزمات السياسية التي واجهتها في السنوات الأخيرة، سعى نصار المسعى ذاته فيما يتعلق بالدولة اللبنانية. تحاول هذه الدراسة أن تقارب بين نظريتين في المواطنة؛ إحداهما مؤسسة وفق واقع سياسي غربي، والأخرى وفق واقع سياسي عربي، وأن تقارن بين مشروعَي هابرماس ونصار، وأن تفحص مدى نجاعة مشروعيهما في معالجة إشكالية المواطنة في مواجهة أزمة الهوية الثقافية في المجتمعين الأوروبي واللبناني. بناءً على ذلك، نتناول في القسم الأول مفهوم المواطنة وطبيعتها السياسية عند هابرماس

ونصار، وكيفية معالجتهما مشكلة التعدد الثقافي في ضوء ذلك. ثم نعرض في القسم الثاني ما تواجهه هوية المواطن الثقافية في المجتمع الديمقراطي من تحديات الحداثة والعولمة، والتي تقتضي تجاوز الولاءات القومية في أوروبا والانتماءات الطائفية في لبنان. ونختم الدراسة بقسم ثالث يتحدث عن قضية المواطنة العالمية التي دعا إليها هابرماس منطلقًا من واقع الاتحاد الأوروبي، ورفضها نصار ناظرًا

إليها على أنها تهديد للسيادة الوطنية، داعيًا إلى وحدة الوطن وإقامة علاقات دولية قائمة على المساواة

السياسية التي تحفظ كيان الدول الضعيفة، مثل لبنان.

أولا: بين المواطنة السياسية والتعددية الثقافية

اتخذ مفهوم المواطنة قبل القرن الماضي معنى الانتماء إلى ثقافة واحدة في مجتمع واحد؛ أي معنى الاندماج في قومية يتشارك أفرادها اللغة ذاتها والذاكرة التاريخية نفسها، ثم توسع في العصر الحديث ليشمل منظومة الحقوق والحريات التي ينالها مواطنون مختلفو الثقافة في الدول الديمقراطية. يقول هابرماس: "لا يستعمل اليوم تعبير المواطنة لوصف العضوية في منظمة رسمية، بل لوصف الوضع الذي يحدد من حيث المضمون بواسطة الحقوق والواجبات التي لمواطني الدولة [...] وتشكل مسألة التنظيم الذاتي للجماعة القانونية النقطة المرجعية التي يعود إليها الفهم الجمهوري، طالما أن حقوق التواصل والمشاركة السياسية هي نواة المواطنة". يحدد هابرماس المواطنة بالحقوق التي تمنحها الدولة لكل مواطن من مواطنيها، ويجعل من حق المشاركة السياسية وفق نظام جمهوري، رأس الحقوق كلها وبنية المواطنة وأساسها؛ إذ يصنف الحقوق إلى ثلاثة: حريات فردية، وحقوق اجتماعية، ومشاركة سياسية. وهو تصنيف دارج لما أنتجته لوائح حقوق الإنسان بالتتابع، ولكن هابرماس يربط المواطنة بالمشاركة السياسية فقط، بحيث يعتبرها الوحيدة بين سائر الحقوق التي تمس حقيقة المواطنة وجوهرها. فهي التي تقرر الحالة القانونية لأي فرد داخل أي دولة؛ إذ لا يكون مواطنًا إلا باكتسابه الحق في أن يشرعن النظام السياسي وأن يقرر مصيره بحرية. أما بقية الحقوق فهي لا تمنح المواطن صفته، فالحريات الفردية محصَّلة لدى الإنسان

(((يورغن هابرماس، الحداثة وخطابها السياسي، ترجمة جورج تامر، مراجعة جورج كتورة (بيروت: دار النهار، 2002)، ص.189

من حيث هو إنسان قبل اكتسابه صفة المواطنة في بلد ما تقوم الدولة بحمايتها من خلال القوانين والمؤسسات وضمان استخدامها من خلال تكريس الحقوق الاجتماعية التي هي مجمل الخدمات التي تقدمها الدول الديمقراطية وغيرها، مثل التعليم والصحة، ف "ما من شيء يرسخ الوضع القانوني الذي يستمد مرجعيته من ذاته، وهو وضع المواطن، إلا الحقوق السياسية، أما الحقوق الفردية فهي حقوق سلبية، والحقوق الاجتماعية فيمكن أن تُمنَح بشكل أبوي". إن اهتمام هابرماس بحق المشاركة السياسية في معرض حديثه عن المواطنة يقوده إلى اعتبار النظام الجمهوري المؤسس وفق قانون الانتخابات التشريعية النظام المؤهل لبناء مواطنة حقّة. وهنا نسأل: إذا كان الحق السياسي الذي يمنح المواطن القدرة على "شرعنة" السلطة؛ أي منحها المشروعية، هو ما يجعل من المواطن مواطنًا في الدولة الديمقراطية، فمن هم المواطنون القادرون على منح الشرعية للسلطة؟ هل هم الأفراد المنتمون إلى ثقافة الدولة والناطقون بلغتها والحاملون ذاكرتها التاريخية؟ أم هم الأفراد الذين وُلدوا في المنطقة الجغرافية للدولة وعاشوا فيها؟ ما شأن الوافدين إليها من مناطق أخرى والمنتمين إلى ثقافات مغايرة؟ هل لأولئك حق المشاركة السياسية وحق المواطنة؟ قد تبدو إجابة هابرماس واضحة فيما يتصل بالحقوق السياسية للمواطنين ذوي الثقافات المختلفة والمتعددة، فهو يصرح بضرورة منحهم تلك الحقوق مع استبعاده جميع الحالات القومية قبل السياسية من مفهوم المواطنة، وإحالته المفهوم إلى منظومة الحقوق والواجبات في النظام الجمهوري للدولة الديمقراطية. يقول في ذلك: "ينفصل الجزء الجمهوري من المواطنة تمامًا عن الانتماء إلى جماعة ما قبل سياسية مندمجة بواسطة الأصل والتقليد المشترك واللغة المشتركة". فهو ينفي أن تكون المواطنة محصورة بمجموعة من الأفراد الذين تربطهم ثقافة واحدة وفق مفهوم قومي؛ لأن ذلك يدخل ضمن الحريات القومية لجماعة ثقافية، ولا يعبر البتة عن الحريات التي تمنحها المواطنة للمواطنين، ف "لا تتساوى الحرية القومية بحرية المواطنين السياسية داخل الدولة. ولهذا تمكن الفهم الحديث لهذه الحرية الجمهورية أن ينفصل عن حضن الوعي القومي للحرية [...] فالمواطنة كانت بحسب المفهوم مستقلة دومًا عن الهوية". يحيلنا إقرار هابرماس باستقلالية المواطنة السياسية عن هوية المواطنين الثقافية إلى بحث موقفه من مسألة التعدد الثقافي في الدولة الديمقراطية من حيث حقهم على الدولة في حماية ثقافاتهم ورعايتها، والذي يبدو متقلبًا أو غامضًا إلى حد ما، مقارنة بوضوح موقفه من ضرورة منح المواطنين المختلفين

ثقافيًا حق المشاركة السياسية. كان الاختلاف بين الليبراليين والجماعاتيين حول قضية التعدد الثقافي

(((ينظر: علي عبود المحمداوي، الإشكالية السياسية للحداثة: من فلسفة الذات إلى فلسفة التواصل، هابرماس أنموذجًا (الرباط:

دار الأمان؛ الجزائر: منشورات الاختلاف، 2011)، ص.292 (((هابرماس، الحداثة وخطابها السياسي، ص. 196 (((المرجع نفسه، ص.187 (((المرجع نفسه، ص.188 (((نوضح ذلك في القسم الثالث من الدراسة إثر الحديث عن المواطنة العالمية التي دعا إليها هابرماس في كتاباته الأخيرة.

قائمًا في أساسه على كيفية تعامل الدولة الديمقراطية مع مختلف تصورات الخير لدى مواطنيها؛ إذ يؤمن الليبراليون بأن الثقافة تنضوي ضمن الحرية الفردية وليس من مسؤولية الدولة التدخل في رعاية الثقافات المختلفة أو حمايتها داخل مجتمع ما، في حين يذهب الجماعاتيون إلى القول بضرورة تكفل الدولة بالدفاع عن ثقافة كل مواطن داخلها، ولا سيما فيما يتصل بدعم بعض العناصر والمناسبات الثقافية التي يعجز الأفراد عن إحيائها بمفردهم. ففي الوقت الذي يقضي فيه الليبراليون بحيادية الدولة في شأن الممارسات الثقافية المختلفة، يؤكد الجماعاتيون واجب مساندة الدولة ودعمها الممارسات الثقافية الخاصة بكل جماعة، وضرورة إلزامها الأقليات الثقافية باتخاذ ما من شأنه المحافظة على هوياتهم الخاصة. يحاول هابرماس أن يقف موقفًا وسطًا بين الفريقين، فهو يوافق الليبراليين القول بضرورة اتخاذ الدولة موقفًا محايدًا تجاه الممارسات الثقافية، ولكنه يذهب مذهب الجماعاتيين إلى ضرورة احترام الدولة للثقافات المتعددة وحماية كرامة أصحابها، بل يتجاوز هابرماس الموقفين مؤكدًا ضرورة إرساء سياسة اعتراف، تجنبًا لحصول أي خلافات بين المجموعات الثقافية داخل المجتمع الواحد؛

