الفلسفة واللاهوت: صيرورة الفلسفة من خادمة اللاهوت إلى تفكيك أنساقه
The Evolution of Philosophy from Serving to Dismantling the Systems of Theology
الملخّص
تسعى هذه الدراسة لتبيان قضية مفادها أن الفلسفة في الأزمنة الوسيطة، رغم كونها عملت خادمةً للحقيقة اللاهوتية، فإن هذه الخدمة لم يكن يطبعها الخنوع التام والطاعة الكاملة لأوامر اللاهوت. فقد كانت دومًا تتخذ القرارات بنفسها، وكان لها مكنة وقوة بارزتان على الاقتراح، فإليها يرجع الفضل في التنشئة العقلانية الرصينة التي حملها الكثير من علماء اللاهوت في تلك الأزمنة. لكن مع ذلك، كانت الفلسفة مضطرة، بصورة أو بأخرى، إلى اتخاذ وضعية "انتحال صفة الخادمة"، حتى يتسنى لها الاندماج في سيرورة المعرفة البشرية التي أصبحت ترتحل إلى الأديرة، بفعل انهيار الإمبراطورية الرومانية. فهل كانت الفلسفة فعليًا خادمة عادية للاهوت، كما هو شأن الفنون والعلوم والسياسة ... إلخ في تلك الحقبة؟ ولماذا قبلت الفلسفة بوضعها خادمةً؟ ما قيمة ترددها في تنفيذ أوامر اللاهوت وهي في هذه الوضعية؟ قد يبدو من العنوان أن هذه الدراسة أقرب إلى أن تكون تاريخية، منها إلى أن تكون فلسفية، لكن البحث لا يستحضر الأحداث التاريخية إلا في الحالة التي تكون فيها حاملة لموقف فلسفي أو ثيولوجي.
Abstract
Abstract: This study demonstrates that while philosophy did function as the servant of philosophy, it was still able to move independently, bestowing rational values upon theologists. Philosophy was however forced into serving theology in order to be integrated into the process of human knowledge accumulation that fell into the hands of monks following the collapse of the Roman Empire. Did Philosophy really, like art, science, and politics, merely serve theology? Why did Philosophy undertake this role? Why was Philosophy reluctant in its servitude? This inquiry may seem more historical than philosophical, but history will be invoked only when it carries a theological or philosophical burden.
- الفلسفة
- اللاهوت
- الأزمنة الوسيطة
- خدمة اللاهوت
- تفكيك النسق
- Philosophy
- theology
- medieval times
- theology service
- system deconstruction
عملت خادمةً للحقيقة الاهوتية، فإن هذه الخدمة لم يكن يطبعها الخنوع التام والطاعة
الكاملة لأوامر الاهوت. فقد كانت دومًا تتخذ القرارات بنفسها، وكان لها مكنة وقوة بارزتان
على الاقتراح، فإليها يرجع الفضل في التنشئة العقانية الرصينة التي حملها الكثير من علماء
الاهوت في تلك الأزمنة. لكن مع ذلك، كانت الفلسفة مضطرة إلى اتخاذ وضعية "انتحال
صفة الخادمة"، حتى يتسنى لها الاندماج في سيرورة المعرفة البشرية التي أصبحت ترتحل إلى
الأديرة، بفعل انهيار الإمبراطورية الرومانية. فهل كانت الفلسفة فعليًا خادمة عادية لاهوت،
كما هو شأن الفنون والعلوم والسياسة... إلخ في تلك الحقبة؟ ولماذا قبلت الفلسفة بوضعها
خادمةً؟ ما قيمة ترددها في تنفيذ أوامر الاهوت وهي في هذه الوضعية؟ قد يبدو من العنوان أن
هذه الدراسة أقرب إلى أن تكون تاريخية، منها إلى أن تكون فلسفية، لكن البحث لا يستحضر
الأحداث التاريخية إلا في الحالة التي تكون فيها حاملة لموقف فلسفي أو ثيولوجي.
مقدمة
حينما نطّلع على جل كتابات علماء الاهوت في الأزمنة الوسيطة المسيحية، نصادف عبارتين تتكرران كثيرًا، حتى أصبحتا بمنزلة الحقيقة المعبّرة عن العصر الوسيط برمّته، والقصد ههنا يقع
على العبارة الأولى المكتوبة في سفر إشعياء "إن لم تؤمنوا فلن تفهموا"؛ أي: "فلن تتعقلوا"، والعبارة الثانية التي تمخضت عن هذه الآية، وارتبطت بها هي: "الفلسفة خادمة الاهوت". كانت لمعظم فاسفة الأزمنة الحديثة، مواقف تتسم بالغلظة الشديدة تجاه الفلسفة الوسيطة، ومردّ ذلك إلى ما انبثق من العبارتين من أفكار ومذاهب كادت – في نظرهم – أن "تحجب الفلسفة عن الأنظار" إلى الأبد. غير أن هذا الموقف يفتقر إلى الواقعية، بسبب مجانبته الصواب؛ فالفلسفة لم تكن، عند رجل الدين المسيحي، في القرون الأولى المسيحية، وفي العصر الوسيط تحديدًا، مستساغة كخطايا الناس. قد ينطبق هذا الحكم على مجالات أخرى كالفنون والعلوم والسياسة وغيرها، فنقول ب حرج إن الفن خادمٌ لاهوت، سواء تعلّق الأمر بالنحت والرسم، أو في مجال الموسيقى والشعر والترانيم. فبفضل الفن ازَّينت المؤسسة الكنسية، وساعدها المسرح في الاندماج في المجتمع الذي لا تزال تسري في أعماقه الثقافة الرومانية القديمة. ويمكن الإقرار ههنا أن العلم بصورةٍ ما كان خادمًا مطيعًا لاّهوت، من فيزياء كلوديوس بطلميوس Ptolemy Claudius (170–100 م) إلى علم النحو. فما كان في القدرة تشييد كنيسة القديس سمعان بطرس Peter Simon لولا البراعة المعمارية التي اتسم بها المهندسون آنذاك؛ تلك البناية التي تترك في نفوس بعض الناس رهبة وإحساسًا بعظمة البابا. وهذا الحكم يسري كذلك على السياسة، فقد خدمت الاهوت جدًا، من حيث كونها نظرية في الحكم ووسيلة للحفاظ على السلطة والاستقرار السياسي. كل هذه المجالات انسجمت مع الاهوت المسيحي من دون أن يثير ذلك أيّ تناقض منطقي، أو مشكلة أخاقية أو فكرية. وربّ معترضٍ يقول إن الاهوت والسياسة شهدا صراعًا محتدمًا في أوروبا خال العصر الوسيط. وهذا أمر حصل بالفعل، لكنه لم يبدأ – إذا استثنينا تنازع البابوات والكرادلة؛ أي الاهوت مع نفسه – إلا في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، حينما حاولت بعض الإمارات الانفصال عن السلطة المركزية للبابوات في روما، بمعنى أن هذا الصراع لم يتأجّج إلا بعد وقوع تحولات فكرية واجتماعية في أوروبا، إبان النهضة الإنسانية Renaissance humanism؛ أي عندما خرجت الفلسفة من ضيق الأديرة
(((ينعت الفيلسوف الفرنسي بول ريكور Ricœur Paul (2005–1913) هذا المقطع الوارد في سفر إشعياء ب "الدائرة الهيرمينوطيقية"
herméneutique cercle Le؛ لكثرة ما خاض فيه المتأولون، واستخدمه رجال الاهوت والفلسفة بمعانٍمتباينة. ينظر: بول ريكور،
صراع التأويلات: دراسات هيرمينوطيقية، ترجمة منذر عياشي، مراجعة جورج زيناتي (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2005)، ص.448 (((إميل برهييه، تاريخ الفلسفة: العصر الوسيط والنهضة، ترجمة جورج طرابيشي، ط 2 (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1988)، ج 3، ص.8 (((تاريخيًا، نحن نتحدث ههنا عن ثاث نهضات في أوروبا؛ الأولى حصلت في القرن التاسع للمياد مع شارلمان Carolus
Magnus (814–748) (النهضة الكارولنجية Renaissance Carolingian)، والثانية في القرن الثالث عشر مع انتقال الفلسفة العربية والإسامية إلى أوروبا (التصنيفات المذهبية الكبرى)، والثالثة هي نهضة القرن الخامس عشر (النهضة الإنسانية.)
وصوامع القديسين إلى سعة المكتبات والمدارس والجامعات. وكذلك شأن العلوم والفنون والآداب؛ لم تنهض إلا بعد تجلّي مامح تحوّل الفلسفة من كونها خادمة إلى سيدة. تمكّن الاهوتيون من استمالة الفن والعلم والسياسة لخدمة مصالحهم، وتوظيفها خدمًا مطيعين على نحو مستميت، واستطاعوا من خالها أن يقاوموا أحو لً كادت تعصف بسلطتهم، فساعدتهم على الاستمرار والانتشار والاندماج داخل ثقافة المجتمع، حتى في أسوأ مراحلها، خصوصًا عندما لجؤوا إلى أساليب البطش والاستغال، من قبيل صكوك الغفران Indulgence وإدانة الهراطقة Heresy وإعدامهم، وتأسيس محاكم التفتيش Inquisition. وكانوا ينظرون إلى هذه العلوم – إلى حدود القرن الخامس عشر – بوصفها أشبه بأبناء بررة، لا خدمًا فحسب، وفي الوقت نفسه كانت الفلسفة ابنة عاقة، وخادمة غير مؤتمنة، لكنها ضرورية، بفضل ما تمدّهم به من آليات لاستدلال والنظر، يتعسّر العثور عليها في أيّ حقل آخر، مهما عظم شأنه. بل لكي تتطور العلوم الأخرى، كان لا بد لها من أن تنهل من الفلسفة؛ فهي كالدماء التي تسري في عروق الصنائع والعلوم كافة، التي من ضمنها الاهوت ذاته. طوال العصر الوسيط، لم تكن الفلسفة بالخادمة الساذجة التي تنفّذ الأوامر من دون تردد، ومن دون أن يكون ذلك قد أثار جدلً واسعًا. وما يفسّر ذلك هو الهجوم الذي تعرّضت له في مناسبات كثيرة،
وهُدد المشتغلون بها بالطرد مرات عديدة؛ وما من مأوى آخر للفلسفة في أوروبا العصر الوسيط غير الأديرة. فما قيمة ترددها في تنفيذ أوامر الاهوت وهي في وضعية الخادمة؟ لماذا قبلت في الأصل بهذا الوضع؟ أليست الفلسفة منذ عهد سقراط Socrates (99–4703 ق.م)، ضربًا من التفكير العقاني الذي يرفض الإطاقية والتطرف وادّعاء امتاك الحقيقة المطلقة؟ أيّ نوع من الخادمات كانت عليه الفلسفة؟ وما الذي يجبرها على ذلك؟ ماذا كان سيحدث لو رفضت الفلسفة المهمة الجديدة؛ "الخادمة"؟ ألا يمكن أن يكون ذلك قدرًا محتومًا يؤدي إلى نهايتها؟ سبق لزمرة من الدارسين في العالمين العربي والغربي أن تناولوا هذا الموضوع من زوايا مختلفة. نذكر ههنا، على سبيل المثال، دراسة للفيلسوف الكندي جون غرودان بعنوان "الدين في الفلسفة، والفلسفة في الدين"، نُشرت في مجلة لاهوتي، بيّن فيها أساس التقاطعات والتداخات بين الدين والفلسفة،
ودراسة تاريخية وتحليلية للمفكر العربي عزمي بشارة، وذلك في المجلد الأول من الجزء الثاني من كتابه المهم الدين والعلمانية في سياق تاريخي. وتبيّن هذه الدراسة الوقائع التاريخية كافة، والأحداث
الفكرية التي أدت إلى العلمنة في الغرب. وفي السياق ذاته، نشير إلى بحث آخر قيّم للمستشرق
والمؤرخ الفرنسي أمابل جوردان (1818–1788)، بعنوان "أبحاث نقدية حول تاريخ وأصل الترجمات الاتينية لأرسطو، وحول الشروح اليونانية والعربية المستخدمة من لدن الدكاترة المدرسيين". ورغم
(4) Jean Grodin, "La religion dans la philosophie et la philosophie dans la religion," Théologiques , vol. 27, no. 1 (2019).
