العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الليبرالية وحرية التعبير: قراءة في الخلفيات الفلسفية لجدل قانوني وسياسي

الليبرالية وحرية التعبير: قراءة في الخلفيات الفلسفية لجدل قانوني وسياسي

Liberalism and Freedom of Expression: The Philosophical Background of a Legal and Political Debate

منير الكشو *

Mounir Kchaou *

الملخّص

تبرز هذه الورقة الخلفيات الفلسفية للحجاج الليبرالي لصالح حرية التعبير، وتمييزها من تلك الخاصة بالمقاربة الجمهورانية التي تؤكد علوية القيم والفضائل الجماعية والمدنية على الحقوق والحريات الفردية، وتقصر مدى حرية التعبير على ما تسمح تلك القيم والفضائل بالتعبير عنه. فقد تميزت المقاربة الليبرالية بطابعها الفرداني وبدفاعها عن حرية التعبير، باعتبارها حقًّا أساسيًا للفرد، لا يمكن الحدّ منه إلا بما يخدم حرية التعبير ذاتها، لا غايات خارجة عنها. كما تعرض الورقة البحثية أشكال الحجاج التي قدّمتها الليبرالية للدفاع عن حرية التعبير وفقًا للنظريات الأخلاقية التي تبناها الفلاسفة الليبراليون، وتعمل على إبراز نقاط القوة والضعف في كل واحد منها. وفي جزئها الأخير تناقش وجاهة المبدأ الذي استندت إليه الفلسفة الليبرالية لتسويغ تقييد حرية التعبير، وهو مبدأ الضرر الذي صاغه جون ستوارت مِل، والذي لا يجيز للمجتمع وللسلطة العامة منع شخص من التعبير عن رأيه، إلا في حالة توافر قرائن، تشير إلى أن ذلك يعرّض غيره لضرر مادي متأكد. إن الأحداث والوقائع التي عاشتها المجتمعات الديمقراطية، أثبتت عدم كفاية مبدأ الضرر؛ ما جعل الفيلسوف جويل فاينبرغ يدعو إلى رفده بمبدأ آخر هو مبدأ الإساءة الذي ينص على ضرورة الحماية القانونية للأشخاص ضد الإساءة أيضًا، وليس ضد الضرر فحسب.

Abstract

Abstract: This article seeks to uncover the philosophical background of the liberal argument in favour of freedom of expression, and to distinguish it from the philosophical background of the republican approach to this freedom. Crucially, the republican approach gives prominence to collective civic values and virtues over individual rights and tends to limit freedom of expression to what those values and virtues find acceptable. In contrast, the liberal approach is distinguished by its individualistic character and its defence of freedom of expression as a fundamental individual right that may only be restricted in service of this freedom, not of collective goals. Further, the article unpacks the various arguments developed by the liberal tradition to legitimise freedom of expression, in accordance with the ethical theories of liberal philosophers, and will assess the strengths and weaknesses of each argument. Finally, the article discusses the relevance of the principle by

الكلمات المفتاحية:
  • الليبرالية
  • حرية التعبير
  • القانون
  • السياسة
Keywords:
  • Liberalism
  • Freedom of Expression,
  • Law
  • Politics

من تلك الخاصة بالمقاربة الجمهورانية التي تؤكد علوية القيم والفضائل الجماعية والمدنية على

الحقوق والحريات الفردية، وتقصر مدى حرية التعبير على ما تسمح تلك القيم والفضائل بالتعبير

عنه. فقد تميزت المقاربة الليبرالية بطابعها الفرداني وبدفاعها عن حرية التعبير، باعتبارها حقًّا أساسيًا

للفرد، لا يمكن الحدّ منه إلا بما يخدم حرية التعبير ذاتها، لا غايات خارجة عنها. كما تعرض الورقة

البحثية أشكال الحجاج التي قدّمتها الليبرالية للدفاع عن حرية التعبير وفقًا للنظريات الأخلاقية

التي تبناها الفلاسفة الليبراليون، وتعمل على إبراز نقاط القوة والضعف في كل واحد منها. وفي

جزئها الأخير تناقش وجاهة المبدأ الذي استندت إليه الفلسفة الليبرالية لتسويغ تقييد حرية التعبير،

وهو مبدأ الضرر الذي صاغه جون ستوارت مِل، والذي لا يجيز للمجتمع وللسلطة العامة منع

شخص من التعبير عن رأيه، إلا في حالة توافر قرائن، تشير إلى أن ذلك يعرّض غيره لضرر مادي

متأكد. إن الأحداث والوقائع التي عاشتها المجتمعات الديمقراطية، أثبتت عدم كفاية مبدأ الضرر؛

ما جعل الفيلسوف جويل فاينبرغ يدعو إلى رفده بمبدأ آخر هو مبدأ الإساءة الذي ينص على ضرورة

الحماية القانونية للأشخاص ضد الإساءة أيضًا، وليس ضد الضرر فحسب.

​Professor in the Department of Philosophy at Doha Institute for Graduates Studies. mounir.kchaou@dohainstitute.edu.qa

which liberalism justifies the limitation of freedom of expression. Crafted by John Stuart Mill, the "harm principle" prevents individual expression only when there is evidence that doing so would cause material harm to others. This paper argues that recent events faced by democratic societies prove that the harm principle is insufficient and supports the calls of philosopher Joel Feinberg (1926–2004) for its supplementation with the "offence principle", where individuals are protected by law from offences as well as harms.

مقدمة

يحتدم الجدال اليوم في الديمقراطيات الراسخة كفرنسا والولايات المتّحدة الأميركية وغيرهما حول حرية التعبير؛ إذ تتداخل حرية التعبير مع حريات أخرى وقيم مشتركة جماعية وتتشابك معها. فكلما طُرحَت مبادرات تشريعية لتنقيح القوانين المنظمة لها أو كلّما جدّت أحداث

تهزّ الرأي العام والساحة السياسية – مثل حصول عمليات إرهابية أو اعتداء قوات أمنية على صحافيين

لمنعهم من نقل الأخبار وما شابه هذا – طُرحَ السؤال حول مدى أولويتها على قيم أخرى يثمّنها

المجتمع، مثل الأمن أو النمو الاقتصادي أو احترام التعددية الثقافية والدينية، وحول الحدود التي ينبغي الوقوف عندها. ولئن انحصرت الصورة التقليدية للجدل حول حرية التعبير، في التفكير في الحدود التي ينبغي على الحكومات احترامها، حتى تمكّن الأفراد والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني من التعبير عن آرائهم بحرية؛ فقد تغيّر الوضع في العشريتين الأخيرتين، مع تطور شبكات التواصل

الاجتماعي وانتشارها، إلى حدٍّ أصبحت فيه مصدرًا للمعلومة والتحليل، يتفوّق أحيانًا على وسائل

الإعلام التقليدية، من حيث القدرة على التواصل مع جمهور كبير وإتاحة التعبير لعدد كبير من الناس، وخصوصًا الجماعات التي عانت الاضطهاد والتمييز مثل النساء والسود والأقليات العرقية والدينية

والثقافية. وقد ترافق تحرير الكلمة، بفضل ما وفّرته شبكات التواصل الاجتماعي من إمكانات، مع اكتساح الفضاء الافتراضي من جماعات مهيكلة حول هويات جمعية مثل الجنس والنوع الاجتماعي والعرق واللون، واستخدامها شبكات التواصل للدعاية لآراء راديكالية. فلا تتوانى هذه الجماعات عن التحريض على العنف على الآراء المخالفة لها، وخاصة تلك التي تدافع عن حرية التعبير باعتبارها حقًّا للأفراد قبل أن يكون للجماعات، نافية أن يكون للأفراد وجود وهوية خاصة خارج إطار جماعة انتمائهم. وبطبيعة الحال، لم تقف المواجهة عند حدود الفضاء الافتراضي، بل امتدت إلى الجامعات ومدرجات التدريس وفضاءات الجدل السياسي ووسائل الاتصال التقليدية التي ظلت، في رأي هذه الجماعات، تحت سيطرة وجهة نظر ليبرالية، تعتبر حرية التعبير حقًّا للفرد قبل أن يكون للجماعة التي تتحدد من خلالها هويته الخاصة. لأسباب كهذه تواجه الفلسفة الليبرالية، التي ارتبط اسمها تاريخيًا بالدفاع عن الحريات الفردية وحرية

التعبير بوصفها حقًّا للفرد في المقام الأوّل، نقدًا في المشهد السياسي للبلدان الديمقراطية؛ فمن جهة

اليسار يُعاب عليها تصورها الفرداني لحرية التعبير؛ ما جعلها قاصرة عن الدفاع عن التعددية وعن حق

الأقليات في التعبير عن نفسها وعن مخاوفها من هيمنة الجماعة الثقافية الغالبة من السكان. أما اليمين فيعيب عليها تسامحها مع أشكال من التعبير تهدد القيم التي بُنِي عليها نظام المجتمع. ومع أن الليبرالية لم تتبلور مذهبًا وفلسفة نسقية مكتملة الأركان إلا بداية من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فإنها

نجحت في استيعاب الحجج التي قُدِّمت في العصر الحديث للدفاع عن الحرية عامة وحرية التعبير على نحو خاص، وجعلها جزءًا من مذهبها. لذلك يعتبر الليبراليون أن الخطاب الذي وجهه الفيلسوف

والشاعر الإنكليزي جون ميلتون Milton John (1608–1674) الموسوم ب  أريوباجيتيكا Areopagitica إلى برلمان بلده سنة 1644، يحثّه فيه على حماية حرية الصحافة ووضع حدود للرقابة على النشر، أو مقالة في حرية الصحافة لديفيد هيوم Hume David (1711–1774) في القرن الثامن عشر، ورسالة في التسامح لجون لوك Locke John (1704–1632)، وما كتبه جون ستيوارت مِل Mill Stuart John (1806–1873) في مؤلفه عن الحرية حول حرية الفكر والنقاش، جزءٌ من التراث الليبرالي الذي ساهم

في إنضاج المقاربة الليبرالية لحرية التعبير وصياغة مرتكزاتها. وقد تميّزت المقاربة الليبرالية لحرية التعبير بوجهتها الفردانية؛ أي بمعنى أنها اعتبرت أن هذه الحرية

حق للفرد يمتلكه ويحاج من خلاله دولته ومجتمعه وعشيرته وجماعته؛ لذلك لا يمكن تقييدها أو الحدّ من استعمالها لدى الشخص، إلا لحماية حرية أفراد آخرين وحقهم هم أيضًا في التمتّع بها، وألّ يلحقهم أذى من جرّاء تعبير شخص ما عن رأيه. غير أن الليبراليين لم يكونوا دومًا متفقين

حول طبيعة هذا الأذى، فلئن أخذ بعضهم بالمبدأ الذي صاغه ستوارت مِل، وعُرِف بمبدأ الضرر Principle Harm الذي يحصر الحالات التي يجوز فيها منع شخص من التعبير في تلك التي ينجرّ فيها

عن التعبير عن الرأي خطرٌ مؤكد على السلامة الجسدية لشخص ما، وعلى حياته، وتبنوا لذلك موقفًا

يسعى إلى توسيع هذه الحرية، اعتبر آخرون أن مبدأ الضرر المادي غيرُ كافٍ اليوم لمعالجة المشاكل

التي تنجم عن ممارسة حرية التعبير، وأنه لا بد من الاعتراف بأنواع من الإساءة النفسية والذهنية التي تسبّب وجعًا وشعورًا بالمهانة لدى الناس، من جرّاء الاعتداء على مشاعرهم الأخلاقية أو الدينية،

تستحق هي الأخرى التدخل من أجل حماية الأفراد ضدّها. لكن يظل هذا التدخّل، مثلما هو الحال بالنسبة إلى مبدأ الضرر، يهدف إلى حماية الفرد وحقه في السيادة على نفسه ومشاعره، وليس من أجل حماية الأخلاق العامة أو تقاليد المجتمع أو المعتقدات الدينية أو الأمن القومي والاستقرار المجتمعي، كما تدافع عن ذلك وجهات نظر أو مقاربات أخرى غير ليبرالية. إن غرضنا في هذه الدراسة هو إبراز الخلفيات الفلسفية التي قام عليها الحجاج الليبرالي من أجل حرية التعبير، وتمييز هذه الخلفيات من الخلفيات المساندة لمقاربة أخرى لحرية التعبير وسمناها ب "المقاربة الجمهورانية". في الجزء الأول من الدراسة سنحدد طبيعة الممارسة المعنيّة بهذه الحرية، وفق المقاربة

الليبرالية، وإن كان المقصود بالتعبير هو الكلام والرأي الذي يُدلى به شفويًا وفي منشورات، أو كان

أوسع نطاقًا بما يشمله من ممارسات متنوعة ومتعددة، لا يكون فيها صاحب الحق مُعبِّرًا فقط؛ إذ

للجمهور المتابع والمتلقي دور أساسي كذلك. وفي الجزء الثاني سنفحص الحجج الداعمة للحق في حرية التعبير التي قدّمها الفلاسفة الليبراليون، والخلفيات الفلسفية والاختيارات القيمية الثاوية وراءها.

وفي الجزء الثالث، نناقش المبدأ الذي وضعه مِل في القرن التاسع عشر والذي عُرِف فيما بعد بمبدأ الضرر الذي يضبط الحدود التي يجوز ضمنها التدخّل لمنع الفرد من التعبير عن رأيه من دون الوقوع في مطبّ الأبوية والوصائية، وسنعرض التحديات التي يواجهها في ضوء أحداث ونقاشات عرفتها

بعض الديمقراطيات في السنوات الأخيرة، دعت الفلاسفة الليبراليين إلى مراجعته ورفده بمبدأ آخر وهو مبدأ الإساءة.

أولا: حق التعبير أم حق الكلام؟

هناك جدل اليوم حول معنى حرية التعبير؛ هل يمكن اختزالها في حرية الكلام أم أن لها معنى أوسع؟ وعندما ننظر إلى النزاعات المتعلقة بالحق في حرية التعبير التي عرفتها المجتمعات الغربية طوال الفترة من أواخر القرن الثامن عشر إلى بدايات القرن التاسع عشر، نلاحظ أنها كانت تقتصر على حرية الكلام والصدع بالرأي ونشره وإيصاله إلى الآخرين. غير أننا نلاحظ اليوم أن المشمولين بحرية التعبير ليسوا الصحافيين والكتاب والإعلاميين فحسب، بل الفنان والرسام والموسيقي والمغني والشاعر، وكذلك المواطن الذي ينزل إلى الشارع للتعبير عن رأي أو الذي ينضمّ إلى آخرين للقيام بحركة احتجاجية في

مكان عام. كل هؤلاء يعبّرون أيضًا عن موقف أو رأي أو إحساس أو فكرة تشغلهم، بأدوات ووسائل

لا تقتصر على الكلام. ومع طول العهد، توسّعت حرية التعبير لتشمل التعبير عن المواقف والآراء وفق

صيغ وأشكال مختلفة غير عنيفة، ولم تعُد تقتصر على الكلام، فالكلام هو أحد أشكال التعبير وليس كلها. من جهة أخرى، يُطرح السؤال حول هوية صاحب الحق في حرية التعبير. وفي هذا الصدد نجد في

كثير من الأحيان رأيًا يقول إن المعنيّ بحرية التعبير هو أساسًا المُعبِّر. لكن هل يعني ذلك أن المتكلم

أو الرسّام أو المحتجّ في الشارع؛ أي المُرسل، هو وحده المعني بحريّة التعبير، أم أن المستمع والمتلقي

معنيّ بهذا الحقّ أيضًا؟ من الملُاحظ أن المتلقي يتضرّر أيضًا عندما يُمنع شخص من التعبير عن رأيه.