إذ "يتطلب تأسيس مواطنة متعددة حضاريًا سياسات وتنظيمات تهز القاعدة الوطنية للتضامن بين مواطني الدولة، وقد صارت هذه القاعدة طبيعة ثانية، وقد صار من الضروري في المجتمعات المتعددة حضاريًا تطوير سياسة اعتراف، لأن هوية كل من المواطنين منسوجة بهويات جماعية، وتعتمد على ترسيخ الاعتراف المتبادل في شبكة واحدة". يقترن هذا الاعتراف الذي قدمه هابرماس لحفظ التعدد الثقافي بمبدأ الاحتواء الذي يتخطى من خلاله احتمالية تهديد ثقافة الأغلبية بتهميش ثقافة الأقليات؛ الأمر الذي يؤدي إلى ذوبان الثقافات الوافدة حديثًا في الثقافة السائدة. والاحتواء – بتعبير هابرماس – يعني أن الكيان السياسي ينفتح أمام ضم المواطنين، من أي أصل كانوا، من دون تغييب هويتهم أو إدماجهم في ثقافة الشعب ذي النمط الواحد. وكأن هابرماس أراد بذلك الإقرار بوجود ثقافة داخلية أصيلة ومسيطرة على سائر الثقافات الأخرى الآتية من الخارج، مشيرًا إلى أهمية احتوائها ضمن سياسة

الاعتراف، وإلى خطورة إلغائها الثقافات بدمجها في نمطها الثقافي السائد والأصيل. من هنا، نجد أن هابرماس لم يعتبر المواطنة والاختلافات الثقافية أمرين متضادين، بل متكاملين، فقد "تعامل مع قضية التعدد الثقافي تعاملً سياسيًا، أي خاضعًا لمساطر التدبير التشاوري للمجتمع

والدولة، ذلك التدبير الذي يروم تحقيق توافقات متوازنة كلما اختل ميزان القوى بين الثقافات".

(((للتوسع في ذلك، ينظر: كيملشكا. (((للتوسع في ذلك، ينظر: عبد العزيز ركح، ما بعد الدولة – الأمة عند يورغن هابرماس (الرباط: دار الأمان؛ الجزائر: منشورات الاختلاف، 2011)، ص.170–161 (1((هابرماس، الحداثة وخطابها السياسي، ص. 137 ((1(المرجع نفسه. (1((محمد سبيلا [وآخرون]، يورغن هابرماس: العقلانية التواصلية في ظل الرهان الاتيقي في نقد العلموي والديني والسياسي، إشراف وتحرير علي عبود المحمداوي والناصر عبد اللاوي (الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ بيروت: دار الروافد الثقافية – ناشرون، 2013)، ص 152.

يعني ذلك أنه نظر إلى المواطنة نظرة سياسية بحتة، يعترف من خلالها بحقوق المواطنة الكاملة لأي مواطن في ظل النظام الجمهوري الديمقراطي، مهما كانت خلفيته الثقافية. فكل المواطنين – من أي ثقافة كانوا ومن أي منطقة انحدروا – متساوون في الحقوق، كما أنهم أحرار في عقد الحوارات التشاورية والنقاشات السياسية الآيلة إلى تحقيق مصلحة المجتمع الحاوي تعدديتهم الثقافية، وإلى تحقيق مصلحة الدولة المعترفة بمواطنيتهم. ولا شك في أن هذا المفهوم للمواطنة المتصالح مع التعدد الثقافي عند هابرماس يعكس– بوجه أو بآخر – واقع الدول الأوروبية عامة التي نشأ هابرماس في أحد مجتمعاتها التي استوعبت أعداد اللاجئين والمهاجرين إليها، ومنحتهم صفة المواطنة وفق أنظمتها السياسية ومبادئها القانونية. نعثر على ملامح المواطنة التي تناولها هابرماس في الفكر السياسي عند ناصيف نصار الذي يعتبر – انطلاقًا من دراسته الواقع السياسي اللبناني – أن المواطنة مفهوم يحتوي على كل العناصر المشتركة التي تتجاوز الاختلافات الدينية والطائفية في المجتمع الديمقراطي، كما هو مفهوم لكل ما يتجاوز الاختلافات السياسية الأيديولوجية في الدولة الديمقراطية. فيكون المواطن مواطنًا بما يتحلى به من انتماء وطني وحق سياسي يؤهله للانخراط في الشؤون المدنية والسياسية. إننا لنجد حقيقة المواطنة واضحة المعالم لديه في كتابه التنبيهات والحقيقة، يقول فيه: "لكل مواطن في الدولة الديمقراطية الحق في التفكير في الشؤون العمومية التي تعينه بصورة مباشرة أو غير مباشرة [...] يترتب على هذا الحق ثلاث نتائج تحكم سياسة الحقيقة السياسية في الديمقراطية: التعددية التفاعلية، وتكون الرأي المشترك، وامتناع ارتباط الدولة في ذاتها وعلى نحو مطلق بأي أيديولوجية مانعة لكل نقاش حولها. وهذا ما نعنيه بالتعدد الأيديولوجي وضرورة استثماره". تذكرنا هذه النتائج الثلاث بالمفاصل الأساسية التي بنى هابرماس عليها حقيقة المواطنة، بحيث يمكن المقاربة بين التعددية التفاعلية عند نصار والتعددية الثقافية التي تلزم عقد الحوارات التواصلية والتشاورية عند هابرماس، وبين تكون الرأي المشترك عند الأول والاتفاق الذي يبرمه المواطنون إثر ممارسة الفعل التواصلي عند الثاني، وبين امتناع ارتباط الدولة بأي أيديولوجيا عند الأول، وضرورة اعتراف الدولة بمختلف الثقافات واحتوائها وحماية كرامتها عند الثاني. غير أن التعدد الذي أشار إليه نصار في معرض حديثه عن المواطنة لم يسمه تعددًا ثقافيًا، بل أسماه تعددًا أيديولوجيًّا. ومردُّ ذلك إلى

أمرين؛ أما الأول فيتمثل في أن الأزمة التي تواجهها المواطنة في لبنان تكمن في الاختلافات الدينية

((1(على الرغم من ندرة إحالات نصار إلى كتابات هابرماس، نرجح اطلاعه على أعماله، بل نعتقد أن لديه تأثرًا ببعض جوانب

فلسفته السياسية؛ إذ نجد توافقًا نسبيًا بين الرجلين إثر حديثهما عن مكونات المجتمع الديمقراطي (قارن بين حديث هابرماس عن

الديمقراطية في كتابه الحداثة وخطابها السياسي، وحديث نصار عنها في كتابه التنبيهات والحقيقة)، كما نجد أن مبدأ اقتران التواصل

بالاختلاف الذي انطلق منه هابرماس لتأسيس نظرية في التواصل في كتابه نظرية الفعل التواصلي، هو المبدأ الذي عقد نصار وفقه

محاججته لإثبات كونية الفلسفة في كتابه الإشارات والمسالك؛ إذ اعتبر أن الاختلاف شرط التواصل. في المقابل، تؤكد معارضة

نصار لرأي هابرماس في مشروع الحداثة في كتابه باب الحرية، أنه اطلع على فلسفته وآرائه؛ إذ لا يمكن لنصار معارضة فكر هابرماس في ذلك لو لم يكن قد اطلع عليه. (1((ناصيف نصار، التنبيهات والحقيقة: مقالات إضافية حول الفلسفة والديموقراطية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2019)، ص.42

والطائفية التي تحولت إلى اختلافات أيديولوجية في المجتمع والدولة، وليست أزمة اختلافات ثقافية كما الحال في المجتمعات والدول الأوروبية. أما الأمر الثاني فهو المنطلق الليبرالي الذي ينتمي إليه نصار في فلسفته السياسية، ففي الوقت الذي أسس فيه هابرماس مشروعه في المواطنة على قاعدة توفيقية بين الليبرالية والجماعاتية، أقام نصار مشروعه وفق الفلسفة الليبرالية التي تؤمن بحرية الفرد المطلقة في انتمائه الطائفي وفي ممارساته الثقافية، ولكنها لا تؤمن بضرورة دعم الدولة الديمقراطية لتلك الممارسات. من أجل ذلك ارتبط كلام نصار عن المواطنة بكلامه عن الانتماء الديني والتعدد الطائفي، فيقول – مثلً – إثر تعريفه المواطنين في الدولة الديمقراطية: "أفراد الشعب في الدولة الديمقراطية مواطنون بمسؤولية كاملة، وليسوا رعايا، وكذلك ليسوا جماعة مؤمنين دينيًا. فهم متساوون باعتبارهم مواطنين، بصرف النظر عن إيمانهم الديني أو انتمائهم الطائفي". يشير بذلك إلى أن صفة المواطنة لا تُكتَسب بانتماء ديني أو ولاء طائفي داخل الوطن؛ لأن مثل هذا النوع من الانتماء والولاء يمنح الفرد هويته القومية أو الأيديولوجية بمعنى أدق، لا هويته الوطنية التي تقتضيها حقيقة المواطنة السياسية. ويبدو أن غياب هذه الأخيرة عن المجتمع والدولة ينزع منهما شرطًا رئيسًا من شروط قيام المجتمع الديمقراطي والدولة الديمقراطية؛ إذ يؤمن نصار أن "الوطنية من الشروط الأساسية لقيام الديمقراطية، لأنها تحدد الانتماء الأساسي الوحيد الذي يوحد أفراد الشعب وجماعاته توحيدًا شاملً، لتحقيق السيادة الشعبية والمساواة بين المواطنين ومنظومة الحريات العامة. ففي الوطنية، الانتماء إلى الأرض ليس محض انتماء جغرافي وإنما انتماء اجتماعي سياسي [...] فليست المسألة علاقة رومنطيقية أو صوفية بمنطقة من الأرض وسكانها، كما أنها ليست مسألة علاقة اقتصادية يحكمها تطور السوق الرأسمالية في العالم، وإنما هي مسألة الأساس الموضوعي الصلب لبنيان الدولة الديمقراطية ووحدتها. وهي مسألة المجتمع الوطني والهوية الوطنية والتضامن الوطني والمصلحة الوطنية والاقتصاد الوطني والتربية الوطنية والرموز الوطنية والثروة الوطنية والتراث الوطني والمؤسسات الوطنية والروح الوطنية والذاكرة الوطنية، وفي المحصلة الدولة الوطنية التي يتقدم الانتماء إليها على أي انتماء اجتماعي سياسي آخر عند أعضائها". ومقارنة بالواقع اللبناني تبدو المسافة بعيدة بين ما يقوله نصار عن المواطنة التي يريدها ويعتبرها واجهة النظام الديمقراطي والواقع الذي يعيشه في لبنان، فإن كانت الدولة اللبنانية تنعت نفسها بالديمقراطية، فهي – بحسب نصار – ما زالت بعيدة عن هذا النعت، حيث إنها "لا تقف من المواطنين وحقوقهم وواجباتهم موقف الدولة الوطنية بالمعنى التام، وعلى أنها تعترف بثنائية الانتماء والولاء في كيان المواطن اللبناني، فلا تسعى إلى تربيته تربية وطنية وتربية مواطنية بقدر سعيها إلى تربيته

