Return to Article Details The Coming Democracy: Derrida and the Deconstruction of Sovereignty

الديمقراطية القادمة: دريدا وتفكيك السيادة

The Coming Democracy: Derrida and the Deconstruction of Sovereignty

عبد الرحيم موساوي

Abderrahim Moussaoui

الملخّص

يحدد الفيلسوف جاك دريدا مشكلتين أساسيتين تواجههما أوروبا في الوقت الراهن، تتمثّل أولاهما في السيادة الضيقة المبنية على أسس قومية تقليدية، وترتبط ثانيتهما بهيمنة الولايات المتحدة الأميركية على النظام العالمي وخرقها المستمر للقانون الدولي. لذا، سيعمل دريدا على تفكيك مفهوم السيادة، ونَقْد أُطروحات المنظرين الأوائل لهذا المفهوم غير القابلة للقسمة؛ من أمثال جان بودان، وتوماس هوبز، وكارل شميت أيضًا، من أجل تجذير قيم الديمقراطية التي لا يمكن أن نعيشها من جهة الحضور. إنها ديمقراطية تجدد نفسها باستمرار، وتقوم على تفكيك السيادة غير القابلة للقسمة والمفاهيم المرتبطة بها كالأخواتية، والمُروقية، وبناءً على ذلك، فهي ديمقراطية تقف على النقيض من الشعبوية.

Abstract

Abstract: The philosopher Jacques Derrida identifies two essential problems facing Europe today: first, narrow sovereignty based on traditional national foundations; and second, US hegemony over the global system and ongoing violation of international law. Derrida thus sets out to deconstruct the concept of sovereignty and critique the theses of the early theorists of indivisible sovereignty, such as Jean Bodin, Thomas Hobbes, and later Carl Schmitt. The goal of this undertaking is to entrench the values of democracy that we are unable to experience in reality. It is a democracy that constantly renews itself and is based on the deconstruction of indivisible sovereignty; thus, it is the antithesis of populism.

الكلمات المفتاحية:
  • الديمقراطية القادمة
  • السيادة
  • التفكيك
  • الشعبوية
  • جاك دريدا
Keywords:
  • The Coming Democracy
  • Sovereignty
  • Deconstruction
  • Populism
  • Jacques Derrida

المتحدة الأميركية على النظام العالمي وخرقها المستمر للقانون الدولي. لذا، سيعمل دريدا على

تفكيك مفهوم السيادة، ونَقْد أُطروحات المنظرين الأوائل لهذا المفهوم غير القابلة للقسمة؛ من أمثال جان بودان، وتوماس هوبز، وكارل شميت أيضًا، من أجل تجذير قيم الديمقراطية التي لا يمكن أن نعيشها من جهة الحضور. إنها ديمقراطية تجدد نفسها باستمرار، وتقوم على تفكيك السيادة غير القابلة للقسمة والمفاهيم المرتبطة بها كالأخواتية، والمُروقية، وبناءً على ذلك، فهي

ديمقراطية تقف على النقيض من الشعبوية.

مقدمة

إنّ النقد الذي يمكن توجيهه في الوقت الراهن إلى الدول الديمقراطية، التي عادةً ما تفتخر بتجاوزها حقبة الأنظمة الشمولية الاستبدادية Oppression، يتمثّل أساسًا في كونها لم تُسْهِم

في نشر هذا النظام ليشمل باقي الدول، بل على العكس من ذلك تمامًا؛ إذ سعت – في كثير من الأحيان – لتكريس أنظمة شمولية في بعض الدول، بعد مرور ردَحٍ من الزمان على استعمارها. وهذا ما دفع جاك دريدا Derrida Jacques (2004–1930) إلى انتقاد كل خطاب يسعى لتكريس "خطاب النهايات"، فيما يتعلق بالنظام الأمثل للحُكم كما تَدّعي بعض الديمقراطيات الليبرالية حاليًّا، وهو ما يتضح،

على نحو جليّ، لدى الفيلسوف والاقتصادي الأميركي يوشيهيرو فرانسيس فوكوياما  Yoshihiro

The End of History and the Last نهاية التاريخ والإنسان الأخير في كتابه Francis Fukuyama

Man (1992)؛ ذلك أن مثل هذه الخطابات لا تقلّ خطورةً – وفق منظوره – عن العوائق الأخرى التي تهدد الديمقراطية. لهذا، سيحاول دريدا من خلال اعتماد منهج التفكيك Deconstruction فتح الأبواب الموصدة أمام استمرار عملية النقد الذاتية التي تميز الديمقراطية على طول مسارها التاريخي؛ ليكشف زيف ادعاءات النصر والنهاية، من خلال تسليط الضوء على التناقضات الذاتية التي تتخبط فيها الديمقراطية حاليًّا، وذلك بمنأى عن خطاب التحنيط والاحتفاء. وهكذا، لا يمكن الحديث – في نظره – عن الديمقراطية إلا في صيغة الكونية Universalism، مع ضرورة توخّي الحذر فيما يتعلق بفهمنا لهذه الكونية، حتى لا نقع في فخّ فرض ثقافة معينة على حساب ثقافات أخرى، فذلك لا يختلف كثيرًا عن الأيديولوجيات التي تعادي الديمقراطية على نحو مبدئي،

وكما هو الحال أيضًا مع بعض التأويلات السياسية للإسلام، التي يُقر دريدا بمعاداتها للديمقراطية، محذرًا في الآن عينه من تعميم الحُكم، وذلك حينما نتحدث عن الإسلام. فهو ينتقد نوعًا معينًا من

اللاهوت السياسي  Theology Political الذي يرفض الديمقراطية بدعوى أنها دخيلة على الثقافة الاسلامية، وأنّ الإسلام مكتفٍ بذاته؛ بالنظر إلى أنّ مثل هذا الفهم الذي يتقوقع على الذات ويرفض الآخر، سيفرض – لا محالة – أنماطًا أخرى من الحكم ترفض كل ما له علاقة بالتعدد والاختلاف. إنّ دريدا لم يقبل مثل هذا الفهم الذي يتبناه بعضهم في السياق الإسلامي. وفي مقابل ذلك، نراه يرفض النزعات الغربية الإمبريالية Imperialism التي تطالب بفرض الديمقراطية عن طريق القوّة؛ لأن هدف

مثل تلك السياسة، التي تقوم على مركزية حضارية، هو سلبُ الحرية والهوية واللغة. ويؤكد دريدا، في هذا السياق، أن المعنى الكامن من وراء أن تكون صديقًا للديمقراطية يرتبط أساسًا

بالحرص على إتمام مهمة تتجسد في العمل، داخل العالم الإسلامي بادئ الأمر، وبدرجة خاصة، السعي لإعانة القوى التي تكافح من أجل انبعاث ذاتية لائكية. لذلك، لا يمكن القول إننا نعيش في

(((محمد شوقي الزين، "جاك دريدا سؤال العقل في سياسة التفكيك (العقل، السياسة، الديمقراطية)"، في: محمد شوقي الزين

[وآخرون]، جاك دريدا: ما الآن؟ ماذا عن غد (الحدث، التفكيك، الخطاب) (بيروت: دار الفارابي، 2011)، ص.328–327 (((نور الدين الشابي، "مسألة الديمقراطية عند دريدا"، ورقة مقدمة في الندوة العالمية السابعة: شغف الديمقراطية، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، وحدة البحث: التفكير في المعقولية اليوم، تونس،.2014/3/1

عالم انتصرت فيه الديمقراطية، ما دامت توجد دول كثيرة ما تزال ترزح تحت وطأة الاستبداد، مثلما أنه يجب ألّ تُفرض ثقافة معينة بطريقة قسرية بمبرر نشر الديمقراطية. بالنظر إلى ما سبق ذكره، تحدّث دريدا عن ديمقراطية قادمة، لا يمكن ادعاء الإمساك بها، أو الوصول إليها، على نحو نهائي وتام، أي لا يمكن القول إننا نعيشها من جهة الحضور؛ لأنّها ديمقراطية مؤجلة، تسعى باستمرار لإحقاق ذاتها، لكنها مع ذلك ديمقراطية مستحيلة، ما دام انسجامها مع ذاتها يبقى أمرًا مستحيلً، إلا أن هذا الأمر لا يمنع المطالبة بها على نحو مستمر، بل إن هذه المطالبة ستبقى أمرًا

ضروريًّا لكي نكون ديمقراطيين على نحو حقيقي. هي، إذا، ديمقراطية لا بدّ من اعتناقها مبدأ الكونية؛ لأنّها تُشرك الآخرَ بالضرورة، وتتجاوز منطق السيادة

الضيّق، هذه السيادة التي لا تتجزأ، وتُبنى على فهمٍ مغلقٍ للقومية، وتنتج أشك لً مختلفة من (الأخواتية

والشعبوية) المعادية للآخر، والساعية لاجتثاث الاختلاف والتعدد؛ ما يجعل نقد الضيافة Hospitality المشروطة ضروريًّا بالنسبة إلى دريدا، والعمل على التأسيس لضيافة غير مشروطة أمرًا مستحيلً، لكن

لا مناص من الاسترشاد به أثناء حديثنا عن الضيافة من أجل تصحيح عيوبها ما أمكن. وبناءً عليه، سيكون

سؤالنا البحثيّ مُركزًا أساسًا على الديمقراطية القادمة، وتناقضاتها التي تجعلنا لا نتحدث عنها إلا بصيغة

"القادم" – في دلالة على غيابها – ومن ثمّ انتظارها الدائم بوصفها وعدًا. ويحمل الجزء الثاني من سؤالنا البحثيّ تفكيكًا لمنطق الأخواتية الذي يهدد كل ديمقراطية قادمة، والذي يلقي بظلاله علينا من جديد، في

الوقت الراهن، في شكل جديد وقديم، في آنٍ معًا، تحت مسمى "الشعبوية" Populism.

أولا: تفكيك السيادة: السيادة عند بودان وهوبز

1. بودان: السيادة لا تقبل القسمة

يعتبر ما قدّمه جان بودان Bodin Jean)1596–1530( في مسألة السيادة تمهيدًا لما جاء به هوبز لاحقًا في كتابه الأساسي اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة Leviathan: Or the

Matter, Forme and Power of a Commonwealth, Ecclesiasticall and Civil (1651)؛ إذ رأى

(((يعتبر مفهوم الضيافة من المفاهيم المركزية لدى دريدا، ووفقًا لطرحه، يعتبر أنه لا يدان لنا بتبصر الضيافة باعتبارها موضوعًا إتيقيًّا

بحتًا، بل هي الأخلاق عينها. ويُميز دريدا بين ضربين من الضيافة: الأولى مشروطة تتعالق بالسلطة والسياسة. وحينما نتحدث عن السياسة

ههنا، فالقصد يقع على العقل والسيادة، المضبوطة سلفًا بالقوانين والشرائط، وهي تعمد لانتقاء ضيوفها. وفي هذا السياق، ربما نتساءل: ألا يكون الانتقاء من جوهر السياسة في حد ذاتها؟ إنها ضيافة لا تقبل الآخر كما هو، ولكن كما ينبغي له أن يكون. أما الثانية، فهي ضيافة

غير مشروطة تعمد إلى مجاوزة الضوابط التي وضعتها السياسة والسلطة؛ فمعنى أن تكون مضيافًا ههنا، هو أن تكون مقاومًا لإغراء الحدّاد،

قاطع الطريق، بروكرست Procruste، المذكور في الأسطورة الإغريقية، الذي كان يقطع طريق المسافرين ويقبض عليهم، ثم يقوم بضيافتهم في بيته ويقدّم لهم الطعام، ليعرض عليهم بعدها المكوث للمبيت عنده ويضعهم على سريره، فإذا وجد أن الشخص الذي قبض عليه

أقصر من سريره الذي وضعه عليه، شدَّ أوصاله حتى يصبح الشخص في مستوى طول السرير، وإذا وجد أن الشخص أطول من السرير،

عمد إلى بتر قدميه، ويبتر الزائد من جسمه حتى يتناسب مع سريره. ينظر: رشيد بوطيب، "سياسات الضيافة: الديمقراطية، الآخر وسرير

بروكست"، أواصر للثقافة والفكر والحوار، 2017/4/2، شوهد في 2022/10/12، في: https://bit.ly/3CNafBs (((فقيه قانوني ومؤرخ فرنسي، وهو أول من قال بنظرية السيادة باعتبارها "أساس وجود الجمهورية"، وهو يُعد أيضًا من مؤيدي

النظام الملكي، وقد اعتمد على الفلسفة الأفلاطونية لفك الارتباط بين الدين والسياسة، ومن أجل علمنة فكرة الجمهورية. من أهم

).1967(Six Books of the Commonwealth كتب الجمهورية الستة مؤلفاته:

أنّ السّيادة بمنزلة سلطة مطلقة فوق القانون. وتكمُن الدلالة المطلقة للسيادة، في نظره، في خاصيتها التشريعية؛ لكونها تهتم بسنّ القوانين، وهذه الصفة تمنح الحاكم أو صاحب السيادة حقّ وضع القوانين لمواطنيه من دون إشراكهم في هذه العملية؛ ومن ثمّ تحديد حقوق المواطنين وواجباتهم، إضافة إلى أنّ أوامر صاحب السيادة تغدو قوانين ف "العلامة الأولى للسيادة هي التشريع للجميع بشكل عام، ولكل بشكل خاص". ومن جهة أخرى، يعتقد بودان أن لدى صاحب السيادة قدرةً على تغيير القانون كلما دعت الضرورة إلى ذلك؛ وفقًا لمصلحة الدولة ومتطلبات الواقع؛ ما يُظهر إرادة الأمير بوصفها انعكاسًا لإرادة الإله ومشيئته. يمثل موقف إطلاقية السيادة خلاصة بحثٍ مقارن قام به بودان لقوانين عدّة متعلقة بممالك عبر التاريخ، وقد استنتج من ذلك أنّ تلك القوانين كلّها تلتقي في وجود سلطة سيادية، وأنّ هذه السلطة تظل شرطًا لكلّ دولة قابلة للحياة. وفي مقابل ذلك، وسّع مفهوم السيادة، ليشمل المحافظة على الأرض؛ بحيث يجب عدم التفريط فيها أو بيعها، وهذه الخطوة تُعدّ لبنة أولى لمفهوم الوطن بالصيغة الحديثة. ففقدان الأراضي أو التفريط فيها علامة واضحة على ضياع السيادة. منح بودان الأمير سيادة مطلقة لا تقبل القسمة، فهو المُشرّع للقانون، لكنه أيضًا يتموضع فوق القانون؛ وذلك بامتلاكه القدرة على تغييره كلما أراد ذلك، كما أنه صاحب القرار في كلّ شيء فيما يتعلق بالدولة والسيادة؛ إنه السياسي والدولة في الآن نفسه بتعبير أدق. كلّ هذه النتائج التي خلص إليها بودان في تحديده لماهية السيادة ستُلهِمُ هوبز فيما بعد، وستنبت من جديد في بيئة ومَجرى مختلف – حيث سياق الحرب الأهلية التي عاصرها هوبز – وهو ما جعله يبحث عن الأسس التي تُحصّنُ الدول من الحروب الأهلية، وتؤدي إلى التماسك والاستقرار في المجتمع وتُجنّبه الوقوع في الفوضى. ومن جهة أخرى، نجد فيما قدّمه بودان حول السيادة الخطوط العامة للفكر السياسي لدى كارل شميت Carl Schmitt (1985–1888) أيضًا، وهذا ما سيتضح لنا فيما يأتي من هذا البحث.

