العقل العام والدين والهوية في سياق فلسفة رولز السياسية
Public Reason, Religion, and Identity in the Context of John Rawls’s Political Philosophy
الملخّص
تناقش هذه الدراسة قضايا العقل العام والهوية والدين (أو العقيدة الشاملة) كما تتبدى في فلسفة جون رولز السياسية، وتُناقش كذلك الانتقادات التي واجهتها مواقف رولز من هذه القضايا عند بعض النقاد، وبالأخص الجماعاتيين وأتباع العقائد الشاملة. نتوقف أيضًا عند مفهوم المعقولية والمسوغات العامة، ونطرح سؤالًا حول ما إذا كانت هذه المفاهيم تحظى بأي مشروعية تسمو فوق العقائد، وتحديدًا ما إذا كان عقل رولز العام لا يعدو كونه عقلًا ليبراليًا يرتدي لبوس العمومية من دون وجه حق. ينتهي بنا القول إلى اعتبار أن الجدل القائم بين رولز وأنصار الليبرالية السياسية من جهة، والجماعاتيين وأتباع العقائد الشاملة من جهة أخرى، ليس من النوع القابل للحسم عقلانيًا، ما دام مفهوم المعقولية نفسه موضعَ خلاف. يبقى لنا أن نقول، في هذا السياق، إن التطورات التاريخية الطويلة المدى والعميقة الأثر في العلم والاقتصاد والاجتماع والتنظيم هي فقط التي في وسعها أن تُقرب وجهات النظر المتباينة، وذلك من خلال صياغة و/ أو إعادة بناء المفاهيم والمعتقدات والقيم والتوجهات الانفعالية والإدراكية نحو القضايا ذات الشأن.
Abstract
Abstract: This paper discusses the concepts of public reason, identity, and religion (more generally, comprehensive doctrine) in the context of John Rawls’s political philosophy, and the objections that have been raised to Rawls’s views by communitarians and proponents of comprehensive doctrines. The study dwells on the concepts of reasonableness and public reason, and seeks to determine whether these concepts enjoy overriding legitimacy over that of religions and other comprehensive doctrines. In particular, we investigate whether Rawls’s "public reason" is no more than liberal reason presenting itself as "public". The study concludes by suggesting that so long as the concept of reasonableness itself is in question, disagreements between supporters of political liberalism and proponents of comprehensive doctrines cannot be resolved through philosophy. Nothing short of profound and enduring historical developments in science, economy, and society can bring about reconciliation between divergent views by crafting or rebuilding concepts, beliefs, and affective and cognitive attitudes toward relevant issues.
- الليبرالية السياسية
- العقل العام
- المسوغات العامة
- الدين
- العقائد الشاملة
- المعقولية
- الإسلام الليبرالي
- Political Liberalism
- Public Reason
- Public Justifications
- Religion
- Comprehensive Doctrines
- Reasonableness
في فلسفة جون رولز السياسية، وتُناقش كذلك الانتقادات التي واجهتها مواقف رولز من هذه
القضايا عند بعض النقاد، وبالأخص الجماعاتيين وأتباع العقائد الشاملة. نتوقف أيضًا عند مفهوم
المعقولية والمسوغات العامة، ونطرح سؤلً حول ما إذا كانت هذه المفاهيم تحظى بأي مشروعية
تسمو فوق العقائد، وتحديدًا ما إذا كان عقل رولز العام لا يعدو كونه عقلً ليبراليًا يرتدي لبوس
العمومية من دون وجه حق. ينتهي بنا القول إلى اعتبار أن الجدل القائم بين رولز وأنصار الليبرالية
السياسية من جهة، والجماعاتيين وأتباع العقائد الشاملة من جهة أخرى، ليس من النوع القابل
للحسم عقلانيًا، ما دام مفهوم المعقولية نفسه موضعَ خلاف. يبقى لنا أن نقول، في هذا السياق، إن
التطورات التاريخية الطويلة المدى والعميقة الأثر في العلم والاقتصاد والاجتماع والتنظيم هي فقط
التي في وسعها أن تُقرب وجهات النظر المتباينة، وذلك من خلال صياغة و/ أو إعادة بناء المفاهيم
والمعتقدات والقيم والتوجهات الانفعالية والإدراكية نحو القضايا ذات الشأن.
المعقولية، الإسلام الليبرالي.
مقدمة
نطرح في هذه الدراسة بعض الأفكار حول مفهوم العقل العام وعلاقته بمفهوم آخر أكثر ألفة، مع أنه أكثر التباسًا، ألا وهو مفهوم الهوية، كما يمكن أن تتحدد هذه الأفكار (على الأقل
جزئيًا) بالإشارة إلى الدين والعقائد الشاملة عمومًا. ومن أجل تبيان طبيعة المشكلات واستكشاف
آفاق الحلول الممكنة نركز جل اهتمامنا على فلسفة جون رولز (2002–1921) السياسية، كما نراها متمثلة في مقاله الصادر عن مجلة فلسفة وشؤون عامة Philosophy and Public Affairs بعنوان: "العدالة كإنصاف: سياسية وليست ميتافيزيقية")1985(، وكتاب الليبرالية السياسية)1993(، إضافة إلى فصل "عود إلى العقل العام"في كتاب قانون الشعوب (1997)، وهي من أهم ما ألفه رولز بعد كتابة الذائع الصيت نظرية في العدالة. إن موضوعات العقل العام والدين والهوية، من أكثر المواضيع اتساعًا وإثارة للجدال، وخصوصًا المفهومين الأخيرين. ومع أنه من الممكن مناقشة هذه الأفكار بصورة تجمع بين مفكرين كُثر، فإن ذلك يستعصي على دراسة بحثية، إلا أن تبقى هذه على السطح فلا تعطي المسائل المعقدة حقها، ولا تذهب بالنقاش إلى نهاياته المنطقية. ما عدا ذلك، فإن للتركيز على فلسفة رولز ما يبرره؛ إذ نجح هذا الفيلسوف خلال نصف قرن من الزمن، في تقديم المقاربة الليبرالية في السياسة في أقوى صورة، وبات يعتبر الممثل الأول لهذه المدرسة، فلا يكاد أحد يستطيع مناقشة التوجه الليبرالي في الفلسفة السياسية دون أن ينطلق من كتاباته أو يتوقف عليها قليلً أو كثيرًا. نناقش في القسم الأول من الدراسة مفهوم العقل العام عند رولز، شكله ومضمونه، وفي القسم الثاني ننتقل إلى الحديث عن مفهوم المسوغات Reasons العامة منها والخاصة، وعلاقة هذه المفاهيم بمفهوم العقائد الشاملة. أما في القسم الثالث، فنناقش مداخلات رولز المتعلقة بالهوية، ونطرح سؤلً حول ما إذا كان تصور رولز منصفًا في حق أصحاب الديانات وغيرهم ممن يؤمنون بعقائد شاملة من نوع غير ليبرالي. وفي القسم الرابع، نناقش مسألة ما إذا كان موقف أنصار العقائد الشاملة نفسه منصفًا في حق من لا يؤمنون بأي عقائد شاملة، بل في حق من يعتقدون عقائد شاملة من نوع مغاير لتلك التي يؤمنون بها. يقودنا النقاش إلى استنتاج مفادُه أننا بصدد مجابهة مشكلة تستعصي على الحل فلسفيًا. وفي القسم الخامس، نصل إلى نهاية
الدراسة بخاتمة استنتاجية تقول إن الحل يكمن في التطورات التاريخية المستقبلية نفسها، وبما قد تحمله من تغيرات في المفاهيم، والمعتقدات، والتوجهات الإدراكية والانفعالية.
(1) John Rawls, "Justice as Fairness: Political not Metaphysical," Philosophy and Public Affairs , vol. 14, no. 3 (Summer 1985), pp. 223–251. (2) John Rawls, Political Liberalism (New York: Columbia University Press, 1993). (3) John Rawls, "The Idea of Public Reason Revisited," University of Chicago Law Review , vol. 64, no. 3 (Summer 1997), pp. 765–807;
وللاطلاع على الترجمة العربية، ينظر: جون رولز، قانون الشعوب وعود إلى فكرة العقل العام، ترجمة محمد خليل (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2007)، ص.223–184
(4) John Rawls, A Theory of Justice (Cambridge: Harvard University Press, 1970).
أولا: العقل العام: الشكل والمضمون
من أجل مقاربة مفهوم العقل العام عند رولز، قد لا يكون ثمة ما هو أفضل من التذكير بما قاله فيلسوف أميركي آخر في العلاقة بين حكم الأغلبية (أو الديمقراطية بمعنى ما) والمداولة أو التداول Deliberation، أي المناقشة وتبادل الآراء والحجج في الفضاء العام بين المواطنين حول المسائل التي تهمهم جميعًا. يقول جون ديوي (1952–1859) في كتاب صدر عام 1927: "يتسم حكم الأغلبية، بصفته حكم أغلبية، بالحمق، تمامًا كما يزعم نقّاده. ولكن المسألة لم تكن يومًا ما مجرد حكم أغلبية. الأمر الأهم هو الطريقة التي تتشكل بها الأغلبية: المناظرات بين المختلفين في الرأي، وقيام الأغلبية بتعديل مواقفها مراعاة لموقف الأقلية. بعبارة أخرى، تكمن الحاجة الأساسية في تحسين مناهج الحجاج وظروفه وتبادل الآراء". مفهوم التداول هذا حاضر بقوة عند رولز في المؤلفات التي ذكرناها؛ من حيث طبيعته، وآلياته، ومسوغات العمل بموجبه في النظام الديمقراطي الليبرالي الدستوري. يناقش رولز هذه المسائل تحت مظلة مفهوم العقل العام. وقد تطور هذا المفهوم عنده مع تطور أفكاره المتعلقة بالطريقة الأنسب لفهم الليبرالية. وبما أن الأمر كذلك، فلنبين أولً كيف تطور مفهوم الليبرالية عنده في الفترة ما بين كتاب نظرية في العدالة (1970) والمؤلفات التي تلته في فترة الثمانينيات والتسعينيات، خصوصا كتاب الليبرالية السياسية (1993). باختصار شديد بات رولز ينظر إلى الليبرالية الممثلة في كتاب نظرية في العدالة ك "ليبرالية شاملة"، أي كعقيدة ميتافيزيقية غير تعددية، ومثيرة للجدل، في حين أن الليبرالية الممثلة في كتاب الليبرالية السياسية هي "ليبرالية سياسية" يُفترض ألّ تكون عقيدة شمولية أو ميتافيزيقية. يقول رولز واصفًا الفرق بين مرحلتين من مراحل تفكيره المرتبطة بالليبرالية: "يقدم الكتاب [أي كتاب نظرية في العدالة] تصور العدالة كإنصاف، كمذهب ليبرالي شامل [...] يعتنق فيه جميع أعضاء مجتمع جيد التنظيم نفس المذهب. هذا النوع من المجتمع [...] يتناقض مع الليبرالية التعددية، ومن ثم ترى الليبرالية السياسية أن هذا المجتمع أمر مستحيل. الكتابان [أي كتاب نظرية في العدالة، وكتاب الليبرالية السياسية] ليسا متماثلين، ولكنْ كل منهما لديه فكرة العقل العام. في الكتاب الأول يتمثل العقل العام في مذهب ليبرالي شامل [أي إن مضمون العقل العام في كتاب نظرية في العدالة عبارة عن مذهب ليبرالي شامل]، بينما يتمثل العقل العام في الكتاب الثاني في طريقة للتفكير حول القيم السياسية التي يتشارك فيها مواطنون متساوون وأحرار [...] لا تتعدى [الطريقة الأخيرة] على مذاهب شاملة للمواطنين، ما دامت تلك المذاهب تتفق مع التنظيم السياسي للمجتمع". يقول رولز، إذًا، إن العقل العام في كتاب الليبرالية السياسية هو طريقة للتفكير في المسائل السياسية. فما تلك الطريقة التي ينبغي أن يسلكها المواطنون عندما يلتقون في الفضاء العام (حرفيًا أو مجازيًا)
وينهمكون في النقاش وتبادل الحجج والأفكار والمسوغات؟ يعتقد رولز أن عليهم الالتزام بقواعد
(5) John Dewey, The Public and its Problems (Denver: Alan Swallow, 1927), p. 207.