((1(المرجع نفسه، ص.37 ((1(المرجع نفسه، ص.135

تربية طائفية". فولاء المواطن اللبناني هو ولاء طائفي وليس وطنيًا؛ لأنه تربى منذ نشأته على حب

الطائفة التي ينتمي إليها أكثر من حبه للوطن الذي يعيش فيه، وعلى تبعيته للحزب السياسي الذي يؤيده والزعيم الذي يسانده أكثر من تبعيته للوطن، فينشأ جيل طائفي أيديولوجي يعمل لأجل مصلحة الطائفة، لا جيل وطني يعمل لأجل مصلحة الوطن؛ لذلك نجد وطنيات طائفية في لبنان تحتل مكان الوطنية الواحدة الموحدة، فثمة "وطنية لبنانية مارونية، ووطنية لبنانية سنية، ونشأت مؤخرًا وطنية لبنانية

شيعية تتميز منهما. ولكل من هذه الوطنيات تفسيره المختلف لتاريخ لبنان وحاضره، ويحمل ذاكرة مختلفة". المواطنة في لبنان، إذًا، مواطنة مشوهة بالنزعات الطائفية والأيديولوجيات الاجتماعية والسياسية، ولا يمكن تخليص المواطنة من براثن الاختلافات الدينية – كما يعتقد نصار – إلا بإقامة مجتمع مدني ودولة علمانية. فلا تتحقق مواطنة المواطن اللبناني من دون إعادة حقوقه على الصعيد الإداري (نيل الوظائف الإدارية في الدولة على أساس الكفاءة لا الطائفة)، وعلى صعيد الأحوال الشخصية (الزواج المدني بين أبناء الطوائف وحرية المعتقد القاضي باختيار الدين وتغييره)، ذلك أن منح المواطن اللبناني هذين الحقين يؤدي إلى منحه الحق السياسي في الانتخابات. يتبين لنا من ذلك أن نصار يلتقي مع هابرماس في اعتبار الحق السياسي أساس المواطنة، ولكن في حين جعل هابرماس الحقوق المدنية والاجتماعية حقوقًا بديهية يستطيع الإنسان أن يحصلها في الدول الديمقراطية وغير الديمقراطية، جعل نصار الحق السياسي نتيجة بَعدية، لا يمكن للمواطن أن ينالها في

الدولة الديمقراطية إلا بعد نيله حقوقه المدنية. وتعليل ذلك أن المواطن في الدول الأوروبية حاصل أصلً على حقوقه المدنية والاجتماعية، فلا مجال لهابرماس للبحث في مدى توافرها، وإنما قضية المواطنة في تلك المنطقة ترتكز ارتكازًا على حق المشاركة السياسية، أما المواطن في لبنان فلمّا

يحصِّل حقوقه المدنية والاجتماعية. بناء على ذلك اقتصر حديث نصار على الحقوق السياسية التي

لا يمكن تقعيدها قبل الحقوق الأولية التي لا تعد حقوق مواطن في دولة ديمقراطية، وإنما حقوق إنسان يُعترف بها في أي منطقة من العالم تتوافر فيها المواصفات التي تجيز إطلاق تعبير "دولة" عليها. يبدو أن كًّلًّ من هابرماس ونصار قد التقيا في تأطير مفهوم المواطنة من حيث علاقتها بالاختلافات المتعددة في المجتمع، سواءً أكانت اختلافات ثقافية أم اختلافات طائفية أيديولوجية، كما اتفقا من

حيث الاهتمام بالحقوق السياسية أساسًا رئيسًا لقيام المواطنة. فنجد أن ثمة توافقًا نظريًّا بين الفيلسوفين

في تصورهما للمواطنة، بحيث اقترنت لديهما بمدى توافر الحقوق السياسية التي تتمتع بها جميع

(1((ناصيف نصار، في التربية والسياسة: متى يصير الفرد في الدول العربية مواطنًا؟ (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2000)، ص.38 (1((عزمي بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.77–76 ((1(للاطلاع على آراء نصار في كيفية تأسيس مجتمع مدني وخطوات تحول الدولة الطائفية إلى دولة علمانية، ينظر: ناصيف

نصار، نحو مجتمع جديد: مقدمات أساسية في نقد المجتمع الطائفي، ط  3 (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1977)؛ نصار، في

التربية والسياسة: متى يصير الفرد في الدول العربية مواطنًا؟

الفئات الثقافية المختلفة في المجتمع، ذلك أن التعدد الطائفي الذي اشترط نصار على المواطنة السياسية احتواءه، هو التعدد الثقافي الذي اشترط هابرماس على المواطنة السياسية احتواءه أيضًا، فما الفكر الطائفي إلا ثقافة قومية تميز مجموعة من الناس من غيرهم. وقد دفع وجود التعدد الثقافي في المجتمعين الفيلسوفين إلى إقران المواطنة بمبدأ المساواة، فمثلما اشترط هابرماس منح الحقوق السياسية وما يترتب عليها من حريات لجميع الموطنين بالتساوي، اشترط نصار إقصاء الامتيازات السياسية التي تنالها بعض الطوائف دون بعضها الآخر في الوطن الواحد، من أجل تحقيق المساواة المدنية والسياسية التي تمنح جميع المواطنين الحقوق السياسية ذاتها. وإضافة إلى ذلك، اتفق الفيلسوفان على ضرورة منح الأفراد حريتهم بوصفهم مواطنين في دولة، وهي حرية مدنية سياسية تختلف اختلافًا جذريًا عن الحرية المتصلة بالقومية أو الطائفية. وبناء عليه، فإن مفهوم المواطنة عند نصار هو ذاته عند هابرماس، لكن كًّلًّ من الفيلسوفين استعمل المصطلحات التي تلائم فكره الفلسفي السياسي من جهة، والواقع الاجتماعي لمنطقته من جهة أخرى. وأيًّا يكن، فلنا أن نسأل هنا: إذا كانت المواطنة – وفق الفيلسوفين – تقتضي منح المواطنين حقوقهم السياسية التي يتجاوزون بها اختلافاتهم الثقافية وانتماءاتهم الدينية والقومية، فما مصير الهوية الثقافية الخاصة بكل مواطن في دولة القانون الديمقراطية؟

ثانيًا: هوية المواطن الثقافية في المجتمع الديمقراطي

لا يمكن الحديث عن طبيعة الهوية الثقافية وحدودها في المجتمعات الديمقراطية بمعزل عن الحديث

عن الذات والأمة والدولة، فثمة خصوصية لكل ذاتٍ إنسانية تحدد الفرد وتميزه من أفراد عدة يشاركونه هويته القومية أو الأممية التابعة بدورها للغة المشتركة أو المنطقة الجغرافية أو الدين أو العرق أو الذاكرة التاريخية. ثم تندرج هوية الفرد الشخصية وهويته القومية تحت هوية وطنية سياسية تمنحها الدولة الديمقراطية. يكون المواطن بذلك ذا هويات متعددة؛ واحدة تحدد من هو الشخص بذاته، وأخرى ثقافية تحدد أصله وانتماءه الثقافي، فضلً عن هوية وطنية تحدد مواطنيته، وتمنحه صفة سياسية يُعامَل من خلالها في دول العالم كلها وفق بطاقة شخصية أو وثيقة سفر. يكتسب الأفراد – من الناحية النفسية الاجتماعية – في عمر محدد خاصية شخصية ثقافية مركبة، تغدو سمتهم الوجودية التي تميز ذواتهم في جميع الأوقات. إذا ثبتت هذه الخاصية في شخصياتهم يكونون بفضلها مستقلين بذواتهم، ويستطيعون التحرر من تأثير الآخرين ومنح حياتهم شكلً واستمرارية تفصلهم عن حيوات الآخرين، وبهذا المعنى فهم أفراد مستقلون أحرار بطبيعتهم بفضل هوياتهم التي تحدد "مَن هم" من بين جنس "ما هم". هذه الهوية الذاتية التي يتفرد بها الفرد ويُعرَف من خلالها

باسمه الذي هو له، تمتزج بهويته الثقافية التي ينالها في وسط اجتماعي يشاركه فيه الآخرون بها، والتي كان لاسمه نصيب منها. يقول هابرماس في هذا الصدد: "إن الاسم بما هو كذلك هو بالطبع لا يكفي،

(2((للتوسع في ذلك، ينظر: يورغن هبرماس، نظرية الفعل التواصلي: في نقد العقل الوظيفي، ترجمة فتحي المسكيني، مج 2 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.191–168

لكن مؤسسة منح الأسماء إنما تسهر على أن يعمل كل اسم شخصي باعتباره مَعلمًا نستطيع من خلاله أن نوجه أنفسنا كي نبلغ امتلاك المعطيات التي تكفي كي يتم تحديد الهوية: تاريخ الولادة ومكانها، الانتماء العائلي، الحالة المدنية، الجنسية، الطائفة [...] إن هذه هي في العادة المقاييس التي بالاستناد إليها يتم تحديد هوية شخص ما، على سبيل المثال عندما يثبت هويته من خلال الاستظهار بجواز السفر". نجد بذلك أن الهوية الذاتية غالبًا ما تتماهى مع الهوية الثقافية المكتسبة من المجتمع؛ إذ إن الأفراد

"يفهمون أنفسهم باعتبارهم أشخاصًا تعلموا أن يشاركوا في تفاعلات اجتماعية، وهم يفهمون أنفسهم في كل مرة بصفة شخص معين كبر باعتباره ابنًا أو بنتًا في ظل عائلة معينة، وفي بلاد معينة، وتربى بروح طائفة معينة". فثقافة الفرد الاجتماعية التي ترسم ملامح هويته الشخصية، تؤطر انتماءه القومي إلى أمة من الأمم، ويُصنف وفقها تصنيفًا قبل سياسي، يشمل اللغة أو الدين أو العرق، فيكون إنسانًا عربيًا

أو فرنسيًا أو إنكليزيًا، ويكون أيضًا مسلمًا أو مسيحيًا أو بوذيًا، ويكون إنسانًا أبيض أو أسود أو أصفر.