2. هوبز: صناعة السيادة

انطلق هوبز من موقف أنثروبولوجي Anthropology مفاده أن الإنسان شرير بطبعه. وبناءً على ذلك، قام بتشييد نظريته السياسية ونظرته إلى السيادة. فالإنسان – من خلال منظوره – كائن تقوده رغباته ومصالحه الأنانية فقط. وإذا ما سعى كلّ فرد للحصول على ما يريد، فإن هذا من شأنه أن يُحدث نوعًا

(((عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 2، مج 1: العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.347 (((المرجع نفسه. (((المرجع نفسه. (((لمزيد من الاطلاع، ينظر: إسماعيل نوري الربيعي، "في أصول السلطة والسيادة: بودان، هوبز، ستراوس"، دفاتر السياسة

والقانون، مج 6، العدد 10.)2014((((بشارة، ص.348

من التصادم بين الإرادات المختلفة؛ كما تصطدم الأجسام المتحركة بأجسام أخرى إذا لم يتدخل عاملٌ خارجي ليوقفها بلغة علماء الفيزياء. فما يعتبره شخص ما أنه خير، قد يكون شريرًا بالنسبة

إلى شخص آخر، وهذا يدفع – كما يرى هوبز – إلى البحث عمّا يُوحّدُ المصالح المختلفة بين الناس ويمنع الصدام بينهم. إِنَ حالة الطبيعة – وفقًا لهوبز – هي حالة الحرب المطلقة، حرب الكل ضدّ الكل omnium Bellum omnes contra، لأنّ الأفراد جُبلوا على التنافس، كما أنّ الغرائز تسيطر عليهم، وهذا ما جعل الإنسان ذئبًا للإنسان lupus homini Homo، وجعل الأفراد يعيشون حالة من الاقتتال الدائم. فالقوي يُبيد

الضعيف مثلما تؤدي الحيلة والمكر إلى هلاك القوي؛ لأن "الأضعف يملك القوة الكافية لقتل الأقوى، إمّا بحيلة سِرّية أو بالتحالف مع طرف آخر يتعرض لما يتعرض له هو من خطر". ويتضح من هذا

القول أن هوبز ينطلق من فكرة مفادها أنّ كلّ الناس سواسية في ملكات الجسد والفكر، وأنّ الفروق – إن وجدت أحيانًا – لا تكون كبيرة البتة. وفي ظلّ هذه الفوضى العارمة، لا ريب في أنّ كُلّ فرد يسعى للحفاظ على ذاته في المقام الأول، وهنا تبرز الحاجة إلى ما يُوحّدُ المصالح المختلفة للأفراد، ويمنع الحرب الدائمة عبر إحقاق السّلم والأمن. والخوف – وفق منظور هوبز – هو الدافع الذي يجعل الأفراد يفكرون في الخروج من الحالة الطبيعية؛ لأنه من بين ما ينزع بالنفس إلى الجنوح للسلم هو رُهابها من الموت، وحاجاتها الملحّة إلى الأمور الضرورية التي توفر لها رغد الحياة، والأمل في أن تحصل على هذه الحاجات بالعمل والاجتهاد أيضًا. وهذا ما يوضحه بيار منان Manent Pierre عندما شبّه الرُّهاب من الموت في

العقد الاجتماعي لهوبز ب "الرُّعب العقلاني"؛ إذ يثير هذا الرعب في نفوس الناس نزوعًا نحو العقل،

ويُعمم في النهاية هذا النزوع العقلاني ليشكّل النواة الأولى لولادة قوة المجتمع، وذلك بتبادل الرعب المشترك بين كلّ الأفراد. إذا ما جرى إحقاق السّلم عبر تعاقد اجتماعي، فإنّ الناس سيَكفّون، بموجب ذلك، عن قتل بعضهم

بعضًا، ويتنازل كلّ فرد عن حريته وحقوقه الطبيعية للحاكم، على أن يفعل الآخرون ذلك أيضًا. وبهذا التعاقد، تتوحد الإرادات المختلفة للأفراد في شخص لفياثان Leviathan يبسط بالقوة سلطانه وجبروته على الجميع، ويحقق السّلم داخل أراضيه، عبر امتلاكه حقّ القرار في كل الأمور الدنيوية. لقد شكّل الخوف عنصرًا مهمًّا للاحتكام إلى سلطة العقل، الذي من خلاله خرجت فكرة تأسيس كيان

(1((توماس هوبز، اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة، ترجمة ديانا حبيب حرب وبشرى صعب، مراجعة وتقديم رضوان السيد (الإمارات: هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، كلمة؛ بيروت: دار الفارابي، 2011)، ص.135–133 ((1(بشارة، ص.348 ((1(هوبز، ص.131 ((1(المرجع نفسه، ص.137

(14) Pierre Manent, Naissances de la politique modern (Paris: Gallimard, 2007), p. 77.

((1(هوبز، ص.187–186

سياسي اجتماعي مشترك بين الأفراد عبر تعاقدهم مع الحاكم، وهذا من أجل العبور إلى الحالة المدنية التي تُقدّم المصلحة العامّة على المصالح الخاصة للأفراد، وتولد الدولة بإنهاء الحرب المطلقة، وذلك بصناعة قوة ينضوي الكلّ تحت لوائها؛ أي صناعة اللفياثان المحتكر للسيادة. أسند هوبز إلى اللفياثان صلاحيات مطلقة؛ لأنه من دونها سيعجز عن القيام بالمهمات المَنوطَة به،

وعلى رأس هذه الصلاحيات – كما وضّحنا – توحيد الإرادات وإحقاق السّلم والأمن لكل أفراد

المجتمع عبر تجنيبهم الدخول في معترك حروب أهلية، ودفع النزاعات المسلحة الخارجية المحتملة التي يُمكن أن تتربص بهم. لهذا، فإنّ الحاكم يحقّ له فرض الرقابة على الأفكار والمذاهب، حتى لا تشكّل خطرًا على المجتمع، وحتى يرجع إليه القرار أيضًا في تحديد العقائد الصالحة، وذلك لقطع

دابر أيّ قوّة تخلع يدًا من طاعة أمره، أو تُنافسه بشأن الطاعة؛ لأن الطاعة لا تكون إلّ للحاكم. ثمّ إنّ

المِلكية الخاصة تصير هبةً من الحاكم، إضافة إلى أنه هو المُشرّع الوحيد للقوانين، وهذه القوانين غير

قابلة للنقاش أو المراجعة، وغير مُلزِمة للحاكم أيضًا؛ لأنه يقبع فوقها. وعلى الرغم من هذه السلطة المطلقة التي يتمتع بها الحاكم، فإن هوبز لا يرى من داعٍ لمعاملة الحاكم رعاياه على أنهم أعداء؛ لأنّ قوّتهم وثراءهم وراحتهم تُعدّ كلّها مصدرًا لقوّته ومجدِه وثرائه كما يرى منان؛ أي إنّه توجد

علاقة جدلية بين قوّة الرعايا وقوّة صاحب السيادة. ولم يميز هوبز بين صاحب السيادة ورعاياه من

حيث الشرف أو القوة مثلً، مثلما كان سائدًا في نظرية الأمر الإلهي أو الطوعية الإلهية Theological Voluntarism، بمعنى أنه لا يحكمهم لأنه يفوقهم بقُوى غيبية، أو فوق إنسانية؛ فعظمته تبقى ضمن نطاق الحاجة الإنسانية فحسب. ولهذا، ثمّة من يشكّ في كونه بالفعل يدافع عن الملكية المطلقة ويسعى للحفاظ عليها كنظام أمثل، فهو

قد جعل الناس سواسية في الحقوق الطبيعية، والعلاقة التي تربط اللفياثان بهم ليست علاقة أبوية؛ إذ يبقى أنه حاكم وسيد فقط، لأنّ شخصه يجمع إرادات الناس، وسلطته مرتبطة بحماية الناس، لكنها تتجاوز بقدر كبير هذه المهمة لإنجازها كما يرى منان. لقد أثنى كارل شميت على هوبز فيما يتعلق بنظريته حول السيادة، إلا أنّه ينتقده وينعته بالجَدّ البعيد

لليبرالية؛ لأنّ هوبز رأى في الحرب سمة الحالة الطبيعية التي تنتهي بعبورنا إلى الحالة المدنية ب "عقد اجتماعي" Contract Social مُبرمٍ بين الأفراد والحاكم، وهذا ما يرفضه شميت الذي يرى أنّ الحرب موجودة في حالة المجتمع، وأن الإمكان الواقعي للحرب وارد على نحو دائم، وأننا لا ننتهي من الحرب ما إنْ نعبر إلى حالة المجتمع. ويرى شميت، أيضًا، أنّ هوبز ترك فجوات عديدة في متنه

((1(الربيعي، ص.58 ((1(المرجع نفسه، ص.60

(18) Manent, p. 81. (19) Ibid., p. 84.

((2(بشارة، ص.351–350

(21) Manent, p. 84.

الفلسفي تسللت من خلالها الليبرالية؛ مثل مسألة الحياد الأخلاقي للحاكم مثلً، والحق في مقاومة السلطة إذا كان ثمة ما يُهدد حياة المحكومين، وفتح المجال للناس للمشاركة في الحياة عبر امتهان الأعمال التجارية. وكل هذه الفجوات جعلت من هوبز بمنزلة واضع حجر الأساس لليبرالية في عصر ليس ليبراليًّا، فجاء شميت لينتقد الليبرالية في عصر ليبرالي؛ كما يرى ذلك الفيلسوف الأميركي

ليو شتراوس Strauss Leo)1973–1899(.

ثانيًا: دريدا وشميت

1. شميت: السيادة وحالة الاستثناء

يعدّ شميت من أهمّ المدافعين عن السيادة المطلقة للدولة؛ إذ يدعو على نحو واضح إلى ضرورة احتكارها للسيادة، بصيغة مطلقة، في شخص صاحب السيادة، وهذا يجعل من فكره امتدادًا لفكر كلٍّ من بودان وهوبز، على نحو أكثر تطرفًا وصرامة. فقد طوّر نظريته حول السيادة لتتجاوز الثغرات التي شابت أعمال من سبقوه في التنظير للحكم المطلق. ومن أجل رسم شميت معالمَ السيادة كما يتصورها، فإنه يعود إلى بودان، ويستشهد به لتأكيد أطروحته، خاصةً في المسألة التي يرى فيها بودان أنّ الحاكم ملزمٌ بالتعهدات التي أبرمها، لأنّها متّسقة ومبنية على القانون الطبيعي، باستثناء حالة واحدة يتاح له فيها خرقها؛ هي حالة الطوارئ. ففي هذه الحالة، لا يكون الأمير مُلتزمَ الوفاء بوعوده للشعب. نستنتج مما سبق، أن شميت يسعى لفهم منطق الدولة من الحالة الشاذة لوجودها، وهي حالة الاستثناء والحرب، فتصير حالة الاستثناء هي البوابة لإحكام صاحب السيادة قبضته على الأمور كلّها داخل الدولة الشمولية التي ينظر إليها شميت نفسه؛ بما أن صاحب السيادة هو الذي يملك حق القرار في حالة الاستثناء. وبهذا المعنى، تغدو حالة الاستثناء هي الحالة العادية، والحالة التي بموجبها تكون الدولة دومًا في حالة تأهّب، إلى حد أنّ حالة السّلم تصير كأنّها حالة حرب، أي إنّ فرضية الحرب تظلّ دائمًا موجودة، حتى إن لم يكن ثمة حرب. وبناءً على ما سبق، فإنّ سلطة تعليق القانون عند شميت مقترنة بالسيادة، أو بمعنى أدقّ تكون ثمة سيادة

عندما تتوافر إمكانية تعليق العمل بالقانون في حالات الاستثناء؛ لأنه يمكن التأكيد ههنا من أن ما يدل على حالة الاستثناء في جوهر الأمر هو السلطة التي ليس لها حدود، وهو ما يوحي بتعليق الاحتكام

(2((مصطفى حداد، "كارل شميت"، في: مصطفى حداد [وآخرون]، الفلسفة الغربية المعاصرة: صناعة العقل الغربي من مركزية

الحداثة إلى التشفير المزدوج، تحرير وإشراف علي عبود المحمداوي، ج 2 (بيروت: منشورات ضفاف؛ الجزائر: منشورات الاختلاف، 2013)، ص 906. ((2(المرجع نفسه، ص.905 (2((كارل شميت، اللاهوت السياسي، ترجمة رانية الساحلي وياسر الصاروط (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.25 ((2(المرجع نفسه، ص 23. ((2(بشارة، ص.728

إلى النظام القائم برمته. وفي وضع على هذا النحو، من الجلي أن الدولة باقية، في حين ينكص القانون. وما دام الاستثناء في هذه الحالة يتباين عن الفوضوية، فسيرسخ النظام بمدلوله التشريعي، حتى إن لم يُكتب له البقاء بصورته العادية. إنّ حالة الاستثناء، بهذا المعنى، لا تُعدّ خروجًا عن القانون كما يرى

جورجو أغامبين Agamben Giorgio؛ لأن النظام الذي يعلق القانون يظلّ موجودًا من دونه. يستمدّ القانون معناه – بحسب شميت – عندما يوجد في وضع طبيعي؛ فلا معنى له في وضع تعمّه

الفوضى، على أنّ صاحب السيادة هو الذي يقرر إن كان الوضع طبيعيًّا أم لا، وهذا على عكس ما ذهب

إليه هانس كلسن Kelsen Hans)1973–1881(، الذي سعى إلى احتواء حالة الاستثناء، عبر جعلها ضمن القانون، أو عبر جعل القانون هو الذي يحدد ضوابط هذه الحالة، وهذا ما يرفضه شميت ويعدّه محاولة ليبرالية يائسة. إنّ شميت يحاول إظهار أنّ القانون نسبي، وأنّ حالة الاستثناء دليل واضح على ذلك؛ ومن ثمّ فإنّ السياسة فوق القانون، وليس العكس. بل إن الوضع العادي للنظام القانوني مرتهن بوجود حالة الاستثناء التي ينبثق منها، والتي تؤكد وجوده في الآن نفسه. وهنا يعود شميت إلى هوبز الذي يؤكد أن السلطة هي التي تحافظ على القانون، لا الحقيقة، أو بعبارة أخرى، تعدّ السيادة هي المحدد لكلّ ما يقع داخل المجال السياسي، ويصير كلّ شيء انعكاسًا لها بما في ذلك القانون؛ لأنّ

السيادة وإرادتها فوق القانون. وما يمنحها هذه الصفة الفوقية هو وجود حالة الاستثناء، ويتضح ذلك بحسب شميت في الحالات الحرجة، مثل حالات الحرب الأهلية أو الحروب الخارجية. إن حالة الاستثناء بهذا المعنى تكتسي صبغة لاهوتية، لأنها تُشبه المعجزة في اللاهوت، كما أنها الدليل على نسبية القانون الذي يحتاج إلى شخص يكون خارجه ويهيمن عليه في الوقت ذاته، ليتخذ القرار في حالات الاستثناء. فحالة الفوضى والخروج عن الحالة العادية تنفي القانون؛ لأنّ الضرورة السياسية لا قانون لها.

