مراجعة كتاب الدكتاتورية الجديدة لجون كين
Book review The New Despotism by John Keane
الملخّص
والديمقراطية).2015(
* باحث في الشؤون السياسية وتاريخ الاقتصاد، من أبرز كتبه: دولة ما بعد الثورة (2012)؛ الخريف العربي: في التناقض بين الثورة
Abstract
. The New Despotism
العنوان الأصلي للكتاب: عنوان الكتاب بالعربية: المؤلف: جون كين. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:
الدكتاتورية الجديدة.
كامبردج: منشورات جامعة هارفارد.
إذا كان اليسار قد نشأ وترعرع في أوروبا طوال القرن التاسع عشر الميلادي دفاعًا عن قيم الحداثة والتطور والمساواة والديمقراطية، في منافسة مع اليمين المحافظ المتخوف من الجماهير والمتلكّئ في القبول بالمبادئ التقدمية، والمدافع عن الهرمية الاجتماعية والمؤسسات التقليدية، فإن قوى اليمين قد تأقلمت في القرن العشرين، بحيث اكتسبت القدرة على مخاطبة الجماهير من خلال إغراء الخطاب القومي والتمجيد الشعبوي، وأحيانًا حتى الدعوات الكليانية. وما بينيتو موسيليني وأدولف هتلر وفرانسيسكو فرانكو ورونالد ريغان ومارغريت تاتشار ودونالد ترامب إلا بعض الأمثلة عن قوى يمينية نجحت في حشد دعم شرائح واسعة من الفئات الشعبية، متفوقةً في ذلك على قوى اليسار في عقر دارها. انطلاقًا من هذا المعطى التاريخي، يطرح كتاب المفكّر الأسترالي جون كين John Keane بعنوان الدكتاتورية الجديدة سؤال مستقبل الديمقراطية، في ظل ما يراه من انحراف الإجراءات الديمقراطية لخدمة مبادئ غير ديمقراطية، بل حتى لتحويلها إلى مطية لممارسة نوع جديد من السلطوية التي يقدّر أنها عصية على المقاومة، بسبب تطورها وتركيبها وقدرتها على التأقلم، بل تبرقعها بحلة ديمقراطية ساحرة. وهذا ما يدفع كين، وهو أيضًا صاحب كتاب حياة الديمقراطية وموتها الذي صدرت نسخته العربية عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في عام 2021، إلى الاعتراف مرة أخرى بإمكانية موت الديمقراطية، والمطالبة بإعادة التدبّر في معانيها ومحاسنها وضرورة الدفاع عنها في سياق غير ملائم، تطغى عليه انحرافات السلطة وإغراءات السلطوية. من مصادر هذه الإغراءات ما برز في العقود الأخيرة من عيوب في الأنظمة الديمقراطية؛ ففي ظل تراجع النمو الاقتصادي في أكثر الديمقراطيات المتطورة، بدأ التركيز على ما ينخر الطبقات السياسية المختلفة من فساد، وعلى الهوة المتسعة التي تفصل أصحاب السلطة والمال ومصالحهم من جهة، ومشاغل الشعوب وهمومها من جهة أخرى. ومن ثم، تراجع منسوب التفاؤل وانتشر الإحباط. وقد انعكس ذلك على السياسة في الديمقراطيات، حتى العريقة منها؛ ففقدت الديمقراطية ألقها وجاذبيتها بسرعةٍ لم يكن أكثر المتشائمين في تسعينيات القرن الماضي ليتخيلها؛ ذلك أنه بعد فترة من التفاؤل المنفلت الذي وصل إلى حد الحديث عن نهاية التاريخ، بحسمه فائدة الديمقراطية الليبرالية، بدت عقارب الساعة كأنها تدور إلى الوراء، بحيث تشير إلى عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته. ولا يعني ذلك أن الكتاب يفترض عودة