وهذا ما يُعبَّر عنه بالتعدد الثقافي الذي تسعى الدول الديمقراطية إلى تجاوزه من خلال الهوية الوطنية

السياسية التي تجعل الأفراد، مختلفي اللغة والدين والعرق، مواطنين متساوي الحقوق والحريات. فهل يعني ذلك أن الهوية الوطنية السياسية تتفوق على هوية المواطن الثقافية؟ وهل يمكن للأولى أن تلغي الثانية؟ بمعنى آخر: هل يمكن للمواطنة المكتسبة أن تحل محل الهوية الثقافية التراثية للمواطن؟ وهل يمكن أن توفِّق الدول الديمقراطية المستضيفة للتعددية الثقافية بين تحديات العولمة والحداثة، وتحدي الحفاظ على الهويات الثقافية؟ تتخذ الهوية الثقافية عند هابرماس مفهومًا قوميًا، بحيث تعبر عن الثقافة الواحدة التي تربط مجموعة

من الأفراد، والتي ينالون بها انتماءً ضيقًا وحقوقًا وحريات داخل جماعة معينة، لا تسمو إلى تلك التي

ينالها المواطن في الدولة الديمقراطية. ويبدو أن هذا الدور الذي يسنده هابرماس إلى الهوية الثقافية، مستند هو الآخر إلى النزعة التوفيقية التي تبناها في منظومته الفلسفية والسياسية، وإلى ما ساد في المجتمع الألماني من أيديولوجيا قومية حالت دون قيام مواطنة سياسية. ولأجل ذلك تتخذ علاقة المواطنة بالهوية الثقافية عنده منحى سلبيًا؛ إذ يجعل تجاوز الانتماء القومي الثقافي شرط المواطنة

السياسية. ولا يعني التجاوز الثقافي هنا تخلص الفرد من هويته التي تشكل ذاته وتميزه ثقافيًا من غيره،

وإنما الفصل بين المواطنة والثقافة فصلً سياسيًا؛ أي تحرير الحقوق والحريات السياسية من القيود

الثقافية والسيطرة القومية والانغلاق الأيديولوجي، مع ضرورة الاعتراف بكل ثقافة واحتوائها داخل المجتمع الواحد. سعى هابرماس إلى "الجمع بين استراتيجيتين متقابلتين في استراتيجية واحدة لا تفرط في الحداثة ولا تلغي الهويات الثقافية، لا تبطل الوحدة والانسجام ولا تضحي بالتعدد والاختلاف. فواجب

((2(المرجع نفسه، ص.181 ((2(المرجع نفسه، ص.182

الحداثة، في زمن العولمة، وما بعد الحداثة، لا يتعارض مع التعدد الثقافي، أي مع حق الحفاظ على الهويات الثقافية ضمن المجال العام للمجتمع أو الدولة". ولا يخفى أن الاستراتيجيتين اللتين جمع بينهما هابرماس هما: الاستراتيجية الليبرالية التي أهملت الاختلافات الثقافية في سبيل تعزيز الحرية الفردية التي تقتضيها الحداثة والعقلية الحديثة المعولمة، والاستراتيجية الجماعاتية التي أغفلت في بعض مبادئها تحديات الحداثة متمسكة بالتراث الاجتماعي وهوية الإنسان الثقافية. ورغم محاولته الجمع بين الاستراتيجيتين بدا هابرماس منحازًا، شيئًا ما، إلى النزعة الليبرالية عندما ذهب إلى تحديد الهوية في المجتمعات الحديثة تحديدًا تجاوز به الناحية الثقافية، بحيث اتخذت لديه الهوية صفة "بنية معيارية اتفاقية مرتبطة بأدوار اجتماعية محددة، وتكونت بشكل مؤسساتي ضمن أنساق من التعلم ودرجات من التطور". وهو تحديد يقترب فيه كثيرًا من فلسفة أنصار الليبرالية؛ إذ يستبعد مثله

التصورات القومية والدينية، ويدخل الهوية مدخلً حداثيًا يقطع مع المحددات ما قبل الحديثة للهوية. ربط هابرماس إمكانية تحقق المواطنة بمدى تمتع الأفراد بحقوقهم السياسية ومدى ممارستهم لها، وهو ما دفع به صوب المسار الليبرالي إلى حد جعله يستوعب مفهوم الأمة في مفهوم الدولة، ويحول السمات الثقافية لأفراد الأمة إلى سمات سياسية لمواطني الدولة. فهو يصرح بأن "تقرير المصير ديمقراطيًا لا يتحقق إلا حين يتحول شعب الدولة إلى أمة من المواطنين يتولون زمام مصائرهم السياسية

[...] إن فكرة الأمة يبني بواسطتها المواطنون – متجاوزين الولاءات المولودة تجاه القرية والعائلة والمنطقة والسلالة – شكلً جديدًا من أشكال الهوية الجماعية". بذلك لم تعد الأمة مجموعة ثقافية قبل سياسية ينتمي المواطن إليها تحت رعاية النظام الديمقراطي المعترف باختلافه الثقافي، بل غدت مصطلحًا يُشار به إلى مجموعة سياسية من المواطنين في الدولة الديمقراطية، وفي ذلك إلغاء غير مباشر للهوية الثقافية الاجتماعية التي تمثل تراث كل فرد أصبح مواطنًا في دولة. اكتسحت ظاهرة الدولة – الأمة العالم إثر ظهور الدول القطرية وترسيم الحدود بين الدول، وتحول معنى الأمة إلى معنى الدولة مع الثورة الفرنسية، أما الأساس النظري لظاهرة المماهاة بين الدولة والأمة فنجده في سياق الفلسفة الرومانسية الألمانية في القرن الثامن عشر. وفق هذه الظاهرة، وفيما يتعلق بالسياق الألماني، جرى "تطوير مفهوم الأمة في إطار الأيديولوجيا القومية التي تتأسس على عناصر ثقافية. هذه الأيديولوجيا تركز بالنسبة لكل بلد على المميزات الخاصة التي ينفرد بها والتي تحدد هويته [...] فكل بلد يكوّن نظرته الخاصة عن البلدان الأخرى المجاوزة له، محاولً أن يلخص نظرته للآخر

في مجموعة من القوالب الجاهزة". وبغض النظر عن مدى سلبية الثقافة التي أُسست عليها الأمة

((2(سبيلا [وآخرون]، ص.159 (2((الناصر عبد اللاوي، الهوية والتواصلية في تفكير هابرماس (بيروت: دار الفارابي، 2012)، ص.163 (2((هابرماس، الحداثة وخطابها السياسي، ص.127 (2((للتوسع في ذلك، ينظر: عادل البلواني، النظرية السياسية لهابرماس: الحداثة والديمقراطية (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2014)، ص.167–160 ((2(المرجع نفسه، ص.162

الألمانية تجاه الآخر المختلف، فإن الحل الذي يقدمه هابرماس لتخطي مرحلة الأيديولوجيا الألمانية القومية يكمن في التخلي عن تراثها الثقافي من أجل تكوين هوية وطنية، وفق المعنى السياسي للكلمة ووفق مبادئ المواطنة الدستورية، أو من أجل تكوين هوية ما بعد–وطنية، وفق ما يمكن تسميته بالمواطنة الأوروبية تبعًا لما تحقق في إطار بناء الاتحاد الأوروبي. فهو يعتقد أنه من الواجب "الدفاع عن مفهوم للمواطنة ما بعد–تقليدي، وذلك باستبعاد الحجج التاريخية التي تنادي بالعودة إلى المفهوم التقليدي للهوية الألمانية [...] فمن الضروري أولً إبعاد شبح القومية، وذلك عن طريق إرساء قواعد نظرية جديدة تفصل الأمة عن الدولة، وتؤدي إلى تشكيل هوية ما بعد–وطنية". أراد هابرماس إعادة بناء الهوية الألمانية بعيدًا عن التمجيد القومي الذي كان سائدًا في تراثها؛ لذلك يقترح المواطنة الدستورية حًّلًّ لمواجهة ماضي الهوية الألمانية، معتبرًا أن "ليس لرهان الاستقرار السياسي من

خيار آخر للقطع مع هذه الفترة المظلمة من التاريخ إلا تأسيس الهوية السياسية على مبادئ مدنية عالمية، لا تكون التقاليد الوطنية في ضوئها مقبولة كما هي في إيجابياتها وسلبياتها". فلا يمكن الجمع بين الهوية الألمانية القومية والهوية السياسية التي توجبها المواطنة الدستورية، لا سيما أن هذه المواطنة كانت بمنزلة نظرية تبحث في علاقة الشعب الألماني بماضيه وهويته، وتسعى إلى تخليصه من هذه الهوية وذاك الماضي، بل إن السياق الذي صيغ فيه مفهومها كان متصلًاتص لً مباشرًا بالبعد الألماني. فالمواطنة