((2(شميت، ص.28 (2((جورجو أغامبين، حالة الاستثناء: الإنسان الحرام 2، 1، تقديم جوليانا سكوتو، ترجمة وتحقيق ناصر إسماعيل وساري حنفي (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2015)، ص.97–96 ((2(شميت، ص 29. (3((فيلسوف وفقيه قانوني أميركي، أسس المدرسة المعيارية في القانون، ومن أشهر مؤلفاته النظرية المحضة للقانون Pure Theory of Law (1934)، وتجدر الإشارة إلى أن كلسن هو محاور شميت الأساسي فيما يرتبط بعلاقة السيادة بالقانون؛ إذ يعود شميت إلى أفكاره لينتقدها. ((3(شميت، ص 30. ((3(بشارة، ص.732 ((3(شميت، ص.31 ((3(المرجع نفسه، ص.47 ((3(بشارة، ص.740 ((3(المرجع نفسه، ص.733 ((3(حداد [وآخرون]، ص.899 ((3(المرجع نفسه، ص.900

ما دامت الضرورة السياسية تبيح خرق القانون أو تعليقه كليًّا، فهذا يفسح للدولة مجال حلّ تناقضاتها

الداخلية أيضًا بالمنطق نفسه الذي تحارب به أعداءها الخارجيين أثناء الحرب؛ لأنّ الوظيفة الأساسية للدولة تكمن في تحقيق السلام الداخلي، وفرض النظام والهدوء، أي خلق الحالة العادية التي تسري فيها القوانين، في مقابل حالة الاستثناء، وذلك يجرى عبر تحديد العدوّ الداخلي وطرائق التعامل معه،

من هدرِ الدم إلى النفي أو السجن، دون أدنى قيد قانوني، وهو ما يعني كذلك أنه يُخضع شأن الدولة

الداخلي لثنائية "العدوّ والصديق" التي اعتبرها مميزًا للسياسي؛ من خلال تمييز الناس إلى أصدقاء

وأعداء، والقضاء على الأعداء بُغية خلق وحدة مجتمعية متجانسة. ويعرّف شميت العدوّ بأنه "ذلك

الآخر والغريب، حيث يكفي لاكتمال ماهيته كعدو أن يكون – بالمعنى الوجودي – شيئًا مغايرًا وغريبًا،

بحيث تغدو النزاعات معه في الحالات القصوى ممكنة". من خلال هذا الموقف، يمكن ملاحظة أن شميت يتفق مع هوبز؛ إذ إنه من غير الممكن الحديث عن السياسي في غياب سيادة تمارس القهر على الأفراد، يملك الحاكم بموجبها قرار إعلان حالة الطوارئ وشنّ الحروب كلما دعت الحاجة إلى ذلك؛ فاستنادًا إلى طبيعية الإنسان التي تستدعي دائمًا استحضار

إمكانية الشرّ، لا مفرّ من الإقرار بحتمية الحرب ومركزيتها في السياسة. وفي حال انتهاء الحروب، فإن

السياسة ستنتهي معها أيضًا؛ إذ إن "إمكانية الحرب هي ما يهبُ حياة الإنسان معناها السياسي النوعي"،

ولا يمكن إنكار اصطفاف الشعوب إلى أعداء وأصدقاء لأنه قدر محتوم، أو اعتبار أن الحروب ليست سوى بقايا العصور البربرية، والقول إنه لا يوجد ما يستوجب العداء بين الناس لن يغير من الأمر شيئًا. فما يميز

السياسي من مجالات أخرى مثل الأخلاقي، والاقتصادي، والجمالي، هو ثنائية العدو والصديق، ويبقى هذا التمييز – بحسب شميت – هو الصورة الواضحة التي تجعل من الحقل السياسي مستقًّلًّ عن حقول أخرى، كما أن ما يمنح مفاهيم مثل الصديق والعدو معناها المتعين هو الإشارة إلى إمكانية إحداث الموت بالآخر؛ لأن "الحرب تلزم عن العداء، والأخير ليس إلا النفي الوجودي لوجود مغاير"، وهذا مرتبط بالتعريف الذي قدّمه شميت لطبيعة الإنسان؛ حيث إن الإنسان في استعداد دائم للموت من أجل هويته، والقضاء على أي وجود آخر يُهدد هويته ووجوده الخاص. وهذا لا يحتاج إلى تبرير؛ لأن الاستعداد للموت

من أجل الوجود الخاص شيء يبرر نفسه بنفسه؛ لهذا فحق الحرب الذي تحتكره الدولة يعني الإمكانية المزدوجة: طلب جاهزية أبناء الشعب للموت، وقتل المصطفّين إلى جهة العدو.

(3((كارل شميت، مفهوم السياسي، ترجمة سومر المير محمود (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2017)، ص.98 (4((المرجع نفسه، ص.76 ((4(المرجع نفسه، ص.85 (4((المرجع نفسه، ص.77 ((4(في إطار البحث عن المواصفات الخاصة المميز للسياسي، تلك التي تميزه من حقول فكرية أخرى، يرى شميت أن: "التمييز

النوعي للسياسي، الذي يمكن أن تعزى إليه الأفعال والبواعث السياسية كافة، هو التمييز بين الصديق والعدو"، ينظر: شميت، مفهوم

السياسي، ص  76. في مقابل الخير والشر الذي يميز المجال الأخلاقي، والقبيح والجميل في الجماليات، والربح والخسارة في الاقتصادي، فالسياسي مستقل بذاته، وغير مشتق من مقاييس أخرى خارجة عن ثنائية العدو والصديق، ولا يمكن تأسيسه على تمييزات أخرى، ينظر: المرجع نفسه. ((4(المرجع نفسه، ص.83 ((4(المرجع نفسه، ص.97

تجدر الإشارة إلى أن فريدريش هيغل Hegel Friedrich (1831–1770) سبّاق في الإشارة إلى الحرب

بهذا المعنى نفسه. ففي كتابه أصول فلسفة الحق Elements of the Philosophy of Right (1820)، يقول: "للحرب ذلك المغزى الرفيع؛ إذ بفاعليتها، كما قلت في موضع آخر، تحافظ الشعوب على صحتها الأخلاقية حين تقف موقف اللامبالاة من المؤسسة المتناهية، تمامًا مثلما أن هبوب الرياح

يحفظ البحر من التلوث الذي يوجد نتيجةً لفترة طويلة من السكون، كذلك فإن فساد الأمم قد يوجد نتيجةً لفترة طويلة من السلام". وهنا نلاحظ نوعًا من التطابق في الموقف من الحرب بين شميت وهيغل، والأمر نفسه فيما يتعلق بكون الحرب تؤدي وظيفة الحفاظ على التماسك الداخلي للدول؛ إذ يعتبر هيغل أن الحروب التي يُكتب لها النجاح، تكون بمنزلة الحصانة المتينة ضد كل ما من شأنه

أن يُحدث اضطرابات داخلية، كما أنها تعمل على تعزيز السلطة المحلية للدولة، أو بعبارة أخرى

تعدّ الحرب نوعًا من أنواع الحفاظ على النظام، عبر منعها الأفراد من نزع ارتباطهم بالكل، أي حتى لا يحصروا أنفسهم في بوتقة العزلة، وما تحمله من آلام ومعاناة. ولتلافي انعتاق الكل واضمحلال الروح، لا بد للسلطة الحاكمة في البلاد بين الفينة والأخرى من أن "تقلقل" الطمأنينة والاستقرار في نفوسهم عن طريق إشعال فتيل الحرب، ولا بد لها كذلك من أن توقعهم في حيرة واضطراب إزاء نظامهم الرتيب، وتتعرض لحقهم في الاستقلال، والأمر نفسه يمتد إلى الأشخاص الذين ما إن يسقطوا في هذا النظام حتى ينفكوا من تعالقهم بالكل، ويسعوا لإحقاق وجودهم الذاتي المستقر الذي لا يغالبه انتهاك. أمّا بالنسبة إلى التضحية الواجبة للأفراد في الحرب، التي أكد شميت ضرورتها، كما أشرنا

سلفًا، فإن هيغل أيضًا تحدّث عنها حين قال إنها "تُمثّلُ التضحية في سبيل فردية الدولة الرابطة الأساسية بين الدولة وأعضائها، وهي لهذا السبب واجب عام". وانطلاقًا من آراء هيغل بشأن الحرب، يتبين لنا مدى تأثّر شميت به، والأخذ منه فيما يتعلق بأهمية الحرب في الحفاظ على النظام. يرفض شميت أيضًا بناء السياسة على قيم كونية، وخوض الحروب باسم البشرية؛ إذ يؤكد أن الدولة حينما تدخل في حرب شعواء ضد من يعاديها في سياستها، ويكون ذلك باسم الإنسانية والتغني بحقوقها، فإن هذا لا يدل في الكُنه على أنها حرب الإنسانية، بل هي حرب تسعى دولة باعتبارها جزءًا فيها إلى أن

تستولي لنفسها على مدلول كوني تستخلصه وتسود به على حساب العدو المحارب لها. وهذا يعني أنّ مثل هذه الشعارات ليست سوى خداعٍ مُضلل، وهذا هو الأمر نفسه الذي تفعله الولايات المتحدة

الأميركية في الوقت الراهن لتبرير تدخلها عسكريًّا في دول عديدة، وهو ما سينتقده دريدا أيضًا. نجد لدى شميت انتقادات للبيرالية، أهمها الانتقاد الذي تناول فيه علاقتها بالديمقراطية. فهو يعتقد أنه توجد محاولة فاشلة للجمع بينهما؛ لأن الديمقراطية آلية لإشراك الشعب في عملية الحكم، لكن

(4((فريدريش هيجل، أصول فلسفة الحق، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1996)، ص.590 (4((فتحي التريكي، الفلاسفة والحرب، ترجمة زهير المدنيني (بيروت: دار الروافد الثقافية – ناشرون؛ الجزائر: دار ابن النديم

للنشر والتوزيع، 2015)، ص 123. وينظر أيضًا: فريدريش هيغل، فينومينولوجيا الروح، ترجمة ناجي العونلي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2006)، ص.486 (4((هيجل، أصول فلسفة الحق، ص.591 ((4(المرجع نفسه، ص.107

الليبرالية هي إحدى الصيغ المقترحة لعملية إشراك الشعب في الحكم، بل إنه يوجد تناقض بين مبدأ الهوية الذي تقوم عليه الديمقراطية، وهو المبدأ الهادف إلى المطابقة بين الحكام والمحكومين، ومبدأ التمثيل الذي تقوم عليه فكرة البرلمانات الليبرالية، هذه البرلمانات التي تحتضن النقاشات الفارغة والجدالات التي لا تنتهي؛ لأن التصور الليبرالي يقوم على فكرة أن النقاش والجدال وتبادل الآراء هو السبيل إلى الحقيقة، في حين تضيع مصالح الشعب في خضم هذه النقاشات التي تظلّ عاجزة عن حلّ التناقضات التي يتخبّط فيها المجتمع؛ إذ إنّ السياسة تنبثق من قرارات وليس من نقاشات فارغة، خاصة في حالات الاستثناء. أمّا بالنسبة إلى الحُجّة التي تقدمها الليبرالية لتبرير ضرورة اللجوء إلى البرلمان كحاضن للتمثيل، والتي تقوم على أنّه ليس في الإمكان جمع الشعب كلّه في مكان واحد ليقرر في الشأن العام، ولهذا لا بدّ من وجود لجنة منتخبة تنوب عنه في التعبير عن الإرادة العامة، فيردّ شميت عليها بأنه لا يوجد ما يمنع اختيار الشعب لشخصٍ واحد ينوب عنه في تقرير شؤونه، والتعبير عن المصلحة العامة. ويشير شميت، أيضًا، إلى أن القرارات السياسية لا تُتخذ داخل البرلمانات، بل إنها تُتخذ في حجرات مغلقة تُعقد فيها مساومات محكومة بالمصالح الحزبية الضيقة؛ ومن ثمّ تضيع مصالح الشعب في خضم هذه الدوّامة، وهذا ما يجعل من العنصر التمثيلي عنصرًا غريبًا عن الديمقراطية وخارجًا عنها؛ ولذلك يُخرج الليبرالية من حيّز الديمقراطية والسياسة. في مقابل انتقاد شميت الديمقراطية الليبرالية، يُقدّم بديلً منها متمثلً في الديمقراطية التي ستعمل على إعادة الدولة – التي تحاول الليبرالية إبعادها – إلى المشهد السياسي، وتأكيد ضرورة تدخلها في شؤون المجتمع، والعمل على تحقيق وحدة مجتمعية منسجمة، يقودها صاحب السيادة. وبهذا، يتحقق مبدأ الهوية الذي تقتضيه الديمقراطية، والذي بمقتضاه يجب فرض نموذج واحد للمواطنين. ثمّ إنّ شميت يرفض مبدأ المساواة بين أفراد المجتمع أمام القانون، لأنه ليس من العدل المساواة بين غير المتساوين؛ فالمساواة بالمعنى الأول هي مبدأ ليبرالي نابع من نظرتها إلى الفرد، لكن هذا الأمر لا يمتّ إلى الديمقراطية بصِلة، ذلك أنها عنده تقتضي بناءَ هُوية واحدة للشعب، بل اجتثاث كل ما له علاقة بالاختلاف في صفوفه أيضًا، وفي هذه النظرة إقصاء واضح للغريب، وشرعنة للقضاء عليه.

(5((محمد هاشم رحمة البطاط، " الفكر السياسي عند المفكر الألماني كارل شميت "، قضايا سياسية، العدد 49–48 (حزيران/ يونيو 2017)، ص 129، في: https://bit.ly/3UCZ45h ((5(الحداد، "كارل شميت"، ص.921–920 ((5(البطاط، ص.133–132 ((5(المرجع نفسه، ص.133 ((5(المرجع نفسه، ص.134 ((5(المرجع نفسه. ((5(المرجع نفسه، ص.136–134

2. دريدا وتفكيك السيادة

يتبين من خلال المواقف السابقة من السيادة أن بودان وهوبز وشميت ينافحون عن السيادة المطلقة التي لا تتجزأ. وإن كانت السياقات مختلفة، فإنهم جميعًا نظروا إلى الإنسان كحيوان خطِر لا يمكن أن يدخل في إطار المدنية إلا عبر ترويضه من صاحب السيادة، أو الحاكم الوحش. وسيسعى دريدا، من خلال محاضرته "السيادة الخيّرة – أو أوروبا ومرض السيادة"، إلى تفكيك النظرة التقليدية إلى السيادة

باستحضار الآراء السابقة؛ لأنه يرى أنّ أكبر عائق تواجهه أوروبا، حاليًّا، هو ميراثها السياسي الذي يقوم

على مفهوم الدولة القومية المبنية على فكرة السيادة التي لا تتجزأ. ويعبّر دريدا عن قلقه إزاء مستقبل

أوروبا المهدد بصراعات السيادة وتناقضاتها؛ إذ رصد نوعًا من العودة إلى السيادة بالمعنى القومي في أوروبا، وهذا ما سيترتب عليه عدة نتائج سلبية بالنسبة إلى مستقبل أوروبا ودورها في العالم إذا لم تعمل كلّ دولة من دولها بالتنازل، ولو جزئيًّا، عن سيادتها لمصلحة بناء سيادة أوروبية موسعة، تتيح

لأوروبا العودة من جديد إلى المشهد العالمي كقوّة عظمى على المستويين الاقتصادي والعسكري. وهنا يلتقي دريدا مع يورغن هابرماس في الفهم الذي قدّمه للوطنية الدستورية، من حيث ربطها بالإدراك الجذري للقانون، بالرغم من اعتراض دريدا على استخدام كلمة "الوطنية". والوطنية الدستورية مفهوم نحته عالم السياسة دولف ستيرنبرغ Sternberg Dolph؛ إذ ربط مفهوم الوطن بالمسؤولية السياسية، وهو يقوم على اعتبار المواطنين أناسًا واعين ومتسمين بالرشد، وهذا الفهم لا ينبني على الخطابات التقليدية التي تتحدث عن الهوية والأصل، بل إنه لا يتحقق سوى في الدستور، وينبني على المشاركة الفعلية لأشخاص أحرار. أخذ هابرماس هذا التعريف وقام بتوسيعه عبر إعطائه بعدًا كونيًّا

ونقديًّا، أي إنه يجب انتقاد التقاليد القومية للغرب، بحيث لا يكون الارتباط بالغرب إلا عبرَ وطنية

دستورية ذات طبيعةٍ كونية، ثم أكّد أن الوطنية الدستورية لا تُحقق إلا في المجال العام. يربط دريدا بين تنازل دول أوروبا عن الفهم الضيق للسيادة وتجذير الديمقراطية فيها من ناحية، وصعود قوتها العالمية الذي سيؤهلها لتصحيح اختلال ميزان القوى حاليًّا في العالم، بسبب هيمنة الولايات

المتحدة على قرارات الأمم المتحدة، من ناحية أخرى؛ ولهذا فإن إشارته إلى المعاناة من جرّاء السيادة

ليست للحديث عن شعور السياديين في أوروبا بالحاجة إلى السيادة فحسب؛ ذلك الشعور المختلط بالحلم والعيش في حالة نوستالجيا، بل إن إشارته تتضمّن، على نحو خاص، مسألة سيادة أوروبا في شموليتها المطلقة. وهنا ينضاف تحدٍّ آخر أمام أوروبا متمثّل في النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، والكيفية التي يمكن من خلالها تصحيح هذا الاختلال.

(57) Jacques Derrida, "Le souverain bien – ou l’Europe en mal de souveraineté,"  Cités , vol. 30, no. 2 (2007), p. 106. (58) Ibid., p. 4.