(((لاطاع، ينظر: عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 2، مج 1 العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية: (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2015
(6) Amable Jourdain, Recherches critiques sur l’âge et l’origine des traductions latines d’Aristote et sur des commentaires grecs et arabes employés par les docteurs scolastiques (Paris: Joubert, 1843).
قدم هذه الدراسة، فإنها ما زالت تكتسي أهمية كبيرة في تاريخ الفلسفة الأوروبية. ونضيف في هذا الإطار كتاب الباحث المغربي علي بن مخلوف، الذي حمل عنوان لماذا نقرأ الفلاسفة العرب: التراث
المنسيPourquoi lire les philosophes arabes? L’héritage oublié، أبرز فيه منزلة الفلسفة
العربية الإسامية في التاريخ الإنساني (وليس الأوروبي فحسب). ونذكر أيضًا دراسات لآلان دي ليبرا "تجديد الفكر الوسيطي"، و"الفلسفة الوسيطة "، و"أركيولوجيا الذات ". ونستحضر في هذا الإطار كذلك مقالة أساسية لفابيان بيرونيت عنوانها "الاهوت الموحى مقابل الاهوت الفلسفي". وكذلك دراسات للمؤرخ والفيلسوف الفرنسي إتيان جيلسون (1978–1884)، ومنها "الفيلسوف والثيولوجيا" و"دراسات وسيطية "، و"مساهمة الفكر الوسيطي في تشكيل النسق الديكارتي ". وكذلك في هذا المضمار، نذكر عملين قيّمين للفيلسوف البلجيكي فرناند فان ستينبرغن (–1904)1993. تُظهر هذه الدراسات المسار المتشعب الذي قطعته الفلسفة خال العصر الوسيط برمّته، للخروج من سلطة الاهوت (وذلك بنسب متفاوتة). ويقتضي هذا الموضوع استحضار ثاثة أبحاث متميزة؛ الأول للفيلسوف الأميركي ميخائيل ألين غيليسبي Gillespie Allen Michael بعنوانالجذور اللاهوتية للحداثة، والثاني للفيلسوف الألماني كارل لوفيت بعنوان: التاريخ والخلاص، والثالث للمفكر الألماني هانز بلومنبرغ (1996–1920) بعنوان شرعية الأزمنة الحديثة. وتناول هؤلاء المفكرون في أبحاثهم تعالق الاهوت بالحداثة؛ أي إن الأزمنة الحديثة تستمد شرعيتها من كونها ذات أصل لاهوتي؛ فعندما تفككت أنساق الاهوت، دخلت أوروبا عالم الحداثة. وأخيرًا، هناك دراسة
(((ينظر الترجمة العربية للكتاب: علي بن مخلوف، لماذا نقرأ الفلاسفة العرب؟ ترجمة أنور مغيث (القاهرة: منشورات آفاق،
(8) Alain de Libéra, "Renouveaux de la pensée médiévale: La contribution dominicaine," Revue des sciences philosophiques et théologiques , vol. 3, no. 92 (Mars 2008), pp. 471–489, accessed on 10/4/2023, at: https://bit.ly/3XvaU1L (9) Alain De Libera, La philosophie médiévale (Paris: PUF, 1993). (10) Alain de Libéra, Archéologie du sujet , vol. 1–2 (Paris: Vrin, 2008). (11) Fabienne Pironet, "Théologie révélée versus Théologie philosophique: Siger de Brabant renverse Thomas d’Aquin," philosophiques , vol. 31, no. 2 (Automne 2004). (12) Etienne Gilson, Le philosophe et la théologie (Paris: Vrin, 2005). (13) Etienne Gilson, Etudes médiévales (Paris: Vrin, 1986). (14) Etienne Gilson, Etude sur le rôle de la pensée médiévale dans la formation du système cartésienne , 4 ème ed. (Paris: Vrin, 1975). (15) Fernand van Steeenbergen, Histoire de la philosophie, période chrétienne , 2 nde ed. (Paris: Louvain Publications Universitaires, 1973); Fernand van Steeenbergen, Introduction à l’étude de la philosophie médiévale (Paris: Louvain Publications Universitaires, 1974).
(1((ينظر: مايكل ألين جيلسبي، الجذور اللاهوتية للحداثة، ترجمة فيصل بن أحمد الفرهود، ط 2 (بيروت: دار جداول للطباعة والنشر والتوزيع،.)2019
(17) Karl Löwith, Histoire et salut: Les Présupposés théologiques de la philosophie de l’histoire , M. C. Calliol–Gillet, S. Hurstel & J.–F. Kervégan (trad.) (Paris: Gallimard, 2002). (18) Hans Blumenberg, La légitimité des Temps Modernes , Mar Sagnol, Jean Louis Schlegel & Denis Trirweiler (trad.) (Paris: Gallimard, 1999).
لجون باتيست برونيه Jean–Baptiste Brunet، تقف عند أثر الرشدية في أوروبا؛ أو كما لقّبه بذلك دي ليبرا الأب الروحي لأوروبا. جميع هذه الدراسات الرصينة، قدمت نتائج مهمة فيما يتعلق بصيرورة تفكّك الاهوت والفلسفة في أوروبا الوسيطة والحديثة. غير أنها، وإن بيّنت أهمية الفلسفة في الانتقال من العصر الوسيط إلى العصر
الحديث، لم تقف تحديدًا عند الأسباب التي جعلت الفلسفة تقبل بوضع الخادمة. كما أنها حافظت، بوعي أو بغير وعي، على التصور عينه الذي هيمن على تمثاتنا لهذه المرحلة التاريخية؛ وهو أن الاهوت في العصر الوسيط وظف الفلسفة، كما وظف جميع الحقول المعرفية الأخرى. في حين أن الفلسفة وإن كانت خادمة، فلم تكن بتلك الصورة التي نتخيلها؛ الطائعة والمنهمكة في الأعمال الشاقة. فقد كانت خادمة مركزية وأساسية. ومن هذا المنطلق، فإن هذه الدراسة لم تتطرق إلى الإشكالية الكاسيكية، التي تقول بانفصال النقل عن العقل أو اتصاله به، كما أنها لم تحاول البحث عن التوفيق بينهما، بل سعت إلى تبيان منزلة الفلسفة الحقيقية، وركزت على رفع الحجب عن السبب الفعلي الذي دفعها إلى دخول الأديرة، ثم إلى عقول أهل الاهوت.
أولا: من سعة أروقة روما إلى ضيق سراديب الأديرة
كانت الفلسفة تقيم بين جنبات أروقة روما، وبين دفّتي كتب خطبائها وفاسفتها، وفي صلب قصورها الفخمة التي شيّدها الإمبراطور نيرون. فقد كانت لها منزلة سامية في روما، ينشغل بها العبيد أمثال
الفيلسوف الرواقي أبكتاتوس Epictetus (ت. نحو 135 م)، والفقراء من أمثال ماركوس توليوس شيشرون Cicéron Tullius Marcus 43–106(ق.م)، والأغنياء من أمثال الإمبراطور الروماني سينيكا، أو من كان له شأن كبير كالإمبراطور ماركوس أوريليوس أنطونينوس أوغسطس Augustus Antoninus Aurelius Marcus (180–121). كما ينظر إليها بوصفها أجلّ وسيلة لخدمة الوطن، بل أفضل أداة لخلق مواطن لا همّ له غير البحث عمّا يقدمه لوطنه. وهذا ما يُفهم من عبارة شيشرون: "شرعت في
هذه الدراسات الفلسفية من جديد، فإن بها – لا بشيء سواها – أستطيع أن أخفف عن عقلي همومه، وأن أخدم في الوقت نفسه أهل الوطن، كأحسن ما تكون الخدمة في هذه الظروف"، بل إن "التبشير بالفلسفة لهو أجلّ خدمة يؤديها [المرء] لوطنه، لأنها تثقّف العقل وتهذّب النفس، وتغري بالتزام الفضيلة، وتقي المرء شر الغي والضال". فمن يستطيع تقديم هذه الخدمة الجليلة – في ذلك
(1((ينظر الترجمة العربية للكتاب: جان–باتيست برونيه، ابن رشد المقلق، ترجمة جورج زيناتي (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.)2021 ((2(نيرون أو نيرو Nero، هو إمبراطور روماني (68–37 م)، حكم في الفترة 68–54 م، وهو يبلغ من العمر ستة عشر عامًا. تتلمذ على
يد الفيلسوف والخطيب الرواقي الروماني لوكيوس أنايوس سينيكا Seneca Annaeus Lucius (4 ق.م 65–م)، لكنه مع ذلك، لم يتأثر بأخاق الرواقييين "الرسوخييين" Stoicism، بل طلب من معلمه سينيكا بعد أن سلب منه أمواله الكثيرة، أن يختار طريقة الموت التي يريد، فأعدمه بتمزيق أحشائه، بداعي أن سينيكا يتآمر عليه، في حين أن هذا الأخير لم يفعل شيئًا سوى أنه قدّم أوراق اعتزاله السياسة
فقط، لما رآه من تهوّر في سلوك تلميذه. (2((شيشرون، علم الغيب في العالم القديم، ترجمة وشرح وتعليق توفيق الطويل (القاهرة: مطبعة الاعتماد، [د. ت.])، ص.130 ((2(المرجع نفسه، ص.8
العصر وفي عصرنا – غير الفلسفة؟ فهي من سبل الهداية نحو الفضيلة والخير، ونحو إعداد مواطن كوني، بحسب تعبير شيشرون. لهذا، ليس من قبيل الصدفة أن تجد إمبراطورًا منشغا بالسياسة والحرب، في ظل ظروف غير
مستقرة، يخصّص وقتًا لمطالعة كتب ورسائل فلسفية، فقد كان على علم تام أنه ما من طريق لقيادة الإمبراطورية نحو العدالة والخير، غير الفلسفة؛ إنها السلوى والمستشار في الوقت ذاته. كتب يقول "الحياة صراع ومقام غربة، والمجد الوحيد الباقي هو الخمول، أي شيء، إذًا، في وسعه أن يخفرنا في طريقنا؟ شيء واحد، وواحد فقط: الفلسفة". يضيف في السياق نفسه: "لا تعد إلى الفلسفة كما يعود الطفل إلى المعلم، بل كما يعود الأرمد إلى إسفنجته ومرهمه، أو يعود آخر إلى كمادته وغسوله. بذلك سوف تبرهن على أن إطاعة العقل ليس عبئًا كبيرًا، وإنما هي مصدر
راحة. تذكّر أيضًا أن الفلسفة لا تريد إلا ما تريده طبيعتك، في حين تطلب أنت شيئًا يجافي هذه الطبيعة. فأيّ شيء أدعى إلى القبول من حاجات طبيعتك نفسها؟ هذه هي الطريقة ذاتها التي تخدعنا
بها اللذة. ولكن انظر: ألست ترى شيئًا أكثر قبولً في الشهامة والكرم والبساطة والاتزان والتقوى؟ وأيّ
شيء أكثر قبولً من الحكمة ذاتها إذا كان ما يهمّك هو التدفق المطمئن والدائم لملكتنا الخاصة بالفهم
والمعرفة؟". هذان النصان يلخصان المنزلة التي تبوأتها الفلسفة في روما، وفي قلب الإمبراطور. وفي الوقت الذي ينظر البعض إلى أن الاشتغال بالتفلسف يشكّل عبئًا كبيرًا على العقل والنفس، وأحيانًا أخرى إهدارًا
للوقت، كان أوريليوس يتجه إليها في الأوقات الحالكة، لأنها المنبع الذي يمدّه بالراحة والطمأنينة، بفضل ما تعجّ به من قيم وأفكار وآليات تدبّرٍ تساعد العقل على فهم الأشياء على وجهها الصحيح؛ إنها
بذلك "العاج والماذ"، في أوقات الصعاب، وفي لحظات الانفراج. استمر هذا الاهتمام الكبير بالفلسفة ردحًا من الزمان، حتى قبيل انهيار الإمبراطورية الرومانية.
