مراجعة كتاب: الثَّقَافَةُ بالجَمْع: [سياسات ثقافيَّة جديدة] لميشال دو سارتو
Book review Culture in the Plural by Michel de Certeau
الملخّص
م العنوان الأصلي للكتاب : La culture au pluriel عنوان الكتاب : الثَّقَافَةُ بالجَمْع. المؤلف: ميشال دو سارتو. المترجم: محمد شوقي الزين. الناشر: بيروت: دار الروافد الثقافية؛ وهران: دار ابن النديم للنشر والتوزيع. سنة النشر : 2022. عدد الصفحات : 263.
Abstract
Assistant Professor, Faculty of Law and Political Science, Abi Bakr Belkaid University, Tlemcen, Algeria. amine.bendjilali@yahoo.fr
العنوان الأصلي للكتاب: عنوان الكتاب: المؤلف: المترج م: الناشر: والتوزيع. سنة النشر: عدد الصفحات:
La culture au pluriel
الثَّقَافَةُ بالجَمْع. ميشال دو سارتو. محمد شوقي الزين. بيروت: دار الروافد الثقافية؛ وهران: دار ابن النديم للنشر
مقدمة
يضطلع كتاب الثقافة بالجمع La
culture au pluriel)1993( لميشال
دو سارتو Certeau de Michel بمهمّة ترسيخ
(1) Michel de Certeau, La culture au pluriel, 3 ème ed. (Paris: Seuil, 1974), p. 228.
هذا الكتاب هو في الأصل لقاءات أجراها دو سارتو مع
مختلف الفاعلين الرسميين وغير الرسميين في الحقل الثقافي،
ثم دوّنها في شكل نصوص وسلسلة من المقالات المتفرّقة
التي نشرها بين عامي 1968 و 1973 (يمكن الرجوع إلى
الصفحات 453 و 3 من المؤلَّف لاطاع على عناوين تلك
المقالات في نشرتها الأولى). راجعها الكاتب وعدّلها
وجمّعها في الطبعة الأولى التي صدرت عن دار النشر الفرنسية
Seuil بباريس عام 1974، وهناك طبعة ثانية صدرت عام
1980، وهي دراسات وإضافات وتعديات أدرجها دو سارتو،
وهي الطبعة التي اعتمدتها الباحثة والكاتبة الفرنسية لوس
جيار Geyer Louis لتخريج الطبعة الثالثة التي نقحتها وقدّمت
لها عام 1993 وبحسب تصريح المترجم محمد شوقي.
الزين، في حوار صحفي ليومية الوسطالجزائرية (عدد 7 آب/
أغسطس 2021) قبل نحو شهر من صدور الكتاب، كان أول
نشر لهذه الترجمة في سنة 2012 بالمنامة في البحرين عن
وزارة الثقافة والفنون، في إطار فعاليات المنامة عاصمة الثقافة
العربية، والذي كان نشرًا خاصًا لم يتعدّ بضع نسخ؛ لذلك
أعادت "الروافد الثقافية" بعث الكتاب من جديد في نسخته
العربية عام 2022. ينظر: "ترجمة جديدة لكتاب الثقافة بالجمع
لميشال دو سارتو"، الوسط، 2012/8/6، شوهد في:
2023/2/25، في: https://bit.ly/3ExsjQz
(((مؤرّخ وأنثروبولوجي وفيلسوف فرنسي معاصر. عَمل
أستاذًا زائرًا في جامعة سان دييغو بكاليفورنيا، وأستاذ
الأنثروبولوجيا الثقافية وأنساق الاعتقاد في المدرسة العليا
للدراسات الاجتماعية في باريس. من أهم أعماله حول
الثقافة: الأخذ بزمام الكلام (1968)؛ والثقافة بالجمع (1974)؛
وابتكار الحياة اليومية (1980). توجد طريقتان لفهم فكر
دو سارتو: قراءة جوانية وقراءة برانية. الأولى، ترتبط بالسؤال
التالي: أي وسيلة تمكننا من قراءة ميشال دو سارتو؟
ما المرجعيات والمفاهيم والمناهج المستعملة لاشتغال على
نصوصه؟ يفضل المترجم "قراءة ميشال دو سارتو بميشال
Lire Michel de Certeau par Michel de "دو سارتو نفسه
lui-même Certeau؛ أي بقراءة أفكاره وفقًا للمفاتيح المفاهيمية
الخاصة بنصوصه في إطار نسيج راهنيتها. الثانية، هي استقراء
أفكار خارج نص دو سارتو ومحاولة إسقاطها عليه كمافعل
يان بوكانان Buchanan Ian وفلور كورتوا لورو – Courtois Fleur
heureux ’ L باستعمالهما مفاهيم جيل دولوز Deleuze Gilles
(1995–1925) في تحري نصوص دو سارتو، ينظر:
Mohammed Chaouki Zine, L’ordinaire et le quotidien. Introduction à la théorie des pratiques et des usages chez Michel de Certeau (Beirut: University Foundation for Studies and Publishing, 2016), p. 49.
مقاربة جديدة من أجل فهم مغاير للثقافة التي لم تَعد في المنظور التداولي عند دو سارتو منفصلةً عن المجتمع، بل هي ما يشبه تعبير كليفورد غيرتز Clifford Geertz في تأويل الثقافات عام 1973 "نسيج المعنى الذي يولّد الأفعال الاجتماعية"، على عكس ما كان سائدًا في التَّصور الحدّي الثابت للثقافة الذي اختزلها في "مجموع الإدراكات والتقاليد والأفكار والمعارف والعادات التي تُشكّل رؤية العالم" (ص. 10). عطفًا على ما سبق، يكتسي هذا المؤلَّف أهمية نظرية ونقدية وديناميكية بالغة للحقول المعرفية في العلوم الإنسانية. تُشير لوس جيار Giard Luce أنّه "يُمكن لكتاب الثقافة بالجمع
أنْ يكونَ مقدّمةً مشروعةً للأنثروبولوجيا السياسية عند دو سارتو" (ص. 4)3 ومن هنا أحدث دو سارتو تحوّلً بارزًا في مسار الفكر والثقافة والدراسات
الثقافية المعاصرة تحديدًا، إذ طرقَ مسألة الثقافة
باستدعاء اليومي والعادي من الحياة المعيشة، فأصبحت الثقافة معه مج لً يُدرس على المستوى
الجزئي "الميكروسكوبي"، وخصوصًا عند تفكيكه
علوم الإنسان إلى مجالات أصغر وأدق هي: الدين والتاريخ والثقافة. ويبدو أنّ نقد دو سارتو لمفهوم الثقافة، كان في سياق مياد فلسفة الثقافة، في صلة قويّة بالحدث الثقافي الأهم؛ ثورة مايو
1968 بفرنسا، بالرغم من "صعوبة استيعاب المجتمع الفرنسي للقطيعة الثقافية والجيلية".