لا بد من التنويه ههنا بأنّ دريدا تحفّظ عن استعمال كلمة "الوطنية"؛ لما قد تحمله من ترسبات قديمة وملتبسة. (5((رشيد بوطيب، "العقل السياسي الألماني بين 'الثقافة الرائدة' و'الوطنية الدستورية'"، الفيصل (2016/7/5)، شوهد في

2020/3/1، في: https://bit.ly/3UKoFsQ (60) Derrida, p. 108.

يلتقي دريدا مع هابرماس في هذه المسألة؛ ففي محاضرته الشهيرة "أوروبا ومهاجروها"، يؤكد هابرماس أنّ من أبرز المشكلات التي تُهدد أوروبا في الوقت الراهن العودةَ إلى المعنى الضيّق للوطنية، الذي

يُبنى أساسًا على الجذور القومية لبلد من البلدان؛ فهذا من شأنه أن يقتل روح التعدد الذي تُقرّه

الليبرالية، وتبني عليه ديمقراطيتها، كما أن هذه العودة إلى الجذور القومية الضيّقة من شأنها أن تُضعف

الاتحاد الأوروبي وتأثيره على المستوى الدولي، بل إنها كفيلة بتفكيك هذه الوحدة. ويرى أنه "فقط باتحاد أوروبي ذي سياسة خارجية قادرة على التفاوض، يمكن أن تُؤثّر على مسار السياسة الاقتصادية العالمية". يحلم دريدا بأوروبا دون أدنى مركزية أوروبية، أوروبا التي يجب أن تكون قوّة عظمى، لكن يجب أن تستفيد أيضًا من تاريخها المستنير، وتنتقد ذكرياتها وتاريخها الأسود، ومن خلال هذا تنتقد أيضًا الممارسات نفسها التي لا تزال تحدث حاليًّا في عالمنا باسم الديمقراطية. ويراهن دريدا على أوروبا

في إنشاء قوّة سياسية مضادة لعولمة نيوليبرالية، تُمارس في العالم من خلال عدّة مؤسسات دولية، أهمها الأمم المتحدة، التي يرى أنها ضعيفة، ولكنّها قابلة للإصلاح عبر نقل مقرّها، ودعم سلطتها التنفيذية

والعمل على استقلاليتها. ويقول في هذا الصدد: "هذه أوروبا العدالة الاجتماعية ومناهضة العولمة التي أحلم بها، هي أيضًا أوروبا التي تعيد تنشيط ذاكرتها الفلسفية، أوروبا التي هي في حاجة إلى فلاسفتها أو إلى برلمان كبير من الفلاسفة". يحاول دريدا الغوص إلى ما هو أعمق في المسار التاريخي لمفهوم السيادة، ويعود إلى جذوره اليونانية، تلك الجذور التي تمزج بين الخير الأسمى والسيادة، ويقتبس من كلام أرسطو ما يفيد الربط بين تعدّد الحكام أو تقسيم السيادة والشر، أو ما يربط الخير الأسمى بوجود حاكم واحد، وهذا ما يرى فيه دريدا مرض السيادة، أو المعاناة بسببها؛ فمثل هذا الفهم للسيادة الذي يقوم الفهم القومي للدول ويتأسس عليه، والذي يقصي – بالضرورة – الأجنبي والمختلف الغريب، لا يمكن أن تنتج منه ديمقراطية. ولهذا، يقول دريدا إنه يحلم "بأوروبا تُحسن استضافة الآخرين من جميع أقطاب العالم، وتُسَنّ قوانين جديدة تُكرّس حقّ اللجوء، فتجعل منها سفينة نوح للقرن الحادي والعشرين". وفي

هذا السياق، يستحضر مفهوم الضيافة L’hospitalité الذي يعتبر أحد أهم ركائز الديمقراطية المقبلة عنده، وهي الفكرة نفسها التي نجدها عند هابرماس؛ إذ يرفض التعامل الأمني مع المهاجرين في أوروبا، ويرى أنّ مهمّة إدماج المهاجرين مسؤولية ملقاة على عاتق المجتمع المدني، لأنّ الأمر "يتعلق هنا باحترام ذوي الثقافات والديانات الأجنبية في اختلافهم وإدماجهم في إطار التضامن الوطني".

(6((يورغن هابرماس، "أوروبا ومهاجروها"، ترجمة عثمان الشبرعال، المنتدى، العدد 1 (ربيع 2015)، ص.38 ((6(المرجع نفسه، ص.40

(63) Derrida, p. 109. (64) Ibid., p. 111. (65) Ibid., p. 114.

((6(هابرماس، ص.40

فكلّما جرى التعجيل بإنشاء هوية أوروبية مشتركة، انفتحت داخل كلّ دولة أوروبية روحٌ وطنيةٌ تَقبل إشراك مواطنين من خلفيات أخرى؛ إذ توجد علاقة جدلية بين الانفتاح على الداخل والانفتاح على الخارج، أي أنْ تكوين هوية أوروبية واحدة تقبل التعدد والتنوع الذي تزخر به أوروبا يربي في الشعوب تلك النزعة إلى الانفتاح على الآخر المختلف وقبوله، ومن ثمّ فإن "الانفتاح على الذات في الثقافات المنغلقة يُساعد على الانفتاح على الآخر". يشير دريدا، أيضًا، إلى تناقض بين السيادة والعدالة؛ لأنّ الأولى تقوم على القوّة وتجعلها عادلة، نظرًا

إلى استحالة جعل العدالة قوية، وهكذا تصير حُجّة الأقوى دائمًا هي الأفضل: "أن تكون على صواب هو أن تملك حُجّة للمناقشة، حسب بعض أخلاقيات النقاش العقلاني والمنطقي في مناظرة أو خصام، حُجّة جيدة مقابل حُجّة سيئة، حُجّة صحيحة ضدّ حُجّة خاطئة. وعلى عكس ذلك أن تتغلب وتتفوق

على الخصم، هو أن تهيمن عليه دون نقاش عقلاني، في علاقة قُوى: في حرب غزو، في مطاردة، أو في قتال حتى الموت". فمنطق السيادة إذًا لا يمتثل للعقل في تحديد الأفضل أو الأصوب، ولا يكترث للعدالة أو حتى القانون، وهذا ما رأيناه مع شميت على نحو أوضح؛ حيث يكون صاحب السيادة مهيمنًا على القانون وفوقه في الوقت نفسه، بل إنه يكتسب صفات الوحش؛ ولهذا يقول دريدا أيضًا "علينا أن نحاول التفكير في هذا التحول إلى وحش، التحول إلى حيوان، إلى الحاكم الذي هو قبل كل شيء قائد حرب، ويتجلّى كصاحب سيادة أو كحيوان في وجه العدو. يجري تعيينه حاكمًا نظرًا إلى إمكانية العدو، ونظرًا إلى تلك الضغينة التي ادّعى فيها (شميت) الاعتراف بإمكانية السياسة

وإمكانية الحاكم نفسه، والقرارات، والاستثناء السيادي". إنّ النظر إلى الحاكم بهذه الصيغة يؤدّي إلى النظر إلى المحكومين باعتبار أنهم قطيع، وليس باعتبار أنهم مواطنون أو جماعة بشرية. ولهذا استحضر دريدا الفيلسوف السويسري جان جاك روسو Jean– Jacques Rousseau (1712–1788)، وكتابه العقد الاجتماعي The Social Contract (1762) الذي يعارض فيه روسو كًّلًّ من هوغو غروتيوس Grotius Hugo)1645–1583( وتوماس هوبز Thomas Hobbes (1679–1588)، وذلك فيما يتعلق بنظرتهما إلى الجنس البشري على أنه قطيع من الحيوانات التي تحتاج إلى قائد يحرسها ويفترسها أيضًا؛ حيوانات غير أليفة تحتاج إلى ترويض من الحاكم، الذي لا يحرسها إلا لأنّه يملكها، ويمكنه افتراسها متى أراد ذلك. يُعدّ الحاكم، بهذا المعنى، راعيًا للقطيع،

وهو من طبيعة تفوق طبيعتهم، كأنه إله أو كأن الشعوب دواب. لكن ما السبب الذي حوّلَ هؤلاء إلى عبيد، أو قطيع يتبعُ الحاكم ويخضع لإرادته؟ يعود دريدا إلى أرسطو Aristotle (322–384 ق. م) في المسألة التي ربط فيها بين العبودية والخضوع بالقوّة؛ إذ إن هذه الأخيرة هي التي تصنع العبيد، وهؤلاء

((6(المرجع نفسه. ((6(المرجع نفسه، ص.41

(69) Derrida, p. 116. (70) Ibid., p. 119.

(7((فيلسوف وقاضٍ هولندي، ساهم في وضع أُسس القانون الدولي، استنادًا إلى الحق الطبيعي.

بعد أن تحوّلوا إلى عبيد عشقوا أغلالهم وفقدوا كلّ شيء فيها، "وهكذا استغنى العبيد عما حرموا

منه، ولم يعودوا يعانون حاجتهم إلى الحرية ولا السيادة، وهذه هي معاناتهم العظمى: ألّ يكون الشخص في حاجة، ألّ يتألم بسبب رغبته، ألّ يعاني بسبب رغبته في السيادة". إنّ الغرض من جعل الحاكم فوق القطيع، أي من جعله حيوانًا مفترسًا يهابه كلّ من ينتمي إلى القطيع، أو من جعله إلهًا من طبيعة "فوق بشرية"، هو إقرار لسيادته وتبريرها، وتبرير أيضًا لتموضعه فوق القانون الذي يملكه كما يملك أرواح كلّ من يحكمهم، وهو إقرار يعتبره شميت حقًّا استثنائيًّا يسمو

به الحاكم فوق الجميع، حقّ تعليق القانون أو اختراقه من دون حسيب أو رقيب؛ وهنا يخلص دريدا إلى أن الذي يجمع بين الحاكم والحيوان والإله هو الخروج على القانون، خلق القانون وخرقه والوجود فوقه، وهذا شيء مربك. ولهذا، فإنّ السيادة، بحسب دريدا، ليست شيئًا طبيعيًّا، بل

إنها منتج صناعي، من صناعة الإنسان، ومن ثم فإنه يصف ما تقوم به الولايات المتحدة في الوقت الراهن بأنه تجسيد لحجة الأقوى وتموقع فوق القانون.

ثالثًا: الديمقراطية القادمة

1. دريدا ونقد الإرهاب، المروقية، الأخواتية، الضيافة

أ. نقد الإرهاب

نستطيع إيجاد صورة واضحة لموقف دريدا من الإرهاب في حوار أجرته جيوفانا بورادوري Giovanna Borradori مع دريدا وهابرماس بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 التي جرت في الولايات المتحدة؛ إذ سيعمل دريدا على تفكيك مفهوم الإرهاب من خلال إظهار الجوانب المكبوتة لهذه الظاهرة، أو الجوانب المسكوت عنها، المرتبطة أساسًا بسياقات تاريخية وسياسية سبقت أحداث 11 سبتمبر. فهو يؤكد، في بادئ الأمر، الطابعَ الإشكالي لمفهوم الإرهاب من منطلق أن ما تحاول وسائل

(72) Ibid., p. 122. (73) Ibid., p. 126. (74) Ibid.

يعود دريدا إلى الحديث عن منطق حُجّة الأقوى الذي يكون الأفضل دومًا. ولكن في اللحظة المعاصرة، وعلى المستوى العالمي،

حيث إن هذا المنطق يتجسّد فعليًّا فيما تقوم به الولايات المتحدة الأميركية، فإن هذه الأخيرة تصف دولً بالمروق، ولكنها في حقيقة

الأمر هي المتهمة بممارسة هذا المروق والإرهاب الدولي، وذلك عبر خرقٍسافرٍ وواضح للقوانين الدولية. يستشهد دريدا ههنا بنوام

تشومسكي الذي ذهب إلى الفكرة نفسها، وأورد مث لً على ذلك الحرب الأميركية على العراق (2003 إلا في وقت بدأ)، التي لم تأتِ فيه صدّام حسين (2006–1937) بالخروج عن طاعة الولايات المتحدة وتلبية مصالحها، فوصفته ب "وحش بغداد"، ووصفت العراق

ب "الدولة المارقة"، لشرعنة تدخلها العسكري فيها. ويستنتج دريدا أن الولايات المتحدة "تلعب" بالقانون الدولي وفق ما يحقق

مصالحها ويحفظها؛ فهي تخترقه دومًا، وفي الآن عينه تفرضه بالقوّة على دول أخرى عندما يناسبها ذلك، وبهذا فهي تُجسّد منطقًا

مفاده أنّ حُجّة الأقوى دومًا هي الأصوب. (7((باحثة أميركية من أصول إيطالية، من أهم مؤلفاتها الفلسفة في زمن الإرهاب: حوارات مع يورغن هابرماس وجاك دريدا

Philosophy in a Time of Terror Dialogues with Jurgen Habermas and Jacques Derrida (2004)، الذي سنعتمد عليه لفهم

موقف دريدا من الإرهاب.

الإعلام نشره حول هذه الأحداث، وذلك بجعله حدثًا عظيمًا لم يرَ التاريخ مثله من قبل، بمنزلة صياغة

تقودها دوافع سياسية، ويشير في مقابل ذلك إلى أنّ أعمال القتل والإرهاب تعمّ أرجاء العالم في كلّ

وقت، لكن من دون إعطائها أهمية كبيرة على غرار الأهمية التي أعطيت لهذا الحدث. ففي كلّ أرجاء العالم كثيرٌ من الموت، حتى إنْ لم يجرِ إحصاءٌ للموتى: "لا يقوم إعلام أوروبا والولايات المتحدة

الأميركية ورأيهم الشعبي بإثارة ضجة بمثل تلك الكثافة عن مجازر – مباشرة كانت أو غير مباشرة – تضاهي، بل تفوق عدديًّا المجازر التي تقع خارج النطاقين الأوروبي والأميركي (كمبوديا، رواندا،

فلسطين، العراق... إلخ"). وهكذا، لا يمكن التسليم بأن أعداد القتلى هو ما يجعل من هذا الحدث أمرًا عظيمًا عبر التاريخ، كما تناقلته وسائل الإعلام. وقد أشار أيضًا إلى أنه لا يوجد سلاح في هذه

الهجمات يمكن أنْ يُعد مميزًا، ويضيف قوله: "إنّ الولايات المتحدة المستهدفة في تلك الأحداث –

بكل وضوح – لم تقف إلى جانب الضحايا دائمًا". إنّ أحداث 11 سبتمبر، بحسب دريدا، مرتبطة بما يسميه مرض المناعة الذاتية، أو المرض الذاتيّ

المناعة Autoimmune Disease. فتلك الأحداث غير منفصلة – في نظره – عن الحرب الباردة (1991–1947)؛ لأنّ الذين قاموا بمهاجمة الولايات المتحدة، وذلك باستهداف البرجين التوأمين لمركز التجارة العالمي بمدينة نيويورك، والذين تنعتهم الولايات المتحدة بالإرهابين، هُم أنفسهم الذين كانت تدعمهم الولايات المتحدة نفسها في أفغانستان بالتدريب العسكري والأسلحة وغيرها أثناء حربها على الاتحاد السوفياتي. ولهذا؛ حينما نتحدث عن الإرهاب، ولا سيما أحداث 11 سبتمبر، علينا أن نستحضر الكيفية التي هيّأت بها الولايات المتحدة الأرضية، وخصّبت من خلالها الشروط لتلك

الهجمات من قبل، سياسيًّا وعسكريًّا، وذلك بتشكيلها أفرادًا يمثل أسامة بن لادن (2011–1957) قدوةً

لهم، وبعد ظهور هؤلاء فليس من المفاجئ ارتدادهم. ويضيف دريدا أنّ أحداث 11 سبتمبر كانت متوقعة قبل حدوثها، وأنّ ملامحها ظهرت في تفاصيل تقنية صناعة السينما، ولهذا لا يمكن أنْ نصبغها بصبغةِ الحدث العظيم. وهنا يمكننا طرح السؤال التالي: ما الذي يميز هذه الأحداث؟ إن ما يجعل الهجمات، التي وقعت في 11 سبتمبر حدثًا صادمًا، ليس بالفعل ما وقع في تلك اللحظة