فإذا كان المُرسل يتضرّر بمنعه من التعبير فإن الضرر الأكبر هو الذي يلحق المتلقي؛ لأنه حُرم من

الاطلاع على معلومة أو رأي أو فكرة يمكن أن تغيّر تفكيره أو أسلوبه في الحياة أو نمط عيشه أو نظرته

للعالم. ولهذا نوافق الرأي الذي يعتبر أن الطرف الرئيس وصاحب الحقّ في حريّة التعبير هو أساسًا

المتلقي، فهو صاحب الحقّ الأصلي، أما المتكلم فحقّه مشتقّ من هذا الحقّ الأصلي الذي هو حق الجمهور والمتلقين في الاطلّاع على الأفكار والمعلومات والتجارب التي من شأنها أن تطوّر التجربة

الشخصيّة لكل منهم وتثريها. وفي هذا السياق يمكن أن نورد مث لً لكاتب رواية متوفَّى. فالذي له

صفة للدفاع عن حقّ التعبير هنا هو من يطالب بحقٍّ في أن يطّلع على الكتاب وأن يعرف ما يحتويه، ويكون صاحب الحقّ هنا هو القارئ في المقام الأول. ويمكننا أن نستحضر كُتبًا غدت مصدر إزعاج

للمجتمع ولبعض المؤسّسات أو للسلطات الدينية أو السياسية، فأرادت منع تداولها. ولعل خير مثال

(1) David Braddon–Mitchell & West Caroline, "What Is Free Speech?" The Journal of Political Philosophy , vol. 12, no. 4 (2004), pp. 437–460; Larry Alexander, Is There a Right of Freedom of Expression? (Cambridge: Cambridge University Press, 2005), pp. 8–10.

على ذلك ما حصل لكتاب ألف ليلة وليلة الذي تتالت في شأنه منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي قرارات وأحكام بمنع إعادة نشره، وأثارت ردود أفعال وجدالات في مصر وفي البلدان العربية وفي العالم، حول مدى أحقية مؤسسات – مثل مؤسسة الأزهر – أو أشخاص، في التقدّم للقضاء بطلبات مصادرة كتب أو منع إعادة نشرها وتداولها، بدعوى أنها تتضمن مظاهر خادشة للحياء ولتقاليد مجتمع إسلامي. فالمتضرّر هنا من المنع ليس الكاتب بطبيعة الحال، وإنما جمهور القرّاء والمتلقّين الذين يريدون الاطلّاع على مضمون الكتاب. إذًا، يبدو لنا أن الرأي الأصوب هو ذاك الذي يُسند الحقّ في حرية التعبير إلى المتلقّي، في حين يعتبر الحقّ الذي يتمتّع به صاحب الرأي وناشر المعلومة حقًّا مشتقًّا من الأوّل؛ فمنعه من التعبير والنشر وحرمانه من حقّ إبلاغ خبر أو رأيٍ، هو في الأساس حرمان للجمهور. ويمكن تصنيف هذا الحق ضمن الحقوق السلبية، بمعنى أن ممارسته تفترض غياب المانع. وهو حق للمُرسل أيضًا؛ أي لصاحب الرسالة أو المتكلم، لكن على نحو فرعي لا أصليّ. وعلى هذا النحو يمكن اعتبار حرية التعبير حقًّا أصليًّا للفرد في تلقي الأخبار والأفكار وتداولها، ومن ثم للمجتمع لتطوير القدرات الكامنة فيه للتقدم والترقي.

ثانيًا: الحجاج من أجل حرية التعبير

لمّا كانت حرية التعبير إحدى الحريّات العامة، فهي دائمًا في تماس مع حريات أخرى وقيم اجتماعية، وفي تفاعل معها، ولا بدّ لذلك من إيجاد توافق مجتمعيّ حول كيفية ممارستها على نحو لا يضرّ بأصحاب حق في حرية أخرى يرونها أساسية ولا تقلّ أهمية عنها. فحرية مجموعة مثلً في تنظيم وقفة احتجاجية في مكان عمومي، أمام إدارة أو وزارة للاحتجاح على سوء الخدمات، أو للتقدم بطلب لم تصغِ إليه السلطات، يمكن أن تتعارض مع حريّة جَولَان الناس ومرورهم في ذلك المكان العام وحقّهم في أن لا يزعجهم أحد في ممارسة تلك الحرية، أو حرية التُجّار الذين تقع محلاتهم في ذلك المكان أو بقربه في ممارسة أعمالهم من دون تعطيل لمصالحهم. لا بُدّ إذًا من التفكير في كيفية التوفيق بين هذه الحريات على صعيد الممارسة. فعدد لا يستهان به من القضايا التي تُرفع أمام المحاكم في بلدان ديمقراطية تتعلق بالموازنة بين هذه الحرية وحريات وقيم أخرى يثمّنها بعض الناس. نذكر من الأمثلة على ذلك، القضايا التي رُفعت ضدّ التجنيد الإجباري في

الجيش في الولايات المتّحدة الأميركية، وأثيرت فيها المسألة التالية: هل يحقّ لمن يرفض المشاركة في الدفاع عن الوطن أن يعبّر عن رأيه ويشرح الأسباب التي دفعته إلى التخلّف عن الخدمة العسكرية وأن تعرض وسائل الإعلام رأيه؟ وكذلك قضيّة اتُّهم فيها شخص بحرق علم الولايات المتّحدة الأميركية

أمام مكان نُظّم فيه مؤتمر للحزب الجمهوري، وحوكم إثر ذلك بالاعتداء على العلَم الذي هو رمز

(((جابر عصفور، "دفاع مجيد عن 'ألف ليلة وليلة'"، مجلة العربي، العدد 629، شوهد في 2022/8/14، في: https://bit.ly/3JSgtSm

الأمّة. فهل يتعلق الأمر هنا بحق في التعبير عن الرأي، يظل مطلقًا وذا أولوية، حتى لو كان صادمًا لقيم ومشاعر أخرى مثل الوطنية؟ ولئن ظل الموقف الليبرالي في خصوص المسألة المتعلقة بإطلاق حرية التعبير أو تقييدها، الأكثر تحرريّة والتزامًا بتوسيع منسوبها والتقليص من القيود عليها، فإن الأمور أكثر تعقيدًا مما قد تبدو عليه. ففي الديمقراطيات، لا ينحصر الجدل بين من يتبنون موقفًا ليبراليًا حيال حرية التعبير، ويطالبون بحرية

تعبير واسعة المدى، وبين من يرفضون الموقف الليبرالي ويعملون على تكثيف العوائق أمام ممارستها. وعندما ننظر في قرارات صدرت عن محاكم دستورية، وخاصة المحكمة العليا الأميركية، تتعلق بحرية التعبير، يتبيّن لنا أن الخلاف حول مداها هو في ظاهره سياسي، في حين أنه في جوهره فلسفي،

ويحمل تصورين متعارضين للرابطة الاجتماعية ولدور الدولة والقانون. ويمكن حصر هذا الخلاف بين وجهتين كبيرتين؛ الأولى: ليبرالية، وقد أسلفنا ذكرها، والثانية: جمهورانية محافظة قريبة من فكر حزب مؤثّر في الحياة السياسية في الولايات المتّحدة الأميركية وهو الحزب الجمهوري. تُميز هذه الوجهة اتجاهًا في الفلسفة السياسية يُعرف بالاتجاه الجمهوراني المدني Republicanism Civic، ويجد له تعبيرًا لدى بعض الأحزاب السياسية. يستمدّ هذا المذهب أصوله الفلسفية من أرسطو، وتحديدًا كتاب

السياسات، وكذلك من توماس هوبز Hobbes Thomas (1588–1679) وكتابه اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة (1651). يتفق هذان الفيلسوفان على أمرين مهمين؛ أوّلهما، أن دور القانون ليس، فحسب، تحقيق السلم الأهلي وتمكين الناس من السعي وراء خيرهم الخاص، من دون اصطدام بعضهم ببعض، مثلما تزعم الليبرالية، وإنما أيضًا الإسهام في التهذيب الأخلاقي للمجتمع. وثانيهما، في جعل المدينة متضامنة تنزع نحو السلم والتوافق وتنبذ التنافر والفرقة والصدام. فأرسطو يؤكد أن دور الشارع Legislator هو حمل المواطنين على تحقيق الفضائل وتوجيههم نحو الأعمال التي تُبلغهم الحياة المُثلى، وأن الحكومة الصالحة يكون فيها المشرّعون حازمين في تصيير الناس فضلاء. ورغم المسافة الفكرية والفلسفية

التي تفصل هوبز عن أرسطو؛ إذ يجعل مؤلّف الليفياثان– خلافًا لأرسطو – الحقوق الطبيعية للأفراد سابقة على الواجبات والفضائل الأخلاقية والمدنية، ورغم النقد الشديد الذي وجّهه إليه، فإنه يتفق معه

(((رودني أ. سموللا، حرية التعبير في مجتمع مفتوح، ترجمة كمال عبد الرؤوف (القاهرة: الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، 1995)، ص.113 (((يمكن رصد هذا الرأي لأرسطو في مواضع عديدة من مؤلفاته، ومن أوضحها وأبلغها قوله: "وحينئذ يصير الإنسان معمارًا بأن

يبني، ويصير موسيقيًا بأن يمارس الموسيقى. كذلك يصير المرء عادل بإقامة العدل وحكيمًا بمزاولة الحكمة، وشجاعًا باستعمال

الشجاعة. وما يجري في حكومة الممالك يثبته جليًّا. فإن الشارعين لا يصيّرون الأهالي فضلاء إلا بتعويدهم ذلك، وتلك هي الإرادة

الجازمة للشارع. وإن أولئك الذين لا يؤدون هذه المهمة كما ينبغي يخطئون الغرض الذي يقصدون. وهذا ما يقرّر كل الفرق بين

حكومة طيبة وحكومة خبيثة". ينظر: أرسطوطاليس، علم الأخلاق إلى نيقوماخوس، ترجمة أحمد لطفي السيد (القاهرة: مطبعة دار

الكتب المصرية، 1924)، ص 169. يعيد أرسطو نفس الفكرة في كتابه السياسات؛ إذ يقول: "وبما أنّا نعلن، أن فضيلة المواطن

والحاكم والرجل الفاضل جدًّا، هي فضيلة واحدة، وأن نفس الشخص يجب أن يكون أولً مرؤوسًا ثم رئيسًا، قد يترتّب على المشترع

أن يُعنَى بحمل المواطنين على الفضيلة، وبالأساليب التي تبلّغهم إليها وبغاية الحياة المثلى". ينظر: أرسطو، السياسات، ترجمة الأب

بربارة البولسي (بيروت: اللجنة الدولية لترجمة الروائع، 1957)، ص 397 (الباب 7، الفصل 13، الترقيم: 1333 أ.)10–

حول دور الدولة في صون شروط الأمن وسيادة السلم الأهلي؛ لذلك يكون واجب الدولة أن تمنع الآراء التي تولّد الشقاق والصدام. ووفق هذا التصور الأرسطي – الهوبزي، يكون دور القانون خدمة الفضيلة المدنية، وجعل المجتمع متضامنًا متآزرًا، وصون الأخلاق العامة والمشتركة، بوصفها أساس السلم الأهليّ. ففي قضيّة حرق العلم مثلً وقضية لاري فلينت، صاحب أكبر شركة إنتاج وترويج

للمواد الإباحية في الولايات المتّحدة، والقضايا التي أثيرت ضدّ مواد اعتبرت إباحية مثل أشرطة سينمائية أو روايات وقصص، نلاحظ دومًا صدامًا بين موقفين؛ الأول، يعتبر أنه ينبغي للقانون خدمة غرض قيام جماعة سياسية متآزرة في إطار أخلاق عامّة يحترم الجميع مقتضياتها ويكون كل تعدّ عليها إساءة إلى مشاعر أشخاص أو جماعات. والثاني، يرى أنه ليس من دور القانون فرض رؤية ما للأخلاق والفضيلة على الناس، والتحكّم فيما يشاهدونه أو يطالعونه، وإنما توفير الأمن والاستقرار للجميع، والحرص على حماية حقّ الشخص في الحياة الخاصّة، وفي تحقيق تصوّر الخير الذي يراه أساسيًا

في حياته، والسعي نحو ما يراه نموذج الحياة المُثلى، ما دام ذلك لا يجلب ضررًا لغيره. تفسّر لنا هذه الخلفية الفلسفية التعارض الذي نشهده في الديمقراطيات المعاصرة حيال حريّة التعبير، بين مقاربة جمهورانية لحرية التعبير تنظر إليها باعتبارها حقًّا يُمارَس ضمن ما تسمح به القيم والفضائل المشتركة، ومقاربة ليبرالية تعتبرها حقًا أخلاقيًا أساسيًا يمتلكه الفرد على نحو مطلق، لا يمكن تقييده إلا حماية

للحرية ذاتها. فالحقّ في حرية التعبير يوضع في أحيان كثيرة على كفّة الميزان مع قيم المجتمع الأخرى أو مع حريات أخرى. لهذا، لا بدّ أن ننظر في الحجج الداعمة لحرية التعبير ومنسوب الحرية التي تبيحها، وهي حجج يمكننا تنظيمها وفق وجهتين كبيرتين؛ هما:

1. الوجهة النتائجية

وتمثل اتجاهًا شديد التأثير في الفلسفات الأخلاقية المعاصرة، وتحدّد القيمة الأخلاقية للفعل والقواعد والمبادئ الموجّهة له، وتقيّم التشريعات والسياسات المعتمدة من الدولة على أساس الأغراض

المنشودة والنتائج المترتبة عليها أو المتوقّعة منها. لذلك تقيس النتائجية قيمة حقّ ما بمدى خدمته لقيم يضعها المجتمع في مقام رفيع، ومن هذه نجد الحقيقة والاستقلالية الذاتية والفضيلة والديمقراطية.