(((رولز، ص.227
ومعايير تحدد طرق الاستدلال المقبولة وأنواع البينات الملائمة التي يمكن استخدامها في النقاش. ها هي تلك العناصر والمتطلبات التي ينبغي أن يلتزم أطراف النقاش بها: 1. المعتقدات العامة والمقبولة في الوقت الحاضر. 2. مناهج الاستدلال التي يقول بها الحس السليم. 3. مناهج العلم واستنتاجاته حينما لا تكون هذه موضوع خلاف. 4. عند تقديم المبررات والحجج ينبغي عدم الاستناد إلى العقائد الشمولية الفلسفية أو الدينية أو الاقتصادية المثيرة للخلاف. 5. يجب أن تعتمد المداولات على الحقائق البينة والمعروفة على نطاق واسع، أو التي يمكن للمواطنين عمومًا الحصول عليها. يمكن هنا إضافة عنصر آخر، من دون خشية من التعارض مع ما يقوله رولز، ذلك أنه مرتبط بالعلم، وهو أيضًا مكون من مكونات الحس السليم، وهو: 6. المنطق والرياضيات. واضح لكل من يتمعن في هذه الشروط أنها شكلية Formal إلى درجة كبيرة، بمعنى أنها تتعلق بالإطار الصوري للنقاش من دون التطرق إلى الموضوع أو الموضوعات التي سيجري التداول بشأنها. من الواضح، إذًا، أنّ للعقل العام جانبًا صوريًّا إجرائيًّا يحكم التداول. فماذا عن المضمون؟ أللعقل العام
مضمون/ محتوى محدد أم أنه مجرد عناصر ومتطلبات صورية تحكم النقاش؟ عطفًا على ما سبق من قول رولز إن العقل العام، بحسب كتاب نظرية في العدالة، قد تمثل في مذهب ليبرالي شامل؛ فلا ريب في أن مضمون العقل العام في ذلك الكتاب كان ليبرالية شاملة مثيرة للخلاف كما كانت الليبرالية دومًا.
فما الذي استقر عليه الأمر في كتاب الليبرالية السياسية وما تلا نظرية في العدالة من مؤلفات أخرى؟ وما مضمون العقل العام في هذه المرحلة من تطور أفكار رولز؟ يقول رولز إن ما يزود العقل العام بمضمونه هو "مجموعة التصورات السياسية الليبرالية المستوفية لمعيار المعاملة بالمثل"، وهي، إذًا، مجموعة من التصورات الليبرالية، وليست تصورًا واحدًا.
أما معيار المعاملة بالمثل، فيقتضي ألا يطرح المتحاور على الآخرين تصورات سياسية لا يعقل أن نتوقع أن يقبل بها الآخرون، تمامًا كما أن المتحاور نفسه لن يرضى بأن يطرح عليه الآخرون تصورات
لا يعقل منه القبول بها. مثال ذلك أن ينطلق الماركسي في حواره مع جاره المسيحي من منطلقات ماركسية (أو العكس)، أو أن يبدأ ليبرالي شمولي حوارًا مع مسلم أو مسيحي، انطلاقًا من المبدأ
(7) Rawls, Political Liberalism , p. 225.
(((رولز، ص.223 (((بحسب ما يرى رولز، "يوجد العديد من الليبراليات والآراء المصاحبة لها". ينظر: المرجع نفسه، ص.192
الميتافيزيقي الشامل الذي يتطلب أن يكون الإنسان فردًا مستقلً تمام الاستقلال بذاته، على خلاف كونه عبدًا لله أو جزءًا من جسد المسيح الذي هو الكنيسة. ما تلك التصورات التي تزود العقل العام بمضمونه والتي سوف تشكل موضوع نقاش وتبادل للرأي؟ يتضح في النص التالي أن تلك التصورات ذات طابع ليبرالي، وأن كل واحد منها يحدد حقوقًا أساسية وفق نظام أولويات محدد، كما أنه يؤكد على توفير الوسائل اللازمة للاستفادة من تلك الحقوق: "تتم صياغة محتوى العقل العام بالإشارة إلى تصور سياسي للعدالة ذي طابع ليبرالي. من سمات هذا التصور أنه يحدد عددًا معينًا من الحقوق الأساسية والحريات والفرص؛ كما أنه يحدد المرتبة التي تحتلها هذه بحسب نظام أولويات محدد. وأنه يؤكد على وجود إجراءات تضمن لجميع المواطنين وسائل عامة لكي يستفيدوا من تلك الحريات الأساسية والفرص". وللتمثيل على تلك الحقوق والحريات والفرص التي يمكن التداول بشأنها، يمكن الإشارة إلى معاهدات حقوق الإنسان التي تشتمل على تشكيلة واسعة من الحقوق الفردية والجماعية السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية. بالطبع، سوف تختلف الآراء بشكل معقول حول هذه الحقوق؛ فأيّها أساسي؟ وأيّها ثانوي؟ وما الذي زاد فيها أو نقص منها؟ وكيف تنتظم من حيث الأولوية؟ يتناقش المواطنون حول هذه التصورات ويطرحون المسوغات التي يعتقدون أنها صادقة لتأييد وجهات نظرهم. من هذه التصورات، على سبيل المثال، ما يُعلي من شأن الحرية الفردية في مجال الاقتصاد مثلً، فيميل في اتجاه الرأسمالية. ومنها ما قد يؤكد على قيمة التضامن الاجتماعي فيميل في اتجاه الاشتراكية. ومنها ما يُعلي من قيمة التعددية الثقافية أو حقوق المرأة والأقليات. ومنها ما يأخذ موقفًا محافظًا من هذه القضايا. ومنها ما يمنح دورًا مركزيًا للدولة. ومنها ما ينحو إلى التقليل من دور الدولة في المجتمع. تُتداول هذه التصورات لدى المواطنين، ومن المفترض أن استخدام العقل العام للمواطنين أنفسهم سوف يقود في النهاية إلى تفاهمات واتفاقات جماعية حول المسائل الدستورية الأساسية الكبرى ومسائل العدالة الأساسية. ويزعم رولز أن هذه التصورات السياسية المتعددة ذات الطابع الليبرالي "لا تتعدى على المعتقدات أو الأوامر والوصايا الدينية ما دامت هذه تتفق مع الحريات الدستورية الجوهرية بما في ذلك حرية الدين والضمير. لا حاجة إلى حرب بين الدين والديمقراطية [...] [بذلك] تختلف الليبرالية السياسية اختلافًا حادًّا عن ليبرالية عصر التنوير، بل وترفض الليبرالية السياسية ليبرالية عصر التنوير التي شنت هجومًا على المسيحية الأرثوذكسية". هذا هو، إذًا، العقل العام شكلً ومضمونًا؛ شكلً هو التداول من خلال جملة المسوغات العامة، ومضمونًا هو الانطلاق من تصورات ليبرالية سياسية، من المعقول (وإن لم يكن من المحتم) توقع أن يقبل بها الآخرون. ننتقل الآن إلى تلك المسوغات العامة.
(10) Rawls, Political Liberalism , p. 223.
((1(رولز، ص.224–223
ثانيًا: العقل العام والمسوغات العامة
من أهم العناصر الإجرائية في تصور رولز للعقل العام: البند الرابع الذي يقول: إنه "عند تقديم المبررات والحجج، ينبغي عدم الاستناد إلى العقائد الشمولية الفلسفية أو الدينية أو الاقتصادية المثيرة للخلاف". يستند رولز في هذا القول إلى فكرة "ما هو معقول reasonable سياسيًا" في مجتمع تعددي تسود
فيه قيم وأديان ومعتقدات وفلسفات متباينة لا سبيل إلى التوفيق بينها. في مثل هذه المجتمعات، ليس من المعقول "سياسيًا" تقديم أطروحات تفترض صحة هذه العقيدة أو تلك، لأنها لن تلاقي
قبولً من أصحاب العقائد الأخرى، حتى إن كانت "معقولة" دينيًا أو فلسفيًا أو أخلاقيًا في نظر من
يؤمنون بها. يقول رولز: "فكرة المعقول سياسيًا فكرة كافية في ذاتها لغرض العقل العام، عندما تكون
المسائل السياسية الأساسية موضوع خلاف. بطبيعة الحال سوف ترفض المذاهب الدينية الشاملة ويرفض الحكام الأوتوقراطيون والدكتاتوريون فكرة العقل العام وديمقراطية التداول. سوف يقولون إن الديمقراطية تؤدي إلى ثقافة مناقضة لعقائدهم الدينية أو تنكر القيم التي لا يمكن الحفاظ عليها سوى بالحكم الدكتاتوري أو الأوتوقراطي. ويزعمون أن ما هو صواب دينيًا أو فلسفيًا يتخطى أو يتجاوز
المعقول سياسيًا. ونقول نحن ببساطة إن مثل هذه المذاهب غير معقولة سياسيًا. في إطار الليبرالية
السياسية لا يوجد المزيد من القول". يطلق رولز ومعلقوه تسمية Reasons Public، أي "المسوغات العامة"، على المسوغات التي يجوز للمواطنين استخدامها في المداولات. هناك أيضًا تسمية يذكرها روبرت أودي عندما يتحدث عن Reasons Secular، أي مسوغات علمانية، وهو يعرف المسوغ العلماني بالطريقة التالية: "المسوغ العلماني هو المسوغ الذي لا تعتمد وجاهته كمسوغ على بيّنات تفترض الاعتقاد بوجود إله
أو عدم وجوده، ولا على أي اعتبارات لاهوتية أو مواقف صادرة عن مؤسسة دينية أو شخص يتمتع بصفة دينية". من الواضح أن التمييز بين المسوغات العلمانية والمسوغات العامة أمر واجب، ذلك أن بعض المسوغات قد تجتاز شرط العلمانية من خلال تجنب الإشارة إلى الدين، ولكنها قد تقوم على افتراضات فلسفية ماركسية أو كانطية أو أفلاطونية مثيرة للجدل، شأنها في ذلك شأن المعتقدات الدينية. وهذه المسوغات ليست عامة بالمعنى الذي يقصده رولز، على الرغم من أنها علمانية بالمعنى الذي يقصده أودي. تساهم البنود الأخرى المذكورة في شرائط التداول من خلال العقل العام في تحديد طبيعة المسوغات المقبولة للبنود مثل الالتزام بمعطيات العلم غير الخلافية، والمنطق والحقائق البينة والمعروفة لدى الجميع. ولكن مفهوم المسوغ العام يتحدد أكثر من خلال مقابلته بالمسوغ الخاص أو غير العام.
((1(المرجع نفسه، ص.226
(13) Robert Audi & Nicholas Wolterstorff, Religion in the Public Square (Lanham: Rowman & Littlefield Publishers, 1997), p. 26.
