العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تمثلات الأنموذج الأخلاقي في خطاب الفكر العربي المعاصر: قلق في سوابق الحداثة

تمثلات الأنموذج الأخلاقي في خطاب الفكر العربي المعاصر: قلق في سوابق الحداثة

Representations of Moral Paradigms in Contemporary Arab Thought: Anxiety over the Precursors to Modernity

نورة بوحناش

Bouhennache Nora

الملخّص

يفتقر الفكر الأخلاقي العربي المعاصر إلى الاستقلالية والأفق المنتج. ويتقمص الأنموذج الغربي شكلًا ومضمونًا؛ مسلمًا به تسليمًا قبليًا عبر مقولة مُمَأْسَسَة. يقول لسان حالها إن الفكر العربي يفتقد الإجابة عن سؤاله الأخلاقي منذ قديم ولّى، إلى راهنٍ يصمت فيه قبالة أسئلة الإنسان والقيمة، خاصة في العصر العلمي التقني، حيث تتعقد الأزمة الأخلاقية وتضيق المعايير إلى حد التلاشي، ويصير هذا الفكر إلى الانسداد والتمركز في هوية متخيلة من جانبين: جانب تراثي، يكرر الماضي متشبثًا به. وجانب حداثي يقدم البديل الغربي بثقله التاريخي الموزون بمعايير العقلانية والإنسانية. في هذا السياق تغدو الهوية الأخلاقية هوية موهومة ومتخيلة. فكان من ثم التفكير في فراغ لا تملؤه سوى الفكرة الأخلاقية الغربية. ويبدو أن حال هذا الفكر سيزداد تأزمًا وتعقيدًا إذا اعتبرنا المضمون الأنطولوجي للسياق الكرونولوجي بين التاريخ الحضاري العربي والآخر الغربي؛ إذ لا انطباق في المضمون بينهما انطلاقًا من اختلاف سياقاتهما الحضارية؛ ما أحدث قلقًا معرفيًا ووجوديًا في إطار التحقيب الغربي لتاريخ الذات. ونعني به ما قبل الحداثة والحداثة وما بعد الحداثة. ذلك أن مضامين هذه المراحل الحضارية الغربية، تتمايز تاريخًا ومضمونًا، عن سياقها الزمني الحضاري العربي الإسلامي.

Abstract

Abstract: This paper argues that contemporary Arab thought on morality lacks independence and a productive horizon, adopting the Western model in form and content, accepting it unquestioningly as a foundational premise. This implies that Arab thought has lacked an answer to ethical questions since ancient times, and remains silent today in the face of questions over humanity and values, even as the era of science and technology makes ethical crises ever more complex and standards narrow to the point of vanishing. Arab thought has thus hit an

الكلمات المفتاحية:
  • الفكر الأخلاقي العربي المعاصر
  • الأنموذج
  • الحداثة
  • قبل الحداثة
  • بعد الحداثة
  • القلق
  • الهوية الأخلاقية
  • المثل الأعلى الأخلاقي
Keywords:
  • Contemporary Arab Moral Thought
  • Moral Paradigms
  • Modernity
  • Moral Anxiety
  • Moral Identity
  • Moral Ideals

نورة بوحناش * | Nora Bouhenache

الأنموذج الغربي شكلًا ومضمونًا؛ مسلمًا به تسليمًا قبليًا عبر مقولة مُمَأْسسَة. يقول لسان

حالها إن الفكر العربي يفتقد الإجابة عن سؤاله الأخلاقي منذ قديم ولّى، إلى راهنٍ يصمت

فيه قبالة أسئلة الإنسان والقيمة، خاصة في العصر العلمي التقني، حيث تتعقد الأزمة الأخلاقية

وتضيق المعايير إلى حد التلاشي، ويصير هذا الفكر إلى الانسداد والتمركز في هوية متخيلة

من جانبين: جانب تراثي، يكرر الماضي متشبثًا به. وجانب حداثي يقدم البديل الغربي بثقله

التاريخي الموزون بمعايير العقلانية والإنسانية. في هذا السياق تغدو الهوية الأخلاقية هوية

موهومة ومتخيلة. فكان من ثم التفكير في فراغ لا تملؤه سوى الفكرة الأخلاقية الغربية. ويبدو أن

حال هذا الفكر سيزداد تأزمًا وتعقيدًا إذا اعتبرنا المضمون الأنطولوجي للسياق الكرونولوجي بين

التاريخ الحضاري العربي والآخر الغربي؛ إذ لا انطباق في المضمون بينهما انطلاقًا من اختلاف

سياقاتهما الحضارية؛ ما أحدث قلقًا معرفيًا ووجوديًا في إطار التحقيب الغربي لتاريخ الذات.