(3) Stephen Muers, "Culture, Values and Public Policy," IPR Report, University of Bath (September 2018), p. 5.
(((ثورة مايو 1968 هي معركة الأفراد من أجل سياسة
تُدبَّر على مستوى العتبة التحتية للمجتمع وليس على
صعيد البنية الهرمية لمراكز القرار. للتفصيل أكثر، ينظر:
محمد شوقي الزين، الغسق والنسق: مقدمة في أفكار
ميشال دو سارتو (الكنان، التاريخ، اليومي) (بيروت:
المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر؛ الجزائر: مدارج –
الوسام العربي، 2018)، ص.68
(5) Michel de Certeau, "Pour une nouvelle culture. Le pouvoir de parler," Études , vol. 408, no. 5 (2008), p. 629.
يتلّخص المسعى الحثيث للمؤلّف في محاولته نزع الطابع التجريدي عن مفهوم الثقافة، في مقابل الاشتغال على إضفاء السمة الإجرائية عليه، وذلك عن طريق جعله مرتبطًا بالفعل الثقافي، ومتميّزًا
بدلالة واضحة، ومنتجًا لعمليات ثقافية مبدعة داخل
الفضاء الاجتماعي. وعليه، تتمحور الإشكالية المركزية للكتاب حول البحث عن كيفية تشكّل الثقافة وتكوينها، باعتبارها نشاطًا خاَّقًا داخل فضاءات إكراهية واشتراطات قسرية، مما يُبين عن
مفارقة مستترة تُلزم الكاتب بالحفر في المقتضيات الأيديولوجية والسياسية التي تقبع تحت سطح الثقافة وتتحكم في الفعل الثقافي. لذلك ينطلق دو سارتو من فرضية "الابتكار" الثقافي التي يقصد بها كل ما يصنعه الجمهور ثقافيًا خارج إرادة النخبة،
وبعيدًا عن كل ما تنتجه سلطتها، وبمعنى آخر؛ ما يمكنه أن ينفلت من المخطط الصارم للسياسة الثقافية، ويرتهن بفاعلية الإنجاز لدى الجمهور، بحيث يربط دو سارتو ذلك بشرط إمكانٍ هو الحرية؛ لأنّ هذا الكتاب بحسب لوس جيار Luce Giard " يتبدى بشكل أساس نصًا سياسيًا، درسًا
في الحرية " (ص. 33)، اعتمد دو سارتو على نقد البداهات والمسلمات والخطابات الجامدة التي تحوزها النخبة حول الثقافة، وفي المقابل سار نحو الإزاحة على الممارسة التداولية للثقافة من الفاعل الاجتماعي. وارتكز على توليف منهجية مركّبة تتناغم داخلها الأدوات التاريخية، والأنثروبولوجية، والدراسات الفلسفية، والألسنية، والنفسية. واعتبر المفهوم التداولي للثقافة في حدّ ذاته أداة تأويلية وتحليلية للممارسات اليومية. يتجه دو سارتو من خال هذا العمل الذي تبرز مِعماريته الأساسية في بناء تمفصل بين الثقافة العالِمة والثقافة الجماهيرية إلى الكشف عن المسارات الإبداعية للفعل الثقافي داخل الحياة
الاجتماعية، على أنْ يكون هذا الفعل مصحوبًا بالدلّالية والفاعلية والتبادليّة. فالدلّالية متصلة
بتبديد الأوهام العالقة في ذهن الفرد حول رؤيته للممارسات الاجتماعية ولغة الخطاب المتشكّلة حول المجتمع. أما الفاعلية، فمرتبطة بإيجاد الفضاء المائم للممارسات الثقافية للحاضر، وإعادة بعث الطاقات الإبداعية من مكانها الهامشي. وأخيرًا
التبادليّة التي ترسم خريطة طريق للبحث عن
سياسات ثقافية في إمكانها وصل الدولة ومؤسساتها باليومي الخاص بالجمهور. ترتبط الرهانات السياسية والاجتماعية للأسئلة التي يتناولها الكتاب بخلق الحاضر والقدرة على إضفاء دلالة على معنى الاختاف من أجل العيش المشترك.