(((ينظر الفصل السابع عشر من: توماس هوبز، اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب، مراجعة رضوان السيد (بيروت: دار الفارابي،.)2011 (((المرجع نفسه، حول نقد هوبز لأرسطو وفلسفته ينظر الفصل السادس والأربعون. وحول دور الدولة في مقاومة العقائد والأفكار الفاسدة حماية للسلم الأهلي نورد الاقتباس التالي: "فبما أن الجامعات هي ينابيع العقيدة المدنية والأخلاقية، ومنها يستقي المبشرون والنبلاء المياه التي يجدونها ليسقوا منها الشعب [...]، ينبغي بالتأكيد أن تُبذل عناية كبيرة لجعلها نقية سواء من سُمّ السياسيين

الوثنيين، أو من شعوذات الأرواح المخادعة". ينظر: المرجع نفسه، ص 674. (((لا يعني ذلك أن التقابل هو بين موقف جمهوراني محافظ معاد لحرية التعبير، وموقف ليبرالي مساند لها. والأمر أبعد ما يكون

عن هذا التبسيط. فالجمهوريون الأميركيون والفرنسيون مثل، يتبنون حرية التعبير ويدافعون عنها باعتبارها جزءًا من حريات وقيم

تأسيسية للجمهوريتين الأميركية والفرنسية، وهي حقوق وقيم يضمنها دستورا البلدين، لكنهما ينزعان إلى تقييدها ضمن حدود يزعمون أن دساتير بلدانهم تجيزها، وذلك لحماية النظام العام وما يعتبرونه عناصر مشكلة للهوية القومية للأمة.

أ. الحقيقة

وفق هذه المقاربة تكون الحجة الداعمة لحرية التعبير هي التي نحصل عليها من خلال الجواب عن السؤال التالي: هل تخدم حريّةُ التعبير الحقيقةَ من حيث هي مقتضى مهمّ اجتماعيًا وثقافيًا

وفكريًا وسياسيًا؟ عبّر القاضي والكاتب المعروف في الولايات المتحدة أوليفر ويندل هولمز Oliver

Holmes Wendell (1894–1809) على نحو بليغ عن هذه الفكرة، حين قال إن أفضل اختبار لحقيقة فكرة ما، هو قدرتها على إقناع الناس باختيارها وسط منافسة في سوق حرّة للأفكار. ويستند الدفاع

عن حرية التعبير هنا إلى النتيجة المترتّبة على ممارسة هذه الحرية، وهو تمكين الأفكار من التباري من أجل إثبات حقيقتها، وهي نفس الفكرة التي شكّلت عصب حجاج مِل الذي يعتبر أننا عندما نمنع شخصًا من الصدع برأيه، لا نكون قد أسأنا إليه فقط، بل إلى المجتمع وإلى الحقيقة أيضًا. فلئن كان رأيه مخالفًا لرأي الأغلبية؛ لا يمنعه ذلك من أن يكون صائبًا، ونكون حرمنا المجتمع من فرصة للاطلاع

على رأي مخالف لرأي الغالبية. فالأفكار غير المألوفة يمكن أن تثبت فاعليتها ومنفعتها وقدرتها على الارتقاء بالمجتمع إلى الأفضل. فإن تداول المعلومات والأفكار وشتى أساليب التعبير يشبه، في رأي بعضهم، سوق تبادل الخدمات والسلع؛ إذ بقدر ما نستفيد بوصفنا مستهلكين من وجود سوق مفتوحة للسلع فنختار بينها ونقارن بعضها ببعض للحصول على أفضل علاقة بين الجودة والسعر، يكون الأمر كذلك على مستوى الأفكار. فالأفكار الجيّدة تقنع الناس بحقيقتها وتفوز بتفضيلهم لها على ما سواها؛ إذ تمكّن حرية

التعبير والتواصل الجمهور من الاطلّاع على أفكار وآراء متعدّدة والاختيار بينها؛ ويكون ذلك بمنزلة الاختبار الأفضل لمدى صحّة الأفكار لاصطفاء الأفضل من بينها. وفي سياق مشابه، دافعت نظريات إبستيمولوجية عن فكرة الحقيقة والصحّة العلمية للنظريات، ونذكر

هنا رأي الفيلسوف النمساوي البريطاني كارل ريموند بوبر (1994–1902) الذي اعتبر في كتابه تقديرات وتفنيدات Conjectures and Refutations أن صحّة النظريات العلمية ليست متوقّفة فقط على قدرات

العالم على إثباتها بجهده الفرديّ، وإنما أيضًا على مدى توفّر نظريات منافسة ومتحدية لها، وعلى قدرة المؤسّسات والمجتمع بصفة عامّة على توفير الإطار الملائم لقيام تنافسية بين النظريات التي

تزعم العلمية، فالنظرية السائدة والمعتمدة بوصفها نظريةً علميةً، والتي يقع تحصينها ضدّ النقد؛ أي منع النظريات المخالفة لها من تحديها أو إبراز خطئها وتهافتها، يجعلها تفشل في أوّل اختبار لها على محكّ الواقع. وفي نفس خط التفكير المنافح عن حرية الرأي والتعبير وإبراز دوره في إظهار الحق وتمييزه من الباطل، يمكننا أن ندرج موقف محمد سليم العوا الذي انتقد محاكمة الباحثين والأكاديميين في مصر،

(((ينظر: سموللا، ص.18 (((ينظر: الفصل الثاني من: جون ستوارت مل، عن الحرية، ترجمة عبد الله أمين غيث، ج 2 (عمان: المكتبة الأهلية،.)2013

(10) Karl Popper, Conjectures and Refutations (London: Routledge, 2002), pp. 473–474.

بسبب آراء واستنتاجات نشروها في كتبهم واعتُبرت مثيرة للجدل، من حيث مدى التزامها بأركان الدين الإسلامي؛ إذ يقول: "الرأي يواجه، كما جرى على طول تاريخنا الإسلامي، بالردّ والنقد والاعتراض والتفنيد وبيان أوجه الضعف والشذوذ فيه. ولا تتقدّم المعرفة الإنسانية إلا بالتناضل بين أصحاب الآراء المتخالفة. أما إذا كان الناس جميعًا على رأي واحد، فإن أحدًا لن يعرف الحق من الباطل، والهدى من الضلال، والاستقامة من الانحراف الفكري".

ب. حرية التعبير والقرار المستقلّ

الدفاع الثاني عن حرية التعبير في إطار هذه الوجهة النتائجية يرى أن حرية التعبير مهمّة في تطوير

قدرة الفرد على القرار المستقلّ، وعلى حُكم نفسه بنفسه؛ أي أن يكون هو من يحدّد رأيه ويختار

من بين الآراء المختلفة والمتعدّدة الرأي الأصوب. وهو ما يقتضي وجود آراء مختلفة ومتعدّدة تمكّن الشخص من بناء فكره، ومن صياغة أحكامه بنفسه، من دون الحاجة إلى وصاية من غيره. سبق أن حدّد الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط Kant Immanuel (1804–1724) في القرن الثامن عشر معنى "الأنوار" Enlightenment، عندما وجّهت إليه مجلّة برلين الشهرية Berlinische Monatsschrift

سؤ لً عنها؛ فقد حدّد الأنوار بالقدرة على التفكير الذاتي؛ فهي أن نفكّر بأنفسنا لا أن يفكّر آخرون عنّا، أو أن نعوّل عليهم لإعفائنا من مهمة التفكير. فلا يمكن أن أفكر بنفسي إذا مُنعت من التعبير،

أو إذا مُنعت من الاطلاع على أفكار وتصوّرات لآخرين تفيدني في بناء موقفي الشخصي؛ إذ تساعدنا

حرية التعبير على اتخاذ قراراتنا المستقلّة وتعزيز استقلالنا الذاتي. وفي نظر الفيلسوف الأميركي رونالد دووركين Dworkin Ronald (2013–1931)، يستمدّ هذا الحقّ في الاستقلالية الذاتية مسوّغاته من حقّ

يعتبره أصليًّا ومؤسِّسًا لبقية الحقوق الأخرى، وهو حقّ الفرد في الاعتبار المتساوي مع غيره، فالشعور

الداخلي بالارتياح الذي ينتاب الفرد لأنه قد اختار رأيه بنفسه وتحمّل مسؤولية الصواب والخطأ، هو

تعبير عن رغبة الفرد في أن يُعامل بوصفه شخصًا جديرًا بالتقدير والاعتبار المتساوي مع غيره؛ لذلك

يكون حرمانه من حرية التعبير أشبه بمعاملته بوصفه غير أهل للاحترام. فمنع الناس من التعبير هو تجريدهم من اعتزازهم بأنفسهم ومن شعورهم الداخلي بالرضا عن ذواتهم، تمامًا مثلما أن معاملتهم

بأبوية أو وصائية هي اعتبارهم قُصّرًا وفق قول كانط. وبناءً على هذه الوجهة، يكون تدخّل الدولة للرقابة

والحدّ من حرية التعبير وعرقلة السريان الحرّ للأخبار والآراء، هو منعٌ لتكوين الحُكم المستقلّ. لكن في المقابل، تكون، وفق هذا الحجاج، بعض القيود على حرية من الحريات مسوّغة إذا كانت

ممارستها تضرّ بمقتضى الاستقلالية الذاتية، ومثال على ذلك تعاطي المخدرات أو الإدمان على

الكحول. لذلك يمكن أن يُرى الموقف الذي يدافع عن حرية التعبير، بالاستناد إلى فكرة الاستقلالية

(1((محمد سليم العوّا، الحق في التعبير (القاهرة: دار الشروق، 2003)، ص.13 (1((إمانويل كانط، ثلاثة نصوص: تأملات في التربية، ما هي الأنوار؟ ما التوجه في التفكير؟ ترجمة محمود بن جماعة (صفاقس: دار محمد علي الحامي، 2005)، ص.87–86 (1((ينظر الفصل السابع من: رونالد دووركين، أخذ الحقوق على محمل الجدّ، ترجمة وتقديم منير الكشو (تونس: دار سيناترا،

الذاتية في تدخّل الدولة إما بالمنع والتحجير وإما بفرض قيود على استهلاك تلك المواد، حماية للحرية ذاتها وحفظًا لحقّ الفرد في أن يكون قادرًا على حكم نفسه بنفسه. وهو ما ينطبق أيضًا على حرية التعبير؛ فقد تتضمن ممارستها أحيانًا اعتداءً على حرية القرار وعلى الاستقلالية الذاتية، مثلما هو

الحال في الإعلانات والإشهار المكثف في وسائل الإعلام.

ج. تنمية الفضائل المدنية والديمقراطية

يستند هذا الدفاع عن حرية التعبير إلى أهميتها في تطوير فضائل ضرورية للمجتمع الديمقراطي المفتوح، مثل قبول التعددية والاختلاف والتسامح، فتعبير الناس عن آرائهم ودفاعهم عن أفكارهم، حتى لو لم توافقه الغالبية منهم، يفيدان في تطوير قدرة المجتمع على التعايش مع التعدديّة واحتضان الرأي المخالف والتسامح مع مواقف الأقلية، وجعل مبدأ الحجة الفُضلى يسود على منطق القوة والإقصاء والمنع من التعبير. وفق هذه المقاربة، تكون حرية التعبير والإخبار شرطًا لكل عملية سياسية مفتوحة وإدماجية، لا مغلقة وإقصائية، وهي أيضًا شرط المشاركة في صنع القرار على الصعيد العام؛ إذ يمهّد تبادل الآراء والأفكار السبيل لصناعة القرار الديمقراطي الذي يقتضي وجود مواطنين على علم ودراية، ويصنع رأيًا عامًا عليمًا

ومستنيرًا؛ لذلك لا تكون صناعة القرار مشروعة إلا إذا أحجمت الدولة عن تشكيل الرأي العام والتحكّم

فيه، من خلال وسائل الإعلام، وخاصة العمومية منها، التي يُفترض أن تكون محايدة تجاه الأطراف المتنافسة في العملية السياسية. وكذلك الشأن بالنسبة إلى وسائل الإعلام الخاصة التي لا ينبغي أن تكون ملكية حزب أو شركة إعلانية، أو تتولى الإشهار السياسي لحزب أو لمرشحين لمناصب عامة. ولكي تحجم الحكومات عن تشكيل الرأي العام، عبر توظيف وسائل الإعلام لخدمة غاياتها السياسية وترك تشكيل الرأي العام للمجتمع المدني، لما يحتويه من تعددية في الآراء والتصورات والتنظيمات والجمعيات، يرى بعضهم أنه لا ينبغي أن تمتلك الدولة الديمقراطية وسائل إعلام وشركات إشهار ودعاية. ولئن كان هذا الرأي صحيحًا من حيث المبدأ، فإن الواقع أكثر تعقيدًا مما يبدو عليه. صحيح أن في

الولايات المتحدة الأميركية – مثلً – لا تمتلك الدولة وسائل إعلام سمعية وبصرية، لكن الأمر ليس كذلك في كل الديمقراطيات. ففي حين أن كل الدول الديمقراطية لا تمتلك صحفًا ومواقع إعلامية على الإنترنت، سواء على نحو كليّ أو جزئيّ، وتكتفي بملكية وكالة عامة للأنباء فقط، نجد الكثير من الدول

الديمقراطية تمتلك وسائل إعلام في مجال الإعلام السمعي والبصري؛ ففي فرنسا تمتلك الدولة مجمع تلفزيون فرنسا الذي يتوفّر على قنوات تلفزية مهمة مثل 2 France، و 3 France، و 24 France وغيرها من القنوات، إلى جانب إذاعات متعدّدة، وفي إنكلترا نجد شركة BBC وهي مؤسسة عمومية وملك للدولة، وكذلك تملك ألمانيا قناة DW، وتملك إيطاليا قنوات عمومية هي قنوات RAI. إذًا، إن الدول الديمقراطية يمكن أن تمتلك وسائل إعلام سمعيّة بصرية عمومية، تستطيع الحكومات استخدامها في

توجيه الرأي العام في أثناء الانتخابات. لكن في الواقع، حصلت في البلدان التي ذكرناها انتخابات

تعدديّة مرّات متتالية، كان بعضها شديد التنافس، وكان فيها النقاش بين المتنافسين صاخبًا وحادًّا،

ومع ذلك لم نسمع باحتجاجات كبيرة على حياد الإعلام، عامًا كان أو خاصًّا؛ لذلك لا ينبغي أن يُطرح السؤال حول مدى جواز ملكية الدولة الديمقراطية لوسائل إعلام سمعية بصرية، وإنما حول الضوابط التي يجب أن يُدار وفقها الإعلام، حتى لا يستفيد منه حزب سياسي أو طرف اجتماعي على حساب الأطراف الأخرى، وحتى يعكس على نحو صادق التعدديّة السياسية والمجتمعيّة. ولحلّ هذا

المشكل أوجدت الديمقراطيات الليبرالية صيغة لتسيير وسائل الإعلام العامة السمعية والبصرية، من هيئات مستقلة عن الحكومة تحمي مصلحة المجتمع في إعلام حرّ وتعدّدي ومحايد؛ إذ نجد في فرنسا

المجلس الأعلى للإعلام السمعي البصري، وهو مجلس مستقلّ عن السلطة التنفيذية والتشريعية، رغم أن أعضاءه يعيّنون من قبلهما، يتولّى تعيين من يدير الإذاعات والتلفزات وتُعهَد إليه حوكمة هذا القطاع

وتنظيمه، على أساس الدستور واحترام حرية التعبير. وتوجد في إنكلترا وألمانيا وإيطاليا صيغ قريبة من هذه في حوكمة الإعلام العام. فدور الإعلام في الديمقراطية ليس توجيه الرأي العام لصالح طرف سياسي أو اجتماعي ما. وقد اعتبر علماء السياسة أمثال روبرت دال Dahl Robert (2014–1915)، وجيوفاني سارتوري (2017–1924) أن من شروط وجود ديمقراطية تعددية قادرة على الحياة، توافر حرية التعبير ونشر الآراء والمواقف المعارضة لرأي الأغلبية، والوصول الحرّ إلى مصادر بديلة من الخبر، فضلً عن

توافر إمكانية معارضة الحُكام ومنافستهم، من خلال انتخابات حرة ونزيهة ودورية مفتوحة أمام جميع المواطنين الراشدين الذين يتبارون على التمثيل في المواقع السياسية. غير أن الدفاع عن حرية التعبير من خلال الحكم الديمقراطي والمشاركة السياسية، يمكن أن يطرح مشكلين؛ الأول، هو تثمين التعبير السياسي على حساب أشكال أخرى من التعبير، قد تكون مهمة وأساسية للفرد إلى حدّ يفوق التعبير السياسي، مثل التعبير الفني أو التعبير المرتبط بجوانب شخصية مثل الضمير أو غيرها. وثانيًا، في جعله الضمانة لحق حرية التعبير يكمن في الإجرائية الديمقراطية ذاتها

والمشاركة السياسية لا في الدستور.

