الثقافة سلاحًا: حروب الثقافة في الولايات المتحدة ومصر
Culture as a Weapon: Culture Wars in the United States and Egypt
الملخّص
تتناول هذه الدراسة الظاهرة التي تُعرف بـ "حروب الثقافة" في الولايات المتحدة، وهي تطور جذب الانتباه في التسعينيات من القرن الماضي، الذي بلغ ذروته في عصر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وتقارنه بتطورات مماثلة شهدتها مصر في الفترة التي سبقت انقلاب يوليو 2013، وما يزال هذا التطور مستعرًا حتى اليوم. وتطرح هذه الظواهر تحديًا كبيرًا لنظريات "الثقافة السياسية" وفرضياتها حول تأثير الثقافات السائدة الكبير في السلوك السياسي. وتخلص إلى أن ديناميات هذا الصراع "الثقافي" تكشف أن دور الثقافة المحوري في رسم الهوية وإعطاء المعنى للفعل السياسي والاجتماعي، يتفاعل كذلك مع تعدد وتنوع إمكانيات استخدامها أداةً للصراع والانقسام. وبخلاف مقولة صامويل هنتنغتون إن اختلاف الثقافات يرسم حدود الصراع بين الأمم، فإن تحليل الحالات موضوع الدراسة هنا (وبصورة أوسع؛ طبيعة الصراعات في عالم اليوم)، يشير إلى أن الاختلافات داخل المجتمعات ذات الهوية الثقافية المشتركة، قد تخلق صراعات أعمق وأطول أمدًا. وقد يدفع الاستقطاب بأطراف هذا الصراع إلى التحالف مع جهات من خارج محيطها الثقافي، بل على تناقض أشد حدة معها. ويؤكد هذا أن الثقافات في تحول مستمر، وأن حالات التحول (والمقاومة التي تواجهها) قد تخلق صراعات حادة، كما حدث خلال "الحروب الدينية" بعد الإصلاح البروتستانتي في أوروبا، أو الحرب الأهلية الأميركية حول منع الرق. وبناءً عليه، فإن دور الثقافة لا يحدد مسبقًا المسار السياسي، وإنما يعتمد هذا على تآلف الفئات المتشاركة في هذه الثقافة ومخاوفها. ويمكن اعتبار الثقافة نفسها نتاجًا لحسم الصراعات والخلافات بين أطرافها، إما سلمًا وتأقلمًا وتعايشًا وإما عنفًا وانقسامًا (كالاستقلال الأميركي مثلًا).
Abstract
Abstract: This article discusses the phenomenon known as "culture wars" in the United States – an ongoing development that attracted attention in the 1990s and reached its apex during the tenure of former President Donald Trump – and compares it with similar events in Egypt prior to the July 2013 coup. These
- الثقافة
- الثقافة السياسية
- حروب الثقافة
- ثقافات الحروب
- الولايات المتحدة الأميركية
- مصر
- Culture
- Political Culture
- Culture Wars
- Cultures of War
- United States
- Egypt
phenomena pose a great challenge to theories of political culture and the assumption that dominant cultures strongly influence political behaviour. The study concludes that the dynamics of this "cultural" conflict reveal that culture’s central role in crafting identity and giving meaning to political and social action also interacts with a variety of potential uses as an instrument of conflict and division. Contrary to Samuel Huntington’s argument that cultural differences will delineate the clash of civilizations, the analysis of the cases under study (and, more broadly, of the nature of conflict in today’s world) indicates that differences within societies with a common cultural identity can create deeper and more protracted conflicts, and that polarization can drive the parties thereto to enter alliances with actors outside of their cultural setting with whom they are even less compatible. This affirms that cultures are in perpetual transformation, and that transitional experiences (and resistance thereto) may create intense conflict, as happened during the Wars of Religion after the Protestant Reformation in Europe or the American Civil War over the abolition of slavery. Thus, the role of culture does not predetermine the political process, which instead depends on solidarity and apprehension among a culture’s constituent groups. Culture itself may be considered the product of conflict and dispute resolution: whether peacefully through adaptation and coexistence or violently through schism (e.g., the American Revolution).
مقدمة
دخل تعبير "حروب الثقافة" الخطاب السياسي في الولايات المتحدة الأميركية في عام 1992، في خطاب ناري ألقاه السياسي المنتمي إلى الجناح اليميني المتطرف من الحزب الجمهوري، بات بوكانان Buchanan Pat في مؤتمر الحزب الذي انعقد في هيوستون بولاية تكساس في آب/ أغسطس من ذلك العام، لترشيح الرئيس الأسبق جورج هربرت ووكر بوش Herbert George Bush Walker (2018–1924) لولاية ثانية. يُذكَر أن بوكانان كان قد ترشح ضد بوش في تلك المنافسة تحت راية أشدّ تطرفًا في قضايا مثل الإجهاض والحريات الجنسية وحقوق الأقليات، وغيرها. إلا أنه خسر الجولة. وفي كلمته هاجم بوكانان إدانات المعسكر الليبرالي لعصر الرئيس الأسبق رونالد ريغان Reagan Ronald (2004–1911) الذي عدّه الليبراليون فترة مظلمة في تاريخ أميركا. ردّ بوكانان قائا إن تلك كانت حقبة نهضة، "شعرنا فيها جميعًا بالفخر لكوننا أميركيين، فلقد هزمنا الشيوعية وانتصرنا في الحرب الباردة". ووصف بوكانان في خطابه المواجهة مع الليبراليين بأنها "حرب دينية"، و"حرب ثقافية" من أجل "روح أميركا"1. يجدر بالذكر أنّ تعبير "حروب الثقافات"، سبق إعان بوكانان الحرب بنحو عام، إذ ظهر هذا التعبير في عنوان كتاب حروب الثقافة: الصراع لإعادة تعريف أميركا، الذي نشره عالم الاجتماع بجامعة فرجينيا
جيمس ديفيسون هنتر2. ووفقًا لهنتر، إن أميركا شهدت استقطابًا غير مسبوق، يقطع مع كل الهويات من عرقية ودينية وجهوية، ويوحّد المحافظين ضد التقدميين من كل ملّة، ويقسم الباد إلى "فسطاطين" (إذا استعرنا تعبير زعماء تنظيم القاعدة)، وستكون له عواقب خطيرة على حياة الأفراد والسياسات العامة ومؤسسات الدولة والمجتمع. ولكن بالرغم من الاستقبال الحافل الذي تلقاه الكتاب، وتأثيره الكبير، فإن معظم المحللين اتهموا سردياته عن الانقسام المزعوم، بكثير من المبالغة، في ظل اعترافه وغيره بأن الاستقطاب لم يشمل غالبية الأميركيين، ممن لم يهرعوا إلى أي من الفسطاطين. وقد دعمت إيرين تومسون هذا الرأي بنتائج مسح شمل 436 مقالة حول سجالات "حروب الثقافة"، نُشرت في الفترة 2000–1982 في أربع مجات سياسية رئيسة، تغطي الطيف السياسي يمينًا ويسارًا. فقد أكدت نتائج مسح تومسون أن المواقف لم تكن بتلك الحدة أو الوضوح، بحيث إن مواقف من ينتمون إلى كل طيف تتقاطع. فالغالبية لا يؤيدون من دون شروط، أو يعارضون قطعًا، الإجهاض مثا، وإنما ينظر كل فرد في الظروف والأوضاع، إضافةً إلى صراعات داخلية وُجِدت في المعسكرين. في الوقت نفسه، قد يعارض البعض الإجهاضَ من دون أن يعارضوا حقوق المثليين أو يتحمسوا للتعليم الديني، وهكذا. وهناك إجماع، مثا، بين غالبية الأميركيين حول احترام الدين، مع تردد حول دوره في الشأن العام، والالتزام بإطار أخاقي ما، ولكن من دون وعظ، وتأييد للحرية الفردية، من دون إفراط، واحترام للتعددية، ولكن في إطار الثقافة المؤطرة للهوية، مع شيء من التردد حول الموقف من النخب، وتثمين عالٍ لاعتدال3. غير أن استعارة بوكانان للعبارة، كانت إيذانًا بأن المتشددين في الحزب الجمهوري أرادوا أن يجعلوا من هذه الحرب الافتراضية واقعًا، وراموا استغال عناصر التطرف التي أشار إليها هنتر لإذكاء هذا الصراع. وقد ساهمت هزيمة بوش الأب أمام وليام جيفرسون كلينتون Clinton Jefferson William في انتخابات عام 1992، ثم فوز الأخير بفترة رئاسية ثانية في انتخابات 1996، في تعميق شعور اليمين المتشدد بالخطر المحدق في إطار هذه المنازلة من أجل هوية أميركا (أو روحها، وفق بوكانان). ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر 2001، فالطامة الكبرى مع فوز أول رئيس أميركي من أصل أفريقي، باراك أوباما Obama Barack في كانون الثاني/ يناير 2009 لتعمق أزمة اليمين المتشدد، وتدفعه إلى مزيد من التطرف. وقد ساهم هذا، مع زيادة نفوذ التيار الديني (صعودًا مقابا للتيار اليساري الراديكالي)، وتأثير إسرائيل القوي تحت قيادات يمينية متشددة، في زيادة حدة الاستقطاب الثقافي – السياسي. وتتوافر أدلة على أن جهات بعينها خططت عمدًا لإشعال هذه الحرب، إذ موّلت مجموعة محافظة دراسةً حول جدوى تحويل الحرب مع الليبراليين إلى "حرب ثقافية" (بدلً من المواجهة المعهودة حول السياسات الاقتصادية)، وذلك في العام نفسه الذي صدر فيه كتاب إغلاق العقل الأميركي
The Closing of the American Mind (1987) للأديب الكاسيكي الأميركي آلن ديفيد بلوم Allan Bloom David (1930–1992). وعلى أساس هذه الدراسة أ نشِئت مؤسسة وقفية مكرسة لمحاربة ما سمي ب "اللباقة السياسية" Correctness Political. ويقصد بذلك التوجه الذي تكرس بين الشباب والطاب والأوساط المثقفة عمومًا، حول رفض استخدام الأوصاف والنعوت العنصرية أو تلك المهينة للمرأة والأقليات وأصحاب الثقافات الأخرى4. وقد ساعدت المنابر الإعامية الكبرى، في بحثها عن الإثارة، إلى التقاط ادعاءات اليمين، ومن ذلك المقالة التي نشرتها نيويورك تايمز The New York Times لريتشارد بيرنستين Bernstein Richard، بعنوان: "هيمنة اللباقة السياسة الصاعدة" (1990). ولم تلبث مجلة نيوزويك Newsweek أن جعلت القضية موضوع غاف في نهاية العام. ثم تبعتها المجلة النصف شهرية نيويورك New York Magazine (1991)، ثم مجلة تايم TIME الأسبوعية في العام نفسه. وفي هذه التغطيات، شبّه البعض استهجان العبارات العنصرية ب "المكارثية الجديدة" التي أصبحت وباءً أصابَ مؤسسات التعليم العالي5.
أولا: جذور حرب الثقافات
تعود جذور حرب الثقافات، في رأي كثير من المعلقين، إلى فترة الستينيات التي شهدت ثورة الشباب، وحركة الحقوق المدنية للسود، وبروز ما سمي ب "الثقافة المضادة" Counter–Culture، ممثلة في الكتابات وأصناف الفنون والموسيقى الجديدة، والثورات الشبابية، وحركات الهيبيز، وتيارات التحرر المختلفة. ومن أبرز تلك التيارات حركة الحقوق المدنية للسود والحركات النسوية، وبالطبع الحركات المعادية لاستعمار والمناهضة لحرب فيتنام6. وقد مثلت هذه التيارات صدمة كبيرة للأوساط المحافظة في أميركا، وفرضت تغييرات جذرية على الواقع الاجتماعي، تمثلت في إنهاء الفصل العنصري في التعليم والأماكن العامة، وتعزيز المساواة للمرأة، وزيادة التحرر الاجتماعي، وتوسيع المشاركة السياسية. وعلى الرغم من أن الجمهوريين كسبوا الرئاسة عام 1968 بانتخاب ريتشارد نيكسون Nixon Richard (1994–1913)، رغم محاولة فاشلة من حاكم كاليفورنيا وقتها (الممثل السابق رونالد ريغان) للترشح ضده، فإن نيكسون خيّب آمال اليمين حينما سارع للوفاق مع السوفيات، وأعاد العاقات مع الصين الشيوعية، ولم يتبنّ سياسة اقتصادية راديكالية. وقد تبعه في ذلك جيرالد رودولف فورد الابن Jr Ford Rudolph Gerald (2006–1913). ومع عهد جيمي كارتر Jimmy Carter، تعززت الهيمنة الليبرالية، مما جعل انتخاب ريغان عام 1980 دفعة قوية لليمين المتشدد. وقد ركز ريغان على الجانب الاقتصادي من أطروحات اليمين، في تناغم مع سياسات رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت ثاتشر Thatcher Margaret (2013–1925) (التي انتخبت عام 1979)، في تحرير الاقتصاد وفق وصفات "مدرسة شيكاغو لاقتصاد" economics of school Chicago بقيادة
ميلتون فريدمان Friedman Milton (2006–1912)، وقبله الاقتصادي النمساوي – البريطاني فريدريش فون هايك Hayek von August Friedrich (1992–1899). إلا أن عصر ريغان شهد أيضًا صعودًا قويًا لليمين المسيحي، فشمل ذلك أول تحالف بين خصوم الأمس دينيًا (الأصولية البروتستانتية والكاثوليكية المحافظة واليهود الأرثوذوكس) حول قضايا الإجهاض والصلوات في المدارس، وحق الاختيار فيها، ومعارضة حقوق المثليين... إلخ7. ومن المعروف أن الغالبية البروتستانتية الأميركية كانت معادية بقوة للكاثوليك، فقد شهد القرن التاسع عشر حمات إعامية وسياسية مكثفة ضدهم، بل أعمال عنف تمثلت في حرق كنائس، وغيرها. وكان العداء لليهود أيضًا مستحكمًا حتى بداية الثاثينيات، بما في ذلك حمات إعامية مكثفة ضدهم، خاصة في الإعام والروايات، ومنعهم من الاشتراك في الأندية الكبرى، وحتى حظر كثير من المنتجعات دخول اليهود8. إلا أن البروتستانت المتشددين بادروا إلى التحالف مع الكاثوليك واليهود في إطار الحملة المعادية لليبرالية والهيمنة العلمانية. ورغم اعتراف مؤيدي فرضية حروب الثقافة بأن غالبية الأميركيين تحتل موقعًا وسطًا بين قطبي الصراع الثقافي، وأن الخطاب العام كان أشد استقطابًا مما عليه الجمهور الأميركي، فإن هنتر نفسه يجادل بأن المسألة لا تتعلق بالرأي العام، وما تحويه عقول الأميركيين وقلوبهم، بل هو حول "الثقافة العامة". فالنخب في القطبين تتصارع حول "معنى أميركا". وهذا الصراع يلقي بظاله على الجميع، ويفرض على الفرد موقعًا فيه، ولا يترك مساحة لمنطقة وسطى9.
