خطاب الحداثة الأخلاقية عند تشارلز لارمور
The Discourse of Moral Modernity by Charles Larmor
الملخّص
كان الاعتقاد السائد إلى وقت قريب أنّ الحضارة الغربية تصدر عن أخلاق حداثية واحدة ومجمع عليها، ولكنّ واقع الفكر الفلسفي الغربي المعاصر لم يعد يقدِّم هذه الصورة الواحدة والمتناغمة، ولعل خير دليل على ذلك ما قدّمه الفيلسوف الأميركي تشارلز لارمور في مجموعة من نصوصه التي حاول فيها تشخيص مظاهر الخطاب الأخلاقي في عصر الحداثة، والبحث عن الحد الأدنى لأرضية أخلاقية حداثية تُصارع ضد أخلاق ما قبل الحداثة باسم الجماعة والتراث، وأخلاق ما بعد حداثية باسم الفردية والمتعة والحرية. تحاول هذه الورقة تحليل عناصر هذا الخطاب، وبيان علاقاته وحدوده.
Abstract
Abstract: Until recently, the belief prevailed that Western civilization is based on a single, unanimous modernist morality. In contrast, the contemporary Western philosophical thought no longer presents this single and harmonious picture. Perhaps the best indication of this is the work of American philosopher, Charles Larmore, in which he seeks to understand morality in the era of modernity, and to search for some sort of modern moral middle ground to combat pre–modern morals in the name of community and heritage, and postmodern ethics in the name of individuality, pleasure and freedom. This paper analyses elements of this discourse, its relationships, and its limits.
- الحداثة
- الأخلاق
- ما بعد الحداثة
- الليبرالية
- تشارلز لارمور
- modernity
- Ethics
- Postmodernism
- Liberalism
- Charles Larmore
مقدمة
"تصرُّ الحداثة على التفسير الطبيعي الخالص للطبيعة، وعلى الفهم الإنساني الخالص لأخلاق"1. كل حديث عن علاقة الأخلاق بالحداثة، يتضمن بالضرورة مساءلة طبيعة هذه العلاقة نفسها، مقارنة بعلاقة الفلسفة والسياسة والجمال بالحداثة. وللوقوف عند خصوصية هذه العلاقة، يجب، في تقديري، طرح جملة من الأسئلة الأساسية، منها: ما العلاقة التي أجرتها فلسفة الأخلاق الحديثة والمعاصرة مع الذات أو الأنا؟ وما الصلة بين الأخلاق والأصالة، وبين قيمتَي الخير والعدل أو الحق سواء من جهة الأولوية أو المنزلة؟ وهل ثمة إمكانية للحديث عن المعرفة الأخلاقية مقارنة بالمعرفة العلمية؟ وإذا كانت المعرفة الأخلاقية ممكنة، فما مكانة العقل في هذه المعرفة؟ تمثّل هذه الأسئلة العامة والخاصة، في الوقت نفسه، مدار البحث في فلسفة الأخلاق المعاصرة بمختلف اتجاهاتها، ويكفي في هذا السياق الإشارة إلى نصوص بعض الفلاسفة المعاصرين، ومنهم على سبيل لاا المثال الحصر: يورغن هابرماس في الخطاب الفلسفي للحداثة، وأخلاق المحادثة2، وميشيل فوكو Foucault Michel (1926–1984) في الاهتمام بالذات واستعمال الملذات3، ضمن تاريخه للجنسانية، وجون رولز Rawls John (1921–2002) في محاضرات في فلسفة الأخلاق4، وتشارلز تايلور في أخلاقيات الأصالة5، وجيل ليبوفاتسكي Lipovetsky Gilles في أفول الواجب6، أو زيغمونت باومان Bauman Zygmunt (1925–2017) في الحياة المتشظية: تجربة ما بعد الحداثة والأخلاق7، وغير ذلك. وفي تقديري، إنّ كتاب المؤرخ والفيلسوف الأميركي جيروم شينويد Shennoyd Jerome،
وعنوانه اكتشاف الاستقلالية الذاتية: تاريخ لفلسفة الأخلاق الحديثة8، يُعدّ كتابًا شاملً في مناقشة موضوع العلاقة بين الأخلاق والحداثة، وهو الموضوع الذي خصّه الفيلسوف الأميركي تشارلز لاارمور بمدونة نصية، تشكةِّل، في تقديري، خطابًا في الحداثة الأخلاقي9، وتطرح أسئلة كثيرة تستحق المناقشة، وبخاصة تلك التي طرحتها في الفقرة السابقة. ولكن يبدو لي أنّ ثمة سؤاالً أوليًّا ومشروعًا يفرض نفسه ألاا وهو: ما خطاب الحداثة الأخلاقية عند الفيلسوف تشارلز لاارمور؟ لاا شك في أنّ البحث في هذا السؤال سيكون مفيدًا من الناحية الأكاديمية، كونه سيطلعنا على نظرية أو مقاربة لهذا الفيلسوف للمسألة الأخلاقية المعاصرة، ولكن إذا اتفقنا، جدالً، على أنّ ثمة خطابًا للحداثة الأخلاقية نقرؤه عند هذا الفيلسوف كما هو مبيَّن على الأقل في كتابين من كتبه، هما الحداثة والأخلاق، وأخلاق الحداثة10، عندئذ ألاا يحق لنا أن نُسائل هذا الخطاب نفسه،
أقصد أن نسأل عن العناصر التي يتكوّن منها هذا الخطاب بما هو خطاب فلسفي، قائم على جملة من الأسئلة والتحليلات والأدلة أو الحجج، والنتائج؛ أي بما هو خطاب فلسفي في الأخلاق، وعلاقاته بالخطابات الفلسفية المعاصرة، وبخاصةٍ علاقته بخطاب العتاقة أو القدامة أو التراث أو الماضي الذي يمثله التيار الجماعتي Communautarienne، أو خطاب ما بعد الحداثة Postmoderne، بما أنّ لاارمور يريد أن يرسم خطًّا أو توجُّهًا وسطًا بين هذين التيارين المنافسين لخطاب الحداثة الأخلاقية؟11
أولا: في عناصر الخطاب
بداية، تجب الإشارة إلى مسألة منهجية هي أنّه من غير الممكن وصف جميع العناصر المشكلة لهذا الخطاب ورصدها، وذلك لسببين: أولهما أنّ المجال لاا يسمح بذلك من الناحية الكمية، كما تعكس ذلك مدوّنة الفيلسوف المشار إليها سابقًا. وثانيهما أنني لاا أقصد إلى إجراء بحث استقصائي، وإنّما تقديم مؤشرات أو علامات على نوعية الخطاب الذي يقد مه هذا الفيلسوف. وتحقيقًا لذلك، فسأركز على العناصر الآتية:
1. الذات/ الأنا وأصالتها
معلوم أن الحداثة الفلسفية مرتبطة بتأسيس الذات العارفة عند ديكارت12. وإذا كان التحليل النفسي، ثم البنيوية في الفلسفة المعاصرة، قد حاولاا إعادة النظر في مكانة هذه الذات، فإنّ المؤكد هو أنّ أيّ حديث عن الأخلاق يشترط ذاتًا معيّنة، والدليل على ذلك ما نقرؤه عند فوكو الذي حاول في عديد كتاباته السابقة عن تاريخ الجنسية استبعاد الذات، أو التقليل من مكانتها، باسم الخطاب تارة، أو باسم آليات التذويت Subjectivation والتوضيع Objectivation، أو الجاهزيات Dispositifs، إلّ أنّه اضطر إلى العودة إلى نوع من الذات في دراسته الأخلاق13. وبناء عليه، فإنّ النفس قديمًا، والذات حديثًا، أو الأنا moi Le كما يستعملها لاارمور ومجموعة من الفلاسفة المعاصرين، يُعد كل منهما شرطًا أوليًا وأنطولوجيًا لكل خطاب في الأخلاق، ونقرأ عند لاارمور صفحات كثيرة يدافع فيها عما يسميه "أنطولوجيا الأنا/ الذات Self "14، مع ربطها بالتفكير أو التفكير لاانعكاسي Réflexion،
والوعي Conscience، والأصالة Authenticité.
