العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة كتاب محاضرات في تاريخ الفلسفة السياسية لجون رولز

مراجعة كتاب محاضرات في تاريخ الفلسفة السياسية لجون رولز

Book Review Lectures on the History of Political Philosophy by John Rawls

نوفل الحاج لطيف *

Nofal Hajj Latif *

الملخّص

الكتاب : محاضرات في تاريخ الفلسفة السياسية . المؤلف: جون رولز. المترجم: يزن الحاج. الناشر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سنة النشر: 2020. عدد الصفحات: 640.

Abstract

Tunisian researcher, specialist in political philosophy, one of his most important books: The Social Justice Controversy in Liberal Thought (2015). hajltaiefnaoufel@yahoo.fr

الكتاب: المؤلف: جون رولز. المترج م: يزن الحاج. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:

محاضرات في تاريخ الفلسفة السياسية.

الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

يضم الكتاب مجموعة محاضرات في تاريخ الفلسفة السياسية، قدّمها جون رولز لطلُابه، وجمعها أحدهم وهو صامويل فريمان Freeman Samuel، ونشرها بعد إطلاع صاحبها عليها وموافقته على النشر. ولئن كانت دروس الفلاسفة ومحاضراتهم، شأن سائر المحاضرات التي تُلقى على الطلاب، تخدم غايات التكوين والتدريس، وليست مج لً لتدريس فلسفاتهم وآرائهم الخاصة، ففي وسعنا أن نتبين الصلة التي تربط بين ما كان يدرّسه رولز ومشاغله الفلسفية الخاصة به، وتحديدًا قراءته لتاريخ الفلسفة السياسية وفق نظريته في الفلسفة السياسية التي تبحث في أفضل السُبل لتحقيق التصور الأخلاقي الأنسب للعدالة في مجتمع ديمقراطي ليبرالي، وتتحرى نموذج العدالة الاجتماعية الذي يتوافق مع سيكولوجية البشر وخير الفرد، وما يسميه بالوقائع الكبرى للمجتمع. قاده هذا المسعى إلى نقد هيمنة المذهب النفعي على الفلسفة الأخلاقية الحديثة كما في مؤلفات هنري سيدجويك Sidgwick Henry –1838(1900)، وديفيد هيوم Hume David –1711(1776)، وجون ستيوارت مِل Mill Stuart John (1806–1873)، وبلورة تصور للعدالة يستمد أسسه من الفلسفة الأخلاقية لإمانويل كانط Kant Immanuel (1804–1724)، ويعيد توظيف نظرية العقد الاجتماعي كما صاغها وطورها كل من توماس هوبز Hobbes Thomas –1588(1679)، وجون لوك Locke John (1704–1632)،

وقد خصّص رولز المحاضرات الأولى لهوبز (4 محاضرات مع ملحق)، ولوك (3 محاضرات)، وهيوم بوصفه ناقدًا للتعاقدية ومدافعًا عن تصور نفعي للرابطة الاجتماعية (محاضرتان)، وروسو (3 محاضرات). أما من جهة الناقدين للتمشي التعاقدي في الفلسفة السياسية، ففضلً عن هيوم؛ خصص رولز حيزًا مهمًّا من دروسه لمِل (4 محاضرات مع ملحق)، وكارل ماركس Marx Karl (3 محاضرات). في حين تضمنت الملاحق أربع محاضرات عن سيدجويك، وخمس محاضرات مع ملحق عن جوزيف بتلر). 1752–1692(Joseph Butler يبدو لنا أن الاهتمام بفلسفة البريطاني المطران بتلر، يأتي في سياق سعي رولز إلى تجذير نظريته في العدالة إنصافًا. في حين تندرج العودة إلى ماركس ضمن أفق نقدي لليبيرالية من زاوية الحق والعدالة، لتمييز المقاربة الليبرالية للعدالة من المنظور الراديكالي لماركس الذي يسعى إلى اجتثاث أسباب اللامساواة المتمثلة في نظام اقتصادي واجتماعي، يقوم على الملكية الفردية لوسائل الإنتاج. ولأجل ذلك، تكتسي هذه المحاضرات أهمية في قراءة تاريخ الفلسفة السياسية من وجهة النظر الفلسفية الخاصة بالكاتب وهي العدالة إنصافًا. ومن الطبيعي جدًّا أن تكون لنظريات العقد الاجتماعي أهمية خاصة في دروس رولز فيما يتعلق بتاريخ الفلسفة السياسية التي خصها، كما أسلفنا، بمحاضرات شملت أقطابها الكبرى الثلاثة، وهم هوبز ولوك وروسو؛ لأن التمشي الذي اعتمده رولز لصياغة مبادئه في العدالة، هو التمشي التعاقدي كما هو معروف. وتنهض نظريات العقد الاجتماعي على فكرة بديهية أساسية، وهي أن الاتفاق أو الإجماع كفيلٌ بتسويغ السلطة؛ إذ يقول رولز إن الفكرة البديهية لعرف العقد الاجتماعي هي الاتفاق بين أشخاص عقلانيين على أن