ثانيًا: من جبهة الإنتاج الثقافي إلى النفوذ الديني
من جهة أخرى، برزت ساحة أخرى لهذه الحرب، هي ساحة الإنتاج الثقافي، وكان ميدانها الوقف الوطني للفنون ونظيره للإنسانيات، وهما هيئتان أُسستا في عام 1965. ورغم أن المنتفعين من هاتين المؤسستين من الفنانين والأدباء والأكاديميين تمردوا على صاحب المبادرة، الرئيس ليندون بينز جونسون Lyndon B. Johnson (1973–1908) وعارضوا حربه في فيتنام، فإن الجمهوريين كانوا يرونهما عونًا لليبراليين. ولذا سعوا في عهد ريغان لقطع التمويل عنهما أو تخفيضه. ولكن هذا الهدف لم يتحقق، فقرر الجمهوريون أن يولوا رؤساء من المحافظين الجدد على وقف الإنسانيات، إذ عُيِّنت في رئاستها عام 1986 لين تشيني Cheney Lynne (زوجة السناتور، ثم وزير الدفاع، فنائب الرئيس لاحقًا، ديك تشيني Cheney Dick). وقد جعلت تشيني من المؤسسة ساحة "حرب ثقافية" خاصة بها في مجال الإنسانيات والفضاء الجامعي10. من جهة أخرى، فإن اليمين الديني الذي كان قد تراجع بعد
عهد ريغان، وجد في بعض المعارض والفعاليات "الفضائحية" التي نظمها وقف الفنون، مادة دسمة للدعاية السياسية ضد المؤسستين، والتوجهات الليبرالية عمومًا. وفي وقت لاحق (1995)، طالبت لين تشيني نفسها بإلغاء الوقفين، بما فيهما وقف الإنسانيات الذي تولت رئاسته حتى عام 1993. وكانت حجتها أن المؤسستين عانتا الفساد (وهي دعوى لم يكن لها سند). ولكن يبدو أن ما أغضب تشيني والمحافظين، كان محاولة المؤسسة إعادة كتابة التاريخ الأميركي بما يركز على المسكوت عنه فيه11. شهد عام 1995 أيضًا هيمنة الجمهوريين على الكونغرس بدعم كبير من "التحالف المسيحي" الصاعد. وكان هذا تطورًا جديدًا على الساحة السياسية الأميركية؛ ذلك أن صعود اليمين المسيحي البروتستانتي (في الجنوب خاصة) خال عقدَي الستينيات والسبعينيات، لم يكن له تأثير كبير ملموس في المشهد السياسي. مع نهاية السبعينيات هيمنت قيادات أصولية "إنجيلية" على الكنائس الجنوبية، وساهمت في انتخاب ريغان في تحالف مع المحافظين الكاثوليك واليهود. ومن حينها أخذت الجماعات الكنسية تصوِّر نفسها أنها "مضطهدة" من جانب النخب الثقافية ومتنفذي واشنطن، إضافة إلى الجامعات والإعام. وضم التحالف إلى مطالبه المعروفة حول مناهضة حقوق المثليين والنسوية "الراديكالية" ودعم المدارس الدينية، مطالب اقتصادية لدعم مؤسسات ومدارس خاصة تابعة له. وقد تحالف المتدينون، بقيادة زعيم التحالف المسيحي رالف ريد Reed Ralph، مع الجمهوريين بقيادة نيوت غينغريتش Gingrich Newt ودعموا المرشحين الجمهوريين في انتخابات 1994. وقد مكّنهم هذا من فرض المزيد من المطالب؛ منها المزيد من الدعم المالي للمؤسسات الدينية، وخصخصة المؤسسات الوقفية الثقافية. ويشير هذا إلى تحول مركب في الغاية من الأهمية في بنية التركيبة السياسية الأميركية، تمثلت في ارتجاجات ذات طابع طبقي. فمن جهة، عدل انضمام التحالف المسيحي (وغالبية أنصاره من طبقات عاملة ومجموعة ذات تعليم دون جامعي) إلى الحزب الجمهوري، ثقل الحزب من "الأرستقراطية" المحلية في الولايات GOP Club Country، وكبار رجال الأعمال وقطاع كبير من الطبقة الوسطى، في اتجاه الطبقات الدنيا. فالمجموعة الجديدة كانت على هامش الطبقة الوسطى، ولم تكن من المستفيدين من إنفاق الدولة، بل كانت تواجه هجومًا على مدارسها ومؤسساتها بحجة التمييز. ولهذا السبب نفّذ الجمهوريون هجمة مزدوجة على الشركات الكبرى، وكذلك برامج دعم الطبقات الدنيا، بحجة إنهاء عجز الموازنات الحكومية12. وقد مهد هذا للمراحل التالية من حروب الثقافات. في الوقت نفسه، استعارت الجماعات الدينية أسلوب جماعات الضغط والفئات "المهمشة" (مثل السود والنساء ومهاجري أميركا الاتينية) والفئات المهنية، في طرح المطالب الفئوية، مستغلة التركيبة "التعددية"، وفق وصف توجه العلوم السياسية السائد حينها. وكان هذا التوجه يصور النظام الأميركي باعتباره نظامًا تعدديًا Pluralist، يتشكل المجتمع فيه من فئات متنافسة ومتقاطعة المصالح في الوقت
نفسه، وتكون الدولة شراكة بين تلك الفئات، وحكمًا في الآن عينه13. وقد كان ما شهدته هذه التيارات من تحولات سياسية لافتًا ومهمًا، لأنه جذبها إلى "داخل النظام"، بعد أن كانت على هامشه، وأدى إلى "علمنتها"، أي تحوّلها إلى فئة مطلبية مثل بقية الفئات. إلا أن حروب الثقافات عكست هذا التوجه، حيث جعلت الثقافات خصمًا للنظام، وعاما لتقويضه، مقابل فرض توجهات ثقافية إقصائية، وإن كانت بدورها "معلمنة". وهكذا تحولت المواجهة إلى صراع حول هوية أميركا وروحها، وسؤال ما هي أميركا الحقيقية؟ فعلى سبيل المثال، احتجت سيدة مؤيدة لحرية الإجهاض في مناظرة مع خصم رافض، بالقول إن إعان حقوق الإنسان المضمن في الدستور الأميركي يؤكد أن الخصوصية الفردية أهم أركان الديمقراطية الأميركية. في المقابل، رد الرجل بالقول إن الزعم أن الآباء المؤسسين ضحّوا بأنفسهم لتمكيننا من قتل أطفالنا، مثير للسخرية14. الماحظ هنا أن الزاوية الدينية لم تُثَر في هذا السجال، بل كان الحديث عن القيم التي تَوافَق عليها الأميركيون في دستورهم، ويجب أن تسود في حياتهم.
ثالثًا: الثقافة: مجال توافق أم ساحة صراع؟
قبل أن نسترسل في تتبع مسار هذه "الحرب الثقافية"، نود أن نورد ماحظات أولية حول دور الثقافة، والثقافة السياسية خصوصًا، في كل مجتمع وكيان سياسي. ونبدأ من منظورين متعارضين حول هذا التطور، أحدهما المنظور التحليلي الذي لحظ زيادة حدة الاستقطاب وحذّر من خطرها، والآخر نادى بهذا الاستقطاب، ورحّب به وروّجَه. وفق المنظور الأول، إن الثقافة يجب أن تكون محور وحدة الأمم، وانعكاسًا لهذه الوحدة. ففي العادة ينظر إلى الثقافة السياسية باعتبارها الافتراضات الشائعة حول الواقع السياسي، بحيث تُرسَم عبرها حدود المشروع والمرفوض داخل اللعبة السياسية. وبصورة أدق هي: "الأخاق السائدة في المجتمع التي تعيد إنتاج الائق وغير الائق، والقبيح والحسن، و (القيم) المتموضعة في العاقات الاجتماعية أو المجتمع [...]، وتتألف الثقافة السياسية من المعايير الاجتماعية السائدة بشأن القضايا العامة، وأيضًا بمعارف الناس وآرائهم عن الدولة والسلطة والتراتبية الاجتماعية والسياسية والولاء والحقوق والواجبات وغيرها"15. وتحدد التفاهمات المجسدة في الثقافة، وهي غالبًا من المسلم به وتحت مستوى الوعي، الممكن والمقبول بين البدائل، وما هو خارج نطاق المقبول16. والثقافة هي ظاهرة "بينية " Interpersonal، وعليه فهي من خصائص الجماعات، وليس الأفراد. ويرى كليفورد غيرتز أن الثقافة يجب ألّ يُنظر إليها
على أنها عادات وتقاليد وممارسات، بل هي "خطط، ووصفات، وقواعد وتعليمات [...] للتحكم في السلوك. وهي في هذا أشبه ب 'برمجيات الحاسوب"'17. وتشمل الافتراضات المضمنة في الثقافة السياسية معتقدات وتوقعات حول الواقع السياسي والأهداف السياسية، والمكاسب والمغارم المتعلقة بالنشاط السياسي، وحدود الجماعة السياسية ومن ينتمي إليها، والموقف من الآخرين، وما إذا كانوا أها للثقة، ثم حدود السياسي نفسه: ما يمكن أن يعتبر سياسيًا. إلا أن طبيعة الثقافة السياسية البالغة التجريد، وكونها "غير ملموسة"، إضافةً إلى أنها في الغالب تعمل في الاوعي، تجعل من الصعب استخدامها في تفسير السلوك الإنساني. فهي لا تصبح ظاهرة وملموسة إلا في حالات الأزمات والصراع18. وتشكّل الثقافة الوجه الآخر للهوية باعتبارها تمثل أسلوب حياة متميزًا، تشترك فيه الجماعة، ويميزها من الآخرين، ويشمل رموزًا ومجازات لها مركب معرفي وشحنة عاطفية قوية، "تؤكد على الروابط بين أفراد الجماعة – أشبه بلغة سرية – تميز الجماعة من غيرها"19. إلا أن الثقافة ليست جامدة، بل هي ذات طبيعة تفاعلية ومبتناة Constructed. وبناءً عليه، فإنها تتغير وتتطور، وتساهم في التغيير، خاصة إذا جرى تجييش رموزها في إطار إعادة صياغة لبعض عناصر الهوية لدعم خيارات "شرعية" من منطلقاتها، أو للقدح في شرعية ممارسات قائمة20؛ ذلك أنه على الرغم من أن الثقافة تؤطر هوية مشتركة، وإحساسًا بقدر من الوحدة والتضامن داخل الجماعة، وكذلك التميز من الآخرين، وغالبًا في إطار سياسي يركز على المشترك، فإن هذا لا يعني التوافق الكامل. بل الثقافة تشمل تفاهمًا عريضًا يتسع في داخله للخاف21. ويضيف بيير بورديو Bourdieu Pierre (2002–1930) أن الثقافة تتشكل، في جوهرها، من قواعد وعادات راسخة في الوجدان، وأساليب ومهارات، تسمح لحامليها بالابتكار، من دون أن تُفقِد أعمالهم المعنى لمن حولهم. فالبشر يعيدون خلق الثقافة باستمرار، مستفيدين من مهارات مغروسة في الثقافة نفسها. إلا أن مهارات استغال الثقافة استراتيجيًا ليست متساوية، مما يخلق قدرًا من التفاوت22. وعند ميشيل فوكو Foucault Michel (1984–1926)، إن العاقة بين السلطة والثقافة تفاعلية، بحيث إن القوة بدورها منتجة للثقافة، كما في تصنيفات بعض العلوم، مثل علم النفس الإكلينيكي الذي ينتج تصنيفات تشكل بدورها ممارسة للسلطة. فالسلطة "هي ممارسة تشكل البشر كمادة للمعرفة"23.
رابعًا: الحروب الثقافية في مجال المعرفة
يمكن فهم بعض مركبات الصراع الثقافي الأميركي من منظور الطبيعة التفاعلية للثقافة وتداخلها مع السلطة، خاصة حين نتابع انتقال الصراع من مستوى الجماهير والقواعد، خاصة بين مكونات النضال السياسي (المتدينون والمحافظون خارج المدن الكبرى من جهة، ومناضلو الحقوق بين النساء والأقليات والقوى "التقدمية" من جهة مناوئة)، إلى المؤسسات التعليمية ومؤسسات إنتاج الثقافة الأخرى. وكانت هناك إرهاصات لهذا في الصراع حول المؤسسات الوقفية للفن والأدب. فقد كان هذا إيذانًا بفتح جبهة أخرى لهذه الحروب، أبطالها المثقفون وأساتذة الجامعات وكبار المفكرين. ولهذه المعارك بالطبع جوانبها القريبة من الواقع السياسي الماثل، إذ إن فشل اليمين في النيل من المؤسسات الوقفية يعود، إلى حد بعيد، إلى أن هذه المؤسسات كانت تدعم الفنون والمتاحف وغيرها على مستوى المدن الصغيرة. وبناءً عليه كانت تساهم في خلق الوظائف ودعم السياحة والحياة الثقافية في تلك المدن وفي الأرياف عمومًا. وهذا بدوره جعل أعضاء الكونغرس من الجمهوريين يترددون في الانجراف وراء تطرف اليمين المناوئ لحرية الآداب والفنون، رغم شطحات بعض الفنانين التي مست الدين والذوق العام. لم يمنع هذا من تصعيد نقل ساحة المعركة إلى الجامعات والمدارس والكتب ومجالات النشر. وكانت طلقة البداية كتاب بلوم الشهير إغلاق العقل الأميركي24. ووفق بلوم، إن الجامعة الأميركية لم تعد تؤدي دورها المنوط بها في رعاية الثقافة الأميركية ونشرها، بل بالعكس، أصبحت ترى في تلك الثقافة كل شر، وتبشر بالانفتاح على الثقافات الأخرى. وقد توقف الطاب عن قراءة أمهات الكتب التي قامت عليها الحضارة الغربية، لأنهم أولً لم يعودوا يقرؤون أصا، بل يفضلون الأفام والموسيقى، وثانيًا لأن أساتذتهم أصبحوا لا يؤمنون بأهميتها، ولا يوصون بقراءتها. من هذا المنظور، يبدو أن شكوى بلوم هي أن العقل الأميركي أصبح منفتحًا أكثر من الازم، لأن الأساتذة "ما بعد الحداثيين" أصبحوا يقولون لطابهم إن التحيز مضرّ، وإن الانفتاح على كل الآراء هو الفضيلة. ولكن بلوم يرى أن التحيزات مهمة، وهي مفتاح المعرفة. وينتقد إعادة كتابة التاريخ الأميركي لمصلحة ذم البيض، والتركيز على العنصرية والرق والحروب، بحيث إن فضائل أميركا أصبحت مخفية، وعيوبها ظاهرة، فلم يعد في ثقافتها ما يستحق الفخر به. ويربط بلوم بين هذه الأوضاع وتجربته الشخصية في جامعته كورنيل في الستينيات، حين قامت مجموعة من الطاب الراديكاليين باحتال مباني اتحاد الطاب في الجامعة، وفرض مطالبهم على الإدارة التي رضخت لهم. ويرى أن تلك كانت بداية الانحدار، إذ لم يعد هناك اليوم من يؤمن بأن الجامعة هي مكان للبحث عن الحقيقة. فهناك دائمًا "حقائق" متعددة. احتفل المحافظون بكتاب بلوم الذي بيع منه أكثر من مليون نسخة، وفتح الباب أمام جولة جديدة من "الثورة المضادة" ضد ثورات الستينيات، ودعوات عودة الاعتبار إلى "أميركا الحقيقية"، أي أميركا البيض
والمسيحية البروتستانتية، والتقاليد المحافظة والتعليم التقليدي. وبالفعل، ظهرت كتب أخرى وحمات تنادي ب "إصاح التعليم" في المدارس، ومحاربة الهيمنة "اليسارية" وهيمنة العدمية والنسبية الأخاقية وتيارات ما بعد الحداثة. تبع هؤلاء بلوم أيضًا بالتحسر على انهيار الأسرة، والانحال الجنسي، وغياب إطار متفق عليه للقيم والهوية الثقافية. في المقابل، إن عاصفة الانتقاد التي أثارها المعسكر الآخر جادلت بأن بلوم ومن في حزبه بالغوا في توصيف ما رأوه أزمة في الجامعات، وفي ترويج أساطير عن عهد سابق، كانت فيه الجامعات موحدة حول الثقافة وأمهات الكتب، في حين أن هذه الأمور كانت دائمًا موضع نزاع25. ووفق أحد المنتقدين لاتهامات المحافظين للأكاديميا الأميركية بوقوعها تحت هيمنة اليسار والأقليات ممن استبدلوا إنتاج المتطرفين أو الثقافات الغربية بأمهات الكتب؛ إن المشكلة تقع، بالعكس، في هيكل الجامعة الأميركية، التي أصبحت محكومة بمنطق السوق والتوجه الاستهاكي. ويعود ذلك إلى ارتفاع تكلفة التعليم، والحاجة إلى إرضاء الطاب الذين يدفعون الرسوم الدراسية المرتفعة، ويصرون على التعامل مع الجامعات مثل "كافتيريا" ينتقون منها ما يشاؤون26. النقاط ذاتها يؤكد عليها راسيل جاكوبي Jacoby Russell في كتابه الحكمة الدوغمائية (1994)، إذ يتهم هجمة المحافظين على الجامعات والثقافة بالتناقض. فمن جهة، هم يحاربون المؤسسات الثقافية الرسمية التي تدعم الثقافة الرصينة، ويدعون إلى خصخصة هذه المؤسسات وإخضاعها لمنطق السوق الذي يدعم الثقافة الرخيصة (ثقافة العنف والجنس والموسيقى الشعبية). وهي عين ما يهاجمونه في اتهاماتهم حول إحال الثقافة "السوقية" محل الأدب الرصين والثقافة التي تعكس روح أميركا ووجهها "المتحضر". ويرى جاكوبي أن الروح الاستهاكية هي التي أقصت أمهات الكتب وأخضعت مقررات الجامعات لمنطق السوق، وليس ما يدّعونه من هيمنة اليسار وروح ما بعد الحداثة على هذه الجامعات. ويضيف أن ما يوصف ب "أمهات الكتب"، هو أيضًا ناتج من الدعاية والتسويق، وليس من "عظمة" كامنة فيها. وكيفما كان الأمر، فإن هيمنة الاستهاكية على التعليم الجامعي والارتفاع المجنون في تكاليفه، نتيجة جانبية لمواقف المحافظين الرافضة لتقديم دعم حكومي للجامعات، وتفضيل خفض الضرائب بدلً من ذلك. وقد دحض جاكوبي دعوى المحافظين أن التيارات الراديكالية هي التي أقصت المحافظين من الجامعات وأسكتت أصواتهم، فأورد إحصاءات ومعلومات تنفي تعرض أي أستاذ للإقصاء أو التهميش بسبب مواقفه "المحافظة"27.
