Return to Article Details Book review: From Ethical Diversity to Ethics of Diversity, by Abdelkader Mellouk

مراجعة كتاب: من تعددية الأخلاق إلى أخلاق التعددية لـعبد القادر ملوك

Book review From Ethical Diversity to Ethics of Diversity by Abdelkader Mellouk

عبد الكريم عنيات

Abdel-Karim Enayat

الملخّص

عنوان الكتاب: من تعددية الأخلاق إلى أخلاق التعددية . المؤلف: عبد القادر ملوك. الناشر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سنة النشر: 2018. عدد الصفحات: 159.

Abstract

Professor of Philosophy at University Mohamed Lamine Debaghine, Setif 2, Algeria, his most important books include Nietzsche and the Greeks (2010), and Introductions to Arab Modernity (2022). anayatkarim@live.fr

الكلمات المفتاحية:
  • تعددية الأخلاق
  • أخلاق التعددية
Keywords:
  • Ethical Diversity
  • Ethics of Diversity

عنوان الكتاب: من تعددية الأخلاق إلى أخلاق التعددية. المؤلف: عبد القادر ملوك. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:

الدوحة/ بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات.

يفرض علينا التمييز بين الأخلاقيات وعلم الأخلاق تعميقَ الوعي بالفرق بين الأمريات الأخلاقية الموجِهة للسلوك والنظريات الأخلاقية بوصفها أنساقًا نظرية تبحث عن الأسس الأكثر معقولية للفعل الخلقي. وسواء تعلق الأمر بالأخلاق أو بعلم الأخلاق، فإن المشهدين الأنثروبولوجي والإتيقي مشتركان في خاصة التعدد؛ إذ ليس هناك عادات أخلاقية موحدة حتى في الثقافة الواحدة، ف لاانسجام نسبي إلى حدود بعيدة، كما أنه ليس هناك نظريات أخلاقية قائمة على نفس الأسس والنتائج. لذا، فإن التفكير في تقديم أخلاقيات موح دة وموحِّدة، باعتبارها أمريات أو نظريات، هو تفكير ينتمي إلى الفلسفة الميتافيزيقية، مع العلم أننا جميعًا، إلى حد بعيد، نعيش عصر ما بعد الميتافيزيقا métaphysique – Post وفق الصياغة المشهورة ليورغن هبرماس Habermas Jürgen. وتدل هذه الصياغة على أن الفكر الناضج اليوم، قد تجاوز عقدة وعقيدة "وحدة الحقيقة وحقيقة الوحدة" لمصلحة تشذر الأنساق وبداهة التعدد ولااحتفال ب لااختلاف. من هنا تأتي أهمية التفكير في أخلاق التعدد، وتعدد  الأخلاق، وسنلمِح في نهاية هذه المراجعة إلى حدود استقامة عنوان الكتاب من تعددية الأخلاق إلى أخلاق التعددية الذي نحن بصدد عرضه وقراءة فرضياته، ومضامينه، ونتائجه. الكتاب في أساسه دراسة مقارنة بين ثلاثة أنساق إتيقية لها مكانتها النظرية في مجمل النظريات الأخلاقية المعاصرة. لذا فُص لت بنية الدراسة لكي توافق النظريات موضوع المقارنة، هكذا وجدنا ثلاثة فصول تعرض الأسس النظرية للنسق عند هيلاري بتنام Putnam Hilary)2016–1926(ويورغن هبرماس وطه عبد الرحمن مع مقدمة تعرض المرجعية الفكرية للكتاب، في مسألة ما يجب أن تكون عليه الأخلاقيات الإنسانية، وخاتمة تحصل النتائج التي لم تنفصل عن الفرضيات الأساسية التي سيّرت البحث، والتي وجّهت قلم الكاتب بوعي، أو من دون وعي منه. وسنحاول أيضًا في نهاية هذه المراجعة الكشف عن حدود مشروعية المقارنة بين هذه الأنساق الثلاثة التي تختلف إما في الفرضيات والمسلمات، وإما في الأهداف، وإما في الأدوات التحليلية. الفرضية الأساسية التي ننطلق منها، مجسدة في مقدمة الدراسة، وهي أن الأخلاق الإنسانية اليوم مأزومة بما  لا يدع أي شك. وتتمظهر هذه الأزمة في التلازم العكسي بين التقدم العقلي والتراجع الأخلاقي (ص. 7). وهي فكرة كانت معروفة منذ (1712–1788) في كتابه بحث علمي في العلوم والفنون (1750). ففي اعتقاده أن الذكاء يؤثر سلبيًا في الأخلاق، وهي نتيجة لعقيدة أسبق تقول إن الإنسان الطبيعي أكثر خيرية من الإنسان الحضري، وكلما ابتعد الإنسان عن الأصول، غرق في "رذائل المعرفة". ومن المؤكد أن هذه الفكرة تمتُّ بصلة للنظرية الإغريقية القديمة التي تبنّاها هزيود Hésiode 650–750(ق.م) وأفلاطون Platon (347–427 ق.م) خاصة، والتي تقول إنه كلما ابتعد الإنسان عن العصور الأصلية والذهبية، سار في طريق الهاوية الأخلاقية بلا رجعة. يعتقد المؤلف أن كل انتكاسات البشرية الأخلاقية الراهنة مرتبطة بتتبع العقل الأداتي (ص 9–8)، ومن المعلوم أن فلاسفة مدرسة فرانكفورت قد اشتغلوا بدقة وعمق على هذه الموضوعات. ونحن نقول إن تشخيص وجود أزمة أخلاقية أو عدمها، يتطلب منا تحديد معايير دقيقة، وحسابية مصحوبة بإحصاءات تاريخية، ومقارنات جغرافية. وهذا يتطلب تكتلً