يُحكموا بطريقة معيّنة (ص 228–227). وفي هذا المضمار تعقّب رولز في محاضرته الأسس النظرية والمصادر الفكرية للنظريات التقليدية في العقد الاجتماعي، التي استفاد منها في صياغة نظريته في العدالة التي يقول عنها إنها تصلح للمجتمع الديمقراطي الليبيرالي. وقد افتتح رولز سجل محاضراته بحديثه عن هوبز الذي وإن لم يبتكر نظرية العقد الاجتماعي، فإنه ألّف فيها، ويرى رولز أن أهمّ ما كُتب في الفلسفة السياسية الناطقة بالإنكليزية وأكثرها إثارة للإعجاب هو كتاب هوبز الذي يحمل عنوان: اللفياثان Leviathan (ص. 55). بيد أن هذا العمل الفريد ما لبث أن أثار لغطًا كبيرًا لا يزال متواصلً إلى أيامنا هذه. وفي سياق محاجّته بشأن مقاصده السياسية، لجأ هوبز إلى الدوافع التي يشترك فيها جميع الناس حتى في غياب الحاكم؛ إذ إن الناس ميّالون في حالة الطبيعة إلى تغليب مصالحهم الذاتية والسعي إلى تعظيم منافعهم وأرباحهم الخاصة، وتقليص خسائرهم وتكاليفهم ما أمكن. ولأجل حماية تلك المصالح، يصبح من العقلاني تفويض أمر الناس لحاكم يتمتع بالسلطة المطلقة القادرة على ردع نوازعهم الأنانية، وشغفهم بالسلطة والغلبة والهيمنة على غيرهم. ومن هنا تكون طاعة كل شخص لهذه السلطة عقلانية؛ بمعنى أن كل فرد سيربح من التخلي عن الحرية للحصول على الأمن، شرط أن يمتثل لها غيره على نحو متبادل (ص. 118). ومن هنا، لا مجال للحديث عن الفكرة المألوفة للالتزام الخلُقي؛ "لأنها فكرة تتضمن اهتمامًا بالإنصاف". وعليه، فإن الحاجة إلى صاحب السيادة تمليها غاية الحالة المدنية: ضمان الأمن والسلام. فلا سلام ولا أمن للبشر في الخروج من حالة الطبيعة، باعتبارها أسوأ الكوارث التي قد تحل بهم، إلا بتنصيب حاكم يتمتع بأقصى سلطة مطلقة ممكنة (ص. 133). وحينئذ لا مفر من أمرين: الاستبداد أو الفوضى. وبطبيعة الحال، لا يتفق ذلك مع فلسفة رولز في العدالة؛ لأن استقرار المؤسسات الديمقراطية الدستورية، يحتاج إلى تعاونٍ قوامُه ضبطُ النفس المتعقّل، والإحساس بالإنصاف، وهي فكرة غير موجودة عند هوبز أو لوك الذي قدّم صيغة للعقد الاجتماعي تختلف عن تلك التي نجدها لدى هوبز؛ إذ لا تنتهي إلى تسويغ الحكم المطلق، وتقرّ مبدأ حماية الحريات المدنية في الوضع المدني. فلوك في رأي رولز يظل بعيدًا عن مقتضيات العيش في ظل مؤسسات ديمقراطية تجعل التعاون والتفاهم وضبط النفس أمرًا ممكنًا؛ إذ إن أقصى ما تستطيع نظرية لوك فعله في هذا السياق، هو "تقديم تسويغ لمقاومة الملك ضمن سياق دستور مختلط" (ص. 160) يتقاسم فيه العرش السلطة مع البرلمان، من دون أن تقطع مع أسباب الجور والاستبداد. ويخلص رولز إلى أن وعي روسو بحجم الأذى الناجم عن اللامساواة، وتمثله لمبادئ الحق والعدالة التي يجب تحقيقها في مجتمع يسعى إلى تفادي اللامساواة البغيضة، وتأكيده أن يكون لجميع المواطنين نصيبٌ متساوٍ من السلطة السياسية، وأنهم أحرار في مجتمع يكون فيه كل فرد مشرّعًا للقوانين التي يجب على الجميع الامتثال لها، يعكس نظرة عميقة لأهمية المساواة، حتى إن رولز يقول: "إن العدالة إنصافًا هي أقرب إلى تصور روسو" (ص. 364) من هذه الناحية. غير أن ما يلاحظ هو أن قوة محاضرات رولز تكمن في تحليله لتقليد العقد الاجتماعي الذي استلهم منه منهجًا لتسويغ مبادئه في العدالة في كتاباته،