الدستورية تظهر "ضمن مسار التفكير في أساس الهوية الألمانية، وضرورة فصل الممارسة السياسية عن الاعتبارات الثقافية والعرفية لتفادي كل انبعاث جديد لأي شكل من أشكال القومية". يتضح من ذلك موقف هابرماس الذي أشرنا إليه منذ قليل، فرغم اعترافه بالتعدد الثقافي إثر تناوله مسألة المواطنة فإنه يقصي التراث الثقافي للأمة في سعيه إلى تشكيل هوية سياسية للمواطن في الدولة الديمقراطية، وهو بذلك يعترف اعترافًا غير صريح بأن هوية الفرد الثقافية تعيق امتثاله لهوية المواطنة السياسية المدنية؛ إذ يقضي بتفادي "كل ما يمكن أن يكون عاملً على التفرقة أثناء الحديث عن مكونات الهوية، وبانتقاد المكونات المشتركة في تحديد أي هوية، فمن أجل بناء مجتمع حديث يشكل بيئة ملائمة لممارسة الديمقراطية، من الضروري تجاوز المحددات التقليدية في بناء الهوية والسعي إلى تأسيس ثقافة سياسية مدنية يشعر الجميع بانتمائه لها". لأجل ذلك، نعتقد أن هابرماس لم يشأ أن يجمع المواطن الألماني خاصة والمواطن الأوروبي عامة بين هويتين، ثقافية وسياسية؛ لأن بينهما تناقضًا لا يمكن العدول عنه دون الإعلاء من شأن إحداهما على الأخرى، وقد حسم ذلك بتقعيده مفهومًا للهوية الحديثة يُدخل فيها العناصر السياسية المدنية ويُخرج منها العناصر الثقافية، وفي ذلك إشارة إلى اعتقاده أن الامتثال للهوية السياسية المدنية يؤدي لا محالة إلى الإلغاء التدرجي للهوية الثقافية القومية.

((2(المرجع نفسه، ص.170 ((2(ركح، ص.144 ((3(المرجع نفسه، ص.145 ((3(البلواني، ص.182

لا يبتعد موقف هابرماس حيال الهوية الثقافية، الناتج من مناهضته للأيديولوجيا الألمانية القومية التقليدية ومن سعيه إلى توحيد الهويات الأوروبية في هوية سياسية جامعة، عن موقف نصار حيالها. فقد ناهض هذا الأخير – انطلاقًا من فكره الليبرالي – الأيديولوجيا اللبنانية الطائفية التي منحت اللبنانيين هويات ثقافية مختلفة داخل الوطن الواحد، حالت دون تحقيق المواطنة وتفعيل النظام الديمقراطي. فكما اتخذ المفهوم عند هابرماس إطارًا قوميًا، اتخذ عند نصار إطارًا طائفيًا، وما تمثله القومية في

ألمانيا من إعاقة لتكريس مفهوم المواطنة هو ذاته ما تمثله الطائفية في لبنان، وما تقتضيه المواطنة لدى كليهما هو الفصل بين الهويات الثقافية سواء كانت قومية أو طائفية، والحقوق والحريات السياسية، في إطار نظام ديمقراطي يحتضن جميع القوميات أو الطوائف المنتمية إلى الدولة الأمة ويعلو عليها، في نفس الوقت، سياسيًا. يرى نصار أن "اللبنانيين في مرآة الصراع العقائدي لا يتمتعون بهوية واحدة متفق عليها، فبعض الاتجاهات العقائدية يرى أن الهوية الجماعية العليا التي يتحدد بها الفرد اللبناني هي الهوية الطائفية، وأن هوية الشعب اللبناني ليست أكثر من حصيلة هويات طائفية معينة. وبعضها يرى أن الهوية الجماعية العليا التي يتحدد بها الفرد اللبناني [...] [هي] الهوية القومية، اللبنانية في نظر فريق، السورية في نظر فريق آخر، والعربية في نظر فريق ثالث. ويذهب آخرون إلى القول بالهوية الطبقية". وأيًّا يكن، فذلك يدل على أن لا هوية وطنية يتحلى المواطن اللبناني بها بمعزل عن انتمائه الطائفي أو القومي أو الطبقي؛ إذ لا يمثل هذا الانتماء هوية الفرد الثقافية فحسب، بل هويته الذاتية والشخصية أيضًا التي يُميز بها الآخرين من نفسه. من بين هذه الانتماءات يركز نصار على الانتماء الطائفي الذي يعتبره الحائط الإسمنتي الذي يحجب اللبناني عن المواطنة، ذلك أن الهوية الطائفية قد غزت الهوية الوطنية وتحكمت في الحقوق السياسية وشرعنة الدولة، وبدل أن تكون المواطنة أساس الوجود السياسي للمواطن، كانت الطائفة كذلك. ف "الطائفة التي ينتمي إليها اللبناني تشكل الإطار الذي يشعر من خلاله بوجوده السياسي. لذلك لا يحس مباشرة بأنه مواطن يتمتع بجميع الحقوق والواجبات المدنية التي يتمتع بها المواطن الكامل. فالطائفية تقف حاجزًا بينه وبين شعوره بالدولة كدولة لجميع المواطنين على حد سواء". فالمواطنة في لبنان مواطنة مجزأة، والمواطن اللبناني مواطن ناقص باعتبار أنه يمارس حقه السياسي تبعًا لهويته الطائفية لا تبعًا لهويته الوطنية، ولما كان ذلك يقضي بمنح حقوق سياسية وامتيازات إدارية لمواطنين ينتمون إلى طائفة معينة أكثر من مواطنين ينتمون إلى طائفة أخرى، بدا النقص الذي نعتنا به المواطنة والمواطن واضحًا، وخير مثال على ذلك اعتماد الهوية الطائفية أساسًا لتنظيم الانتخابات النيابية وتأليف الوزارة في لبنان. لما كانت الأيديولوجيا الطائفية مسيطرة على هوية المواطن اللبناني، كان لا بد من تفاديها لتأسيس هوية وطنية سياسية. وبالنسبة إلى نصار، يكون هذا التفادي ممكنًا إذا ما توافرت الثقافة الليبرالية في

(3((ناصيف نصار، الفلسفة في معركة الأيديولوجية، ط  2 (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1986)، ص.117 (3((نصار، نحو مجتمع جديد، ص.159

المجتمع اللبناني، تلك الثقافة الداعية إلى وعي الحرية؛ لأن وعيها من شأنه أن يحرر العقل اللبناني من الأيديولوجيا الطائفية. فاعتقاد نصار أن "الفرد حر في ثقافة الليبرالية في تنفيذ ما يرغب [فيه] [...] في اتخاذ موقف معين من المطلق وما يتصل به من اعتقادات وممارسات، وحر كذلك في أن يريد فعل ما يرغب في فعله، وأن لا يريد فعل ما لا يرغب في فعله"؛ يجعله يسير في المسار الليبرالي سيرًا

معلنًا وواضحًا، يدعو فيه إلى ضرورة الاعتراف للمواطن بالحق في حرية الاعتقاد الديني والطائفي من حيث هو فرد فقط؛ أي بمعزل عن الطائفة التي ينتمي إليها، بل حتى ضد ما يمكن أن تقبل به طائفته، وأحيانًا ضد ما يمكن أن يقبل به المجتمع والدولة. ولا يكون بهذا للدولة شأن في حماية أي معتقد طائفي أو دعمه؛ لأن الهوية الوطنية في الدولة الديمقراطية تعلو على سائر الهويات الثقافية والطائفية. بدا الموقف الليبرالي لدى نصار واضحًا فيما يتعلق بالانتماء الطائفي؛ لما لهذا الانتماء من دور في الممارسات السياسية، فالهويات الثقافية الطائفية في لبنان لا يقتصر وجودها على الممارسات الاجتماعية؛ إذ أدخلت خلافاتها إلى صلب الدولة والمنظومة السياسية. ويظهر لنا هنا وجه التقاء آخر بين هابرماس ونصار، ففي الوقت الذي قدم هابرماس نظرية المواطنة الدستورية حًّلًّ لتجاوز النزعات المعادية لليبرالية للهوية القومية الألمانية، قدم نصار نظرية تقضي بتقديم المجتمع الوطني الديمقراطي حًّلًّ لتجاوز مطبات الهوية الطائفية وما تسببه من اختلافات سياسية داخل الدولة. أما إمكانية تحقق هذا المجتمع الوطني فتعود إلى ثلاثة مبادئ أساسية يقدمها نصار كما يأتي: "المبدأ الأول هو أسبقية الانتماء الوطني عند جميع أعضائه على أي انتماء اجتماعي سياسي آخر. والمبدأ الثاني هو المساواة بين جميع أعضائه كمواطنين. والمبدأ الثالث هو الحرية الشخصية المسؤولة لجميع أعضائه"، كما يعتقد نصار أن هذه المفترضات تؤلف "مج لً أصيلً لتشكيل الاختلاف وتسويره، بمعنى أنها تضبط حركة الاختلاف، سلبًا وإيجابًا، وتضع كل نوع من أنواع الاختلاف في المجتمع في نصابه ومرتبته، وتحدد

القواعد الملائمة لاستيعابه أو لاستمراره، أو لحسمه وتجاوزه". إن الهوية الثقافية في لبنان هوية طائفية بامتياز، تمتد بجذورها التاريخية إلى القرن السابع عشر، ويصعب من ثم تأسيس هوية وطنية تستوعبها؛ إذ استحكمت في هوية اللبناني الشخصية والثقافية والسياسية على حد سواء. من أجل ذلك، يقتضي تحلّي اللبناني بهوية وطنية سياسية مدنية تخلّيَه عن هويته الطائفية