أو في حاضر تلك الأحداث، فلو كان في الإمكان الحديث عنها داخل نطاق الحاضر فحسب، ومن

(7((جيوفانا بورادوري، الفلسفة في زمن الإرهاب: حوارات مع يورغن هابرماس وجاك دريدا، ترجمة خلدون النبواني (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.156 ((7(المرجع نفسه، ص.157 ((7(مصطلح طبي يستعمل للدلالة عن مجموعة من الأمراض تحدث عندما يفشل الجهاز المناعي للكائن الحي في التعرف على الأجزاء الداخلية للجسم وتحديدها، ومن ثمّ يتعامل معها على أنها أجزاء غريبة عنه ويبدأ بمهاجمتها، وقد استعمل دريدا هذا التعبير

كاستعارة لدلالة على أن كل مجتمع في سعيه للحفاظ على ذاته يصاب بمرض المناعة الذاتية. ومن بين الأمثلة على ذلك، يستحضر دعم الولايات المتحدة لأفغانستان ضد الاتحاد السوفياتي، عدوّها آنداك. لكن أولئك الذين دعمتهم الولايات المتحدة بالأمس، قد

يكونون هم الذين نفّذوا هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة. ((7(بورادوري، ص.157 ((8(المرجع نفسه، ص.162 ((8(المرجع نفسه، ص.231

ثمّ تكون ماضيًا لا يمكن حدوث شيء مثله في المستقبل، لكان الحداد عليها وأمر نسيانها شيئًا ممكنًا،

لكن الذي يجعلها تسيطر على عقول الناس مدةً أطول، هو عدم إمكانية الجزم أن مثل هذه الهجمات لن تقع مستقبلً، بل ربما يقع ما هو أسوأ منها، من مصدر مجهول أيضًا، وهذا ما يجعلها صدمة خطِرة، لأنها تحيل إلى المستقبل، وإمكانية وقوع ما هو أسوأ منها في المستقبل. ولهذا، يرى دريدا أن هذه الهجمات تشكل إعلان نهاية الحرب الباردة من حيث إنها إعلان لبداية عنف أخطر؛ عنف لا يمكن رصده، أو مشاهدته على نحو ملموس، خاصة مع شيوع التقنية وأدوات الاتصال، فهو يقول: "إن ما لا يقبل أن يصبح منسيًّا أبدًا هو الأثر السلبي نفسه للمناعة الذاتية. فنحن نعلم الآن أنّ الكبت بالمعنى

التحليلي النفسي وبالمعنى السياسي/ البوليسي، والسياسي/ العسكري، والسياسي/ الاقتصادي، يُنتج ويُعيد إنتاج، ويُجدد ما يسعى إلى تجريده من السلاح". وينحو هابرماس هذا المنحى نفسه عندما يؤكد أن ما يميز مثل هذا النوع من الإرهاب هو "أنه لا يمكن للمرء أبدًا أن يعرف بصورة فعلية من هو العدو"؛ إذ إن هذا التجريد الذي يجعل من تقديم أيّ تقييم لخطره أمرًا مستحيلً، هو ما يمنح

الإرهاب خاصية جديدة، ثم إن هابرماس يلتقي أيضًا مع دريدا في اعتبار أحداث 11 سبتمبر ليست بالحدث العظيم تاريخيًّا، فالجديد بالنسبة إليه هو أن هذه الأحداث لا تكمن قيمتها إلّ في القوّة

الرمزية التي تحيط ببرجَي التجارة العالميين اللذين جرت مهاجمتها. يعود دريدا لاحقًا إلى فكرة أفضلية منطق حُجّة الأقوى ليذكّرنا مرة أخرى بمخاطر انتهاك القانون

الدولي على الكلّ، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها التي تنتهك هذا القانون على نحو دائمٍ وفقًا لمصالحها؛ ما يترتب عليه تبعات وانعكاسات خطِرة؛ لأنه يؤدّي إلى إضعاف هذه القُوى العظمى التي تقوم على الأقل بدور "حارس" النظام العالمي. فالكشف عن ضعف الولايات المتحدة – هذه القُوّة

العظمى – هو في الآن نفسه كشفٌ عن هشاشة النظام العالمي برمته. ومن جهة أخرى، يذكّرنا دريدا بضبابية مفهوم الإرهاب الدولي وغموضه؛ إذ يقول: "إذا كان المفهوم أكثر غموضًا، كان من الأسهل مواءمته انتهازيًّا"، ويضيف أنه ما دام من العصي علينا إعطاء أي مدلول للإرهاب، فهذا يعود إلى عدم إمكانية اختزاله، وإذا كان من الصعب تقبل هذه الحقيقة فإن عدم تقبلها أخطر من ذلك. وبناءً

عليه، يكون تسرّعُ الأمم المتحدة وإدانتها لما يسمى الإرهاب الدولي، من دون نقاش فلسفي متعلق

به، هو ما أتاح للولايات المتحدة استخدام جميع الوسائل التي تختارها إدارتها، والتي تراها مناسبة لخدمة مصالحها. فمن دون "العودة بعيدًا إلى الوراء، ومن دون التذكير – كما نفعل غالبًا عن حق –

في هذه الأوقات، يمكن امتداح الإرهابيين كمقاتلين من أجل الحرية في سياق ما (مثلً: كفاحهم

((8(المرجع نفسه، ص.166 ((8(المرجع نفسه، ص.168 ((8(المرجع نفسه، ص.80 ((8(المرجع نفسه، ص.69 ((8(المرجع نفسه، ص.157 ((8(المرجع نفسه، ص.238 ((8(المرجع نفسه، ص.237

ضد الاحتلال السوفياتي من أجل أفغانستان)، أو التشهير بهم كإرهابيين في سياق آخر (وهم غالبًا

[ما يكونون] المقاتلين أنفسهم مع الأسلحة نفسها"). إنّ مفهوم الإرهاب إذًا، إشكالي، ويصعب تحديد إرهاب الدولة وتمييزه من أنواع أخرى من الإرهاب. ويشير دريدا إلى أنّ كل إرهاب يقدّم دائمًا نفسه على أنه ردّ فعل لفعل سابق، أو دفاع عن النفس، بمعنى أنّ من يلجأ إلى الإرهاب يبرر ذلك بأنه ردٌّ على إرهاب آخر لم يترك له حًّلًّ سوى القيام بهجوم مضاد؛ ولهذا السبب "تتهم الولايات المتحدة وإسرائيل والقوى الاستعمارية والبلدان الغنية، والسلطات ذات الأشكال الإمبريالية، بممارسة إرهاب الدولة، ولكونها (أكثر إرهابًا) من الإرهابيين الذين يزعمون أنهم ضحايا، إلخ". وفي هذا الصدد، يشير دريدا إلى عدم تناسب القوى في العالم، وعلى نحو خاص على المستويين السياسي والإعلامي، ذلك أن موت آلاف من الناس في وقت قصير جدًّا في بعض البلدان يُحدث أثرًا سياسيًّا ونفسيًّا

أقلّ من موت فرد واحد في بلد من البلدان المتقدمة يملك إعلامًا مجهزًا تجهيزًا كبيرًا. لهذا، يؤكد دريدا أنّ "جميع حالات الاضطهاد الاجتماعي أو الدولي البنيوي تُنتج رعبًا". وهذا

النوع من الرعب ليس طبيعيًّا، بل هو منظم دستوريًّا، وبذلك تكون كل أفعال الاضطهاد بموجبه خارج

نطاق دائرة الإرهاب، ثم إنّ المستفيدين من هذه الأعمال لا يوصمون بالإرهاب ولا يعاملون كأنهم كذلك، ويستحضر استنزاف الدول العظمى للبلدان الأخرى اقتصاديًّا باسم العولمة؛ ومن ثمّ يؤكد أنّ مفهوم العولمة مفهومٌ ملغوم وغامض، وأنّ دولً وطبقات قد اغتنت باسم العولمة على حساب دول

وشعوب أخرى. وفي هذا الصدد، يشير إلى موت الناس في أرجاء العالم، خاصةً في الأماكن التي جرى إفقارها وتهميشها، سواء كان ذلك من خلال المجاعات أو بالأوبئة، من دون أنْ ننسى أنّ هذه الدول التي تعيش الإفقار محرومة من بناء أنظمة ديمقراطية تحفظ ثرواتها التي تستنزفها حاليًّا الدولُ

المتقدمة اقتصاديًّا. وحتى إذا ما كانت توجد حركات تخرج لرفض هذه الأنظمة، أو هذه العلاقات

الاقتصادية، فإنه يُقطع قطع طريق الحوار معها؛ ما يُولّد العنف والإرهاب، كردّ فعل تجاه سياسة الآذان

الصماء. ويعرّي دريدا هنا جانبًا مهمًّا من الجوانب المُولّدة للإرهاب، وهو الجانب الاقتصادي؛ إذ

إن الإرهاب ليس نتاجًا لتعصب ديني محض فحسب، بل هو نتاج لاستغلال ثروات تلك الشعوب

والتحالف مع أنظمتها المستبدة ودعمها أيضًا عندما تكون وفيّة للمصالح الاقتصادية. وهي الفكرة نفسها التي يشير إليها هابرماس حينما يؤكد أن عدم التوازن في الاقتصاد العالمي الذي نتج منه استنزاف لثروات قارات بأكملها تربطه صلة بالإرهاب. كما أنّ مسألة صِدام الحضارات

((8(المرجع نفسه، ص 174. ولا ننسى في هذا السياق أنّ الذين قاتلوا لمصلحة الولايات المتحدة في أفغانستان ضد الاتحاد

السوفياتي في ثمانينيات القرن المُنصرم، هم الذين حازوا لاحقًا زمام الحُكم في أفغانستان. ((9(المرجع نفسه، ص.178 ((9(المرجع نفسه. ((9(المرجع نفسه، ص.179 ((9(المرجع نفسه. ((9(المرجع نفسه، ص.198–197

–1927(Samuel Phillips Huntington لصمويل فيليبس هنتنغتون The Clash of Civilizations

2008) تُخفي المصالح المادية للغرب؛ خاصة السيطرة على حقول النفط، ومن ثمّ وجب في نظره تدخّل السياسة لكبح جماح الرأسمالية المنفلتة من أجل ضمان السّلم داخل المجتمع الدولي.

ف "الحقيقة المحزنة هي أن نزعة الاستهلاك الغربية تنفجر كلغم موقوتٍ وسط أكثر طبقات سكان العالم حرمانًا. هذا الانفجار الاستهلاكي قد أثار – كما يرى هابرماس – ردة فعل روحية، وجد فيها كثير من الناس البديل الوحيد من الصمت والاستسلام". إنّ العولمة المتسارعة التي تتعرض لها الدول المهزومة، وخاصة دول العالم الإسلامي، والتي نتج منها انتزاع هذا العالم من تقاليده من أجل بسط السيطرة الاقتصادية عليه، هي السبب في ظهور مثل هذه الأصوليّات ذات الطابع المتعصب،

و"إذا ما نظر المرء إلى سيرة حياة هؤلاء الإرهابيين، فإنه ربما يجد أنّ خيبة الأمل من الأنظمة الوطنية الحاكمة ساهمت في جعل الدين يقدّم اليوم – من الناحية الذاتية – لغة جديدة أكثر إقناعًا من التوجهات السياسية القديمة"؛ ما يدعو إلى القول إن هابرماس ينظر إلى الإرهاب والأصولية كردة فعل على الحداثة، وهو يرى أيضًا أن العقل من شأنه أن يعالج هذه الأمراض. أمّا دريدا فإنه يرى أن ردة الفعل الدفاعية هي نتاج للحداثة نفسها، أي إنها مرض المناعة الذاتية؛ ولهذا ينصح بالصبر والتروّي أثناء

المضيّ في البحث عن علاج، والانطلاق من البحث الذاتي أولً، لأنه يرى أن العولمة لم تقم بالدور

المنوط بها تجاه الثقافات الإسلامية، وتكاد لا تكون أكثر من خدعة بلاغية يراد بها تقنيع الظلم. يعود دريدا إلى القانون الدولي، الذي يرى أن هذا القانون تواجهه مشكلتان أساسيتان؛ الأولى متعلقة ببنية القوانين والمواثيق الدولية؛ إذ يجب إعادة التفكير فيها والعمل على تجاوز ما يعتريها من نقص، في حين تكمن الثانية في عدم قدرة المنظمات الدولية على تنفيذ قراراتها، أو معاقبة الخارقين لها، من دون العودة إلى الدول القوية (ولهذا تخترق هذه الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة هذا القانون وتهيمن عليه). وهذا هو السبب نفسه الذي دفع هابرماس إلى تشبيه المنظمة العالمية بوحش من ورق. أمّا الحلّ، فهو يكمن – بحسب دريدا – في تمكين المنظمات الدولية من قوّة تستطيع بموجبها أن تكون في قطيعة على نحو مقابل للدول العظمى، تمكّنها من فرض قراراتها انطلاقًا من قوة ذاتية. يقول معلقًا على هذه الفكرة: "أنا لا أخفي الطابع ذا المظهر الطوباوي للأفق الذي أحدده على هذا النحو، أفق مؤسسة قانونية دولية أو محكمة عدل دولية، إلخ، تعتمد على قوتها الخاصة المستقلة ذاتيًّا".

((9(المرجع نفسه، ص.82 ((9(المرجع نفسه، ص.122 ((9(المرجع نفسه، ص.76 ((9(المرجع نفسه، ص.61–59 ((9(المرجع نفسه، ص.60 ((10(المرجع نفسه، ص.186 ((10(المرجع نفسه، ص.87 ((10(المرجع نفسه.

وعلى الرغم من أنه يُقِرّ بطوباوية طرحه تجاه القانون الدولي والمنظمات الدولية، فإنه يؤكّد إيمانه

بضرورة طلب المستحيل؛ أي بضرورة قيام سيادة دولية تتجاوز سيادة الدول من أجل فرض قانون يحفظ الأمن الدولي، قانون يفرض نفسه على كل الدول دون استثناء. أمّا هابرماس، فيتمنى أن تُشكّل هجمات أحداث 11 سبتمبر منعطفًا نوعيًّا يسرّع الانتقال من القانون الدولي الكلاسيكي إلى

نظام تشريع عالمي. أخيرًا، يشير دريدا إلى أن إرث الأنوار الأوروبي، غير المكتمل، ترك في الإرث السياسي الأوروبي آثارًا

في الميدان السياسي (في الدوغمائية الدينية تحديدًا)؛ ولهذا يجب أن يُجنّد الفلاسفة أنفسهم للنبش في هذا الإرث، من أجل إعادة استلهام روحه، خاصة فيما يتعلق بالإنجازات التي حققها في رسمه العلاقة بين السياسة والدين. ويرى دريدا أنه لا إمكانية لنا في اكتناه دلائل تنويرية، سواء كان ذلك في العالم العربي أو العالم الإسلامي، أو حتى في الشرق الأقصى أيضًا. وهذه، وفق منطوقه، هي النظرة الأكثر حساسية في ديمقراطية الولايات المتحدة المُسيطرة.