إلا أن ما يمكن أن يخيّب – في رأينا – انتظارات القرّاء، وحتى طلابه الذين تابعوا محاضراته، هو أنها لم تخصص حيزًا للنسخة الكانطية من العقد الاجتماعي، ولا سيما أن النسخة الرولزية من العقد الاجتماعي أكثر اقترابًا من التصور الكانطي للعقد منها إلى هوبز وروسو ولوك. أما تركيز رولز على مِل وسيدجويك، فيجد ما يسوّغه هنا؛ بحيث يبدو نقده للمنفعية في شخصيهما أقل حدة مما كان عليه الأمر في مؤلفاته السابقة؛ إذ يرى أن مِل مهّد الطريق لمجتمع علماني تسوده قيم العدل والمساواة والحرية  (ص. 405)، وبالرغم من أن تصور مل للرابطة الاجتماعية تصور نفعي، فإن البنية الأساسية للمجتمع التي كان سينتهي إليها، هي في جوهرها ذات البنية الأساسية التي تسعي إليها العدالة إنصافًا. والسؤال هو كيف قادت مل نفعيته إلى مثل هذه النتائج التي توصّل إليها رولز نفسه؟ لا بدّ من أن يكون الجواب معقّدًا، فنفعية مِل تختلف إلى حدّ بعيد عن نفعية جيريمي بنثام Bentham Jeremy في أن هذا الأخير لا يعترف بالمتع والمنافع النوعية مثل الشعر والمعرفة والموسيقى والفنون، ويحصر المنفعة في صفاتها المادية والكمية مثل القوة والدوام. لذلك بدا يحظى من هذه الجهة بضرب من التعاطف من رولز؛ لأنه يراه أقرب النفعيين إليه وإلى فلسفته. أما قراءة رولز لسيدجويك، فتبدو مثيرة للانتباه؛ إذ يعتبر "أن أصالته تكمن في رؤيته القائلة إن أيّ تسويغ منطقي ومُرضٍ لأي تصور أخلاقي معين، يجب أن ينطلق من معرفة كاملة ومقارنة منهجية للتصورات الأخلاقية الأكثر أهمية في التقليد الفلسفي" (ص. 510)، بل إنه يرى أن كتاب مناهج الأخلاقيقدم نموذجًا يريد من الفلسفة الأخلاقية أن تحاكيه (تصدير محرر الكتاب، ص 16–15). ولئن اتفق جميع النفعيين على أنه يجب على السياسات العامة والأفعال الخاصة أن تعمل على تعظيم السعادة، وهو معيار نهائي لتجاوز المآزق الأخلاقية، فإن مِل يسمح بتعظيم قيم أخرى غير الملذات، ويعتقد أن بعض الملذات تتفوق نوعيًا على غيرها، وهذه الملذات الأعلى تُحدَّد من خلال اختبار "التفضيل المقرر" (ص. 354)، فإذا كان أولئك الذين اختبروا كلا النوعين من المتعة يفضلون بانتظام نوعًا على آخر، فإن النوع المفضّل يكون أعلى. نشعر جميعًا بأن بعض أنماط الحياة أكثر كرامة وأكثر ملاءمة لطبيعتنا من غيرها، ولذلك بقدر تمسكنا بالكرامة، نريد أن نعيش في اتحاد مع الآخرين. ومعنى ذلك أن الناس يريدون أن يتحروا العدالة وقاعدة التبادلية في أفعالهم، في نظر رولز ومِل، وهي رغبة تزداد حدّة مع تقدّم الحضارة. وندرك أهمية الاهتمام بمصالح الجميع، وعلى قدم المساواة، إذا أردنا أن نقيم مجتمعًا يحترم كرامة أعضائه. وهذا ما يعكسه تصور مل للعدالة بوصفها حماية الحقوق القانونية، وتحقيق الحقوق الأخلاقية، وإعطاء الناس ما يستحقون، والاعتزاز بالكرامة، وتدبير الحُكم بنزاهة. وعلاوة على ذلك، لدينا مصلحة أساسية متساوية في الحرية الشخصية؛ أي في القدرة على أن نقرر بأنفسنا كيف نعيش حياتنا. ويرى مل، بحسب رولز، أن التهديد الحديث للحرية لا يأتي من السلطة السيادية، ولكن من الرأي العام الذي يقمع الفردانية ويفرض الامتثال الأحمق. كما يرى أن مبدأ السماح بالحرية القصوى، ما دام لا يترتب عليه ضرر بالآخرين، هو "مبدأ العقل العمومي" لعصر ديمقراطي مقبل (ص. 490).