ورغم الانتشار الكاسح الذي بدأت تشهده الديانة المسيحية، بفعل القرار الذي اتخذه قسطنطين العظيم، فإن الثقافة الرومانية "الرواقية" ما زالت تسري في عروق مواطنيها؛ ففي كتاب عزاء الفلسفة
م) 524–480(Severinus Boethius م) لسيفيرينوس بويثيوس 524(De consolatione philosophiae
تظهر هذه الثقافة بوضوح، حين ناشد بويثيوس الفلسفة لتقدّم له السلوان، وهو ينتظر في منفاه تنفيذ حكم الإعدام الذي صدر في شأنه. لم يناشد العزاء من الاهوت، باستحضار صلوات القديسين ورسائلهم، على الرغم من أنه كان من أسرة مسيحية، بل استقدم الفلسفة لتسلّيَه وتُذهب عنه الحزن، وصوّرها
(2((في كتابه التأملات، ذكر الإمبراطور أوريليوس الكتب الفلسفية الأساسية، وعلّق عليها وشرح بعض مقاطعها، بأسلوب رواقيّ
شيق. (2((ماركوس أوريليوس، التأملات، ترجمة عادل مصطفى، مراجعة وتقديم أحمد عثمان (القاهرة: دار رؤية للنشر والتوزيع، 2010)، ص.340 ((2(المرجع نفسه، ص.339–338 ((2(الإمبراطور قسطنطين العظيم Great the Constantine (7–30633 م) هو الذي قرر المسيحية دينًا رسميًا لإمبراطورية.
بصورة امرأة حسناء، وتوسّل إليها لتكشف عنه أسقامه، وهو في لحظة انتظار الفناء، تلك اللحظة التي يكون فيها المرء مؤمنًا خالصًا، بسب الخوف الذي يعتريه. لكن بويثيوس على غير العادة، يقلب هذه المسلّمة. فيقول محدثًا الفلسفة: "ألا ترين أن لسان حالي يغني عن مقالي، ينطق بقسوة القضاء الذي نزل بي؟ ألا يؤثّر فيك مجرد النظر إلى هذا المكان (المنفى الموحش)؟ أين منه مكتبتي التي اتخذتها لنفسك في بيتي مستراحًا وموئا، تازمينني فيها وتشرحين لي جميع أمور الفلسفة الإنسانية والإلهية؟ أكان هذا هو حالي يوم كنتُ أبحث معك أسرار الطبيعة، وتعلمينني مسارات النجوم وترسمينها لي بعصاك، وتصوغين أخاقي وحياتي كلها على مثال النظام السماوي؟ أهذا جزاء امتثالي لك؟ ألستِ أنتِ من أسّس هذا الرأي على لسان أفاطون: إن الدول السعيدة هي التي يحكمها الفاسفة، أو التي
يدرس حكامها الفلسفة؟ وأشرتِ على لسان الرجل العظيم نفسه بأن هذا سبب يلزم الحكماء بمزاولة السياسة، حتى لا تترك دفة الحكم لأيدي الأشرار والمجرمين، فيُلحقون الدمار والخراب بالمواطنين
الصالحين. وعلى هذا الأساس قررتُ أن أطبق في السياسة العامة ما تعلمته منكِ في خلوة الدرس. تشهدين أنت ويشهد الله الذي غرسك في عقول الحكماء أنه ما دفعني إلى تقلّد أيّ منصب سوى حرصي على الصالح العام". كان كتاب عزاء الفلسفة، بمنزلة التحفة الخالدة، بحيث لا ينافسه في القراءة والطبع والتأثير غير الكتاب المقدس، يُجمل بين دفتيه خاصة الثقافة الرومانية الكاسيكية التي كانت تنظر إلى الفلسفة نظرة تبجيل، وأداة لإحقاق العدل، ووسيلة للعاج وكشف العلل والأسقام. كانت بالفعل تقيم في المكتبات، من حيث هي أمكنة خاصة داخل البيوت والمؤسسات، وتشكّل الموضع الطبيعي الذي يليق بمنزلتها، ولا يلجها إلا وهو يرتدي أجمل اللباس. وظهر وصف هذا الفضاء الفريد، في الرد الرمزي للفلسفة على بويثيوس، قائلة: "إن هذا المكان لا يزعجني [ما دمت هنا] بقدر ما يزعجني منظرك. ولا ما أبحث عنه هو جدران مكتبتك المزينة بالزجاج والعاج، بل أبحث عن كرسي عقلك". قد يقول قائل، أليس القديس أوغسطينوس Augustin Saint (430–354 م) واحدًا من هؤلاء الذين عاشوا في هذا العصر، وعايشوا الثقافة الرومانية، بل إن بويثيوس لم يولد إلا بعد خمسين عامًا من وفاة أوغسطينوس. فلماذا لم يتأثر بتلك الثقافة الكاسيكية؟ يمكننا الرد على ذلك بالقول: إنه ما كان في قدرتنا الحديث عن أوغسطينوس فيلسوفًا، لولا "قراءته لكتاب شيشرون المعنون ب أورتينيسيوس "؛
(2((بويثيوس، عزاء الفلسفة، ترجمة عادل مصطفى، مراجعة أحمد عثمان (القاهرة: دار رؤية للنشر والتوزيع، 2008)، ص.63 ((2(جرت العادة عند فاسفة الرومان تشييد مكتبة منزلية، وتزيينها باللوحات الفنية والرسومات والأحجار الكريمة والعاج والزجاج، حتى لو كان البيت في منطقة ريفية، وكانت المكان الأهم في البيت بمواصفات مميزة؛ يجري فيها البحث والقراءة، بمجرد ولوجها يأخذك سحر الكتب وينتابك شغف المعرفة. فقد كان ميكيافلي لا يلج مكتبته المنزلية إلا بلباس الباط، تقديرًا للحكمة التي
تزخر بها مؤلفاتها. "عندما يأتي المساء، يعود للمنزل، ويغير ثيابه الريفية التي عادة ما تكون قد أصابتها الأوساخ أثناء جولته. ويرتدي مابس الباط والتشريفات لكي يكون في صحبة من أحبهم، ويدخل إلى مكتبته الخاصة. وكان يعتبر ذلك هو حياته الفعلية". ينظر:
نيقولا ميكيافلي، الأمير، ترجمة أكرم مؤمن (القاهرة: مكتبة ابن سينا، 2004)، ص.10 ((2(بويثيوس، ص.73 3(((عبد الرحمن بدوي، فلسفة العصور الوسطى، ط 3 (بيروت: دار القلم، 1979)، ص.17
فقد اعترف هو نفسه بأن الكتاب كان بمنزلة الانطاقة الأولى له في مجال الفلسفة. فضا عن أن استقراره بمدينة روما مكّنه من الاحتكاك بثقافتها، والاطاع على فلسفة أفاطون Plato –427(473 ق.م) والأفاطونية المحدثة Neoplatonism، هذا الاحتكاك ظهر في بعض كتاباته، مثل: الرد على الأكاديميين Contra Academicos، وفي النظام De Ordine؛ وهي كتب تنضخ بالمواقف الإيجابية تجاه الفلسفة والفاسفة. أدى أوغسطينوس دورًا كبيرًا في جعله الفلسفة – بتأثير من أبر ممثلي الأفاطونية المحدثة الفيلسوف
أفلوطين Plotinus (270–205 م)، والقديس أمبرواز أسقف ميانو Ambroise Saint (97–3393 م) – فكرًا قابا للتوليف مع نسق الاهوت، وذلك بتأويل فلسفة أفاطون، وجعله مسيحيًا أكثر من المسيحيين
في زمانه. ومكّنته الفلسفة من تخليص الاهوت من الأثر المانوي Manichaeism، الذي كاد يعصف بالدين المسيحي بأسره. ما قدّمه أوغسطينوس – في أكثر صوره انتشارًا – كان مصالحة بين الفلسفة المبجلة من لدن فاسفة الرومان، والاهوت الذي بدأ يخطو خطواته الأولى، وأصبح يتسلل إلى شتى مناحي الحياة، الخاصة منها والعامة، مامسًا الحياة الفكرية والفنية والثقافية، وبات يستتب طريقه ويزجر المخالفين له. وساهم في "تشكيل إطار قيادي وتربوي لصناعة 'ذاكرة جمعية'"؛ أي "هوية دينية خاضعة لسلطات تجاذبت فيما بين الصراع والتحالف". وبالجملة، يمكن اعتبار أوغسطينوس النقطة الفاصلة بين روما الرواقية وروما المسيحية؛ إذ كان مرغوبًا فيه على نحو لافت من المؤسسة الرسمية؛ لأن "لاهوته تبريري لشرعية الملكية والإمبراطورية الرومانية"، ومؤلفاته لا تثير القلق حتى في شقها الفلسفي، لأنها مغلفة بهذا التصور الاهوتي الذي يكرس لهرمية الكنيسة والإمبراطورية. ولا ريب أن الظروف تهيأت أكثر لاّهوت بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية، وصعود الإمبراطورية المقدسة التي مُلئت أروقتها بالقساوسة والكهنة، وسيّرت الفلسفة التي كانت تقيم بين جنبات تلك الأروقة
وزواياها ب مأوى، وأضحت كالمتشردة في البراري، لم تجد غير سراديب الأديرة لتقي نفسها فيه خوف الضياع والموت المحقق. إن الانهيار الذي أصاب روما، واكبه أيضًا تقهقر للمراكز الثقافية والمدارس والسياسة والاقتصاد، حيث دخلت المدينة في دوامة من الفوضى والاضطراب والنهب "مسيحيون ووثنيون يعيشون أوقاتًا عصيبة جدًا خال اجتياح ألاريك وجيشه لروما سنة 410، ضحايا كثيرة لا تعد ولا تحصى، تقع ب رحمة ولا شفقة، خراب وتدمير، ب هوادة". خلّف الدمار فراغًا فكريًا مهولً، لم يقف عند حدود القرنين الخامس والسادس للمياد، بل استمر حتى القرن التاسع الميادي أيضًا. وخال هذه القرون (من القرن السادس إلى الثامن) كانت الفلسفة في حالة من السبات في غياهب الأديرة، المكان الذي كان
3(((وجيه كوثراني، "الذاكرة من منظور مؤرخ"، تبين، مج 9، العدد 33 (صيف 2020)، ص.15 (3((بشارة، ص.113 (((3 القديس أوغسطينوس، مدينة الله، ترجمة الخور أسقف يوحنا الحلو، ط 2 (بيروت: دار المشرق، 2007)، ج 1، ص.8