فحياتنا السياسية ليست كل حياتنا، وليس الفضاء العام هو الفضاء الوحيد الذي نتحرك فيه. لنا حياة خاصة نعيشها على صعيد العائلة والنوادي التي نختار الانضمام إليها، ومنظمات المجتمع المدني التي قد تخضع العضوية فيها لشروط معينة لا تنطبق على جميع المواطنين. ويذكر رولز في سياق الحياة غير العامة الكنائس التي يمارس فيها الناس طريقتهم الخاصة في التدين. وهذا أمر مهم، بقدر ما هو مربك، ذلك أن على القارئ الهندوسي أو المسلم أن يحاول أن يجد في دينه ما قد يقابل الكنائس من أجل التعمق في فهم رولز هنا؛ إذ ينشأ إشكال عندما لا يكون هناك ما يشبه الكنائس في دين معين، أو عندما يكون الدين من النوع الذي لا يفصل بين الحياة العامة والخاصة. ستكون لنا عودة إلى هذا الأمر لاحقًا في هذه الدراسة، ولكننا نسجل هنا إقرار رولز بوجود أنواع من العقل غير العام، يشار إلى بعضها من خلال مسميات مثل عقل الكنائس وعقل الجامعات وغيرها من عقول روابط المجتمع المدني. ومن الطبيعي أن يسوق أعضاء مثل هذه الكيانات والتجمعات الخاصة مسوغات غير عامة في مداولاتهم الخاصة، إضافة إلى المسوغات (العامة) التي في وسع أيّ كان أن يفهمها، بل أن يقبل بها أيضًا (مثلً: قد يدعم أحدهم موقفه القائل بضرورة ارتداء الحجاب، بالإشارة إلى آية قرآنية أو حديث نبوي، في حين يعارض آخر هذا الرأي بالإشارة إلى تفسيرات واجتهادات دينية مغايرة). لهؤلاء المواطنين أعضاء هذه الروابط المجتمعية أفكار وقيم ومسوغات يسوقونها في مداولاتهم، وهي تعبّر
عن هويات وانتماءات محددة. لا يقلل رولز من أهمية هذه الهويات أو دورها في حياة المواطن، بل إنه يقول: "من الجوهري التأكيد أن في وسع المواطنين، في حياتهم الشخصية وفي الحياة الداخلية للروابط التي ينتمون إليها، أن ينظروا إلى غاياتهم القصوى وإلى ارتباطاتهم بطريقة تختلف عن الطريقة التي يتطلبها التصور السياسي، بل يمكنهم أن يعتبروا أنه من غير الممكن التفكير في أنفسهم بمعزل عن قناعات دينية وفلسفية وأخلاقية محددة، أو ارتباطات وولاءات دائمة. هذه القناعات والارتباطات تشكل جزءًا مما يمكن تسميته بهوياتهم الخاصة". للمواطن، إذًا، هويتان: هوية عامة في الفضاء العام، وهي ذات طبيعة سياسية، وهوية أو هويات غير عامة في الفضاء أو الفضاءات الخاصة. سنناقش الإشكاليات التي يثيرها هذا التمييز في الجزء التالي من هذه الدراسة. ولكننا فيما تبقى من هذا الجزء، نعرض لمسألة ما إذا كان العقل العام كافيًا للأغراض
التي يوكلها رولز إليه، ونستكشف إمكانية تصور عقل عام غير ذي مضمون ليبرالي (للتوكيد نقول: "عقل عام"، لا "عقل غير عام"؛ لأن في وسع عقل غير عام كعقل الكنائس مثلً ألّ يحمل مضمونًا ليبراليًا، وهذا أمر متوقع وغير مثير للجدل). فيما يخص المسألة الأولى، نعرف أن رولز يزعم أنه في وسع المواطنين استخدام العقل العام ليوصلهم إلى توافقات حول بعض المسائل المهمة التي تؤثر فيهم جميعًا. ولكن هناك من يقول بعدم كفاية العقل العام لهذا الغرض، لأن المسوغات العامة التي يعقل أن يفهمها وأن يستجيب لها جميع المواطنين
(14) Rawls, Political Liberalism , p. 213;
ينظر أيضًا: رولز، ص.220–219
(15) Rawls, "Justice as Fairness," p. 241.
أفقر من أن تؤدي إلى اتفاق. يحاج ديفيد رايدي Reidy David قائلً إن العقل العام كما يصفه رولز يتسم بالنقص وعدم الاستقلال. فهو ناقص لأنه عاجز عن حسم جميع الخلافات، وهو غير مستقل لأنه قد يدفع المواطنين إلى الاستعانة بالعقائد الشاملة أو بملكات أخلاقية خاصة، من أجل حسم المسائل. يزعم رايدي، بداية، أن القيم السياسية والغايات التالية غالبًا ما يتعارض ويتنافس بعضها مع
بعض كالحرية الفردية، والسعادة، والمساواة السياسية، وتكافؤ الفرص، وعدالة التوزيع، والاستقرار الاجتماعي، والأخوة، والشفافية، والازدهار الاقتصادي، والتنوع الاجتماعي، والدفاع المشترك، والرفاهية العامة، والحيوية الثقافية. ثم يعرض رايدي حجته القاضية بنقصان العقل العام وعدم استقلاله على الوجه التالي: "من المؤكد أن كل تصور [ليبرالي] سياسي للعدالة [...] سوف يقوم بترتيب القيم أو الغايات السابقة بطريقة محددة [...]. لكن في عدد كبير من القضايا [الإجهاض، حقوق الحيوانات، البيئة، مثلً] [...] لن يكون لدى العديد من المواطنين أي إحساس بكيفية تنظيم القيم المتنافسة أو المتضاربة ضمن مفهومهم السياسي للعدالة. في هذه الحالات، إن لم يجرِ استخلاص مثل هذا المعيار أو المعايير من أساليب التفكير المنطقي، والحقائق غير الخلافية للعلم وما شابه، فعندئذ توجد طريقتان فقط [...] لترتيب القيم والغايات [...] فإذا كانت القيم والغايات قابلة للقياس في ضوء بعض المعايير غير العامة Non–public Criteria أو معايير مستمدة من عقيدة أخلاقية، أو دينية، أو فلسفية شاملة أو أخرى، فقد يجري ترتيبها بشكل عقلاني في ضوء هذا المعيار أو المعايير. وإن لم يكن الأمر كذلك، فقد يمكن ترتيبها بشكل عقلاني من خلال الحدس أو الحكم الأخلاقي [...]. تكمن الصعوبة هنا، إذًا، ذلك أنه إذا كان على المواطنين أو المسؤولين اللجوء إما إلى المذاهب الشاملة غير العامة وإما إلى شكل من الحدس أو الحكم الأخلاقي، فإن العقل العام الليبرالي ليس مستقلً وكاملً إلى الدرجة التي يقترحها رولز". نأتي الآن إلى مسألة ما إذا كان من المحتم أن يكون العقل العام ذا طابع ليبرالي. عندما يقول رولز إنّ مضمون العقل العام هو مجموعة تصورات سياسية للعدالة ذات طابع ليبرالي، فهل علينا أن نفهم أنّ مفهوم العقل العام، بحد تعريفه، ذو مضمون ليبرالي؟ إذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أنه من المستحيل منطقيًا التفكير في عقل عام لا يكون ليبرالي المضمون. ولكن في هذه الحالة يكون القول
بليبرالية مضمون العقل العام مجرد تحصيل حاصل يعبر عن استخدام معين لمصطلح ليس له معنى متفق عليه. هل يمكن، إذًا، أن نفهم العقل العام بطريقة مغايرة؟ نعم، وفي وسعنا الشروع في هذا من خلال التفكير في طرح قدمه منير شفيق، وهو كاتب فلسطيني ماركسي سابق، تحوّل إلى الفكر الإسلامي، وبات
يفكر في مسألة تقليدية هي العلاقة بين الإيمان والعقل؛ ليس العقل العام بالطبع، بل العقل ببساطة. يقول هذا الكاتب: "يجب الانتهاء من المغالطة التي تبدأ من السؤال من مع العقل ومن مع الدين؟ لأن
(16) David Reidy, "Rawls’s Wide View of Public Reason: Not Wide Enough," Res Publica , vol. 6, no. 49–72 (2000), pp. 64–65.
البداية الصحيحة والعادلة هي من مع العقل الذي يرتكز إلى الإسلام، ومن مع العقل الذي يقوم على مرتكزات أخرى. فالصراع ليس بين عقل ولاعقل، وإنما هو صراع فيما بين مقولات يحمل كًّلًّ منها عقل محدد". ما يثير الاهتمام في هذا القول هو مفهوم "العقل الذي يرتكز على الإسلام" (أو ما شئت من الأديان والعقائد الأخرى). من السهل نسبيًا القيام بمقارنة بين طرح رولز والطرح الحالي، ذلك أنه يمكن،
من دون تجنٍّ كبير، النظر إلى حديث شفيق عن "ارتكاز العقل على الإسلام" كمقابل لحديث رولز عن المضمون الليبرالي للعقل العام. نفترض هنا بالطبع أنه ليس هناك من سيحتج على النظر إلى العقل (بمعزل عن مرتكزاته ومضامينه) كطريقة تفكير تتسق مع المنطق والحس السليم والعلم والتاريخ والحقائق المعروفة. فكرة "المقولات" التي "تتصارع" (فكريًا وليس بالضرورة عسكريًا) عند شفيق
تقابلها فكرة "تصورات سياسية ليبرالية متنافسة للعدالة" يجري النقاش حولها في الفضاء العام عند رولز. ومن ثم، يمكن مبدئيًا الحديث عن عقل إسلامي ذي مضمون أو طابع إسلامي هو مجموعة
تصورات سياسية للعدالة ذات طابع إسلامي. وتختلف هذه التصورات الإسلامية فيما بينها على النحو الذي يصفه راشد الغنوشي بقوله: "على مثل هذه الأرضية [اقرأ هنا: "المضمون الذي يرتكز عليه العقل الإسلامي"] يمكن أن تتنوع أساليب الوصول إلى الأهداف المشتركة بين القادة الجماهيريين أو النخبة. فمن مائل إلى الشدة ومائل إلى اللين، ومن مؤثر للعجلة ومؤثر للتدرج، ومن نزاع إلى شيء من الغلو إلى مفضل للاعتدال. الاختلاف في الرأي حول الخطط والأساليب بين النخبة جائز أن ينتهي إلى اجتهادات مختلفة تلتف حولها أو خلف زعمائها فئات من الشعب تتنافس لتحقيق الأهداف نفسها، فتنشأ الأحزاب، وهي كلها في الحقيقة حزب واحد هو حزب الله، وكلهم الجماعة الناجية". متى شرعنا في التفكير في "عقل إسلامي"، مضمونه تصورات إسلامية للعدالة، يسهل علينا التفكير في "عقل ليبرالي" مضمونه تصورات ليبرالية للعدالة. من بعد ذلك، يمكن الذهاب إلى عقل ماركسي أو مسيحي أو هندوسي، أي عقول ترتكز على تصورات ماركسية أو مسيحية أو هندوسية أو غيرها. بهذا نكون قد سلبنا من رولز مفهوم "العقل العام" وأعطيناه بدلً من ذلك مفهوم "العقل الليبرالي". هذه بالتأكيد عملية تبادل لن يرضى بها رولز بتاتًا. سوف يقول بالطبع: العقل الإسلامي ليس عقلً عامًّا، فهو يخرج من إطاره كل من هم غير مسلمين. وفي مقابل ذلك، ألا يمكن القول إن العقل
العام بمفهوم رولز، هو في واقع الأمر "عقل ليبرالي" وليس عقلً عامًّا لأنه (تمامًا كالعقل الإسلامي)
يُخرج من إطاره من يُخرج، وتحديدًا كل من لا يقبلون بالتصورات السياسية الليبرالية؟ وإلا فما معنى
(1((منير شفيق، الإسلام في معركة الحضارة (تونس: دار البراق للنشر، 1991)، ص.138 (1((راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1993)، ص 295–294. لا ينبغي أن تسبب اللغة الدينية التي يستخدمها الغنوشي ("حزب الله"، "الفرقة الناجية") للقارئ الموضوعي شعورًا بالصدمة. لنضع اللغة
الدينية جانبًا ونسأل: هل الفكر والممارسة في بعض الديمقراطيات الغربية بمنأى عن هذا كليًّا؟ على سبيل المثال، يعتقد كثير من
الناس أن لا فرق يذكر بين الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري في الولايات المتحدة (كلها حزب الله = كلها ليبرالية بمعنى ما).