تخصصيًا ومشاريع بحثية مستدامة، وعابرة للتخصصات. ومع أن كبار السوسيولوجيين الحاليين، أمثال إدغار موران Moran Edgar في جزئه الأخير من المنهج المنشور في عام 2000 أو حتى في كتابه لنغير الطريق: دروس فيروس كورونا (2020)، يثبت وجود أزمة أخلاقية، فإننا نميل إلى اعتبار موقفه حنينًا إلى الأزمنة البيضاء البعيدة والسعيدة. نحن في الحقيقة نزكي موقف جيل ليبوفتسكي Lipovetsky Gilles، في كتابه النظري والميداني الذي حمل عنوان أفول الواجب (1992)، الذي يثبت وجود "تحول أخلاقي" بدالً من الأزمة الأخلاقية. وعلى الرغم من أن موران يستعمل لفظة "الميتامورفوز" (التحول) بدالً من لفظة القطيعة، فإنه لم يتحرر من الإيمان بتأزمية الأخلاق الحالية. يعتقد الباحث أن حالة الأزمة الأخلاقية اليوم قد فرضت على الفلاسفة وعلماء الأخلاق أن يفكروا في طريقة للسير إلى وضعية الوحدة ولاانسجام (ص. 8). وهنا تظهر المرجعية الفكرية الخفية التي وجّهت قلم الكاتب، إذ إن لااختلاف والتعدد ينتهيان حتمًا إلى حالة أزمة وفوضى، والحل الضروري للشفاء والنظام الأخلاقيين، هو الحوار ولااتحاد. ونحن نؤكد أن " لااتحاد الوحيد الممكن"، بالرغم من شناعة العبارة، هو التعدد ولااختلاف والتكوثر والصراع. لم تكن الإنسانية في العصور الغابرة متحدة ولاا منسجمة ولاا متناغمة، سواء على الصعيد الديني أو الأخلاقي أو السياسي أو الثقافي، لكي نعمل على استرجاع هذه الوضعية الأفلاطونية. هنا ندرك جيدًا أثر المرجعيات الفكرية غير الممحَصة كما يجب فيما يخص ماضي البشرية، في تصور الوضعيات المستقبلية الممكنة. ينهي الباحث مقدمته بجملة من لااستشك لاات التي سيكون   عليها مدار الكتاب، متمحورة حول إمكانية توظيف النظريات الأخلاقية الثلاث من أجل تشكيل رؤية أخلاقية مشتركة (ص 12–11). إن إرادة لاانتقال من التعدد إلى الوحدة تستبطن عقيدة غير موثوقة مفادها أن الوضعية ما قبل الحداثية كانت موحدة ومنسجمة، في حين أن العقل الحداثي الذي تأسس على الذاتية، قد شذر كل شيء ونمذج التعدد بدالً من الوحدة (ص. 57). لذا ستكون أبعاد الفرضية المبطنة نوعًا من لااستشراف لمرحلة ما  بعد حداثية تستعيد الوضعية ما قبل الحداثية، وهذا لعمري خلط لأزمان وتعثر ما بعده تعثر. خُصص الفصل الأول الموسوم ب  "هيلاري بوتنام: نحو تأسيس موضوعية خاصة بالقيم الأخلاقية" لدراسة نظرية الفيلسوف الأميركي بوتنام وتحليلها، الذي لم يستطع أن يفصل نظريته الأخلاقية عن موقفه التحليلي المنطقي الذي تعود أصوله إلى ديفيد هيوم Hume David (1711–1776)، وإيمانويل كانط Immanuel Kant (1724–1804)، ولودفيغ فتغنشتاين Wittgenstein Ludwig (1951–1889)، وويلارد (2000–1908)، وقد اعتمد في نقوله على مصادر الفيلسوف المترجمة وغير المترجمة، من أجل تبسيط نظريته حول الموضوعية الأخلاقية. وقد كان عرضًا واضحًا ودقيقًا يعكس التحكم الفائق في المعنى والمبنى. ومعلوم أن بوتنام مهموم بالمشكلة المتعلقة بالموضوعية والصدق بين العلوم النظرية الخالصة مثل المنطق والرياضيات، وبين العلوم الإنسانية مثل التاريخ والأخلاق، وهذا ما  تجسد في كتابه العقل والصدق والتاريخ (1981). معلوم أيضًا أن مشكلة الموضوعية والمنهج التي كانت مطروحة بين علوم المادة الجامدة، وعلوم المادة الحية، قد انسحبت إلى