ويمكنني القول إنّ العنصر الأساسي في مفهوم الذات عند لاارمور يتحدّد بعلاقة الذات بنفسها، بطريقة متأصلة في جميع اعتقاداتها ورغباتها، وذلك بمجرد أن تحدبِّد أسبا raisons تصرُّفها. فإذا كانت الذات تعتقد شيئًا أو ترغب فيه، فسوف تنظّم سلوكها وفكرها أو وعيها وفقًا لهذا الشيء. بعبارة موجزة، ستلتزم
الأنا بالحقيقة المفترضة لهذا الشيء أو القيمة التي يمثلها هذا الشيء بالنسبة إليها. ولاا يمكن الإحالة.إلى الذات من دون وساطة الوعي الملازم للحياة بوصفها مسارًا يمك نها من تعريف نفسها باستمرار وإذا كانت هذه الذات معرّضة لحوادث الحياة المختلفة، فإنّ الذي يميزها هو عدم اختزالها في الح لاات الطارئة، لأنّ الذات في نظر لاارمور هي تحديدًا علاقتنا المعيارية بالعالم، وذلك لأنّنا نتصرف وفقًا لأسبابنا الخاصة والعامة في التصرف. يقول: "إنّ العلاقة بذاتنا هي التي تجعل كل واحد منا ذاتًا كما هي عليه، ولاا يمكن أن يحل أحد محلها، إنّها في الحقيقة العلاقة التي تتمثل في إلزام أنفسنا باتخاذ موقف ولو كان ذلك في أبسط اعتقاداتنا أو رغباتنا [...] إنّ اعتقاد هذا الشيء، أو الرغبة في ذلك الشيء، يتطلب التزامًا بالتصرف وفقًا للحقيقة المفترضة للاعتقاد أو القيمة المفترضة لموضوع الرغبة"15. وإذا كانت هذه الذات أو الأنا مشروطة بالوعي والتفكير والتصرف أو السلوك، فإنّها ترتبط أيضًا بمفهوم مركزي في فلسفة لاارمور، وهو مفهوم الأصالة Authenticité الذي يعني توافق الفاعل مع القواعد التي تكشف عن هويته. واللفظ الدال على هذا التوافق، بما هو التزام في اللغة الإنكليزية، هو لفظ Commitment الذي يختلف قليلً عن اللفظ الفرنسي Engagement. وهذا لاالتزام يتصف بكونه أعمق من رغباتنا ومعتقداتنا. إنّ العودة إلى الذات، التي يتطلبها البحث عن الأصالة، تقتضي تمفصل بين ما يسميه التفكير المعرفي الذي يبحث عن الحقيقة حول ما نعرفه عن العالم أو عن أنفسنا، وأسباب تصرفنا، وبين التفكير العملي، بحيث يتعلق الأول بالمعرفة، والثاني بالفعل، أو على نحو أكثر عمومية بما يسميه لاارمور لاالتزام، أي: "قبول اعتقاد أو تنفيذ عمل بطريقة مدروسة [...] وتاليًا تحمُّل المسؤولية عن كل ما تقتضيه هذه لاالتزامات عادة"16. وبناء عليه، فإنّ الأصالة ليست إعادة اكتشاف الذات المفقودة، أو الأسوأ من ذلك، كما يرى بعضهم البحث عن الذات العالمية/ الكونية Universelle، لأنّ الأصالة تمثّل قيمة مشروطة بتطور قيم أخرى، لذا فإنّه من الضروري لااعتراف بأنّ إعادة اكتشاف الذات هي الشرط الضروري لأيّ عمل أخلاقي. ولكن ما العمل إزاء القيم المتعددة؟ يرى لاارمور أنّ هذه القيم المتعددة بقدر ما تتعايش مع الفاعل، فإنّها لاا تتطلّب تصنيفًا هرميًا مطلقًا، كما لا يجب استبعاد صراعها أحيانًا، وتبعية إحدى القيم للقيم الأخرى أحيانًا أخرى17. وهنا يظهر جانب من جوانب تلك الأطروحة أو الفرضية التي تقدَّم بها لاارمور، والتي تتطلّب الكشف عن الجانب لااجتماعي والمؤسسي لأخلاق، أو كما يقول: "لم يأخذوا [الفلاسفة] بجدّية كافية حقيقة أنّ الأخلاق، مهما كانت عقلانية، فإنَّها أيضًا مؤسَّسة اجتماعية"18. وهو ما يؤكد الطابع لااجتماعي
لأخلاق، حيث يعد ميلنا إلى تنظيم أنفسنا وفقًا للعادات والأعراف لااجتماعية المؤشر الأكثر وضوحًا على ذلك، ولكن هذا المؤشر لاا يؤدي بالفيلسوف لاارمور إلى تحديد الذات أو الأنا على أساس الوضعية أو التموضع، كما يذهب إلى ذلك على سبيل المثال لاا الحصر الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور19.
2. في المعرفة الأخلاقية
على عكس الطرح الطبيعي الذي يشمل موقف العلوم الطبيعية ولااجتماعية، الذي يقرّ بالمعرفة الفيزيائية والنفسية، وينكر المعرفة الأخلاقية التي يعتبرها مجرد تعبير عن موقف أو تفضيل لقيمة على أخرى، فإن لّاارمور قد خص هذا الموضوع بتحليل مفصل، وناقش كثيرًا من الفلاسفة الأميركيين الذين يقولون بالموقف الطبيعي، والذي يمكن تلخيصه في العبارة الآتية: "إن الحقائق الوحيدة المفترضة هنا هي تلك المتعلقة بطريقة وجود الأشياء وبكيفية تفكيرنا وسلوكنا، ولكن ليس ثمة حقائق تتعلق بما ينبغي أن نفعله"20. وب لااعتماد على الفيلسوف جورج إدوارد مور Moore Edward George (1933–1852)، وعلى غيره من الفلاسفة، أقر لّاارمور بوجود معرفة أخلاقية هي المعرفة المعيارية القائمة بذاتها والتي يؤكدها العقل، والتفكير، والتأمل، والبحث في الأسباب، ولكن ليست الأسباب في الأخلاق فيزيائية أو نفسية، وإنّما تشكاِّل، كم يرى: "نظامًا أنطولوجيًا ثالثًا"21، وذلك حتى إن افتقرت إلى السند الحسي أو التجريبي. وبناء عليه، فإنّ المعرفة الإنسانية لاا تقتصر على الجانب الفيزيائي والنفسي، وإنّما تتجاوزه إلى المعرفة المعيارية. يجب أن نميز، في نظر لاارمور، بين العلم والنزعة الطبيعية Naturalisme التي ترى العالم عبارة عن كليَّة لما هو موجود، وأنّه لاا يتكوّن إلّ من وقائع فيزيائية ونفسية، أو هو عبارة عن مادة وحركة مشكّلة من أفكار ومشاعر نملكها تجاه الأشياء والعالم نفسه، وأنّ الأخلاق مجرّد تعبير عن تفضيلات Préférences، وليست معرفة لها حقائقها. ومما لا شك فيه أنّ النزعة الطبيعية تستند في دعواها إلى نجاح العلوم الطبيعيّة وتألُّقها أكثر مما تستند إلى حججها التأويلية، لأنّ العلم الحديث لاا يؤديِّ، بأيّ حال من الأحوال في نظر لاارمور، إلى النزعة الطبيعية، بل بالعكس، إنّ لااقتناع بأنّ نجاح العلم الحديث يجب أن يحصل على موافقتنا هو تحديدًا ما يجعلنا أبعد عن النزعة الطبيعية، وذلك لأنّ هذا لااقتناع يستدعي حقيقة متعلّقة بما يجب أن نعتقده. يقول: "وفي الأخير، فإنّ أفلاطون كان على حق، وأنّه علينا أن نعترف أنّ العالم هو أكثر من العالم الطبيعي، وأنّه لاا يشمل فقط الواقع المادي والنفسي، ولكنه يشمل أيضا الواقع المعياري، وإلّ سنكون مثل السفسطائيين، وأن نتخلى عن المنطق أو العقل لنستسلم للإقناع. وبعيدًا عن كونها شرعية من خلال نجاحات العلم الحديث، فإنّ النزعة الطبيعية، مثل النزعة المضادة للمعرفة الأخلاقية التي تلهمها، تبينلِّ أنّها العدو اللدود للعق"22.