وقد يقول البعض إن الفرق بينهما هو الفرق بين ما هو مائل إلى الشدة وما هو مائل إلى اللين (مثلً: في مجال زيادة الضرائب أو خفضها، وزيادة الإنفاق العام أو خفضه).
الاشتراط الذي يحتوي عليه زعم رولز أن التصورات الليبرالية "لا تتعدى على المعتقدات أو الأوامر والوصايا الدينية ما دامت هذه تتفق مع الحريات الدستورية الجوهرية بما في ذلك حرية الدين والضمير"؟ وما معنى الطرح الذي يقدمه بخصوص المذاهب التي تزعم "أن ما هو صواب دينيًا
أو فلسفيًا يتخطى أو يتجاوز المعقول سياسيًا"؟ "نقول ببساطة: إن مثل هذه المذاهب غير معقولة
سياسيًا". من الجلي هنا أن المضمون الليبرالي الذي يقوم العقل العام على قاعدته ليس محايدًا
تمامًا، فهو يميز بين عقائد معقوله وعقائد غير معقولة، مُحددًا شرط العقلانية بإقرار العقائد الشاملة أن الصواب الديني أو الفلسفي أو الأخلاقي ليس في وسعه أن يتجاوز ما هو معقول سياسيًا، أي
ما يمكن قبوله من المتحاورين الأحرار المتساوين الذين يتعاملون بعملة المسوغات العامة، والتي يشترط تعريفها استثناء العقائد الشمولية الفلسفية أو الدينية المثيرة للخلاف كما هو مذكور في البند الرابع من متطلبات العقل العام. أيمكن، والحال هذه، القول إن العقل العام بمفهوم رولز "يتسامى فوق العقائدية" أم أنه عقائدي كغيره من العقول؟ ظاهريًا يبدو أن العقل العام بمفهوم رولز غير عقائدي. فمزية العقل العام بحسب مفهومه أنه مُعد خصيصًا للمجتمعات المنقسمة فكريًا وعقائديًا ودينيًا وأخلاقيًا، الأمر الذي
ينوي رولز معالجته من خلال مفهوم الليبرالية السياسية، وهو عنوان كتابه الصادر عام 1993، وفيه يطرح السؤال الآتي: "كيف يمكن قيام مجتمع يتمتع بالديمومة والاستقرار ويتألف من أفراد أحرار ومستقلين تفرق بينهم وبشكل عميق عقائد معقولة، دينية وفلسفية وأخلاقية؟". في الفترة اللاحقة من تاريخ تطوره الفكري، لم يعد يصر على ضرورة أن "يعتنق جميع أعضاء مجتمع جيد التنظيم المذهب نفسه"، كم سبق أن قال في كتابه نظرية في العدالة. ومن ناحية أخرى؛ لا بد للمجتمع عقائديًا من أن يكون متوافقًا على تصور ما للمجتمع العادل لكي ينعم بالسلام والاستقرار، ويتجنب التفكك إلى مجتمعات متعددة. فم في وسع هذا التصور أن يكون؟ بالتأكيد لن يكون عقيدة شاملة. فليكن، إذًا، عقيدة خفيفة الوزن لا تثقل على الناس، بل تدع لهم أوسع مجال للحرية والاختلاف، بما في ذلك اعتناق المذاهب الشاملة في حياتهم الخاصة! وما عسى هذه العقيدة الخفيفة الوزن أن تكون سوى الليبرالية السياسية؟ بعبارة أخرى، لا يبدو أن رولز قد تخلى كليًّا عن النظر إلى المجتمع بوصفه "اتحادًا أو جماعة
ذات منظور واحد". هذا المنظور الواحد هو مضمون العقل العام بحسب فهم رولز لهذا الأخير. يعبر نيكولاس وولترستورف عن هذه الفكرة عندما يقول: "الأمر اللافت للنظر هو أن أنصار الموقف الليبرالي المعاصرين لا ينفكون عن التفكير في السياسة من منظور 'سياسة الجماعة التي تتسم بالمنظور المشترك'. هم يدركون أن السياسة في مجتمعاتنا [الغربية المعاصرة] لا يمكن أن تتمحور حول عقيدة شاملة. لذا، تراهم يقترحون تخفيض سقف التوقعات. يعرض هؤلاء كنموذج
((1(رولز، ص.224–223 ((2(المرجع نفسه، ص.226
(21) Rawls, Political Liberalism , p. 4.
لتفكيرهم مجتمعًا ديمقراطيًا ليبراليًا إلى درجة ما، ثم يركزون على جانب محدد منه ألا وهو الجانب
السياسي". إذا قبلنا بالمقارنات السابقة المتعلقة بعقل رولز العام (الذي قد لا يعدو كونه عقلً ليبراليًا اختار أن
ينسب إلى نفسه صفة العمومية دونما سند قوي)، وجدنا أنفسنا قبالة انسداد فكري، بحيث نقف أمام عدة عقول تتصارع حول مقولات ذات أصول عقائدية مختلفة، تنسب كل واحدة منها إلى نفسها المعقولية والعمومية، استنادًا إلى اعتبارات لا تخرج عن العقيدة الشاملة أو التاريخ أو الثقافة. فكيف نجد وسيلة تمكننا من التفكير في مجتمع عادل ومستقر ينقسم الناس فيه، بشكل عميق، بين عقائد متباينة؟ واقع الأمر أن الليبرالية السياسية تنظر إلى المجتمع من وجهة نظر سياسية بحتة، كما يقول وولترستورف، ولا يعنيها كثيرًا ما يفعله الناس في حياتهم الخاصة، ما دام لا يتعارض مع مجتمع مكون من أفراد
مستقلين لكل منهم مصالحه وقيمه الخاصة، بحيث يسهر الجميع على حرياتهم ومصالحهم. تربطهم "صداقة مدنية" Friendship Civic، كما يقول رولز في أكثر من موضع، ولكن صداقتهم ليست حميمية، بل هي أشبه ما تكون بعلاقات عمل زمائلية لا تتسم بكثير من الدفء. لن يجد الإسلاميون ولا الجماعاتيون عمومًا هذا المنظور الليبرالي السياسي للمجتمع مريحًا. وإضافة إلى ذلك، قد يرون أنه غير واقعي وغير عادل. وهذا ما سنناقشه في القسم التالي من الدراسة.
ثالثًا: الهوية وعدالة التصور الليبرالي للعدالة
يعرف رولز جيدًا تراث إيمانويل كانط Kant Immanuel (1804–1724) الذي يقول بفكرة الذات الحرة المستقلة التي تشرع لنفسها بنفسها، والتي لا تستقي مبادئها من جهة خارجية، لا من المجتمع ولا حتى من الله نفسه. هي ذات يمكنها أن تتصور نفسها بمعزل عن معتقداتها وانتماءاتها الحالية، كما في وسعها أن تراجعها أو تخرج منها أو تبقى عليها بحسب ما يمليه العقل. يتنصل رولز بعض الشيء من هذه الفكرة، من خلال اعترافه بالأهمية البالغة للهويات الخاصة. ومع ذلك، لا يتردد في تقديم الهوية العامة على الهوية الخاصة من خلال وصفه لوضع أصلي Position Original يشارك فيه الناس بنقاش حر وعقلاني حول المجتمع العادل من وراء "حجاب جهل" Ignorance of Veil، يخفي عنهم معظم الأوصاف التي نعرفها من خلالهم، مثل الدين والمعتقدات والتاريخ والأهواء والطموحات والقدرات والأذواق والتصورات المتعلقة بالحياة الجيدة والحياة الرديئة. بالطبع، ليس الوضع الأصلي أكثر من افتراض تخيلي يهدف إلى مساعدتنا في التوصل لاستنتاجات معينة حول نظام ومؤسسات المجتمع العادل، التي يرى رولز أنها الأصوب. ولكن الافتراض المضمر هنا هو أن الفرد يبقى هو ذاته، حتى لو غدت أوصافه أو خصائصه مختلفة عما هي عليه الآن. ولكن
(22) Audi & Wolterstorff, p. 109. (23) Rawls, Political Liberalism , p. 253.
ليس هذا ما يؤمن به كثير من الفلاسفة بخصوص العلاقة بين الذات وصفاتها. يقولون إن الصفات التي تحظى بها الذات ليست كثوب يخلعه الإنسان ويرتدي غيره من دون أثر لذلك في استمراريته، أو أثر في كينونته الذاتية أيضًا. يصف هيليارد أرونوفيتش الذات عند الجماعتيين بالذات "المثقلة" Encumbered المتموضعة اجتماعيًا وتاريخيًا وثقافيًا، لا تفصلها مسافة كبيرة عن صفاتها. هذا على
خلاف الذات الليبرالية التي يقول لسان حالها على لسان الجماعاتي مايكل ساندال: "ما من التزام يستعصي عليَّ فهم نفسي من دونه. ولا تغيير في الأهداف والخطط الحياتية يمكن أن يمزقني أو يؤثر
في المعالم الرئيسة لشخصيتي. ولا من مشروعَ أساسيًا لدي بحيث أن التخلي عنه يجعلني لا أعود
أعرف من أنا". ربما تكون الذات أيضًا هكذا عند أصحاب العقائد الشاملة، وبالأخص الدينية منها كالإسلام مثلً. مثال ذلك أبو الأعلى المودودي (1979–1903) الذي يصف علاقة المسلم بالشريعة التي ترسم له برنامجًا
كاملً حتى على مستوى الحياة اليومية بقوله: "وهذه الأحكام المتعلقة بالمعروف والمنكر شاملة لجميع شُعَب حياتنا، من العبادات الدينية وأعمال الأفراد وسيرتهم وأخلاقهم وعاداتهم وآدابهم في الأكل والشرب والجلوس والقيام واللباس والكلام، والشؤون العائلية والصلات الجماعية والقضايا المالية والاقتصادية والإدارية وحقوق المواطنة وواجباتها، والعدالة ومرافق الحكومة وحالات السلم والحرب والعلاقات بالأمم الأجنبية وما إليها. فما هناك من شعبة من شعب الحياة ولا ناحية من نواحيها إلا وقد تناولتها الشريعة وأوضحت لنا فيها الخير من الشر والطاهر من الخبيث والصحيح من الفاسد". ومع هذا كله، لا يجد رولز غضاضة في دعوته المضمرة لأصحاب العقائد الشاملة إلى التمييز بين هوية عامة وهوية خاصة: هوية عامة يتقمصونها في الفضاء العام حيث يفكرون في إطار العقل العام، وحيث يستخدمون المسوغات العامة، وهوية خاصة يتقمصونها في الفضاءات الخاصة، حيث يفكرون في إطار العقل الكنائسي، أو قل: العقل الإسلامي، مستخدمين ما شاؤوا من المسوغات النابعة من عقائدهم الشاملة. ليس مطلب رولز التمييز بين هويتين والتفكير من خلال عقلين بالأمر الهيّن. وما يزيد الأمر صعوبة
مطلبه المتمثل في أن يقدم المواطن مسوغاته العامة بحسن نية وإخلاص واقتناع، وليس من وراء ظهر، كمن يتكلم فقط للتلاعب بأفكار المستمعين. ولكن تقديم المسوغات العامة بنية وإخلاص، وعن قناعة بأن تلك المسوغات العامة كافية لعرض تأييد المقترحات التي تجري مناقشتها أو دحضها، يعني أن المواطن قادر على التفكير بصورة مستقلة عن عقيدته الشاملة، وأنه في غنى عن تلك العقيدة من أجل إثبات المقترحات أو دحضها. يدعو هذا الأمر ويل كمليشكا إلى طرح الصعوبة التالية:
(24) Hilliard Aronovitch, "From Communitarianism to Republicanism: On Sandel and His Critics," Canadian Journal of Philosophy , vol. 30, no. 4 (December 2000), p. 621. (25) Michael Sandel, Liberalism and the Limits of Justice , 2 nd ed. (Cambridge, UK/ New York: CUP, 1988), p. 62.