ونعني به ما قبل الحداثة والحداثة وما بعد الحداثة. ذلك أن مضامين هذه المراحل الحضارية

الغربية، تتمايز تاريخًا ومضمونًا، من سياقها الزمني الحضاري العربي الإسلامي.

Professor of Ethics and the Philosophy of Value at Constantine 2 University. Algeria. ethics02@yahoo.com

طبيعتها، ولكنه قد يغير معناها، في حالة الحداثة، ما قبل الحداثة وما بعد الحداثة، يؤدي إلى تغير نسقي بالنسبة إلى الوضع التاريخي والظرف الوجودي، بنقصان أو زيادة في ميزاتها.

impasse, focusing on an imagined identity with two sides: a traditionalist aspect, repeating and clinging to the past, and a modernist face that presents the Western alternative with its historical weight, balanced by standards of rationality and humanity. In this context, ethical identity becomes illusory and imagination and thought take place only in a void filled exclusively by Western ideas of ethics. This becomes more troubling and complex if we consider the ontological content of Arab civilizational history and the Western "other", as there is no substantive congruence between them, given their respective civilizational contexts. This has caused cognitive and existential anxiety within the Western periodization of self–history: pre–modernity, modernity and post–modernity; these Western civilizational stages differ historically and substantively from their Arab–Islamic civilizational temporal contexts.

مقدمة: المُفكر فيه في الفكر الأخلاقي العربي المعاصر

يشكل إثمار الفكر العربي المعاصر أحد الأسئلة الأكثر إثارة وصدقية، ففي فحص التوتر القائم بين الفكر والواقع بوصفه معادلة تفسر نظام القيم، نشوءًا واندثارًا، ترتسم خلاصة تُثبت

بلا مواربة تمزق هذه المعادلة في الجغرافيا العربية، لينكشف فراغ، يُبرهن على فقدان الفكر العربي المعاصر الرهانات الأخلاقية، ويجلي خواء نمطيًا، وعجزًا عن الإجابة عن سؤال الأخلاق في هذه

الجغرافيا، حديثًا ومعاصرًا ثم راهنًا. والحق أن المُفَكَّر فيه في الفكر العربي المعاصر، هو استباق للتماثل مع الآخر، تطابقًا معه وذوبانًا فيه،

سواء من جهة الكينونة؛ حيث يشكل مفهوم الإنسان الكوني، وفقًا للأنثروبولوجيا الغربية ومساراتها ذات الخصوصية الوجودية والمعرفية المتميزة، صياغة شاملة ومعممة، أو من جهة تثبيت فكرة التقدم

(((إذا كانت نظرية المعرفة تهتم بالفكر الإنساني باعتباره جملة العمليات التي يؤديها العقل من شك وفهم وإنشاء. فهل يمكن نسبة الفكر إلى قومية أو ديانة؟ هل يشترك الفكر البشري في نسق واحد، خاصة أن نظرية المعرفة تستند إلى مرجعيات ذات رباط بفضاء ثقافي مخصوص (ديفيد هيوم David Hume، وإيمانويل كانط Immanuel Kant)، أو أن الفكر يتعدد بتعدد الثقافات والإثنيات؟

ما مدى وجود فكر واحد خاص بإثنية واحدة؟ وهل الفكر شديد الصلة بالثقافة والحضارة؟ وإذًا، ما مشروعية الحديث عن فكر إنساني كوني وفق المنظور المركزي للمركزية الغربية؟ الأمر الذي يجعل من سؤال وجود الفكر العربي الحديث والمعاصر رهانًا معقدًا وذا خصوصية. فعلى أعتاب نهاية السرديات الحداثية ونقد الحداثة، يكون الفكر العربي نسخة باهتة لسردية انتهت، بنهاية