من هنا، يخلص لاارمور إلى القول بضرورة النظر إلى المعرفة الأخلاقية أنّها نوعٌ من المعرفة القائمة على التفكير لاانعكاسي أو التأملي، بدالً من أن ننظر إليها على أنّها نوعٌ من المعرفة الحسيّة. يقول: "لاا يساورني الشكُّ في ألاا يكون هناك نقص في المتشك كين في القول إنّ الأحداث الأخلاقية التي أتحدّث عنها غامضة للغاية. ولكن إذا كان ثمة لغز أو غموض، فإنّه موجود فقط عند أولئك الذين يتمسّكون بالمفهوم الطبيعي للعالم. وما يجب القيام به هو التخلي عن هذا التمسك الساذج والنقي للنزعة الطبيعية. يجب علينا أن نفتح أذهاننا على الإمكانية الحقيقية والواقعية بأنّ العالم شيء أكثر تعقيدًا"23. إنَّ هذه النتيجة التي تؤكد على الحقائق المعيارية باعتبارها موضوعًا للمعرفة الأخلاقية تستند إلى ما ذهب إليه مور وقبله هنري سيدجويك Sidgwick Henry (1900–1838)، ولكن مع ذلك يحرص لاارمور على تبيان الفارق بينه وبينهما، فيقول: "ومن ثم، فإنّ اختيار العقل معناه اعتناق رأي مور وسيدجويك من قبله، والذي مفاده أنّ القيمة الأخلاقية هي أمر حقيقي وغير طبيعي. ولكن هذا لاا يعني أن نتبنّى الطريقة التي دافعا بها عن آرائهما. فعلى عكس أفلاطون، أخفق كل من مور وسيدجويك في أن يريا الأمر في عمومه وصورته الأكبر، ينبغي ألاا نركاِّز، كم قام كلاهما، على الفكر الأخلاقي تحديدًا [...] بل يجب أن يكون اهتمامنا منصبًّا على إمكانية وجود الحقيقة المعيارية بشكل عام"24.
3. في أسبقية الحق أو العدل على الخير
يُعدّ الفيلسوف الإنكليزي سيدجويك أول فيلسوف وقف عند هذا المظهر من مظاهر الحداثة الأخلاقية، وذلك في كتابه: مناهج الأخلاق، حيث بيّن أنّ طبيعة القيم الأخلاقية تفترض صيغتين مختلفتين على نحو أساسي، وأنّ الأمر يتوقّف على أيّ من القيمتين هي الأقرب إلينا نحن المعاصرين25. وفي تقديره، فإنَّ ثمة نظرتين متمايزتين تاريخيًا؛ النظرة القديمة التي تُعلي من قيمة الخير، وتجعلها فكرة مركزية أو محورية، والنظرة الحديثة التي ترى في العدل أو الحق قيمة مركزية ومحورية. ومن ثمّ، ألاا تزال فلسفة الأخلاق المعاصرة تقبل بهذا التصنيف والترتيب والأولوية المعطاة للعدل مقارنة بالخير؟ يجب الإقرار بالسجال القائم بين أنصار الحداثة الأخلاقية وأنصار النزعة الأرسطية الجديدة حول هذا الموضوع26. ويمكن القول إجماالً إنّ فلاسفة أمثال: رولز، وهابرماس، وتوماس نيغل Nagel Thomas27 يمثلون
لااتجاه الحداثي في الأخلاق، في حين يمثل تايلور، وإليزابيث آنسكوم Anscom Elizabeth –1919()200128، وفيليبا روث فوت Foot Ruth Philippa)2010–1920(29، وألسدير ماكنتاير Alasdair30MacIntyre النزعة الأرسطية الجديدة. فما موقف تشارلز لاارمور من هذا النقاش؟ لقد كان مقصد سيدجويك في تصنيف الأخلاق القديمة التي تدور حول قيمة الخير، والأخلاق الحديثة التي تدور حول قيمة العدل هو إثبات أنّ: "القيمة الأخلاقية يمكن أن تعرف باعتبارها ما يوحد أو ما يلزم البشر، أيًّا كان ما يريدونه أو يرغبون فيه، أو أيًّا كان ما سيريده الإنسان إذا ما توافرت لديه المعلومات الكافية بشأن ما يرغب"31. ولاا يعني إعطاء الأولوية لقيمة عدمَ لااهتمام بالقيمة الثانية، ما ولكنّ المقصود هو أنّ التقديم والتأخير يستلزمان فكرة الوحدة أكثر. وبناء عليه، فإنّ العلاقة قائمة بين القيمتين، ولكن الأسبقية مختلفة بين المرحلتين القديمة والحديثة. وما يميز الأخلاق الحديثة هو أنّها تعطي الأولوية للعدل أو الحق juste Le، وهو ما يظهر في فكرة الإلزام الأخلاقي أو الأمر القطعي في القيمة الأخلاقية Imperative. ووفق سيدجويك، فإنّ الخير والعدل لاا يختلفان من حيث الأولوية فقط، وإنّما يعكسان منظورات أخلاقية مختلفة، بحيث تمثل أخلاق الخير المنظور الجذاب attractif الذي نقرؤه عند أفلاطون وأرسطو، ويدور حول الفضيلة والكمال الأخلاقي والخير الأسمى، ولاا نجد عندهما فكرة الإلزام الأخلاقي كما هو الحال في الأخلاق الحديثة والمعاصرة. إن فكرة أولوية الخير والفضيلة والسعادة لم تكن مقصورة على الفلسفة اليونانية، وإنّما امتدت لتشمل فلسفة العصور الوسطى بشقيها المسيحي والإسلامي على حد سواء، وأمّا فكرة أولوية الحق/ العدل على الخير، فقد جاءت في فلسفة الأخلاق عند إيمانويل كانط Kant Immanuel (1804–1724) الذي رأى: "أنّ مفهومي الخير والشر لاا يمكن تعريفهما بطريقة سابقة على القانون الأخلاقي [...]، وإنّما يجب تعريفهما بعد هذا القانون وبواسطته"32. ولم يعد الأمر مقصورًا على أخلاق الواجب فقط، كما يتبدى من النظرة الأولى، ولكن يشمل كل الأخلاق الحديثة والمعاصرة، وبخاصة نظرية المنفعة، وهو بذلك أصبح يتصف بصفة الكلية. يقول لاارمور: "إنّ المبدأ الأساسي في هذه النظرية العواقبية/ النتائجية Theory Consequentialist هو أنَّ الفعل الصحيح يتألف من قدرتنا على القيام بكل ما من شأنه أن يحقق أكبر قدر من السعادة في نهاية الأمر، لكل الذين يتأثرون بهذا الفعل، باعتبار أن كًّلًّ منهم فرد واحد، وفرد واحد فقط"33.