(2((أبو الأعلى المودودي، القانون الإسلامي وطرق تنفيذه (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1975)، ص.24–23
(27) Rawls, Political Liberalism , p. 241.
"المشكلة هي كيف تفسر أنّ مواطنًا سوف يقبل بمثال الاستقلال والفردية في سياق الحياة السياسية والعامة، من دون أن يقبل به أيضًا في الحياة الخاصة. إذا كان الأفراد هم أعضاء جماعات دينية تعتبر أن الغايات والقيم الدينية جزء أساسي من الهوية، وإذا كان الأفراد ليسوا بقادرين على وضع تلك الغايات والقيم جانبًا؛ فلماذا سيقبلون بالتصورات السياسية العامة التي تفترض أنه لديهم هذه القدرة؟". قد يقول قائل إن كمليشكا وساندال يضخمان من حجم المشكلة، ذلك أن الإنسان العادي يتنقل بين هويات مختلفة كل يوم: فهو إنسان وأب وموظف ومسلم وجزائري وأفريقي، وقد يحمل جواز سفر فرنسيًا وما إلى ذلك وأكثر، من دون أن يسبب هذا تمزقًا في الهوية. ومن المفكرين من يقول
بأن الهوية تتسم بالميوعة وعدم التحديد وأن القول بخلاف ذلك يفضي بنا إلى جوهرانية تختزل الوجود الإنساني، بشكل غير واقعي، إلى عنصر واحد. فما المشكلة؟ في الواقع، قد تكمن المشكلة عند رولز نفسه، في ضوء التعبيرات التي يستخدمها عندما يطرح سؤاله المهم حول "إمكانية قيام مجتمع يتسم بالديمومة والاستقرار، ويتألف من أفراد أحرار ومستقلين، تفرق بينهم وبشكل عميق عقائد معقولة، دينية وفلسفية وأخلاقية"، وهو أيضًا من يقر بأنه من الممكن أن بعض المواطنين لا يستطيعون "التفكير في أنفسهم بمعزل عن قناعات دينية وفلسفية وأخلاقية محددة، أو ارتباطات وولاءات دائمة". ليست هذه بالعبارات التي يمكن تجاهلها أو تناولها مجازيًا. لنتوقف هنا عند حديث رولز عن مجتمع منقسم "بشكل عميق" ومواطنين "لا يستطيعون التفكير في أنفسهم بمعزل عن قناعات دينية وفلسفية وأخلاقية"؛ ألا يبدو رولز هنا كمن يقبل بالفرضية الجماعاتية التي تقر بأن الذات بطبيعتها مثقلة؟ وإذًا، يجب عليه أن يقدم لنا تفسيرًا يجيب عن هذا السؤال (المضمر في اعتراض كمليشكا المذكور آنفًا):
كيف يكون في وسع الذوات المثقلة بعقائد شاملة غير ليبرالية أن تلتقي في فضاء عام حيث تتداول بعملة المسوغات العامة عن قناعة وإخلاص؟ قد يبدو لنا أن رولز يقدم مثل هذا التفسير من خلال التمييز بين المذاهب الشاملة التي يُفترض أن تكون الذوات مثقلة بها. فبعض هذه المذاهب الشاملة معقول، في حين أن بعضها غير معقول. المذاهب غير المعقولة هي تلك المذاهب التي يزعم أصحابها أنّ ما هو صواب دينيًا أو ما هو صواب فلسفيًا
يتخطى، أو يتجاوز، المعقول سياسيًا. أما المذاهب المعقولة فهي تلك المذاهب التي لا تقر بأولوية
الصواب السياسي على الصواب الديني أو الفلسفي أو الأخلاقي فحسب، بل هي أيضًا مذاهب شاملة
(28) Will Kymlicka, "Two Models of Pluralism and Tolerance," in: Will Kymlicka & David Heyd (eds.), Toleration: An Elusive Virtue (Princeton: Princeton University Press, 1996), p. 91.
((2(يورد رولز مثال شاول الطرسوسي اليهودي المتزمت، الذي تحول إلى بولس الرسول في الطريق إلى دمشق متعقبًا المسيحيين
الأوائل. فرغم التَّحول الجذري الذي حصل لشاول، فلا أحد من المؤرخين يُمكنه الشك في كون بولس هو شاول، وهو الأمر الذي
يفسر مطاردة كهنة اليهود لبولس ورغبتهم بمحاكمته. ويميز رولز بين الهوية العامة "شاول"، والهوية الخاصة "بولس". للاطلاع أكثر على ملاحظة رولز المتعلقة بمسألة الهوية الشخصية. ينظر: Rawls, "Justice as Fairness," p. 242.
(30) Rawls, Political Liberalism , p. 4. (31) Rawls, "Justice as Fairness," p. 241.
قد وجدت طريقها الخاص من داخلها، للتوافق مع الإطار الليبرالي العام الذي تنضوي تحت لوائه التصورات الليبرالية المختلفة للعدالة. ولكن إذا كانت تلك المذاهب قد وجدت من داخلها طريقة للتوافق مع التنظيم السياسي للمجتمع بحسب مواصفات الليبرالية السياسية بعقلها العام ذي المضمون الليبرالي، وكانت أيضًا تقر بأن الصواب الديني أو الأخلاقي أو الفلسفي لا يتخطى ما قد يكون مقبولً سياسيًا لدى الجميع، فكيف يمكن الزعم حينها أن المواطنين منقسمون بشكل عميق وأن ذواتهم
مثقلة؟ يعطي حديث رولز عن انقسام المجتمع بشكل "عميق" بين عقائد شاملة معقولة انطباعًا مفاده أن الاتفاق على مبادئ الليبرالية السياسية من شأنه أن يشكل إنجازًا عقلانيًا كبيرًا يتجاوز الانقسام
الفكري "العميق"، في حين أنه في الحقيقة ليس أكثر من تحصيل حاصل. فمعقولية تلك العقائد بحسب التصور الليبرالي، تعني أن الانقسام بين أصحابها ليس عميقًا فعلً، وأن إجماعهم على مشترك القاسم الليبرالي السياسي أمر محتم. في غياب تفنيد يقدمه رولز لمزاعم الجماعاتيين حول الذات المثقلة، سوف يبقى هو نفسه مثقلً بهمّ الهويات. فالذوات المثقلة فعليًا تنقسم إلى جماعات تحت–مجتمعية societal – Sub لكل منها عقله
الخاص. ولن يكون هناك عقل عام إذا ما تبين، كما أشرنا، أن العقل العام الذي يصفه رولز ليس أكثر من عقل يرتكز على الليبرالية السياسية، أي إنه عقل ليبرالي يضاف إلى مجموعة العقول الخاصة الأخرى. مع انهيار فكرة العقل العام يتعرض مفهوم الفضاء العام نفسه للضغط. هذا ما يمكن استنتاجه من مساءلة جيمس بوهمان لمفهوم الفضاء العام عند رولز، فهو يزعم أن رولز يكنّ افتراضًا مضمرًا (يسميه
"افتراض الفرادة" Singularity of Assumption، مفاده أن المجتمع يحتوي على فضاء عام واحد، وأن ما سواه لا يعدو أن يكون فضاءات خاصة. وأما الحقيقة، بحسب ما يرى بوهمان، فهي أنه "إذا كان المجتمع تعدديًا ومنقسمًا، فليس هناك 'مجال عام' واحد، وليس هناك جمهور Public واحد، بل عدة مجالات وعدة جماهير: جماهير الجماعات تحت–المجتمعية، والثقافات". وليس يخفى هنا أن التعددية والتشظي اللذين يلحقان بالفضاء العام، يصاحبهما تشظٍ وتعددية في المسوغات العامة. فكما أن هناك فضاءات عامة متعددة بحسب تعدد المعتقدات الشاملة، هناك أيضًا منظومات متعددة من المسوغات العامة بحسب تعدد تلك المعتقدات الشاملة نفسها. كل ذلك يطرح علينا سؤ لً هو: هل يلزم أن نعترف بوجود فضاء عام واحد في ظل تعدد العقول الخاصة وفقر المضمون الليبرالي السياسي الذي يقتات به العقل العام، بحسب مواصفات رولز؟
((3(نشير هنا إلى مفهوم الإجماع المتقاطع، حيث تجد كل "عقيدة شاملة معقولة" طريقها الخاص بها للقبول بالإطار الليبرالي. هذا ما يحصل عندما ما تفسَّر الأديان بطريقة روحية أخلاقية متسامحة تقر بحقوق الإنسان. حول مفهوم الإجماع المتقاطع، ينظر:
Rawls, Political Liberalism , p. 389;
حول تفسير الإسلام بطريقة تجعله مرحبًا به في إجماع رولز المتقاطع، ينظر:
Raja Bahlul, "Modernity and Islamic Religious Consciousness," in: Raja Bahlul & S. Akbarzadeh (eds.), A Handbook of Political Islam (London: Routledge, 2012), pp. 35–50. (33) James Bohman, "Public Reason and Cultural Pluralism: Political Liberalism and the Problem of Moral Conflict," Political Theory , vol. 23, no. 2 (May 1995), p. 260.