علوم الإنسان؛ ما يجعلنا نطرح سؤال بوتنام: هل يمكن أن نؤسس أخلاقًا موضوعية مثلما جرى تأسيس فيزياء وبيولوجيا موضوعيتَين؟ ليقرر أن مفهوم الموضوعية في علوم الإنسان، بما في ذلك علوم الأخلاق، أقل تحديدًا وصرامة مما هي عليه في العلوم المضبوطة. هذا ما جعله يقترح عبارة "الموضوعية المرنة" للدلاالة على توسيع هامش التسامح ولااختلاف في العقل الأخلاقي وهو الهامش الذي كان ضيّقًا أو معدومًا فيما سبقه من علوم. وتتموقع "الموضوعية المرنة" بين تصورين حديَين كلاهما متطرف: الواقعية الميتافيزيقية التي تقر بوجود موضوعي ومستقل لأشياء، والنسبوية التي تُرجع كل شيء إلى الذات العاقلة التي تضفي المعاني على الوجود. لذا فالموضوعية الأخلاقية ليست بمحايثة ولاا بمتعالية (ص –19 21). ومن أجل أن يبرر بوتنام صدقية مقولة "الموضوعية المرنة"، نجده يقفز على فرضيات الفلسفة الوضعية التي تخرج فيها وخرج عنها، ومن المعلوم أن الفلسفة التحليلية منذ هيوم، قد فصلت بين الواقعة باعتبارها مستقلة وموضوعية، والقيمة باعتبارها تابعة وذاتية. لذا، حشد جملة من الحجج لإسقاط هذه الفكرة التي أصبحت بمنزلة قاعدة عقلية عند الكثيرين، وقد تكفّل أيضًا طه عبد الرحمن بإبطال "قانون هيوم" كما سماه. ومجمل حججه هي أنه حتى العلوم المضبوطة باعتبارها موضوعية بالكامل لها قيمها أيضًا، أي إنها مشوبة بذاتية إلى حد معيّن. كما أن الفلسفة البراغماتية قد أسقطت عقيدة المطابقة في الحقيقة وعوّضت عنها بمبدأ تعدد المنظورات. والحجة الأخيرة التي سماها ب "حجة المفاهيم الأخلاقية السميكة" تقول إن "هناك مفاهيم هجينة يتوالج فيها   ما هو   وصفي بما هو معياري، وبالتالي تمثل منطقة رمادية بين الوقائع الخالصة والقيم الخالصة. مما يعني إمكانية إعادة الموضوعية إلى مبحث الأخلاق" (ص. 23). ويواصل بوتنام إمداداته من البراغماتية، بغرض تقليل جرعة الموضوعية من العلوم الدقيقة، عندما  تبنّى نظرية التحسينية أو التطورية Méliorisme التي مفادها أن المنظور إلى العالم، سواء من العلماء أو غيرهم، لم ولن يثبت على حال، فليس هناك منظور علمي صلب وثابت على حاله، هناك فقط منظورية سائلة (ص. 34). كل هذا يثبت أن موضوعية العلوم المضبوطة أقل مما نعتقد، وقد شكلت الثورة الكوبرنيكية لكانط حدًّا فاصلً لكل زعم ميتافيزيقي وواقعي. ويثبت من ناحية أخرى أن العلوم الأخلاقية ليست مجرد تلاطم ذاتوي بلا قرار، أو أساس، فالوجود المستقل للعالم يؤثر في قيمنا، مما يجعلها أقل ذاتية مما نعتقد (ص. 30) ونحن نعتقد أن لااختلاف في القيم الثقافية لاا ينفصل عن التنوع الوجودي والمادي؛ ما يدل على أن هناك أساسًا موضوعيًّا للذاتية. هنا، يصح قولنا إن الموضوعية أقل موضوعية مما  نعتقد وإن الذاتية أقل ذاتية مما  نعتقد. لاا ندري إن كانت هذه النتيجة قد دارت في خلد بوتنام لكن مفهوم "الموضوعية المرنة" لاا يخرج عن هذه "الدائرة المفهومية". جاء عنوان الفصل الثاني "أخلاقيات المناقشة بوصفها رؤية لتأسيس معايير أخلاقية كونية " ليحلل موقف هبرماس من المشكلة الخلقية في سياق نظريته الكلية عن العقل التواصلي. ليست الأخلاق غريبة عن التواصل، كما أن التواصل أخلاق في النهاية. هذا التكافؤ بين الطرفين، أي كون الأخلاق تواصلً والتواصل أخلاقًا، هو ما كشف عنه هبرماس عندما قال: "الإتيقا تواصلية