فما موقف لاارمور من هذا النقاش الذي عرض تفاصيله المختلفة؟ يقول: "مهما كان التعارض الذي يقيمه سيدجويك بين المفهوم الملزم والمفهوم الجذّاب لأخلاق مفيدًا، فإنّني لاا أعتقد أنّ المفهوم الملائم لأخلاق في عمومها يجب أن يتّخذ إحدى الصيغتين مع استبعاد الأخرى، بل على العكس من ذلك، أعتقد لااعتقاداتنا من خلال وجهة نظر أكثر تعقيدًا من المنظورات المميزة لسمات الأخلاق أنّنا نصل لفهم أفضل القديمة والحديثة"34. فما هذه النظرة المعقدة؟ ثمة، بلا شك، اختلاف أساسي بين الأخلاق القديمة والأخلاق الحديثة، ولكن بالعودة إلى النقاش الذي دار بين كانط والكاهن هيرمان أندرياس بستوريوس Pistorius Andreas Hermann (1798–1730) توصّل لاارمور إلى تحديد العلاقة المعقدة بين المنظور الجذاب في الأخلاق القديمة، ومنظور الواجب أو الإلزام في الأخلاق الحديثة، وهي على النحو الآتي: تقوم حجة كانط في أسبقية العدل على الخير: "على الطابع التعددي والمثير للجدل لفكر الخير، بالإضافة إلى لااحتكام للضمير"35، وفي الإقرار ب "تعددية الصيغ القيمية للتحقق الذاتي، والتي لاا تقبل لااختزال لصيغة مشتركة من الصيغ التي يرغب فيها الجميع، وأنّ الأشخاص العقلاء يميلون بشكل طبيعي للاختلاف حول طبيعة الحياة المكتملة"36. لقد كان القدماء يعتقدون أنّ الخير واحد للجميع، ولكن لم يعُد الحال كذلك، وبناء عليه فإن ما يعطي الأولوية للعدل عن الخير هو المعطى الآتي: "ما دام أي شخص يرى نفسه كائنًا عاقلً، فإنّه لاا بد أن يقبل ببعض المعايير التنظيمية لسلوكه"37. وهذا يعني أنّ فكرة الإلزام تتقدم على فكرة الخير، وهذا هو العنصر المميز لخطاب الأخلاق الحديثة رغم اعتراض الأرسطية الجديدة أو ما بعد الحداثة عليه، وهو ما سأحاول دراسته في العنصر الآتي.
ثانيًا: في العلاقات الخطابية
لاا لاا لاارمور أجانب الصواب إذا قلت إنّ الخطاب الفلسفي لتشارلز يمكن فصله عن مجمل الخطابات الفلسفية الحديثة والمعاصرة، سواء من جهة مناقشته عددًا مهمًا من الفلاسفة، أو لااستئنافه النظر في القضايا التي طرحوها. فثمة حوار دائم مع مختلف الفلاسفة ولااتجاهات الفلسفية بوجه عام، ومع فلاسفة الأخلاق والسياسة تحديدًا. وليس هدفي في هذا المحور أن أتقصى تلك الحوارات والمناقشات على أهميتها، وإنّما الذي يعنيني هو تحديد بعض العلاقات الخطابية بما هي كذلك، أو بما هي ممارسات خطابية، من أجل تعيين أكثر للخطاب الأخلاقي عند هذا الفيلسوف، وبخاصة من جهة تلك العناصر التي توقفت عندها سابقًا، وكما تظهر في جملة النصوص التي جمعته مع بعض الفلاسفة أمثال تايلور وفنسنت ديكومب وآلاان رينو. والحق أنّه إذا كانت الفلسفة منذ اليونان قد اهتمت بالنفس، من خلال استعمال سقراط واحدة من حِكَم معبد دلفي؛ "اعرف نفسك"، فإنّ الأخلاق كانت ولاا تزال ترتبط بالنفس أو الذات أو الأنا، رغم
لااختلافات والتحولاات التي عرفتها هذه الألفاظ الثلاثة في الفلسفة المعاصرة عمومًا، وفي فلسفة الأخلاق تحديدًا. ويكشف لنا الحوار الذي دار بين الفيلسوفين لاارمور وديكومب عن بعض وجوه هذا لااختلاف والتحول، ومنها أنّ فهمنا للذات غالبًا ما يركز على الجانب المعرفي، ويستبعد الجانب المعياري38، وهو ما يعد القاسم المشترك بين الفيلسوفين، أو نقطة لااتفاق الأساسية بينهما، والمتمثلة في اهتمام الفلسفة الحديثة بالجانب المعرفي للذات كما هو ملاحظ بيسر في نظرية المعرفة عمومًا، حيث يجري التركيز على دور الذات في عملية المعرفة، في حين أنّ الجانب المعياري في الذات مستبعد أو مجهول. وإذا استعملنا مصطلحات الفيلسوفين، فإنّ ثمة إعلاءً للنموذج المعرفي Paradigme Cognitif على حساب النموذج العملي أو التداولي Paradigme Pratique/ Pragmatique، في حين أنّ الذات أو الأنا في نظرهما هي أوالً وقبل كل شيء عملية قبل أن تكون نظرية، أو كما يقولاان: "إذا كنّا ذواتٍ، فنحن ذوات عملية أكثر منها ذوات نظرية، أو، على نحو أكثر تحديدًا، نحن ذوات عملية حتى عندما يعتمد ذهننا على النظرية. وإنّ لااعتقاد هو، أوالً وقبل كل شيء، نزوع إلى التصرف، حتى لو كان لهذا التصرف شكل ضعيف من لااستدلاال "39. وهذا يعني أنّ العنصر المشترك بين الفيلسوفين هو الجانب العملي أو التداولي للذات أو الأنا، ويكشف عن أساس خطابهما الأخلاقي، رغم اختلافاتهما الكثيرة. من هذه لااختلافات أن لّاارمور يرى أنّنا ذوات مختلفة عن الحيوانات، لأنّ: "لدينا اعتقادات ورغبات منقوشة أو مدوَّنة في فضاء معياري من الأسباب"40. وهذا يعني بالنسبة إليه أنّ كون الإنسان ذاتًا لاا يعني فقط لااعتقاد والرغبة، بل لاالتزام بذلك لااعتقاد والرغبة بطريقة معينة، وأنّ هذا لاالتزام هو الذي يجعل الذات ذاتًا. ولكن بالنسبة إلى ديكومب، فإنّه يعتقد أنّ: "ما هو غير متماسك على نحو أساسي في المفهوم الحديث للذات ليس الإدراك المعرفي فحسب، بل هو فكرة العلاقة غير المتعدية intransitif مع الذات. وبعبارة أخرى، علاقة بالذات لاا يمكن تصورها وفقًا لنموذج الفعل التفكري المتعدي transitive "41. ومن هنا ركَّز هذا الفيلسوف على مفهوم الفاعل Agent/ Acteur الذي يقوم بالفعل بنفسه، أكثر من فكرة الأنا أو الذات المجرد، لأنّ الفاعل يمكنه تحمّل المسؤولية، وهي مسألة جوهرية في الأخلاق كما نعلم. إذا كانت الذات هي العنصر الأساسي الذي يقوم عليه خطاب الحداثة الأخلاقية عند لاارمور، فإنّ هذه الذات يجب أن تتميز بأصالتها، كما أشرت إلى ذلك سابقًا. ولقد شكلت هذه القيمة Valeur والمثال Ideal في الوقت نفسه، محور نقاش بين لاارمور وبعض الفلاسفة الجماعتيين، ومنهم تشارلز تايلور الذي اهتم كثيرًا بهذا الموضوع، حيث نستطيع القول إنّه احتل مكانة مركزية في فلسفته العامة