تنص عقيدة مل السيكولوجية على أن لكل شخص مصالح أساسية، ويرى أن التقدم الاجتماعي سيكون مضمونًا وفق ما يتناسب مع القناعات المشتركة لعموم الناس. يتطلب تعظيم المنفعة، إذًا، تعظيم مدى تحقيق هذه "المصالح الدائمة للإنسان بوصفه كائنًا تقدميًّا". وبهذا، تتطلب المنفعة حقوقًا متساوية في حرية التفكير والتعبير، بما في ذلك الحرية الدينية، وحرية اختيار المهنة وطريقة العيش، والمساواة في الزواج، وتأكيد أن المساعدة العامة ستكون متاحة لأولئك الذين لا يستطيعون مؤقتًا مساعدة أنفسهم، فما يسوّغ الحقوق هو مدى قدرتها على حماية مصالحنا الأساسية. ويبدو أن مِل يفترض أن تعظيم السعادة وحماية كل هذه الحقوق سينتهي دائمًا إلى الشيء ذاته. يعتقد رولز أن وجهة نظر مِل لا تختلف كثيرًا عن وجهة نظره؛ إذ تنتهيان إلى تشكيل "وفاق تقاطعي" (ص. 365). لكنه غير مقتنع بطريقة مل في إقامة نظريته على عقيدة سيكولوجية شديدة التعقيد ومثيرة للجدل. ولم يفوّت رولز فرصة استحضار افتراضات المذهب النفعي الكلاسيكي ومختلف مفاهيمه وتعقبها بالنقد كدأبه في سائر مؤلفاته، مصرًّا على أن النفعية لا يمكنها أن تعطي وزنًا كبيرًا للإحساس بالحق والعدالة، وللمفاهيم المستقلة عنهما التي تجعلهما مفهومين (ص 543–542). وإن حدث هذا، فسيكون بطريقة ضمنية ومخصوصة وغير منهجية. وتبعًا لذلك، ستميل إلى التمييع أو القمع للإحساسات الأخلاقية والميول النفسية التي يتوقف عليها تأكيد قيمنا الأخلاقية. ومن شأن هذا أن يساعدنا في فهم السبب وراء اعتقاد رولز بأن المجتمع السياسي النفعي الحقيقي يقوّض ثقة المواطنين في قيمتهم الخاصة، وأن احترام الذات له شروط اجتماعية مسبقة على غاية من الأهمية. يرى رولز أن افتراض هوبز أن الوحدة تفترضها حالة الطبيعة غيرُ ملائم على الإطلاق، ومن ثم ليس البشر قادرين على التعاون الاجتماعي، فالإذعان لقوانين الطبيعة يفترض تغليب النزعة الأنانية والمصلحة الفردية، وليس لأن الآخرين يفعلون ذلك، "فالناس لا يملكون ارتباطًا، أو رغبة... إلخ؛ للتصرف وفق مبدأ ضبط النفس المنطقي أو المعاملة بالمثل (الإنصاف) لذاتها" (ص. 137). في المقابل، يدعونا رولز إلى تدبر أطروحة بتلر المناهضة لذلك؛ إذ جاء في العظة الأولى من عظاتهقوله: "من العبث التأملي اعتبار أنفسنا منفردين ومستقلين، مع عدم امتلاك أي شيء في طبيعتنا فيه احترام للكائنات المماثلة لنا، المختزل إلى فعل وممارسة. وهذا هو العبث ذاته، مثل افتراضنا أن كفًّا أو جزءًا من الجسد، ليس عنده احترام طبيعي للآخر، أو للجسد بأكمله" (اقتباس من عظات بتلر، في الهامش ص 578–577). تلك هي وجهة النظر البتلرية التي يعتقد رولز أنها يمكن أن تقدم "إجابة عميقة" لوجهة نظر هوبز (المفترضة) بأننا "غير ملائمين للمجتمع" (تصدير المحرر، ص 16)، وقد استطاع من خلال ذلك أن يكتشف الصلة بين تصور كل من كانط وبتلر للضمير الأخلاقي، واستفاد رولز من ذلك في بلورة مفهومه عن "السيكولوجيا الأخلاقية" الذي طوره في سياق البحث عن أساس أخلاقي وفلسفي لتصوره السياسي للعدالة، فالعدالة والأخلاق لا تناقضان الطبيعة البشرية، وقد تكونان مفيدتين لخير البشر. وفي ذلك يقول فريمان: "جدير بالذكر أن مناقشة رولز التسوية التي طرحها بتلر بين الفضيلة الأخلاقية و'حب الذات'، مشابهة لحجة رولز في ما [يخص] انسجام الحق والخير" (تصدير المحرر، ص.)17