لزامًا عليها أن تلجه وهي مكرهة، فهو الوحيد الذي بقي آمنًا في ظل أوضاع اجتماعية وثقافية، وسياسية مزرية. كانت الفلسفة مجبرة على القبول بوضعها خادمةً أول مرة في التاريخ، فبعدما كانت عند اليونان بمنزلة الأم، وعند الرومان في مرتبة السيدة والطبيبة، باتت خادمةً مرغمة، كحلقة أولى من الدياليكتيك الهيغلي dialectic Hegelian؛ السيد يتحول إلى عبد، والعبد يصبح سيدًا، ريثما تتهيأ الظروف من جديد. ومن هذا المنطلق نفهم قرار بابا الفاتيكان أوجلينو دي كونتي "غريغوري التاسع" IX Gregory Pope (1241–1145 م) "حين ذكّر أساتذة باريس بأن الفلسفة خادمة الاهوت هذه، باتت هي السيدة". الافت للنظر ههنا أن الفلسفة طوال هذه القرون (من القرن التاسع إلى حدود القرن الخامس عشر)، لم تكن في المطلق خادمة بسيطة، بحيث تنفّذ الأوامر من دون تردد، وإنما كانت على نمط الخادمة المربية المركزية التي تتخذ القرارات بنفسها، رغم حضور السيدة، بل إن الاهوت في كثير من الأحيان يوافق ب هوادة على مقترحات الخادمة. بلغت الفلسفة حدًّا أضحى فيه أبناء الاهوت ينادونها: الأم، لأنها شملتهم بالرعاية، وغرست فيهم مبادئ وأفكارًا عقانية، وأخذت على عاتقها تربيتهم على أمثل وجه. وكثيرًا ما فطَّنَت الاهوت إلى خطورة الأمر، ولمحاولات طردها والتخلص منها بقرارات رسمية، تمنعها من محاذاة أبناء الاهوت، لكنها لم تتمكن من تحقيق المبتغى، لأن أبناءها رفضوا القرارات وعارضوا طرد الفلسفة، فهذه الأخيرة لم يذهب جهدها سدى، فصارت بالنسبة إليهم – أبناء الاهوت – المنظار الذي تنجلي به رؤية تعاليم الكتاب المقدس وحقائقه. ومن هنا، يبدو من الطبيعي أن يكون التمييز بين الفيلسوف والثيولوجي في العصر الوسيط أمرًا عسيرًا.
(3((يمكن القول إن المجتمع البيزنطي، والمجتمع الإسامي في هذه الحقبة، سادهما نوع من النظام والاستقرار. بخاف المجتمع الغربي الذي ساده الاضطراب، بفعل الهجمات المتكررة للقبائل الجرمانية (اللومبارديون Langobards وهم قبيلة جرمانية حكمت إيطاليا في الفترة 774–568 م)، وآفار القوقاز Avar، وقبائل البافار Bavares وشعب الساكسون Saxons (وهي قبائل جرمانية تقطن شمال ألمانيا والدنمارك وإيرلندا)، على أيّ تنظيم سياسي قيد النشوء. وظل هذا المجتمع طوال ثاثة قرون (النصف الثاني من القرن
الخامس إلى النصف الثاني من القرن الثامن) في حالة من الحرب والخراب؛ ما أدى إلى تقليص دائرة الفكر والثقافة، وغياب مراكز
كبيرة حاضنة لنشاط الفكر والفلسفة، وأدى كذلك إلى "تحولات كبيرة بأوروبا الغربية، أثّرت في سير الحضارة". ينظر: غادة حسن
وهبة عبود، "النهضة الكارولنجية زمن شارلمان"، مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات العلمية – سلسلة الآداب والعلوم
الإنسانية، مج 83، العدد 5 (تشرين الأول/ أكتوبر 2016)، ص.331
(35) Etienne Gilson, la philosophie au moyen âge: Du XIII siècle à la fin du XIVème siècle (Paris: Edition petite bibliothèque Payot, 1976), vol. 2, p. 388.
(3((في مجمع كنيسي أقيم في باريس سنة 1210 تقرر ما يلي: "نمنع تحت طائلة الحرم، في باريس جهارًا أو سرية، قراءة كتب
أرسطو في الفلسفة الطبيعية، وكذلك الشروحات حوله". ينظر: إدوار جونو، الفلسفة الوسيطية، ترجمة علي زيعور، ط 3 (القاهرة: دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، 1979)، ص 112. ثم "في سنة 1240 ألزم غليوم دوفيرن، الذي كان أسقف باريس في ذلك الحين، بالحكم على كثير من القضايا ذات المسحة العربية والموسومة بالطابع العربي والتي يلوح أنها مستخرجة من كتاب العلل".
ينظر: إرنست رينان، ابن رشد والرشدية، ترجمة عادل زعيتر (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1957)، ص 279. وفي 1245"، مدّ
إينوسون الرابع هذا المنع ليشمل جامعة تولوز، وعندما تولّى إيربان الرابع جدد هذا المنع سنة 1263". ينظر:
Gilson, la philosophie au moyen âge , p. 389.
ثانيًا: النهضة الكارولنجية وانبعاث الفلسفة
إذا كان أوغسطينوس قد هيّأ الفلسفة لتتواءم مع الاهوت، حين وضع فيها البذور التي تسمح
لها بالإنبات في تربة الاهوت، وذلك على وهاد النظرية الرواقية المعروفة ب "العلل البذرية" Causes Seed The؛ عن طريق جعلها فكرًا قادرًا على مجابهة المناخ الجديد، والتأقلم مع
الظروف القاسية التي تعرفها جزيرة الاهوت، من سلطة وهرمية وإطاقية وثباتية، وتمكّنها بالفعل من الاستمرار والانتشار. وإن كان هذا الأمر يجري ببطء وحذر شديدين، فإن شارلمان قد جهز لها من جديدٍ الفضاء الأكثر توافقًا مع خصائصها الجوهرية التي تبقى ثابتة، عندما تتغاير الأنساق والسياقات، والقصد يقع ههنا على الفلسفة من حيث هي فكر عقاني، كوني، حجاجي، نقدي، يزدري التطرف والانغاق والعنف والتعصب، وكل ما هو أيديولوجي يكبّل إرادة الأفراد وعقولهم،
ويجعلهم يعيشون الوهم بدلً من الواقع. ولا شك في أن أهم حيّز يمكّن الفلسفة من إشاعة التفكير
العقاني وذيوع الاختاف والنسبية، هو المدرسة، على الشاكلة الجديدة التي أقامها شارلمان، والتي تختلف عن النمط التقليدي للدير، حيث تكون "المدرسة" مج لً للتحصيل والتعلم وحدهما، في تخصصات متنوعة، تشمل النحو والباغة والفلك والموسيقى والاهوت والفلسفة. استقدم شارلمان نخبة من الأساتذة المشهورين بعلمهم في زمانه من مدن إيطاليا وإيرلندا، إلى المدارس التي شيّدها في باريس، وفي مدينة آخن وفي باطه؛ ومن أبرز هؤلاء بطرس دوبيزا Pise de Pierre
(799–744 م) وبولس الشماس Diacre le Paul (799–720 م)، وألكوين Ealkhwine 804–735(م)، وجون سكوتوس أريجينا Eriugena Scotus Johannes (877–815 م)... إلخ، "فقد جاء ألكوين، رائد النهضة الكارولنجية على الصعيدين الأدبي والنحوي من إنكلترا. أما جون سكوتوس أريجينا صانع النهضة الفلسفية، فقد جاء من إيرلندا؛ وحياة هذا المفكر العبقري الذي يُعتبر أكثر المتعمقين في تاريخ الفلسفة المسيحية، غير معروفة على نحو جيد"، وكان "حلم الأول أن ينشئ في باريس أثينا جديدة"؛ فإذا كانت هذه الأخيرة مصبّ الثقافة الشرقية، فإن باريس ستكون مصبّ الثقافة والحضارة
البشرية بأسرها؛ "ففي باريس كان خبز أوروبا ينضج"، وكانت الفلسفة الفرن والتنور الذي يحوي الخبز، في نار هادئة طوال قرون، وعندما دخلت الفلسفة العربية، سرعت في نضجه، وجعلته أيسر هضمًا وأكثر إشباعًا. في هذه الحقبة التاريخية، من الصعب التمييز بين الفيلسوف الثيولوجي، لكن من اليسير الكشف
عن الفكر الفلسفي الذي تشمله الكتب التي ألّفت في هذه المرحلة؛ فكل "فيلسوف هو بالضرورة
(3((وهذه النظرية تعني الكمونية في خلق الأشياء في العالم، إذ إن الرب غرس في الخلق جميعهم أعدادًا كالبذور، وتبقى هذه
البذور كامنة في الأشياء المخلوقة، إلى أن يحين الوقت لظهورها وتجلّيها، بحيث لا تظهر الأشياء المخلوقة دفعة واحدة، بل بالتدرج. (3((جونو، ص.56 (3((المرجع نفسه، ص.24 ((4(المرجع نفسه، ص.116
ثيولوجي، وكل ثيولوجي من الازم أن يستعين بمناهج فلسفية "، بل الأدهى من ذلك هو "أن كل صراع بينهما هو بالتأكيد دليل على وجود خطأ فلسفي"، فما دامت الفلسفة هي المربية، والعاقلة، كان واجبًا عليها أن تخفّف في كل مرة من حدة هذا الصراع والتناقض، على الأقل في هذه المرحلة. كل لحظة يتأجج فيها النزاع، هي لحظة تخطو فيها الفلسفة خطوة نحو السيادة، لأن القضايا التي يقع حولها التصادم، هي قضايا ذات طابع فلسفي، تتعلق بالمثلث الميتافيزيقي "الله، العالم، الإنسان" على حد تعبير هانز بلمنبرغ Blumenberg Hans (1996–1920 وأيّ نقاش خارج هذا المثلث أو)، لا يُوضع في صلب المناظرة، فلن تعيره الفلسفة أيّ اهتمام يذكر. فالمجادلات الثيولوجية المحضة نادرًا ما تتدخل فيها الفلسفة، مثل: سر التناول "الأفخارستيا" Eucharist، والعزوف عن النكاح، والخطيئة، وعيد الفصح، وصلوات يوم الأحد، والمجيء الثاني للمسيح "باروسيا" Parousia... إلخ، فهي مسائل غير جدلية، لا تحتاج إلى حجاج بالمنطق والعقل. أما مسائل الله والعالم والإنسان، فتُعدّ منبعًا تفيض عنه كامل الإشكالات العويصة، من قبيل العناية الإلهية والإرادة الإنسانية، والماهية والوجود في الله، والوحدة والكثرة، والحدوث والأزلية، والكليات والجزئيات، والخير والشر، وغيرها. لهذا، فالتمييز بين الثيولوجي والفيلسوف يأتي من هذا المنطلق، فإذا كان المهتمّ بالفكر لا يتجاوز
مستوى القضايا الأولى، فإنه يظل في نطاق الاهوت فحسب، لكنه إذا تخطّاها إلى مرتبة المثلث الميتافيزيقي، فإنه يرتقي إلى مصاف الثيولوجي–الفيلسوف؛ لأنه سيستعين ضرورةً بالمناهج الفلسفية المنطقية لمقاربة الإشكال. وبشيء من التفصيل، نستدعي ما أقره بول ريكور في هذا السياق؛ بقوله: "إن مهمة الفيلسوف تتميز عن مهمة الاهوتي على النحو التالي: تكمن وظيفة علم الاهوت في تطوير الإعان (التبشير، الأمل)، تبعًا لتصورها الخاص لتهتم بنقد الوعظ، وذلك لمواجهته في أصله ولجمعه في تسلسل دال في الوقت نفسه، وفي خطاب ذي جنس خاص [...]، وإن للفيلسوف، حتى لو كان مسيحيًا، مهمة متميزة. ولست من الرأي الذي يقول إنه يضع بين قوسين ما سمع وما اعتقد.