والسياسية والأخلاقية على حد سواء، وتحوَّل بفعل إسهاماته النظرية إلى موضوع بحث فلسفي ثري، لاارمور نفسه بهذا الموضوع وليس أدل على ذلك اهتمام42. والسؤال الذي يفرض نفسه في هذه الحالة، هو ما هي تلك الجوانب المشتركة والمختلفة بين الفيلسوفين؟ سبقت الإشارة إلى بعض هذه الوجوه في الصفحات السابقة، وبخاصة المفهوم الأنطولوجي أو الميتافيزيقي للذات الذي قال به لاارمور في مقابل المفهوم السياقي والتاريخي الذي قال به تايلور، وكذلك اختلافهما الشديد في تأويل الميراث الرومانسي، وبخاصة فلسفة يوهان جوتفريد هردر Herder Gottfried Johann (1803–1744) التي شكَّلت منطلقًا لفلسفة تايلور، وللتيار الجماعتي، وإلى حد ما تيار التعددية الثقافية، ولكنه كان ولاا يزال موضوع نقد من لاارمور، كما تبيّن ذلك عديد نصوصه43. فما الأصالة عند تايلور، وما تعليق لاارمور على ذلك؟ يعود مفهوم الأصالة في نظر تايلور إلى القرن الثامن عشر، ويرتبط بتلك الحالة الذهنية التي ترى أنّ الإنسان يتمتع بحس أخلاقي، وأنّه يتمتع باستعداد طبيعي لما هو خير ولما هو شر. وهذا يعني أنّ أصل الأصالة، إن صح التعبير، أخلاقي وليس أصلً تاريخيًا، أو عرقيًا، أو بدائيًا، أو دينيًا فقط، لأنّه من المعلوم أنّ هذا المفهوم قد جاء في سياق عصر مناهض للتصور الديني، أعني عصر التنوير، وبخاصة فيما يتعلق بالجزاء والعقاب، ويؤك د أنّ الخير والشر متأصلان في الإنسان وفي عواطفه، وأنّ الأخلاقية moralité La تكمن في العواطف والمشاعر. ينجم عن هذا أنّ الأصالة، كما ظهرت في القرن الثامن عشر، ارتبطت بالمعنى الأخلاقي الإنساني، وأنّ منبع الأخلاق يكمن في الإنسان، وليس في مصدر آخر خارج الإنسان. ولكن هذا الفهم لاا يمنع في نظر تايلور، لاارتباط بالمثُل على وجه العموم، ولاا بالله. والمثال على ذلك هو القديس أوغسطين Augustine (430–354 م) الذي كان يرى أنّ الطريق إلى الله يمرّ عبر الوعي الذاتي بأنفسنا. ويعد جان جاك روسو Jean–Jacques Rousseau (1778–1712) أول فيلسوف في العصر الحديث أحدث هذه النقلة في مفهوم الأصالة، وذلك من خلال دعوته الدائمة والمتكررة إلى ضرورة اتباع صوت الطبيعة الذي يكمن فينا، ومن أنّ هذا الصوت يُخنق أو يُسكت من جرّاء تبعيتنا للآخر، وأنّه يظهر ويحيا كلما شعرنا بوجودنا44. ولقد تعمق الشعور بالأصالة من خلال جهود الفيلسوف الألماني هردر، وبخاصة فكرته القائلة: إنّ لكل إنسان طريقة أصيلة في أن يكون إنسانًا. ويعتقد تايلور أنّ هذه الفكرة جديدة بكل المقاييس. لماذا؟ لأنّه: "قبل القرن الثامن عشر لم يفكر أحد في أنّ لااختلافات بين البشر لها هذا النوع من
الدلاالة الأخلاقية"45. ولقد نجم عن هذه الفكرة بروز مثل آخر، وهو: أن يعيش الإنسان وفيًّا ومخلصًا لنفسه، وإذا لم يكن مخلصًا لحياته، فإنّه سيضيع في هذه الحياة، ويُضيّع، تاليًا، بُعده الإنساني، وقيمته الإنسانية. يؤكد هذا المثل، بلا أدنى شك، ارتباط الأخلاق بالذات، أو بذات النفس، وبالطبيعة الداخلية للإنسان المهددة دائمًا بالضياع، وذلك من جرّاء الضغوط الخارجية، وبخاصة عند اتباع أسلوب نفعي وأداتي تجاه الذات، بحيث يمنع من لااستماع إلى الصوت الداخلي أو صوت الضمير. ومن البيّن أنّ هذا نقد موجه إلى أخلاق المنفعة. يقول تايلور: "لكل صوت من أصواتنا ما يقوله بطريقته الخاصة"46. ومن أهم ما يقوله هذا الصوت هو أنّه يمكن مقاومة لاامتثالية، ومن ثم يجب أن يكون الإنسان وفيًّا لنفسه، ومخلصًا لأصالته التي لاا يكتشفها، ولاا ينطق بها إلّ الأنا، وأنّ الإنسان عندما يدرك إنيّته، فإنّه يتحدد ويتعين ويستطيع أن يقرر الخير الخاص به. وإجماالً، يمكنني القول إنّ تايلور قد حدّد الأصالة بناء على البحث التاريخي والفلسفي، وتوصل إلى أنّ الأصالة تعني، أوالً، تلك الحالة أو الوضعية التي تعطي للفرد القدرة على أن يبحث عن حقيقته الخاصة. وبناء عليه، فإنّه ومن أجل أن يكون الإنسان حرًّا، عليه أن يكون قادرًا على تعيين وتحديد ما يكوكِّن أصالته ويش لها. وثانيًا، تقتضي الأصالة قدرة الفرد على أن يعيش بصدق مع نفسه ومع الآخرين، وأن يكون قادرًا على تبنّي معايير أخلاقية تتناسب وذاته، رافضًا في الوقت نفسه، كل أنواع الشكلانية أو الأحادية لااجتماعية أو لاامتثالية، مثل تبنّي نمط حياة اجتماعية مفروضة من الخارج. يقول تايلور: "لكل إنسان طريقته في الحياة، وعليه أن يبحث عن شكل الحياة الخاصة به، وأن يجد في نفسه المنابع الأخلاقية لوجوده"47. ثالثًا، تفرض الأصالة على كل أصيل أن يحترم كل الأفراد على اختلافهم وتنوعهم، ولاا يمكن أن يتحقق ذلك إلّ ب لااعتراف بهذه لااختلافات، بحيث يشكل هذا المطلب شرطًا مسبقًا لتحقيق حرية كل فرد، وهنا تظهر جليًا تلك الصلة بين الحرية الفردية وعلاقتها بالجماعة. أخيرًا، إنّ الأصالة مثلها مثل الكرامة الإنسانية، كانت نتيجة لاانهيار المجتمع القديم وتراجعه. وإنّ مبدأ الكرامة هو المناسب والمتوافق مع المجتمع الديمقراطي، وأمّا مبدأ الشرف فقد تجاوزه الزمن. ومن ثم، فإنّ مختلف أشكال لااعتراف بالمساواة تُعدّ أشكاالً أساسية في الثقافة أو المجتمع الديمقراطي48. فما لاارمور من هذه الأفكار أو على الأقل من بعضها؟ موقف بداية يجب الإقرار بأنّ منهج لاارمور في المناقشة يتصف بعدم الرفض المطلق، واستحالة بيان حدود المفاهيم والتصورات والنظريات والحجج، والكشف عن التناقضات الداخلية، ولذلك، فإنّه في مناقشته مفهوم الأصالة وقيمتها ومثالها، انتقد جوانب وأكد على قيمة جوانب أخرى، وذلك سيرًا على نهجه في مختلف مناقشاته مع كثير من الفلاسفة. ويمكنني القول إنّه سواء بالنسبة إلى هذا المفهوم أو