ب. التسامح، ضيافة مشروطة

يقتبس هابرماس من إيمانويل كانط Kant Immanuel (1808–1724) مفهومه المتعلق بالتسامح، ويقوم بإعادة تحيينه من خلال إعطائه فهمًا جديدًا يوسّع دلالته من جهة، ويُخلّصُه من كلّ حمولة دينية

ترتبط بالإحسان المسيحي من جهة أخرى. لكن دريدا يتحفّظ عن هذا المفهوم ويرفض استعماله؛ نظرًا

إلى الدلالة التاريخية الملتصقة به، فيعود إلى كانط ليقتبس منه مفهوم الضيافة، مع إعطاء هذا المفهوم نفسًا جديدًا عبر ربطه بقضايا التفكيك. ويتفق هابرماس مع دريدا في كون مفهوم التسامح ذا جذور

دينية، وفي كونه أيضًا أحاديّ الجانب، ومع ذلك نجده يقبل باستعمال هذه الكلمة؛ لأنّه في سياق المواطنة الدستورية التي ينادي بها – وهي تقوم على الحقوق المتساوية والاحترام المتبادل بين جميع الأفراد – لا يوجد أيّ امتياز لأيّ فرد بشأن رسم حدود التسامح أو بنائها على ميوله الخاصة أو انتماءاته القيمية. وبهذا المعنى، لن تبقى أي إمكانية لممارسة التسامح داخل إطار حُجّة الأقوى. وهكذا، فإنّ الدفاع عن التسامح مبرر بالنسبة إلى هابرماس في سياق جماعة ديمقراطية تضمن حقوقًا متساوية لكلّ مواطنيها من دون أدنى تمييز؛ ومن ثمّ ينتفي كلّ امتياز لفرد ما أو جماعة معينة، ولا يستطيع أحد في ظلّ هذه الشروط أنْ يحدد معالم التسامح وما يجب أن يكون عليه؛ يقول هابرماس: "إن ما يتم التسامح فيه ليس مؤسسًا من جانب واحد أو بشكل مونولوغي؛ ولكنّه منجزٌ حواريٌّ عبر التبادل العقلاني

بين المواطنين"، وذلك لأنّ الولاء في الديمقراطية الدستورية لا يكون إلا للدستور، وهذا هو القاسم

((10(المرجع نفسه، ص.187 ((10(المرجع نفسه، ص.67 ((10(المرجع نفسه. ((10(المرجع نفسه، ص.90–56 ((10(المرجع نفسه، ص.133

المشترك الوحيد الذي يتطلبه التسامح، والذي من شأنه أنْ يخلقَ تسامح المتدين مع الملحد، ويضيف هابرماس أن الهُوية الوطنية بعيدة عن أي بناء يجد أسسه في الماضي، أو في فكرة القدر المشترك. يرفض دريدا استعمال كلمة "التسامح"؛ لأنها مدموغة بحرب الأديان بين المسيحيين، وبينهم وبين غيرهم أيضًا؛ ما جعله يرى في التسامح فضيلة مسيحية، وهو أمرٌ يمنع هذا المفهوم من الانتماء إلى

الكونية. لذلك، فهو "خطاب ذو جذر ديني، إنه يقف في الأعم الأغلب في جانب القوّة دائمًا، مع

بعض التنازلات المتسامحة". ولهذا يتضمن التسامح دائمًا عتبة التسامح التي تعبّر عن الحد الذي

لا يمكن تجاوزه في التسامح، أي الحدّ الذي يمكن بعده الطلب من قومية معينة استقبال المزيد من الغرباء؛ بمعنى أن "نقبل بالأجنبي، بالآخر، بالجسد الأجنبي وصولً إلى نقطة معينة، في ظلِّ شروط محدودة جدًّا. التسامح ضيافة مشروطة حذرة ومتيقظة". ثم إن "التسامح يظلّ ضيافة مراقبة تحت الرقابة، بخيلة، غيورة من سيادتها". وهذه هي الضيافة المشروطة التي تعني "أن نقدم الضيافة للآخر على شرط أن يُراعي هذا الآخر قواعدنا، معايير حياتنا، بل لغتنا ونظامنا السياسي … إلخ". وفي مقابل ذلك، يتحدث دريدا عن الضيافة غير المشروطة، الضيافة التي لا تحدد معايير الاستقبال، والتي لا تنتظر وصول الزوار أصلً، ولا ينكر أن هذه الزيارة قد تكون في غاية الخطورة، حيث لا يُمكن التكتم عن ذلك، لكننا نجده يتساءل عن الضيافة التي لا يغالبها الخطر، والتي تمتاز بالضمانة والحماية ضد ما يعاديها. هل هي فعلً ضيافة حقانية؟ يضيف دريدا أنّه من دون فكرة الضيافة غير المشروطة، قد لا يكون لدينا مفهوم عن الضيافة عمومًا؛ أي

إننا لن نستطيع تقديم معيار للضيافة في صيغتها المشروطة: "إن الضيافة غير المشروطة، التي ليست قانونية ولا سياسية، هي شرط السياسي والقانوني". إن في الضيافة غير المشروطة التي يتحدث عنها دريدا دعوةً واضحة للانفتاح على الآخر، وذلك لا يجري إلا بتحوّلٍ يطرأ على الجماعات الدينية، بحيث لا يكون أعضاؤها مقيدين بأي نوع من

الإلزام؛ أي يكون تأسيسها قائمًا على العلاقات البسيطة بين الاختلافات، ومثل هذه الجماعة فقط،

التي لا يمكن فيها الحديث عن أيّ هُوية دينية، هي التي يمكن أن تقبل الاختلاف، فهو يرى أننا

لا نستطيع التوجه نحو الآخر إلا من خلال تفكيك الدين في حالته المعروف بها حاليًّا.

((10(المرجع نفسه. ((10(المرجع نفسه، ص.204 ((11(المرجع نفسه. (11((المرجع نفسه،.205 ص ((11(المرجع نفسه، ص.249 ((11(المرجع نفسه، ص.205 ((11(المرجع نفسه. ((11(المرجع نفسه، ص.206 ((11(المرجع نفسه، ص.243 ((11(المرجع نفسه، ص.241

يوجد نوعان للضيافة؛ ضيافة مرتبطة بالحق مثل: حق الهجرة واللجوء، وهذا ما يجعل منها ضيافة مشروطة، وهي محكومة بمنطق الشبيه، الذي نسعى من خلاله إلى إدماج الغريب في هويتنا الخاصة؛ لأنه ببساطة ليس مرحّبًا به في اختلافه، أما النوع الثاني فهو الضيافة في ذاتها، أي الضيافة غير

المشروطة، التي تستقبل الغريب من دون رغبة في إدماجه أو إخضاعه لمنطق الشبيه، بل تحتفي به في اختلافه وغيريته، وهذا النوع من الضيافة هو المؤسّسُ للديمقراطية – إذ لا وجود لها في غيابه –

ويرى أنها ضيافة مستحيلة، لكنها الضيافة الوحيدة التي تستحق هذا الاسم. ولهذا، فإن التناقض الذي تعيشه الديمقراطية في الوقت الراهن، من خلال منظوره، هو تلك الرغبة في الانفتاح على الآخر، الذي لا يجري إلا على حساب تدمير المناعة الذاتية ضده.

ج. نقد المروقية والأخواتية

• نقد المروقية إن مفهوم الدولة المارقة يُقدّم نفسه – كما يوضح ذلك دريدا – بوصفه نموذجًا لما يجري تداوله من لدن

بعض النخب السياسية في الولايات المتحدة، وذلك على نطاق واسع وخلال عقود من الزمن. ويقابله في اللسان الإنكليزي مصطلح State Rogue الذي يعني الدولة الخارجة عن القانون، أو بالأحرى الدولة التي لا تحترم القانون الدولي، ولا تحترم مبادئ دول الحقّ والقانون. ويعتمد دريدا، في إطار مناقشات المتعلقة بالدولة المارقة، على كتابين أساسيين؛ الأول لنوام تشومسكي Chomsky Noam، وهو الدول المارقة: استخدام القوة في الشؤون العالمية Rogue States: The Rule of Force in World Affairs (2000)، والثاني لروبير ليتواك Robert Litwak، وهو الدولة المارقة والسياسة الخارجية الأميركية: سياسة الاحتواء بعد الحرب الباردة Rogue States and U.S. Foreign Policy:

).2000(Containment after the Cold War

يرى دريدا أن الدولة المارقة قائمة على منطق متمثّل في أنّ حُجّة الأقوى هي الأفضل؛ إذ نجد الولايات

المتحدة تنعت دولً عديدة بهذا الاسم، في حين أنها هي الدولة المارقة الحقيقية؛ لأنها تجسد حُجّة

الأقوى، وتخترق القانون الدولي، ثم تعود لتفرضه بالقوّة على دول أخرى، عندما يخدم ذلك مصالحها؛

لهذا يؤكد أنّ أكثر الدول مروقًا هي الدول التي تشهر هذه التهمة في وجه الدول الأخرى، وتُعلن الحرب عليها في خرق سافرٍ للقانون الدولي. ليسرد تعريف ليتواك للدولة المارقة قائلً: "إنّ الدولة المارقة هي تلك الدول التي تقول عنها الولايات المتحدة ذلك". من جهة أخرى، يلتقي دريدا وتشومسكي في فهم الدولة المارقة، ويستشهد دريدا بتحليله للحرب الأميركية على العراق (2003)، والتعامل المزدوج مع صدام حسين، الذي لم يصبح وحشًا

((11(الشابي.

(119) Jacques Derrida, Voyous: Deux essais sur la raison (Paris: Editions Galilée, 2003), p. 12.

((12(باحث أميركي متخصص في دراسات الأمن الدولي، شغل مركز نائب رئيس برنامج دراسات الأمن الدولي في مركز وودرو ويلسون الدولي Center Wilson Woodrow للباحثين في واشنطن، وهو أيضًا أستاذ مساعد في جامعة جورجتاون.

(121) Derrida, Voyous , p. 139.

إلا عندما تراجع عن خدمة المصالح الأميركية؛ ما جعل الولايات المتحدة تصف العراق بأنه دولة مارقة، لتبرير شنّ حربها عليه. • نقد الأخواتية تعتبر الظاهرة الأخواتية Fraternocratie بحسب دريدا تهديدًا للديمقراطية؛ لأنها تقوم أساسًا على

منطق الشبيه الذي يُقصي الآخر المختلف عنه؛ فهو منطق ضدّ التعدد الذي يعتبر من الأسس الضرورية لقيام الديمقراطية. إن منطق الشبيه هو ما يدافع عنه شميت، كما رأينا في مبحث سابق عن تنظيره السياسي، القائم على التمييز بين العدو والصديق، ومن ثمّ الصراع مع العدو، ذاك المختلف عن وجودنا الخاص، المهدد لوجودنا. وهكذا تصير الحرب بالنسبة إليه مبررة بفرض وجود خاص على حساب وجود آخر مختلف، وفي هذا استئصال للتعدد والاختلاف. وبناءً على ذلك، يحذّر دريدا من

الأخواتية، ويقول إن: "أحد أكثر الأسباب التي تدفعني إلى الشعور بالحذر إزاء الأخ [...] هو أن أسوأ الحروب هي حروب الإخوة الأعداء، فلن تكون حرب البتة ولا خطر بالنسبة إلى الديمقراطية القادمة إلا حيث يوجد الإخوة، وحتى أكون أكثر دقّة، ليس هناك حيث يوجد إخوة [...] ولكن هناك حيث

تُصنع أُخوة الإخوة القانون، هناك حيث تفرض نفسها دكتاتورية سياسية للأخواتية". وهذا المنطق يحكم الشعبوية كما سنرى في الصفحات الآتية. يرى دريدا أنّ الخطر قادم من هذا المنطق، فكل دعوة للقومية، أو لِهوية معينة، تنضوي تحت اسم الأخواتية لديه؛ لهذا يعبّر، على نحو واضح، عن قلقه بالقول: "سأشعر بالقلق، فيما يتعلق بالسياسة

والديمقراطية، حين أرى الإخوة تتبع على الأقل إغراء منحدر جينالوجي يقود إلى الهُوية الأصلية (الأمة) أو إلى الطبيعة، وفي جميع الأحوال إلى الولادة". وإذا كانت الأخواتية بمنزلة أجلى تعبيرٍ عن إقصاء الآخر، فإنها قبل ذلك إقصاء للمرأة. ومن المظاهر التي تزعج دريدا بخصوص مصطلح "الأخوة" تفضيل "الرجولة" ومنحها الامتياز؛ ومن ثمّ، يجري استيعاب المرأة من خلال مفهوم الأخ. وبناءً عليه، رُبّما توجد أخوة قادمة ليس فيها الأخوة، التي ستكون الوجه الآخر للأخوة؛ لأن المرأة

ستكون جزءًا منها، ورُبّما يجري ابتكار أخوة من هذا النوع، ولعلها تأتي يومًا ما. يتحدث دريدا أيضًا عن الصداقة التي يدرجها ضمن سياق مفهوم الأخ؛ فهي إذًا، ضمن منطق الأخواتية، لأنّ الصديق بالنسبة إليه مثل الأخ، أو بالأحرى الصديق هو عينه الأخ، ويكتب في مُؤَلفه سياسات الصداقة Politiques de l’amitié (1994) قائلً: "هل الصديق هو الشبيه؟ أم هو الآخر؟ يفضل شيشرون الشبيه

(122) Derrida, "Le souverain bien," p. 129. (123) Derrida, Voyous , p. 46 (124) Ibid., p. 92. (125) Jacques Julien & François Nault, Plus d’une voix: Jacques Derrida et la question théologico–politique (Paris: Éditions du Cerf, 2011), p. 205. (126) Ibid., p. 233.

(12((صفاء فتحي، "دريدا وسياسة الصداقة والعداوة: قراءة تمثيلية"، مجلة ألف، العدد 36 (2016)، ص.211

[...] 'صورتنا الخاصة المثالية'؛ نحن نراه على هذا النحو، وهكذا يرانا بكل صداقة. يعتمد شيشرون لفظ Exemplar الذي يعني صورة (بورتريه)، وكذلك لفظ النسخة Exemplum، والاستنساخ، وكذلك الأصلي والنموذج؛ إذ إنّ المفهومين (الأصل الفريد، والنسخة القابلة للاستنساخ) يتعايشان هنا، إنهما يبدوان على أنهما الشبيهان، أو يبدوان أنهما القصة كلها، إنهما شرط البقاء ذاته. بيد أننا، بحسب شيشرون، نعرض، أو نتعرف في الصديق الحقيقي إلى صورتنا، ونسختنا المثالية، وشبيهنا على نحو أفضل". يتضح أنّ الصديق يحمل المعنى نفسه للأخ أو الشبيه، وأنّ الصداقة لا تجري إلّ بين أخوين، وأنّ هذه الأخوة تقوم على إقصاء الأخت والأم، وأنه لا يمكن الحديث عن صداقة بين الرجل والمرأة، أو بين امرأتين، فالمرأة تصير أختًا والأخت تصير أخًا. وهنا يربط بين مبدأ الأخوة والفكر السياسي عمومًا؛ إذ تنعقد التحالفات السياسية بناءً على منطق الأخوة، وتكون المهمة دائمًا في تحديد العدو وقتله،

وهو ما ذهب إليه شميت. وتعليقًا على فكرة شميت نفسه يقول دريدا: "بالنسبة إلى شميت، فإن السياسي نفسه، لا أقلّ ولا أكثر، لا يمكن أن يوجد من دون وجود شخصية العدو، ومن دون إمكانية حدوث حرب حقيقية. فبفقدان العدو، سنفقد بكلّ بساطة السياسي نفسه، وهكذا سيصبح الأفق في عصرنا بعد الحربين العالميتين [...] إن اختراع العدو هو الأمر الطارئ والمثير للقلق، وهذا ما ينبغي النجاح في تحقيقه عمومًا، من أجل إعادة التسييس [...] إن السياسي نفسه، وكذلك الوجود السياسي للسياسي نفسه، يبرز فجأة في إمكانيته مع صورة العدو، هذه هي المسلّمة الشميتية، في شكلها الأولي". إن دريدا يستحضر شميت الذي نظر إلى العداوة؛ لأنّ دريدا يرى أن الصداقة منبع العداوة، ولهذا يجب تفكيك الأخواتية، التي تعود إلى الميلاد وأواصر القرابة والتآلفات العائلية من أجل السيطرة؛ لأن الديمقراطية القادمة تقوم على تفكيك الأخوة، هذه الأخوة غير الموجودة طبيعيًّا، وهي لا تبنى إلّ سياسيًّا، فهي نوع من أنواع

العقيدة. لكن الديمقراطية مرتبطة بالاختلاف؛ أي بالآخر وغيريته، بما هو ليس أنا، فهي تتحقق خارج إمبريالية الشبيه، وهي أيضًا كما يصفها دريدا "لانهائية في لااكتمالها".