أولا: غرَائِبيَّات وقَطِيعَات في اللُّغَة
ينطلق دو سارتو من الإشارة إلى أزمة شاملة في "التمثياث" داخل الحضارة الغربية، والتي تُعدُّ سببًا رئيسًا لتناقض السّيادة في المجتمعات،
وتقويض الثقة في المؤسسات وتداعي القيم في الممارسات، ويدعو إلى ضرورة البحث عن سلطة شرعية تَضمن الثقة المجتمعية والمؤسّسية، وبقاء القيم في المجتمع باعتبارها مرجعيات مشتركة، وذلك ما يفترضه في موضع آخر من كتاباته: "يجب إضفاء الشرعية على السلطة، لتحديد القوة التي تجعلها فعّالة، وخلق
(((أكّد هذا الاتجاه الأستاذ فرانسيس فوكوياما Francis
Fukuyama، عندما اعتبر أنّ الثقة هي بمنزلة رأس المال
الاجتماعي و"السمة الثقافية الوحيدة" والراسخة التي
لا يمكن الاستغناء عنها في بناء القدرة التنافسية للمؤسسات
والدول والأفراد في المجال الاقتصادي. ينظر: فرانسيس
فوكوياما، الثقة: الفضائل الاجتماعية ودورها في خلق الرخاء
الاقتصادي، ترجمة معين الإمام ومجاب الإمام (الدوحة:
منتدى العاقات العربية والدولية، 2015)، ص.27–26
سيادة تمكنها من القابلية للتصديق". تخلق هذه الأزمة في الأفق المنتظر لإنسان الغربي حضورًا
للقلق وغيابًا للمعنى وحجبًا للحقيقة، وقد تحمل
هذه التجليات لفقدان الصدقية الوهمَ والعنفَ
وكل ما هو غريب عن واقع التنظيم الاجتماعي، وبتعبير دو سارتو " الافتقار إلى التمثيات الاجتماعية 48 " (ص). تعبّر أزمة التمثيات
الاجتماعية للحركات الشعبية عن شمولية واقع المنفعة والهيمنة في مقابل انحسار القيم والحرية، نظرًا إلى ارتباط مرجعياتها بتوازنات سياسية
واقتصادية وثقافية يمكن أن تعمل على تدمير الوعي الجمعي الذي شكّل صدقيتها. إنّ انهيار الصدقية وانعدام الثقة بين المجتمع والمؤسسات، يتجلّى تحديدًا في حدوث العنف الذي تبدأ مامحه بارزةً في سلوكيات أفراد المجتمع الرافضة لمخرجات النسق المؤسّسي التي تبدو
واهيةً وغير يقينية وتسلّطية، قائمة على الإخضاع والإذعان والقهر. فالعنف هو نتيجة طبيعية للعصيان المدني، "يُولد العنف قبل كل شيء من التمرُّد ضد
المؤسَّسات وضد تمثيات أصبحت 'غير قابلة
للتصديق'" (ص. 52). من هنا يُحاول دو سارتو
الاقتراب من العنف باعتباره ظاهرةً صحيّةً يمكن أن
تُعيد التوازن والاستقرار داخل المجتمع، ف "ينبغي الاعتراف به كواقعة لها قوة " (ص. 52)؛ إذ يمكن أن يكون وسيلةً للمقاومة المنتظمة من أجل تحصيل الحقوق العمالية والنقابية والانتخابية، ف ينبغي النظر إلى العنف في ذاته، ومن الضروري الحديث عن العنف الذي يؤسّس طاقات جديدة عند الأفراد
والفئات الاجتماعية، سواءً على مستوى اللغة أو
الإرادة المتطلّعة إلى بناء عاقات على أساس الاتصال بالحوار في ظل نشوء المؤسسات، ف "وراء
(7) Michel de Certeau, L'écriture de l'histoire (Paris: Gallimard, 1975), p. 13.
الغضب، ثمة الرغبة في خلق مدينة وسياسة " (ص. 53). وكأنّ دو سارتو يلفت الانتباه إلى العنف الخاق في المدينة؛ أي إلى مكان معيّن في الحاضر
يتميّز بمظهر العنف، ثم سرعان ما يتحوّل في
المستقبل إلى إمكانية لإبداع الثقافي لمظهر جديد. وفقًا لرؤية دو سارتو، يَبدأ هذا النمط من العنف
ضمن الوعي والخيال عند الأفراد الذين يعيشون في المدينة، أمّا على الضفة الأخرى فيوجد المِخيال
لدى المؤسَّسة. الأول فيه مساحة كبيرة من الإبداع
والابتكار والانفتاح على التعدّد الفكري؛ أما الثاني فتُازمه الهيمنة والسطوة والقوة واعتماد الأحادية في التفكير والممارسة؛ أي إنتاج نمط فكري موحّد
للعيش. والوظيفة الأساسية لهذا المِخيال هي التحوّل في نظرة الفرد إلى ذاته، من كونه فاعا
سوسيولوجيًا وثقافيًا، إلى كونه متتبّعًا ومشاهدًا
للأحداث، فقد "نتحول إلى مشاهدين بالتخلي عن كوننا فاعلين" (ص. 62). ربما يَنحو دو سارتو،
في الوظيفة الثانية للمِخيال، منحى ما بعد حداثيّ
عندما يُؤكّد أنّ الأسطورة بوصفها موضوعًا
للمِخيال لا تزال حاضرة في العقل العلمي اليوم، ولكن بقالب مغاير للتقليدية الأسطورية. ويسوق لنا صاحب الثقافة بالجمعمث لً توضيحيًا عن خطاب
الإشهار في مجتمع الاستهاك الذي يزخر بالنظم المخيالية كالرموز والأيقونات والخطابات والصور، إلى درجة التأثّر بها بحيث يَغدو الواقع غير فعلي،
(((يشبه هذا الطرح – إلى حدٍّ ما – النموذج "البانوبتيكي "
عند ميشال فوكو Foucault Michel (1984–1926) في
هندسة السجون بصيغة المراقبة: أن أرى ولا يراني أحد.
فتتحول السلطة من كونها فاعا إلى مراقب. لكن يرفض
دو سارتو "اختزال سيرورة المجتمع إلى نمط مهيمن
ووحيد"، فالمعرفة التي شكلها فوكو حول المجتمع
الهامشي هي في ذاتها سلطة. ينظر: محمد شوقي الزين،
ميشال دو سارتو: منطق الممارسات وذكاء الاستعمالات –
مدخل إلى قراءة تداولية (الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع؛
بيروت: دار الروافد الثقافية ناشرون، 2013)، ص.162–161
فيقع تحويل جذري في التمثات الاجتماعية؛ استبدال اللغة العادية بالجسد الغرائبي، وأنماط الخطاب بوهم الصورة والاستعارة. ويَهدف هذا
"التحويل الثقافي" إلى ربط الرغبة بالواقع، وهذا ما يعنيه دو سارتو بالإغراء: "ما هو مُعطى للعين
يُختطف من اليد" (ص. 62) وفي إطار التشريح النقدي للظواهر الثقافية، والثقافة الشعبية واحدة من تلك الظواهر التي تحتاج إلى تأصيل أنثروبولوجي وتاريخي لفهم "غرائبية" الواقع الغربي، خصّص دو سارتو بحثًا مشتركًا مع
المؤرخين الفرنسيين دومينيك جوليا Dominique Julia وجاك روفيل Revel Jacques، موسوم ب "بهاء الميّت: مفهوم الثقافة الشعبية"، حاول
تأويل مفردة "بهاء الميت" وفك شفرتها، فوجد أنها اقتراض لغوي يُعبّر عن سياق تاريخي معيّن للثقافة
الشعبية وأدب التجوّل خال القرن الثامن عشر؛
أي كل ما هو عتيد وعميق في الذاكرة من آداب ونصوص وثقافات، فُرضت على مضامينها الرقابة الاجتماعية بداعي مُقارعة مبادئ "النظام العام
والأخاق والدين " (ص 82 دو سارتو)، حاول معالجة التحول الإبستيمولوجي الذي حدَث في دراسة الثقافة الشعبية متتبعًا تاريخها الاجتماعي،
ومُبرزًا في النهاية ما ترتّب على نقلها من كونها
مجرد قناعات متشظية مُعبّر عنها، إلى موضوع
"فولكلوري" قابل للفحص العلمي يندرج ضمن الدراسات الأنثروبولوجية، بحيث كانت النتيجة هي توطيد التأسيس العلمي على حساب إقصاء الممارسات الثقافية. إنّ البحث عن أصل الثقافة الشعبية في نظر دو سارتو لا يخلو من تناقضات داخلية؛ فمن جهة، يُعتبر استعمال المقاربة العلمية
مهمًّا جدًا في صياغة فرضيات حول هذه الثقافة،
بالرغم من عدم التوصل إلى حلول نهائية، "ثمة فرضية تفرض ذاتها وإنْ كانت لا تدرك كل شيء. تتخذ تلك الدراسات حول الثقافة الشعبية من
موضوعها أصل تلك الثقافة" (ص. 89). وهذا راجع بحسب الكاتب إلى الحقيقة المُختلَقة التي تحملها
هذه المقاربة، نظرًا إلى محيطها الذي وُلدت فيه
والمليء بالإكراهات السياسية والأيديولوجية، فمن الطبيعي أنْ يبقى هذا الأصل منسيًا ومعتمًا.