سياسيًا، لا ثقافيًا؛ إذ من شأن النظام الديمقراطي أن يمنح المواطن حريته في الاعتقاد والانتماء الديني

والطائفي، ولكن ضمن حدود المجتمع لا الدولة؛ أي ضمن الممارسات الاجتماعية، لا السياسية، ووفق ما يمنحه النظام الديمقراطي من حرية الاعتقاد من دون التعدي إلى التحكم في الحقوق السياسية والإدارية والمدنية. يقول نصار في هذا الصدد: "الوحدة تسبق الاختلاف في سلم معايير المجتمع الوطني الديمقراطي، واسمها وحدة الهوية الوطنية بالنسبة إلى المجتمع ككل واحد [...] وهي تعلو على جميع

(3((ناصيف نصار، باب الحرية: انبثاق الوجود بالفعل، ط  2 (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2013)، ص.260 (3((ناصيف نصار، التفكير والهجرة: من التراث إلى النهضة العربية الثانية (بيروت: دار النهار، 1997)، ص.161–160 (3((للاطلاع على ذلك، ينظر: مسعود ضاهر، الجذور التاريخية للمسألة الطائفية اللبنانية 1861–1697، ط 4 (بيروت: دار الفارابي،

الهويات والانتماءات الجماعية التي تنشأ ضمن المجتمع، بين أفراده، أو بين فئاته وشرائحه. ولا قوة حقيقية لوحدة الانتماء الوطني من دون المساواة في الحقوق والواجبات المدنية والسياسية، بين جميع الأفراد الذين يحملون سماتها. فكل تفريق بين المواطنين في الحقوق والواجبات التي لهم أو عليهم كمواطنين، أشبه بإسفين في بنيان الوحدة الوطنية. إلا أن التفريق الممنوع في المجتمع الوطني الديمقراطي يقف عند حد احترام فردية كل عضو من أعضائه، الفردية النابعة من تكوينه البيولوجي والنفسي، ومن حريته التي لا يمكن قتلها من دون قتله كمواطن". يوضح نصار بذلك كيفية الوصول إلى تحقيق هوية وطنية من دون الطعن في الهويات الثقافية للطوائف اللبنانية، وسبيل الدولة اللبنانية إلى التوفيق بين المساواة الحقوقية السياسية بين مواطنيها، واعترافها بحريتهم الفردية في اعتناق الدين وممارسة شعائره، من أجل تحصيلها الفعلي، لا النظري فحسب. ويبدو لي أن جدلية الهوية الثقافية وفق منطق الاختلاف، والهوية الوطنية وفق حقيقة المواطنة وواقعها السياسي، لا تُحسَم بمجرد الوقوف على الحياد أو محاولة عقد توفيق نظري بين الهويتين. فواقع البناء السياسي الأوروبي الحالي القائم على نموذج الديمقراطية الليبرالية بما تعنيه من علوية حقوق الإنسان وسيادة مبدأ حكم القانون، والذي يشمل دولة ألمانيا جزءًا منه، يدفع هابرماس إلى الإقرار

بوجوب انفصال هوية المواطن الألماني عن تراثه وأيديولوجيته القومية، من أجل اكتساب مواطنة سياسية أوروبية. كما أن الواقع اللبناني الذي تتقاسم نظامه السياسي هويات طائفية، يدفع بنصار إلى الإقرار بوجوب انفصال هوية المواطن اللبناني عن أيديولوجية طائفته السياسية من أجل اكتساب مواطنة سياسية وطنية. وأقصد بذلك أن نظرية التوفيق بين المواطنة السياسية والهوية الوطنية من جهة، والانتماء القومي والهوية الثقافية من جهة أخرى، والتي حاول هابرماس ونصار صياغتها، بدت نظرية بعيدة قليلً عن الواقع الأوروبي واللبناني، ولعل ذلك ما دفعهما، إثر صوغ نظريتيهما، إلى اعتراف خجول غير صريح بأهمية تجاوز الانتماء الثقافي بالمطلق إذا ما أراد الفرد اكتساب هوية وطنية. من هنا، نجد أن الحفاظ على الهوية الثقافية داخل المجتمع الوطني لا يهدد ديمقراطية المجتمع، وإنما يشكل خطرًا، بوجه أو بآخر، على مواطنة المواطن فيه، فتمسُّك المواطن بثقافته القومية أو الدينية

قد يؤول إلى منعه من ممارسة بعض حقوقه المدنية أو السياسية، وهذا ما يدفع بعدد من المواطنين إلى التنازل عن بعض المبادئ التراثية من أجل تحقيق اندماج وطني. وبناء عليه، إذا كانت المواطنة المدنية السياسية تلح على تجاوز الهويات الثقافية، فماذا عن المواطنة العالمية؟ هل تلح هذه الأخيرة على تجاوز الهويات الوطنية؟

ثالثًا: بين المواطنة العالمية والسيادة الوطنية

مهّدت ظاهرة العولمة للحديث عن إمكانية تحقيق مواطنة عالمية يتحلى المواطن من خلالها بحقوق سياسية تتخطى حدود الأوطان والدول. ونعتقد أن الفكرة في حد ذاتها ليست غريبة عن طبيعة الوجود

(3((نصار، التفكير والهجرة، ص.161

الإنساني وأصله؛ إذ إن الأرض، من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، وطن الإنسان، أي إنسان، مع اختلاف جنسه ولونه وعرقه ومعتقداته. لكن تشكل الأمم وتأسيس الدول وتقسيم الأراضي ورسم الحدود وتقعيد السياسات والنظم، جعلت الفكرة غريبة ومستهجنة، ولا سيما بعد أن أدى التقسيم الحديث للدول والأوطان إلى خلق فجوة حقوقية بين الناس، عبر منح كل فرد بطاقة هوية تحدد جنسيته تبعًا للمنطقة الجغرافية التي ولد وعاش فيها، وأصبحت تلك الجنسية تحدد قيمة الإنسان في العالم. ويكفي، لإدراك هذا الواقع، أن يعقد أحدنا في ذهنه مقارنة نظرية بسيطة بين ما يناله حامل الجنسية الأميركية أو الكندية أو البريطانية – مثلً – من حقوق، وما يناله حامل الجنسية الفلسطينية أو اللبنانية أو المصرية منها. وأيًّا يكن، فإن نظرية هابرماس في المواطنة العالمية تبتعد قليلً عن فكرة

الحق الإنساني العام في الأرض كلها، كوكبًا ووطنًا لا تقسمه حدود ولا تتقاسمه دول؛ إذ طرحها بناءً

على الواقع الأوروبي وما آل إليه من اتحاد، وما يواجهه من مشكلات إثر اتحاده. وبعيدًا عن الخوض في الانعطافات التاريخية التي دعت إلى إقامة اتحاد أوروبي، ما من ريب في أن الصراعات الدينية الدموية بين الهويات الثقافية الطائفية في أوروبا، والتي بلغت ذروتها في حرب الثلاثين عامًا (1648–1618)، والتي دمرت ألمانيا، وقتلت ثلث سكانها، وانتهت بإبرام معاهدة

وستفاليا عام 1648، شكلت، مع الحربين العالميتين وتبني مشروع بناء الاتحاد الأوروبي، منطلقًا لدعوة هابرماس إلى المواطنة العالمية. فهو يرى أن "النزاعات الحادة التي شكلت ملامح التطور الأوروبي منذ القرون الوسطى كانت دافعًا لنزع المركزية عن المناظير الخاصة وللتأمل والابتعاد عن الانحيازات، وحافزًا على التغلب على الخصوصية وتعلم التسامح مع الآخرين ومأسسة الجدل. هذه التجارب التي جرت مع أشكال ناجحة للدمج الاجتماعي طبعت الفهم الذاتي المعياري للحداثة الأوروبية، وهو يعني الشمولية الداعية للمساواة. هذه الشمولية التي يمكنها أن تسهل لنا – نحن أبناء القومية البربرية وبناتها وأحفادها – الانتقال إلى علاقات اعتراف متطلبة في ديمقراطية ما بعد–قومية". يمكن القول إن نجاح الدول الأوروبية في إقامة اتحاد بينها بعد سلسلة من الحروب والصراعات، عزز لدى هابرماس فكرة المواطنة العالمية، فلا يكاد يغيب المثال الأوروبي عن معظم كتاباته. وقد آمن هابرماس بإمكانية تحقق مواطنة أوروبية تفسح المجال أمام كل مواطن أوروبي في أي دولة أوروبية، للإسهام في صوغ سياسة القارة كلها ومنحها الشرعية، منطلقًا من ذلك إلى محاولة تعميم المشروع الأوروبي على العالم، وداعيًا إلى إقامة مواطنة عالمية تتجاوز فيها حقوق المواطن

السياسية الحدود كلها. يجري ذلك وفق ديمقراطية تشاورية، تقضي بعقد تواصل بين المواطنين، وتستلزم خوضهم حوارات ونقاشات يقررون من خلالها مصائرهم بأنفسهم، ويتفقون على ما هو صالح لهم بوصفهم مواطنين عالميين. وكان هابرماس قد تناول أسس هذه الحوارات ومبادئ ذاك التواصل بين المواطنين في نظرية الفعل التواصلي التي تقترن بفكرة المواطنة الدستورية المتحررة

(3((هابرماس، الحداثة وخطابها السياسي، ص.166 (3((للاطلاع على النظرية، ينظر: هبرماس، نظرية الفعل التواصلي.