((1(في تونس بعد الثورة (2011 رحَت قضية تنظيم الانتخابات وإرساء الديمقراطية وتوجيه الرأي العام نحو الاختيارات)، ط

المطروحة في إطار حرية الإعلام والتعبير. وفي نفس السنة صدر المرسوم 115 – وهو إلى الآن القانون الساري – الذي يضمن حرية الرأي والتعبير، ويُعدّ ليبراليًا في مضامينه وفي توجّهه، وتلاه فيما بعد إصدار المرسوم 116 الذي أقرّ تشكيل الهيئة العليا المستقلة

للإعلام السمعي والبصري، وهي الهيئة التي عُهدَ إليها تنظيم قطاع الإعلام السمعي والبصري وفق مقتضيات المرسوم 115،

والإشراف على الإعلام السمعي والبصري العام، واقتراح المسؤولين والمديرين على الحكومة التي تتولى تعيينهم في مهماتهم، ومساءلة وسائل الإعلام العمومية والخاصة في ما يتعلق باحترام حرية التعبير وحماية حق المواطن في إعلام حرّ ونزيه، ومدى

الالتزام بضوابط المهنة والقانون. وفي تونس توجد الآن هيئة مؤقتة تتولى هذه المهمّات، ويُنتظر تشكيل الهيئة الدائمة، وهي الهيئة

العليا المستقلة للإعلام السمعي والبصري التي نصّ دستور 2014 على تشكيلها. (1((ينظر الفصل السابع في: فاروق أبو زيد، الإعلام والديمقراطية (القاهرة: عالم الكتاب، 2010)؛ روبرت دال، الديمقراطية

ونقادها، ترجمة منصور فاروق (عمّان: دار الفارس، 1995)، ص 285–284؛ كما يُرجى الاطلاع على الفصل الأول (الجزءان الخامس

والثالث) في:

Giovanni Sartori, The Theory of Democracy Revisited (New Jersey: Chattem House Publishers, 1987).

2. الوجهة الآدابية Deontological

تضمّ هذه الوجهة الداعمة للحقّ في حرية التعبير والإعلام نظريات وفلسفات، ترى أن قيمة هذه الحرية لا تكمن في قدرتها على خدمة قيم أخرى مثل الاستقلالية الذاتية أو الحقيقة أو لأنها ضرورية لحسن اشتغال الحكم الديمقراطي، وإنما لأن الحق فيها هو في جوهره حقّ أخلاقي. فلا يجوز أخلاقيًّا منع

شخص من التعبير عن رأيه؛ لأن ذلك اعتداء على هويته الأخلاقية، وهو بمنزلة إهانته ومزاولة وصاية أبويّة عليه. نجد هنا مواقف وآراء لفلاسفة دافعوا عن حرية التعبير، من خلال هذه الوجهة، منهم الفيلسوف الأميركي توماس سكولون Scanlon Thomas الذي يقول: "إن لحرية التعبير مكانة خاصة؛ لأنها نتيجة للنظرة التي ترى أن سلطات الدولة تنحصر في الحدود التي يمكن لمواطنين أن يقبلوا بها وأن يستمروا، في نفس الوقت، بالنظر إلى ذواتهم بوصفهم مواطنين سواسية عقلانيين وأسياد أنفسهم". فلحرية التعبير مكانة خاصة؛ لأنها نتيجة للنظرة التي ترى أن سلطات الدولة تنحصر في الحدود التي يمكن لمواطنيها قبول الخضوع لها، من دون أن يخلّ ذلك بنظرتهم لأنفسهم بوصفهم مواطنين عقلانيين قادرين على التمييز بين المواقف والآراء ونقدها ومراجعتها والقبول بها أو رفضها على أسس معقولة. ويجعلهم ذلك قادرين أيضًا على انضمام بعضهم إلى بعض من أجل عمل مشترك. ومن حيث إنهم أسياد أنفسهم؛ أي بمعنى أنهم قادرون على حُكم أنفسهم وتقرير مصيرهم، فلا تسبّب مزاولتهم لحقّهم

في التعبير والاطلاع على الآراء المختلفة، أيَّ خطر على مجتمعهم واستقراره وأمنه؛ لذلك تنحصر سلطات الدولة في هذه الحدود التي إن تجاوزتها أخلّت بهذه المقتضيات الثلاثة لاحترام مواطنيها باعتبارهم فواعل أدبيّة، وهي المساواة والعقلانية والسيادة الذاتية؛ أي الحرية والاستقلالية. وفي نفس

سياق مقاربة سكولن لحرية التعبير، يعتبر الفيلسوف جون رولز Rawls John (2002–1921) أن استقرار المجتمعات الديمقراطية، يقتضي "عقد عدالة" يتفق بمقتضاه الناس على مبادئ تحكم عمل المؤسسات الكبرى لمجتمعهم وطريقة توزيعها، لفوائد العيش المشترك ولأعبائه وتكلفته، ويقترح عقدًا اجتماعيًا جديدًا يسميه "عقد عدالة"، يراه الأكثر ملاءمة لتحقيق التوزيع العادل لفوائد العيش

المشترك وأعبائه. يقوم هذا العقد على مبدأين أساسيين، هما مبدأ الحرية المتساوية بين الجميع، ومبدأ الاختلاف الذي يضع ضوابط لكي يكون التباين والتفاوت في الدخل والنفوذَين المادي والاجتماعي منصفًا ومسوّغًا لدى جميع أفراد المجموعة. وسنركّز هنا على المبدأ الأول لعلاقته المباشرة بموضوعنا. ينصّ هذا المبدأ الرولزي على ضرورة أن يتوافر ضمان للحريات على نحو متكافئ بين الجميع ومتساو بينهم، ومن هذه الحريات حرية التعبير التي هي شرط للمشاركة السياسية، ولذلك لا بُدّ للمجتمعات

(1((عندما نتحدّث عن الآداب، نقصد تلك القواعد التي تَحكم مهنةً ما أو نشاط ا أو ممارسة اجتماعية يتداخل فيها الفردي

والجماعي. وتكون لهذه القواعد والأعراف المنظمة لممارسة مهنة من المهن، أسبقية على الممارسة ذاتها وعلى النتائج المترتبة عليها؛ لذلك فضّلنا ترجمة Deontological ب "آدابي" وليس ب "واجبي".

(17) Thomas Scanlon, "A Theory of Freedom of Expression," Philosophy and Public Affairs , vol. 1, no. 2 (1972), pp. 204–226.

الديمقراطية التعدديّة الليبرالية، كما يقول رولز، من أن تحترم هذا الحقّ وتضمنه لجميع مواطنيها على حدٍّ سواء. لكن تظل النقطة المخيّبة في فكر رولز من مسألة حرية التعبير، أنه لم يدرجها في

كتاب قانون الشعوبضمن لائحة حقوق الإنسان التي تكون موضع وفاق دولي. ويكون هذا الوفاق الدولي، أو ما يسميه رولز أيضًا "عقد عدالة دولية"، بين مجتمعات ليبرالية، يقوم نظامها الاجتماعي على الحرية والمساواة التامة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، ومجتمعات يسميها تراتبية، لا تعترف بالمساواة حقًّا لمواطنيها، غير أنها لائقة تحترم حقوقهم الأساسية، ولا تركن إلى العنف أداةً لتحقيق الأمن والاستقرار. غير أن هذه الحقوق الأساسية التي ستكون أساسًا للتعاقد الدولي بين

الشعوب الليبرالية والشعوب غير الليبرالية اللائقة Decent، تنحصر، في رأيه، في حقوق عاجلة، مثل الحق في الحياة والحق في محاكمة عادلة وفي الحماية ضدّ الرقّ والاستعباد، وفي نسبة معقولة من حرية الضمير، لا تتناقض طبعًا مع الموقع المهيمن للديانة الرسمية للدولة الغالبة اجتماعيًا وضمن

الحدود التي تقبل بها ثقافة المجتمع، وأيضًا في حق الجماعات العرقيّة الأقليّة في الأمن والحماية

من القتل والإبادة. ويعني ذلك أن المجتمعات التي لا تضمن حرية التعبير لمواطنيها يمكن أن تعدّ مجتمعات لائقة ومحترمة وشريكًا تام الحقوق في المجتمع الدولي. فرولز يتفهّم وجود مجتمعات غير ليبرالية لا تقبل بحرية التعبير وتعاقب مواطنيها إذا خرجوا على رأي الجماعة، أو انتقدوا قيمًا

وممارسات مكرّسة اجتماعيًا، وتحدّوا السلطات السياسية والمعنوية. وهذه النقطة المخيّبة في عقد

العدالة الدولية الرولزي، تناقض الواقع، في رأينا؛ حيث نرى المطالبة بحرية التعبير تتصاعد في كل المجتمعات، كلما تطوّر الوعي السياسي لمواطنيها بالحق في الحرية بمعناها الشامل وبالحق في

المشاركة السياسية. ومهما كان اختيارنا لنوع التسويغ لحرية التعبير والحجّة الداعمة له، يظل مشكلٌ قائمٌ تواجهه كل

المواقف المنتصرة لحرية التعبير، كنا قد أشرنا إليه، وهو أن مزاولة هذه الحرية يمكن أن تجعل الفرد في مواجهة مع الآخرين، فوفق أي مبدأ يمكننا صوغ التشريعات التي تسوّغ للسلطات العامة وللمجتمع

التضييق عليها أو الحدّ من مزاولتها، من دون الإخلال بفكرة أن الإنسان كائن أخلاقي يتسم بالقدرة على السيادة على نفسه وعلى أخذ القرار من تلقاء ذاته في المسائل التي تخصّه؟ فيما يلي نناقش أحد المبادئ الأساسية التي حكمت ولا تزال، الجدل حول العلاقة بين الحريات وحرية التعبير وفق المقاربة الليبرالية لهذه المسألة.

ثالثًا: المبدأ الميلي وحدّ التدخّل

طرح الفيلسوف جون ستوارت مِل المشكل المتعلق بجواز تدخّل المجتمع أو الدولة لمنع الفرد من ممارسة حرية ما مثل حرية التعبير، ووضع حًّلًّ يتمثل في المبدأ التالي: "الغاية الوحيدة التي من أجلها يحق للناس بصورة فردية أو جماعية أن يتدخلوا فيها بحرية الفعل الذي يقوم به أي شخص من أفراد المجتمع، هي حماية الذات. الهدف الوحيد الذي يمكن من أجله ممارسة القوة بوجه حق نحو أي فرد

(1((جون رولز، قانون الشعوب، ترجمة أحمد خليل (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2007)، ص.112–111

من أفراد المجتمع المتحضّر، ضد رغبته، هي الحيلولة دون وقوع الضرر على الآخرين. إن صالح أي فرد، سواء أكان صالحًا ماديًّا أو أخلاقيًّا، لا يعتبر سببًا كافيًا". بات هذا المبدأ معروفًا في الجدل القانوني والسياسي حول حدود حرية التعبير ب "مبدأ الضرر"، وهو يتيح للدولة والمجتمع حرمان شخص من حقّه في التعبير، إذا تبيّن أن مزاولته تسبّب ضررًا ماديًا

لغيره أو تعرّض شخصه أو ممتلكاته للخطر وللاعتداء، فعندما يتبيّن أن الإدلاء برأي يمكن أن ينجم

عنه ضرر بحياة شخص أو بحرمته الجسدية، يكون عندها الكلام أو التعبير تحريضًا على العنف. وفي هذا السياق يقول مِل: "إن الرأي القائل إن تُجّار الذُّرة يتسبّبون في تجويع الفقراء، أو إن الملكية

الخاصة هي نوع من السرقة، ينبغي أن يُترك له المجال بحرية، حين يُقدّم للعالم ضمن نص مطبوع، لكن سيكون من العدل توقيع العقوبة على شخص معيّن، إذا نطق به بشفتيه أو حمله على لافتة أمام

حشد غاضب من الناس المتجمّعين أمام مسكن أحد تُجار الذرة". فضمن الملابسات التي بيّنها مِل

يتحوّل الرأي من مجرّد موقف وتعبير يمكن الردّ عليه بالنفي والتكذيب، إلى تحريض على الاعتداء

على شخص وممتلكاته. لئن كان الرأي الذي يحصر التدخّل في حرية الشخص في التعبير في الحالات التي يتبيّن أنه يمكن