وعلى عكس ما يُؤمن به الفولكلوريون من أنّه
يمكن رؤية الثقافة مستقلةً تمامًا عن السياسات
وآلياتها وغاياتها، لكن من دون الخوض في العنف التأويلي، فيجب دائمًا تجنب ممارسة العنف حتى
في أثناء فحص الثقافة الشعبية ودراستها، ومعالجة مختلف التلوينات الثقافية. نتيجةً لهذا، لم تتعدّ مظاهر اللغة في المجتمع إلا أداء دورين أساسيين في صورة خطاب متناقض، فالظاهر هو خطابات سلمية مرصّعة بقيم المساواة والحرية والسام، لكنها في الواقع تتباين بحسب اختاف "المواقع والمصالح"، في ضوء ما تمليه الشروط المتصلة بالأمكنة والأزمنة، ومن ثم تُعيد إنتاج لغة العنف لدى الأفراد ومختلف الفاعلين الاجتماعيين، وهذا ما يخلق فارقًا جوهريًا بين
ما يُقال وما يمكن فِعلُه، "فتصبح اللغة – الخيال
شيئًا فشيئًا قناع العنف وأداته" (ص. 104). يتجلّى بوضوح العنف الذي يسكُن اللغة الاجتماعية في الظاهرة البيروقراطية التي أبانت عن دورها الإيجابي المتمثل في تنظيم العاقات الاجتماعية، لكن هذا الدور أصبح سلبيًا، "فكلما اتجهت الحياة العمومية
نحو البيروقراطية، تفاقمت الرغبة في اللجوء إلى العنف" (ص 108–107)؛ والأمر الذي يدل على ذلك توجه المؤسسات إلى ممارسات النفوذ والهيمنة والصراع لتحقيق المكاسب والمصالح؛ ما جعل عمل سلطة هذه المؤسسات يفتقر إلى السيادة الفعلية والشرعية. لكن هذا الصراع – بحسبِ فهم دو سارتو – يمكن أن نعتبره ناظمًا وليس هادمًا للمجتمع، ما دام يُعيد للأشكال الأكثر
هامشية مركزها الحقيقي في المجتمع كالجامعة والمدرسة والأقليات.
ثانيًا: هَامشِيَّات جَدِيدَة
ما يُريد دو سارتو تَوضيحه هو التركيز على
الرؤية القائلة بضرورة التحول في طبيعة الدور السوسيولوجي والثقافي والمعرفي الذي تَضطلع به الجامعة، في ظل تغيّر النظام الاجتماعي الغربي
الموسوم بالحضور القوي للطبقة الوسطى وحالة الاكتظاظ الطابي، وإضفاء الطابع الديمقراطي على منظومة التعليم داخل المشهد الجامعي إضافة إلى ارتفاع مستوى الرفاه الاجتماعي، فلم يَعد للجامعة دورٌ في احتكار المعرفة النظرية، بل
عليها السعي نحو إنزال معارفها النخبوية من برجها العاجي لترافق الواقع الاجتماعي بمختلف تمثاته في همومه ومشكاته، هذا ما يُبرز أهمية إنتاج
الجامعة لثقافة جماهيرية. ويُشير دو سارتو إلى
أهمية التغيّر الحاصل على مستوى الأداء الوظيفي
للجامعة، فلم تَعد وظيفتها محصورةً في اتجاه حركة البوصلة الإرشادية نحو تخصّصات معرفية
محدّدة، فقد أكدت ضرورة الانتقال إلى القصد
من وراء اختيار تخصص ما؛ "يتساءل الطلبة أمام دراساتهم: ما دلالتها؟ على ماذا تدلّ؟ ما تقوله لهم؟" (ص. 119)، وخاصّة طرح السؤال العملي:
ما فائدة هذا التخصص في المجتمع؟ هل يُحدث
هذا الصرح الجامعي بمخرجاته الفكرية والمعرفية "ثقافة" يمكن أن تخلق فارقًا أداتيًا في الحياة
الجامعية؟ في هذا السياق، طوّر دو سارتو ما يمكن
الموسوم
أن نسميه "البراغماتية الثقافية" التي تركّز على عمليات إعادة التوظيف التي لا يمكن التنبؤ بها في
كثير من الأحيان، والتي يُخضِع لها المستخدَمون
الموارد الثقافية المتاحة.
(9) Jeremy Ahearne, Between Cultural Theory and Policy: The Cultural Policy Thinking of Pierre Bourdieu , Michel de Certeau & Régis Debray (trans.) (Coventry: Centre for Cultural Policy Studies, 2004), p. 12.
يقول دو سارتو: "الجامعة هي محل ينبغي ابتكاره" (ص. 121)، ف يمكن ابتكار الحياة الجامعية إلا بحل العديد من المعضات البيداغوجية والتربوية والتقنية والمعرفية التي تُواجه المؤسَّسة الجامعية؛ ومن أبرزها مُعضلة البحثي والتعليمي: "ينقسم الأساتذة اليوم بحسب هذا التمييز بين البحث الذي يدفعهم إلى مغادرة التدريس، وبين التعليم الذي يُجبرهم على التخلّي عن البحث" (ص. 124)، يَدعو دو سارتو إلى بناء ثقافي وجيه للجامعة، من أجل إحداث منظومة عائقية متوازنة قائمة على فلسفة تشاركية ومنطق حواري نقدي بين فواعل المنظومة الجامعية المتكوّنة من الأستاذ والطالب، البحث والتعليم، المعرفة والعمل، الثقافة والسلوك. في النهاية يُمكن تطوير العاقة بين الجامعة والمجتمع بإزالة السور العازل بينهما، وربطهما بتغيير عقلية الطالب في التفكير من "منتجات البحث إلى منهجيات الإنتاج" (ص. 130)، ودحض فكرة الاستقال الذاتي للجامعة، باندماج هذه الأخيرة في ثقافة الجمهور، فقد يتعذّر إصاح الجامعة من دون وجود ثقافة سياسية جماهيرية تُدرك قيمة الإصاح داخل المجتمع.