يتفق رولز مع بتلر في هذه النقطة، ويكشف عن مدى خطأ النقاد الذين يصورون مشروعه بأنه مدفوع بنظرة فردانية قوية. ومع ذلك، يحق لنا أن نتساءل عن مكمن الخلاف بين فردانية هوبز ووجهة نظر رولز المدافعة عن ليبرالية تقوم على عدالة اجتماعية توزيعية، ترى أن استقرار المجتمعات الديمقراطية الحديثة متوقف على مدى قدرتها على ضمان التوزيع العادل لفوائد العيش المشترك والتعاون الاجتماعي وتكاليفهما. وقد حشد رولز، شأنه شأن هوبز، تجربة فكرية تعاقدية لإقناع قرائه بصحة نظريته. ولكن إذا كانت حالة الطبيعة الفردانية لهوبز لا تستطيع تفادي إقرار نظام حكم مطلق قادر على ردع النزعات الأنانية المدمّرة للأفراد، فأنَّى يمكن للوضع البدئي غير الاجتماعي الذي يتصوره رولز أن يتجنب ذلك، وينتهي إلى إقرار نظام سياسي ديمقراطي قائم على العدالة والحرية والسلم الأهلي؟ إن هذا السؤال هو مدار نقاش اليوم بين المدافعين عن تصور هوبزي للعقد الاجتماعي أمثال جان هبتون Hepton John وجيمس بوكنان James والمدافعين عن تصور رولزي كانطي للعقد الاجتماعي أمثال فريمان وجيريمي والدرون