في نواتها". ولما  كان مفهوم التواصل جمعي الطابع،   حيث كلما اجتمع فردان، مهما  كان نوعهما، حدث تواصلٌ طبيعي تلقائي حتى قبل اللغة، فإن تتبع سلسلة التواصلات البينية يؤدي إلى التفكير في التواصل الكلي أو العالمي أو حتى الكوني. وهذا يؤدي إلى التنظير لأخلاق كونية التواصل. لذا قرر المؤلف أن هدف هبرماس هو: "جعل أخلاق الحوار أنموذجًا لعقلانية عملية تطمح إلى أن يشترك في وضعها جميع أمم الأرض [...] تحقيق كونية أخلاقية في زمن التعددية عن طريق أخلاقيات المناقشة" (ص 64–63). لكن هل يمكن تحقيق تواصل كوني واعتباره أخلاقًا كونية؟ هل الكونية مطلب قابل للتحقيق؟ يشير هبرماس إلى أن العقلانية البراغماتية الجديدة قد تشككت في ذلك، على أساس أن ليس هناك مفهوم كوني للعقل: "لقد أثار ريتشارد رورتي Rorty Richard (2007–1931) بعض الريبة ضد ادعاء الكونية الذي عليه ينبغي أن تقوم إعادة بناء مفهوم العقل في معنى العقلانية التواصلية، على الرغم من الإعراض عن نزعة التأسيس الأصولية في الفلسفة الترنسندنتالية التقليدية". ومن الواضح أن رفض دعاوى الكونية مرتبط بالمنطلق النسبوي الذي يقر بأن كل حقيقة مرهونة بشروط محددة، أي إن كل حقيقة هي حقيقة بالنسبة إلى وضع ما، مما يجعلها أقل حقيقة مما نعتقد أو نؤمن. هنا يقع العقل بين حدّين متعارضين: الكونية النظرية والنسبوية الواقعية، وبين الشرخين بالضبط اشتغل هبرماس لتجسير ما يمكن تجسيره من أجل التوصيل بين طرفَي المعادلة. فالكونية نظرية لأنها تهمل الوقائع، والنسبوية واقعية أكثر من اللازم لأنها تهمل الممكن. وهنا بالضبط تكمن أصالة المهمة الهبرماسية التي تموقعت بين المثال المجرد والواقع الفجّ (ص. 80). ويلحّ لاا هبرماس على أن الحديث عن الكونية يعني إهمال السياقات المحلية والخصوصيات الثقافية، لذا كونيته المطلوبة ليست مجردة أو مطلقة من أي تفاصيل، كما أنه تمردَ على النسبية التي تناقض نفسها صوريًا، إذ عندما نقول إن كل شيء نسبي، فإننا بالضرورة نلغي هذه النسبية حين حددناها باعتبارها قانونًا للوجود، تمامًا عندما نثبت حقيقةً فنقول: ليس هناك حقيقة على الإطلاق؛ "فالنزعة النسبانية مدمرة لنفسها". إن النزعة الكونية في الأخلاق أو مقتضيات أخلاق التواصل الكوني ليست من الأمور النظرية المجردة، بل يمكن السير تدريجيًا في بلوغها ولو بصورة ناقصة أو جزئية، ففي كل الح لاات يجب علينا الإيمان بإمكانية التواصل الكوني وإمكانية وضع أسس أخلاقية للنقاش تحقق أدنى مستويات الصلاحية والمعقولية والمقبولية. لذا، صحَّت ملاحظة المؤلف عندما قال: "رؤية هبرماس الأخلاقية رؤية كونية لاا تقبل الإطلاق، أي إنها كونية لاا تغيّب السياقات الثقافية ولاا تنصب نفسها خصمًا للتقاليد والأعراف بقدر ما تتوخى وزنها وتمحيصها لرفعها إلى مستوى لااقتناعات المقبولة" (ص. 95). لكن لماذا تمسّك هبرماس بمطلب الكونية على الرغم من تيقنه بالمنطلق الخصوصي لكل أخلاق؟ في تقديرنا، وبعد لااطلاع على عمله المركزي نظرية الفعل التواصلي، فإنه يعتقد أن الوجوبية الأخلاقية تتقوى بالطابع الكوني. فالكوني يلزمنا مثلما أن الوجوبية الأخلاقية تتنمذج بصبغتها الكونية التي تشمل كل الإنسانية. لذا يقول إن الأخلاق ذات