(1((بدأت فكرة الاستقال الذاتي للجامعة مع الفيلسوف
الألماني مارتن هايدغر Heidegger Martin (1976–1889)،
منذ تقلده منصب رئيس جامعة فرايبورغ. ففي محاضرته
الافتتاحية في 27 أيار/ مايو 1933، ألقى خطاب العمادة
ب "التأكيد الذاتي للجامعة الألمانية"
. لاطاع " Die selbstbehauptung der deutschen Universität"
على الخطاب بلغته الأصلية، ينظر:
Martin Heidegger, Die Rektoratsrede: Selbstbehauptung der Deutschen Universität (German: Opensource, 1933).
تجدر الإشارة إلى أنّ تطوير الجامعة عند هايدغر يرتبط
بإدراك ماهيتها الأنطولوجية ومهمتها المعرفية وضرورتها
الروحية والتربوية، على عكس دو سارتو الذي يعتبر أنّ
الآلية الحقيقية لإصاح الجامعي هي الانفتاح على الثقافة
الجماهيرية.
يجب أن تكونَ المؤسَّسة قويّة بما فيه الكفاية
للحفاظ على الفرد من "جنون الرؤية". وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون هذه المؤسَّسة ضعيفة بما فيه
الكفاية لتترك مج لً للرؤية والحركة والإبداع. عانت الحضارة الغربية من الصناعة الثقافية التي تتولاها المؤسسات في أدائها لوظائفها تجاه الجماهير من أجل تحقيق مكاسبها، الأمر الذي حذّر منه ثيودور أدورنو Theodor W. Adorno (1969–1903)، في مشروعه النقدي والتحرّري
من خال استعمال الفن، فهو يدعو إلى تجاوز العقل الأداتي الذي يَنظر إلى الثقافة باعتبارها
آلية تؤدّي دورًا مؤسّسيًا معينًا داخل المجتمع
الصناعي والتقني والاستهاكي. يَعود دو سارتو إلى إبراز مظاهر الاختال الوظيفي
في العاقة بين الجامعة والمجتمع نتيجةً لخروج الأولى عن سلطة الثقافة وخضوعها لقوى سياسية ومالية وصناعية وإعامية؛ ما أدّى إلى تقويض
الاستقال الذاتي للجامعة وانحدار وظيفة التوزيع القيمي التي تقوم بها المدرسة التي لم تَعد قادرة على "إعادة تعريف الثقافة وإدماج الشباب" (ص. 146). هذا العجز يفسّره دو سارتو
بقصور المنظور الوظيفي للمدرسة باعتبارها مؤسَّسة انحصر دورها في محتوى التعليم فقط،
ولم يتعدّ ذلك إلى إعمال نسق التثقيف والتربية
الذي يرتبط بالنظام الاجتماعي الكلّي. وهذا مرده إلى مظهر أساسي من مظاهر التعقيد الثقافي
(11) François Dosse, "Michel de Certeau: Un historien de l’altérité," Texte inédit, Conférence à Mexico (Septembre 2003), accessed on 7/3/2023, at: https://bit.ly/3Z6smeh
(1((يرفض دو سارتو الفصل بين محتوى التعليم الذي
يشمل عاقة العمل، الماضي، السلطة؛ والعاقة التربوية
التي تفترض نقاشًا حرًّا بين المعلم والطالب بحكم أنّ
تناقض العاقة بينهما يمكن أن ينعكس على ترتيب المنظومة
الخاصة بالمدرسة وجوهر الثقافة. للتفصيل، ينظر:
Jean–Yves Séradin, "L’inventivité pédagogique de Michel de Certeau: Une approche ignacienne de l’enseignement, " Educatio , no. 6 (2017), accessed on 7/3/2023, at: https://bit.ly/3kpmj5H
الذي يحتاج إلى تدبير سياسات ثقافية تُعيد للثقافة أمكنتها الحقيقية في المجتمع، فعاقة المدرسة بالسلطة تمثل مؤشرًا حقيقيًا على هذا التعقيد،
خاصة عندما انفلت النشاط القيمي للمدرسة من التمركز السياسي من خال الانتشار عمليًا ومهنيًا
إلى أدق تفاصيل المجتمع، مثا تسلل السلطة الثقافية إلى كل فرد داخل الأسرة بالوسائل التقنية أو تبني أطر تنظيمية خارج المقرر المدرسي في صورة نشاطات ترفيهية محدّدة، بمعنى آخر "إيجار مُتعدّد للثقافة" (ص. 152) إنّ المعنى الحقيقي والفعلي للثقافة عند دو سارتو هو أن تَحوز دلالة لدى الفرد في سلوكياته اليومية. والمقصود بالدلالة هنا رمزية الثقافة، فالبحث عن البنية الرمزية للثقافة توجُّه بحثي
جدّده دو سارتو، بالاعتماد على نماذج اللسانيات البنيوية، بحيث ركّز من خاله على الجوانب الأنطولوجية القابعة في قلب الثقافة؛ أي دلالة الوجود التي لا يمكن إلا أنْ نجدها داخل الثقافة الإنسانية، لكن هذه الدلالة مخفية بسبب تحكّم السياسي والمصالح العليا للدولة في كل ما هو ثقافي؛ ففي ظل التوحيد الاقتصادي يمكن أن نجد تعدّدية ثقافية؛ لذلك "أضحت الثقافة بالمفرد عبارة عن خداع سياسي. وأكثر من ذلك، فهي قاتلة وتُهدّد الإبداع ذاته" (ص. 154). يُبرز دو سارتو أهمية الثقافة في ترسيخ وجود الأقليات في ظل التعدّدية اللغوية السائدة (البروطونية والقسطانية والباسيكية) التي ترتّب عليها أزمة هوية داخل المجتمع الفرنسي قبل توحيد اللغة. وبحسب المؤلف، دائمًا ما تسعى الأقلية إلى
فرض كيانها الذاتي باستعمال الثقافة في التعبير
(13) Edgar Morin, "De la culturanalyse à la politique culturelle," Communications , no. 14 (1969), pp. 5–38, accessed on 7/3/2023, at: https://bit.ly/3xTMmVt
عن مطلبها السياسي، فكلّ أقلية في حاجة إلى "قوة سياسية تمنح للمنطوق الثقافي القدرة على إثبات الذات بشكل فعلي" (ص 159 وفي)، المقابل، وبمنهجية تفكيكية تقوم السياسة بعملية تصدير ثقافتها للمجتمع عبر غطاء مؤسّساتي ونخبوي. ويمكن أن يتحوّل المطلب الثقافي إلى نضال سياسي، ف توجد وحدة اجتماعية وسياسية إلا بالقدر الذي تبحث فيه الفئة الأقلية عن تأمين وجودها. إنّ الاستقال الذاتي للأقليات لا بدّ من أن يكون في ظل البناء الشامل للمجتمع؛ فالأقلية أو الفئات العرقية تؤدّي دورها في ظل التعدّد لكن في اتجاه خدمة الأهداف الوطنية الكبرى، وبهذا، فإنّ الاستقال الذاتي مسألة ثقافية تحتاج إلى نضالات مستمرة، وخاصّة أنّ لغة الاستقال الذاتي الحقيقية هي سياسية، وأكبر دليل على ذلك هو أنّ البنى الاستعمارية كانت تستعمل الأثنولوجيا ضدّ الثقافة المستعمَرة ولصالح قواها
المستعمِرة.