الأنظمة الكليانية بأشكالها القديمة؛ شيوعية كانت أم فاشية. ولكن المؤلف يؤكّد وجود درجات من التشابه بين ما يعيشه عالمنا اليوم، وما عرفه في تلك الفترة من انحراف بالديمقراطية إلى أشكال مختلفة من الدكتاتورية. يذكّر المؤلف بأن الديمقراطية هي نظام حكم غريب نسبيًا؛ إذ إنه يُنشِئ بنيويًا خيبة الأمل لدى الشعوب؛ ذلك أنه يعد بالمساواة في توزيع السلطة بين الأفراد، من دون أن ينجح البتة في الوفاء بهذا العهد. وهو ما يعني أن الإحباط جزء من الديمقراطية. ولذا، كان لا بد من تجنّب أن يتحول هذا الشعور إلى موجة عارمة لا تُبقي ولا تذر، كما حدث في عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته. ولقد أدى الوعي بهذه الإشكالية إلى تطوير الديمقراطية تجاوزًا لبعدها النيابي البرلماني، وذلك من خلال تعزيزها بمؤسسات رقابية شتى. وقد كانت غايتها إعادة الشباب إلى الديمقراطية بعدما عاشته من صدمات بلغت أوجها مع الأنظمة الكليانية التي خرجت من رحم الديمقراطية ذاتها، وعلى رأسها التجربة النازية وما خلّفته من دمار؛ أي إن الديمقراطية لم تعد تقتصر على الحريات السياسية والمنافسة الانتخابية الدورية؛ إذ أضحت تشترط أيضًا ضرورة محاسبة أصحاب السلطة، حتى أثناء ممارستهم إياها من خلال تفويض انتخابي، بحيث لا يتسنّى
لمن يملكها استخدام الشرعية الديمقراطية على حساب المبادئ الديمقراطية، كما حدث مع النازية في ألمانيا. لقد برز هذا البعد الرقابي للديمقراطية من خلال تبنّي حقوق الإنسان مبدأ جوهريًّا فيها، تعزيزًا لمبادئ من قبيل التعددية وحكم الأغلبية. ولئن كانت آليات الرقابة كثيرة ومتنوعة، فإن غايتها الأساسية واحدة، وهي الحيلولة دون أن تحيد السلطة عن مبادئ الديمقراطية وشروطها الأساسية. وذاك تحديدًا ما يسعى الكثير من أصحاب السلطة اليوم للتمرد عليه بحسب جون كين، ويسعون لذلك باسم الشعب وباسم إرادته. وتمثل سيادة الدولة الحجة الأخلاقية التي يُشهرها خطاب الدكتاتوريات الجديدة في وجه كل المؤسسات أو القوى المدنية، التي تحول دون حرية الفعل السياسي للقائد الذي يعرّف نفسه بأنه التجسيد الواقعي لروح تعتمل في صدور الناس. وإذا كانت هذه الروح هي المشترك المحقق للشعب، فإن النخب الحاكمة قد فشلت في التعبير عنها فشلً يرفع عنها كل شرعية ديمقراطية، ويجرّد في نظر الشعبويين الإجراءات أو المؤسسات أو منطق تقاسم السلط والتوازن بينها الذي تتعلّل به النخب الديمقراطية، من كل مشروعية. ومثلما يشير كين في هذا الكتاب، لا يكتفي أبطال هذا النمط السياسي بتبسيط الديمقراطية من أجل إفراغها من محتواها القيمي، وإنما يعملون أيضًا على تسميم المجال العام بالاتهامات والادعاءات والأكاذيب. فتكون النتيجة تردّي النقاش العام وتكبيل كل الأصوات التي من شأنها عقلنة الخطاب. ومن ذلك التشكيك في الصحافة والقضاء والعلم وكل المؤسسات التي تحدّ من حرية فعل السلطة أو تتجرأ على نقد أصحابها. وتكمن أهمية ذلك في أن تكرار هذه الممارسات يسمح لأصحابها باختصار الديمقراطية في الانتخابات التي يربحونها، والتي تتحول إلى