خامسًا: من حروب الثقافة إلى صراع الحضارات
منذ البداية، تداخل الصراع الثقافي ومحوره الديني مع توجهات أخرى، مثل التحيزات الإثنية/ العرقية. فقد كشفت دراسات عديدة أن هواجس الجمهوريين المحافظين (وجلّهم من البيض)، كانت تتمحور حول القلق مما رأوه تهجمًا على هوية البيض أكثر من تعلقهم بحرية التعبير28. ويؤكد هذا أن المحافظين كانوا ينسون تمجيدهم لحرية التعبير في حالة أصحاب المواقف العنصرية أو الدينية المتشددة حينما تتعلق الحرية بانتقاد إسرائيل، أو بالأعمال الفنية التي لا يرضون عنها. وقد وقع تداخل بين آراء المنخرطين في "حرب الثقافات" (التي وصفها البعض بأنها "حرب على الثقافة") وهواجسهم، وأجندات أخرى، أبرزها كانت أجندة أنصار إسرائيل. ولعله تطورٌ ذو مغزى مفاده أن مجلة كومنتري Commentary، الناطقة باسم الجالية اليهودية في أميركا، كانت من المبادرين بإطاق الطلقات الأولى في حرب الثقافات، في مقالة سبقت مقالة بيرنستين بأربعة أعوام (تشرين الأول/ أكتوبر 1986)، بقلم هيربرت لندن London Herbert (2018–1939) بعنوان: "(أساتذة) اليسار ذوو الوظائف الدائمة" " The Tenured Left". ولعلها مفارقة لا تقل أهمية عن المقالة التي كانت تنتقد تأييد اليسار الأميركي وقتها للمقاطعة الاقتصادية لجنوب أفريقيا! ولا ننسى أن كومنتريهي أيضًا من افتتح الحملة ضد إدوارد سعيد (2003–1935) بالمقالة الفضائحية لإدوارد ألكسندر Alexander Eduard (1945–1881) بعنوان "أستاذ الإرهاب".)1989(لا يقل أهمية أن ما سمي "المجلس الأميركي للخريجين والأمناء" ACTA، الذي أنشأته لين تشيني مع جو ليبرمان Lieberman Joe في عام 1995، ما لبث أن انخرط في إطار توجهات التطرف في الولاء لإسرائيل قبل أحداث 11 سبتمبر وبعدها. وقد استغل المجلس أحداث سبتمبر لينشر تقريرًا وصف فيه الجامعات الأميركية بأنها الحلقة الأضعف في الدفاع عن الحضارة الأميركية. وكان هذا المعبر إلى المرحلة التالية من حروب الثقافات التي جمعت بين استهداف "اليسار والليبرالية" دفاعًا عن "حضارة" أميركا ضد أعداء الداخل، وبين فتح باب الحرب ضد أعداء الخارج. هنا مفارقة أيضًا، أنّ الصحفي الأميركي اليميني الشهير، جورج ويل، وصف لين تشيني في مقالة له عام 1992 عندما كانت ترأس وقف الإنسانيات (نادت فيما بعد بضرورة إلغائه)، بأنها "وزيرة الدفاع الداخلي" في أميركا، لأنها تتصدى لأعداء داخليين لا يقلّون خطرًا عن أعداء الخارج في استهدافهم للثقافة الأميركية29. وقد أخذت الحرب منحى شعبويًا منذ مراحلها الأولى، ممثا في توجهات وخطاب أبطالها من اليمين الديني المتشدد، من أمثال القس جيري فالويل Falwell Jerry (2007–1933) ثم بات روبرتسون Robertson Pat، وغينغريتش وغيرهم. فقد سادت لغة التخويف من شرٍّ قد اقترب، وبلد يتعرض لاختطاف من جانب يسارٍ منفلت، يشجع على الفساد في الأرض، ويرهن نفسه لجهات خارجية. فالإجهاض والانحال والشذوذ الجنسي كلها شرور يحتفل بها الليبراليون، والجامعات أصبحت
خرابًا بلقعًا، لا تدرِّس أمهات الكتب التي صنعت الحضارة الغربية وسوَّدتها على الأمم، بل تروِّج هراء النسوية، وطاسم ما بعد الحداثة، وافتراءات الأقليات على التاريخ الأميركي المجيد، ووصم رموزه بالعنصرية. كل هذا جعل، بزعمهم، قول الحق، والإشادة بعظمة الحضارة الغربية ومآثرها وتفوقها، من الموبقات والإثم المبين، يتعرض قائله للتقريع والامتهان، بل القمع والإقصاء. وهذا يستوجب رفع الساح وإعان "الجهاد" دفاعًا عن حضارة أميركا والغرب ضد هذا الزحف من برابرة اليسار والأقليات، ومعهم – والعياذ بالله – الأجانب والأغراب القادمون من البلدان والشعوب المتخلفة. وقد تغذى هذا الخطاب بسرديات ذات غطاء أكاديمي، مثل مقولة صامويل فيليبس هنتنغتون Samuel Huntington Phillips (2008–1927) المقتبسة بدورها من المستشرق الموالي لإسرائيل، برنارد لويس Lewis Bernard (2018–1916)، حول الطابع "الحضاري/ الثقافي" لصراعات العصر. ووفق هذه المقولة، إن الهوية "الثقافية" تتحول على نحو متزايد إلى أساس الانتماء، فالإنسان أصبح يرى نفسه أوروبيًا أو "غربيًا" في الأساس، أو "مسلمًا"، أو "أفريقيًا"... إلخ30. ووفق لويس، إن تمرد الفلسطينيين على العدوان الإسرائيلي وداعميه الغربيين، ليس سببه سلب الأراضي والتهجير والقمع لغير اليهود (على الهوية، بالطبع)، وإنما مرجعه نقمة "الرجل" المسلم على تراجع منزلته بسبب صعود الحضارة الغربية وتفوقها، وتحرر النساء تأثرًا بذلك! وبالطبع فقد وجد هذا التحليل طريقه لتفسير هجمات 11 سبتمبر، التي لم تكن دوافعها، وفق هذه الرؤية، النقمة على الوجود العسكري الأميركي في الخليج والدعم للدكتاتوريات الباطشة، وللعدوان الإسرائيلي المستمر، وحصار العراق... إلخ، بل هو، كما أبلغنا الرئيس بوش في خطبته العصماء في الكونغرس في 20 أيلول/ سبتمبر 2001، النقمة والحسد على ما تتمتع به أميركا من حرية وديمقراطية ونعم أخرى ينافسها عليها الإرهابيون!
سادسًا: إيقاف "حرب الثقافة" وصعود ترامب
المعضلة في هذه المزاعم هي أنه لا أسامة بن لادن (2011–1957) ولا غيره من الإرهابيين، كانوا من تولى كِبْرَ خطاب الانحطاط الليبرالي في أميركا، بل كانوا ينقمون عليها طغيانَها وإشعالها الحروب في المنطقة، ودعمها لطغاتها. فمن قاد الهجوم على "الحريات الأميركية" كانوا في الواقع فرسان حروب الثقافة من أنصار اليمين المتطرف الصاعد، وهو تحالف معقد بين المتشددين الدينيين واليمين الاقتصادي وأنصار عقيدة التفوق العرقي الأبيض، وطوائف أخرى من الناقمين على النظام السياسي والاقتصادي والثقافي السائد. بدأت حروب الثقافة في أول عهدها، كما رأينا، تحت لافتات دينية – سياسية، ضد الإجهاض والمثلية الجنسية و"الشيوعية"، ثم تطورت إلى تحالف "مسيحي" عابر للطوائف، هو نفسه تحالف مع اليمين الاقتصادي المحافظ واليمين اليهودي، وفئة كبيرة من المهمشين تعليميًا. وبينما صوَّر هذا التحالف نفسه أنه يحارب من أجل الحرية، وخاصة حرية التعبير، والحرية الأكاديمية، ويحارب "هيمنة" اليسار والليبراليين على الفضاء الثقافي، فإنه ما لبث أن قاد حملة
تكميم أفواه، ولا سيما ضد منتقدي إسرائيل. وخال الفترة بين منتصف التسعينيات وعام 2016، خلق التحالف عشرات المؤسسات الوقفية الإعامية والثقافية والأكاديمية، لترويج أفكار اليمين المتطرف. وقد ساهم العديد من أثرياء المحافظين في دعم هذه المؤسسات التي انتشرت في كل مكان، وظلت تعمل بأساليب فيها الكثير من التمويه والدعاية المضللة. وهناك دلائل على أن إحدى هذه المؤسسات؛ "مركز الحرية" Centre Freedom الذي أسسه الناشط المحافظ ديفيد هوروويتز Horowitz David، كان مفتاح صعود دونالد ترامب إلى السلطة في عام
كان هوروويتز، اليهودي الثري الذي نشأ في عائلة يسارية متطرفة، وظل يروج اليسار حتى السبعينيات، تحول فيما بعد إلى محافظ متطرف. وقد أنشأ في عام 1988 مركزه (الذي وصفه بأنه "مدرسة للحرب السياسية") في أول الأمر في لوس أنجلوس تحت اسم "مركز دراسة الثقافة الشعبية" لمواجهة النفوذ اليساري. وقد قدم المركز الدعم لعشرات المبادرات المتطرفة، وتخرَّجَ فيه العديد من الشخصيات التي لمعت في إدارة ترامب، ومن بينهم ستيفن كيفين بانون Bannon Kevin Stephen، وكيليان كونواي Conway Kellyanne، ومايك بنس Pence Mike (نائب الرئيس ترامب)، وراينس بريبوس Reince Priebus، وستيفن ميلر Miller Stephen، وجيف سيشنز Sessions Jeff (النائب العام في عهد ترامب.) وقد بذل الأخير فيما بعد جهودًا مكثفة لترويج الإساموفوبيا، ووصف المسلمين بالفاشيين31. إضافة إلى ذلك، كانت هناك شبكة أوسع، تضم عائلة بيتسي ديفوس Devos Betsy، التي عينها ترامب وزيرة للتعليم في حكومته. وتنحدر ديفوز وزوجها من عائلتين من البليونيرات، أدّتا دورًا محوريًا ضمن "حلقة ضيقة من البليونيرات المحافظين" في تمويل عدد كبير من المنظمات (بعضها شبه سري)، التي ساهمت في دفع الحزب الجمهوري في اتجاه اليمين المتشدد32. ويرد أحد المعلقين على دعاوى هذا التيار الذي يرفع راية "حرية التعبير"، ويلوح بأخطار كبيرة تهدد المجتمع الأميركي، مما يستدعي "الجهاد" دفاعًا عن حصون الحضارة الغربية، قائا: إن التهديد الحقيقي الذي تواجهه الحياة السياسية في أميركا هو: "حملة حرية التعبير في الحرم الجامعي، الممولة بسخاء، والمدارة بدهاء، لنصرة قوى السوق"33. وتمثل عائلة ديفوس وأصهارها نموذجًا لعدد من المراكز والتحالفات والمنظمات المالية – السياسية، تعود إلى الخمسينيات، نشطت في دعم تيارات يمين اليمين التي من أبرزها مؤسسة جون أولين John Olin الوقفية التي أسسها الصناعي صاحب الاسم عام 1953، وأنفقت – حتى حلِّها عام 2005 – نحو 370 مليون دولار في دعم المنظمات المحافظة المتشددة. وقد خصص أولين معظم أمواله لدعم التغلغل اليميني في الأكاديميا، خاصة بعد حادثة احتال الطاب الراديكاليين مبنى اتحاد الطاب في جامعة كورنيل. شمل ذلك تقديم منح دراسية، وإنشاء مراكز وجمعيات ومؤتمرات وصحف طابية،
وغير ذلك. ومولت المؤسسة كذلك العديد من الكتاب المحافظين الامعين مثل بلوم وروجر كيمبل Kimball Roger وآخرين34. وزاحمت مؤسسة أولين في هذا المجال مؤسسات أخرى، مثل مؤسسة برادلي (أنشئت عام 1942)، ومؤسسة سارة سكيف (منذ عام 1985). وقد نشأت في فترة لاحقة، ولا سيما في الثمانينيات والتسعينيات، عشرات الصناديق والأوقاف لدعم المنظمات المحافظة، كمؤسسة ديك وديفوس (1989)، تبعًا لمؤسسة أخرى تنتسب إلى عائلة ديفوس، أنشئت في عام 1970، وقدمت دعمًا سخيًا لمنظمات وشخصيات محافظة.