والسبب لأنه كيف يمكن المرء أن يتفلسف في مثل هذه الحالة من التجريد الخاص إلى الجوهري؟ وكذلك فإني لست من الرأي الذي يقول: يجب عليه أن يُخضع فلسفته إلى علم الاهوت، مقيمًا عاقة تبعية. فبين الامتناع والاستسام، يوجد طريق مستقل، كنت قد وضعته تحت عنوان "مقاربات فلسفية" [...] ويمثل هذا العمل الفكري عما ينطلق من الاستماع، ويصب في استقالية الفكر المسؤول. وهذا إصاح دؤوب للفكر، ولكنه في حدود العقل البحت. فاهتداء الفيلسوف هو اهتداء الفلسفة وللفلسفة تبعًا لمتطلباتها الداخلية. فإذا كان لوغوس واحد، فإن لوغوس المسيح لا يتطلب مني شيئًا آخر بوصفي فيلسوفًا، سوى استخدام للعقل كامل وتام. ليس أكثر من العقل، ولكن العقل بأكمله".
((4(هذا الحكم لا ينطبق البتة على العالم العربي الإسامي، فقد كان هناك فاسفة أقحاح، اشتغلوا بالقضايا الفلسفية، وكان بعضهم فقيهًا وقاضيًا، أمثال: الفارابي وابن سينا وابن رشد وابن طفيل... وغيرهم.
(42) Gilson, Le philosophe et la théologie , p. 4.
(4((إتيان جيلسون، الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، ط 3 (بيروت: دار الطليعة للطباعة النشر، 2009)، ص.31 ((4(ريكور، ص.462–461
كما أشرتُ سالفًا، إن بداية النزاع حول قضية من هذه القضايا، تُعد خطوة إلى الأمام بالنسبة إلى الفلسفة نحو التسيد داخل المدارس. ويذكّرنا التاريخ ببعض نماذج رجال الدين، الذين أدركوا بداية سيادة الفلسفة في فضاءات المؤسسات التعليمية في العصر الوسيط، التي شيدت في البدء خصيصًا لتدريس الاهوت، والعلوم التي تخدمها. والنموذج ههنا هو القديس برنارد من كليرفو Clairvaux de Bernard (1153–1091 م) الملقب "بالمصلح الكبير، وقائد الجماهير، مستشار الباباوات والملوك"، فقد أسس حركة نعتت بالحركة السيسترسيانية أو الرهبانية السيسترسيانية Cistercien؛ ففي الوقت "الذي كان الطاب فيه يتوافدون إلى المدارس الدينية، كان رجال آخرون يلجأون إلى الوديان الظليلة ليتعلموا فيها العلم الوحيد الذي كان يبدو لهم جديرًا بأن يكون مرغوبًا، ذلك هو علم الاكتمال المسيحي، كان
ذلك أصل الحركة". وصارت الفلسفة تضيّق الخناق على التعليم الاهوتي داخل المدارس؛ لذلك اختار أنصار هذه الحركة
الخروج من المدارس إلى الوديان. ويعبّر مؤسس الحركة عن ذلك حين هاجم الفلسفة بشدة قائا: "ماذا
تهمّني الفلسفة؟ فمعلميّ هم الرسل. لم يعلّموني قراءة أفاطون ولا التنقيب عن رهافات أرسطو [...]،
وما يثير الدهشة حقًّا هو أن هؤلاء الرهبان، الذين يدّعون أنهم اكتسبوا علمهم كله في ظل الغابات، يعرفون جيدًا الكتاب الدنيويين"؛ فقد اكتسحت الفلسفة كل الأماكن الرسمية وغير الرسمية أيضًا؛ فهي لم تكن خادمة بسيطة، بل كانت معلمة وأستاذة للجميع. ويبدو أن المدارس، وإن شُيّدت لدراسة علوم متنوعة خدمةً لاهوت، فقد خصصت مكانًا لتعلم
الفلسفة، على الرغم من كون الموضوعات المهيمنة داخلها آنذاك هي مواضيع لاهوتية، وبقي المنهج المهيمن هو المنهج الفلسفي؛ لهذا ليس من قبيل الصدفة أن يكون حلم أمهات كبار الفاسفة وآبائهم، في طفولتهم، أن يصبحوا رجال لاهوت وكهنة ورجال قانون. غير أن الحلم لم يتحقق بالنسبة إلى الأوصياء والأسر، لأن أبناءهم تخرّجوا وأصبحوا فاسفة. هذا ما حدث مع توما الإكويني Thomas
Aquin ’ d 1274–1225(م)، وديزيديريوس إيراسموس ريترو داموس Erasmus Desiderius Roterodamus (1536–1466)، ورينيه ديكارت Descartes René (1650–1596)، ومارتن هايدغر Heidegger Martin (1976–1889)، وغيرهم كثير. واستقينا هذه النماذج للتأكيد أن الأمر يسري على الحقب كافة، في العصر الوسيط، وفي عصر النهضة، وفي العصر الحديث والمعاصر. منهم من لُقّب برائد العقانية، ومنهم من يُنظر إليه بوصفه رائدًا للنهضة والإصاح، وآخر يُكنى بالمعلم المائكي، وآخر يُنعت بالمعلم الألماني. فعلى الرغم من كون تعليمهم الأولي في المدارس ثيولوجيًا محضًا،
إضافة إلى اعتبار مؤلفاتهم حاملةً أفكارًا ثيولوجية وإن لم يصرح أصحابها بذلك، وكذا انشغالهم
((4(جونو، ص.101 ((4(المرجع نفسه. ((4(المرجع نفسه، ص.102 (4((روديغر سافرانسكي، معلم ألماني: هايدغر وعصره، ترجمة عصام سليمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2018
بمسائل لاهوتية، فإن ذلك لا يحول أبدًا عن اعتبارهم فاسفة من طينة خاصة، فبفضلهم خطت الفلسفة، في مسارها نحو السيادة، خطوات كبيرة؛ تكون في الغالب خطوة فاصلة بين حياتين، وبين حقبتين، وبين نمطين من التفكير. وبالعودة إلى ألكوين، قائد عصر النهضة الكارولنجية في القرن التاسع للمياد، فإننا نكتشف أنه، وإن كان متخصصًا في النحو والباغة، فقد كان حلمه أن يجعل باريس أثينا الجديدة، وهذا دليل على
الأثر الفلسفي الذي ظل يوجّه تأماته التي نستشفّها من كتاباته النحوية وغير النحوية. فعلى الرغم من
كون أستاذ شارلمان هذا لم يخصص كتابًا للفلسفة، فإن طموحه الأول أن تلقى الفلسفة يومًا موضعًا
يشملها بالرعاية والاهتمام، كما كانت أثينا القديمة. ويظهر جليًّا أن الفلسفة في العصر الوسيط المتقدم
والمتأخر (زمنيًا) كانت بالفعل معلّمة جذابة، وجد مؤثرة في كل من سنحت له الفرصة للقائها، تحفّه
بسحرها وجاذبيتها، فيبقى هائمًا ليظفر بشيء من الحكمة. والشأن عينه – وبحدة أكثر – بخصوص أوريجينا (ومن سار على النهج نفسه الأسقف إنسلم Saint م) 1142–1079(Pierre Abélard 1109–1033(وبيير بيتر أبيارد م) Anselme de Cantorbéry والقديس بونافنتورا Bonaventure Saint (1274–1221 وألبيرتوس ماغنوس م) Magnus Albertus 1280–1200(م) وتوما الإكويني... إلخ)، فهل كان في قدرته أن يؤلّف كتاب تقسيم الطبيعة، بتلك الدقة والصرامة الفكرية، لو لم يغترف من معين الفلسفة؟ وهل الفلسفة ستظهر بذلك الشكل الهائل في كتابه لو كانت خادمة بسيطة، كباقي الخدم؟ لقد بلغت جرأة الموقف الفلسفي لدى أوريجينا مبلغ اعتباره الأفخاريستية – مبدأ من مبادئ المسيحية الذي لا يناقش – مجرد رمز، بمعنى أنها لم تكن حدثًا واقعيًا.
وفي هذا الموقف تشكيك في تراجيديا المسيح المخلص. ولتستقيم الدراسة الفلسفية لأوريجينا، توجّه
إلى المصادر الأولى للفلسفة، "وقام بترجمة الكثير منها [...] وأبرزها مؤلفات ديونيسيوس المنتحل وكتاب القضايا المبهمة، والمسائل إلى تلاسيوم لمؤلفها مكسيم المعرف ". جعلت هذه الأصول من فكره أكثر "عقانية"، مقارنة بالثيولوجيين في زمانه، وإن كانت عناوين كتبه لا تحيل إلى ذلك، ككتاب المراتب السماوية، وفي أسماء الله، واللاهوت الصوفي، والمراتب الكنسية، لكن ما تضمّنته
من تصورات مختلفة، كانت كافية لإقرار بأنها ثيولوجية فلسفية، حيث أعاد بصيغ متعددة العبارة الشهيرة من كتابشرح على مارتيانوس كابيلا: "لا يدخل أحد السماء، ما لم يكن ذلك عن طريق الفلسفة"، وأوضح أن "الإيمان ليس إلا فجرًا، وأن رؤية العالم هي عز الظهر، والانتقال من هذا إلى
ذاك، هو سير الشمس الصاعد في نفوسنا، تلك هي الفلسفة الحقة"، وأقر أن "الوسيلة الوحيدة التي تمكننا من التقدم في هذا المسار نحو النور هو الجدل أم الفنون".