غيره من المفاهيم، يحاول أن يطور مفهومًا تعدديًا Pluraliste لأخلاق، وهو ما يعني أنّه: "لاا وجود لقيمة أساسية [...] تشكّل أساسًا جوهريًا لجميع القيم الأخرى التي يحقّ لنا تبنّيها. وليس هنالك قيمة عليا يجب أن تسود ضد أي قيمة أخرى قد تصطدم بها"49. من هنا، نجد لاارمور ينقل عملية النقد من مستوياتها التاريخية أو العملية، كما هي الحال عند تايلور، إلى المستوى التحليلي الذي يميّز كتاباته وفلسفته بوجه عام، مبيّنًا شكلين من أشكال النقد الموجه إلى مفهوم الأصالة. سبقت الإشارة إلى رفض لاارمور البحث عن ذات حقيقية بدعوى الأصالة، لأنّ كل بحث عن ذات حقيقية في نظره مآله الفشل، ثم لأنّه لاا يوجد شيء مثل هذه "الذات الحقيقية"، وبخاصة إذا كنّا نعني بذلك ذاتًا غير مشبعة بأشكال التفكير التي صنعناها بأنفسنا من خلال محاكاة أنفسنا على الآخرين. وما يريد لاارمور القيام به هو دحض الفكرة القائلة إن: "الأصالة تكمن في لااستغراق في 'الذات الحقيقية' التي تعيش في أعماقنا، وإعادة لااتصال مع هذه الذات البريئة من كل ما استعرناه من الآخرين"50. بعبارة أخرى، إنّه يريد دحض الفكرة القائلة إنّ اكتشاف ذاتنا الأصيلة سيكون أيضًا اكتشافًا لتفردنا
. Singularité
يرتبط هذا النقد بفكرة تايلور الخاصة بتجذّر الذات في سياق اجتماعي، ويتجلى في رفض لاارمور تفكير الأصالة على أنّها نوع من الملاءمة مع الأنا الطبيعية Naturel Moi، أو تحقيقًا للمطابقة معها. وبالفعل، فإنّ مفهوم الأنا الطبيعية يصبح خاويًا، بما أنّ كل مبدأ ينحرف عن الطبيعي يصبح اتفاقيًا، وبخاصة إذا أصبح اجتماعيًا. من هنا يرى لاارمور، وذلك بعكس تايلور، أنّ لأصالة علاقةً بالمحاكاة والتقليد، ولكن يجب التمييز بين مستويين من المحاكاة أو التقليد، وهما: التعيين Affectation، الذي قد يكون منضبطًا، والتقنين Codification الذي قد يكون عالميًا. وفي تقديره، ترفض الأصالة التعيين، وليس التقنين. وهكذا، فإنّ القارئ لتحليلات لاارمور، يمكنه أن يستخلص فكرةً مؤدّاها أنّ الأصالة لاا ترتبط بالتفرد، وأنّ ثمة قدرًا من الوهم، في نظره، في البحث عنها، ومن ثم يمكن التفكير في الأصالة من دون أن ترتبط بالتفرد51. والمثال الذي يقدّمه في هذه الحالة هو الحب، فهناك فرق مهم بين شخص يتظاهر بالحب ويحاكي بعض القواعد أو يقلدها، وبين شخص محمول برغبة الحب وبشغفه. ولكنه حتى لو تبيّن أنّ هذا أيضًا مقنن، فإنّ: "جميع الدراسات حول قواعد الحب/ العاطفة، مهما كانت عادلة، لاا يمكنها التشكيك في التمييز بين الحب المصطنع والحب الأصيل"52. وفي تقديري، إنّ هذه العلاقة وغيرها من العلاقات التي نسجها الفيلسوف تشارلز لاارمور مع كثير من الفلاسفة، يمكن إيجازها في موقفه من ملفوظ أو منطوق énonce الحداثة نفسه، باعتباره ملفوظًا مركزيًا في هذا الخطاب الحداثي، مع استخلاص بعض النتائج الأولية.
ثالثًا: نتائج أولية
يحتل سؤال العلاقة بين الأخلاق والحداثة مكانة أساسية في نصوص لاارمور، ولكنه لاا يعني إجراء تقييم أخلاقي للثقافة والمجتمع الحديثين، أو إقامة مماثلة بين الحداثة والحياة الحديثة بأسرها، لأنّه لاا أحد: "في استطاعته إنكار أنّ العصور الحديثة قد نالت نصيبها من الفزع والرعب، بل واخترعت أنواعًا جديدة منها أيضًا"53. ثم إنّ الحداثة لاا تشكّل قطيعة كاملة مع التراث القديم: "فلم يحدث انعطاف من شأنه أن ينتج إلى يومنا هذا أنماطًا غير معروفة من لااعتقاد والخبرة التي تطيح بكل مفاهيم ما قبل الحداثة"54. وهذا يعني أنلّاارمور لاا يقبل بذلك التحديد الذي قدَّمه هيغل للحداثة، ولقي تعميقًا وإشادة من هابرماس في نصين من نصوصه حول الحداثة، وأعني بهما: الحداثة مشروع لم ينجز، والخطاب الفلسفي للحداثة، ومفاده: "إنّ الوعي الذاتي الحديث يستطيع أن يستقي من ذاته المعايير التي يمكن من خلالها أن يرشد أفكارنا وأفعالنا"55. وإنّ المطلوب هو إجراء نوع من الموازنة بين عناصر لااتصال ولاانفصال، أو عناصر الثبات والتغير، أو العناصر الدائمة والمتحولة. لذلك، فإنّ لاارمور يحاول أن يلتمس طريقًا وسطًا بين الحدود القصوى التي غالبًا ما تقرّها المناقشات الفلسفية حول هذا الموضوع. إنّ الحداثة ليست فعلً بروميثيوسيًا للمشروعية الذاتية، وكذلك الإحساس بكونها محض وهمٍ جديد. إنّها تقدّم، علاوة على ذلك، ظرفًا ما زال راهنًا بالنسبة إلينا. "ولاا بد من أن أعترف بقدر من التعاطف مع فكرة 'ما بعد الحداثة' التي تعد، على الرغم من شهرتها بأخرَةٍ، فكرة غامضة للغاية"56. لكن مع ذلك، "لاا يمكننا أن نفهم تاريخ الأخلاق الحديثة إلّ باعتباره جهدًا لاابتكار مفهوم عن الأخلاق يتلاءم مع بزوغ سمات الحياة الحديثة"57. وهذا يعني أنّ الرهان الأكبر عند لاارمور يشخص في ظهور المجتمع الحديث المختلف عن المجتمع القديم، وأنّه لاا يمكن فهم النظريات الأخلاقية، أو فلسفة الأخلاق الحديثة والمعاصرة، خارج سياق المجتمع الحديث، مقارنة بالمجتمع القديم، لأنّ الحداثة قد قامت: "بتشكيل تفكيرنا الأخلاقي بطريقة أساسية، كما قامت أيضًا بطرح مشكلات غير مسبوقة بشأن الطبيعة وسلطة الأخلاق، والإمكانية السياسية للاتحاد مع الجماعة. ولن نستطيع أن نتلمس طريقنا بوضوح خلال هذه المشكلات على النحو المطلوب، ما لم نُقم حسابًا لأمور التي جعلتنا على ما نحن عليه في الوضع الراهن"58. وإذا كان "المجتمع الحديث قد تخطّى الدين "59، أو "يقع