سابعًا: تحولات عصر الإنترنت
تدخَّل منذ منتصف التسعينيات عامل آخر أدّى دورًا حاسمًا في إحماء حرب الثقافات، بعد أن كتب بعضهم نعيَها، ورأى أنها أصبحت من الماضي، وهو بروز الإنترنت ثم وسائط التواصل الاجتماعي. فقد منحت هذه الوسائط منابر لأصوات كانت هامشية، وغير مقبولة في وسائل الإعام ذات المنزلة. وكان بعض الأصوات المتطرفة قد وجد مساحة كبيرة في الإذاعات وبرامج الحوار في أكثر من محطة إذاعية، بحيث تحول عدد من المحافظين المتشددين، مثل رش ليمبو Rush Limbaugh (2021–1951)، وبيل أورايلي Bill O’Reilly، وغيرهما، إلى نجوم. وإذ تزامن هذا مع بدء ظهور مواقع إنترنت محافظة، مثل إنفو وورز InfoWars (1999) وفوكس نيوز Fox News (1996)، فإن بعض دور النشر العالمية الكبرى في أميركا تتابعت في إنشاء فروع خصصتها تحديدًا لنشر الكتب الموجهة للجمهور المحافظ35. إلا أن الساحة شهدت تحولً نوعيًا بإنشاء موقع برايتبارت Breitbart.com في عام 2007، الذي اكتسب شهرة ومنزلة بترويجه سلسلة احتجاجات "حفلة الشاي" اليمينية المتشددة (انطلقت في عام 2009)36. وقد تولى بانون إدارة الموقع بعد وفاة مؤسسه أندرو برايتبارت Andrew Breitbart (2012–1969)، وجعله منبرًا لحركات "اليمين البديل" Alt–Right، وهي تجمُّع فضفاض لتيارات شملت أنصار سيادة العرق الأبيض، والناقمين على الحركات النسوية وعلى حركات حقوق السود، وأيضًا على المسلمين واليهود37. وقد زادت أهمية الموقع حينما انضم مديره بانون إلى حملة ترامب الانتخابية في عام 2016، ثم عين مستشارًا له بعد انتخاب الأخير رئيسًا. إلا أنه خسر منصبه في آب/ أغسطس 2017 عائدًا إلى الموقع، بعد أن أثارت مواقفه العنصرية المتطرفة جدلً حادًا. وقد قاد الموقع حمات مكثفة لدعم القضايا التي يتحمس لها اليمين المتشدد، مثل حق حمل الساح ب قيود، ومعارضة أي محاولة
لضبط حمله، باعتبارها انتقاصًا من حرية الأميركيين. وعمد إلى التهوين من هول الجرائم والمجازر التي يتسبب فيها المسلحون، وتبرئة قوانين حمل الساح المتساهلة، بل الدعوة إلى التخفيف من هذه القوانين حتى يتمكن الضحايا من الدفاع عن أنفسهم! تصدى الموقع أيضًا للحمات النسوية، وحركات حقوق السود وحركات الطاب الداعمين لحقوق الإنسان والمدافعين عن الأقليات. وركز على التهجم على الإسام بربطه بالعنف والإرهاب، ووصفه بأنه خطر يتهدد أميركا والحضارة الغربية. وفي حين لا يكاد يوجد في نصوص الموقع مقالة واحدة إيجابية عن الإسام، يستمر التهجم على الهجرة والمهاجرين والثقافات الأخرى، مثل مهاجري أميركا الاتينية أو أفريقيا. وكثيرًا ما تعتمد التغطيةُ السخريةَ، كما في وصف طاب الجامعات الراديكاليين بأنهم "مدللون" يريدون خلق مساحة غير واقعية في بعدها عن تحديات الحياة. ويكرر اتهام الرياضيين السود الذين يرفضون الوقوف للنشيد الوطني بأنهم متطرفون معادون لأميركا، "يلعبون ورقة العِرق"، وما إلى ذلك38. هناك أيضًا هجوم مكثف على الليبراليين، ووصفهم بأنهم يساريون متطرفون يعادون الثقافة الأميركية، ويمثلون خطرًا يهدد الباد من الداخل. وقد دفع هذا بأحد المعلقين لوصف الموقع، ولا سيما بعد صعود القائمين عليه إلى السلطة وإلى قلب البيت الأبيض، بأنه يطمح إلى إطاق "حفل شاي عالمي"، في حركة ثورية تعيد للغرب هويته اليهودية – المسيحية. أما الموقع نفسه فيتبع "استراتيجية رقمية" لتعميق التطرف وتوسيعه وجعله عاديًا39.
ثامنًا: سفور العنصرية ثقافيًا
خلصت فاليري سكاتامبورلو دانيبال Valerie Scatamburlo–D’Annibale إلى أن اليمين المتطرف الصاعد في أميركا بين يدي عصر ترامب، لم يستخدم شعار حرية الرأي، فحسب، ستارًا لقمع المخالفين، بل ظل يستغل أيضًا ويحشد "الغضب الثقافي" لتحقيق غايات اقتصادية وسياسية، بما فيها القضاء على المكاسب الديمقراطية في مجال الحقوق الاقتصادية التي تحققت في أميركا منذ عصر "الصفقة الجديدة" في الثاثينيات. وتضيف المؤلفة أن الحملة ضد "اللباقة السياسية" وحسن الخطاب بدعوى حرية التعبير، اكتسبت في عهد ترامب وجهًا عنصريًا سافرًا من دون أي قناع، بحيث أصبحت المجاهرة بدعاوى تفوّق العرق الأبيض والحط من شأن الآخرين وكرامتهم أمرًا شائعًا ومقبولً. وما دعوى اليمين المتطرف حول ضرورة "استعادة" السيطرة على الجامعة التي يحتلها اليسار بزعمهم، إلا غطاء للدفاع عن "أصولية السوق" ومصالح المتنفذين. وتختم بأن الجامعة هي بالفعل خطر على هيمنة اليمين، لأنها تتحول باستمرار إلى قاعدة مقاومة للعنصرية والسلطوية وقمع المرأة والأقليات40. ويذهب رومي مكرجي Mukherjee Romi أبعد من ذلك، حين يقول إن "الترامبية" في خطابها العنصري لا تنظر إلى بياض البشرة على أنه ميزة وأحقية، بل هو حالة هشاشة تهدد بنهاية أميركا المسيحية، بل
الحضارة "اليهودية – المسيحية" برمّتها. وقد جمعت تكتيكات ترامب في الدعاية السياسية بين هستيريا الصلوات الجماعية التي أصّلت لما سُمِّي ب "الصحوة الكبرى الثانية" في أميركا نهايات القرن الثامن عشر، وما كان يصاحب تلك الصلوات الجماعية من حالات "جذب" يرتجف فيها المصلون ويصدعون بنشدان الرحمة السماوية، وبين أساطير الأصول العرقية الأنكلوسكسونية المتفوقة للأميركيين البيض. كل هذا جعل من سرديات هذا التحالف ضربًا من "اللاهوت الأبيض". ومن هنا يتحول التباكي على انحطاط المسيحية وتراجعها إلى قلق حول تراجع سلطة الرجل الأبيض، والحنين إلى "العصر الذهبي" قبل أن يصبح الرجل الأبيض محاصرًا بالمهاجرين والملونين، وبالطبع بالنساء المتحررات41. نشاهد هنا كيف طورت "الترامبية" هذ المزيج المتفجر من الدين والعنصرية، لتعيد تيارات تفوُّق العرق الأبيض النازية من الهامش إلى قلب السياسة الأميركية، والربط بينها وبين الإسلاموفوبيا، وحتى معاداة السامية، مما أعطى حروب الثقافات زاوية جديدة تمامًا. وهكذا تكتسب الحرب من أجل "روح أميركا" معنى جديدًا. فقد حول الصراع الديني – دفاعًا عن "نقاء العرق" – ترامب، إلى "مسيح أبيض" تلتف حوله تيارات التطرف الديني والتطرف العرقي. وكما يلاحظ بعض المعلقين، إن اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، ودعمه غير المحدود لحكوماتها اليمينية المتطرفة، وحقده على العرب والمسلمين، يلتحم هنا مع رؤى "المهدوية" الإنجيلية المتطلعة إلى قيامة قريبة، وترى في كل توسع وتطرف إسرائيلي خطوة نحو معركة هرمجدون Battle of Armageddon التي تبشر بعودة المسيح ونهاية العالم42. وهذه مفارقة المفارقات، بحيث يصبح جعل أميركا عظيمة مرة أخرى باستعادة نقائها العرقي وهويتها الدينية (بقيادة شخص يعرف عنه اتباع الهوى أكثر من اتّباع المسيح، والطمع لا الزهد والورع) هو أذان القيامة ونهاية العالم، ومعه أميركا.
تاسعًا: الحالة المصرية
شهدت مصر عشية انقلاب الثالث من يوليو 2013 حدة في الاستقطاب السياسي لم يسبق لها مثيل في تاريخ مصر الحديث، بلغت درجة رواج أغنية للمطرب المصري علي الحجّار حملت عنوان: "إحنا شعب وانتو شعب"، تؤكد على لسان القوى العلمانية المفترضة، القطيعة الكاملة في الهوية بينها وبين الإسلاميين، وجاء فيها: "رغم إن الرب واحد؛ لينا رب، وليكو رب"43. ورغم أن الثورات العربية تميزت بإجماع شعبي أثار إعجاب العالم44، فإن خلافات تفجرت بين الأطراف في الأشهر التي أعقبت الثورة، فقوضت التآلف وأعادت الخلافات إلى الواجهة. شملت خلافات حول التعامل مع المجلس العسكري، وأولوية الانتخابات أم الدستور، وحول ما سمي ب "مبادئ فوق دستورية"، ثم خلافات حول
الدستور نفسه. وفي كل مرة كانت الخافات تتعمق وتزيد الاستقطاب. وقد تزامن هذا مع انفجار أحداث عنف طائفية عمقت الشروخ الاجتماعية والسياسية وعصفت بالوفاق الديمقراطي45. ويرى الباحث محمد شومان أن الاستقطاب كان نتيجة مباشرة لمناخ الحريات الذي رافق سقوط الدولة الاستبدادية، وحرر الفضاء العام من كل قيد، مما أحيا انقسامات سابقة شهدتها مصر منذ فجر الحداثة. وقد تعقد الأمر بعدم بروز تيار وسطي يمهد للتعايش. تبلور الاستقطاب بين التيارات الإسامية بكل أطيافها من جهة، وبين "أنصار الدولة المدنية" في المقابل. ويضم التيار الثاني العلمانيين والليبراليين واليسار والقوميين والحركات النسوية والحقوقية، مع جماعات أخرى. ويثير شومان سؤ لً يتمحور حول ما إذا كان الاستقطاب الثقافي هو علة الاستقطاب السياسي، أم أن الخافات الثقافية استدعيت لخدمة الصراع السياسي؟46 ويتضح من تتبع تحليل عزمي بشارة المفصل للفترة الديمقراطية القصيرة، أن الاحتمال الثاني هو الأرجح، بحيث ظهر بوضوح أن تحالف ما وُصف بالقوى المدنية مع الجيش والأجهزة الأمنية وجهات خارجية، قاد حملة ممنهجة لتعميق الاستقطاب، بغية عزل الرئيس محمد مرسي (2019–1951) ثم إسقاطه. وكما في الحالة الأميركية، كانت هناك خطط مبيتة مُوِّلت من الخارج، استُخدِم فيها ساح الشائعات والتخويف، مستغا هيمنة رأس المال الموالي للنظام السابق على معظم المنصات الإعامية في الباد في خدمة الثورة المضادة، ما أدى إلى "نشوء حال من عدم المهنية والانحياز الفج والممارسات الدعائية التي جعلت المشهد أقرب إلى حروب الدعاية السوداء"47. وتعود جذور هذا الاستقطاب إلى عقد التسعينيات الذي اكتسبت فيه "حروب الثقافة" مستوى جديدًا من الحدة والكثافة. ويعود هذا إلى وضع تبلور في عهد مبارك، بدا فيه أن الدولة تتصنع الحياد في صراعات الثقافة، في الوقت الذي تزعم فيه أنها تحمي الفضاء الثقافي من تغول الإساميين المتشددين. وقد بدأت المنازلات بحالة نصر حامد أبو زيد (2010–1943)، الذي تعرض في عام 1992 لرفض ترقيته في الجامعة بسبب مآخذ على آرائه في استقالية النص القرآني عن مصدره السماوي. ورغم أنه حصل على الترقية في النهاية، فإن مجموعة من المحامين "المحتسبين" رفعت في عام 1993 قضية للتفريق بينه وبين زوجته، بحجة أنه مرتد، بينما زوجته لا تزال مسلمة. ورغم رفض المحكمة الابتدائية قبول الدعوى، فإن محكمة الاستئناف أقرت الطلب في عام 1995، وحكمت بالتفريق بينه وبين زوجته. لم ينفَّذ الحكم، إلا أن أبو زيد وزوجته هاجرا من مصر إلى هولندا، حيث بقي هناك حتى وفاته في عام 201048. وفي عام 2000، انطلقت معركة حول رواية وليمة لأعشاب البحر (1983)، للروائي السوري حيدر حيدر (2023–1936)، بعد أن صدرت طبعة جديدة منها عبر دار نشر تابعة لوزارة الثقافة.
وبعد أن أطلقت صحيفة الشعبالتابعة لحزب العمل المعارض حملة شعواء على الرواية بدعوى أنها تسيء للرسول الكريم وتستهزئ بالقرآن والمقدسات الإسامية، سحب وزير الثقافة الرواية، وحاسب القائمين على دار النشر. وحتى بعد أن برأت المؤلفَ لجنةُ تحقيق شكَّلها الوزيرُ، أحال الأخير الرواية إلى الأزهر الذي دانها ووجه إلى حظرها. وفي الوقت نفسه، اتخذت الحكومة إجراءات ضد حزب العمل الذي قاد الحملة، شملت محاولة لتغيير قيادته، ثم تعليق عمله وإغاق صحيفته49. وهكذا، وجّه النظام ضربة مزدوجة للتيار العلماني من جهة، وللإساميين من جهة أخرى (زعيم حزب العمل، عادل حسين (2001–1932)، كان ماركسيًا ثم ناصريًا، تحول لدعم التيار الإسامي، بعيد هذه الأزمة). ولم تلبث أن تفجرت معركة أخرى مماثلة في مطلع عام 2001، حين اعترض نائب برلماني من الإخوان المسلمين على نشر وزارة الثقافة ثاث روايات وصفها بأنها "فاضحة". قام وزير الثقافة حينها فاروق حسني بإجراء تحقيق، سحب بعده الروايات الثاث من التوزيع. أعقب ذلك فصل عدد من كبار المسؤولين في عدد من مؤسسات الوزارة، ما أدى بدوره إلى هجوم عنيف على وزارة الثقافة وفاروق حسني من جانب نخبة من المثقفين بسبب ما وصفوه بممارسة "القمع والرقابة". وهدد المثقفون بمقاطعة الوزارة ومعرض الكتاب الذي تنظمه. إلا أن الرئيس محمد حسني مبارك (2020–1928) أيَّد الوزير، قائا للكتاب والمثقفين إن لهم الحق في نشر ما يشاؤون عبر المؤسسات الخاصة، أما الوزارة ف يمكنها أن تنشر مثل هذه الأعمال50. وهكذا، قطعت جهيزة النظام قول كل أديب ومثقف. يذكر أن مبارك كان قد تدخل شخصيًا في صيف عام 1998 ليأمر بحظر كتاب المستشرق الفرنسي ماكسيم رودنسون Rodinson Maxime (1915–2004) بعنوان محمد، الذي يروي سيرة الرسول من منظور تاريخي، وفرض إيقاف تدريسه في الجامعة الأميركية بالقاهرة، بعد شكوى من آباء بعض الطاب تستند على مقتطفات من الكتاب تداولتها الصحف. وقد أعقبت ذلك في العام التالي عاصفة أخرى حول كتاب الخبز الحافي للروائي المغربي محمد شكري (2003–1935)، الذي كان يدرس أيضًا في الجامعة ضمن مختارات من الأدب العربي، إذ طلب بعض آباء الطاب حظره، وتبنت الأهرام ذلك المطلب، وكادت الجامعة ترضخ، لولا عاصفة من الاحتجاجات الدولية، شارك فيها مفكرون مثل إدوارد سعيد51.