ثالثًا: سِيَاسَات ثقَافِيَّة
اعتبِر عمل دو سارتو نقطة مرجعية راسخة في النقاش حول السياسة الثقافية الفرنسية، بحيث
(1((إنّ مسألة الأقليات تنشأ دائمًا في إطار الدولة–الأمة
l’Etat–nation ومن ثم فهي تهم، كما يشير دو سارتو،
جميع مواطني الدولة، وليس أعضاء هذه الأقلية فحسب.
على سبيل المثال انفصال كيبيك Québec عن كندا عام
1998، والحكم الذاتي لمنطقة فينيتو Vénétie في إيطاليا.
أكدت شروط الحكم الذاتي عام 1998 أن الوحدة
السياسية لشعب ما تتطلب من الدولة إشراك جميع
المواطنين في اتخاذ القرارات بشأن مسألة الأقليات، حتى
لو كانت تتعلق بجزء منهم أو بإقليم محدّد. ينظر:
Claire Barthélemy, "La culture au pluriel: Une lecture du livre de Michel de Certeau," Centre international Lebret– Irfed, December 2006, accessed on 7/3/2023, at: http://bit. ly/40VeZyA (15) Ahearne, p. 79.
صُنّف المؤلف من أبرز الشخصيات المثقفة، إضافة إلى بيير بورديو Bourdieu Pierre (2002–1930) وريجيس دوبريه Debray Régis، التي انخرطت بصفة مستدامة ضمن القضايا الاستراتيجية للسياسة الثقافية. كان دو سارتو منخرطًا إلى حدّ ما وعلى نحو مستمر بين عامي 1970 و 1985 في سلسلة من أبحاث السياسة الثقافية والمشاريع الاستشارية التي تركّزت إلى حدّ كبير في وحدة البحث التابعة لوزارة الثقافة والخطة الوطنية. ينطلق دو سارتو في كتابه من مبدأ إبستيمولوجي؛ فحواه بناء جسور بين الخطابات المختلفة في العلوم الإنسانية، وهذا ما ينطبق على مدارات السياسة الثقافية عنده التي شملت معالجة مسائل عضوية متداخلة، بحيث اتسمت حاليًا بالتعقيد الثقافي: الهجرة، اللغة، السلطة، الثقافة والمدرسة، الجامعة، الأقليات، التعدّدية الثقافية، العنف... إلخ. يحتاج هذا التعقيد الثقافي إلى صناعة سياسات ثقافية فاعلة في الحدث الثقافي الفرنسي؛ لذلك "تُشير الثقافة اليوم إلى عملٍ ينبغي مباشرته على مدى الحياة الاجتماعية" (ص. 200). وفيما يتعلق بموقع الثقافة في المجتمع، يحاكي هذا التصور إلى حدّ بعيد ما ذهب إليه عالم السياسة الأميركي جويل إس مجدال Joel S. Migdal في بحثه عن حدود العاقة بين الدولة والمجتمع، حيث اقترح مقاربة: "الدولة في المجتمع" لحل الصراع الاجتماعي، مستشهدًا بفكرة دو سارتو عن مقاومة الصورة المتجلّية في
(16) Ibid., p. 12. (17) "Ignacio Gárate–Martínez, Entretien avec Michel de Certeau," Figures de la psychanalyse , vol. 1, no. 8 (2003), p. 105.