فيما وراء الدين"60، فإنَّ الذي يجب أن يكون منّا على بال هو: "أنّ حقيقة أنّ الإله61 الذي لم يعد في استطاعته أن يتولى شؤون [العالم]، لاا تعني بالضرورة أن الإنسان هو وريثه"62. وأن على "الفلسفة الأخلاقية [...] أن تكون على اتفاق مع الحداثة"63، وبخاصة مع الفكرة القائلة: "إننا جميعًا خاضعون لنوع من الأوامر الأخلاقية الملزمة، والتي تملي علينا كل ما يمكن أن يعبّر عن اهتماماتنا المتنوعة"64. وأنّ العنصر المقرر في خطاب الحداثة الأخلاقية يكمن في ذلك الإصرار: "على التفسير الطبيعي الخالص للطبيعة، وعلى الفهم الإنساني الخالص لأخلاق"65. ويتجلى هذا الفهم الإنساني، وفقًا لما بحثناه في النقاط الآتية: • الإقرار باستقلالية الأخلاق، واعتبارها مبحثًا مستقلً، يختلف عن ثلاثة مج لاات معرفية إنسانية كبرى، هي العلم والفن والدين، وأنّه على الرغم من إمكانية قيام علاقات متقاطعة بين هذه المج لاات ومبحث الأخلاق، فإنّها تشكّل مبحثًا قائمًا بذاته في نظر لاارمور، غير قابل للاختزال، ومغايرًا للمعرفة العلمية في صورتها الطبيعية والنفسية، ويتأسس على فكرة رئيسة، هي أنّ: "الأخلاق تتحدث عن نفسها، ما دمنا نريد لااستماع إليها، والمكان الذي تتحدث منه هو ضميرنا Conscience "66، وأنّه: "لاا يمكن أن يأتي إخلاصنا ووفاؤنا لأخلاق إلّ من الضمير الأخلاقي نفسه"67. • إذا كان الضمير الأخلاقي هو أساس الأخلاق، فإنّ إنسان الحداثة هو الذي يسعى وراء لااستقلالية الذاتية. وفي تقدير لاارمور، فإنّه من الواضح أنّ صورة الإنسان المستقل تؤدي في مجال الأخلاق الحديثة دور المثل الأعلى، ولكن ما يجب التشديد عليه هو أنّ هذه لااستقلالية ليست تلقائية، أو آلية، بل هي على العكس من ذلك؛ إنّها تتطلب من الإنسان أن يتعلم تجنب الإغراءات التي تقف في طريق استقلاليته، وأن يتحلّى بالشجاعة اللازمة، وأن يؤكد من خلال ممارسة استقلاليته قدرته على فصل نفسه عن ظروف معينة، حتى يتمكن من التحكُّم في نفسه، وفقًا لضميره وعقله في الوقت نفسه68. • بالنظر إلى ما حملته الأزمنة المعاصرة من تطورات وتغيرات، سواء على مستوى بنية المجتمعات المعاصرة، أو على مستوى النظريات الأخلاقية، وبخاصة من جهة تعددها وصراعها، فإنّه يجب
في نظر لاارمور الدفاع عن أخلاق الحد الأدنى في مقابل أخلاق الحد الأعلى أو الكونية. يقول: "لاا يجب البحث عن أخلاق كونية Universelle Ethique، وإنّما يجب الدفاع عن أخلاق الحد الأدنى Minimale Ethique، والتي يمكننا أن نتقاسمها ونتشارك فيها بأوسع نطاق ممكن، رغم لااختلافات"69. والسبب في ذلك هو أنّ: "العنصر الحاسم في الخبرة الحديثة هو إدراك أنّ البشر العقلاء يميلون بطبيعتهم للاختلاف بعضهم مع بعض حول معنى الحياة. لقد أصبحنا نتوقع في المحادثة المنفتحة والحرة حول الحياة الخيّرة، أو الخير البشري، أو التحقق الحر للذات – وهي أفكار أساسية لمفاهيم الأخلاق القديمة المتمركزة حول الفضيلة – أنّه كلما ازداد النقاش، ازداد لااختلاف بصورة أكبر حتى مع أنفسنا"70. ولاا يُعد هذا المعطى انتصارًا لفكرة التعددية، وإنما هو إقرار، وذلك على الأقل ضمن التراث الغربي، بأنّه: "فيما يتعلق بالأمور فائقة الأهمية، فإنّه ليس من المرجح أن يوحاِّدنا العقل، بل إنّه سيفرقن"71. وتُعد هذه الفكرة الأساسية في الأخلاق الحديثة فكرةً غائبة عن أخلاق الفضيلة التي تميّز العصور الوسطى وقبلها العصور القديمة. لقد أدت الحروب الدينية التي عرفتها أوروبا دورًا حاسمًا في إدراك هذه الفكرة والتحقق منها. من هنا تحوّل الفكر الأخلاقي الحديث نحو فكرة " لااختلاف المعقول"، المتمثلة في: "نواة أخلاقية يستطيع البشر العقلاء على الرغم من اختلافاتهم حول طبيعة الحياة الخيرة أن يتفقوا عليها. وهذا هو المطلب الذي يجب على فكرة الأوامر الأخلاقية أن تستوفيه"72. ولهذا، يجب الدفاع عن نواة أخلاقية، أو ما يسمى بأخلاق الحد الأدنى، وهي فكرة يتشاركها مع فلاسفة كثيرين، ولكنه مع ذلك لاا يدعو إلى إهمال أخلاق الفضيلة، لأنّنا: "لاا نستطيع أن نفهم حياتنا الأخلاقية بأكملها في ضوء فكرة الأوامر الأخلاقية الملزمة. وعلى هذا النحو، يمكننا أن نتعلم الكثير من منابع الأخلاق القديمة"73. • إذا كان لااختلاف والتعدد هما السمة المميزة لأخلاق الحديثة، فإن لاارمور يدعو إلى ما يسميه " لااختلاف المعقول"، سواء في المجال الأخلاقي أو السياسي، وذلك تماشيًا مع فكرة رولز حول الموضوع نفسه. ومما لا شك فيه أن لااختلاف المعقول أمر ملحّ في الحياة السياسية أكثر منه في الحياة الأخلاقية، وبالنظر إلى: "توقّع أن يميل البشر العقلاء نحو لااختلاف حول الحياة الخيرة، [هو الذي] دفع التراث الليبرالي للبحث عن قواعد للحياة السياسية في نواة أخلاقية يمكن أن يقرها الجميع"74. ولكن ما لاارمور تجب الإشارة إليه هو أنّه في الوقت الذي يطالب فيه بأخلاق الحد الأدنى، بوصفها بديلً ممكنًا من الحداثة الأخلاقية والسياسية والليبرالية تحديدًا،
فإنّه لاا يوضح هذه الفكرة كفاية، وبخاصة أنّنا نقرؤها عند تيارات ما بعد الحداثة، وبعض فلاسفة التيار الجمعاتي75. • في الوقت الذي يدافع فيه لاارمور عن ضرورة تأسيس الأخلاق على الضمير، كما أشرنا إلى ذلك، فإنّه لاا يتردد في الدفاع عن العقل، وعن العقل في التاريخ، كما يقول، أو العقل المحايث والخاضع لسياق تراثي معيّن. ويكمن السبب في انتصاره للعقل السياقي، وليس العقل المجرد أو الصوري، في أنّ الأخلاق: "ناجمة عن تجربتنا لااجتماعية "76، وأنّه: "لاا كانط ولاا الذين استلهموه مؤخرًا قد أخذوا بجدّية كافية حقيقة أنّ الأخلاق، مهما كانت عقلانية، فإنّها أيضًا مؤسسة اجتماعية"77، أو قوله: "إنّنا لاا نستطيع التفكير إلّ من داخل فضاء معياري قائم"78. وفي تقديري، فإنّ ما يجب ملاحظته على هذه الأفكار، وأقصد بذلك العقل السياقي، وارتباط الأخلاق بالمؤسسة لااجتماعية وبنظام معياري، هو أن لّاارمور لاا يحلل العلاقات المختلفة بين الضمير والعقل السياقي والمجتمع، ونصوصه لاا تطرح هذه المسألة على أهميتها. هذا من جهة أولى، أما من جهة ثانية، فإنّ نقده للكانطيين الذين لم يأخذوا بالجانب لااجتماعي لأخلاق، أمثال هابرماس، وهو المقصود بهذا النقد، فإنّ ما هو جدير بالملاحظة هو أنّ أخلاق المناقشة والتواصل عند هابرماس تشترط السياق، وتجري، كما نعلم، ضمن مجال المجتمع المدني، ما يؤكد طابعها لااجتماعي. وأما من جهة ثالثة، فإنّ قوله إنّنا لاا نستطيع التفكير خارج نظام معياري قائم، يجعله واحدًا من الجمعاتيين، رغم ما يبذله من جهد للاختلاف عنهم. ومن جهة رابعة أخيرة، فإن لّاارمور لاا يقدّم لنا ما يعزز فكرته عن الجانب لااجتماعي من الأخلاق، إلّ إذا أخذنا في لااعتبار فكرته عن الحس العام التي قال بها مور قبله، كما نعلم، ولاا تعكس الجانب لااجتماعي إلّ في بعض مظاهره، ثم كيف يمكن أن تكون الأخلاق مؤسسة اجتماعية، وهو الذي يدافع عن المفهوم الأنطولوجي لأنا أو الذات الأخلاقية؟