2. بين الديمقراطية القادمة والشعبوية

أ. الديمقراطية القادمة

يظهر مفهوم الديمقراطية القادمة في تناولنا للعديد من الانتقادات التي وجهها دريدا إلى عدة مفاهيم وقضايا سياسية تُعدّ، في الأصل، تناقضات تعيشها الديمقراطية حاليًّا، أو عوامل تعرقل تجذير

(128) Jacques Derrida, Politiques de l’amitié (Paris: Éditions Galilée, 1994), p. 20.

((12(فتحي، ص.211 ((13(المرجع نفسه، ص.212

(131) Derrida, Politiques de l’amitié , p. 103.

((13(فتحي، ص.211 ((13(المرجع نفسه، ص.236–225

(134) Derrida, Voyous , p. 63.

الديمقراطية في عالمنا حاليًّا. ومن أهمّها التناقض بين الديمقراطية والسيادة؛ إذ يمكن أن يكون ثمة

تعارض بين السيادة والآليات الديمقراطية، خاصة عندما تُهدد الديمقراطية من أعدائها. ويضرب دريدا مث لً على هذا الأمر بالانتخابات التشريعية الجزائرية التي جرت في 30 أيار/ مايو 2002؛ إذ وضعت الحكومة الجزائرية، من خلال قرار سيادي، حدًّا للعملية الانتخابية، لمنع وصول أعداء الديمقراطية إلى الحكم (الإسلام السياسي)؛ لأنّه في مثل هذه الحالة لا يبقى للديمقراطية سوى إلغاء نفسها بنفسها (بتطبيق آلياتها) أو إلغاء آلياتها لمنع تسليم الحكم لأعدائها على نحو غير ديمقراطي. وهكذا، فإنّ من مظاهر مرض المناعة الذاتي في الديمقراطية أنها عندما تبدأ في الدفاع عن نفسها ضدّ خصومها تُهدد بذلك ذاتها، ولهذا السبب فإنها غير قابلة للتطابق مع ذاتها. يتجلّى ما سبق ذِكرُه في مجال آخر، وذلك أثناء تناولنا مفهوم الإرهاب غير المنفصل – بحسب دريدا –

عن الدول المارقة، وهو ما تولّده خلال سعيها للحفاظ على نفسها؛ لكنّ الإرهاب ينقلب عليها في عملية أطلق عليها مرض المناعة الذاتية. ولهذا، فكلّ ديمقراطية قادمة – بحسب رأيه أيضًا – يجب أنْ تُعالج قضية الدولة المارقة، واستغلال القانون الدولي من طرف عقل الأقوى؛ لأنّ الديمقراطية، في نظره، لم تعد قضية داخلية تتحقق داخل حدود معينة، بل عليها أن تسود العلاقات بين الدول. إنّ ما سبق كافٍ، في رأينا، لتفسير رفض دريدا الخطابات التي تتحدّث عن تحقق الديمقراطية حاليًّا؛ خاصة مع صاحب نظرية "نهاية التاريخ"، الفيلسوف والاقتصادي فوكوياما، الذي أعلن

"إغلاق الأبواب" أمام ظهور نظام سياسي غير الديمقراطية الليبرالية في شكلها الحالي. وبهذا، تكون الديمقراطية – على حدّ زعمه – مكتملة؛ ومن ثمّ، فهي "الشكل النهائي لأي حكم إنساني". وفي مقابل هذا التصور، يرى دريدا أن الديمقراطية القادمة تدعو إلى نقد سياسي ونضال ضد أعدائها، وضد كلّ تلك الخطابات التي ترى أن الديمقراطية متحققة وحاضرة في الوقت الراهن؛ وبالنظر إلى أنّ الديمقراطية ليست مفهومًا، فمن الممكن القبض عليه أو تحديده؛ إذ "يتعلق الأمر قبل كل شيء،

بإظهار الديمقراطية كمفهوم من دون مفهوم". فالمرونة، إذًا، هي الصفة اللصيقة بالديمقراطية من حيث مفهومها وتركيبها، والديمقراطية نفسها تأبى التحديد، وهي متعلقة باللعب والمرونة، ولهذا يرجع إليها دريدا بعد تجسيدها بالعجلة. فما هي الديمقراطية إذًا؟

((13(المثال الوارد، في هذا السياق، ليس تبريرًا لما حدث في الجزائر، فدريدا يشير فقط إلى "مأزق" الديمقراطية في تناقضها مع

نفسها، وفي استحالة تحقيق التطابق التام مع نفسها. ((13(الشابي، ص.133

(137) Derrida, Voyous , pp. 118–119.

(13((كتب فوكو ياما كتابه الشهير نهاية التاريخ والإنسان الأخير The End of History and the Last Man (1992 الذي يعلن فيه)، انتصار الديمقراطية الليبرالية على كل أنظمة الحكم الأخرى، خاصة الشيوعية. (13((فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ترجمة وتحقيق مطاع صفدي [وآخرون] (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1993)، ص.23 ((14(المرجع نفسه، ص.126

(141) Julien & Nault, p. 247. (142) Ibid.

الديمقراطية هي وعدٌ يصحح نفسه باستمرار، وهذا تصديقٌ لقول دريدا: "إننا من أجل هذا نقترح دومًا الحديث عن ديمقراطية ستأتي، وليس عن ديمقراطية مستقبلية، ولا عن ديمقراطية في الحاضر

المستقبلي". هكذا تصير الديمقراطية منفلتة من الحضور، وعصيّة على كلّ خطاب يحاول تجميدها

أو تحنيطها؛ لأنها دائمة الحركية والتغيّر في سيرورة تاريخية من عملية التصحيح الذاتي، لهذا فهي

قادمة ومؤجّلة؛ ولأنها "تبقى قادمة، وهنا يكمن جوهرها باعتبارها لا تبقى قابلة للتحسين إلى أجل

غير مسمى، ومن ثمّ دائمًا ناقصة ومستقبلية، بل منتمية إلى زمن الوعد، ستبقى دائمًا في كلّ وقت من

الأوقات المستقبلية قادمة". ونظرًا إلى كون الديمقراطية مفعمة كليًّا بهذا الإبهام والغموض، فإنها

تكون شبه نظام منفتح على تحوّله التاريخي، على نحو يكون فيه متحملً مسؤولية مرونته الداخلية،

ونقده الذاتي غير المنتهي، ويمكننا القول تحليله غير المنتهي؛ إنها تؤكد الحق في النقد الذاتي والتطوير المستمر. يقول دريدا: "الديمقراطية هي النظام الوحيد، البرَدايم الدستوري الوحيد الذي

نملك أو نأخذ بداخله – مبدئيًّا – حقّ نقد كلّ شيء على نحو عمومي، ومن بين ما يتعلق بفكرة

الديمقراطية مفهومها، وتاريخها، واسمها، ومن ذلك أيضًا فكرة البرَدايم الدستوري، والسلطة المطلقة

للقانون؛ إنها، إذًا، النظام الوحيد الذي يمتلك صفة الكونية، ومن هنا يأتي ضعفه أيضًا". بناءً على ما سبق ذكره، ليست الديمقراطية مفهومًا محددًا؛ لأنها تقبل التنكّر لنفسها، وتتعرض للنقد

الذاتي المستمر والتطور اللانهائي، وهي أيضًا محكومة بالتعدد والاختلاف، وتتسم بصفة الكونية، لكن مع الحذر من هذا المفهوم؛ وذلك لتفادي نوعٍ من المركزية الكونية، مثل فهم الكونية الذي يجري من خلاله فرض نوع من الثقافة على الآخر، ترفضه الديمقراطية القادمة. وبهذا، تكون بالفعل كونية، ومن ثمّ تكون – بحسب دريدا – هي الحلّ بالنسبة إلى المعضلات التي تواجه القانون الدولي والمنظمات

الدولية. إنها، إذًا، ديمقراطية غير مكتملة، ولن تشهد الاكتمال أبدًا، وهي ديمقراطية منتظرة أيضًا، يقول دريدا: "إن هذا الانتظار من غير أفق انتظار، وانتظار لما لا ننتظر أو لما لم نعد ننتظر، وضيافة من غير تحفظ، وترحيب موافق عليه مقدمًا بمن وصل وصولً مطلق المفاجأة، والذي لن نطالبه بأي مقابل،

ولا بأن يلتزم – تبعًا لعقود الاستخدام – بأيّ قوة من قوى الاستقبال (العائلة، الدولة، الأمة، الأرض،

التربة أو الدم، اللغة، الثقافة عمومًا، الإنسانية").

ب. نقد الشعبوية

سنحاول اختبار خطاب الشعبوية التي اجتاح بلدانًا عديدة على المستوى العالمي، بما في ذلك البلدان التي لها ماضٍ عريق في الديمقراطية، مثل بعض الدول الأوروبية، ونحن لا نودّ البحث في جذور ظهور هذا الخطاب، أو تتبع مساره التاريخي، بقدر ما نريد الكشف عن الجوانب غير الديمقراطية فيه،

(14((جاك دريدا، أطياف ماركس، ترجمة منذر عياش (حلب: مركز الإنماء الحضاري، 2006)، ص.127

(144) Derrida, Politiques de l’amitié , p. 339. (145) Julien & Nault, p. 247. (146) Derrida, Voyous , p. 127.

(14((دريدا، أطياف ماركس، ص.128

وهي الجوانب التي تحدّث عنها دريدا في نقده للديمقراطية حاليًّا، فضلً عن حديثه عن ديمقراطية

قادمة؛ إذ سنحاول تبيان جوانب من قصور مفهوم الضيافة الذي يُعدّ أحد شروط الديمقراطية في الظاهرة الشعبوية التي يقودها نوع من "رهاب الأجانب" ورفض الآخر؛ وذلك لأنها تتأسس على نحو واضح على أسس أخواتية. تنبني الشعبوية في الأساس على تصور أخلاقي للشعب، يُقسّم على إثره الناس إلى نخبة وشعب ضدّ

هذه النخبة، أو لنقل ضدّ أعداء الشعب وإرادته، وفي هذا يقول جان فيرنر مولر Müller Werner Jan: "إن الشعبوية – وهذه أطروحتي – هي تصور سياسي محدد، يرى أنّ شعبًا خالصًا ومنسجمًا يقف دائمًا

ضدّ نخب غير أخلاقية فاسدة وطفيلية، ويرى أنّ هذه النخب لا تنتمي البتة إلى الشعب". ويتضمّن هذا التمييز المتعلق بالشعب الصالح من النخب الفاسدة فكرة وجود شعب محدد ومنسجم، بل لديه إرادة عامة محددة أيضًا، وهذا التمييز الشعبوي "يرتكز على الفلسفة الواحدية والبعد الخلقي"؛ لهذا يمكن القول إن إرادة الشعب تُفهم على نحو ميكانيكي، مع المطالبة بتنزيلها – وهي إرادة متخيّلة

فحسب – على أرض الواقع، لكن هذا يظلّ أمرًا مستحيلً؛ لأنه لا وجود لمثل تلك الإرادة الموحدة

في الواقع. ويشمل عداء الشعبويين للنخبة جُل المؤسسات السياسية والاقتصادية، والثقافية والإعلامية.

ولهذا السبب، يعتقد بعض منتقدي الشعبوية أن الشعبويين عاجزون عن الاحتفاظ بالسلطة. لكن هذا الادعاء غير صحيح إذا ما استحضرنا ميزة أخرى من مميزات الخطاب الشعبوي مفادها أنّ الشعبويين عندما يصلون إلى السلطة يظلّون ينتقدون النخبة؛ في إشارة منهم إلى تدخّل أياد خفية لمنع ممثلي الشعب الحقيقيين من القيام بأدوارهم، ويستمر بذلك انتقادهم للمؤسسات. لكن هل أنّ انتقاد النخبة هو الذي يميّز الشعبوية؟ أي هل يمكن تصنيف كل من ينتقد النخبة على أنه شعبوي؟ إن الشعبوية تُركّز على نقد النخبة بلا ريب، وهذا أحد أبرز محدداتها، ولكنه محدد غير كافٍ، لهذا يرى مولر أنه وجب أنْ نضيف أمرًا آخر حتى يكتمل التحديد، وهو متمثّل في أن الشعبوية معادية للتعدد

الذي يُعتبر من أهم ركائز الديمقراطية؛ ومن ثمّ يمكننا القول إنها معادية للديمقراطية التي لن تقوم لها قائمة في ظل غياب التعدد. وفي هذا الصدد، يقول فيرنر: "ليست الشعبوية، إذًا، معادية للنخبة، ولكنها معادية للتعدد؛ لأنه إذا لم يكن الأمر كذلك، فيجب أن نصفَ كل نقد للنخبة بالشعبوية". ونظرًا إلى أن الشعبويين أعداء للتعدد، فإنهم – كما يقول عزمي بشارة – يقدّمون أنفسهم "بوصفهم

(14((يان فيرنر مولر، ما الشعبوية؟ ترجمة رشيد بوطيب (الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية، 2017)، ص.45 (14((كاس موده وكريستوبل روفيرا كالتواسر، مقدمة مختصرة في الشعبوية، ترجمة سعيد بكار ومحمد بكار، مراجعة محمود الحرثاني (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.37 ((15(المرجع نفسه، ص.32 ((15(المرجع نفسه، ص.33 ((15(مولر، ص.26 ((15(المرجع نفسه، ص.47

الممثلين "الحقيقيين" للشعب، باعتبار أنّ من لم يكونوا منهم يُعدّون "ممثلين زائفين للشعب أو أعداء

له"، بل تغدو كلّ معارضة لهم بمنزلة مؤامرة ضدّهم تدعمها قوى أجنبية. يدعو شميت، كما رأينا، في المبحث الأول من هذه الدراسة إلى استئصال التعدد من جذوره، ويذكّرنا رفض الشعبويين للتعدد بشميت الذي تتمركز رؤيته حول ديمقراطية لا تساوي بين مواطنين غير متساويين في الأصل، لأن التعدد بحسب رأيه هو بمنزلة عائق أمام سيادة قوية، ويُضعف المجتمع ويمنع انسجامه أيضًا. لهذا ينظر شميت إلى أي صوت معارض داخل المجتمع على أنه جسم غريب يهدد وحدته؛ ومن ثمّ وجب التعامل معه بأدوات التعامل نفسها مع الأعداء الخارجيين. والمنطق نفسه نجده في الخطاب الشعبوي الساعي إلى تحديد معالم شعب موحد، وإرادة عامة موحدة له. نحن أمام فهم مُغلق للسيادة،

إذًا، سيادة لا تقبل القسمة، وهذا ما ينتقده دريدا ويرى فيه تهديدًا للديمقراطية وعائقًا من عوائقها. وبالرغم من أن دريدا يدعو إلى سيادة الشعب، فإن سيادة المجتمع أو الشعب بالمعنى الدريدي، هي على النقيض من الفهم الشعبوي لهذه السيادة ولمفهوم الشعب نفسه. فسيادة الشعب، كما يراها، تكون في المكان الذي يجري فيه ضمان تعميم القيم والأفكار؛ ومن ثمّ ضمان الاختلاف، وليس السيادة بالمعنى (الاحتكاري)، أي السيادة التي تتجسد في شخص، والتي تُبنى على إلغاء التعدد والاختلاف وفرض الرأي الواحد، إنها سيادة يحكمها التناوب في المجتمع وتحكمها الحركة، وترفض أي محاولة للثبات، هذه هي السيادة الديمقراطية كما يفهمها دريدا؛ سيادة تحفظ لكلّ فرد أن يعبّر عن ذاته في

إطار الحوار والتداول، لأن الديمقراطية – كما أشرنا إلى ذلك سابقًا – محكومة بالتعدد والاختلاف، وتكتسب قيمتها من قدرتها على جعل الحكم شأنًا يتناوب عليه المنتخبون على نحو دائم، ولا يحتكره شخص أو نظام معين لذاته ويضفي عليه صفة الثبات. فهذه الصفة هي نقيض للديمقراطية؛ فلا ثابت في الديمقراطية إلا المتغير، وهذا المتغير الذي يحكم الديمقراطية يجعلها قابلة للمراجعة والحركة؛ أي قابلة لتجاوز عيوبها ونقائصها باستمرار. وفي هذا السياق يلتقي دريدا مع فهم كلود لوفور Lefort Claude للديمقراطية، الذي يعتبرها مكانًا فارغًا للسلطة، وهذا يجعل منها نظامًا يقطع الطريق دون كل محاولة لاحتكار السلطة. ويُقرّ لوفور، أيضًا، بأن الانقسام قدرُ كلّ مجتمع، ولا يتمثل حل

صراع الطبقات في نظره في تجاوز الصراع، بل في الاعتراف به، و"الحلم العقلاني بمجتمع منسجم يمثل يوتوبيا خطيرة"، وهذا على عكس ما يذهب إليه الشعبويون الذين يمارسون الحكم دومًا تحت شعار: نحن الممثل الوحيد للشعب، ولا وجود لمعارضة شرعية لنا.