النزعة الكونية [هي] وحدها تستطيع أن تحتفظ بطابعها الوجوبي. هناك تجاذب وتعامل حقيقي بين الواجبية والكونية أو المشترك الأخلاقي بحسب عبارة طه عبد الرحمن. الجزيرة الثالثة التي جعلها المؤلف موضوعًا للمقارنة هي النظرية الأخلاقية لطه عبد الرحمن، وعندما قلنا إنها جزيرة فلكي نعبّر عن كونها مستقلة في أصولها وبنيتها ونتائجها. ونحن نعتقد اعتقاد معرفة أن إتيقا عبد الرحمن جديرة بالمقارنة ببقية النظريات الغربية؛ ليس لمضمونها فحسب، بل نظرًا إلى بنيتها القوية وعناصرها الثرية وأبعادها الممتدة، وامتلاكها قدرات النمو والتطوير النسقي. وقد تكون فلسفة عبد الرحمن أخلاقية في صميمها، ونعتقد ربما أنه المفكر العربي الوحيد الذي نجح في بناء نسق أخلاقي حقيقي على مدار حياته الفكرية الطويلة التي تمتد إلى يومنا هذا. ولئن توقف المؤلف عند كتابه الأخلاقي المنشور عام 2016 بعنوان شرود ما بعد الدهرانية: النقد الائتماني للخروج عن الأخلاق، بسبب نشر الدراسة عام 2018، فإن مسيرة عبد الرحمن في الكتابة الأخلاقية قد تواصلت من خلال مؤلفاته التالية: دين الحياء: من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني، الجزء الأول: أصول النظر الائتماني (2017)، ودين الحياء: من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني، الجزء الثاني: التحديات الأخلاقية لثورة الإعلام والاتصال (2017)، ودين الحياء: من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني، الجزء الثالث: روح الحجاب (2017)، وثغور المرابطة، مقاربة ائتمانية لصراعات الأمة الحالية (2018)، والمعاني الإيمانية، كيف تكون أدوات تحليلية؟ (2019)، والمفاهيم الأخلاقية بين الائتمانية والعلمانية، الجزء الأول: المفاهيم الائتمانية (2021)، والمفاهيم الأخلاقية بين الائتمانية والعلمانية، الجزء الثاني: المفاهيم العلمانية، (2021)، والتأسيس الائتماني لعلم المقاصد).2022(اشتغل عبد الرحمن على كل المشاريع الأخلاقية المطروحة في السياقات الغربية عرضًا ونقدًا، ولم يرض بأي واحد منها، لأنها أنساق علمانية أو لأنها اختلاسية، أي تأخذ من الدين من دون أن تعترف بذلك. ولقد طبّق، والحق يقال، مسطرة (أو سرير) "بروكرست"، حيث قطع أرجل كل نسق تطاول على الأصول الدينية لكل أخلاق ممكنة. وفي تقديره، إن الأخلاق الدينية قوية بما يكفي لمواجهة الأخلاق العلمانية الأكثر انتشارًا في الغرب وتقييمها (ص. 104). والأكثر من ذلك، إن بنية الأخلاق الإسلامية قادرة على أن تمد الإنسانية اليوم بكل ما تحتاج إليه من أجل تجاوز المآزق التي أفرزتها الأخلاق الحداثية. لذا، فإن النسق الإسلامي، بالرغم من خصوصياته التاريخية واللسانية، قادر على تقديم مشترك أخلاقي يشمل كل الإنسانية من دون إقصاء. فليس هناك تعارض حقيقي بين الخصوصي والكوني، على أساس أن الكوني هو خصوصي في الأصل ثم انتقل لكي يولد قيمًا عالمية. وبعد عرض مقبول لكنه ليس بعميق، ينتقل المؤلف بسرعة إلى مساءلة عبد الرحمن قائلً: "يدعو طه إلى مشترك أخلاقي يأتي إفرازًا لتفكير متعدٍّ تنخرط في بلورته أمم الأرض كلها على اختلاف ألسنتها واعتقاداتها، لكن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا المقام: هل يملك عبد  الرحمن لااستعداد للتخلي عن منظوره إذا ما وجد لدى غيره ما يفوق موقفه رجاحة وقوة إقناعية؟" (ص. 124). وتأتي بساطة