أما من جهة الاتجاهات الراديكالية الرافضة لليبرالية وللعدالة إنصافًا، فيعرض رولز أربعة من اعتراضات ماركس على الليبرالية، مقدّمًا ردودًا موجزة عليها (ص 436–435). ويناقش بشيء من التفصيل القضية الشائكة فيما إذا كان لماركس نظرية للعدالة أم لا. وفقًا لرولز، يعتقد ماركس أن الرأسمالية تنتج بالضرورة مجتمعًا غير عادل (ص 481–480)، وأنه عندما يتم التغلب على الرأسمالية وإقامة "مجتمع من المنتجين المجتمعين بشكل حر" (ص. 485)، لن تكون هناك حاجة إلى التفكير في العدالة. فهذه الأفكار تنتمي إلى الوعي الأيديولوجي الذي سيتلاشى مع الرأسمالية، شأنه شأن الاغتراب، وسنحقق مجتمعًا يغيب فيه الاستغلال، ويشترك فيه الجميع على قدم المساواة في ثروة المجتمع وفي إدارة شؤونه. وبهذا يبدو المجتمع الماركسي مجتمعًا عادلً، لكنه بطريقة تثير الاهتمام مجتمع "يتخطى العدالة"، والسبب هو أن "أعضاء المجتمع الشيوعي ليسوا أناسًا مدفوعين بمبادئ العدالة وفضائلها [...] لكن الاهتمام المشوش بشأن العدالة، والجدالات بشأن ما تتطلبه العدالة، ليست جزءًا من حيواتهم المشتركة. هؤلاء الناس غرباء عنا؛ من الصعب توصيفهم" (ص. 501). ومع أن سمة المجتمع المثالي أغرت ماركس، فإن رولز يرى أنها غير مرغوب فيها، فلن تتحقق العدالة دون مواطنين يهتمون بها ويدركون أهميتها القصوى. وفي الختام يمكن أن نقول إن المحاضرات المجمّعة في هذا الكتاب، رغم زعم محررها، لم تشهد تجديدًا قياسًا لما تقدّم من مؤلفات صاحبها، ولم نلاحظ فيها تغيرًا كبيرًا عما سبق نشرُه لرولز، بل إنها تتقاطع في كثير منها، إلى حد بعيد جدًا، مع المؤلفات السابقة المعروفة له. ولعله لأجل ذلك؛ تردد كثيرًا قبل أن يأذن بنشرها. ومع ذلك فإن الكتاب، يمثل في نهاية المطاف، إضافة نوعية في سلسلة المراجع المفيدة في غرضه وأغراض أخرى متشابكة، وكذلك في سلسلة كتابات رولز المترجمة إلى العربية، وهي إضافة تضع القراء عمومًا، وليس المختصين فحسب، أمام فرصة جديدة للاطلاع على أفكار فيلسوف، ما انفكت تثير لغطًا كبيرًا منذ صدور مؤلفه العمدة نظرية في العدالة A Theory