مطيّة يستخدمونها لفرض نمط جديد من الهيمنة. ولئن اختلفت وسائل حكمهم عن وسائل الأنظمة الكليانية Totalitarians في القرن الماضي من حيث تفضيلهم الاعتماد على "القبضة الناعمة" لإقصاء الخصوم، فإن الدكتاتورية الجديدة لا تذهب إلى حد الامتناع المبدئي عن اللجوء إلى "القبضة الحديدية" حين تفرض الحاجة ذلك (ص. 155) تحتاج الشعبوية إلى الإقصاء، ولذا يبادر الشعبويون إلى إيجاد أعداء للشعب لا بد من محاربتهم؛ وبناء عليه يفقدون على هذا الأساس كل الحقوق التي يُفترض أنها مضمونة ديمقراطيًا لكل مواطن. وبطريقة أخرى، يقول الشعبوي إن شعبه النقي قد وكّله لحرب الآخرين. وما الآخرون إلا خصومه. وخصومه خصوم الشعب باعتباره قائدًا يمثل التجسيد الواقعي الوحيد لفكرة الشعب المجردة. وبطبيعة الحال، يفرض كل سياق سياسي أعداءً مختلفين، ولكنهم يشتركون في أنهم يمثلون هدفًا لخطابٍ يتبنّى شيئًا من العنف من خلال التهديد والوعيد. وهذا من عناصر الطهورية الخالصة التي تعد بها الشعبوية، والتي تدّعي أن أعداء الشعب هم الذين يحولون دون تحقيقها. وفق ذلك، يعتبر كين أن الشعبوية من مخرجات الديمقراطية؛ إذ تحتاج إلى الحريات السياسية، وخاصة منها حرية التعبير والتنظم السياسي، من أجل إثارة الشعب ضد النخب. ولكن خطابها يحمل بذور تدمير الديمقراطية؛ روحًا وقيمًا ومؤسسات. ومن ذلك أن طهورية الخطاب الشعبوي تمنع الاختلاف والتعددية بقدر ما تُضعِف احترام المؤسسات الرقابية ومختلف ضمانات تقاسم السلطة والتوازن بينها. ولكنه خطاب يروق للجماهير؛ أي إنه قادر على الحصول على التأييد الانتخابي، بما يفسح المجال لتحويل الديمقراطية إلى مطية لفرض ما يسميه جون كين "الدكتاتورية الجديدة". يقترح المؤلف أسبابًا كثيرة لتفسير ما أصبحت تتسم به السلطوية من إغراء. ويرى أن أهمها يعود إلى تراجع جاذبية الديمقراطيات العريقة بسبب
فشلها في التعبير الأمثل عن قيمها. ومن ذلك انتشار الفوارق الاجتماعية الصارخة في ظل هيمنة النيوليبرالية، منذ ثمانينيات القرن الماضي. وقد أظهرت الأزمة المالية العالمية في عام 2008 حدود المحاسبة الديمقراطية في بلد كالولايات المتحدة الأميركية؛ إذ إن القرار السياسي قد سارع إلى نجدة القطاع البنكي، بما أكّد الانطباع السائد لدى الجمهور بأن السلطة السياسية مسلوبة الإرادة أمام أوساط المال والأعمال. وما عجزها عن إيجاد حلول عادلة للأزمة إلا دليل على أنها لا تعبّر حقيقةً عن إرادة الشعب؛ أي إن الإجراءات الديمقراطية قد انفصلت عن المخرجات الديمقراطية، بحيث هوت إلى مجرد ممارسة شكلانية تضمن التداول الحزبي من دون أن توفّر التعددية السياسية الفعلية. في مثل هذه الظروف، يزداد اغتراب الناخبين؛ فإذا كانت الديمقراطية الانتخابية تؤسس لخيبة الأمل بما أنها لا تضمن مساواة فعلية في امتلاك السلطة، فإن غياب التعددية السياسية الحقيقية فيها يُنهي عمليًا قدرة الناخبين على التأثير في السياسات. ومن ذلك أن هيمنة النيوليبرالية قد قرَّبت برامج أحزاب الحكم المختلفة بعضها من بعض، بحيث فقدَ تغييرُ الحكومات أيّ أثر