أن يجلب ضررًا لطرف آخر، يحظى بمناصرة قوية من الليبراليين؛ لأنه يدعم حقّ الفرد في الاستقلالية الذاتية والتفكّر الذاتي، فإنه يبدو اليوم عاجزًا عن الاستجابة لأوضاع أو متطلبات مهمّة. وهو ما يطرح على الفكر الليبرالي ضرورة القيام بمراجعات وإدخال تعديلات على نظريته، حتى يستطيع مواءمة الوقائع والتحديات الجديدة التي تواجه حرية التعبير؛ إذ يحق لنا أن نتساءل: هل انعدام الضرر المادي المباشر للغير، كافٍ وحده لإجازة كلام أو سلوك أو أسلوب في العيش بوصفه حالة من حرية تعبير؟ نعتقد أن قصور مبدأ الضرر برز على وجه خاص حيال ضربين من المسائل؛ يتعلق الأول بالتعبير الديني في فضاء عام علماني، تحكمه قوانين تحمي حرية الضمير والتعبير. ويتعلق الثاني، بالتفضيلات الخاصة والأذواق الفردية وإنتاج المواد الإباحية واستهلاكها في المجال الخاص، وترويجها في المحلات التجارية وقاعات السينما وعلى الإنترنت. وفي كلتا الحالتين، نشهد تغيّرًا

في معنى حرية التعبير؛ ما يطرح على الدولة الليبرالية والديمقراطية مهمات ومسؤوليات جديدة. فقبل بدايات القرن العشرين، كانت حرية التعبير كالحصن ضد انتهاكات السلطة السياسية، وكانت تفرض على أجهزة الدولة ومؤسّساتها عدم مصادرة آراء مواطنيها، وعدم التدخّل في أشكال تعبيرهم عن ذواتهم، إلا في حدود ما يستوجبه القانون من حماية للأشخاص والممتلكات وفرض احترام الحياء العام، ضمن حدّ معقول، مثل منع التعري أو ممارسة الجنس في الأماكن العامة. لكن بعد ذلك التاريخ، أخذت علاقة الدولة بحرية التعبير تتعقّد؛ إذ أصبح من واجب الدولة الديمقراطية أيضًا حماية حرية المواطنين، حينما تكون مهددة من فواعل خاصّة، وأصبحت بذلك الدولة تتصدى لخطابات

((1(مل، ص.54–53 ((2(المرجع نفسه، ص.130–129

الكراهية التي تسيء إلى كرامة الأشخاص. وقد برزت فكرة الإساءة إلى كرامة الأشخاص لسد النقص في النظرية الليبرالية التي كانت تعتمد أساسًا على مبدأ الضرر بالغير لحرمان شخص من التعبير. فلم يعد القانون في العديد من الديمقراطيات الليبرالية يكتفي بتحجير أشكال التعبير التي تلحق أذى ماديًّا مباشرًا بالغير، وأصبح يمنع أيضًا التعبير عن الكراهية ويعاقب على التحريض عليها. وقد اقتضى هذا السياق الجديد لحرية التعبير حرصًا على احترام كرامة البشر ومعتقداتهم، واهتمامًا أكبر أيضًا بفضيلة مدنيّة غدت مهمة في الفضاء العام للديمقراطيات الحديثة، بفعل تطور مجتمعاتها إلى مجتمعات متعدّدة ثقافيًا، وهي فضيلة الاحترام المتبادل التي تجعل التعايش ممكنًا، رغم الاختلافات العقائدية والفلسفية العميقة.

1. حرية التعبير والدين في الفضاء العلماني

في هذا الإطار يبرز الجدل الذي عرفته الساحة الفكرية والسياسية في فرنسا منذ بداية تسعينيات القرن الماضي بمناسبة حدثين مهمّين؛ تمثل الأول في منع فتاتين ترتديان الحجاب من دخول المدرسة، والثاني في مقتل مدرّس مادة التاريخ في إحدى الثانويات العامة بفرنسا على يدي شاب مسلم متشدّد، بسبب عرضه الصور الكرتونية الدنماركية المسيئة للنبي الكريم، على تلاميذه في إطار حصة درس خُصّصت لحرية التعبير.

(2((تتوفر العديد من الديمقراطيات على قوانين تمنع التلفظ بخطابات كراهية. فالدنمارك مثل تمنع التفوه بكل ملفوظ يتضمن

تهديدًا لجمع من الناس أو سخرية منهم أو شتمًا لهم بسبب عرقهم أو لون بشرتهم أو أصلهم القومي أو الإثني. ينظر: المجلة

الجزائية، الفصل b 266. وفي ألمانيا يجرم القانون الجزائي التهجم على كرامة أي طرف بالشتم والتعابير التي يكون القصد منها

الإساءة والثلب في حق جزء أو أجزاء من السكان. ينظر: المجلة الجزائية الألمانية، الفصل 130 (1). وتمنع نيوزيلاندا الملفوظات المتضمنة تهديدًا وشتمًا وسبًّا، أو تحض على الكراهية ضد جماعة أو تزدريهم بسبب العرق أو اللون أو الأصل القومي أو الإثني.

وكذلك الأمر في بريطانيا التي تمنع قوانينها أي سلوك يتضمن تهديدًا أو سبًّا أو شتمًا يهدف إلى إثارة الكراهية العنصرية، وكذا فرنسا

تتوفر على التشريعات الكفيلة بالتصدي للتحريض على الكراهية العنصرية (مثل قانون 1881، حول حرية الصحافة، الفصلان 23 و 24، وقانون تموز/ يوليو 1972 لمقاومة العنصرية، وقانون 13 تموز/ يوليو 1990). أما في الولايات المتحدة فقد حظيت حرية التعبير بحماية عريضة بفضل الفهم التوسيعي الذي ساد لدى فقهاء القانون الدستوري الأميركيين للتعديل الأول من الدستور الأميركي الذي ينصّ على أنه "لا يصدر الكونغرس أي قانون [...] يحدّ من حرية الكلام أو الصحافة". وهو ما يجعل ملفوظات الكراهية حيال

الأقليات الدينية والعرقية تحظى بحماية قانونية، شرط ألّ يؤدي ذلك إلى أعمال عنف وأفعال تمييزية ضدهم. وبهذا يبدو فقه القانون

الأميركي في مجال حدود حرية التعبير أكثر انسجامًا مع مبدأ مِل من تشريعات البلدان الديمقراطية التي ذكرناها. وردت هذه

المعلومات حول التشريعات المتعلقة بملفوظات الكراهية في البلدان التي أوردنا ذكرها في:

Jean–Fabien Spitz, "Quelles sont les limites de la liberté d’expression?" La vie des idées, 10/2/2015, accessed on 30/10/2022, at: https://bit.ly/3AoqZ0O

((2(ينظر الفصل الخامس في:

Jeremy Waldron , The Harm in Hate Speech (Mass: Harvard University Press, 2012).

((2(لكن لا تبدو العملية يسيرة أيضًا، وخاصة عندما تطالب جماعات بالاستثناء من القوانين السارية، لتعبر عن عناصر من هويتها الخاصة في الفضاء العام بحرية، مثال ذلك السيخ الذين يطالبون باستثنائهم من لباس الخوذة عند ركوب الدراجات النارية؛ لأنهم ملزمون بفعل تقاليدهم بلباس العمامة الخاصة بهم، ولا يمكنهم الجمع بينهما، أو مطالبة جماعات إثنية أخرى بحقها في تناول المخدرات في أثناء احتفالاتها الدينية. للاطلاع على نقاش لهذه المسائل من وجهة نظر ليبرالية، ينظر الفصل السابع بعنوان "التعسف

في استخدام الثقافة"، في: براين باري، الثقافة والمساواة: نقد مساواتي للتعددية الثقافية، ترجمة كمال المصري، سلسلة عالم المعرفة، العدد 383، ج 2 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.)2011

في سنة 1989 مُنعت تلميذتان محجّبتان من الالتحاق بالصفّ الدراسي بسبب ارتدائهما الحجاب، وأفضى ذلك سنة 2004، إلى إصدار قانون يمنع التلاميذ في المعاهد والمدارس من إظهار انتماءاتهم الدينية والاتشاح برموز دينية أو ارتداء أزياء خاصة بدين ما، وتوسّع بعد ذلك نطاق تطبيقه ليشمل موظفي الدولة وأعوانها الذين تجعلهم وظائفهم في اتصال مباشر مع الناس. وفي سنة 2010، صدر قانون آخر يمنع إخفاء الوجه في الأماكن العامة. وقد انقسمت آراء النخب الفكرية والسياسية حيال هذه الوقائع، بين موقف يمكن توصيفه بالعلماني المتصلّب، غالب ومهيمن في الساحة الفكرية والسياسية الفرنسية، يدعم تدخّل الدولة في هيئة الناس وملبسهم، وينادي بإصدار قانون يمنع الحجاب والرموز الدينية من الفضاء العام، معتمدًا على الفصل الأول من الدستور الفرنسي الذي يعرّف فرنسا بأنها جمهورية لائكية. وموقف

ثان يمكن توصيفه بالليبرالي، لا يرى في ارتداء تلميذات في المدارس العامة أي تهديد للائكية، بصفتها ركنًا مهمًا للجمهورية الفرنسية، ويرفض منع الفتاتين من مواصلة الدراسة في التعليم العام. وحينما جدّت حادثة الفتاتين، اتخذ وزير التربية في ذلك الوقت، ليونيل جوسبان Jospin Lionnel موقفًا معتدلً، ودعا مدير المعهد ورئيس الإدارة الجهوية للتعليم، التي يرجع إليها المعهد، إلى إجراء حوار مع التلميذتين وأوليائهما لإقناعهما بالتخلي عن ارتداء الحجاب، وعن كل تعبير خارجي عن الانتماء الديني، منبّهًا إلى أنه لا يمكن فصلهما عن الدراسة في حال لم يفضِ الحوار إلى النتيجة

المرجوّة. ولم يرق موقف الوزير للكثير من السياسيين والمثقفين الفرنسيين الذين نعتوه بالرخو والمتساهل مع ظاهرة تتناقض جوهريًّا مع القيم التي بُنيت عليها الجمهورية الفرنسية. ووجّه حينها خمسة من الفلاسفة والمثقفين وهم ريجيس دوبريه Debray Regis وإليزابيث بدنتير وآلان فينكلكروت

Catherine وكاثرين كينتزلر Elizabeth de Fontenay وإليزابيث دو فونتناي Alain Finkielkraut

Kintzler، رسالة عن طريق الإعلام إلى الوزير جوسبان، محذرين إياه من الاستسلام لإرادة الفتاتين ومن يقف وراءهما، ويستحثونه على اتخاذ تدابير حازمة للدفاع عن اللائكية التي نصّ الفصل الأول من الدستور الفرنسي على أنها هوية الدولة. كما دعوه أيضًا إلى عدم التردّد في فصلهما من المعهد، إذا أبديتا تعنّتًا وتمسكتا بارتداء الحجاب داخل المعهد، وهو ما جرى فعلً في نفس تلك السنة. وقد ورد في نص الرسالة أن الحجاب يمثل رمزًا للانتماء الديني الطائفي، ولذلك لا يمكن أن يُقبَل في

الفضاء العام الذي تمثّله المؤسسات التعليمية والتربوية. وباعتبار أنه لا ينبغي للمدرسة العامة أن تعلّم أو تدّرس أي مذهب ديني أو ملّة أو عقيدة خاصّة بطائفة، يتعيّن على كل من يرتادها ويحظى بخدماتها

ألّ يُظهِر أيًّا من المعتقدات والقناعات الخاصة به. وفي مقابل هذا الموقف دافع فلاسفة فرنسيون عن حق الفتاتين في مواصلة الدراسة بالتعليم العام، باعتبار أن ارتداءهما الحجاب لا يتضمن أي إخلال بمقتضيات العلمانية والفصل الأول من الدستور الفرنسي الذي لا يتناقض مع ضرورة احترام الحريات الخاصة، ومن ضمنها حرية اللباس، ما دام ذلك لا يخلّ بشروط اللياقة والحياء والأمن العام وحياد مؤسسات الدولة ومعاملتها لجميع الأديان والأعراق والثقافات على قدم المساواة.

(24) Elizabeth Badinter et al., "Profs. Ne capitulons pas!" Le Nouvel observateur , 2/11/1989, accessed on 31/10/2022, at: https://bit.ly/3w4qJBA

رأى جان فبيان سبيتز، مثلً، في مقال في جريدة لوموند الفرنسية؛ أن منع الفتاتين من التعليم العام يمثل حالة بيّنة من عدم التسامح ومن الانتهاك لحرية التعبير ومن التمييز بين المواطنين، بمنعهما من

الاستفادة من مزايا التعليم العام الذي يُفترض أن يكون مفتوحًا للجميع، من دون تمييز على أساس اللون أو العرق أو الدين أو الجنس. فلا يمكن أن يُحجّر سلوك في المجال العام، ما دام لا يتعدّى على الحقوق المدنيّة لطرف آخر. فالدولة لا تكون حَكمًا إلا فيما يتعلق بآثار الفعل على الآخرين

وعلى مصالحهم. وما دام يجوز قانونًا لشخص أن يخفي وجهه عن أنظار الناس في حالة كان يعاني مرضًا أصاب بشرة وجهه، يجوز له أيضًا أن يقوم بذلك لأي سبب كان، بما في ذلك الدافع الديني. وبقدر ما تتسامح الدولة مع ممارسات في الطريق العام، مثل تنظيم المظاهرات، تناقض الحق المدني لمن يريدون المرور في الطريق بحرية، ما دام الضرر خفيفًا ومحدودًا في الزمن، على الدولة أن تُبدي أيضًا تفهّمًا وتسامحًا مع من تدفعهم معتقداتهم الدينية إلى أشكال من التعبير لا تنسجم مع رؤية الأغلبية، ولا تلحق بهم وبمصالحهم ضررًا أو إساءة بالغة. فمهمة السلطة العامة هي حماية المصالح المدنية للمواطنين وحياتهم وممتلكاتهم، وضمان ممارسة حقوقهم؛ لذلك تتصدى الدول للعنف والسرقة والتهديد والتحرش وقطع الطرق وتعطيل الجَولَان. وفي رأيٍ يقترب من هذا، عبّر الفيلسوف بول ريكور (2005–1913) والفيلسوفة مونيك كانتو سبيربر

في مقال مشترك في جريدة لوموند عن رفضهما قرار منع الفتاتين من الدخول إلى المدرسة. ففضلً عن أن هذا القرار ينمّ عن سوء فهم لدور المدرسة ولمعنى حيادها تجاه الأديان والعقائد، فهو أيضًا لم يكن منسجمًا؛ إذ حُمّل ارتداء الحجاب، في نظرهما، مدلولات تتجاوز كونه مجرّد

رمز للتعبير الديني، وتجعله متضمّنًا تهديدًا للمدرسة والجمهورية. فلئن جسّد حقًّا الحجاب مثل هذا التهديد، كيف لنا أن نفسّر اقتصار القرار على منعه في المدرسة فحسب وليس في كل مكان؟ فضلً عن ذلك، رأى الفيلسوفان أن قرار الفصل من المدرسة، يشي بعدم تسامح مع الاختيارات والسلوكيات الحرة؛ إذ لا يجوز تقليص الحرية إلا لوجود خطر متأكّد، ينجم عن ممارستها، وليس فقط لمجرّد تخوّفات أو قلق ينتاب بعضهم من الانحرافات التي يمكن حدوثها مستقبلً من جرّاء