من الشروط القومية، والتي تتحدد وفق مبادئ معيارية وأخلاقية شاملة، لا يمكن اختزالها في نص دستوري لدولة معينة. بالنسبة إلى هابرماس، تعد المواطنة الدستورية مواطنة ذات قيم جديدة وملامح معاصرة اقتضت العولمة بلورتها، ولذلك تسمح هذه المواطنة "بالتفكير في تعريف جديد للهوية الأوروبية، وهي بهذا تعمل عمل الحاضر لتجديد الفكر السياسي التقليدي بالدعوة إلى القيام بتمييز واضح بين النظام القانوني للجماعة السياسية والنظام الثقافي التاريخي والجغرافي للهويات الوطنية". ولكن ألا يدعو هذا التعريف الجديد للهوية الأوروبية المواطن الأوروبي إلى التنازل التدريجي عن انتمائه الوطني وهويته الوطنية الثقافية؟ يبدو أن هابرماس لم يبدِ عظيم اهتمام بالهوية والوطن، إثر معالجته قضية المواطنة العالمية الدستورية في كتاباته الأخيرة التي خلص فيها إلى أن "الهوية الوطنية الثقافية أو المصير المشترك يتناقضان بالكامل مع مبدأ المواطنة الدستورية ومع القواعد الكونية التي توجه التعايش بين الأفراد". وهو بذلك يُظهر لنا أن التعدد الثقافي الذي أصر على ضرورة مراعاته في معرض حديثه عن المواطنة السياسية داخل نطاق الدولة الواحدة، تصعب مراعاته ضمن نطاق الحديث عن مواطنة عالمية أو حتى عن مواطنة أوروبية، ولا سيما أن هابرماس لم يكن ليبراليًا حداثيًا داعمًا لفلسفة الأنوار

التي نبذت التعدد الثقافي، وإنما كان ليبراليًا تحديثيًا مؤمنًا بتعدد الثقافات واختلاف العقول، وذلك

يوقعه في التناقض والتعارض. لما كانت المواطنة السياسية تستلزم هوية وطنية تتجاوز الهويات الثقافية، كانت المواطنة العالمية مستلزمة هوية كونية تتخطى الهويات الوطنية، ولما كان العقل التواصلي الخاضع لمبررات إتيقية قائمة على التشاور والتحاور يتجنب الانغلاق الثقافي واستعلاء الهويات الوطنية؛ أي كل هوية على الهويات الأخرى، بدافع التفوق والأفضلية، كان لا بد من تجاوز الهويات الشخصية الثقافية الوطنية نحو بناء هوية إنسانية كونية. يؤكد هابرماس أهمية بناء هذه الهوية بتبيان قدرتها على نزع الرغبة في الاعتداء من نفوس المواطنين العالميين من خلال ما يمارسونه من تواصل وما يعقدونه من علاقات سياسية فيما بينهم. فهو يراهن على المشروع السلمي الذي يجمع سائر البشر، وعلى العقل التواصلي الذي يفسح المجال للقاء والتواصل، لإبراز إمكانية تأسيس ميثاق كوني تندمج ضمنه الهويات الوطنية في

((4(تجدر الإشارة هنا إلى أن الديمقراطية التشاورية التي بنى عليها هابرماس إمكانية تحقق مواطنة عالمية ارتبطت بمصطلحين شائعين في فلسفته السياسية، وهما "المجال العام" و"أخلاق المحادثة"، ولكننا لم نفصل الحديث عنهما إثر تناولنا نظريته في المواطنة لسببين: يتمثل الأول في أن الخوض في تفصيل علاقة المواطنة بنظرية الفعل التواصلي وما تحويه من أخلاق المحادثة قد يذهب بالدراسة نحو مسارات أخرى لا يتسع المجال هنا للخوض فيها، وقد تحتاج إلى قسم منفصل لها. أما السبب الثاني فيكمن

في عدم اتصال نظرية الفعل التواصلي اتص لً مباشرًا بموضوع الدراسة الذي ارتكز على مقارنة فلسفة هابرماس من خلال الواقع

السياسي في أوروبا بفلسفة نصار من خلال الواقع السياسي في لبنان، ولما كان هذا الجانب من النظرية غائبًا جزئيًا عن الواقع

الأوروبي من ناحية، وثانويًا في نظرية نصار من ناحية أخرى، فضلنا عدم الخوض في تفصيله؛ إذ لا حاجة إلى مقارنته نظريًا مع

ما ذهب إليه نصار، لا سيما أن هذا الأخير لم يتحدث عن التواصل وأخلاقياته إلا في معرض نقاشه قضية خصوصية الفلسفة وكونيتها، والتي لا اتصال جوهري لها بقضية المواطنة عنده. ((4(ركح، ص.158 ((4(سبيلا [وآخرون]، ص.166

أفق الكونية الذي يطبع البعد الإنساني بالكونية الثقافية. وقد بدا هابرماس بذلك غير آبهٍ بالهوية الألمانية وبالحفاظ عليها من الناحية الوطنية؛ إذ لا بأس بغيابها وغياب غيرها من الهويات الأوروبية المختلفة في سبيل حضور الهوية الأوروبية المبنية على عقل تواصلي يسهم في إنجاز مشروع الحداثة غير المنجز. مقابل هذه الدعوة الهابرماسية إلى تأسيس مواطنة عالمية تحتذي حذو المواطنة الأوروبية في اتحادها المستجيب لتحديات العولمة والحداثة، يذهب نصار إلى إنكار إمكانية تحقيق مواطنة عالمية في عالم تخرقه الفجوات الاقتصادية والسياسية والثقافية، معتبرًا أن أي نوع من الاتحاد بين الدول المختلفة يؤدي

إلى إضعاف الانتماء الوطني لدى المواطن، وإلى إحياء الصراعات الأيديولوجية. ويرى نصار أن "مشروع الاتحاد الأوروبي يُخلُّ بنظام الأوطان والشعوب الذي أنتجه التاريخ عبر مئات السنين على مستوى القارة الأوروبية. ولا تأخذ أي خطوة في شأنه طريقها إلى التنفيذ، إلى الأمام أو إلى الوراء، إلا حصيلة صراع أيديولوجي معقد جدًا، تتشابك الاعتبارات العقلية فيه مع الذكريات والآمال والمشاعر". فلم ينظر نصار إلى الاتحاد الأوروبي نظرة هابرماس إليه بوصفه أنموذجًا لبناء وحدة عالمية، بل نظر إليه نظرة سلبية تجعل

منه أنموذج هدم وطني، يضعف انتماء المواطن إلى وطنه، ويلغي هويته الوطنية. نعتقد أن هذا الاختلاف الظاهر بين هابرماس ونصار في نظرتهما إلى الاتحاد الأوروبي يعود – مرة أخرى – إلى المنظومة الفلسفية السياسية لكل منهما، وإلى واقع المنطقة التي تشكلت فيها. فاهتمام هابرماس بالوحدة الأوروبية ناتج من رغبته في تجاوز الحروب الثقافية الدينية بين الدول والأوطان الأوروبية التي شهدها تاريخ أوروبا، والذي يقضي بتجاوز الهويات الوطنية، في حين أن نقد نصار لمشروع الاتحاد الأوروبي ناتج من تمسكه بالانتماء الوطني واهتمامه بالهوية الوطنية والوطن بوصفه دولة مستقلة، ذلك أن تشكيل اتحاد عالمي هنا أو هناك يهدد السيادة الوطنية في الدول العربية الضعيفة، مثل لبنان، التي عانت التبعية والاستعمار والاستغلال والاحتلال. يقول نصار: "ما يهمنا في جدلية الحداثة ليس مدى صحة ما يذهب إليه دعاة ما بعد الحداثة [...] ولا مدى صحة ما يذهب إليه معارضوهم القائلون مع هابرماس بأن الحداثة مشروع لم ينجز، بل الفكرة التي يتأسس عليها ضمنًا، ومفادها أن الحداثة تعني الحداثة الأوروبية، وأن الحداثة الأوروبية تعني الحداثة كلها. إن هذه الفكرة هي ما يجب وضعه تحت التفحص والنقد". ومن ثم فما هو ضروري، بالنسبة إلى نصار، هو الحفاظ على الاستقلال الوطني والسيادة الوطنية والهوية الوطنية في مواجهة الحداثة الأوروبية، وليس البحث في صحة ما يذهب إليه دعاة الحداثة أو دعاة ما بعدها؛ إذ لم تتحقق في الواقع اللبناني بعدُ، ملامح الحداثة التي تلائم المنطقة لتتحقق ملامح ما بعد الحداثة فيها. وهذا ما يجعل الحديث عن جدلية الحداثة وما بعدها حديثًا لا طائل منه في بلد مثل لبنان، في حين يكون تقييم الحداثة الأوروبية أساسيًا لتسليط الضوء على الدول التي قد تذهب ضحية هذه الحداثة.