القوانين التاريخية للحالة الاجتماعية. على هذا الأساس تتجه مقاربة الثقافة عند دو سارتو نحو نحت سياسة ثقافية قائمة على "تماسك في الأهداف والوسائل والأفعال التي تَصبو إلى تعديل السلوكيات تبعًا لمبادئ أو معايير موضَّحة" (ص. 203) يُخصّص دو سارتو في هذا القسم من الدراسة
قسطًا من الاهتمام بتحديد أدوات اشتغال الرؤية النخبوية للثقافة داخل بنية المجتمع، بحيث يعتبرها أداةً لعزل المعرفة عن الأداء وفصا للنظرية عن الفعل وتمييزًا للنخبة من الجمهور، وكذا تفريقًا بين الطلبة والعمال لتصوير حالة القلق الاجتماعي السائد في أثناء ثورة مايو 1968؛ ما عكس البهتان المخيّم على المجتمع
والصادر عن المؤسسات. تضع النخبة جدارًا
عازلً بين الجمهور والثقافة من خال التحليل الكمي الدقيق لمكونات المجتمع، إنّ الثقافة بهذا التعبير السابق، الذي يدل على "الواقع المهمَّش"
(ص. 194)، تغدو خاوية من القيم الخصوصية للفرد، وإفرازًا للحالة السكونية للجمهور، وهذا ناتج من هيمنة التقني على الثقافي؛ بمعنى "استخدام الثقافة كإطار تأويلي لفهم السلوك البشري كرد فعل ضدّ هيمنة الأرقام، والتفسيرات الأحادية". يَدعو دو سارتو إلى ضرورة التأكيد
على علوم إنسانية منفلتة من المعرفة التقنية؛ لأنّ العلم الإنساني في جوهره قابل للنقد والاعتبار
(18) Joel S. Migdal, "The State–in–Society Approach: A New Definition of the State and Transcending the Narrowly Constructed World of Rigor," in: Joel S. Migdal , State in Society: Studying How States and Societies Transform and Constitute One Another (Cambridge: Cambridge Studies in Comparative Politics, 2001), p. 26. (19) Peter Jackson, "Pierre Bourdieu, the 'Cultural Turn' and the Practice of International History," Review of International Studies , vol. 34, no. 1 (January 2008),
النسبي، من حيث إنّه لا يخضع للدقة الحسابية. على هذا الأساس يقترح المؤلف ما يسميه "النسق الثقافي" (ص. 183) الذي لا بد من أن يَنتج من
إعادة قراءة نقدية لعلوم الإنسان من خال مناقشة بنيته التاريخية والاجتماعية المتوافقة مع التجارب الثقافية المتباينة (المجتمعات الأوروبية، الثقافة الاتينية – الأميركية، بلدان العالم الثالث). استعاض دو سارتو عن المناهج الكمية ب "التخاصُص" في العلوم الإنسانية، يقول: "لا إمكانية لمراجعة هيكلية سوى في التخاصُص؛ أي في العاقة الممكن إدراكها ومناقشتها، وفي الحدود والتقسيمات الدالَّة على نسق، الممكن نقدها" (ص. 195)، وفي هذا الصدد يقدم أبسط مثال عن إبستيمولوجيا الظاهرة الاجتماعية عند هاربرت ماركوز Marcuse Herbert –1898(1979)، حول كيفية اشتغال المعرفة في مجتمع الاستهاك الأميركي. فقد اختار ماركوز كا من علم الاقتصاد وعلم النفس بالتركيز على العملية الإنتاجية والتقسيم الاجتماعي للعمل بحسب المقاربة الماركسية، وفي الآن ذاته الاهتمام بكل ما هو مدفون ومختزن في البنية الاشعورية من خال التحليل النفسي الفرويدي (الرغبة المكبوتة). وفي النهاية يؤكد هذا التقاطع بين المقاربتين عند ماركوز أنّ الإنتاج وتقسيم العمل، بتشكلهما داخل نفسية المستهلك وانعكاسهما على سلوكه الذي يعبّر عن مظاهر
المقاومة والقمع في الآن نفسه، هما: "الدور الخاّق والثوري للعمل بالنسبة للماركسية؛ الوظيفة القمعية والتسلُّطية للأب في الفرويدية" (ص. 187). إنّ ماركوز يرسم هذه التكاملية المعرفية ليُبرز أوجه الصراع داخل المجتمع،
لكن كل نسق فكري (ماركسي أو فرويدي) له حمولة تاريخية تميّزه من الآخر؛ ما يصعّب
p. 157.
مهمة الاستعمال الأصلي بوصفها مقاربة شاملة ومُدمجة. وفي السياق نفسه، لا بد من التذكير أنّ للعلم بنية مجتمعية معقدة؛ فمن جهة، في إمكانه أن يشكّل ذاته من المعرفة، وعلى الضد من ذلك يمكن أن تشكله البنى السياسية والاقتصادية. ففي اعتقاد دو سارتو إنّ العلم مرتبط أشد الارتباط بالشرط الإنساني؛ "في أصل كل علم هناك خيارات أخاقية وثقافية. القبليات التاريخية والاجتماعية لمعرفتنا يكشف عنها اليوم الحدث كما هي" (ص 183–182). إنّ الخطاب العلمي، في رأيه، يولد في سياق الواقع الاجتماعي ومحدّداته الشاملة. وهنا تبرز الثقافة بوصفها محدّدًا أساسيًا لموقعها داخل المجتمع. ومن أجل تفكيك البنية الكلية للثقافة باعتبارها موقعًا تحتله في المجتمع، وواقعًا يَعكس حاجيات الفاعل الاجتماعي، انطلق دو سارتو من جرد اصطاحي وظيفي للعاقة بين الثقافة والثقافي، "فمن الضروري على الأقل تحديد الاستعمال الخاص هنا بالثقافة والثقافي" (ص. 201)، لتوضيح أبرز المشكات الثقافية التي يمكن حصرها في نظره في ثنائية النخبة والجمهور. والهدف من ذلك هو تحطيم هذه الثنائية بممارسة تقنية قلب المواقع؛ أن يغدو الجمهور فاعا أساسيًا بدلً من أن يكون منفعا لكل ما يصدر عن النخبة، بما يحوزه من ثقافة شعبية من خال استعداده الدائم لتجسيد عملية الابتكار الثقافي التي تنبع من سياقه الأنطولوجي الخاص به، على عكس المقاربة التقنويّة والتحكّمية التي تروّج لها النخبة وفقًا لصياغتها لسياسات ثقافية تحتكم إلى التخطيط والبرمجة والقولبة.