عاشرًا: جذور حروب الثقافة في مصر
كانت مصر قد شهدت مناوشات ثقافية منذ عشرينيات القرن الماضي، بداية بالعاصفة التي فجرها صدور كتاب علي عبد الرازق (1966–1888) الإسلام وأصول الحكم (1925)، ثم كتاب طه حسين (1889–1973) في الأدب الجاهلي (1926). وقد شهد العقد نفسه قيام حركة الإخوان المسلمين في مصر (1928)، إذ أعلنت أن قيامها كان ردة فعل مباشرة على التحولات الثقافية التي شهدتها مصر
في تلك الحقبة، بعد عقود تحت الحكم البريطاني، متمثلة في مظاهرة الحداثة الثقافية في اللباس والسلوك والإنتاج الفني والثقافي. وكانت كتابات عبد الرازق وطه محفزًا لمثل هذه التيارات في ضوء ما رآه البعض ضعفًا وقصورًا من القوى والمؤسسات التقليدية (مثل الأزهر) في التصدي لما وُصف بأنه "غزو فكري". وقد شهدت السجالات الثقافية منعطفًا جديدًا في الثاثينيات والأربعينيات، حين تحوّل عدد من الكتاب الليبراليين، مثل طه حسين وعباس محمود العقاد (1964–1889) وأحمد أمين (1954–1886) ومحمد حسين هيكل (1956–1888)، إلى تأليف كتبٍ ذات طابع "إسامي"، وتخلى هيكل عن دعوته إلى هوية مصرية "فرعونية". بناءً عليه، تراجع الاستقطاب الثقافي خال تلك الفترة، رغم تفجر حالات محدودة من الصراعات الثقافية بين الخمسينيات والثمانينيات التي تعرضت فيها كتب للمنع، مثل كتاب خالد محمد خالد (1996–1920) من هنا نبدأ (1950)، ورواية أولاد حارتنا (1967 لنجيب محفوظ) (2006–1911)، وغيرهما. ظهرت مع الحرب العالمية الثانية (1945–1939) تيارات راديكالية شديدة العداء لليبرالية التقليدية التي سادت خال الحقبة الاستعمارية، وأيضًا للتوجهات الإسامية المناهضة لها، منها التيار القومي والتيارات اليسارية، وحتى بعض التيارات المتأثرة بالفاشية. وتبنت هذه التيارات وروجتها أنظمةٌ نشأت في مشرق الوطن العربي ووسطه. إلا أن الراديكالية تراجعت مع نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، تزامنًا مع هزيمة حزيران 1967، والطفرة النفطية، ثم قيام الثورة الإيرانية واندلاع حرب أفغانستان، وعاد التيار الإسامي إلى البروز مرة أخرى. وفي النصف الثاني من الستينيات، خاصة بعد هزيمة حزيران، دخلت الساحة تيارات جديدة من اليساريين الناقدين لليسار التقليدي والتيار القومي. وكان أبرز هؤلاء محمد جال كشك (1993–1929)، وهو يساري قومي تحول في منتصف الستينيات إلى قومي ليبرالي متعاطف مع الإساميين، وشنّ حمات عنيفة على التيارات القومية باعتبارها خانت القضية، وعلى التيارات الليبرالية المؤيدة للغرب. ويعتبر كشك جزءًا من ظاهرة تحوّل بدأت كما ذكرنا من شخصيات مثل هيكل، وشملت سيد قطب (1966–1906)، وفي وقت لاحق مصطفى محمود (2009–1921) ثم محمد عمارة (2020–1931)، وطارق البشري (2021–1933)، وآخرين. يختلف كشك عن هؤلاء في أنه ظل محتفظًا بموقفه القومي بغطاء إسامي، مع قدر كبير من الشعبوية، بحيث كان معظم انتقاداته لرفاقه السابقين يتمثل في عدم الوفاء للقومية والتصدي للصهيونية. ويعتبر عمارة أيضًا ذا توجهات صدامية، بخاف البشري الذي كان وفاقيًا، ومصطفى محمود الذي لم تكن له توجهات سياسية واضحة، ولكنه ربما كان له، مع كشك ومحمد متولي الشعراوي (1998–1911) أوسع تأثير ونفوذ في جعل التوجه المحافظ عمومًا، والإسامي خصوصًا، ظاهرة شعبية. وقد شهدت التسعينيات وبداية الألفية صراعات حول دعوات التنوير التي تزعمها كتّاب مثل جابر عصفور (2021–1944) في كتابه هوامش على دفتر التنوير، حيث عبّر عن حنين لفترات سابقة أصبحت ترى، في ضوء الهيمنة "الأبوية" و"الإساموية" التي تعمقت في الثمانينيات، كحقبة ذهبية من التنوير
منذ مطلع القرن العشرين إلى الخمسينيات52. وقد واجه الترويج لهذا "التنوير" هجمة من إسامي آخر تحوّل من اليسار العلماني إلى هذا التوجه، وهو عمارة في كتابه الإسلام بين التنوير والتزوير (1995). وقد جادل بأن "التنوير" مفهوم أوروبي يصلح للثقافة الأوروبية المسيحية الجذور، ولا مكان له في الفضاء الإسامي، كما انتقد أنصار التيار العلماني لتبنّيهم رواد النهضة الإسامية، من أمثال: رفاعة الطهطاوي (1873–1801) ومحمد عبده (1905–1849) وجمال الدين الأفغاني (1897–1838)، باعتبارهم رموزًا لتوجهاتهم "التنويرية"، في حين أن أولئك لم يدعوا إلى العلمانية. بل إن طه وعبد الرازق وآخرين عادوا إلى الرؤية الإسامية، وتخلّوا عن كتاباتهم التي يروّجها هؤلاء الخلَف53. وإذا كانت إليزابيث كساب قد لاحظت التناقض الداخلي في فكر عصفور، الذي يروج الحرية وينتقد الاستبداد، ولكنه يستمر في خدمة الأنظمة الاستبدادية من حسني مبارك إلى عبد الفتاح السيسي، بل يدافع عنها، فإن فئة ثالثة من المفكرين "التنويريين"، على رأسهم نصر حامد أبو زيد، وجهت انتقادات لاذعة لما وصف ب "التنوير الحكومي" الفاشل. ورأى أبو زيد في مقالته "سقوط التنوير الحكومي" (2001)، أن النظام المصري بدأ يروج التنوير في معركته ضد الإساميين لفشله في هزيمتهم أمنيًا، بعد أن كان تفاوض معهم ودعم جهودهم لأسلمة المجتمع ليعزز شرعيته. وأوضح أن أزمة التنوير "الحكومي" مركبة، من ثاثة عناصر؛ الأول أن جذور العنف الإسامي تعود إلى وحشية النظام نفسه وفساده وفشله في دعم الحريات، والثاني أن المثقفين الليبراليين واليساريين الذين استقطبهم النظام في معركته هذه فشلوا في سبر جذور الأزمة، وافتقدوا الفهم العميق لها، بما في ذلك صلة الأنظمة بها؛ وثالثًا لأن هذا "التنوير" ارتبط في الرأي العام بفساد الأنظمة ووحشيتها، مما حرمه من كل صدقية54. الإشكالية هي إن ك طرفي نقد التنوير الحكومي (الإساميون الوسطيون مثل عمارة، أو العلمانيون المعتدلون مثل أبو زيد) لم ينجحا في كبح جماح الاستقطاب المتصاعد، وإيقاف حرب الثقافات المستعرة، بل أصبحا بدورهما أطرافًا فيها. ولعل الأهم من ذلك أن السياسي والثقافي تداخل بصورة كبيرة، خاصة بعد التسييس المزدوج للثقافة، على يد حركات المعارضة الإسامية والمثقفين الليبراليين من جهة، وعلى يد الأنظمة الحاكمة من جهة أخرى. فقد استخدمت التيارات الإسامية ومعها المؤسسة الدينية الرسمية الضغط الشعبي أداةً لإسكات الأصوات ذات التوجه الراديكالي. وسعى الليبراليون إلى تسييس العمل الثقافي، وتحويل كثير من الأعمال الفنية والثقافية والأدبية إلى بروباغندا سياسية (خاصة في مجال الإنتاج السينمائي). وفي المقابل، استمرت الأنظمة في استخدام الخطاب الديني والعلماني بصورة انتقائية وموجهة لدعم السلطة. فهي تدّعي حماية الحريات في المجال الثقافي، بينما تقمعها عندما لا تروق لها، وتستخدم الدين بينما تقمع الأصوات الدينية المستقلة.
حادي عشر: دروس حروب الثقافة
تلقي حروب الثقافة الأميركية والعربية بضوء كاشف على مفهوم الثقافة من جهة، وعاقتها بالسياسة من جهة أخرى. ولعل الماحظة الأولى هي أن حروب الثقافة تستنفر الثقافة في معارك سياسية بدت خاسرة في حينها، لأن المنظومة الثقافية التي يراد استنفارها بدت في حالة كسوف وتراجع، إن لم تكن في حالة اندثار، بحسب تصور من أشعل هذه الحروب أنفسهم. في تلك اللحظة، لم تكن "الثقافة" هي قادح تلك الحرب، بل هي وقودها الذي ينبغي أن يحتطب أولً، أو يحفر من باطن الأرض. ثاني الماحظات هي أن حروب الثقافة تستخدم هذا التراجع الثقافي الماحظ أو المفترض، أداةً لشحذ همم الفئات المستهدفة بإشعارها بخطر اندثار وشيك، قد ينذر بزوال المجتمع وحضارته وكل ما هو عزيز لديه. ومن هذا المنطلق، فإن "مجاهدي" الثقافة يستخدمون ما وصفه بشارة ب "الدعاية السوداء" وكل وسيلة وحيلة متاحة لإشعال هذه الحرب وإذكاء نارها. فحين يكون الوجود نفسه مهددًا، يصبح كل شيءٍ مباحًا، بداية بالكذب والتضليل، ونهاية بالقتل والتدمير. أليست الحرب خدعة؟ هنا تصبح التضحية بقيم الحضارة نفسها أهم أداة لإنقاذ هذه الحضارة/ الثقافة المهددة بالاندثار. وفي الحالتين موضوع الدراسة، كان جو الأزمة مهيمنًا، والصراع محتدمًا، إلا أن "الثقافة" كانت في يد المجاهدين أداةً، أكثر من كونها حافزًا لهم. صحيح أن التيارات المحافظة في أميركا كانت تشعر بالتهديد من التيارات الثقافية والفكرية الصاعدة منذ الخمسينيات، وترى أنها تواجه خطر الانقراض تحت وطأة الحداثة. ومعروف أن تعبير "الأصولية" أطلق في بداية القرن العشرين على حركات دينية معارضة للحداثة، وأن هذا التوجه ظل كامنًا في بنية المؤسسات الدينية وعقلية أنصارها. إلا أن الحركات والمؤسسات الدينية تعايشت في نهاية الأمر مع الحداثة، خاصة ما يتعلق منها بحقوق المرأة والحريات العامة. ولكن كما رأينا، إن من رفعوا رايات حروب الثقافة لم يكونوا من المتدينين. وحين دخلت الكنائس في تحالف مع الليبراليين الجدد (ومعظمهم بعيدون كل البعد عن التدين، ومن بينهم من لا يدين بالمسيحية أصا) كان ذلك في إطار التعددية القائمة، والمطالبة بحق هذه الجماعات باعتبارها جماعات "مهمشة" في نطاق الهيمنة الليبرالية. وقد كان "التحالف المسيحي" الشريك الأصغر في هذه الصفقة، وأيضًا في إطار تغيير مهم في أساسيات فكر "الأصولية" البروتستانتية التي كانت في الأصل ترى الكاثوليكية العدو الأكبر، وتتوجس أكثر من اليهود. وبناءً عليه، كان التحالف مع المحافظين اليهود والكاثوليك أشبه بانقاب في الفكر وتبدّل جذري في الهوية الثقافية، وتخلٍّ عن بعض أهم مركباتها. ولم يكن تدخُّل رأس المال في اللعبة "الدينية" بأقل أهمية، فقد برزت مجموعة من المانحين الأثرياء (أفرادًا وأسرًا وشركات)، ترصد الأموال لقضايا معينة، وتنشئ الوقفيات لذلك، وتدعم أشد التيارات والأفراد تطرفًا. وهكذا نشرت كتب ولمعت شخصيات وتشكلت حركات ومجموعات ومؤسسات إعامية ومواقع إنترنت تصدرت المشهد، وجمعت بدورها تيارات متباينة. على سبيل المثال، فإن موقع برايتبارت، المشار إليه سابقًا، تضخم عبر جذب الاتجاهات العنصرية التي تمجد العرق الأبيض وتعادي السامية. ولكن نفس هذه التيارات العنصرية المعادية للسامية تحالفت مع أنصار إسرائيل وكذلك الأصوليين البروتستانت المعروفين
بالإنجيليين "الصهاينة"، الذين يؤيدون إسرائيل من منطلق "قيامي"، بحيث يرونها مفتاحًا لمعركة نهاية العالم في منطقة "مجدو" في نواحي فلسطين. وقد شبَّهتُ في غير هذا المكان دعم الإنجيليين الأميركيين المتشددين المتحمس للصهيونية وإسرائيل، بعاقة خاطفي الطائرات في حادثة 11 سبتمبر بركاب الطائرات المختطفة، فالهدف مشابه: الإنجيليون يأملون ويتوقعون أن تشعل إسرائيل معركة نهاية العالم التي لن ينجو منها إلا القلة المؤمنة بالمسيح عليه السام، وليس منهم يهودي واحد55. في الجانب الآخر كذلك اصطفت فئات بينها من التباين أكثر مما بينها من التوافق: رجال دين "تقدميون" من أمثال مارتن لوثر كينغ الابن Martin Luther King Jr (1968–1929)، ومناضلون من أجل الحقوق المدنية وحقوق الأقليات من اليسار والوسط، خاصة السود، ويساريون مدافعون عن العدالة الاجتماعية ومناهضون للحروب والعنصرية، وتيارات نسوية تدافع عن حقوق المرأة، و"ليبراليون" من كل الديانات يدافعون عن الحريات الفردية والحقوق المدنية... إلخ، بل حتى مسلمون راديكاليون مثل مالكوم إكس X Malcolm (1965–1925) وجماعة "أمة الإسام" التي أنشأها إليجاه محمد Elijah Muhammad (1975–1897) في ثاثينيات القرن الماضي، والتي انشق مالكولم عنها. وكان قوام هذه الحركات الشباب وطاب الجامعات والمثقفون، كما كان لها نفوذ قوي في الإعام والفنون، وصناعة الثقافة والمعرفة عمومًا. في هذه المواجهات يتميز الحضور الثقافي في تحولاته أكثر منه في ثباته. فقد بدأت الأصولية المسيحية (ظهرت التسمية أول مرة في عام 1920 في وصف هذه الجماعات لنفسها بأنها المتمسكة بأصول العقيدة المسيحية وحرفية الكتب المقدسة، في مواجهة الحداثة العلمية، الداروينية... إلخ، والحداثة الدينية، والفكرية، وتأويات الإنجيل الحداثية) باعتبارها حركة دفاعية، ولكنها تراجعت إلى جيوب معزولة، خاصة في الجنوب. وخال الفترة نفسها، واجهت المحافظة التقليدية (ولم تكن كلها دينية) تحديات مستمرة، حتى قبل الهجمة الكاسحة للتيارات الثورية الشبابية في الخمسينيات والستينيات. وكما لاحظنا، فإن التيارات التجديدية قامت ثورة ضد الثقافات السائدة (العنصرية، والمحافظة الدينية، و"الأخاق" والأعراف الاجتماعية، وغياب العدالة الاجتماعية والاقتصادية والجندرية... إلخ). وبدورها فإن التيارات المحافظة حين تحولت من الدفاع إلى الهجوم خال عهد ريغان، شهدت تحولات راديكالية كما أشرنا سابقًا، تمثلت في تغييرات مهمة في التوجهات الأساس، وتحالفات لم تكن متصورة في عرفها من قبل. ومن جهة أخرى، ف "المحافظون الجدد" الذين قادوا المشهد مع نهاية القرن العشرين كانوا ثوريين راديكاليين بمعنى الكلمة، وأبعد ما يكونون عن "المحافظة". في كثير من الأحيان، وخاصة في حال ثورات الشباب في الستينيات، كانت السيولة بل الضبابية الثقافية هي الأساس. فقد كان الشباب يعرفون ما ثاروا ضده، ولكنهم كانوا يتلمسون طريقهم ويمارسون التجريب: في التقليعات الموسيقية والفنية وعالم الموضة واستخدام المخدرات، بل في الثقافات