References
المراجع
العربية
باومان، زيغمونت. الأخلاق في عصر الحداثة السائلة. ترجمة سعد البازعي وبثينة الإبراهيم. أبوظبي: مشروع كلمة للترجمة،.2016
________. الشر السائل: العيش مع اللابديل. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر،.2018
بغورة، الزواوي. الاعتراف، من أجل مفهوم جديد للعدل. بيروت: دار الطليعة،.2012
________. مدخل إلى فلسفة ميشيل فوكو. بيروت: دار الطليعة،.2013
________. الشمولية والحرية: دراسات في الفلسفة السياسية والاجتماعية المعاصرة. بيروت: دار سؤال؛ الكويت: دار صوفيا،.2018
________. الخطاب: بحث في بنيته وعلاقاته ومنزلته في فلسفة ميشيل فوكو. بيروت: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ دار الوافد ناشرون،.2022
تايلور، تشارلز. أخلاقيات الأصالة. ترجمة أحمد عويز. بغداد: المركز الأكاديمي لأبحاث،.2021
الحاج، كمال يوسف. رينه ديكارت، أبو الفلسفة الحديثة. بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة،.1955 رولز، جون. محاضرات في فلسفة الأخلاق. ترجمة ربيع وهبة. باربرا هرمان (محرر). الدوحة / بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات،.2019
فوكو، ميشيل. استعمال اللذات. ترجمة جورج أبي صالح. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1991
________. الانهمام بالذات. ترجمة جورج أبي صالح. بيروت: مركز الإنماء العربي،.1992
________. تأويل الذات. ترجمة الزواوي بغورة. ط 2. الكويت: دار صوفيا.2020
لاارمور، تشارلز. أخلاق الحداثة. ترجمة مايكل مدحت يوسف. القاهرة: المركز القومي،.2022
________. الحداثة والأخلاق. ترجمة الزواوي بغورة. الكويت: دار صوفيا،.2022
ماكنتاير، السدير. بعد الفضيلة: بحث في النظرية الأخلاقية. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2013
نيجل، توماس. ماذا يعني هذا كله؟ مقدمة قصيرة جدًا إلى الفلسفة. ترجمة حسين العبري. بيروت: دار سؤال،.2018
هابرماس، يورغن. القول الفلسفي للحداثة. ترجمة فاطمة الجيوشي. دمشق: منشورات وزارة الثقافة، ________. الخطاب الفلسفي للحداثة. ترجمة حسن صقر. اللاذقية: دار الحوار،.2019
الأجنبية
Anscombe, Elisabeth. "La philosophie morale modern (1958)." Geneviève Ginvert &
Patrick Ducray (trad.). Klesis: revue philosophique. vol. 9 (2008). at: https://bit.ly/44nRkrs
Bauman, Zygmunt. La vie en miettes: Expérience postmoderne et moralité. Christophe
Rosson (trad.). Paris: Hachette, 2003.
Foot, Philippa. Le Bien naturel. John Jackson & Jean Marc Tétaz (trad.). Genève: Labor
& Fides, 2014.
Habermas, Jürgen. Le discours philosophique de la modernité. Christian Bouchindhomme
& Rainer Rochlitzt (trad.). Paris: Gallimard, 1985.
________. De l’éthique de la discussion. Mark Hunyadi (trad.). Paris: Cerf, 1992.
Larmore, Charles. Patterns of Moral Complexity. Cambridge: Cambridge University
Press, 1987.
________. Modernité et morale. Paris: PUF, 1993.
________. The Moral of Modernity. Cambridge: Cambridge University Press, 1996.
________. "L’autonomie de la morale." Philosophiques. vol. 24, no. 2 (1997).
________. "Le normatif et l’évaluatif." Philosophiques. vol. 31, no. 2 (2004). at:
https://bit.ly/3Pbgp4w
________. The Practices of The Self. Chicago: The University of Chicago Press, 2004.
________. The Autonomy of Morality. Cambridge: Cambridge University Press, 2008.
________. Dernière nouvelles du moi. Paris, PUF, 2009.
________. "Réflexions sur l’idée de devoirs moraux envers soi–même." Raison
publique. vol. 2, no. 22, (2017).
________. "Le concept de bien." Les ateliers de l’éthique. vol. 14, no. 1 (2019).
________. Morality and Metaphysics. Cambridge: Cambridge University Press, 2021.
________. De raisonnables désaccords. Paris: Les dialogues des petits platons, 2022.
Larmore, Charles & Alain Renaut. Débat sur l’éthique. Paris: Grasset, 2004.
Lipovetsky, Gille. Le crépuscule du devoir, L’éthique indolore des nouveaux temps
démocratique. Paris: Gallimard, 1992.
Ogien, Ruwen. Le réalisme moral. Paris: PUF, 1999.
Schneewind, Jerome. L’invention de l’autonomie: Une histoire de la philosophie
morale moderne. Jean–Pierre Clero, Pierre–Emmanuel Dauzat & Evelyne Maziani–
Laval (trad.). Paris: Gallimard, 2001.
Taylor, Charles. Multiculturalisme, difference et démocratie. Paris: Flammarion, 1994.
Voeltzel, Nicolas. Repenser l’authenticité: Essai sur Charles Taylor et Charles Larmore.
Paris: Classiques Garnier, 2021.
Walzer, Michael. Morale maximale, morale minimale. Camille Fort (trad.). Paris:
Bayard, 2004.