ولكن حتى لو اعترفنا جدلً بفكرة وجود فضاء عام واحد يحيط به عدد غير محدد من الفضاءات الخاصة، فسوف يبقى هناك سؤال يُطرح حول عدالة التصور الليبرالي بوصفه هو نفسه تصورًا للعدالة. فبحسب ما يرى وولترستورف، يفترض رولز أنه على الرغم من أن المؤمنين في العادة لا يقسمون حيواتهم ما بين جانب ديني خاص وجانب سياسي عام، فإن قيامهم بذلك لن يشكل تعديًا على
تدينهم. وقد رأينا رولز يقول إن الليبرالية السياسية من خلال تصوراتها للعدالة "لا تتعدى على مذاهب شاملة للمواطنين طالما أن تلك المذاهب تتفق مع التنظيم السياسي للمجتمع". ولكن شرط اتفاقها مع التنظيم العام هو التفاصيل التي "يكمن فيها الشيطان". فهذه المذاهب إن لم تتفق مع التنظيم السياسي للمجتمع بحسب المواصفات التي تضعها الليبرالية السياسية تغدو "غير معقولة". لا يجد وولترستورف أن هذا الافتراض منصف فيما يتعلق بحق العقائد الشاملة. يقول المؤلف: "[يفترض رولز] على الرغم من أن المؤمنين قد لا يقسمون حيواتهم ما بين جانب ديني وجانب غير ديني، وعلى الرغم من أن بعضهم قد لا يسعد بمثل هذا التقسيم، أن ذلك لن يشكل في أي حال من الأحوال انتهاكًا لدينهم [...] ولكن رولز مخطئ في هذا الافتراض. فقط عندما نتفكر في أمر المؤمنين الذين يعتقدون أن دينهم يملي عليهم العيش بطريقة دينية متكاملة [في الفضاءين الخاص والعام]، [...] تظهر لا–عدالة الموقف الليبرالي من الدين بشكل جلي". من البيّن أن وولترستورف محق هنا إلى درجة معينة. فمن الجائز الظن أن الدين (أو التفسير الذي يقبل
به المؤمنون للدين، بغض النظر عن معقولية ذلك التفسير من وجهة نظر الجهات الخارجية) قد يملي على من يؤمنون به أسلوب حياة معينًا، كأن لا يعترف بالتفريق بين الحياة الخاصة والعامة على سبيل المثال. وقد لا يكون وولترستورف محقًا في زعمه أن الموقف الليبرالي الذي يتطلب الفصل بين الدين والدنيا، يوقع ظلمًا بالمؤمنين، ولكن لا بد من القول إن النظام الليبرالي يسبب، على الأقل، ما سوف
يعتقد المؤمنون أنه ظلم، وما سوف يختبرونه وجدانيًا وسلوكيًا أنه بمنزلة الظلم. مع هذا كله، يجب الاعتراف بأن ما يقوله وولترستورف والجماعاتيون، ليس إلا وجهًا واحدًا للعملة التي نتداولها في هذا السياق. هناك وجه آخر يتمثل في التعددية والانقسامات (العميقة في كثير من الأحيان) القائمة بشكل متزايد في أغلب المجتمعات. ماذا نصنع بتلك التعددية؟ ألن يحيق النوع نفسه من الظلم بغير المؤمنين إذا ما طُلب من المواطنين جميعًا الالتزام بعقيدة شاملة من نوع أو آخر في نطاق الحياة العامة؟ سنعالج هذا السؤال فيما يلي.
رابعًا: مأزق الليبرالية السياسية والعقائد الشاملة
رأينا في القسم السابق أن خصوم رولز يطرحون تحديات أساسية وذات معنى في وجه الموقف الليبرالي في السياسة، وهم بذلك يعبرون عن مخاوف وشكوك تراود الكثيرين من أصحاب العقائد
(34) Audi & Wolterstorff, p. 116.
((3(رولز، ص.227
(36) Audi & Wolterstorff, p. 116.
الشاملة كالأديان؛ ممن لا يجدون الموقف الليبرالي مقنعًا أو مطمئِنًا. ولكن العدل يقتضي التوقف عند الصعوبات التي سوف تواجهنا إذا نحن قررنا العبور إلى موقف غير ليبرالي، كذلك الذي ينادي به بعض أنصار العقائد الشاملة. وكمثلٍ دالّ على ذلك، لنتدارس الموقف الذي دافع عنه المفكر الإسلامي راشد الغنوشي في كتاب الحريات العامة في الدولة الإسلامية الصادر عام 1993. ينتمي الغنوشي إلى فريق من المفكرين الإسلاميين الذي يعتقدون أنه لا يوجد تعارض بين الإسلام والديمقراطية؛ إذ يقول: "إذ يمكن لآليات الديمقراطية [...] باعتبارها إرثًا إنسانيًا أن تعمل
في مناخات ثقافية وعلى أرضيات فكرية مختلفة، فليست العلمانية [...] وفصل الدين عن الدولة [...] حتميات لازمة [للنظام الديمقراطي] بما هو سيادة للشعب ومساواة بين الموطنين وهيئات للحكم منبثقة عن إرادة الشعب عبر انتخابات حرة وتداول على السلطة من خلال الاعتراف بحق الأغلبية في الحكم والقرار [...]. ليس في هذه الآليات [...] ما يتعارض ضرورة مع قيم الإسلام". يشتمل فكر الغنوشي أيضًا على العدة المفاهيمية اللازمة لصياغة تصور عما يمكن تسميته ب "عقل إسلامي" يقوم بدور مشابه للدور الذي يقوم به العقل العام عند رولز. من المناسب هنا التذكير بما اقتبسناه سابقًا من حديث الغنوشي عن تصورات واجتهادات وتوجهات تتنافس على أرضية مشتركة من المفاهيم والقيم الإسلامية، ف " تنشأ الأحزاب، وهي كلها في الحقيقة حزب واحد هو حزب الله، وكلهم الجماعة الناجية". هذا الجانب "المشرق" من فلسفة الغنوشي السياسية، يخفي من ورائه جانبًا ليس أقل قتامة من الجانب
المضمَر في مفهوم رولز عن العقل ذي المضمون الليبرالي. فبعد أن ينتهي الغنوشي من القول "تنشأ
الأحزاب [...]"، يضيف قائلً: "ولا ضير بعد ذلك أن توجد عندنا كما هو عند الغرب [...] جماعات هامشية [...] يتكفل المجتمع المدني بتهميشها دون حاجة إلى سلطان الدولة". لعل الغنوشي يقصد الإشارة إلى احتمال قيام أحزاب شيوعية أو علمانية أو حركات نسوية تنادي بالمساواة الكاملة بين الرجال والنساء. بالطبع وصف هذه الجماعات بالهامشية وصف متحامل وغير موضوعي يستبق الأحداث، فمن يدري؟ لعلها تنمو وتتطور. هل سيكون عندها حاجة إلى سلطان الدولة لتهميشها؟ ليس هذا واضحًا. وفي موضع آخر يقول الغنوشي: "في الدولة الإسلامية غير المسلم ممن يوالي
الدولة، ويعترف بشرعيتها ولا يهدد نظامها العام ولا يوالي أعداءها، فهو مواطن. ولكن مواطنته تظل ذات خصوصية لا ترتفع إلا بدخوله الإسلام، أي يظل متمتعًا بحرية لا يتمتع بها المسلم تتعلق بحياته الشخصية في أكله وشربه وزواجه، محرومًا من حقوق يتمتع بها المسلم كتولي مواقع رئيسية في الدولة
((3(ينظر: الغنوشي. والكتاب بالطبع قديم العهد، وقد تغيّر فكر الغنوشي، وبالأخص بعد الثورة التونسية عام 2011 كما سنُبين
لاحقًا. ما يعنينا في المقام الأول هو تقديم نموذج عن العقائد الشاملة التي يعترض عليها رولز. ((3(المرجع نفسه، ص 88. (3((المرجع نفسه، ص.295–294 ((4(المرجع نفسه، ص.295
ذات مساس بهويتها (الرئاسة العامة) [...] وهي استثناءات محدودة لا تخل بمبدأ المساواة، وهو مبدأ أساسي مرعي في الدولة الإسلامية". هنا لا يظهر أن الغنوشي يدرك تمامًا التبعات المترتبة على القول بالمواطنة "ذات الخصوصية" و"الاستثناءات المحدودة التي لا تخل بمبدأ المساواة". قد لا يجد الغنوشي في العالم العربي من يعترض على هذين المفهومين، ولكنه حتمًا سيجد في الخارج من يقول له إن المواطنة ذات الخصوصية، بحسب هذا الفهم، هي مواطنة منقوصة، وإن المواطنة لا تأتي بدرجات. وسيجد من يقول له إن مبدأ المساواة لا يقبل الاستثناء، فإما أن نقول إن الناس متساوون أو غير متساوين. وحتى بعد سبع سنوات من صدور كتابالحريات العامة في الدولة الإسلامية، بقي الغنوشي يشعر بالحاجة إلى طمأنة الرجال حول مخاطر السماح للمرأة بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية (فضلً عن انتخابات رئاسة الدولة): "إن عدد النساء اللاتي يرشحن للمجلس النيابي سيظل محدودًا، وستظل الأكثرية الساحقة من الرجال، وهذه الأكثرية هي التي تحل وتعقد فلا مجال للقول إن ترشيح المرأة للمجلس سيجعل الولاية للنساء على الرجال". يذكرنا الغنوشي هنا بأن للدولة الإسلامية هوية إسلامية يحملها المواطن العادي في المجال الخاص، وفي المجال العام من دون تمييز. لا يرتدي المواطنون قبعتين، واحدة في المنزل وأخرى في الشارع كما يتخيل رولز، ولا هم يشعرون بالتمزق، كما يخشى وولترستورف الذي يشفق على المؤمن الذي لا يستطيع العيش بطريقة دينية متكاملة كما يتطلب دينه. لا شك في أن هذه صورة مريحة بالنسبة إلى الغنوشي ومن يرى رأيه، بقدر ما هي منفرة بالنسبة إلى من لا يشاركونهم موقفهم الشامل، سواء كانوا ليبراليين أو منتمين إلى عقائد شاملة أخرى. من الواضح الآن، في ضوء ما رأيناه في هذا القسم والقسم السابق، أن الخط الليبرالي والخط العقائدي الشامل يسير أحدهما بموازاة الآخر. الخلاف فلسفي صرف، وليس من الواضح أن هناك حًّلًّ عقلانيًّا
يمكن التوافق عليه. لو جردنا العقل من "مضمونه" الليبرالي أو الإسلامي وكل مضمون آخر، فلن يبقى لنا سوى عقل المنطق والرياضيات وغير الخلافي من العلم (في هذا الوقت)، والحس السليم (الذي قد نشك في عموميته، كونه يختلف بين ثقافة وأخرى ومن عصر إلى آخر). هذا العقل في المجمل عقل حسابي وسائلي، ليس في وسعه حسم خلافات فلسفية تشمل المسائل الأساسية، مثل طبيعة الإنسان والغاية من الاجتماع والقيم الأخلاقية وحقيقة الدين ومعنى الحياة. أما إذا أردنا إغناء هذا العقل بمضمون من نوع ما؛ فسوف يُطرح السؤال نفسه، حول ما إذا كان ذلك المضمون معقولً. وسوف يقول البعض إن هذا المضمون معقول أو إن ذلك المضمون غير معقول، كما يفعل رولز عندما يصنف العقائد الشاملة إلى عقائد معقولة وعقائد غير معقولة. والآن كيف نحدد المعقولية؟ هل لها من تعريف متفق عليه؟
((4(المرجع نفسه، ص.291–290 (4((راشد الغنوشي، المرأة بين القرآن وواقع المسلمين (لندن: المركز المغربي للبحث والترجمة، 2000)، ص.119
في سياق عرضه للتصور الإجرائي للديمقراطية يقول جوزيف شومبيتر (1950–1883) إن هناك نوعًا من الموقف الديني الذي يرى في المهرطق ما هو أسوأ من الإنسان الفاقد العقل. يصدمنا هذا القول كثيرًا في الوقت الحاضر، والغالبية العظمى من الناس سوف تقول إن هذا الموقف الديني يحدد
العقلانية بصورة غير معقولة. ولكن ماذا عن الإنسان الذي يرفض الفصل بين الخاص الديني والعام السياسي؟ أهو إنسان معقول أم إنسان غير معقول؟ ليس الجواب واضحًا بين رولز وخصومه. يقول رولز إننا بصدد الحديث عن "معقولية سياسية" وليس معقولية على نحو مطلق. ومن ثم (ومن وجهة نظر رولز)، يمكن القول إن الإنسان الذي يرفض الفصل بين الدين والسياسة، ليس إنسانًا معقولً سياسيًا، فهو يطرح ما ليس من المعقول سياسيًا أن يقبل به الآخرون. أما التصورات الليبرالية التي
يرحب بها رولز، فهي "معقولة" سياسيًا، لأنه من المتوقع والمعقول سياسيًا أن يقبل بها الآخرون؛
الليبراليون بالطبع (هذا بديهي). ولكن الأهم من ذلك أن يقبل بها أصحاب العقائد الشاملة. يستبق رولز اعتراضًا متوقعًا، فيسارع إلى تحصين موقفه قائلً إن المقصود هنا هو "العقائد الشاملة المعقولة"، وليس العقائد الشاملة من دون قيد أو شرط. فمن المفهوم طبعًا أن كثيرًا من العقائد الشاملة لا تقبل
بالتصورات الليبرالية (ينظر الانتقادات الجماعاتية مثلً). ولكن كيف تُفهَم معقولية العقائد الشاملة المعقولة عند رولز؟ يبدو أن ذلك يجري بالإشارة إلى قبول تلك العقائد بالحريات الدستورية الأساسية، بما فيها حرية الدين والضمير، وأيضًا الإقرار بأولوية الصواب السياسي على الصواب الأخلاقي أو الميتافيزيقي (يُمكن الرجوع إلى القسم الثاني من هذه الدراسة). ولا يخفى أن هذا ليس تعريفًا محايدًا للمعقولية، ولن يرضى به أصحاب العقائد الشاملة، إلا من نجح منهم في إعادة تفسير عقيدته بما قد يضمن التوافق بين الليبرالية وتلك العقيدة الشاملة. وهذا ليس بالأمر الهيّن، ذلك أن أول ما تقتضيه إعادة التفسير هذه هو أن يُستبدَل بالمفهوم العقائدي للمعقولية (عقل
إسلامي، عقل كنسي... إلخ) المفهومُ الليبرالي للعقلانية أو ما يسميه رولز بالعقل العام. إعادة التفسير هذه أمرٌ ممكن، نجد لها أمثلة في كتابات الباكستاني الأصل: فضل الرحمن مالك الذي
يعرّف إسلامية Islamicity المعتقدات والمؤسسات بالإشارة إلى نبوعها من التعليم الكلي للقرآن
والسنة، الذي ندرك من خلاله أن هدف التعاليم الإسلامية يتمثل في خلق جماعة تحيا حياة عادلة وخيّرة. كما نجده أيضًا في كتابات السوداني عبد الله النعيم الذي يدعو إلى إصلاح إسلامي يتمثل
في العبور من أحكام الشريعة التاريخية القائمة على الآيات القرآنية المدنية إلى أحكام شرعية جديدة تقوم على أساس الآيات المكية التي يعتقد النعيم أنها متوافقة تمامًا مع فهمنا المعاصر لحقوق الإنسان، بما في ذلك المواطنة دونما تمييز على أساس الجنس أو الدين.