خاتمة
ينظر دو سارتو إلى الثقافة على أنها صناعة بالجمع محورها استعادة الثقافة المنسيّة من ضفة
الهامشي والمنبوذ: "دهليزية" الثقافة، وإعادتها إلى مكانها الأصلي في المجتمع. ركّز المؤلف في عمله على الثقافة، بوصفها "حقا في الصراع المتعدّد الأشكال بين الخشن واللين" (ص. 239)، من خال البحث عن بديل لاستراتيجية الثقافة بالمفرد التي "تقوم بفرض قانون سلطتها" (ص. 245)، وفقًا للسيطرة والتحكّم اللذين تزاولهما السلطة من أجل تشكيل تصور نخبوي للثقافة، يُنتج نمطًا مجتمعيًا واحدًا. هذا البديل
هو تكتيكية الثقافة بالجمع التي "تستدعي النضال دومًا" (ص. 245)، وتُميّز نشاط الجمهور وفقًا لقيم
التعدّد والتنوع والاختاف المتطلِّع إليها، مسمعًا صوته للنخبة بأنّ حركة الإبداع الثقافي لا يمكنها أن تتحقق من دون تمثل واضح للحرية. إنّ تحرّر
الطاقات السائلة والمتعدّدة للأفراد، يمكن أن تمنحهم حرية التسلل إلى النواة الاستراتيجية الصلبة للنظام الاجتماعي المهيمن لإحداث تغيير خاّق في مكوناته المفصلية. حازت الممارسات قصبَ السبق على التمثات
عند دو سارتو في مقاربته لمسألة الثقافة، ولعلّ هذا وجه النقد الإبستيمولوجي الذي يمكن أن يوجَّه إلى الثقافة بالجمع؛ إذ إنّ التمثات
الاجتماعية في أصلها هي عبارة عن "أنظمة الآراء والمعارف والمعتقدات الخاصة بثقافة أو فئة أو مجموعة اجتماعية والمرتبطة أيضًا بموضوعات
(2((بشأن هذا المصطلح. ينظر: محمد شوقي الزين،
"فلسفات الثقافة المعاصرة أمام تحديات العلوم الإنسانية:
لوتشيان باغا، فرناند دومون، ميشال دو سارتو"، مجلة
دراسات إنسانية واجتماعية، العدد 9 (كانون الثاني/ يناير
2019)، ص.58
البيئة الاجتماعية"، بمعنى أنها صور ذهنية متمثِلة لدى الفرد عن موضوعات متمثَلة في الواقع الاجتماعي؛ ما يدل على الفصل التعسفي الراديكالي الذي أقامه دو سارتو بين التمثات والممارسات، فالثانية هي فرع من أصل تمثله الأولى. وعلى هذا الأساس، تجد المكونات الذاتية والهوياتية للثقافة رافدها الأساس الذي تتغذى منه في الشروط البنيوية المحيطة بالفرد والمشكلة لثقافته. كان يقصد دو سارتو من الثقافة بالمفرد التمثات الإكراهية للسلطة داخل
(21) Patrick Rateau, Grégory Lo Monaco, "La théorie des représentations sociales: Orientations conceptuelles, champs d’applications et méthodes," Revista CES Psicología , vol. 6, no. 1 (Enero–Junio 2013), p. 3.
(2((حول مفهوم التمثات الاجتماعية ينظر: بن ميسية
فوزية وضيف غنية، "التمثات الاجتماعية: مقاربات
المفهوم في العلوم الاجتماعية"، مجلة المعيار للدراسات
الإسلامية والإنسانية، مج 25، العدد 60.)2021(
المراجع
العربية
الجزائر: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، مدارج – الوسام العربي،.2018
الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ بيروت: دار الروافد الثقافية ناشرون،.2013
المعيار للدراسات الإسلامية والإنسانية. مج 25. العدد 60.)2021(
ومجاب الإمام. الدوحة: منتدى العاقات العربية والدولية،.2015
المجتمع، في المقابل يرمي وفقًا للثقافة بالجمع إلى معنى الممارسات الثقافية اليومية "الخاّقة" خارج توجه السلطة. لكن ألا يمكن لحركة الإبداع الثقافي التي تقودها الجماهير بوصفها تكتيكية أن تتحول يومًا ما إلى سلطة استراتيجية، ولا سيما في ظل مقاومتها للبرامج المركزية لدوائر القرار السياسي النخبوية المتصلة بعملية صناعة السياسات الثقافية، من أجل تلبية مطلبها الجوهري: الحرية؟ هل يمكن أن يغدو الهامش مركزًا؟ وإذًا، عودة إلى حالة الصفر: الثقافة بالمفرد، على اعتبار أنّ منطق تمثات السلطة داخل الممارسات الثقافية والتاريخية يعني أنّ المركز الاستراتيجي يوجد في الهامش التكتيكي؛ لأن الهامش يحاول دائمًا تفكيك المركز لإعادة إنتاج مركزيات مضادة.
References
الزين، محمد شوقي. "فلسفات الثقافة المعاصرة أمام تحديات العلوم الإنسانية: لوتشيان باغا، فرناند دومون، ميشال دو سارتو". مجلة دراسات إنسانية واجتماعية. العدد 9 (كانون الثاني/ يناير.)2019 _______. الغسق والنسق: مقدمة في أفكار ميشال دو سارتو (الكنان، التاريخ، اليومي). بيروت/
_______. ميشال دو سارتو: منطق الممارسات وذكاء الاستعمالات – مدخل إلى قراءة تداولية.
فوزية، بن ميسية وضيف غنية. "التمثات الاجتماعية: مقاربات المفهوم في العلوم الاجتماعية". مجلة
فوكوياما، فرانسيس. الثقة: الفضائل الاجتماعية ودورها في خلق الرخاء الاقتصادي. ترجمة معين الإمام
الأجنبية
Ahearne, Jeremy. Between Cultural Theory and Policy: The Cultural Policy Thinking of Pierre Bourdieu. Michel de Certeau & Régis Debray (trans.). Coventry: Centre for Cultural Policy Studies, 2004. Barthélemy, Claire. "La culture au pluriel: Une lecture du livre de Michel de Certeau." Centre international Lebret–Irfed, December 2006. https://2u.pw/VuR5Px de Certeau, Michel. "Pour une nouvelle culture. Le pouvoir de parler." Études. vol. 408, no. 5 (2008). _______. L'écriture de l'histoire Paris: Gallimard, 1975. _______. La culture au pluriel. 3 ème ed. Paris: Seuil, 1974. Dosse, François. "Michel de Certeau: Un historien de l’altérité." Texte inédit, Conférence à Mexico (Septembre 2003). at: https://bit.ly/3Z6smeh Gárate–Martínez, Ignacio. "Entretien avec Michel de Certeau." Figures de la psychanalyse. vol. 1, no. 8 (2003). Jackson, Peter. "Pierre Bourdieu, the 'Cultural Turn' and the Practice of International History." Review of International Studies. vol. 34, no. 1 (January 2008). Migdal, Joel S. State in Society: Studying How States and Societies Transform and Constitute One Another. Cambridge: Cambridge Studies in Comparative Politics, 2001. Morin, Edgar. "De la culturanalyse à la politique Culturelle." Communications. no. 14 (1969). at: https://bit.ly/3xTMmVt Muers, Stephen. "Culture, Values and Public Policy." IPR Report, University of Bath (September 2018). Séradin, Jean–Yves. "L’inventivité pédagogique de Michel de Certeau: Une approche ignacienne de l’enseignement." Educatio. no. 6 (2017). at: https://bit.ly/3kpmj5H Zine, Mohammed Chaouki. L’ordinaire et le quotidien. Introduction à la théorie des pratiques et des usages chez Michel de Certeau. Beirut: University Foundation for Studies and Publishing, 2016.