الأجنبية، مثل الثقافة الهندية، وحتى الإسام. وبالطبع التوجهات اليسارية، ثم التحررية، خاصة في مجال الجنس والعاقات الاجتماعية. وإذا عدنا إلى مفاهيم الثقافة (السياسية) باعتبارها الإطار الناظم والمنظم للقيم، والذي يعيد إنتاج المجتمع، أو باعتبار أنها "البرمجيات" (الوصفات والقواعد التي تحكم السلوك، وفق كليفورد غيرتز Geertz Clifford (2006–1926)، أو منظومة المعتقدات والرموز التعبيرية والقيم التي تؤطر النشاط السياسي وفقًا لما يطرحه بشارة)، فإن الوضع الأميركي يصبح محيرًا في إطار هذه التصورات. فالإطار الثقافي – الأخاقي للسياسة الأميركية، كان ولا يزال الدستور الأميركي وشروحه في مقولات "الآباء المؤسسين"، وأحكام المحكمة العليا، والممارسات والأدبيات والتعديات الاحقة. وكما يذكرنا بشارة، فإن الحرب الأهلية الأميركية وقعت بين طرفين قَبِ حكم هذا الدستور، وتربطهما خلفية ثقافية واحدة، مسيحية (بروتستانتية) وأصل أوروبي واحد. ولكنه ينقل عن بارينغتون مور Moore Barrington (2005–1913)، أن بروز نظامين اقتصاديين متباينين (صناعي في الشمال، وزراعي يعتمد على الرق في الجنوب) خلق ثقافتين مختلفتين56. في فترة ما بعد الحرب الأهلية، عاد التقارب على أساس الدستور، مع تنازلات كبيرة لعنصرية الجنوبيين (وهي ثقافة مشتركة على كل حال)، كما أدت ضغوط الحربين العالميتين والكساد الكبير، ثم الحرب الباردة، إلى تبني نظام دولة الرفاه، التي أصبحت التوجه السائد. ثم جاءت ثورات الستينيات برفض قوي للثقافة السائدة برمتها، وإعادة تشكيلها عبر موجات ثقافية كاسحة، ساعد في دعمها وتثبيتها التطور الإعامي المتمثل في الراديو والتلفزة، وهوليوود، وموسيقى الجاز والبوب التي تألقت فيها الأقليات، بما في ذلك الأفارقة الأميركيون. هنا نجد أن الثقافة السائدة لم تكن فقط عاجزة عن تأطير الشباب، بل كانت غير قادرة على الصمود في وجه تحدٍ له جوانب عالمية، فإن تمردًا سياسيًا شبابيًا غيَّر وبدَّل ما كان يعتبر من أساسيات الثقافة، مستثمرًا ثورات تقنية واجتماعية مكنت الشباب والهامش من تحدي التوجهات المهيمنة. وفي جو كانت الولايات المتحدة تخوض فيه الحرب الباردة في عالم متغير، أصبح فيه لأفريقيا والعالم الثالث وجود قوي، لم تعد العنصرية الأميركية المؤسسية أمرًا مستساغًا، أو في مصلحة الدولة. وفي الوقت الذي اندلعت فيه حروب الثقافة في التسعينيات، كانت توجهات ثورات الشباب قد تحولت إلى "الثقافة السائدة" إلى حد بعيد، وجاءت ثورة اليمين الجديد من أجل إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. قدّم اليمين أيضًا، من أجل تحقيق ذلك الهدف، تنازلات ثقافية وسياسية كبيرة، وتغييرات راديكالية في المواقف كما شهدنا، شملت الدخول في تحالفات ومساومات، والقبول بكثير من مسلمات الليبرالية السائدة، بل حتى استخدام خطاب الحقوق والدستور للدفاع عن حق حمل الساح وترويج المواقف العنصرية. حتى الليبرالية الأميركية بدورها دخلت في مساومات، منها القبول الجزئي بالنيوليبرالية، والدخول في تفاهمات ومساومات مع العديد من الدوائر السياسية والاجتماعية. الفرق هو أن الليبراليين لم يكونوا يسعون لقمع الخصوم وإقصائهم، كون الثقافة السائدة والمكرسة في الدستور والمؤسسات تستجيب إلى حد بعيد لتوجهاتهم. وفي المقابل، كان توجه اليمين الجديد،
خاصة في عهد ترامب، نحو الإقصاء والتخوين. وقد ظهرت نتائج بعض ذلك في تغيير بنية المحكمة العليا، وشحنها بأغلبية ذات توجهات يمينية، وما تبع ذلك من تغيير حكم المحكمة السابق بتشريع حق الإجهاض، ما أثار ردة فعل حادة بين الليبراليين عمومًا والحركات النسوية خصوصًا. هذا كله يسلط الضوء على المعضلة المزدوجة في الثقافة السائدة حين تصبح هي نفسها محور صراع. فإذا كانت الثقافة هي لب الهوية، فإن التهجم عليها ومحاولة تغييرها يكون بمعنى ما هجومًا على الذات، ومحاولة لتغييرها، أو في حالة اليمين الأميركي، لإلغائها واستبدالها. ويصبح حالهم كمن يريد أن يفكك السفينة أثناء عبوره البحرَ عليها. ومن جهة أخرى، تمثل محاولة تغيير الثقافة، إن كانت كما صرح "مجاهدو" حروب الثقافة، صراعًا حول تحديد هوية أميركا أو "روحها" كما جاء في "إعان الجهاد" من قبل بوكانان، تمثل اعترافًا بأهمية الثقافة ومحوريتها، ودورها الفاعل في تحديد هوية الأمة والشعب. وبناءً عليه، فإن محاولة تغيير الثقافة من خارجها تعيد طرح الإشكالية الأولى نفسها من حيث إن تغيير الهوية يبدو مستحيا من جهة، وإشكاليًا من جهة أخرى. ومن زاوية أخرى، إذا كانت الثقافة محورية وفاعلة كما يرى محاربو الثقافة، فكيف يمكن هؤلاء المحاربين تغييرها بمجرد الرغبة؟ ألا تكون هذه المحاولة عبثية، أو تعبيرًا غير مباشر عن تأثر بالثقافة المتهمة نفسها؟ هناك على كل حال مشكلة في استخدام السلطة لتغيير الثقافة، كما تشير تجارب ذات طبيعة راديكالية، مثل فرض الشيوعية في شرق أوروبا وجنوب شرق آسيا، ومحاولة فرض العلمانية الراديكالية في دول مثل تركيا وتونس وإيران، وما نشهده حاليًا من نشأة أنظمة ذات استراتيجيات قمعية كبيرة. فلم تنجح معظم تلك الأنظمة في تغيير الواقع الثقافي في الاتجاه الذي تريده، بل كانت النتيجة النهائية نقيض ما كان مقصودًا. في مصر تشابه الوضع مع اختافات تعود إلى النفوذ والتأثير الأجنبي من جهة، وإلى دور الدولة من جهة أخرى. هناك أيضًا اختاف مهم في التاريخ. فمن الناحية الثقافية، هناك استمرارية في التجربة الأميركية بين التقاليد الأوروبية (الإنكليزية بالأخص) خال الفترة الاستعمارية ثم بعد الاستقال، وتصالح مع تطورات الحداثة التي كانت أميركا رائدة فيها. ولدى الأميركيين تجربة طويلة في الحكم المستقل والديمقراطية، ودستور حاكم ومؤسسات، وقدر كبير من الاستقرار. ورغم وجود استمرارية أطول في التجربة الإسامية المصرية، فإن القرن التاسع عشر شهد صدمة غزوة نابليون بونابرت Bonaparte Napoléon (1821–1769) وتحديات الحداثة الأوروبية التي وقعت مصر تحت هيمنتها. فقد جاءت الحداثة الثقافية في أول أمرها على أسنة رماح المحتل الأجنبي، منذ عهد نابليون ثم اللورد كرومر Cromer of Earl (1917–1841)، وإدموند ألنبي Allenby Edmund (1936–1861) وغيرهم. وفي حقبة التاقح الأولى مع الثقافة الأجنبية التي بدأت مع التوجهات الإصاحية في عصر محمد علي باشا (1849–1805)، وبالتوازي مع ذلك في الدولة العثمانية وتونس، كان السجال الثقافي يدور داخل الإطار المحافظ، وتاه ظهور توجهات راديكالية مع انقاب حركة الاتحاد والترقي في مطلع القرن العشرين، ثم الكمالية بعد الحرب العالمية الأولى. تزامن هذا مع ظهور أصوات راديكالية في مصر نادت بالعلمانية. وقد فرق وحيد عبد المجيد بين فئتين من هذه المجموعة التي أطلق عليها
عمومًا "تيار التنوير"، وصف الفئة الأولى بالعلمانيين (سمى منهم أحمد فتحي زغلول (1914–1863)، وأحمد لطفي السيد (1963–1872)، وهيكل، وطه، والعقاد)، والأخرى بالادينيين (وسمى منهم فرح أنطون (1922–1874)، ولويس عوض (1990–1915)، وشبلي شميل (1917–1850)، وسامة موسى))1958–1887(57. وقد وصف الأوائل بالاعتدال وعدم محاربة الأديان، بينما انتقد في سامة تحديدًا ما رآه حدة غير مبررة في التعبير عن آرائه. يذكر أنه دعا أيضًا إلى التخلي عن العربية الفصحى واعتماد العامية، كما عارض تدريس الأدب العربي. وقد شهدت مصر تحولات ثقافية كبرى مع الحضور الأجنبي المكثف الذي واكب اندلاع الحرب العالمية الأولى، والتي سرعت التحولات الاجتماعية – الثقافية في أوروبا نفسها. وشمل ذلك انتشار الفنون الحديثة مثل السينما والمسرح والموسيقى، وازدهار الصحافة. ويروي حسن البنا (1949–1906) في مذكراته أن ما دفعه لإنشاء حركة الإخوان كان تحديدًا الانزعاج من تأثر المجتمع المقلق بالثقافة الأجنبية، وعجز المؤسسات التقليدية مثل الأزهر عن التصدي له. وبناءً عليه، يمكن وصف الحركات الإسامية بأنها ثورة مزدوجة على الثقافة الحديثة التي أخذت تسود في المجتمع، والثقافة التقليدية التي لم تعد قادرة على المقاومة. ولعلها مفارقة أن أول من استجاب لدعوته كان ستة من العمال في قناة السويس، لم يكونوا على أي قدر كبير من الثقافة، لا تقليدية ولا حديثة، حتى إنه بدأ بتعليمهم الوضوء والصاة! ياحظ كذلك أن المعارك الثقافية التي سبقت نشأة الحركات الإسامية في العقود الأولى من القرن العشرين، انطلقت من مساهمات فكرية لأصحاب توجهات راديكالية، انتقدت الواقع الثقافي، وخاصة المركَّب الديني منه، أو اللغوي، أو الاجتماعي، وخاصة دور المرأة. وكانت ردة الفعل تأتي في الغالب من مفكرين آخرين، أو جهات دينية رسمية وغير رسمية. وعندما تخلق هذه المساهمات حالة رأي عام، تتصدى لها جهات رسمية، كما حصل عندما جُرِّد علي عبد الرازق من درجته الأزهرية. في هذه الحالة كانت أطراف الصراع ضد المثقفين الراديكاليين هي القوى التقليدية ومؤسسات الدولة والمجتمع. وقد جاء تدخل التيارات الإسامية في الصراع لاحقًا. إلا أن هذه التيارات قُمعت وأُبعدت من الحياة السياسية في الخمسينيات، وظلت خارج اللعبة حتى منتصف السبعينيات، بعد أن تغيرت سياسة الدولة جزئيًا تجاهها. ويمكن أن نضيف أن الحركات والتيارات الإسامية، رغم ما حققته في فترات قصيرة من شعبية محدودة، كانت ولا تزال على هامش النفوذ السياسي والثقافي والاقتصادي وفي مؤسسات الدول، في مقابل التيارات العلمانية التي حققت نفوذًا في كل هذه المراكز. وحتى في إيران التي هيمن عليها تيار إسامي، فإن هامشية الإساميين دوليًا تظهر للعيان. وقد أظهرت الاحتجاجات الأخيرة في إيران حول مسألة الحجاب، الضعف الكبير حتى ثقافيًا وأخاقيًا، للتيار المتسلط هناك. وبالقدر نفسه كانت المؤسسات الدينية الرسمية هامشية في مجال الثقافة وحتى الإصاح الديني، فقد قاومت المصلحين من أمثال الشيخ عبده. ورغم الإصاحات التي شهدتها المؤسسات في مراحل