(43) J. Schumpeter, Capitalism, Socialism, and Democracy (New York: Harper & Row, 1976), p. 245. (44) Fazlur Rahman , Islam and Modernity: Transformation of an Intellectual Tradition (Chicago, IL: University of Chicago Press. 1982), pp. 13, 22. (45) A. An–Na’im, Toward an Islamic Reformation: Civil liberties, Human Rights, and International Law (Syracuse, NY: Syracuse University Press, 1990), pp. 52, 179.
لكن من المرجح أن يلقى المنادون بالتفسير الليبرالي للدين معارضة شديدة ممّن يعتقدون أن إعادة
التفسير تعني التخلي عن العقيدة. هذا ما حصل في حالة المفكر السوداني محمود طه الذي أعدم عام 1985، وتلميذه عبد الله النعيم الذي يعيش الآن في المنفى، والذي لا يبدو أن إصلاحه الإسلامي المقترح يقل جذرية عن الإصلاح البروتستانتي الذي انتهى إلى تقسيم العالم المسيحي إلى قسمين. في مثل هذه الحالات من الاختلاف الجذري، من المحتم أن لا يشمل الخلاف عناصر محددة من العقائد فحسب، بل أيضًا مفهوم المعقولية نفسه، كما شهدنا في حالة رولز. من ثم، هناك ما يدعو إلى الظن أنه من غير الممكن حسم الخلافات العقائدية نتيجة الحوار العقلاني والتنازلات المتبادلة. بل على العكس من ذلك، يزعم أحد الكتاب أن الحسم والتغيير في المجال العقائدي ينجم عن تطورات تاريخية طويلة الأمد وبعيدة الأثر، لا تكون دومًا أو بالضرورة سلمية. يقول
صمويل هاريس: "إن السبب الوحيد الذي يقود الإنسان إلى تبني موقف معتدل في الأمور الإيمانية هو أن الإنسان قد استوعب بعض دروس الفكر البشري في آخر ألفَي عام. والباب الذي يخرجنا من التفسير الحرفي للنصوص الدينية لا ينفتح من الداخل. إن الاعتدال الذي نجده عند بعض المتدينين من غير الأصوليين لا يشير إلى حقيقة مفادها أن المعتقد الديني نفسه قد تطور، بل على العكس، ليس ذلك الاعتدال سوى نتيجة الضربات التي قامت الحداثة بتوجيهها للدين، الأمر نجم عنه الشك في بعض المعتقدات الدينية".
خامسًا: دور للتاريخ
من أجل حشد بعض التأييد لفكرة أن التاريخ والتطورات التاريخية هي التي في وسعها حسم الخلافات العقائدية، ومن ثم الوصول إلى قناعات متفق عليها، من المستحسن أن نبتعد قليلً، بعض الوقت، عن موضوع الليبرالية والعقائد الشاملة، لنتحدث عن مفهوم حقوق الإنسان في الوقت الحاضر. ومن الواضح لدينا أن المساواة والحرية وغيرهما من حقوق الإنسان ليست متحققة على أرض الواقع الآن، وأن الصراع من أجلها لا يزال مستمرًا على أمل أن يأتي ذلك اليوم الذي نقول فيه إن الإنسان قد نال
حقوقه. وفي انتظار ذلك الوقت، تبقى عبارة "الناس أحرار ومتساوون" التي تتكرر، إلى حد بات يدعو إلى السأم في نقاشات حقوق الإنسان، ملتبسةً بين معنين يسهل الخلط بينهما؛ معنى "ينبغي أن يكون الناس أحرارًا ومتساوين" (وهو ما تقول به المواثيق والعهود الدولية وأعداد متزايدة من البشر)، ومعنى "الناس (فعلً) أحرار ومتساوون"، وهو أبعد ما يكون عن الصواب. بالطبع، تعلمنا من فلاسفة كبار في الحقبة الحديثة (وبالأخص فلاسفة العقد الاجتماعي) أن الناس "بالطبيعة" أحرار ومتساوون، وقد عاشوا كذلك في حالة الطبيعة Nature of State التي اختاروا (لأسباب مختلفة) الخروج منها من خلال "عقد اجتماعي" يصون حقوقهم؛ بما فيها الحرية والمساواة وغيرهما
((4(من أجل مناقشة مستفيضة لهذه المسألة، وبالإشارة إلى ما يمكن تسميته ب "الإسلام الليبرالي"، ينظر:
Bahlul, "Modernity and Islamic Religious Consciousness." (47) S. Harris, The End of Faith: Religion, Terror and the Future of Reason (London: The Free Press, 2004), p. 19.
من الحقوق التي كانوا يمتلكونها في حالة الطبيعة. لم تغب هذه الفكرة عن أذهاننا ولو برهة قصيرة منذ بداية العهد الحديث. ولذا، تجد مارغريت كانوفان فكرة المساواة الطبيعية (والحرية الطبيعية أيضًا)، مُنبثة في فلسفة جون رولز السياسية، بحيث "يسير شبح حالة الطبيعة متخفيًا بلباس "الوضع الأصلي" The Original Position، بل يمكن القول، بعبارات طلال الأسد هذه المرة، إننا أصبحنا ننظر إلى حالة الطبيعة (التي لم نعد نفكر فيها كواقعة تاريخية) كنوع من الحقيقة الميتافيزيقية العميقة Deep Reality التي تتجاوز في عمقها حقائق عالمنا المادي والاقتصادي والاجتماعي بوقائعه المعروفة والكئيبة. ولكن هل فكرة أن للإنسان حقوقًا لا يمكن سلبها في الحرية والمساواة وغيرها أكثر من أسطورة يمكن مقارنتها بأسطورة الكهف عند أفلاطون، أو قصة الخلق المتميز في الدين، أو اعتقاد كارل ماركس المتمثل في حتمية قيام المجتمع الشيوعي؟ مرة أخرى، تقول كانوفان: "كما أشار عدد لا يحصى من النقاد؛ ليس من الحس السليم في شيء افتراض أن كل البشر قد خلقوا متساوين، أو أنهم منحوا حقوقًا لا يمكن سلبها في الحياة والحرية والبحث عن السعادة. بل على العكس من ذلك تمامًا: سوف يستنتج المراقب المُحايد، الذي ينظر في أحوال البشر عن بُعد، أن فكرة المساواة بين البشر ليست بينة بذاتها". واستنادًا إلى ذلك؛ تستنتج كانوفان أنه يجب علينا النظر إلى الليبرالية، ومعها حقوق الإنسان بالطبع، بوصفها مشروعًا تاريخيًا نأمل أن يتحقق في المستقبل: "لم تكن الليبرالية يومًا وصفًا للعالم [كما هو]"، بل هي "مشروع ينبغي السعي لتحقيقه". يوجد هنا، إذًا، دور للتاريخ؛ وذلك لأن الوصول إلى الوضع الذي تتحقق فيه حقوق الإنسان على أرض الواقع، يتطلب أن تتغير الكثير من المعتقدات التي نحملها والمفاهيم التي نفكر من خلالها، بل – أكثر من ذلك – يجب أن تتغير أحاسيسنا ومشاعرنا الوجدانية حول ما نحب ونكره. وقد ذهب ريتشارد رورتي (2007–1931) إلى ربط آمالنا وأحلامنا بمستقبل تُحترم فيه حقوق الإنسان؛ ليس بالفلسفة والحجج المنطقية التي تثبت صدق القول بحقوق الإنسان، بل بتنمية المشاعر المؤيدة لحقوق الإنسان في "أجيال من الطلبة الذين يتمتعون بحسن الخلق والتسامح، ومن هم ميسورو الحال ويشعرون بالأمان في حياتهم ويحترمون الآخرين".
(48) Ibid. (49) Talal Asad, Formations of the Secular: Christianity, Islam, Modernity (Palo Alto: Stanford University Press, 2003), p. 57. (50) Margaret Canovan, "On Being Economical with the Truth: Some Liberal Reflections," Political Studies , vol. 38, no. 1 (March 1990), p. 9. (51) Ibid., p. 16. (52) R. Rorty, "Human Rights, Rationality and Sentimentality," in: R. Rorty, Truth and Progress (Cambridge: Cambridge University Press, 1994), p. 179.