السؤال من كون المفكر لاا يسأل عن أسسه، بل فقط عن حدود متانة نسقه، فلا يمكن أن يسلم عبد الرحمن لغيره مهما كان، لأنه يريد أن يمركز أسسه الإسلامية باعتبارها منبعًا أخلاقيًا لاا ينضب. اختتم الكتاب بنتيجة معنونة ب "على سبيل الختم: من تعددية الأخلاق إلى أخلاق التعددية". فيها استخلص مواطن التقارب ولااختلاف بين الأنساق الأخلاقية الثلاثة. أول ملاحظة قدّمها تتمثل في لااختلاف في مرتبة لااستدلاال ولااعتقاد، ففي   حين أن عبد الرحمن قد سبق لااعتقاد وأخَّر لااستدلاال، قام هبرماس بحركة معاكسة عندما  جعل لااستدلاال ابتداءً. وثاني ملاحظة هي أن فكرة بوتنام عن الموضوعية المرنة تمثل حلقة وسطى رابطة بين مشروعَي عبد الرحمن وهبرماس، عندما قال إن "القيم الرائجة في سياق ثقافي معين بإمكانها أن تتسم بالموضوعية وترقى إلى الكونية، حتى لو تعلق الأمر بموضوعية وكونية مرنتين" (ص  135 المرونة). فخاصية لااحتضان القيمية هي التي تسمح بالنمو والتوسع كل جماعة أخلاقية ممكنة، وتتحول الأخلاق إلى مسند مرن وواسع يقبل كل المضامين الممكنة في أي زمان وأي مكان. إن الفكرة الكونية هي فكرة محلية مخصوصة امتلكت المرونة والنمو الكافيَين للترقية إلى مرتبة عالمية. واختتم الباحث دراسته بجملة تنسجم تمامًا مع منطلقاته البحثية التي أشرنا إلى طبيعتها في البداية، إذ يعتقد أن الوضعية الحضارية الراهنة أزمةٌ تتطلب حًّلًّ يتلخص في لاانتقال من التعدد إلى الوحدة قائلً: "آن الأوان لأن يدرك الجميع أن الواقع المعاصر أصبح يقتضي، وأكثر من أي وقت مضى، تجاوز التعايش المتوتر، أو التآلف التلفيقي، وتبني التكامل الخلاق الكفيل بجعل البشر ينتقلون من مرحلة التنافسية الضيقة بين الدول أو بين الأعراق أو بين الديانات لااحتكار الهيمنة، إلى مرحلة التضامن والتعاون لبلورة تاريخ مشترك لجميع ساكنة العالم تتحول بموجبه التعددية الأخلاقية إلى أخلاق مشتركة تستوعب التعددية الملحوظة في واقعنا المعاصر، تنفتح فيها الذات على الآخر وتزيد في تحقيق إنسانية الإنسان" (ص. 136) في تقديرنا أن الفرضية الخفية التي وجهت الدراسة هي اعتبار الوضعية الراهنة للإنسانية وضعية منحرفة وغير سوية، وهي فرضية سيّرت أفكار كبار الفلاسفة الأموات والأحياء، في حين أننا نعتقد وجود تحولاات أخلاقية بدالً من الإلحاح على الأزمة الأخلاقية. وتصور مجتمع موحد منسجم متناغم متعاون... إلخ، لاا يعدو أن يكون مظهرًا من مظاهر المثالية القاصرة. لم يكن العالم يومًا بهذه الصفات ولن يكون أبدًا، العالم صراع على كل المستويات، حتى الأديان دخلت هذه الحلبة بكل قوة وحيوية. لذا، فإننا نعتقد أن التفكير الأخلاقي في اقتصاد الصراعات أكثر معقولية من التفكير الأخلاقي في إنهاء التنافسية. ولمّا كنا قد أشرنا في البداية إلى حدود استقامة عنوان الكتاب من تعددية الأخلاق إلى أخلاق التعددية، فإننا نشير إلى أن ليس هناك فرق حقيقي بين الطرفين؛ فتعدد الأخلاق هو نفسه أخلاق التعدد. فاستبدال مكان المحمول والموضوع لم يفرز أيّ ثراء مفهومي، على اعتبار أن "أخلاق التعدد" هي الصيغة القيمية لواقع "تعدد الأخلاق". تبقى مسألة مشروعية المقارنة بين هذه النماذج الثلاثة قابلة للنظر من الأساس، بسبب لااختلاف بين   مشروع عبد الرحمن الديني – الصوفي ومشروع بوتنام المتأثر بالفلسفة البراغماتية والمشروع الهبرماسي الذي يستمد أسسه من