((4(مجبر على توظيف هذه اللغة الشعرية، لأنني لم أجد كلمات تعبّر عن الإحساس الذي يغمر رجال الاهوت عندما يطالعون
كتب الفلسفة أول مرة. وربما لهذا السبب وجد هايدغر وبارميندس عزاءهما في الشعر، لأن النثر لا يكفي أحيانًا للتعبير عن بعض المواقف والأحداث والقضايا الميتافيزيقية. ((5(جونو، ص.56 ((5(المرجع نفسه، ص.58 ((5(المرجع نفسه، ص.59
كان أوريجينا، وألكوين، وأنسلم، وأبيارد، وجون دانز سكوطس Scotus Duns Johannes –1265(1308 م)، وبونافنتورا، وماغنوس، والإكويني، ونيكولا دوكوز Cues de Nicolas (1464–1401 م)، وإيراسموس، سواء الفرانسيسكانيون منهم أو الدومنيكانيون Dominicana أو الشارتريون Chartrians أو غيرهم، أبناء الاهوت (السيد)، الذين أنشأتهم الفلسفة (الخادمة المركزية)، وأحسنت تربيتهم وتعليمهم، وكرّست فيهم شيئًا من العقانية. وبفضلهم تمكّنت الفلسفة من التقدّم في مسار السيادة
(ولا أقول التحرر)، رغم العقبات المتكررة، التي تقف أمام تامذتها؛ فقد كان أبيارد في سلك الرهبنة، لكنه مؤمن بالحب والزواج، وهو ما لا يتوافق قطعًا مع مبادئ الاهوت المسيحي، فقاموا بخصيه. كما أن سيجير دو برابانت Brabant de Siger (1284–1240 م) تعرّض للطعن في الباط البابوي.
وجون هوس Huss Jean (1415–1372 م) قُتل حرقًا، لكن ذلك كله لم يمنع الفلسفة من أن تشغل حيزًا كبيرًا في الخريطة الفكرية للغرب الأوروبي. واتضح ذلك في القرون الاحقة، بدايةً من القرن الثالث
عشر؛ أي عندما انتقلت الفلسفة إلى الجامعة.
ثالثًا: الفلسفة والجامعة في العصر الوسيط
تُعدّ الجامعة أحد العناصر الرئيسة التي مكّنت الفلسفة من الانتشار على نحو أوسع، لكونها تتويجًا للحركة الفكرية التي شهدها النصف الثاني من القرن الثاني عشر، والتي أحدثتها ترجمة الفلسفة العربية الإسامية، وكانت بمنزلة "شروق جديد للنشاط الفكري". فاكتشاف أبو الوليد بن رشد (ت. 595 ه/ 1198 م) وأبو علي الحسين بن سينا (ت. 427 ه/ 1037 م) وأبو نصر الفارابي (ت. 9/33 ه 950 م) ويعقوب بن إسحاق الكندي (ت. 256 ه/ 873 م) وأبو حامد الغزالي (ت. 505 ه 1111/م)، كان بمنزلة انطاقة جديدة لأوروبا الوسيطة، وبفضلها أصبحنا نتحدث عن نهضة القرنين الثالث عشر والرابع عشر، وصار في قدرتنا كذلك الحديث عن "أنوار وسيطة" بحسب تعبير ليو شتراوس Strauss Leo (1973–1899). فالقرنان الثالث عشر والرابع عشر ما كان لهما أن يعرفا ذلك الغنى الفلسفي والعلمي لولا الرشدية والسينوية والعلوم العربية في الطب والفلك والرياضيات والحيل والمناظر، "والغريب أن الفلسفة المتهمة بجمود التفكير في العالم الإسامي تعتبر في الغرب فاتحة التطور الفكري نحو الحداثة". في الواقع كانت الجامعة في العصر الوسيط، الفضاء المؤسساتي الضامن لسير هذه الحركة على نحو دؤوب، وكانت مكانًا للحرية الفكرية، والمناقشات السياسية والاجتماعية، ب قيد أو حاجز. يقول
((5(بفضل سيجير دو برابانت – سيرًا على خُطى ابن رشد – أضحى في مستطاعنا التمييز بين لاهوتين "لاهوت موحَى في مقابل
لاهوت فلسفي"، وهو الأستاذ الذي مثّل درس الرشدية في جامعة باريس. ينظر:
Fabienne Pironet, "Théologie révélée versus Théologie philosophique: Siger de Brabant renverse Thomas d’Aquin," Philosophiques , vol. 31, no. 2 (Automne 2004), p. 312. (54) François Picavet, "L’histoire des rapports de la théologie et de la philosophie," Revue internationale de l’enseignement , vol. 16 (Décembre 1888), p. 556. (55) David Lemler, "'Lumières juives médiévales': (S’) éduquer à l’épreuve du texte," Le Télémaque , vol. 2, no. 52 (2017), p. 33.
((5(بشارة، ص.176
المؤرخ الفرنسي إميل برييه Bréhier Émile (1952–1876) واصفًا الدور الذي اضطلعت به الجامعة في نص طويل: "لن نكون من المغالين إذا شدّدنا منتهى التشديد على الدور الاجتماعي للجامعات في القرن الرابع عشر في مفتتح القرن الخامس عشر؛ ففي القرن الخامس عشر صدر مرسوم ملكي، أكّدته أيضًا براءة صادرة عن لويس الثاني عشر سنة 1499، اختص متخرجي الجامعات بحصة وافية في توزيع الوظائف؛ فالدراسة المطولة كانت شرطًا لازمًا لتسمية الكهنة في أبرشيات المدينة". من خال هذا القرار الرسمي، يظهر أن الفلسفة والاهوت يعودان من جديد إلى الكنائس والأبرشيات والأديرة المركزية، لكن بمنطق مختلف، بالتساوي في المكانة. وقد كان من نتائج هذا القرار، دعوات الإصاح في القرن الخامس عشر؛ أي العودة إلى الأصول الأولى للدين المسيحي، لا إلى تأويات الباباوات والقساوسة، وذلك باستيحاء الفكرة من رواد النهضة الإنسانية مثل بوكاتشيو وإرازم وسواريز. صار رجال الاهوت بفعل هذا المرسوم، أكثر انفتاحًا على مجالات أخرى، وعلى الفلسفة، من دون أن يشكّل ذلك إحراجًا أو تناقضًا. يضيف برييه في هذا السياق تحديدًا: "ولم يكن من وسط أكثر
حرية من ذاك الذي توفّره الجامعات: وسيط وحي الفكر ودليل الرأي العام الأوروبي، أقوى قوة مهيبة الجانب، نصبت في مواجهة السلطات الشرعية. لم تكن أية هيئة أكثر حرية منها، لم يكن أي تنظيم أكثر ديمقراطية منها. مجالس تمثيلية للمجامع الكليات أو الأمم، ومجالس تمثيلية عامة، والحق في البتّ في جميع الشؤون، من إدارة وتعليم وقضاء؛ بل حتى مجلس تمثيلي للطلبة في بعضها [...] أساتذة يتطوعون من تلقاء أنفسهم، سلطات منتخبة، لأمد قصير من الزمن (رئيس الجامعة وعميد الكلية لثاثة أشهر أو أربعة، أو ستة، ولسنة واحدة على الأكثر)؛ تداركًا لتدخّل السلطة المركزية أو السلطات المحلية، تعد شبكة واقية من امتيازات غير منازع فيها؛ وإعفاء ضريبي، وحق في المحاكمة من قبل أعضاء السلك الجامعي نفسه، ضمانًا لفعالية هذه الضمانات الحق في تعليق الدروس [...] ذلكم هو الدستور الجامعي الذي أقرت به وكرسته حظوة الباباوات والملوك". من الواضح أن الجامعات في القرون الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، كانت بمنزلة دولة داخل الدولة، اتسمت أعرافها ومواقفها بدرجة عالية من الاستقالية. كانت الجامعة حقيقةً أثينا صغيرةً؛ تلك المدينة الديمقراطية المفعمة بالنشاط الفكري والسياسي. وبعد فشل المهتمين بالفلسفة والاهوت في تأسيس دولة/ مدينة على شاكلة أثينا، كان من الازم على الأقل تشييد مؤسسة، تكون مستقلةً بأعرافها ومبادئها، تكون صورة مطابقة لأثينا، تحقيقًا لحلم ألكوين الذي أراد أن يجعل من باريس أثينا جديدة، ومصبّ الثقافة والحضارة الإنسانية؛ تلك الثقافة "المنطلقة من الفردوس الأرضي المنتقلة
على التوالي من هنا إلى العبرانيين، ثم من العبرانيين إلى المصريين، ثم من المصريين إلى أثينا، ومن أثينا إلى روما، ومن روما إلى باريس". وليستقيم، بدقة، هذا المسار التاريخي، كان واجبًا علينا أن
نضيف إليه مدينة بغداد، وفاس، ومراكش، وقرطبة، وطليطلة؛ ليس بمنطق أخاقي فحسب، بل بمنطق
((5(برييه، ص.287 ((5(المرجع نفسه. ((5(جونو، ص.24
أكاديمي علمي يضع المساهمة العربية الإسامية في صلب "الروح الكوني" و"العقل المطلق" بحسب تعبير الفيلسوف فريدريش هيغل Hegel Friedrich (1831–1770). وقد سبق لهذا الأخير، أن أقرّ في
كتابه العقل في التاريخبوجود مراكز علمية أخرى أسهمت في التطور العام لتاريخ العالم ولحضارة الإنسانية. يقول: "إن البحر الأبيض المتوسط كان عنصر ربط دائمًا، ومركزًا لتاريخ العالم، بالنسبة إلى
ثاثة أرباع الكرة الأرضية. فهاهنا تقع اليونان، منارة التاريخ، وهنا أيضًا القدس في سورية مركز اليهودية والمسيحية. وفي الجنوب الشرقي منه تقع مكة والمدينة مهد الديانة الإسامية. ونحو الغرب تقع دلفي أثينا، وإذا سرنا أبعد في طريق الغرب وجدنا روما. على شاطئ البحر المتوسط توجد أيضًا مدينة الإسكندرية، ومدينة قرطاجة، وعلى ذلك فإن البحر المتوسط هو قلب العالم القديم، فهو الذي يتحكم فيه ويشيع فيه الحياة [...] والجزء الشمالي من أفريقيا، الذي يمكن أن يطلق عليه بصفة خاصة اسم 'أرض الساحل'، يقع على البحر المتوسط على المحيط الأطلسي، وهو إقليم رائع كانت توجد فيه قرطاجة فيما مضى، وتوجد فيه الآن مراكش الحديثة، والجزائر، وتونس، وطرابلس. ولقد كان من الواجب ربط هذا الجزء من أفريقيا بأوروبا، ولا بد بالفعل أن يرتبط بها [...] ها هنا استقر القرطاجيون، والرومان، والبيزنطيون، والمسلمون، والعرب، تباعًا، كما ناضلت المصالح الأوروبية لكي تجد على هذه الأرض موطئًا لأقدامها". كل هذه المراكز الثقافية التي ذكرناها، والأخرى التي ذكرها هيغل، كانت نقطة دفع بالنسبة إلى "الروح الكوني والعقل المطلق" للسير نحو التقدم، نحو المصبّ، الذي ستتراكم فيه وتتجدد، وتتجزأ إلى