(15((عزمي بشارة، في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟ (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.17 ((15(مولر، ص.123 ((15(شوقي الزين، ص.319–318 ((15(المرجع نفسه، ص.317–316 (15((رشيد بوطيب، "كلود لوفور.. عن المكان الفارغ للسلطة"، العربي الجديد، 2018/3/8، شوهد في 2022/10/1، في:

https://bit.ly/3dYBSxS

((15(مولر، ص.123–122

وهكذا تتحول الشعبوية عند الوصول إلى الحكم إلى نظام سلطوي، عبر السيطرة على مفاصل الدولة، ورشوة الأتباع، وقمع المجتمع المدني، ولكن ما يميزها من الأنظمة السلطوية الأخرى أنها تُغطي كلّ هذا بالمبادئ الأخلاقية للشعبوية، وتمرره باسم الديمقراطية؛ إذ يعمل الشعبويون على إضعاف قدرة معارضيهم، وذلك عبر سنّ قوانين جديدة تسمح لهم باحتكار المشهد السياسي، مثلما يحدث مثلً في عدّة دول من أميركا الجنوبية وغيرها. وإضافة إلى نزوع الشعبويين إلى احتكار السلطة وتبنييهم خطابًا أخلاقيًّا فيما يخصّ تحديد هُوية

الشعب، فإنهم يستعملون تمييزات أخرى لدعم تحديد هذه الهوية، خاصة عند وصولهم إلى السلطة؛ إذ يظهر التمييز العرقي من خلال خطاباتهم العنصرية ضدّ المهاجرين والأقليات، لأن الشعبوية فكر يدافع عن نزعة أغلبية متطرفة ويدعم ديمقراطية معادية لليبرالية؛ أي إننا نكون أمام ديمقراطية محكومة بدكتاتورية الشبيه، فهي تنبني على أسس الأخواتية، هذا الخطر المهدد للديمقراطية، الذي حذّر منه دريدا كما رأينا سابقًا؛ ما يجعل الشعبوية تهاجم حقوق الأقليات، وترفض كل المؤسسات التي تسعى لحماية تلك الحقوق، وباختصار "إن الشعبوية تحتفي بالسيادة الشعبية وحكم الأغلبية بقوة، ولكنها تعارض حقوق الأقليات". لهذا، يمكن القول إن الشعبوية من أخطر الخطابات الأخواتية، فهي ضدّ التعدد ومع إقصاء الغريب أو غير الشبيه؛ إذ إنها تنضوي ضمن ما سمّاه دريدا "سياسات الصداقة" التي تشكل خطرًا حقيقيًّا على الديمقراطية، ما دامت أعتى الحروب وأشرسها

تُخاض أينما وجد الأخ، أو على نحو أوضح عندما يحتكر الإخوة القانون والتشريع، كما رأينا سابقًا. وفي هذا الصدد، يقول دريدا: "كنت دائمًا حذرًا حيال طائفة الهُوية، كما هو الشأن بالنسبة إلى الطائفية، التي غالبًا ما تكون مصاحبة لها. أبحث دائمًا عن التذكير بافتراق السياسي والإقليمي [...] أشاطركم

إذًا قلقكم تجاه منطق الطائفية". وإذ يُحذّر دريدا بشدّة من خطر الأخواتية، ومن خطاب الطائفية والعودة إلى الهوية الأصل، فإنه يؤكد أنه يجب "أخذ مسؤوليات سياسية تأمرنا بنوع من التضامن مع أولئك الذين يحاربون ضدّ هذا أو ذلك الشكل من التمييز، ومن أجل الاعتراف بهُوية قومية أو لغوية مهددة أو مهمّشة أو غير مشرعة، أو عندما تتعرض طائفة دينية للقمع"؛ أي إن التضامن يأتي عندما تمارس أغلبية ما دكتاتوريتها على أقلية معينة، ويضيف دريدا قوله: "الطائفية والدول القومية هي بمنزلة النماذج الأكثر بدهية لهذا الخطر، ومن ثمّ فهي نماذج لحدود هذا التضامن".

((16(المرجع نفسه، ص.74 ((16(موده وكالتواسر، ص.122 ((16(المرجع نفسه، ص.35 ((16(المرجع نفسه، ص.133 ((16(المرجع نفسه.

(165) Jacques Derrida & Elisabeth Roudinesco, De quoi demain... Dialogue (Paris: Librairie Fayard; Éditions Galilée, 2001), p. 40. (166) Ibid., p. 44. (167) Ibid., p. 45.

وما دامت الشعبوية أوضح شكل من أشكال الأخواتية، فإنها أيضًا ترفض بعدائها للأقليات والمهاجرين مفهوم الضيافة الذي يعدّ شرطًا للديمقراطية. وفي حين يدعو الشعبويون إلى إقصاء الآخر وعدم القبول به، يرى دريدا أن الضيافة المنشودة في الديمقراطية يجب أن تكون خالصة أو غير مشروطة؛ إذ يُفترض

أن يكون الزائر غير مدعوٍّ حيث أكون أنا السيد، في بيتي، وأرضي، ولغتي، أي حيث كان عليه – بحسب

قواعد الضيافة المشروطة – أن يخضع للقواعد التي يسنّها المضيف. وبعبارة دريدا، فإنّ "حسن الضيافة

الخالصة" هي "أنْ أترك بيتي مفتوحًا للزائر غير المتوقع، الذي يمكن أن يكون غريبًا، أو حتى غريبًا خطِرًا،

والذي يمكن أن يأتي بالشرّ معه. ليس حسن الضيافة الخالصة واللامشروطة من المفاهيم السياسية أو

القانونية"، وما دامت الضيافة المحضة، أو اللامشروطة، غير قانونية وغير سياسية كذلك؛ أي ما دام كلّ مجتمع منظّم لا بدّ له من أن يتسم بالسيادة، حيث القوانين تؤطر الأرض: الثقافة، واللغة، ثم القومية،

فإنه بالنسبة إلى عائلة، أو أمة تسعى للتحكم في ممارسة حسن الضيافة، يجب أن تسعى لتحديد تلك الشروط باستحضار أفضل النيات، ثمّ إن الضيافة اللامشروطة لا تخلو من بعض المخاطر أيضًا. بتعبير

آخر، يدعونا دريدا إلى التشبث بالضيافة اللامشروطة؛ فمن دونها، لا توجد ضيافة أو حسن ضيافة، بالرغم من استحالة وجود مثل هذا النوع من الضيافة في القانون أو السياسة. ثمة فكرة أخرى تميز الخطاب الشعبوي هي فكرة "الزعيم المطاع" القوي والقادر على استعمال العنف، وهذا يذكّرنا بصاحب السيادة عند شميت الذي يملك القرار في لحظة الاستثناء، والذي يجمع في يده كل السلطات، والأمر نفسه نجده في الشعبويات "المرتبطة عادة بزعيم قوي (رجل) يدعمه الناس بفضل جاذبية شخصيته الكاريزمية، لا بفضل أيديولوجية برنامجه". لهذا، لا يحتكر الزعيم الدور المركزي في الحركة السياسية فحسب، بل يصير ممثلً لهويتها السياسية أيضًا؛ ومن ثمّ ترفض المؤسسات الديمقراطية التي جاءت بها الديمقراطية الليبرالية، والتي يجري من خلالها تقييد

صلاحيات الحكام، حتى لا تُجمع السلطات في يد شخص واحد، لكن الشعبوية ترفض كلّ هذه المؤسسات التي تقيد (إرادة الشعب الصالح) المتخيلة. وهكذا يمكن القول إن الشعبوية مونقراطية Monocracy تُعبّد الطريق للاستبداد، والإرهاب الذي يقوم على اجتثاث الاختلاف الموجود بين

الناس؛ أي استئصال فرديتهم وتجريدهم من استقلاليتهم.

خاتمة

يسعى الغرب، منذ تفكُّك الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين، لتأكيد أنّ الديمقراطية الليبرالية هي الشكل الأنسب والأكمل للحكم، وذلك بالنظر إلى ما حققته من رفاهٍ لشعوبها، وبالنظر إلى أنّها

(168) Ibid., p. 102. (169) Ibid.

((17(موده وكالتواسر، ص.96 ((17(المرجع نفسه، ص.72 ((17(المرجع نفسه. ((17(بورادوري، ص.40

انتصرت على النمط المنافس لها، المُتمثل في التجارب الشيوعية. لكن هذا الخطاب يُخفي حقيقة مفادها أن هذه الديمقراطية لا تشمل كُلّ دول العالم، التي لا يزال بعضها يحكم بأساليب قروسطية Period Medieval The، ثمّ إن دول الرفاه States Welfare التي تَغنّى بها هذا الخطاب صارت حاليًّا

مهددة للانفلات السريع الذي تشهده الرأسمالية، والذي بات يهدد الطبقات الوسطى والدنيا. لقد استُغِلّ هذا الخطاب كثيرًا، وتمخض عنه خطاب آخر يرنو إلى نشر نموذج أمثل لنظام الحكم، لكن

هذا الخطاب أخفى وراءه رغبة في إخضاع دول لا تُلبّي مصالح أصحابه، وأبرز مثال دالّ على ذلك هو

نتائج الحرب الأميركية على العراق (2003)، والحرب على غيره أيضًا؛ ما جعل دريدا يصف الولايات المتحدة بأنها دولة مارقة تصف دولً أخرى بأنها مارقة، ويكمن مُروقها في هيمنتها على النظام العالمي بمؤسساته، وخرقها للقانون الدولي باستمرار، بناءً على ما تمليه مصالحها. كلّ هذا يدفع إلى التشكيك في أننا إزاء ديمقراطيات؛ لهذا يُعتبَر دريدا من أبرز الفلاسفة المعاصرين

الذين كلّفوا أنفسهم عناءَ تفكيك هذه السرديات، التي تُعدّ أكبر خطر يهدد الديمقراطية، ليُبَيِّن أننا إزاء

مونقراطية يقودها منطق الشبيه وتحكمها دكتاتورية سياسية للأخواتية. فتح دريدا أفقًا جديدًا للديمقراطية عندما ربطها بالتجدد المستمر، وبالنقد الذاتي اللانهائي، ورفض حصرها في أيّ تحديد مغلق ونهائي؛ لأنّه لا وجود لأيّ صيغة مثالية لها، ثمّ إنها محكومة بالحركة الدائمة، وهي تتجه باستمرار إلى تحقيق ذاتها من دون أن يكون ذلك ممكنًا. لذلك، فهي ديمقراطية قادمة في تناقض مع السيادة، وكل خطاب يعود إلى الهوية والقومية أيضًا. وهي كذلك ديمقراطية ترفض المنطق المانوي Logic Manichaean للصديق والعدو في السياسة، وتنشد ضيافة غير مشروطة. تحدّث دريدا عن ديمقراطية بصبغة كونية؛ لأنه لا وجود لديمقراطية محلية، ولهذا لفت الأنظار إلى الشعوب التي تناضل باستمرار في سبيل تحقيق أنوارها الديمقراطية، وخصّ بالذكر البلدان العربية التي تحارب حاليًّا أنظمةً رفضت إشراك شعوبها في الحكم، داعيًا أصدقاء الديمقراطية في العالم إلى

الوقوف إلى جانبها.

References

المراجع

العربية

أغامبين، جورجو. حالة الاستثناء: الإنسان الحرام 2، 1. تقديم جوليانا سكوتو. ترجمة وتحقيق ناصر إسماعيل وساري حنفي. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2015 بشارة، عزمي. الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 2، مج 1: العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 ______. في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟ الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019

البطاط، محمد هاشم رحمة. " الفكر السياسي عند المفكر الألماني كارل شميت ". قضايا سياسية. العدد 49–48 (حزيران/ يونيو 2017:). في h 45 UCZ /3 ly. bit:// https بورادوري، جيوفانا. الفلسفة في زمن الإرهاب: حوارات مع يورغن هابرماس وجاك دريدا. ترجمة خلدون النبواني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 بوطيب، رشيد. "العقل السياسي الألماني بين 'الثقافة الرائدة' و'الوطنية الدستورية'". الفيصل (2016/7/5:). في UKoFsQ /3 ly. bit:// https التريكي، فتحي. الفلاسفة والحرب. ترجمة زهير المدنيني. بيروت: دار الروافد الثقافية – ناشرون؛ الجزائر: دار ابن النديم للنشر والتوزيع،.2015 حداد، مصطفى [وآخرون]، الفلسفة الغربية المعاصرة: صناعة العقل الغربي من مركزية الحداثة إلى التشفير المزدوج. تحرير وإشراف علي عبود المحمداوي. بيروت: منشورات ضفاف؛ الجزائر: منشورات الاختلاف،.2013 دريدا، جاك. أطياف ماركس. ترجمة منذر عياش. حلب: مركز الإنماء الحضاري،.2006 الربيعي، إسماعيل نوري. "في أصول السلطة والسيادة: بودان، هوبز، ستراوس". دفاتر السياسة والقانون. مج 6، العدد 10 (2014). الزين، محمد شوقي [وآخرون]. جاك دريدا: ما الآن؟ ماذا عن غد (الحدث، التفكيك، الخطاب). بيروت: دار الفارابي،.2011 الشابي، نور الدين. "مسألة الديمقراطية عند دريدا". ورقة مقدمة في الندوة العالمية السابعة: شغف الديمقراطية. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية وحدة البحث: التفكير في المعقولية اليوم. تونس،

شميت، كارل. اللاهوت السياسي. ترجمة رانية الساحلي وياسر الصاروط. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 ______. مفهوم السياسي. ترجمة سومر المير محمود. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2017 فتحي، صفاء. "دريدا وسياسة الصداقة والعداوة: قراءة تمثيلية". مجلة ألف. العدد).2016(36 فوكوياما، فرانسيس. نهاية التاريخ والإنسان الأخير. ترجمة وتحقيق مطاع صفدي [وآخرون]. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1993 موده، كاس وكريستوبل روفيرا كالتواسر. مقدمة مختصرة في الشعبوية. ترجمة سعيد بكار ومحمد بكار. مراجعة محمود الحرثاني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020

مولر، يان فيرنر. ما الشعبوية؟ ترجمة رشيد بوطيب. الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية،.2017 هابرماس، يورغن. "أوروبا ومهاجروها". ترجمة عثمان الشبرعال. المنتدى. العدد 1 (ربيع.)2015 هوبز، توماس. اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة. ترجمة ديانا حبيب حرب وبشرى صعب. مراجعة وتقديم رضوان السيد. الإمارات: هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، كلمة؛ بيروت: دار الفارابي،.2011 هيجل، فريدريش. أصول فلسفة الحق. ترجمة إمام عبد الفتاح إمام. القاهرة: مكتبة مدبولي،.1996 ______. فينومينولوجيا الروح. ترجمة ناجي العونلي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2006

الأجنبية

Derrida, Jacques & Elisabeth Roudinesco.  De quoi demain... Dialogue. Paris: librairie Fayard; Éditions Galilée, 2001. Derrida, Jacques. Politiques de l’amitié. Paris: Éditions Galilée, 1994. _______. Voyous: Deux essais sur la raison. Paris: Editions Galilée, 2003. _______. "Le souverain bien – ou l’Europe en mal de souveraineté."  Cités. vol. 30, no. 2 (2007). Julien, Jacques & François Nault. Plus d’une voix: Jacques Derrida et la question théologico–politique. Paris: Éditions du Cerf, 2011. Manent, Pierre. Naissances de la politique modern. Paris: Gallimard, 2007.