متتابعة، وخاصة في عهد جمال عبد الناصر (1970–1918)، فإنها بقيت تقليدية ومحافظة جدًا في توجهاتها. وكذلك ظل المجتمع المصري، بشقَّيه السني والقبطي، محافظًا جدًا. حتى عبد الناصر نفسه كان محافظًا دينيًا، رغم تحالفه مع اليسار والليبراليين الاجتماعيين (وليس السياسيين). ويروي مرشد الإخوان المسلمين الأسبق محمد حامد أبو النصر (1996–1913) أن عبد الناصر غضب جدًا من مقارنة البعض له بمصطفى كمال أتاتورك، وعدّ هذا إساءة كبيرة!58وقد شهدت مصر مع ذلك، كبقية الدول العربية، هيمنة ثقافية ليبرالية في الفترة بين الحربين، وإلى حد ما حتى الستينيات، فإن المجتمعات شهدت عودة قوية إلى التدين عقب نكسة حزيران 1967. وقد تعزز هذا التوجه بعوامل عدة، بدءًا بالهجمة الراديكالية من التيارات اليسارية والقومية على الليبرالية التقليدية، ثم تراجع هذه التيارات بعد صدمة النكسة المشار إليها. وكان للتحول السياسي المهم في مصر في عهد السادات تأثير كبير، خاصة أنه تزامن مع الطفرة النفطية التي أدت عمليًا إلى انتصار المعسكر المحافظ في "الحرب الباردة" العربية. كذلك قلبت الثورة الإسامية في إيران الموازين، ولا سيما بعد نشأة "حرب باردة طائفية" بين السعودية وإيران، وتأثير حرب أفغانستان والجهاد الأفغاني. ولعلها مفارقة أن نموذج إسرائيل السياسي، وليس فقط انتصاراتها، ساهم في تعزيز هذا التيار. فقد سخر كتاب من أمثال محمد جال كشك من الدعوات اليسارية والليبرالية للعلمنة والتخلي عن اللغة العربية لتحقيق الحداثة، واصفًا إياها بأنها مؤامرة لتجريد الأمة العربية من أسلحتها الثقافية والدينية، في حين نجد أن إسرائيل التي تتمسك بدينها، وقد أحيت لغة ميتة لاستخدامها لتعزيز وحدتها القومية، أكثر حداثة من الدول العربية، وقد هزمتها في الحرب وفي مجال التحديث59. وتشير مساهمات هذه العوامل المعقدة في "الصحوة الإسامية" – وهذه جملة اعتراضية، ولكنها مهمة – إلى خطأ المقولة التبسيطية السائدة أن دعم السادات للإخوان في مصر كان العامل الأهم في صعود الظاهرة الإسامية. أولً، لأن محمد أنور السادات (1981–1918) لم "يدعم" الإخوان، وإنما أطلق قادتهم من السجن (آخرهم خرج في عام 1973) وسمح لهم في عام 1976 بإصدار مجلة، في حين بقيت الحركة محظورة، ولم يسمح لها قط بتشكيل حزب. وثانيًا، لأن الساحة كانت تموج منذ نهاية الستينيات بحراك مستقل عن الإخوان، تجسد في الحركات الشبابية الطابية التي تركزت في الصعيد، وكانت مناوئة للإخوان (رغم أن الحركة نجحت في وقت لاحق في استمالة بعض قادتها واستيعاب أتباعهم، على طريقة قيام الشركات بالاستحواذ على شركات منافسة). وربما الأصح أن يقال إن الحركات الإسامية استفادت من معارضة الأنظمة لها، وتكثيف الدعاية المضادة، مما خلق عند الجماهير انطباعًا بأن كثرة انتقاد الأنظمة الاستبدادية الفاسدة، لها إشارة إلى خصائص إيجابية (بلغ الأمر في الحرب الثقافية التي سبقت وواكبت انقاب يوليو أن الدعاية الرسمية أصبحت تتهم الإخوان – وهم في السجون أو تحت التراب – باجتراح معجزات في تعويق النظام الانقابي، إلى درجة اتهام هياري كلينتون Clinton Hillary وأوباما بأنهما من
"الإخوانيين" أو تحت تأثير الإخوان!). والماحظ مثا أن تصويت الجماهير في انتخابات ما بعد الثورات العربية كافأ الجهات المعارضة للأنظمة، سواء إسامية أم علمانية، وعاقب من كان انحاز إليها. ولعل في السقوط المدوي لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة في المغرب، بعد أن كان أكثر الأحزاب شعبية، وذلك بعد تماهيه مع النظام الرسمي، دليا إضافيًا على هذا التوجه الجماهيري. بالمقارنة إذًا، يمكن أن يقال إن "حروب الثقافة" المصرية، التي تزامنت إلى حد بعيد مع رصيفتها الأميركية (كاهما في مطلع التسعينيات)، جاءت على خلفية تطورات سياسية – ثقافية، بدأت بمحاولات إصاح وتحديث ثقافي على خلفية محافظة في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، أعقبتها حقبة "ليبرالية" استمرت حتى الخمسينيات، ثم تلتها حقبة راديكالية "علمانية"، تلتها حقبة "الليبرالية" اقتصاديًا في معظم الدول العربية، بما فيها "الراديكالية". إلا أن القوى العلمانية بدأت تشعر بالتهديد من الإساميين منذ أواسط الثمانينيات، مما دفعها إلى التحالف مع النظام (كانت مفارقة أن يتّحد اليسار، بما في ذلك بقايا الحزب الشيوعي، والقوميون مع "الليبراليين"، في كنف نظام فردي استبدادي موالٍ للولايات المتحدة، ومتحالف مع إسرائيل والدول المحافظة في الخليج). يشبه هذا بدوره التحالفات الملتبسة التي شهدتها حروب الثقافات الأميركية، التي التبس فيها الدين بالعرق وبالليبرالية والمصالح الاقتصادية، وأمور أخرى. في أميركا، للمسألة جذور تاريخية عميقة، كانت نقطة الانطاق فيها دينية متشددة، بداية بهجرة الطوائف البروتستانتية المنشقة إلى العالم الجديد هربًا من الاضطهاد. وبسبب تجربة الاضطهاد هذه، أيدت هذه الطوائف حظر تدخل الدولة في الدين، وتبنت "جدار الفصل" بين الدين والدولة، الذي كرسه التعديل الأول في الدستور، بمنع الدولة من فرض أي دين رسمي أو تبنّيه. ولكن الأمور تطورت في بريطانيا والمهجر معًا، حيث تراجع الدين في الساحة العامة، وأصبح المهاجرون يعرّفون أنفسهم بأنهم مواطنون إنكليز. وقد استند خطاب الثورة إلى "حقوق الرجل الإنكليزي" التقليدية في الحماية من عسف السلطان، وحماية حقوق الملكية الفردية، وخاصة ضد الضرائب التعسفية. تعمقت الليبرالية مع تقدم الوقت، ولا سيما بعد تدخل أميركا في حربين عالميتين، ثم صراعها مع الاتحاد السوفياتي، وتزعمها ل "العالم الحر". وبرز مع بداية الستينيات ما يشبه الإجماع على قيم الليبرالية المعتدلة ودولة الرفاه، والحريات العامة، والتعايش. وكان من مظاهر ذلك انتخاب أول رئيس كاثوليكي في شخص جون كينيدي Kennedy John (1963–1917)، وهو أمر في عرف البروتستانتية التقليدية عظيم. إلا أن الستينيات شهدت ثورات الشباب التي قلبت الموازين في اتجاه شبه يساري، شمل الحقوق المدنية للسود والمرأة والحريات الجنسية. من جهة أخرى، جاءت الثمانينيات بالريغانية والعودة إلى اقتصاديات ما قبل دولة الرفاه. وقع المجتمع حينها بين فكي "تطرف" مزدوج: توجه علماني ليبرالي يدعم التحرر والحقوق المدنية والاقتصادية، وتوجه "رأسمالي" متشدد يريد العودة إلى ما يشبه رأسمالية القرن التاسع عشر المتوحشة. وقد تسلح اليمين بنتائج التحول الاقتصادي التي كانت إيجابية في بداية الأمر، بحيث أنهت الركود الاقتصادي في بريطانيا وأميركا، وتحولت إلى موجة عالمية، للبدء في محاولة استعادة شيء من النفوذ الثقافي.
ولهنتنغتون مقولة مهملة نسبيًا (نشرت في الأصل في كتابه American Politics: The Promise of Disharmony)، تشير إلى وجود تناقض ذاتي متجذر في الثقافة الأميركية. ولبّ هذا التناقض هو التحديات التي تواجهها "العقيدة الأميركية" creed American، المتمثل في توجه "فرداني" عام مناهض للسلطة، ومتمسك بالحرية والمساواة والدستور والحكومة المحدودة. إلا أن تحديات الواقع، ولا سيما الاقتصادية والاجتماعية، ومعها الحروب والتهديدات الخارجية، تقود المجتمع في اتجاهات مدمرة لهذا المركّب المحوري في الثقافة السياسية الأميركية. وهذا يؤدي بدوره إلى فورات من الحماسة الأخاقية بغية استعادة هذا "المثال". وتكون هذه الهبّة بداية دورة من أربع مراحل، تشهدها الباد كل ستين عامًا، في المتوسط. إلا أن ضغوط الواقع سرعان ما تدفع في اتجاه العودة إلى نموذج الحكومة القابضة والتراتبية، في مرحلة الإحباط الأخاقي Cynicism، والاقتناع باستحالة تحقيق المثال. وفي مرحلة ثالثة، هي مرحلة "الرضا عن النفس"، يتحول الأمر إلى ركون الواقع، وتجاهل وجود فجوة بين الواقع والمثال، والاقتناع بأن الأمور على أحسن حال. وأخيرًا تأتي مرحلة "النفاق الوطني"، والإشادة بواقع مثالي مزعوم. ثم تبدأ الدورة مرة أخرى بهبة تتمرد على هذا النفاق، وتكشف الأمور على حقيقتها، وتشمر للإصاح، وهكذا60. ولعل أهم نقطة في مقولة هنتنغتون، إضافة إلى وجود تناقض داخلي في الثقافة السياسية يذكي الصراع بين أطرافها، هي إشارته للنفاق باعتباره ظاهرة متجذرة في السياسة الأميركية (ويمكن أن نضيف: في السياسة عمومًا، وفي الثقافة والدين). وياحظ هنتنغتون أنه رغم ولع الأميركيين بتتبع النفاق وفضحه، فإنهم ينزعجون إذا خ زعماؤهم من النفاق61. ويذكرنا هذا بتعليق غور فيدال الساخر على هوَس رونالد ويلسون ريغان Reagan Wilson Ronald (2004–1911)، الذي قال إنه ظل يفكر في معركة مجيدو ونهاية العالم، أكثر من التفكير في أميركا. ويضيف قائا: "وفي ذعر متزايد، يدرك المرء أنه لم يكن، كما أملنا جميعًا (وحتى دعونا) من المنافقين"62. ولا بد من تذكر دور النفاق حين نتحدث عن تأثير الثقافة، إذ ندرك، كما تشير الفضائح المالية والجنسية لرموز التشدد الديني، أن ما يحرك بعض دعاة الالتزام بمنظومة أخاقية ثقافية معنية أمر آخر منفصل عنها تمامًا. وهذا يذكّر بنقطة محورية أهم، وهي أن علم السياسة الحديث (وجذوره عن ابن خلدون ثم نيكولو مكيافيلي Machiavelli Niccolò (1527–1469) وتوماس هوبز Hobbes Thomas (1679–1588))، قام على فرضية أن جوهر السياسة منفصل تمامًا عن الثقافة (والأخاق)، وأن السياسة لها منطقها الخاص بها، وإكراهاتها المميزة لها. فالسلطة تنال وتستدام بالاستماك والاستخدام الماهر لمصادر القوة، ومنها الساح، والولاءات والقدرة على الحشد، وأيضًا مهارات الاستمالة والخطاب، بما فيها النفاق. ووفق هذه الفرضية، إن الثقافة والقيم لا تحكم الواقع السياسي مباشرة، وهناك مجال واسع للمناورة.
المشترك بين مصر وأميركا هو أن إشعال الحرب الثقافية كان من أجل إيقاف ما رآه الطرف المهيمن اقتصاديًا وسياسيًا (أو الذي كان كذلك)، "تمردًا" يوشك أن يقلب موازين السلطة على القوى المهيمنة. لكن الاختاف كان في أن السجالات دارت في الولايات المتحدة في فضاء سياسي وثقافي وإعامي مفتوح، وفي نظام ديمقراطي، سطوة الدولة الثقافية فيه محدودة. وفي حين كانت الليبرالية العلمانية قد أصبحت ثقافة مهيمنة فكريًا وسياسيًا وقانونيًا واجتماعيًا في الولايات المتحدة، وكانت "الثورة المحافظة" تعمل في داخل هذا الإطار (على الأقل حتى عهد ترامب)، فإن الوضع في مصر كان أشدّ التباسًا. فرغم أن العلمانية كانت قد أصبحت واقعًا منذ بداية عصر محمد علي باشا (1849–1769)، وبالقطع خال العهد الناصري وما تبعه، واكتسبت هيمنة اجتماعية حتى هزيمة حزيران/ يونيو 1967، فإنها ظلت تستشعر هشاشتها أمام المحافظة والتيارات الإسامية الصاعدة. وقد عدل الدستور المصري في عهد السادات ليجعل الشريعة هي المصدر الرئيس للتشريع، إلا أن الدولة بقيت علمانية، وظلت حركة الإخوان محظورة حتى بعد وصول مرسي إلى الرئاسة في عام 2012، أول رئيس منتخب. إضافة إلى ذلك، فإن حركة الإخوان ظلت في صراع مع حركات إسامية منافسة، منها الجماعة الإسامية والجهاد الإسامي والحركات السلفية. وكلها كانت ناقدة للإخوان لما تصفه من براغماتية الحركة ومداهنتها للنظام، ورفضها للعمل المسلح. إلا أن الحركات مجتمعة ظلت تمارس ضغطًا سياسيًا واجتماعيًا قويًا ضد القوى العلمانية. المفارقة أن ك تياري حروب الثقافة (الإساميين والعلمانيين)، ظلوا يعتمدون جزئيًا على الدولة، وبصورة متفاوتة على الرأي العام. ياحظ مثا أن التيارات الإسامية والمحافظة ظلت منذ قضية عبد الرازق وطه حسين في العشرينيات، وحتى قضية أبو زيد، تستخدم الضغط عبر الرأي العام لدفع الدولة إلى "قمع" خصومها. وفي حالة أبو زيد، استخدم القضاءَ ناشطون إساميون، بعد تحريك الرأي العام. وقد أسلفنا الانتقادات التي وجهت إلى دعاة "التنوير"، وتعاونهم المباشر مع الأنظمة الاستبدادية، رغم قناعتهم بفسادها. وقد قدح هذا في شرعية منطلقاتهم التي تقوم نظريًا على دعم الحرية، ومقاومة القمع بكل أشكاله. ولكن ياحظ أنهم في حالة الخصومة من الإساميين لا يسكتون فقط عن القمع، بل يشجعونه وينادون به. هنا نستعيد المعضلة الثقافية مرة أخرى، وبصورة أدق؛ معضلة التناقض الذاتي عند مجاهدي الحروب الثقافية. فالإساميون يعتمدون على مؤسسات دولة علمانية وفاسدة في نظرهم، ومستبدة على كل حال، لردع خصومهم، في حين أن نفس الخصوم المنادين بالحرية يستخدمون الدولة عينها في الدفاع عن "حرياتهم"، مقابل قمع حريات الآخرين. وإذ تؤدي الهوية الثقافية مبدئيًا دورًا مهمًا في تشكيل الهويات السياسية، وخاصة في حالات الاستقطاب، فإن المفارقة تكمن في أن الشعور بالتهديد للهوية الثقافية يجعل الفاعل يستبسل في الدفاع عنها، وفي الوقت نفسه يضحي حتى بجوهرها من أجل الحفاظ على شيء من مظاهرها. وهنا تكتسب الهوية طبيعة طائفية، بحيث يتم الدفاع عنها باعتبارها هوية أكثر منها محتوى. وهذا إضافة إلى ما سبق لنا الحديث عنه حول النفاق.
وكنت قد أشرت في غير هذا الموضع إلى تحامل المحافظين على أوباما والتشكيك في هويته الأميركية، في حين أن الأميركيين الأفارقة عمومًا، وأوباما خصوصًا، هم أفضل من يجسد الهوية الأميركية. فهم في غالبهم من البروتستانت الذين لا يتحدثون لغة سوى الإنكليزية. وقد جُرِّدوا خال معاناتهم الطويلة من هوياتهم الأصلية، بخاف غالبية المهاجرين الذين حملوا معهم إلى السواحل الأميركية لغات وأديانًا وعادات وتقاليد مختلفة. إلا أن المفارقة هي أن هؤلاء المهاجرين (البيض خصوصًا) يتمتعون بكامل الحقوق بمجرد وصولهم إلى البر الأميركي، حتى وإن كانوا لا يجيدون اللغة ولا يدينون بالبروتستانتية، في حين قد يتعالى بعضهم على مواطنين ملونين عاش أسافهم مئات السنين في الوطن، وساهموا في بنائه بما لم يساهم به غيرُهم63.