حقول متعددة خصبة، قادرة على الإنتاج الغزير للمعرفة. هذا ما حدث تحديدًا في باريس إبّان القرن الثالث عشر، قبل أن يتسلل إلى باقي أرجاء أوروبا، ويعمّ العالم بأسره. لهذا، أصرّ جيلسون على اعتبار القرن الثالث عشر البداية الفعلية للأزمنة الحديثة، وليس
القرن السابع عشر مع ديكارت وفرانسيس بيكون Bacon Francis (1626–1561)؛ فابتداء من القرن الثالث عشر صارت الفلسفة تأخذ مكانها بوصفها سيدة أولى، متحديةً القرارات الرسمية، لأنها كانت تعلم أن الحاضر هو حاضرها، وكل المؤشرات تنمّ عن انطاقة جديدة؛ فما "يشغل الفلسفة ليس الماضي ولا المستقبل (إن شئنا الدقة) وإنما هو الحاضر: أعني ما هو موجود وله وجود أبدي: وهو العقل"؛ فقد يكون الماضي مسرحًا لأحداث مأساوية، تجعل العقل يتوقف لحظة من الزمان، وقد
يحمل المستقبل مفاجأة أكثر سوءًا بالنسبة إلى الفلسفة. لهذا، ما يكتسي أهمية كبرى هو الحاضر؛
أي البحث عن السبيل الأمثل لجعل العقل هو السائد. ورغم ما في المهمة من صعوبة، وذلك لكون
((6(يقصد هيغل: الشام. ((6(بعدما تربّعت أوروبا على عرش العالم، عادت من جديد إلى هذا المسار التاريخي الذي جرت عليه في الحضارة الإنسانية،
فبدأت بمدينة طليطلة في الأندلس، وصقلية في تونس، وعاد نابليون إلى مصر، وكانت هذه العودة إيذانًا بحمات استعمارية لباقي الأمصار، من أجل الاستياء على ما تبقّى من خزائن وتراث علمي هائل. (6((فريدريك هيغل، العقل في التاريخ، ترجمة وتقديم وتعليق إمام عبد الفتاح إمام، ط 3 (بيروت: دار التنوير، 2007)، مج 1، ص.173–166 ((6(المرجع نفسه، ص.162
الحاضر في كثير من الأحيان في قبضة الاهوت أو السياسة أو الاستهاك (كما هو اليوم)، فإن العقل لا يموت، وإنما ينام فقط، ودائمًا ما يقطن في زاوية من زوايا الحاضر. قد يفهم البعض العودة المتكررة إلى كتب القدامى ك محاورة الجمهورية، ومحاورة جورجياس Gorgias (dialogue) لأفاطون أو الأخلاق النيقوماخية Nicomachean Ethics وفي السياسة Politics لأرسطو، أنه دليل على اهتمام الفلسفة بالماضي؛ في حين أن العودة تكون بدافع البحث عن أجوبة لأسئلتنا الملحّة في الحاضر. "فالفاسفة ليسوا حراس مقابر" كما قال جيلسون. أليس موضوع محاورة الجمهورية Republic Plato) (وجورجياسهو موضوع العدالة؟ كذلك كان موضوع كتاب جون رولز Rawls John –1921(2002) نظرية في العدالة A Theory of Justice، في حاضرنا. هذا المبدأ سمح للفلسفة بالاستمرار، لأنها لا تعير الاهتمام لما كان في الماضي من فوضى أعقبت سقوط روما، وما آلت إليه الأوضاع من انبثاق لمؤسسة رسمية "منفصلة عن الدولة الرومانية، [تعتبر نفسها] وارثتها في الوقت عينه [...] وصارت الكنيسة هي السائدة"، وضعت الباباوات وصايا على المجالات كلها؛ مؤسسة حوّلت الدين نفسه، من شعور فردي، وتجربة روحية باطنية، كما رسّخه المسيح وتاميذه بعده كبولس الرسول وبطرس، إلى جملة من الأفكار، والمذاهب، والطقوس، تكبل الفرد كما تفعل العنكبوت لفريستها. وقد سبق لإيراسموس أن اشتكى من ذلك، قائا: "حقًا، إن قيد المسيح يكون لطيفًا وحمله خفيفًا إذا لم تُضف شرائع الإنسانية التافهة شيئًا لما عرضه هو نفسه. وإنه لم يأمرنا إلا بأن يحب بعضنا بعضًا [...] ولا شيء يتفق مع طبيعة الإنسان أحسن من فلسفة المسيح [...] وقد أضافت الكنيسة لها أشياء كثيرة يمكن الاستغناء عن بعضها من دون الإضرار بالإيمان [...] فما أكثر القواعد والأوهام التي تعرفها عن الثياب وما أكثر أيام الصيام. وماذا نقول عن سلطة البابا وإساءة استخدام صكوك الغفران؟". فقد كان لانتقال الدين من الشعور الفردي إلى أفكار اقتصادية وسياسية وعقائدية أثر بالغ في الثقافة الأوروبية الوسيطة، وأفرز ذلك أساليب من الممارسات الطقوسية الغريبة الممارسة المراقباتية؛ من قبيل صكوك الغفران، والحق الإلهي للبابا والملك، أو ما يسمى بالنظرية الثيوقراطية Theokratia، وصاحبَ هذه الأساليب أدوات الضبط والعقاب كمحاكم التفتيش. لم تتخلص أوروبا من هذه المنظومة التحكمية إلا بعد "مخاض عسير" بحسب تعبير محمد سبي (2021–1942)، بمساهمة جليلة من الفلسفة؛ فهي التي أنارت السبيل نحو الحداثة. وكثيرًا ما أحسّ الباباوات والملوك بخطورتها، فأصدروا ضدها سيا من القرارات، لمنع تدريسها. لكن القرارات لم تزدها إلا رسوخًا وانتشارًا وقابلية لدى عموم الناس. ويتضح ذلك بجاء في القرن الخامس عشر "لما حاول لويس الحادي عشر تنظيم أمور التعليم في سنة 1473 وأمر بتدريس مذهب الفيلسوف
((6(بشارة، ص.103 (6((ول ديورانت، قصة الحضارة: الإصلاح الديني، ترجمة عبد الحميد يونس (القاهرة: مهرجان القراءة للجميع، 2001)، مج 12، ص.203
العربي [ابن رشد] ومذهب أرسطو "، كما ظهر "في السرعة التي كانت تنتشر بها الكتب من أقصى أوروبا إلى أقصاها، فقد نفذت فلسفة أبيارد حتى الصميم من إيطاليا، وكان لشعر الجائلين بفرنسا، في أقل من قرن، ترجمات ألمانية ونرويجية وآيسلندية وهولندية وبوهيمية وإيطالية وإسبانية، وكان الكتاب الذي يؤلّف في مراكش أو القاهرة يُعرف في باريس أو كولونية في وقتٍ أقل مما يقتضيه عبور كتاب مهم من الراين يؤلف في ألمانيا". كانت هذه الوقائع في مجملها، ووقائع أخرى في المسار ذاته، بوادر عصر جديد ومختلف؛ عصر استرجعت فيها الفلسفة ريادتها التي سُلبت منها فترةً طويلة، فباتت مصدر فخر وجذب، لكل من
يتلقى منها ولو النزر اليسير، بل بحثوا عن مصادرها الأولى وما تحمله من مثل عليا، عصر تحول فيه الفهم الاهوتي للأشياء والظواهر إلى فهم عقلي علماني؛ وهذا ما سيطلق عليه ماكس فيبر في نهاية القرن التاسع عشر: العلمنة؛ أي "تمايز المجالين الديني والدنيوي، وتحديد الدنيوي تدريجًا للديني،
وفي دور الدين والاهوت في نزع السحر عن العالم"؛ بمعنى عملية "دنيوة" للوعي والممارسة البشرية لناحية تعبر عن كون هذه الممارسة البشرية دنيوية وعملية تمايز عناصرها الدينية وغير الدينية في الوقت عينه، من حيث تحديدها وتمأسسها. العلمنة، مفهومًا، هي عمليًا اسم لأنموذج تفسيري
لعملية تطور إنسانية عامة على مستوى التاريخ الطويل فيما يتعلق بمعرفة الظواهر، وفيما يتعلق بعاقة السلطة الدينية بالسلطة السياسية، أو الدين بالدولة". لكن هذا التمايز بين العنصرين الاهوتي والدنيوي لا يعني البتّة أن الاهوت صار خارج اهتمامات الفاسفة؛ بل على العكس، ظل حاضرًا في
معظم أعمال فاسفة العصر الحديث، وحتى في أكثرهم نزوعًا إلى الريبية، مثل ديفيد هيوم David Hume (1776–1711)، لأن "الدين والفلسفة توجد بينهما تقاطعات أكثر من النجوم في السماء، رغم غيوم الوقت الحاضر التي تحاول أن تمنعنا أحيانًا من رؤيتها وتقدير لمعانها". لهذا، لا يمكن أن تختفي الدراسات الاهوتية من مجال الفلسفة، رغم ما بلغه الإنسان من تقدّم وتطور، اتخذت فيه العلمنة صورة أكثر اكتم لً في جميع المجالات؛ لأن الشعور الفردي الذي يرتبط بالاهوت اليوم، ينفلت من هذا التطور. إن التداخل بينهما في السياق الأوروبي ليس طبيعيًا أو اختياريًا، فهو إجباري،
لأن البداية الأولى فرضت ذلك، فالفلسفة مدينة لاّهوت بالحماية (أثناء سقوط الإمبراطورية)، فضا عن أن الاهوت ما كان في استطاعته أن يثبت ويدافع عن مبادئ الاهوت من دون الاعتماد على
((6(كان هذا الفيلسوف العربي "صاحب ثورة إبستيمولوجية جديرة بأن تصنف مع الثورات الثاث: الفلكية (الكوبرنيكية)، والبيولوجية (الداروينية) والسيكولوجية (الفرويدية). ينظر: برونيه، ص.15 (6((غوستاف لوبون، حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2013)، ص.589 (6((رينان، ص.213 ((6(رأى ماكس فيبر أنها عملية خاصة بأوروبا وحدها، فقد عرفت حضارات أخرى ازدهارًا اقتصاديًا وقوة سياسية، لكنها لم تعرف
العلمنة، لأنها روح ثقافية خاصة ومميزة. ينظر: بيبا نوريس ورونالد إنغلهارت، مقدس وعلماني: الدين والسياسات في العالم، ترجمة وجيه قانصو وأحمد مغربي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.247 ((7(بشارة، ص.39 ((7(المرجع نفسه، ص.41
(72) Grodin, p. 58.
المنهج الفلسفي "الديالكتيك الأفاطوني" Plato’s Dialectic، فالأقانيم الثاثة لا تُفسَّر بالإيمان وإنما بالجدل. إن أعظم ما أبدعه العصر الوسيط هو الجامعة، وكانت العامة البارزة والفارقة على بداية سيادة الفلسفة؛ فلولا ظهور الجامعة، لما نجحت النهضة الثانية، ولما حدثت النهضة الثالثة (النهضة الإنسانية) التي أنتجت الإصاح الديني والعلم الحديث والأنوار.