تقريبًا في حياة الناس. وفي ظل تراكم الإحباط وخيبات الأمل، أصبحت الطريق معبّدة للخطاب الشعبوي الذي يوهم بالتعبير عن إرادة الشعب، ويَعِد بتنزيلها في الواقع، من خلال تبسيط الديمقراطية ومحاربة كل القيود المؤسساتية والإجرائية التي تتخفى النخب وراءها حمايةً لمصالحها وتجنبًا للتغيير الحقيقي. إنه سياق يدعو أيّ شخص يؤمن بالديمقراطية إلى القلق والحيرة. ففي رحمها تنمو اليوم بذور الديماغوجيا وتتصاعد الأصوات المشككة في جدوى التعددية الحزبية والتوازن بين السلط ومختلف هيئات الرقابة؛ ذلك أن الرغبة في التغيير السريع قد فاقت عند الكثيرين الخوف من انحرافات السلطة. وحتى مبدأ استقلالية القضاء، أصبح محلّ مساءلة وتشكيك؛ إذ إنه يُقدَّم على أنه مخالف لإرادة الشعب، باعتبار أن القضاة هم من النخب التي تحكم وفق مبادئ متعالية، لا تتلاءم مع مشاعر الشعب الذي أصبح يعتبر أن أعداءه هم من يستفيدون من هذه المبادئ. ومن هؤلاء المستفيدين؛ الفاسدون والأجانب والأقليات. إذا كانت هذه العناصر قد أدت إلى تراجع الديمقراطية في ما يخصّ قدرتها على تحقيق العدالة، فإنها فقدت جاذبيتها أيضًا، بسبب ظهور منظومات في الحكم منافسة لها من حيث النجاعة. وهو ما يعني عمليًا أن الديمقراطية خسرت أقوى حججها باعتبارها قد ارتبطت في مخيلة الشعوب بالتطور الاقتصادي والرخاء المادي والعدالة الاجتماعية. فالصين، مثلً، حققت خلال العقود الثلاثة الأخيرة نجاحات اقتصادية غير مسبوقة من حيث نسقها واتساع مجالها، بل إنها أصبحت قادرة على منافسة الولايات المتحدة حتى على المستوى الجيوسياسي. تلك نجاحات تروّجها بيجين على أنها انعكاس لنجاعة نظام الحكم وحسن استغلال السلطة وعقلنة استخدام الموارد، وذلك في مقابل ما تعانيه الديمقراطيات، خاصة غير العريقة منها، من ضعف الفاعلية وإهدار الجهد وتهافت الوعود وانتشار الفساد. تكمن أهمية كتاب الدكتاتورية الجديدة في كونه لا ينكر أن لهذه المقارنة ما يبررها، بل إن الفكرة التي تمثل الخيط الناظم لمختلف عناصره هي أن الدكتاتوريات الجديدة قد تطورت تحت ضغط الهيمنة الثقافية للديمقراطية، بما جعلها تكتسب صلابة كبرى وفعالية عالية تتجاوز ما يتخيّله الديمقراطيون المطمئنون لأفضلية الديمقراطية واستقرارها الداخلي، في مقابل ما يؤمنون به من حتمية انهيار السلطوية تحت تأثير تناقضاتها الداخلية (ص. 18). ومن ثم تأكيد الكتاب على ضرورة دراسة هذه الأنظمة والحاجة الملحّة إلى معرفة مكامن القوة والضعف لديها، بعيدًا عن الأحكام
المسبقة والإجابات السهلة. لقد انتهى بالفعل عهد الدكتاتوريات الرثّة والزعامات المغرورة والزبونيات المارقة والفاشيات الكليانية. فعلى النقيض من هذه النماذج الفاشلة، تقف الدكتاتوريات الجديدة. ومن سماتها حرصها على أن يزدهر مواطنوها اقتصاديًّا، وعلى أن يبقى معظمهم منشغلً بالأولويات الاستهلاكية، بعيدًا عن السياسة أو المشاغل العامة؛ أي إن هذه الأنظمة تشترك مع الديمقراطية في سعيها إلى إنشاء طبقات وسطى عريضة، تكون دعامة لاستقرار منظومة الحكم، ولكن من دون أن تتحول