خاتمة
القول بأن الثقافة عمومًا، والثقافة السياسية خصوصًا، تؤثر في السياسة، يكاد يكون بديهيًا، ولا سيما حين تعرَّف الثقافة السياسية بأنها "نمط معين من التوجه تجاه الفعل السياسي"، وأنها ما يعطي المعنى ل "تقاليد المجتمع، وروح المؤسسات العامة، وعواطف المواطنين وعقلهم الجماعي"، بحيث تصبح كا متماسكًا ومفهومًا64. فإذا كان تعريف المفهوم أنه المنظور الذي ينظر به مجتمع معين إلى السياسة، فإن تأثر السلوك السياسي به يتبع منطقًا، ويصبح ذاتي التعريف Tautology. ويمكن أن نضيف أنه لا يمكن فهم تصرفات الإنسان أصا، باعتباره كائنًا عاقا واجتماعيًا ذا مرجعية أخاقية، إلا بافتراض انطاقها من منظور معرفي – أخاقي متكامل. وإذا كان قطاع كبير من المحللين يفرق بين المنظور الثقافي لتفسير السلوك الإنساني، والمنظور المؤسسي أو منظور "الخيار العقاني"، فإن استقالية أي من هذه الأطر تظل موضع مساءلة. فالمؤسسات هي في نهاية المطاف "نتاج ثقافي" في عرف الكثيرين. كذلك إن الخيار العقاني لا يتجرد عن البعد الثقافي والأخاقي. فجلُّ الناس لا يمتنعون عن ارتكاب الموبقات بحسابات "عقانية" مجردة، أي خوفًا من العقاب المحتمل أو طلبًا لمغنم منتظر، بل لأنها مستبعدة لديهم خيارًا، أصا، في إطار فهمهم. ويشمل ذلك المرجعية الأخاقية التي لا تنفصل عن هذا الإطار. فالحسابات "العقانية" لا تقيّم الفائدة والخسارة فحسب، بل تشمل إطارًا أوسع. وبالقدر نفسه، فإن الثقافة لا تخلو من الحسابات "العقانية"؛ ذلك أن الفرد يتشرب الثقافة عبر عملية "تثقيفية" معقدة، تشمل التلقين في الصغر، والقدوة في المجتمع والتأقلم في المؤسسات التعليمية والاجتماعية والمهنية... إلخ. وهناك عقوبات على عدم الالتزام، ومكافآت لمن يلتزم. وحتى في الدين، فإن حسابات الثواب والعقاب حاضرة في التفكير (علق عالم الاجتماع الشهير إرنست غيلنر Gellner Ernest (1995–1929) عرَضًا وهو يناقش الدين قائا: إذا كان العذاب الأبدي حقًا، فإن كل
متع الدنيا تصبح غير ذات معنى)65. وما يتضح من التعمق في مجريات "حروب الثقافة" هو أن الثقافة الواحدة ليست ضمانًا لانسجام، بل قد تشكل إطارًا لخصومات عنيفة بسبب المنافسة وشعور بعض المكونات بالتهديد، وخاصة في سياق التغيرات المتسارعة. وفي الحالتين الأميركية والمصرية كانت التحولات الكبرى في المنظومات الثقافية نفسها عاما مهمًا في المشهد السياسي، وبعض أدوات تشكيله. وجاءت هذه التحولات بتأثيرات متنوعة، مثل التحديث والتقنيات الجديدة والتاقح السياسي مع الخارج وصراع الأجيال، وكذلك بسبب الحروب من أهلية وعالمية وإمبريالية (مثل فيتنام)، وباردة وساخنة. وبسبب عدم الاستقرار وشعور توجهات ثقافية بعينها بأنها في خطر. وهكذا أصبحت الثقافة نفسها أرضَ صراع، وساحًا فيه. وبخاف مزاعم صامويل هنتنغتون أن الحدود بين الثقافات (أو الحضارات) من غربية وإسامية وصينية وأفريقية وغيرها، ستكون نقاط الصراع66، يظهر أن الصراعات داخل الثقافات هي الأكثر انتشارًا والأشدّ حدة، إذ إن غالبية الحروب التي دارت في العالم منذ الحرب العالمية الثانية كانت حروبًا أهلية. في الحالة الأميركية، شاهدنا كيف دار الصراع ويدور في داخل الإطار الثقافي الواحد، وفي إطار تحولات جذرية في كل معسكر. ويذكرنا بشارة بأن الحرب الأهلية الأميركية (1865–1861)، قد وقعت بين مسيحيين بيض من أصل أوروبي، بسبب تباينٍ نشأ نتيجة تبني أنظمة اقتصادية مختلفة. يذكر أيضًا أن ما سُمّي "الحربان العالميتان"، كانتا في واقع الأمر حروبًا "أهلية" أوروبية. وقد شاركت أميركا في الحربين لصالح بريطانيا، رغم أن الثقافة السياسية الأميركية في ذلك الوقت كانت أقرب إلى الألمانية، التي امتدحتها الأدبيات السياسية الأميركية، بل سبقت ألمانيا في التغني بتفوق الجنس الآري والعرق الأبيض67. لاحظنا كذلك كيف تطورت المواقف وتحولات الولاءات وتحالفت الأضداد. فبعد أن خسر الأصوليون الأميركيون معركتهم ضد الحداثة العلمية (كالداروينية وغيرها)، والثقافية في العقود الأولى من القرن العشرين، تحالفوا مع المحافظين العلمانيين ضد الوسط والليبراليين، بينما تراجع الخطاب الديني المتشدد إلى جيوب صغيرة ومعزولة، ولا سيما في الجنوب. ولعلها مفارقة أن مارتن لوثر كنغ الابن – وهو قس بروتستانتي – كان قد استخدم لغة التبشير المسيحي وأساليبه لكي يوصل خطاب الحقوق المدنية إلى قطاع واسع من المتدينين. إلا أن ما وُص ف بالتبشير التلفزيوني Televangelism اكتسب بحلول الثمانينيات شعبية واسعة بتأثير شخصيات كاريزمية، ونجح في إعادة صياغة الأجندة السياسية، خاصة بعد أن دعم انتخاب ريغان ثم بوش الأب، قبل أن يواجه نكسةً بسبب فضائح مالية وجنسية زلزلت سلطانه68. وقد غير ظهور هذه التيارات وجه التحالفات المحافظة، ومهّد لتشكل
التيار الذي دفع بترامب إلى سدة الرئاسة. فقد قاد ترامب تجمعًا شعبويًا من الناقمين على الوضع القائم، وخاصة في أعقاب الأزمة الاقتصادية المالية العالمية في عام 2008 (العام الذي شهد بدوره انتخاب أول رئيس أسود للولايات المتحدة)، ما وحد العنصريين مع ضحايا التدهور الاقتصادي، والرجال الأميركيين البيض المهمشين، ومعادي النسوية والحرية الجنسية... إلخ. إلا أن المفارقة أن ترامب كان من البليونيرات، كما أنه لم يكن مسيحيًا مثاليًا، ولم يهتم بالعفاف والطهر، ولم يكن من معارضي الإجهاض. إلا أن حركات التدين كانت مستعدة للتحالف مع قطاعات ذات توجهات غير دينية أو حتى معادية للتدين، أو ذات توجه عنصري، أو من المحظوظين ماليًا والمعارضين لدولة الرفاه. ولعل الأغرب من ذلك هو اصطفاف هذا التحالف مع مستبدين أجانب، مثل بوتين والسيسي وغيرهما، وإظهارهم أبط لً (رغم أن بعضهم كانوا من ديانات وثقافات مختلفة). وإذا أخذنا في الاعتبار الاصطفاف في الحالة المصرية، نجد ما هو أعجب، وهو اصطفاف العلمانيين واليسار والليبراليين مع السلفيين وبعض الإساميين المنشقين وراء سلطة مستبدة، تستند بدورها إلى خطاب ديني "مهدوي" عن تكليف سماوي، بينما اصطفّت بعض القوى العلمانية والديمقراطيون وأنصار حقوق الإنسان في الجانب الآخر المؤيد للديمقراطية. هنا أيضًا نشاهد كيف أن الثقافة الواحدة انقسمت على نفسها، وأصبح البعض يرى أن "الإخوة الأعداء" هم مصدر الخطر والمخافة، بحيث إن التضامن مع بعض أعداء الداخل، وكذلك الخارج (بما في ذلك إسرائيل وموسكو والصين) هو المخرج. هنا، تشن حرب من أنظمة مستبدة فردية الطابع، على جل الشعب الذي من المفترض أن تكون ممثلة له ولثقافته، ويتحالف معها بقية الخائفين من الشعب. في الحالين، إذًا، كانت الثقافة المشتركة إطارًا للصراع، بل مفجِّرًا له، بسبب أن الثقافة كانت أيضًا في مسار تحولٍ ولَّدَ نزاعات حول ما يجب أن يُستبقى، وما يجب أن يُستبدل. وكانت مركَّبَات الثقافة نفسها تستخدم في الصراع وتؤطر له. المسيحية مثا، مشهورة بدعوتها للسلم وتفضيلها للضعفاء ضد الأقوياء، وقد استخدمها أنصار العدل والتحرر لهذا الغرض، بينما استخدمها آخرون لعكس ذلك. الشيء ذاته في الإسام، ودعمه للعدل والمساواة والإيثار على النفس. أما فيما يتعلق بالحريات والعدالة فنجد في أميركا اللغة نفسها استُخدِمت للدفاع عن مواقف متعارضة: هل الحريات الدينية والفردية التي كفلها الدستور الأميركي تؤيد حق المرأة في الإجهاض، أم أن الأولى يجب أن تؤيد حقوق الطفل الذي لم يولد؟ وهل الحرية تؤيد الرأسمالية المتوحشة، وعدم المساواة، أم تؤيد التكافل والعدالة؟ وهل الحريات التي كفلها الدستور تجيز تملك الأسلحة الفتاكة، وتعريض أعداد هائلة من المواطنين للقتل الجماعي، أم أنها تقدم سامة المواطنين على ترف حيازة أسلحة تصلح لميادين الحرب من أجل التسلية؟ بالمثل، نجد في مصر اتهامات متبادلة بالتغول على حرية الآخرين: فالإساميون خطر على حريات الآخرين لأنهم مشروع استبداد، ولهذا لا بد من حرمانهم من حقوقهم وحريتهم. يجب كذلك حرمان المطالبين بالحقوق من غير الإساميين أيضًا من حقوقهم، لأن نجاحهم قد يعني إتاحة الفرصة مرة أخرى للإساميين. من جهة أخرى، فإن الإسام براء من "المتأسلمين" أو "الإسامويين"، في عرف
الخصوم، ولا شرعية دينية لهم. هنا أيضًا تستخدم القيم المشتركة بتأويات مختلفة لتعضيد شرعية هذا الموقف أو ذاك. نختم بالقول إن الثقافة، بمعناها الأوسع، هي اللُّحمة التي تجعل من الجموع مجتمعًا، وتسبغ الهوية على ذاك الكيان. وهي كذلك الإطار الذي تأخذ فيه الأفعال معناها، وآلية إعادة إنتاج المجتمع واستدامته. ولكن الثقافة زلِقة وغير ملموسة، تساهم في تشكيلها أساطير وروايات يختلط فيها التاريخ بالخيال. وهي في الغالب من المسلمات التي لا يفكر فيها إلا عندما يجري تحدّيها أو انتهاك شرائعها. وهي أيضًا تتغير مع مرور الوقت وتغير البيئة وتداخل السكان عبر الهجرات والتمازج والتثاقف. وإن كان التغيير في الماضي غير ملموس وغير ملحوظ بسبب البطء، فإن تسارع التغيرات مع ما أتاحته الحداثة من تقنيات تواصل وسهولة انتقال وزيادات في أعداد السكان، مال إلى خلق حالات من الاضطراب وعدم اليقين. في هذه الحالات، تفقد الثقافة دورها باعتبارها أهم مركب في تشكيل الهوية، وتتحول إلى أداة صراع. غير أن هذا الإشكال يكون في الغالب مؤقتًا، لأن المجتمعات لا تستطيع أن تعيش حالة حرب مستمرة حيث لا بد من استقرار. وبناءً عليه فإن الثقافة عمومًا تكون الحصيلة لحسم صراع حول القيم والهوية والمفاهيم والنظرة إلى العالم (مثلما أن الديمقراطية تكون بدورها حصيلة صراع لم يستطع طرفٌ حسمَه لصالحه.) ولو أخذنا أوروبا مث لً، لوجدنا أن حروبها الدينية (داخل الهوية المسيحية الواحدة) أدت إلى تمزق وتمايز، قبل أن نشهد عودة إلى هوية واحدة (أوروبية/ "غربية")، تتعايش فيها الطوائف التي تقاتلت في الماضي. بل أصبح البعض يتحدث عن هوية "يهودية – مسيحية"، رغم ما كان بين اليهود والمسيحيين من عداء طوال قرون. وما يحدث من توافق في نهاية هذه المعارك يصبح هو "الثقافة السياسية".
References
المراجع
العربية
الانفجار العربي الكبير: في الأبعاد الثقافية والسياسية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012.
بشارة، عزمي. الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020
________. ثورة مصر، ج 2: من الثورة إلى الانقلاب. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016
"نشطاء ينتقدون 'إحنا شعب وإنتو شعب'". الجزيرة نت. 2013/9/7:. في https://cutt.us/LB1vL كساب، إليزابيث سوزان. تنوير عشية الثورة: النقاشات المصرية والسورية. ترجمة محمود محمد الحرثاني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020
عبد المجيد، وحيد. "العلمانية والأديان: رواد التنوير في مصر بين العلمانية والادينية". مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. 2021/3/31:. في https://cutt.us/2VuGS
الأجنبية
Bennett, Lovett–Graff. "Culture Wars II: A Review Essay." Modern Language Studies.
vol. 25, no. 3 (1995).
Buchanan, Patrick. "Culture War Speech: Address to the Republican National
Convention." Voices of Democracy: The U.S. Oratory Project. 17/8/1992. at:
https://cutt.us/RTy1Z
Crothers, Lane & Charles Lockhart (eds.). Culture and Politics. New York: Palgrave
Macmillan, 2000.
Dahl, Robert. Dilemmas of Pluralist Democracy: Autonomy vs. Control. New Haven:
Yale University Press, 1983.
Davis, Mark. "A New, Online Culture War? The Communication World of Breitbart.
com." Communication Research and Practice. vol. 5, no. 3 (2019).
De Forest, Jennifer. "The Rise of Conservatism on Campus: The Role of the John M.
Olin Foundation." Change. vol. 38, no. 2 (2006).
El–Affendi, Abdelwahab. "The Souls of Muslim Folk: The 'Obama Phenomenon' and
the Paradoxes of Paranoid anti–Multiculturalism." American Journal of Islamic Social
Sciences. vol. 29, no. 4 (2012).
Held, David & Mathias Koenig–Archibugi (eds.). American Power in the Twenty–first
Century. Oxford: Polity Press, 2004.
Hunter, James Davison. Culture Wars: The Struggle to Define America: Making Sense
of the Battles over the Family. Art, Education, Law, and Politics. New York: Basic
Books; Reprint, 1992.
Jensen, Richard. "The Culture Wars, 1965–1995: A Historian’s Map." Journal of Social
History. vol. 29, no. 1 (1995).
Kaufmann, Eric. "The New Culture Wars: Why Critical Race Theory Matters
more than Cancel Culture." Social Science Quarterly. vol. 103, no. 4 (2022). at:
https://cutt.us/3xFQM
Mehrez, Samia. Egypt’s Culture Wars: Politics and Practice. United Kingdom:
Routledge, 2008.
Mukherjee, Romi. "Make America Great Again as White Political Theology." Lisa
Revue. vol. 16, no. 2 (2018). at: https://cutt.us/y1mdt
Riddington, William Henry. "The Right, Rights and the Culture Wars in the United
States, 1981–1989." PhD. Dissertation, University of Cambridge, 2017.
Scatamburlo–D’Annibale, Valerie. "The 'Culture Wars' Reloaded: Trump, Anti–Political
Correctness and the Right’s 'Free Speech' Hypocrisy." Journal for Critical Education
Policy Studies. vol. 17, no. 1 (2019).
Tamer, Georges. "Nasr Hamid Abu Zayd." International Journal of Middle East Studies.
vol. 43, no. 1 (2011).
Thomson, Irene Taviss. Culture Wars and Enduring American Dilemmas. Michigan:
University of Michigan Press, 2010.
Verba, Sydney & Lucien Pye. Political Culture and Political Development. Princeton,
NJ: Princeton University Press, 2015 [1965].
Vidal, Gore. Armageddon? Essays 1983–1987. London: Andre Deutsch, 1987.