مثل تلك السلوكيات. ولئن اتفق موقفا سبيتز وكنتو سبابر Sperber Conto وريكور على رفض قرار فصل التلميذتين، باعتباره يتنافى مع مبدأ التسامح ويعتدي على حق أساسي في التعليم العام على قدم المساواة مع بقية المواطنين، اختلفا حول حدود الحرية الشخصية داخل فضاء عام علماني، في إطار مؤسّسات جمهورية. فقد بدا موقف سبيتز أكثر التزامًا بالمبدأ الملّي الذي يحصر جواز

التدخّل لحرمان شخص من التعبير الذاتي بتوافر قرائن على أن ذلك سيسبّب أذى ماديًا حقيقيًا

لطرف آخر. وهو ما يجعل حرية ارتداء الحجاب أو أي زيّ أو لباس حرية شخصية يتمتّع بها كل

(25) Jean–Fabien Spitz, "Voile au Lycée: non a l’intolerance," Le Monde, 17/10/2003, accessed on 14/12/2022, p. 16, at: https://bit.ly/3BCKsLh (26) Ibid. (27) Monique Conto–Sperber & Paul Ricoeur, "Une laïcité d’exclusion est le meilleur ennemi de l’égalité," Le Monde , 11/12/2003, accessed on 14/12/2022, p. 20, at: https://bit.ly/3j6EBrh

مواطن أو مواطنة، في حين يتفق ريكور وسباربر مع جانب من رأي الجمهورانيين الفرنسيين المتعلق بمبدأ حياد الفضاء العام داخل الديمقراطيات. فالمدرّسون وموظفو القطاع العام وأعوانه يمارسون مهماتهم داخل فضاء محايد انضموا إليه للعمل بمحض إرادتهم؛ لذلك يكونون ملزمين باحترام حياديته وعدم إظهار معتقداتهم، ولا أي انتماء ديني عند ممارسة مهماتهم وأنشطتهم. فلا يجوز، وفق رأيهما، للمدرّسين ارتداء الحجاب، ولا اعتمار القبعة اليهودية ولا الاتشاح بالصليب المسيحي على نحو مرئي في أثناء الدرس وداخل فضاء المدرسة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى كل موظّف يسدي خدمات عامة، يجعله أداؤها في اتصال مع عموم المواطنين. غير أن ذلك لا ينبغي أن ينطبق على التلاميذ؛ إذ لا يمكن أن يُفرض عليهم شرط الالتزام باللائكية والحيادية عند الالتحاق بالمعاهد، ولا أن يُشترط منهم التجرّد من هويتهم الثقافية ومن ارتباطاتهم الأسرية وانتماءاتهم الدينية. لكن

في المقابل، توفّر لهم المدرسة العامة فرصة للتحرّر من تلك الانتماءات والروابط الجزئية، عبر

مسار من التربية والتكوين يتعلمون من خلاله معنى الحياد الجمهوري ومعنى الاستقلال الذاتي، وهو ما يعني أن ذلك يكون تتويجًا لمسارٍ، وليس بداية له. وخطأ الداعين إلى فصل الفتاتين من المدرسة، في رأي الفيلسوفين سباربر وريكور، أنهم جعلوا منه شرطًا للالتحاق بالمدرسة العامة، وللتمتع بحقٍّ مُواطِنيٍّ، ضمنته الجمهورية لكل أبنائها. أما الحادثة الثانية، فهي تلك التي جدّت في فرنسا بجهة الفال دواز، وتتعلق بمقتل مدرّس تاريخ في الثانوية العامة يوم 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2020، يُدعى صمويل باتي Paty Samuel على يدي شاب شيشاني مسلم متشدّد دينيًا، انتقامًا منه؛ لعرضه الصور الكرتونية الدنماركية لنبي الإسلام أمام التلاميذ؛

بمناسبة إحياء ذكرى الهجوم الذي قامت به مجموعة جهادية سنة 2015 على مقرّ صحيفة شارلي إبدو

الفرنسية، وهي صحيفة سياسية هزلية أسبوعية. وقد جاءت العملية الإرهابية على مقرّ الصحيفة إثر

إعادتها نشر الصور الكرتونية الدنماركية، وذهب ضحيتها عدد من الأشخاص. ولئن اتفقت كل النخب الفكرية والسياسية على إدانة مقتل مدرّس التاريخ فإنها اختلفت في تقييم الحدث وتحميل مسؤولية ما حصل لتيار الإسلام الجهادي والجماعة المسلمة الفرنسية، التي لا تزال، بحسب رأيهم، على جفاء مع العلمانية وقيم الجمهورية الفرنسية وحرية التعبير، أو إلى المدرّس أيضًا والمؤسسة التعليمية وساسة الدولة الذين يتحمّلون نصيبًا من المسؤولية فيما جرى.

((2(يبدو لنا أن الاختلاف بين موقفي سبيتز من جهة وسبابر وريكور من جهة أخرى، يعود إلى اختلاف الخلفية الفلسفية لكلا الموقفين. فلئن كان موقف سبيتز من هذه المسألة ليبراليًا صريحًا، ويستند إلى مقاربة الفلسفة الليبرالية لحرية التعبير في الفضاء

العام، نرى موقف ريكور وسبربار يستند أكثر إلى الفلسفة الجمهورانية الفرنسية المتشبثة بمبدأ حياد مؤسسات الدولة والفضاء العام تجاه الانتماءات الدينية التي لا ينبغي أن تعبر عن نفسها داخله، وهو ما ينطبق على المدارس في المقام الأول. وما اقترحه الفيلسوفان سبربار وريكور هو ما كرسه فيما بعد قانون 2004 الذي يحظر الحجاب في المدارس، وأيضًا على موظفي الدولة الذين تجعلهم

مهنتهم في تماس مع المواطنين. وقد اقترح مشروعَ القانون لجنةٌ من المثقفين والأكاديميين، عُرِفت باسم رئيسها برنار ستازي

Stasi Bernard (2011–1930). ومن بين الأسماء المعروفة التي ضمتها اللجنة محمد أركون (2010–1928) وريجيس دوبريه Régis Debray وجيل كيبيل Kepel Gilles وألان تورين Touraine Alain وهنري بينا رويز Henri Pena–Ruiz وغيرهم. حول دور التعليم في بناء المواطنة الفرنسية والتربية على القيم اللائكية والجمهورية وتربية الناشئة على ما يضارع "الدين العقلاني"، ينظر: جوسلين

ماكلور وشارلز تايلور، العلمانية وحرية الضمير، ترجمة محمد الرحموني (بيروت: الشبكة العربية للكتاب، 2019)، ص 28–27.

وإثر الواقعة، وقّعت خمسون شخصية فكرية وسياسية بيانًا مشتركًا، تدعو فيه الحكومة إلى طيّ صفحة

سنوات من البحث عن توافقات وتسويات مع الإسلام الراديكالي، والعودة إلى ترسيخ العلمانية بمعناها التام والكامل. ومن ضمن هؤلاء نجد الفلاسفة إليزابيث بادنتر Badinter Elizabeth ومارسل غوشييه وريجيس ديبريه، المعروفين بدفاعهم عن صيغة متشدّدة من العلمانية تريد تضييق الحرية الدينية، لتكريس القيم الكونية الضامنة لاندماج الجميع داخل كيان الجمهورية، وشخصيات أخرى تبنت نفس المطالب وعملت على ترويجها، خاصة بعد حادثة صحيفة شارلي إبدو مثل المحامي بيار مالكا Milka Pierre أو الكاتبة كاثرين فورست Forest Catherine، وناشطين سياسيين من حركة الربيع الجمهوري القريبة من رئيس الحكومة الفرنسي السابق مانويل فالس Manuel Valls. على خلاف حادثة الحجاب حصل هذه المرة ما يشبه الانقلاب في المواقف بين الليبراليين والعلمانيين الجمهورانيين؛ إذ وجدنا الليبراليين حيال حادثة مقتل باتي أكثر ميلً إلى تقييد حرية التعبير بمُقتضى احترام المشاعر الدينية للآخر ومعتقداته وكرامته، وتجنيب المجتمع أشك لً من العنف لا طائل منها، ورفض أشكال التعبير المتضمنة السخرية من الأديان، في حين شاهدنا العلمانيين الجمهورانيين منحازين للدفاع عن حرية تعبير واسعة النطاق، تضمن حق نقد الأديان بأسلوب السخرية والتهكم. ففي مقال في المجلة الفرنسية جدل Debat بعنوان "اللائكية: العودة والنزاع"، أكد الفيلسوف الفرنسي غوشييه أن اللائكية – كما اتضح معناها في أثناء فترة الجمهورية الثالثة في فرنسا وترسّخت ركنًا من أركان النظام الجمهوري – تعني فصل الدين عن الدولة، وأنه لا يمكن أن يكون هناك رأي لأي سلطة دينية في تدبير الشأن العام خارج إرادة الدولة وسيادتها وقوانينها، وهي تعني أيضًا ضمان الحرية التامة للمواطن في نقد الأديان وفق الصيغة التي يشاؤها، بما في ذلك الهزل والسخرية، باعتماد أساليب الكرتون اللاذعة. وللناس الحرية في استساغتها أو استهجانها وأن يحكموا عليها بالنجاح أو الفشل، فرسّاموها أحرار في رسمها وناشروها أحرار في ترويجها والناس أحرار في الإقبال عليها وشراء الصحف التي تنشرها أو الإعراض عنها. وينبّه

غوشييه أيضًا إلى أن نقد الأديان لا يتعرّض للأشخاص ومعتقداتهم، وإنما إلى مضمون موضوعي فكري

وعملي له وجود مستقل عما يعتقده الناس، وليس هناك ما يؤكد التطابق بين ذلك المحتوى وإيمان الناس به. وفي نظره، قبلت الديانات الكبرى؛ أي الكاثوليكية والبروتستانتية واليهودية، في نهاية الأمر، بحرية نقد الدين بكل الأساليب الممكنة، ولم يعد ذلك يثير لدى أتباعها ردود فعل غاضبة قوية. في حين ظل، في نظره، الإسلام، الدين الوحيد الذي يرفض النقد ولا تزال مجموعة قوية ومؤثرة من المؤمنين به، تزعم الحديث باسم كل المسلمين، ترفض حرية التعبير عندما تتعرض إلى دينها وترى فيها إساءة لها. لذلك يكون، في رأيه، التسامح مع هذا الرفض للنقد واستثناء الدين الإسلامي، من واجب احترام حرية التعبير والنقد رضوخًا للتزمت الإسلامي.

(29) "Après la mort de Samuel Paty, deux conceptions de la laïcité se font face," Le Télégramme , 25/10/2020, accessed on 31/10/2022, at: https://bit.ly/3Puo5eV (30) Marcel Gauchet, "Laicite: Le retour et la controverse," Debat , vol. 3, no. 210 (2020), pp. 137–146. (31) Marcel Gauchet & François Héran, "Y’a–t–il des limites a la liberte d’expression?" Philosophie magazine , no. 145 (Decembre 2020–Janvier 2021), p. 60.

فالتسامح الحقيقي هو أن يعترف الفرد أن ما يعدّه مطلق الصحّة، يمكن ألّ يكون كذلك في نظر غيره.

وهذا المعنى للتسامح، ينبغي أن تعمل المؤسسات التعليمية على ترسيخه لدى الناشئة من خلال التربية المدنية التي تساعدهم على اكتسابه. وتعلّم الديمقراطية هو في نظر غوشييه تعويد للنفس على القبول بتعدديّة الاختيارات والتوجّهات القيمية الكبرى. ولم يكن لهذا التعلّم أن يكون ممكنًا من

دون ترسيخ مبدأ حيادية السلطة العامّة حيال جميع الأديان، فلا أحد منها يفرض قانونه عليها، وهي

لا تحتكم إلا إلى قانونها المدني الذي يضعه المشرّع الذي انتُخب بطريقة ديمقراطية. ويرى لذلك أنه

لا بدّ من أن تسود الفضاء العام والعلاقات بين المواطنين فضيلة التسامح المدني، في إطار حرية كاملة في التعبير عن الرأي والنقد للأديان. لكن هذا الموقف العلماني الجمهوراني الذي يدافع عنه غوشييه، والذي يتناغم مع السياسة العامة للدولة الفرنسية في مجالَي التربية والتعليم التي تعزو للمدرسة دور تربية الناشئة على قيم اللائكية والاستقلالية الذاتية، وتعلّم التسامح مع النقد والسخرية من المشاعر والمعتقدات الدينية الخاصة، لا يقبل به المفكر العربي عزمي بشارة. فلئن تفهّم بشارة عدم حظر الديمقراطيات الليبرالية أشكال التعبير التي تمسّ المشاعر الدينية للآخرين، لصعوبة تحديد الفعل الذي يسيء للشعور الديني، وكذلك

مخافة أن يفسح ذلك المجال لأشكال من سوء استخدام النفوذ القسري للدولة، لمنع التعبير عن الآراء في المجال العام بدعوى أنها تسيء إلى المشاعر الدينية؛ يعيب على الساسة في الديمقراطيات الغربية، مثل الفرنسية، نزوعهم إلى اعتبار المسّ بشخص نبيّ مؤسس لديانة كبرى مثل الإسلام أمرًا

عاديًا ومجرّد ضرر جانبي لا بُدّ من تحمّله من أجل الحفاظ على حرية التعبير. فالخطأ لا يكمن في

أن الديمقراطية الفرنسية لم تحظر قانونًا المسّ بالمشاعر الدينية، وإنما في أن السلطات لم تتعامل مع

الحدث؛ أي إعادة نشر الصور الكرتونية، على أنه استثنائي وحالة متطرفة من التعبير عن الرأي، ولم تتصدّ له من خلال التثقيف والتربية والإعلام والتوعية بمساوئه وأخطاره على العيش المشترك وعلى الديمقراطية. وزاد في تعقيد الأمر عاملان، في رأيه؛ الأول يتعلق بسلوك الساسة وتصريحاتهم، وخاصة رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون Macron Emmanuel، والتي لم تكن موفّقة في مناسبتين على الأقل؛ الأولى كانت في تشرين الأول/ أكتوبر 2020، قبل وقوع جريمة اغتيال المدرّس صمويل باتي

بأيام قليلة؛ إذ صرّح أن هناك ما يعتبره أزمة في الإسلام في كل مكان. ففضلً عن الخلط الذي يقوم به

بين "نقد التطرف ونقد الإسلام، وبين أزمة بعض المسلمين وأزمة الإسلام"؛ بدا كأنه نسي مقامه بصفته رئيس دولة علمانية يعبّر عن رأيها وموقفها، وليس عن مجرّد رأي شخصيّ يخصّه. فبسبب وظيفته،

لا يجوز له تقييم أي دين أو إبداء رأي فيه. وبهذا، يكون قد أخلّ بمبدأ الحياد تجاه الأديان الذي يُفترض أن تلتزم به كل دولة علمانية. أما المناسبة الثانية فقد كانت في 19 شباط/ فبراير 2020، حين

ألقى خطابًا ساوى فيه بين عداء الصهيونية وعداء الساميّة؛ إذ تصبح، وفق هذا الرأي، مناهضة حركة

قومية استعمارية ذات خلفية دينية، احتلّت بلادًا وطردت جزءًا من سكانها، وفرضت الاحتلال على

(3((عزمي بشارة، "مناقشة حرية التعبير والتسامح والعلمانية في أجواء غوغائية"، مقالات، المركز العربي للأبحاث ودراسة

السياسات، 2020/10/29، شوهد في 2022/8/15، في: q 85 STc /3 ly. bit:// https ((3(المرجع نفسه.