إلى المطالبة بالحريات السياسية كما تتمثلها الديمقراطيات. إنها أنظمة تحرص على الحفاظ على ولاء شعوبها (ص. 65)؛ فهي تعلم أنها لا تستطيع أن تفرض الخضوع بالعنف، أو على الأقل أن قدرتها على فعل ذلك محدودة. إن الدكتاتوريات الجديدة، كما يصفها جون كين عبر أمثلة كثيرة في العالم العربي وأميركا اللاتينية وأفريقيا وغيرها، هي أنظمة تأمل في تكريس نوع من الاستسلام الجماعي أو العبودية الإرادية (ص. 73). ومن أجل إدراك هذه الغاية، لا ترفض هذه الأنظمة الاعتراف بمشاكل شعوبها، ولا تتردد في الاهتمام بمشاغل الناس. وعلى العكس تمامًا، فهي تعمل على إيجاد وسائل تنبيه واستباق في بنية السلطة نفسها، بحيث تتسنى معرفة مشاغل الناس والمسارعة في الاستجابة لها قبل أن تتطور إلى الغضب. ومن ذلك ما أقدمت عليه دولة مثل الإمارات العربية المتحدة من إنشاء وزارة للسعادة، وغايتها حماية المزاج العام من خلال تجنّب كل ما قد يعكّر صفو المزاج الخاص. ومن دون الوصول إلى هذا الحد، تهتمّ جلّ هذه الأنظمة كثيرًا بنتائج استطلاعات الرأي والدراسات السوسيولوجية ومختلف مخرجات مخابر البحث المختصة، بحيث تستجيب لتطلعات الرأي العام من دون الحاجة إلى آليات الرقابة الديمقراطية (ص. 75). بل إن هذه الآليات قد أمست تقدّم على أن وجودها هو من معوّقات الاستجابة السريعة لتطلعات الناس أو التحقيق الفعلي لإرادة الشعوب. بهذا المعنى، يأتي هذا الكتاب تحذيرًا من خطر استمرار أفول نجم الديمقراطية وصعود أسهم السلطوية، وخاصة أن ذلك يحدث، بحسب المؤلف، في غفلة من الديمقراطيات والديمقراطيين (ص. 231). وإذ يرفض صاحبه التبسيط الذي يمجّد الديمقراطيات ويقبّح الدكتاتوريات، فإنه يبيّن أيضًا ما حققته بعض الأنظمة السلطوية من نجاحات في تأصيل شرعية حكمها في إرادة الشعب؛ أي إنها أصبحت تنافس الديمقراطيات حتى على الصُعد المعيارية، وذلك من خلال نقلها مبدأ تمثيل إرادة الشعب من تعقيد المنظومات النيابية والمؤسساتية إلى تبسيط طقوس التجسيد وشخصنة السلطة. وإذا كانت النخب تفضّل التركيب، فإن الجماهير تميل إلى التبسيط. المهم عمومًا أن السلطوية لم تعُد كما كانت من قبل في تناقض صارخ مع مبدأ سيادة الشعب. فالقائد فيها يرفض التعالي النخبوي، ويعمل من خلال سلوكه وخطابه على التعبير عن أولويات الناس. والقيادة تمارس السلطة تحقيقًا لإرادة الشعب، بمعنى الاستجابة لرغباته. يدعو جون كين ضمنيًا كل الديمقراطيات إلى أن تكون أفضل مما هي عليه حاليًا؛ إذ يقدّر أن مستقبل الديمقراطية رهين بمدى قدرتها على استعادة ألقها من خلال الوفاء لمبادئها. وذاك السبيل الوحيد الذي يراه لمكافحة إغراء السلطوية داخل البلدان الديمقراطية، وللتفوق على الدكتاتورية الجديدة خارجها. ويمرّ ذلك بحسب رأيه من خلال فهم ومعالجة لأبرز العثرات التي وقعت فيها الديمقراطية، وهي قطيعة الأحزاب السياسية مع الناس، والفوارق الاقتصادية والاجتماعية المتصاعدة، وتراجع جودة الخطاب في المجال العام وكل السلبيات التي أفقدت الديمقراطية ثقة الناس بجدوى إجراءاتها وعدالة مؤسساتها.