خاتمة
إن للمفكر حقّ التأمل، وعلى الفيلسوف واجب التريث في كل ما يرتبط بالأحكام القادحة والقاسية في حق العصر الوسيط، وذلك بالنظر إليه باعتباره مرحلة انتقالية سادها توقف لقافلة الحضارة الإنسانية في "ليل حالك قوطي طويل"، دام ما يزيد على عشرة قرون. لكن من ذا الذي يقنع أبيارد، أو أنسلم، أو الإكويني بهذا الموقف؟ أولئك الذين اعتبروا عصرهم عصر الفلسفة والعلم والاهوت. ومن يقدر اليوم على إقامة مناظرة مع أبيارد من دون أن يغلبه شعور الخجل والوجل؟ ومن ذا الذي يقتدر في حاضرنا أن يضع كتابًا من خمسة أجزاء (كل جزء يتجاوز ستمئة صحيفة، ككتاب الخلاصة اللاهوتية Summa Theologica (1485) لإكويني) للمبتدئين من متعلمي الاهوت والفلسفة، في الوقت الذي اعتبر فيه كبار دارسي العصر الوسيط (كجيلسون، ودوليبيرا، وبول يوهانس تيليش Johannes Paul Tillich (1965–1886) وغيرهم)، هذا الكتاب بمنزلة خاصة فكر العصر الوسيط. وكيف سيبدو الكتاب الموجه إلى أهل الاختصاص؟ واضح، إذًا، ماذا كان يفترضه الإكويني من متعلّميه من معارف أساسية. غني عن البيان أن ذلك ينمّ عن مستوى فكري عالٍ، نستحيي مقارنته بعصرنا، الذي أضحت فيه كتب الجيب والساسل الشارحة التبسيطية هي ما يوجّه التعليم في الجامعة. هل كان في الإمكان أن يعرف العصر الوسيط مثل هؤلاء المفكرين، لو كانت الفلسفة تلك الخادمة المتواضعة لاّهوت كما هو شأن باقي الخدم؟ وكذلك يقال عن الفن السياسة والعلم. وهل كان في إمكاننا الحديث عن النهضة الإنسانية وعن الإصاح الديني البروتستانتي Protestant The Reformation وعن العصر الحديث برمّته، لولا عودة الفلسفة إلى وضعها الطبيعي بوصفها سيدة لا خادمة؟ هل كنا سنحصل على كتابات خالدة، من قبيل الكوميديا الإلهية Divina Commedia (1320 م) لدانتي أليغييري Alighieri Dante 1321–1265(م)، ويوليوس المستثنى من السماء Julius Excluded from Heaven (1514) لإيراسموس، و الأمير De Principatibus (1532) لميكيافلي، لو كانت الفلسفة مجرد خادمة طائعة، خانعة تحت وطأة أقدام الاهوت؟ وأخيرًا، هل كنا سنشهد ترجمة للفلسفة العربية لو كان الاهوت هو الذي يوجه اهتمامات مفكري العصر الوسيط؟ يُلزمنا التاريخ الأوروبي بالإجابة عن هذه الأسئلة الشائكة بالنفي؛ أي يجب علينا الإقرار بأن الفلسفة لم تكن يومًا خادمة، بمعنى الأداة والوسيلة. ويجبرنا على الإقرار بأن العصر الوسيط، وتحديدًا القرن الثالث
عشر هو البداية الفعلية للأزمنة الحديثة؛ فهو قرن الغنى والتجديد والتفرع المعرفي، قرن سارت فيه أوروبا بخطى سريعة، حول مراكزها الثقافية، إلى جامعات عالمية، تستقبل الطلبة والأساتذة من جميع الأقطار، ومن طبقات المجتمع كافة. وقد صاحب ذلك تجديد حتى على مستوى المؤسسات المحلية للأقاليم، ب "حيث بدأت الأديرة الكبرى – على نمط جديد – تظهر، ويعتبر دير كلوني بداية الإسراع في تنشيط الحياة الدينية التي نجم عنها إصاحات جمة، بخاف ما كان في السابق من وجود أديرة صغيرة يعيش رهبانها من حرث الأرض وتنظيف الغابات، يسترقون بعض الفراغ لقراءة المخطوطات القديمة. فالمؤسسات الجديدة هيّأت للأفراد متسعًا من الوقت لإرضاء فضولهم الفكري، وأدى هذا بدوره إلى زيادة المهتمين بالحياة الفكرية وخلق – بصورة مباشرة – تربة خصبة لاتجاهات الجديدة في الفكر". وأسهم ذلك في انتشار واسع للفلسفة، وصارت في صلب اهتمامات الطلبة والباحثين والمثقفين ورجال الاهوت أنفسهم. وتمكنت في الأخير من تفكيك أنساق الاهوت وفصلها عن كل ما هو دنيوي. لذلك، فإن قبلت في البداية بأن تكون خادمة، فبدافع حماية نفسها من الضياع فحسب، حتى تتهيأ لها الظروف نحو العودة إلى موضعها الطبيعي، وأروقة الجامعة والفضاءات العامة والمكتبات وعقول الباحثين، وحتى في دواوين الشعراء (كدواوين شارل بودلير Baudelaire Charles (1821–1867) وأدونيس، وغيرهما)، ولوحات الفنانين (كلوحات ليوناردو دي سير بيرو دا فينتشي Piero ser di Leonardo Vinci da (1519–1452))، وكمسرحيات وليام شكسبير Shakespeare William (1616–1564)، وروايات الأدب العالمي كروايات فيودور دوستويفسكي Dostoevsky Fyodor (1881–1821)، ونظريات العلماء كألبرت أينشتاين Einstein Albert (1955–1879) وبليز باسكال Pascal Blaise (1662–1623)، وكثيرًا ما تفتقد هذه الحقول الدقة والعمق في تناول القضايا الفكرية، عندما لا تأخذ في الاعتبار المناهج والمرجعيات الفلسفية، التي ستمكنها من الوقوف عند أدق التفاصيل.
References
المراجع
العربية
أورليس، ماركوس. التأملات. ترجمة عادل مصطفى. مراجعة وتصدير أحمد عثمان. القاهرة: دار رؤية للنشر التوزيع،.2010 أوغسطين. مدينة الله. ترجمة الخور أسقف يوحنا الحلو. ط 2. بيروت: دار المشرق،.2007 بدوي، عبد الرحمن. فلسفة العصور الوسطى. ط.3 بيروت: دار القلم،.1979
((7(فما دامت الأزمنة الحديثة قد بدأت في القرن الثالث عشر، فمن الازم الحديث عن الحداثة بصيغة الجمع؛ فالتأريخ لها، بداية
من ديكارت، ما هو إلا محاولة للتهرب من هذه الواقعة التاريخية الثابتة، سعيًا لإخفاء المساهمة العربية في تشكّل الفكر الحديث.
(7((جون هرمان راندال، تكوين العقل الحديث، ترجمة جورج طعمة، تقديم محمد حسين هيكل، مراجعة برهان دجاني، ج 1 (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2013)، ص.56
برونيه، جان–باتيست. ابن رشد المقلق. ترجمة جورج زيناتي. تقديم الحسين سبحان. ط 2. بيروت: دار المدار الإسامي،.2021 برييه، إميل. تاريخ الفلسفة: العصر الوسيط والنهضة. ترجمة جورج طرابيشي. ط 2. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.1988 بشارة، عزمي. الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 2، مج 1: العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 بويثيوس. عزاء الفلسفة. ترجمة عادل مصطفى. مراجعة أحمد عثمان. القاهرة: دار رؤية للنشر والتوزيع،.2008 جونو، إدوارد. الفلسفة الوسيطية. ترجمة علي زيعور. ط 2. القاهرة: دار الأندلس للطباعة والنشر،
جيلسون، إتيان. الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط. ترجمة إمام عبد الفتاح إمام. ط.3 بيروت: دار الطليعة للطباعة النشر،.2009 حسن، غادة وهبة عبود. "النهضة الكارولنجية زمن شارلمان". مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات العلمية – سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية. مج 83، العدد 5 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2016 ديورانت، ول. قصة الحضارة: الإصلاح الديني. ترجمة عبد الحميد يونس. القاهرة: مهرجان القراءة للجميع،.2001 راندال، جون هرمان. تكوين العقل الحديث. ترجمة جورج طعمة. تقديم محمد حسين هيكل. مراجعة برهان دجاني. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2013 ريكور، بول. صراع التأويلات: دراسات هيرمينوطيقية. ترجمة منذر عياشي. مراجعة جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2005 رينان، إرنست. ابن رشد والرشدية. ترجمة عادل زعيتر. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية،.1957 سافرانسكي، روديغر. معلم ألماني: هايدغر وعصره. ترجمة عصام سليمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 سبيا، محمد. الحداثة وما بعد الحداثة. الدار البيضاء: دار توبقال،.2001 شيشرون. علم الغيب في العالم القديم. ترجمة وشرح وتعليق توفيق الطويل. القاهرة: مطبعة الاعتماد، [د. ت.]. كوثراني، وجيه. "الذاكرة من منظور مؤرخ". تبين. مج 9، العدد 33 (صيف.)2020 لوبون، غوستاف. حضارة العرب. ترجمة عادل زعيتر. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة،.2013
ميكيافلي، نيكولا. الأمير. ترجمة أكرم مؤمن. القاهرة: مكتبة ابن سينا،.2004 هيغل، فريدريك. العقل في التاريخ. ترجمة وتقديم وتعليق إمام عبد الفتاح إمام. ط 2. بيروت: دار التنوير،.2007
الأجنبية
Blumenberg, Hans. La légitimité des Temps Modernes. Mar Sagnol, Jean Louis Schlegel & Denis Trirweiler (trad.). Paris: Gallimard, 1999. De Libéra, Alain. "Renouveaux de la pensée médiévale: La contribution dominicaine." Revue des sciences philosophiques et théologiques. vol. 3, no. 92 (Mars 2008). at: https://bit.ly/3XvaU1L Gilson, Etienne. Le philosophe et la théologie. Paris: Vrin, 2005. _______. La philosophie au moyen âge: Du XIII siècle à la fin du XIVème siècle. Paris: Edition petite bibliothèque Payot, 1976. Grodin, Jean. "la religion dans la philosophie et la philosophie dans la religion." Théologiques. vol. 27, no. 1 (2019). Lemler, David. "'Lumières juives médiévales': (S’) éduquer à l’épreuve du texte." Le Télémaque. vol. 2, no. 52 (2017). Löwith, Karl. Histoire et salut: Les Présupposés théologiques de la philosophie de l’histoire. M. C. Calliol–Gillet, S. Hurstel & J.–F. Kervégan (trad.). Paris: Gallimard,
Picavet, François. "L’histoire des rapports de la théologie et de la philosophie." Revue internationale de l’enseignement. vol. 16 (Décembre 1888). Pironet, Fabienne. "Théologie révélée versus Théologie philosophique: Siger de Brabant renverse Thomas d’Aquin." Philosophiques. vol. 31, no. 2 (Automne 2004). Van Steeenbergen, Fernand. Histoire de la philosophie, période chrétienne. 2 nde ed. Paris: Louvain Publications Universitaires, 1973. _______. Introduction à l’étude de la philosophie médiévale. Paris: Louvain Publications Universitaires, 1974.