الجزء الآخر، وتمارس التمييز العنصري والعنف الوحشي ضدّ المدنيين على نحو يومي، أمرًا مماثل

لمعاداة العرق اليهودي والديانة اليهودية. وبهذا يكون ماكرون قد أخلّ مرة أخرى بمبدأ الحياد تجاه الأديان الذي ينبغي أن تسير عليه الدولة العلمانية الديمقراطية، بتحويله قضية سياسية تتعلق بتحرّر

وطني ونضال ضدّ استعمار استيطاني، إلى صراع ديني ومعاداة للسامية. أما العامل الثاني، في رأي بشارة، فهو الانحراف الذي حصل في الفكر الفرنسي بمعنى العلمانية والتنوير من معاداة الإكليروس والمؤسسة الدينية الكاثوليكية المتحالفة مع النظام الملكي، إلى معنى يقترب من معاداة الأديان والسخرية منها. وفي رأيه، لم يكن يتنافى الاحترام الواجب تجاه المشاعر الدينية وفق الفهم الذي تكرّس تاريخيًا للعلمانية والتنوير، مع مناقشة الأديان وعقائد المتدينين ونقد رجال

الدين بصفة عقلانية ومتروّية. أما ممارسة السخرية والتهكّم من الأديان في الأعمال الفنية والأدبية، فينبغي النظر إليه وفقًا لاختلاف العادات الثقافية وتطور الذائقة العامة لكل مجتمع. لذلك ينبغي، في نظره، أخذ الاختلافات الثقافية في الحسبان، وما يرتبط بها من حساسيات ومشاعر دينية تقترن بالهوية والشعور بالكرامة؛ إذ تقتضي فضيلة التسامح أحيانًا من الشخص، كما يقول بشارة: "ألّ يعبّر، بل أن

يُمسك عن التعبير، من دون إجبار من أحد، حتى لو أتاح مبدأ حرية التعبير الكلام". فكأننا هنا ببشارة يجيب غوشييه على نحو غير مباشر، حين طلب هذا الأخير من المسلمين أن يتحلَّوا بفضيلة التسامح ويقبلوا النقد والسخرية من معتقداتهم، بتنبيهه إلى أنه ومن باب التسامح أيضًا، يكون أفضل وأحرى بالشخص الذي ينوي التعبير أن يتخلى عن حقه في ذلك، إذا أحسّ أن ما سيُدلي به قد يتضمن إساءة

أو مسًّا بمشاعر غيره. وفي اتجاه مغاير للاتجاه الذي سار فيه غوتييه ويتقاطع مع موقف بشارة في جوانب مهمة، عبّر

الفيلسوف الفرنسي إدغار موران عن رأي أقل تسامحًا مع أشكال التعبير المسيئة للمشاعر الدينية

ولمعتقدات الناس. ففي حوار أجرته معه صحيفة الجامعة النقابية الموحّدة FSU، أكّد أن المشكل في الرسوم الكرتونية الدنماركية، أنها تقيم صلة وثيقة بين رسول الإسلام والجهاديين الإرهابيين الذين

نراهم اليوم، وهي صلة يعترض عليها الكثيرون عن حقّ. كما يلُاحظ موران أيضًا أن نشر مثل هذه الصور يُعتبر انتهاكًا للقوانين في بلدان ليبرالية كبريطانيا أو الولايات المتحدة الأميركية، وأيضًا في بلدان مثل إيطاليا أو إسبانيا والتي تمنع قوانينها الإساءة للأديان. أما في فرنسا، فيبيح القانون إعادة نشر الرسوم الكرتونية لرسول الإسلام. أما في فرنسا فيبيح القانون إعادة نشر الرسوم الكرتونية لرسول الإسلام حتى لو كان المسلمون يعتبرونها مجدّفة ضدّ دينهم، لأن الحقّ في التجديف جزء من الحريات التي ضمنتها القوانين للفرنسيين. ويعتبر موران أن صحيفة شارلي إبدو هي سليلة النزعة الفرنسية الليبرتارينية المعادية للإكليروس التي تجذّرت في الثقافة الفرنسية، وكانت تلقى تفهّمًا طوال الفترة التي

كانت فيها الكنيسة مهيمنة على المجتمع ومؤثّرة فيه. غير أن فاعلية هذه النزعة خبت وضعف تأثيرها

((3(المرجع نفسه.

(35) Edgar Morin, "Le plus dangereux est que deux France se dissocient et s’opposent," Institut de recherche de la FSU, 1/12/2020, accessed on 31/10/2022, at: https://bit.ly/3SDQeTA

بقبول الكنيسة للّئكية وتخليها عن محاولة فرض إرادتها على المجتمع. ولا ينبغي في نظر موران أن تُخفي عنّا فظاعة جريمة قطع رأس المدرّس صمويل باتي، ولا جريمة الهجوم على مقرّ صحيفة شارلي

إبدو، أن هذه الرسوم تصدم مشاعر كل مسلم متديّن، وأنها سببّت أحداث عنف دموية مؤلمة، وردود

فعل ضدّ الوجود الفرنسي في الخارج، وعقّدت مهمّات البعثات الدبلوماسية الفرنسية في البلدان ذات الأغلبيات المسلمة من السكان. ويرى موران أن الموقف المدافع عن حرية تعبير تشمل نقد الأديان والسخرية منها، يمكن أن يكون محمودًا من حيث النيّة التي توجّهه، باعتباره يدافع عن حرية فردية أساسية، لكنه يظل يعاني عيبًا

أخلاقيًّا كبيرًا هو عدم أخذه في الاعتبار قيمة أخرى مهمّة في المعادلة، وهي المسؤولية، وعدم اكتراثه

للتناقض الذي يمكن أن يطرأ بين المسؤولية والحرية. فلا ينبغي لنظرية الأخلاق، كما يرى، أن تكتفي بفحص النيّات والحُكم على الفعل من خلال النيّة الموجّهة له، طيّبة أم شريرة، بل عليها أن تنشغل

أيضًا بالنتائج التي يمكن أن تأتي أحيانًا على الضدّ من النيّات. فالأفعال الإنسانية تحقيق لنيّات وقرارات

داخل سياقات شديدة التعقيد، كثيرًا ما تشوبها النزاعات؛ ما يجعلها تتسم بجانب من اللايقين،

ولا تكون نتائجها دومًا مطابقة للنيّة الدافعة للفعل، بل مناقضة لها أحيانًا. لذلك يخلص موران

إلى أنه لا يمكن الحكم على الرسوم الكرتونية فقط من جهة النيّات التحررية أو الليبرتارينية لرسّاميها

وناشريها، وإنما أيضًا من جهة الآثار المشؤومة والكارثية المحتمل حدوثها. فلا يمكن لحرية التعبير أن تُسقِط من اعتبارها ضرورة التحوّط من خطر سوء الفهم والعنف والأفعال الإجرامية التي قد تتسبب فيها، وخاصة أن هذه الرسوم غير قادرة على مساعدة الناس على أن يكونوا أقل تزمّتًا، ولا تسهم في إضعاف الفكر الجهادي. مقابل هذه النظرية الأخلاقية ذات الوجهة النتائجية في الحجاج ضدّ إعادة نشر الصور الكرتونية الدنماركية وضد ترويجها، باعتبارها حالة من حرية التعبير والنقد للدين، اتجه حجاج عالم الاجتماع والديموغرافيا الفرنسي فرنسوا هيران Heran Francois، صوب وجهة قريبة من حجة جيريمي ولدرون Waldron Jeremy وبشارة، والتي تُلزم ممارسة حرية التعبير باحترام معتقدات الآخر، باعتبارها جزءًا من

كيانه، وتعدّ التعدي عليها جرحًا لكرامته. ففي رسالة وجهها إلى أساتذة التاريخ والجغرافيا عن طريق موقع "حياة الأفكار"، ميّز هران بين تصورين لحرية التعبير؛ "تصور تسلطيّ" و"تصور متسامح"؛

الأول، أبوي ذو نزعة وصائية يكون فيه المتسلّط أكثر معرفةً بمصلحة المتسلَّطِ عليه منه. ولئن كان تصرّف الدولة على نحو أبوي حيال مواطنيها يمكن أن يكون مقبولً ضمن حدود معينة – إذ يُفترض

أنها تعرف مصلحتهم أكثر منهم أو أنهم رغم معرفتهم بمصالحهم لا تتوافر لديهم العزيمة وقوة الإرادة

(36) Ibid.

((3(ينظر الفصل الثالث بعنوان "اللايقين الأخلاقي" l’incertitude ethique" "، في:

Edgar Morin , Methode VI, Ethique (Paris: Seuil, 2004). (38) Francois Heran, "Lettre aux professeurs d’histoire–geographie," La vie des idées, 30/10/2020, accessed on 31/10/2022, at: https://bit.ly/3dxPNdF

للعمل على حمايتها فتتولى إكراههم على ذلك عبر القانون، كأن تجبرهم على شدّ حزام الأمان في السيارة أو على الانخراط في نظام تأمين ضدّ المرض أو أن تفرض عليهم إجراءات الوقاية والحماية ضدّ الجوائح، مثل ما هو الحال في وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–)، فإن الأبوية تصبح مشكلً حينما تتحول إلى ضرب من التلقين للسلوك الراشد والسويّ، من خلال استفزاز المشاعر والمعتقدات

وجرح كرامة الناس، بدعوى تحريرهم من معتقداتهم وإيقاظ ملكة النقد فيهم. فكأن المتسلَّط عليه هنا ينبغي أن يُحيّي المتسلّط على ما قام به نحوه وعلى حرصه على مصلحته. وعلى خلاف هذا التصور

التسلطيّ لحرية التعبير، يرى هران أن التوجيهات الرسمية لوزارة التربية الفرنسية، عملت على تكريس

تصور متسامح لحرية التعبير. فوفق ما ورد في منهاج مقرّر مادة التربية الأخلاقية والمدنية مثلً، تكون

غاية هذا المقرّر الأولى هي إشاعة ثقافة احترام الآخر. وقد عرّف المنهاج معنى ذلك الاحترام كما يلي:

"أن نحترم الآخر يعني أن نحترم حريته، وأن نعتبره سواء لنا في الكرامة، وأن ننمي معه روابط الإخاء. وهو أيضًا أن نحترم قناعاته الفلسفية والدينية، وهو ما تسمح به اللائكية"، وهو نفس الاتجاه الذي سار فيه ميثاق اللائكية في المدرسة، وفق هران. لذلك لا ينبغي، في رأيه، لحرية التعبير أن تكون مطلقة، وأن تمارس على نحو يسيء إلى الآخر ماديًا أو معنويًا ويجرح كرامته، فالمسّ بالمشاعر الدينية

يمكن أن يخلّف جرحًا في الكرامة، ويجعل الناس يشعرون أنهم لم يكونوا يحظون بالاعتبار المتساوي

لغيرهم، تمامًا مثلما هو الأمر بالنسبة إلى خطابات الكراهية، كما بيّن وولدرون. ولكل هذه الاعتبارات

يظل المبدأ الكلي يشكو من محدودية، وهي نفس المحدودية التي يكشف عنها عندما يتعلق الأمر بإنتاج المواد الإباحية وتداولها وترويجها.

2. حرية التعبير والمواد الإباحية

يثبت الجدل حول البورنوغرافيا Pornography والإباحية في الأدب والشعر والروايات والأفلام والرسم والصور، وحول إن كان منعها وتقييد نشرها وتداولها يمثل اعتداء على حرية التعبير أم توجد مسوغات لذلك المنع، الصعوبات التي يواجهها دفاع الليبرالية عن حرية التعبير من وجهة نظر فردانية. ويمكننا أن نشير هنا إلى كتّاب وفلاسفة وفقهاء قانون خاضوا في هذه المسائل من وجهة نظر ليبرالية لا تنزع نحو المنع وإنما التقييد. ونخص بالذكر الأميركي جويل فاينبرغ Feinberg Joel (2004–1926) وجريمي وولدرن ورونالد دووركين، وكاثرين ماكينون Catharine A. MacKinnon. إن ما يمكن استنتاجه من كل هذا الجدل هو أن مبدأ الضرر الذي وضعه ستيوارت مِل، مهمّ لسن

القوانين التي تحمي حرية التعبير، لكنه يمكن أن لا يكون كافيًا أحيانًا، ولا بدّ من رفده بمبدأ آخر هو

مبدأ الإساءة Principle Offense. فالإساءة الأخلاقية معنوية وتضرّ بالقيمة الأخلاقية التي يعطيها

الفرد لشخصه من جرّاء تعبير أشخاص آخرين عن أفكارهم وأحاسيسهم. فالإساءة إلى شخص، وإن

كانت أقل خطرًا عليه من الضرر المادي، تمثل خدشًا لكرامته وتقتضي عقابًا قانونيًا وإن كان أقل

حدّة. ويشير فاينبرغ إلى أن كلمة "إساءة" لها معنيان؛ واحد عام، والآخر معياري وخاص؛ يحيل الأول إلى خليط من الحالات الذهنية والمشاعر المشوّشة من الاشمئزاز والتقزز والخجل والخزي

((3(ورد ذكره لدى هران في الحوار الذي جمعه مع مرسال غوشييه في: Héran & Gauchet (الترجمة لنا.)