الفلسفات العلمانية والنقدية الغربية. ونحن نعلم أن لااختلاف الكلي يجهض أي مشروع مقارنة، فالنسق الأخلاقي الخاص بعبد الرحمن يرفض أي أخلاقية خارجة عن الدين الإسلامي، مما يجعل أي مقابلة بينه وبين غيره مجرد تمارين نظرية لاا تولد أي معنى عملي أو أثر واقعي. أما مسألة القدرة على تشكيل أو صياغة "الأخلاقيات ذات

المراجع

ملوك، عبد  القادر. من تعددية الأخلاق إلى أخلاق التعددية. الدوحة / بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات،.2018

هبرماس، يورغن. نظرية الفعل التواصلي، مج 1: عقلانية الفعل والعقلنة الاجتماعية. ترجمة فتحي المسكيني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات،.2020

________. نظرية الفعل التواصلي، مج 2: في نقد العقل الوظيفي. ترجمة فتحي المسكيني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات،.2020

النزعة الكونية"، وفق تعبير هبرماس، فهي ممكنة في مستوى معين، ومتعذرة في مستويات أخرى. ونقصد بذلك أن الأخلاق الكونية ممكنة، بل هي موجودة، في مستوى السياسات العالمية ولااقتصاديات الدولية والمنظمات الثقافية العالمية، وفي المستويات المحلية، تبقى الأخلاق الخصوصية هي الفاعل الوحيد.

References