((4(ينظر: عبد اللاوي، ص 162–161،.166 (4((نصار، التنبيهات والحقيقة، ص.156 (4((نصار، باب الحرية، ص.34

يؤسس نصار نظرية مختلفة فيما يتعلق بطبيعة تحديد العلاقة بين الدول المختلفة وفق ما تفرضه ظاهرة العولمة من تغيرات، فيرى أن "تنظيم علاقة الاختلاف بين الدول على الصعيد العالمي، في شكل تعايش يتجه نحو التكامل والاتحاد، ينبغي القيام بما هو أكثر من الانفتاح بالتقارب بين الدول العظمى، وأكثر من الاقتداء بتجربة توحيد الدول الأوروبية الغربية. إن الفوارق الصارخة بين دول الشمال ودول الجنوب، والفوارق المتعاظمة بين الدول الصناعية، تسهم إلى حد بعيد في جعل الاختلاف معاشًا بصورة كلية تحت مقولة 'التفاوت الظالم'. والمطلوب في الدرجة الأولى لتخفيف هذه الفوارق ليس سياسة المساعدة بواسطة القروض والمنح، فهذه السياسة لا تخرج عن سياسة القوي تجاه الضعيف وعن سياسة السيطرة بأسلوب خبيث. المطلوب هو سياسة جديدة ترعى الاختلاف بين الدول على الصعيد العالمي، بالروح نفسها التي يرعى بها المجتمع الديمقراطي الاختلاف بين أعضائه". نلمح هنا نظرية نصارية في المواطنة العالمية، تحاول لفت الانتباه إلى كيانات الدول الضعيفة واختلافاتها، وتعلق إمكانية تحقق مواطنة عالمية على تحقيق المساواة بين الدول كافة، ومراعاة التعدد الوطني في العالم، على غرار مراعاة الدولة الديمقراطية التعدد الثقافي فيها. وكأن ما اشترطه هابرماس في تأسيسه مواطنة سياسية داخل الدولة الديمقراطية، اشترطه نصار في إشارته إلى إمكانية عقد علاقات عادلة بين الدول في العالم. فمن الملاحظ أن شروط تحقيق مواطنة سياسية عند هابرماس هي شروط تحقيق مواطنة عالمية عند نصار، وأن شروط تحقيق مواطنة عالمية عند هابرماس هي شروط تحقيق مواطنة سياسية عند نصار، تلك الشروط التي تتصل، أولً وآخرًا، بمسألة التعدد والاختلاف الثقافي أو

الوطني. ولكن ما سبب هذا الالتقاء المتعارض بين نظريتي هابرماس ونصار؟ لماذا راوحت نظرية كل منهما بين الحديث عن مواطنة سياسية والحديث عن مواطنة عالمية؟ لعل السبب هو خصوصية الواقع الأوروبي والواقع اللبناني. فتحقيق مواطنة سياسية داخل أي دولة أوروبية يقضي بمراعاة التعدد الثقافي فيها وحماية الهويات الثقافية المختلفة وتحقيق المساواة في الحريات والحقوق السياسية بين المواطنين كافة، لما تحويه الدول الأوروبية من أفراد متنوعي الثقافات والهويات هاجروا أو لجؤوا إليها من مختلف الدول النامية. أما تحقيق مواطنة أوروبية أو عالمية، فيقضي بتجاوز الأوطان والدول تجاوزًا سياسيًا يحفظ لكل فرد حقه السياسي في أي منطقة

في القارة أو العالم، وباحتواء الهويات الوطنية والقومية المختلفة، وذلك بسبب ما عانته أوروبا في تاريخها من صراعات ثقافية طائفية بين دولها. في الجانب الآخر، لا يزال مشروع تحقيق مواطنة عالمية فكرة طوباوية لدى نصار، ولكنه يعتقد أن إمكانية قيامها متعلق بمراعاة الاختلاف الواقع بين الدول في العالم كله، وذلك لما تعانيه الدول الضعيفة، ومنها لبنان، من خلل في الاستقرار والاستقلال وسط موجة العولمة والحداثة الأوروبية، ولا بد – إذًا – من سياسة عالمية تحفظ السيادة الوطنية لدى الدول. أما تحقيق مواطنة سياسية مدنية داخل المجتمع اللبناني فيكون بتجاوز الهويات الثقافية الطائفية من أجل تقوية عُرى الهوية الوطنية التي من شأنها أن توحد الشعب اللبناني، وذلك بسبب ما شهده تاريخ لبنان من حرب أهلية داخلية بين الطوائف استمرت خمسة عشر عامًا (1989–1975)، انتهت عسكريًا

(4((نصار، التفكير والهجرة، ص.172

باتفاق الطائف الذي انعقد عام 1989، والذي أكد أهمية العيش المشترك بين أبناء الوطن الواحد على اختلاف طوائفهم، ولكن هذه الحرب لم تنتهِ سياسيًا واجتماعيًا؛ إذ أصبح لبنان أكثر طائفية بعد تطبيق

اتفاق الطائف ومأسسته دستوريًّا. بناءً على ما تقدم، نجد أن حرب الثلاثين عامًا في أوروبا التي دفعت هابرماس إلى تركيز نظريته

في المواطنة العالمية على أنموذج الاتحاد الأوروبي، تشبه حرب الخمسة عشر عامًا في لبنان التي دفعت نصار إلى تركيز نظريته في المواطنة السياسية، على ضرورة تحقيق وحدة وطنية تتجاوز التعدد الطائفي، محذرًا من مواطنة عالمية تهدد الهوية الوطنية، فهو يعتقد أنه "إذا اخترق تيار العولمة مجالات الدولة الوطنية الديمقراطية اختراقًا كاسحًا، فإن الأحلام المواطنية العالمية وأوهامها ستغزو مخيلات المواطنين وتضعف شعورهم بأهمية التجذر في بيئة الوطن". لذلك أعلى نصار من شأن الوطنية إلى الحد الذي تخطى بها الاختلافات الثقافية والعلاقات الدولية.

خاتمة

حاولت نظرية المواطنة لدى هابرماس ونصار أن تسلط الضوء على ما يفتقر إليه الواقع الديمقراطي في أوروبا ولبنان، ذلك الافتقار المتمثل في غياب الوحدة السياسية في المنطقة الأوروبية وغياب الوحدة الوطنية في المنطقة اللبنانية. فلم يعترف هابرماس ضمن حديثه عن المواطنة السياسية بتعدد الهويات الثقافية داخل كل دولة أوروبية، إلا من أجل تأكيد إمكانية استيعاب المواطنة الأوروبية أو العالمية تعددًا ثقافيًا أوسع، يشمل الاختلاف الثقافي والوطني بين الدول، ثم يتجاوزه في سبيل تكوين هوية

أوروبية سياسية. بحيث إن حضور الوحدة الكونية متلازم مع غياب التعدد الثقافي والوطني من الناحية السياسية؛ أي ألا تكون الشرعية السياسية محصورة بمجموعة ثقافية واحدة أو وطن واحد. وإذا ما كان الواقع الأوروبي قد شهد اتحادًا جغرافيًا اقتصاديًا، فإنه لم يشهد بعدُ مواطنة أوروبية تستدعي اتحادًا

سياسيًا يمنح مواطنًا في شرق أوروبا حق شرعنة السلطة في غربها، أو مواطنًا في غربها حق شرعنة

السلطة في شرقها. أما نصار، فإن كانت غايته من نظريته المواطنية التي تتمثل في تحقيق وحدة وطنية سياسية بعيدة عن غاية هابرماس، فإن وسيلة تحقيقها تلتقي مع ما اقتضاه الأخير لأجل تحقيق وحدة أوروبية سياسية متجاوزة الأوطان. فالوحدة الوطنية السياسية التي يدعو نصار إلى تحقيقها في لبنان تقتضي اتحادًا لبنانيًا على غرار الاتحاد الأوروبي، ذلك أن لبنان – رغم صغر مساحته – يشبه أوروبا من

ناحية احتوائه مجتمعات مختلفة داخل المجتمع الواحد، ودويلات سياسية داخل الدولة، وتعددًا ثقافيًّا بين المناطق، وانتماءات طائفية ومواطنيات حزبية تشرذم الشعب إلى فئات، تحوز كل فئة

منها حقوقًا سياسية مختلفة عن الأخرى، وتسمح لبعضها بشرعنة جزئية سلطوية دون بعضها الآخر. من أجل ذلك، بدا أن تحقيق مواطنة سياسية في لبنان يستلزم وحدة وطنية واتحادًا لبنانيًا قادرًا

(4((نصار، التنبيهات والحقيقة، ص.158

على احتواء التعدد الثقافي والاختلاف الطائفي والانقسام المناطقي، ويمنح المواطنين اللبنانيين حقوقهم السياسية وحرياتهم في تقرير مصيرهم وشرعنة السلطة الواحدة وسط مجتمع مدني ودولة ديمقراطية علمانية.

References

المراجع

بشارة، عزمي. الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 البلواني، عادل. النظرية السياسية لهابرماس: الحداثة والديمقراطية. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2014 ركح، عبد العزيز. ما بعد الدولة – الأمة عند يورغن هابرماس. الرباط: دار الأمان؛ الجزائر: منشورات الاختلاف، 2011. سبيلا محمد [وآخرون]. يورغن هابرماس: العقلانية التواصلية في ظل الرهان الاتيقي في نقد العلموي والديني والسياسي. إشراف وتحرير علي عبود المحمداوي والناصر عبد اللاوي. الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ بيروت: دار الروافد الثقافية – ناشرون، 2013. ضاهر، مسعود. الجذور التاريخية للمسألة الطائفية اللبنانية 1861–1697. ط 4. بيروت: دار الفارابي،

عبد اللاوي، الناصر. الهوية والتواصلية في تفكير هابرماس. بيروت: دار الفارابي،.2012 كيملشكا، ويل. مدخل إلى الفلسفة السياسية المعاصرة. ترجمة منير الكشو. تونس: المركز الوطني للترجمة، 2010. المحمداوي، علي عبود. الإشكالية السياسية للحداثة: من فلسفة الذات إلى فلسفة التواصل، هابرماس أنموذجًا. الرباط: دار الأمان؛ الجزائر: منشورات الاختلاف،.2011 نصار، ناصيف. نحو مجتمع جديد: مقدمات أساسية في نقد المجتمع الطائفي. ط  3. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.1977 ________. الفلسفة في معركة الأيديولوجية. ط  2. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1986. ________. التفكير والهجرة: من التراث إلى النهضة العربية الثانية. بيروت: دار النهار، 1997. ________. في التربية والسياسة: متى يصير الفرد في الدول العربية مواطنًا؟ بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.2000 ________. باب الحرية: انبثاق الوجود بالفعل. ط  2. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2013.

________. التنبيهات والحقيقة: مقالات إضافية حول الفلسفة والديموقراطية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2019. هابرماس، يورغن. الحداثة وخطابها السياسي. ترجمة جورج تامر. مراجعة جورج كتورة. بيروت: دار النهار،.2002 ________. نظرية الفعل التواصلي: في نقد العقل الوظيفي. ترجمة فتحي المسكيني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020