والوجع، في حين يحيل المعنى الثاني إلى تلك الحالات حين يسببها سلوك الآخرين، فينتهك حق الشخص في عدم التعرّض إليها. فأن نسيء إلى الآخر، في رأيه، هو أن نسبّب له حالة ذهنية

لا يرغب فيها أحد من الاشمئزاز والخجل والخزي، من دون إلحاق أذى مادي به أو تعريضه له. أما مبدأ الإساءة الذي يجعله فاينبرغ، نظير مبدأ الضرر لمل، فيستجيب للحاجة إلى منع الناس من الإساءة إلى غيرهم من دون وجه حق، ويسوّغ سنّ قانون ردعيّ للغرض. فالإساءة تسبّب حالات

بغيضة وكريهة، وتحدث شعورًا مزعجًا بالضيق. وهي شرّ حقيقي، في رأيه، يلحق بالأشخاص،

حتى لو لم يكن بحجم تلك الشرور التي تمثلها الأضرار المادية الفعلية، ولها ضحايا يتأذون منها، ولهم حق الشكوى ضدّ من أتى الفعل الظالم في حقهم وضد الطريقة التي وقعت معاملتهم بها. لكن الإساءة التي تسبّبها البورنوغرافيا والمواد الإباحية للناس، لا تحدث في نظر فاينبرغ إلا عند

عرضها في الأماكن العامة وفرض مشاهدتها أو الاطلاع عليها من الناس، من دون أن يكونوا اختاروا ذلك، ولذلك لا يرى إساءة في استهلاكها في المجال الخاص. وهو موقف يتعارض مع موقف بعض الفيلسوفات النسويات أمثال ماكينون وأندريا دووركين اللتين طالبتا بمنع البورنوغرافيا؛ لأنها تسيء إلى صورة النساء الاجتماعية، وتحطّ من موقعهن في المجتمع، وأنها وراء أشكال من العنف والإهانة للنساء، فضلً عما تعانيه محترفات التمثيل في هذا النوع من السينما، من استغلال شركات الإنتاج لهن، وامتهان كرامتهن. ولتقييد النفاذ إلى المواد الإباحية لا بدّ، في نظر فاينبرغ، من أن يأخذ القانون في الاعتبار العناصر التالية وهي: امتداد Extent الفعل؛ أي عدد الناس الذين كانوا عرضة لأثره، ودوامه Duration، والقيمة الاجتماعية لذلك التعبير، ومدى سهولة التعرّض إليه، مثل أن يحدث في مكان عمومي لا يمكن تجنّب

المرور عبره، ومدى إمكان تجنّبه، ودوافع صاحبه. ونجد في القضايا التي رُفعت أمام المحاكم في كثير من الدول، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، أن القضاة دائمًا يتساءلون عن الدافع لصاحب

الفعل والتعبير؛ إذ يختلف الأمر إن كان الدافع الرئيس جماليًّا وفنيًّا أو فكريًّا يُقصد منه إنارة جوانب

من التاريخ، مثل ذلك المتعلّق بحياة الأمراء، أم أن دافعه الأول هو البحث عن الإثارة واستفزاز مشاعر الغير. وحتى في حالة وجود الاستفزاز، ينبغي للمشرّع والقاضي التساؤل حول إن كان ذلك بدرجة

(4((حول الخجل وأثره في الفعل الأخلاقي، ينظر الفصل الثاني في: راي كروزير، الخجل، ترجمة معتز سيد عبد الله، سلسلة عالم المعرفة، العدد 361 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.)2009

(41) Joel Feinberg, Offense to Others, The Moral Limits to The Criminal Law (New York: Oxford University Press, 1985), p. 2.

((4(يتضمن الكتاب شهادات مهمة لنساء تدين صناعة البورنوغرافيا Industry Pornography The ينظر:.

Catharine MacKinnon & Andrea Dworkin , In Harm’s Way: The Pornography Civil Rights Hearings (Mass: Harvard University Press, 1997).

((4(للاطلاع على نقاش لرأي النسويات حول البورنوغرافيا، ينظر:

Ronald Dworkin, "Is there a Right to Pornography?" Oxford Journal of legal Studies , vol. 1, no. 2 (Summer 1981), pp. 177–212; Caroline West, "Pornography," The Oxford Handbook of Freedom of Speech (Oxford: Oxford University Press, 2021), pp. 477–498. (44) Ibid.

رئيسة أم بدرجة ثانوية، وهل أن المقصد الرئيس للعمل الاستفزاز والإثارة؟ كما يجب أن تُؤخذ في الاعتبار المصلحة العامة للجماعة في الحفاظ على الحريات العامة وإشاعة مناخ من التسامح. كانت هذه الاعتبارات حاضرة في التقرير الذي رفعته لجنة كلفتها الحكومة البريطانية سنة 1976، ترأسها الفيلسوف الإنكليزي برنارد وليامز، ضمّت فقهاء قانون ومفكرين وفنانين، وتناول التقرير مدى جواز إخضاع المظاهر الفاحشة في السينما إلى الرقابة، وخلص إلى التوصية بعدم المنع، وإنما بتقييد الوصول إلى هذه المواد، وجعلها حكرًا على الراشدين الذين يختارون طوعًا مشاهدتها، من دون أن

يُفرض عليهم الاطلاع عليها في حال مرورهم في الطريق العام أو مشاهدتهم التلفاز أو شريطًا سينمائيًّا

أو عرضًا مسرحيًّا لم يكن الغرض منه عرض تلك اللقطات أو الصور.

خاتمة

كانت حرية التعبير شاغلً مهمًا للفلسفة، فلم يقتصر الفلاسفة على الخوض في معنى الحرية فحسب، وإنما خاضوا أيضًا في تفاصيلها، وحرية التعبير على وجه خاص. وقد استوعبت الليبرالية عندما اكتمل تشكل نظريتها الفلسفية، كل الحجج التي اجتهد الفلاسفة في العصر الحديث لتقديمها من أجل دعم المطالب المنادية بها، وتهوين حدة المخاوف التي تنتاب الناس من الانحرافات التي يمكن أن تنجم عن ممارستها في المجال العام. وقد تساوق العمل القانوني من أجل تنظيم استخدام هذه الحرية في الفضاء العام لمجتمع مفتوح وتعددي، مع التفكير في الأسباب والغايات التي يمكن أن تكون معقولة للحد منها، ولا تتناقض مع المبادئ والقيم المميزة لمجتمع حديث يكون فيه الأفراد أحرارًا وسواسية ومدركين جيّدًا لحقوقهم وواجباتهم، بعضهم تجاه بعض. حاولنا في هذه الدراسة أن نبيّن الخط الذي انتظمت وفقه المواقف من حرية التعبير التي تنتسب إلى

الفلسفة الليبرالية، وصيغة الحجج للدفاع عنها. فقد دافعت الليبرالية عن أن حرية التعبير حق أصلي للمتلقي في الاطلاع على الأفكار والآراء والمواقف، لبناء موقفه الشخصي وللارتقاء بذاته إلى المستوى الذي يريده ويرضاه، وأنه لا يكون حقًّا للمرسل والمُعبّر إلا بنحو فرعي؛ لذلك يكون المتضرر من

التضييق عليها في المقام الأول جمهور المتلقين، ومن ثم المجتمع بأسره، فضلً عن الشخص الذي حُرِم من التعبير ومن إبلاغ رأيه. ولئن اختلف الفلاسفة الليبراليون حول الحجاج من أجل حرية التعبير

وتبنّى بعضهم وجهة نتائجية؛ مثل: هولمز وستوارت مِل وبرنارد وليامز ودافعوا عن حرية التعبير من حيث آثارها الإيجابية في بلوغ الحقيقة وتطور المعرفة أو الاستقلال الذاتي أو الديمقراطية، وبعضهم الآخر تبنّى وجهة آدابية كانطية؛ مثل: سكونلون ورولز وولدرون ورونالد دووركين، فإنهم يتفقون جميعهم في أن حرية التعبير حق فردي ولا يمكن تقييده إلا من أجل حماية الحرية الفردية ذاتها،

(45) Amy Adler, "What’s Left? Hate Speech, Pornography, and the Problem for Artistic Expression," California Law Review , vol. 84, no. 6 (1996), pp. 1499–1579. (46) Bernard Williams, Obscenity and Censorship, An Abridgment of the Williams Report (Cambridge: Cambridge University Press, 2015).

من أجل ترشيد استخدامها على نحو تنسجم فيه مع حرية الآخرين. ولا يمكن بهذا أن تقدّم حماية الفضائل الأخلاقية للمجتمع أو دواعي الأمن والدفاع عن الوطن بوصفها ذرائع مقبولة، في نظرهم، للحدّ من حرية التعبير. وهو ما يجعلهم على خلاف دائم مع ما يذهب إليه الجمهورانيون عمومًا. ولئن اعتبر العديد من الليبراليين أن الدفاع عن حرية التعبير يقتضي حصر الحالات الاستثنائية التي يجوز فيها تدخل السلطة العامة لمنع فرد أو مجموعة من التعبير عن أفكارهم، في الحالات التي يثبت فيها أن ممارستهم لتلك الحرية سيترتب عليها خطر مادي حقيقي ومؤكد على الآخرين، اعتبر ليبراليون أمثال وولدرون وفاينبرغ أن خطابات الكراهية والإساءة للناس بفرض مشاهد إباحية تثير الاشمئزاز والخجل لديهم، تمثل أيضًا اعتداء على الكرامة، يقتضي حماية قانونية للأشخاص منه، حتى لو لم ينجر عنه ضرر مادي مؤكد. وفي نفس الخط الحجاجي هذا، تندرج أيضًا مواقف كتاب ليبراليين من حادثة مقتل المدرس صمويل باتي مثل موران وبشارة وهران التي أجمعت على إدانة الجريمة، لكنها أكدت أيضًا أن ممارسة حرية التعبير لا ينبغي أن تتنافى مع مقتضى احترام معتقدات الآخر ومشاعره، ولا بُد أن تتجنب أسلوب السخرية والاستفزاز وصدم الذائقة العامة للمجتمعات والثقافات التي يكون فيها المقدس الديني ذا حضور قوي في حياة الناس. وبهذا يتبيّن لنا أن الحجاج الليبرالي لم يقتصر

على مبدأ واحد، وأبدى قدرة على التفاعل مع الوقائع، واعترف بأهمية المشاعر الأخلاقية والدينية والإحساس بالكرامة، لكنه ظل وفيًّا لافتراضه الأساس، وهو مقاربة الحقوق، لا من وجهة جمعيّة بل

فردية، فالمشاعر والكرامة صفات تُنسب إلى الأفراد لا إلى الجماعات، وحرية التعبير مسؤولية فردية لا جماعية.

References

المراجع

العربية

أبو زيد، فاروق. الإعلام والديمقراطية. القاهرة: عالم الكتاب، 2010. أرسطو. السياسات. ترجمة الأب بربارة البولسي. بيروت: اللجنة الدولية لترجمة الروائع،.1957 _______. علم أخلاق إلى نيقوماخوس. ترجمة أحمد لطفي السيد. القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية،.1924 باري، براين. الثقافة والمساواة: نقد مساواتي للتعددية الثقافية. ترجمة كمال المصري. سلسلة عالم المعرفة، العدد 383. ج 2. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2011 بشارة، عزمي. "مناقشة حرية التعبير والتسامح والعلمانية في أجواء غوغائية". مقالات. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2020/10/29:. في q 85 STc /3 ly. bit:// https دال، روبرت. الديمقراطية ونقادها. ترجمة منصور فاروق. عمّان: دار الفارس،.1995 دووركين، رونالد. أخذ الحقوق على محمل الجدّ. ترجمة وتقديم منير الكشو. تونس: دار سيناترا،

رولز، جون. قانون الشعوب. ترجمة أحمد خليل. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2007 سموللا، رودني أ. حرية التعبير في مجتمع مفتوح. ترجمة كمال عبد الرؤوف. القاهرة: الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية،.1995 العوّا، محمد سليم. الحق في التعبير. القاهرة: دار الشروق،.2003 كانط، إمانويل. ثلاثة نصوص: تأملات في التربية، ما هي الأنوار؟ ما التوجه في التفكير؟. ترجمة محمود بن جماعة. صفاقس: دار محمد علي الحامي،.2005 كرويز، راي. الخجل. ترجمة معتز سيد عبد الله. سلسلة عالم المعرفة، العدد 361. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2009 ماكلور، جوسلين وشارلز تايلور. العلمانية وحرية الضمير. ترجمة محمد الرحموني. بيروت: الشبكة العربية للكتاب،.2019 مل، جون ستوارت. عن الحرية. ترجمة عبد الله أمين غيث. عمان: المكتبة الأهلية،.2013 هوبز، توماس. اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة. ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب. مراجعة رضوان السيد. بيروت: دار الفارابي،.2011

الأجنبية

Adler, Amy. "What’s Left? Hate Speech, Pornography, and the Problem for Artistic Expression." California Law Review. vol. 84, no. 6 (1996). Alexander, Larry. Is There a Right of Freedom of Expression? Cambridge: Cambridge University Press, 2005. Badinter, Elizabeth et al. "Profs. Ne capitulons pas!" Le Nouvel observateur. 2/11/1989. at: https://bit.ly/3w4qJBA Braddon–Mitchell, David & West Caroline. "What Is Free Speech?" The Journal of Political Philosophy. vol. 12, no. 4 (2004). Dworkin, Ronald. "Is there a Right to Pornography?" Oxford Journal of legal Studies. vol. 1, no. 2 (Summer 1981). Feinberg, Joel.  Offense to Others, The Moral Limits to The Criminal Law. New York: Oxford University Press, 1985. Gauchet, Marcel & François Héran. "Y’a–t–il des limites a la liberte d’expression?" Philosophie Magazine. no. 145 (Decembre 2020–Janvier 2021). Gauchet, Marcel. "Laicite: Le retour et la controverse." Debat. vol. 3, no. 210 (2020). Heran, François. "Lettre aux professeurs d’histoire–geographie." La vie des idées. 30/10/2020. at: https://bit.ly/3dxPNdF

MacKinnon, Catharine & Andrea Dworkin. In Harm’s Way: The Pornography Civil Rights Hearings (Mass: Harvard University Press, 1997). Morin, Edgar. "Le plus dangereux est que deux France se dissocient et s’opposent." Institut de recherche de la FSU. 1/12/2020. at: https://bit.ly/3SDQeTA _______. Méthode VI, Ethique. Paris: Seuil, 2004. Popper, Karl.  Conjectures and Refutations. London: Routledge, 2002. Sartori, Giovanni, The Theory of Democracy Revisited. New Jersey: Chattem House Publishers, 1987. Scanlon, Thomas. "A Theory of Freedom of Expression." Philosophy and Public Affairs. vol. 1, no. 2 (1972). Spitz, Jean–Fabien. "Quelles sont les limites de la liberté d’expression?"  La vie des idées. 10/2/2015. at: https://bit.ly/3AoqZ0O Waldron, Jeremy. The Harm in Hate Speech. Mass: Harvard University Press, 2012. West, Caroline. "Pornography." The Oxford Handbook of Freedom of Speech. Oxford: Oxford University Press, 2021. Williams, Bernard. Obscenity and Censorship, An Abridgment of the Williams Report. Cambridge: Cambridge University Press, 2015.