ما ينطبق على حقوق الإنسان والليبرالية، ينطبق أيضًا على العقائد الشاملة التي يؤمن بها الناس في مختلف بقاع العالم؛ بمعنى أن للتاريخ دورًا يؤديه في التغييرات التي يمكن أن تلمّ بفهمنا لها وطريقة
عيشنا إياها يومًا بعد يوم. وأبرز مثال دال على ذلك ما خبرناه، وما نخبره، في الحالة التونسية من
تطور في فكر حزب النهضة الإسلامي، وزعيمه راشد الغنوشي. فكما يورد آندرو مارتش Andrew March في الكتاب الذي أصدره عام 2019 حول فكر الغنوشي كممثل للفكر الإسلامي الحديث، اضطر الغنوشي، تحت وطأة حقائق وتاريخ الواقع التونسي، إلى الاعتراف بأنه "يجب التعامل مع نطاق التعددية الأخلاقية والسياسية في تونس كحقيقة ثابتة حول ذلك المجتمع". هذا يعني أنه لم يعد في وسعه أن يحلم بالمشاركة في الحياة السياسية التونسية منذ عام 2011 فصاعدًا، سيرًا على
البرنامج الذي اختطه في كتاب الحريات العامة في الدولة الإسلامية (1993)؛ أي إنه لم يعد في وسعه أن يفسر الشريعة بالطريقة السياسية التقليدية التي تضع مواطنة غير المسلم في إطار خصوصية معينة. وما حصل بالفعل، بحسب ما يرى مارتش، هو أن الشريعة باتت في نظر الغنوشي، على وجه التقريب، تقتصر على الالتزام بحكم القانون ومحدودية صلاحيات الحكومة، ولم تعد ذلك المخزون الثقيل من القواعد والمناهج والمبادئ. ولم يعد المبدأ العام المنظم عنده هو النظرية الدستورية الإسلامية كما تفهم تقليديًا، بل الدروس المستفادة من وثيقة دستور المدينة كما يفهمها الغنوشي نفسه الآن. إذا صح مثل هذا الكلام، فإن الغنوشي قد بات قاب قوسين أو أدنى من الانضمام إلى صف الإسلاميين الليبراليين مثل علي حسن أحمد عبد الرازق (1966–1888)، وعبد الله أحمد النعيم (1946–)، وفضل الرحمن (1919–1988)، وحسين حاجي فرج الدباغ المعروف باسم عبد الكريم سروش (1945–)، ومحمد الطالبي (2017–1921)، وغيرهم. وعندما يصل الغنوشي إلى هذا المنعطف، فإن رولز لن يمانع في النظر إلى عقيدة الغنوشي الشاملة (والإسلام الليبرالي عمومًا) بوصفها عقيدة من
العقائد المعقولة التي يمكن أن تتعايش مع العقائد الأخرى تحت مظلة نظام سياسي قائم على أساس الليبرالية السياسية. لا ينبغي أن نعتقد أن الأديان هي التي يجب أن تتخذ الخطوة الأولى في مسعى التقارب، بل إن الليبرالية نفسها قد تكتشف أنها تدين بالكثير للأديان. وربما كان هذا أمرًا لا يحتاج إلى مضي قرون
قبل أن نشرع في تفهمه؛ إذ يقول بذلك كثير من المفكرين، مع أن الأمر ليس شائعًا بين عامة الناس
(53) Andrew March, The Caliphate of Man: Popular Sovereignty in the Modern Islamic Thought (Cambridge: Harvard University Press, 2019). (54) Ibid., p. 216. (55) Ibid., pp. 216–217.
((5(لمناقشة هذا التحول في فكر الغنوشي وتفسيره الجديد لعلاقة الشريعة بالسياسة، ينظر:
Raja Bahlul, "Islamic Democracy and Popular Sovereignty: A Critical Essay on Andrew March’s The Caliphate of Man," Comparative Political Theory , vol. 1, no. 2 (December 2021), pp. 303–312.
((5(لنقاش مستفيض متعلق بالعلاقة بين الإسلام الليبرالي والليبرالية السياسية ومفهوم الإجماع المتقاطع Consensus Overlapping عند رولز، ينظر على سبيل المثال:
Bahlul, "Modernity and Islamic Religious Consciousness," pp. 35–50.
الذين قد لا يدركون التقارب الفعلي بين هذا وذاك. الليبرالية ليست بعيدة عن الأسطورة، وذلك أن مفهوم العقد الاجتماعي الذي خرج به الناس من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع لم يكن يومًا سوى
قصة أسطورية عبّرت من خلالها الليبرالية عن نفسها. وكما تقول كانوفان؛ ليس هناك من برهان عقلاني
على أن الناس متساوون وأحرار، بل قد لا يعدو الأمر أن يكون فعل "إيمان"، أي مبدأ يؤمن به الإنسان كما يؤمن بدين معين. يقول لاري سيدنتوب إن "الافتراض القائل إن المجتمع يتألف من أفراد يحظى كل واحد منهم [...] بأرضية وجودية خاصة به هو ترجمة للمبدأ المسيحي القائل بتساوي البشر في نظر الله". في حين يقول حسن الترابي "إن الشرع الإسلامي عرف جوهر الديمقراطية [...] يوم آمن المسلمون بالله الواحد، مُدركين أنهم متساوون في عبادته". ولا يجد روبرت دال –1915(
2014) سندًا لفكرة المساواة الجوهرية Equality Intrinsic بين البشر، أفضل من "العقيدة المشتركة بين اليهودية والمسيحية والإسلام التي تقول إن الناس جميعًا هم أبناء الله" (أو قُل: عباد الله بلغة المفاهيم الإسلامية). كل هذه الإقرارات تشي بأن الليبرالية تحتوي على جانب إيماني بحت لا يكاد يختلف جوهريًا عن الدين، سوى في غياب التفاصيل والجانب القصصي والمجاز. تاريخيًا، وعلى مستوى معين، يمكن أن تلتقي الليبرالية مع العقائد الشاملة، ولكن قد لا يحصل هذا
قبل أن تقر الليبرالية بأنها تحتوي على جانب ديني، وقبل أن تقر الأديان بأنها تحتوي على جانب ليبرالي. من الواضح، بالطبع، أن مثل هذا اللقاء لا يبدو قريبًا من التحقق في الوقت الحاضر. فأغلب
الناس لا يدركون أن الدين يحتوي على عناصر ليبرالية/ ديمقراطية في جوهره، بل تراهم يلتفتون إلى ما يطفو على سطح الدين من أحكام وقوانين وردت في سياقات تاريخية لم يعد بعضها قائمًا. وأغلب
الناس أيضًا لا يدركون أن الليبرالية، بوصفها موقفًا حول الإنسان وكيف ينبغي له أن يعيش، تحتوي على موقف إيماني شبه ديني لا يستند إلى برهان عقلي، بل تراهم يلتفتون إلى ما يطفو على سطح الليبرالية من الفردانية والدعوة إلى الفصل بين الدين والدولة. كما أسلفنا، لن ينجم هذا الالتقاء (إن قدر له أن يتحقق) عن براهين وحوار عقلاني بين أطراف تختلف في الرأي، بقدر ما سيكون نتيجة تغيرات تاريخية تتصارع فيها مصالح وقدرات، وتُجرَّب فيها طرق
حياة وتعامُل، بعضها ينجح وبعضها يفشل. وهناك بالطبع دور للنزعات التي جُبلنا عليها طبيعيًا مثل
نزعتنا نحو الاجتماع، ومحبة الآخرين والحاجة إلى التعاون معهم، وأيضًا نزعة حب الذات والاستعداد للدفاع بالقوة عن المصالح الشخصية. كل هذه الجوانب من حياة الإنسان والتطورات التاريخية في العلم والاقتصاد والتنظيم تتفاعل وتؤدي إلى تغييرات في القيم والانفعالات والمفاهيم والمعتقدات التي تموت وتحيا بقدر ما تنجح في خدمة الإنسان.
(58) Larry Siedentop, "Liberalism: The Christian Connection," Times Literary Supplement, vol. 24, no. 30 (March 1989), pp. 24–30.
(5((حسن الترابي، قضايا الحرية والوحدة والشورى والديمقراطية (الرياض: الدار السعودية للنشر والتوزيع، 1987)، ص.43
(60) Robert Dahl, Democracy and Its Critics (New Haven: Yale University Press, 1989), p. 86.
(6((لمناقشة هذه الأمور من وجهة نظر طبيعانية تطورية. ينظر: رجا بهلول، خطاب الكرامة وحقوق الإنسان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2017
وفي الحصيلة، إن قيام نظام سياسي ليبرالي لا يشعر فيه أصحاب العقائد الشاملة بالقمع مرتهن بتطورات تاريخية أكثر من ارتهانه بتحقيق انتصارات نظرية في البراهين والنقاشات الفلسفية الجارية الآن بين الليبراليين وخصومهم، مع أنه يجب ألّ نقول إن النجاحات النظرية (إن تحققت فعلً) لن تكون عديمة الأثر. ولكن تحقق الانتصارات على مستوى النظرية أمر نادر الحصول. وفي غياب ذلك، لا يبقى هناك من فعل على الواقع سوى الفعل السياسي أو الفعل التاريخي، كما كان عهدنا دائمًا في
العلاقة بين القول والفعل.
References
المراجع
العربية
بهلول، رجا. خطاب الكرامة وحقوق الإنسان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 الترابي، حسن. قضايا الحرية والوحدة والشورى والديمقراطية. الرياض: الدار السعودية للنشر والتوزيع،.1987 رولز، جون. قانون الشعوب وعود إلى فكرة العقل العام. ترجمة محمد خليل. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2007 شفيق، منير. الإسلام في معركة الحضارة. تونس: دار البراق للنشر،.1991 الغنوشي، راشد. الحريات العامة في الدولة الإسلامية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1993 ________. المرأة بين القرآن وواقع المسلمين. لندن: المركز المغاربي للبحث والترجمة،.2000 المودودي، أبو الأعلى. القانون الإسلامي وطرق تنفيذه. بيروت: مؤسسة الرسالة،.1975
الأجنبية
An–Na’im, A. Toward an Islamic Reformation: Civil liberties, Human Rights, and International Law. Syracuse, NY: Syracuse University Press, 1990. Aronovitch, H. "From Communitarianism to Republicanism: On Sandel and His Critics." Canadian Journal of Philosophy. vol. 30, no. 4 (December 2000). Asad, Talal. Formations of the Secular: Christianity, Islam, Modernity. Palo Alto: Stanford University Press, 2003. Audi, R. & N. Wolterstorff. Religion in the Public Square. Lanham: Rowman & Littlefield Publishers, 1997. Bahlul, Raja & S. Akbarzadeh (eds.). A Handbook of Political Islam. London: Routledge,
Bahlul, Raja. "Islamic Democracy and Popular Sovereignty: A Critical Essay on Andrew March’s The Caliphate of Man." Comparative Political Theory. vol. 1, no. 2 (December
Bohman, James. "Public Reason and Cultural Pluralism: Political Liberalism and the Problem of Moral Conflict." Political Theory. vol. 23, no. 2 (May 1995). Canovan, Margaret. "On Being Economical with the Truth: Some Liberal Reflections." Political Studies. vol. 38, no. 1 (March 1990). Dahl, Robert. Democracy and Its Critics. New Haven: Yale University Press, 1989. Dewey, John. The Public and its Problems. Denver: Alan Swallow, 1927. Harris, S. The End of Faith: Religion, Terror and the Future of Reason. London: The Free Press, 2004. Kymlicka, Will & David Heyd (ed.). Toleration: An Elusive Virtue. Princeton: Princeton University Press, 1996. March, Andrew. The Caliphate of Man: Popular Sovereignty in the Modern Islamic Thought. Cambridge: Harvard University Press, 2019. Rahman, Fazlur. Islam and Modernity: Transformation of an Intellectual Tradition. Chicago, IL: University of Chicago Press, 1982. Rawls, John. A Theory of Justice. Cambridge: Harvard University Press, 1970. _______. "Justice as Fairness: Political not Metaphysical." Philosophy and Public Affairs. vol. 14, no. 3 (Summer 1985). _______. Political Liberalism. New York: Columbia University Press, 1993. _______. "The Idea of Public Reason Revisited." University of Chicago Law Review. vol. 64, no. 3 (Summer 1997). Reidy, David. "Rawls’s Wide View of Public Reason: Not Wide Enough." Res Publica. vol. 6, no. 49–72 (2000). Rorty, R. Truth and Progress. Cambridge: Cambridge University Press, 1994. Sandel, Michael. Liberalism and the Limits of Justice. 2 nd ed. Cambridge, UK/ New York: CUP, 1988. Schumpeter, J. Capitalism, Socialism, and Democracy. New York: Harper and Row,
Siedentop, Larry. "Liberalism: The Christian Connection." Times Literary Supplement. vol. 24, no. 30 (March 1989).