سرديتها الأصلية، فما بالك بالفكر الأخلاقي العربي الذي لم يؤسس ذاته إلا بالتبعية للتصور المنوط بالسردية الغربية وفروضها الموصولة بمركزية المركزية الغربية، وكرونولوجيا تقسم الزمن وفق الثابت الغربي، وتاريخه الموصول ببراغماتية العصر الحديث! إن المتداول بعيدًا عن نقاش الكينونة الموصولة بالفكر العربي المعاصر، يكون مدلول هذا الفكر واقعًا في دوائر، فهو الفكر بصفته

مشتركًا بشريًا، بمعنى التعقيل والنظر وإنتاج المعرفة، أما وفقًا لجدل الفكر والواقع فإنه معرفة متداولة ترتبط بالجغرافيا العربية. وإذا

كان الفكر الإنساني كناية عن عمليات يؤيدها العقل نظرًا في موضوع ما، فالفكر العربي المعاصر هو الذي يحيط بقضايا خاصة

بثقافة ذات خصوصية؛ هي الثقافة العربية. وصفة "العربية" هنا تدل على قومية وعلى لغة هذه القومية. فالفكر العربي هنا يؤدي

مضمون المسائل المُفَكَّر فيها، الخاصة بهذه القومية واللغة العربيتين – مع وجود تشابكات ثقافية تتعلق بهذه القومية – ليعبر عن

مجمل المسائل التي أفرزها الواقع العربي. وإذًا يعبر الفكر العربي المعاصر، عن مجمل القضايا الفكرية المفكر فيها التي لها صلة بالواقع والثقافة العربيين، وهي في وضع جدلي مع التاريخ المعاصر، الموسوم بهيمنة المركزية الغربية وبصدمة الحداثة. ولا  يمكن اعتبار وجود وحدة التحليل والتفسير لهذه القضايا، فهناك تعدد الرؤى التي جعلت هذه القضايا تتعدد وتختلف بين المشاريع الفكرية.

بحسب واقع الحداثة؛ ذلك أن الحداثة تعد مقصدًا نهائيًا، يسري في فلكها الواقع في مضاربه العربية

وينطبع بطابعها المتغير وفقًا لزمنها المتسارع. هكذا يكون إثمار الفكر العربي سؤ لًا محيرًا، فلماذا لم تتشكل مدارس للفكرة في الثقافة العربية منذ ما  يصطلح عليه بالنهضة العربية، إلى راهن يعرب عن فراغ فكري عربي مثير للخوف والتوجس؟ فلا  يعثر الناظر فيه إلا على منظور تكراري، ينبثق من تقليد أحد النظم الفكرية الغربية، أو شَد يوجه الفكرة نحو الماضي، ليعثر على إجابة ضمنية في تراث ولّى وانتهى بنهاية مشاغل أهله. في هذا التشخيص تسكن مفاصل سؤال الأخلاق في الفكر العربي المعاصر؛ لتنضوي الإجابة عنه في أفق الفراغ، تقريرًا استشراقيًا جازمًا، بفراغ يميز الفكر الأخلاقي العربي الإسلامي بدءًا من قديم إلى

راهن ينساق فيه هذا الفكر، إلى تقمص أنساق الفلسفة الغربية ونظرياتها، فيخلص التفكير فيه إلى التسليم بحالة سلبية تصوغ تقريرًا يندرج في مؤسسة فكرية تحكمها كونية مهيمنة، لتمَثّلِ نمطٍ إنساني ومجتمعي متخيل، سواء ذلك الذي أحاطت به الفلسفة الأخلاقية اليونانية، أو مثلته الذات الغربية الحديثة تفكيرًا أخلاقيًا، محيطًا ذاته بالعقلنة والأنسنة، بدءًا من النهضة إلى راهن تواصل بالأخلاق

التطبيقية. إذًا، ينساق الاهتمام بالفكر الأخلاقي عربيًا إلى تقمص البردايم الغربي شكلًا ومضمونًا، حيث

يُفَكرُ في ذات مُتخَيلةٍ وفقًا للنمذجة المعرفية للتاريخ الأخلاقي الغربي، ويُحتكَمُ إلى معايير موصولة بالأنموذج اليوناني أو الغربي بدءًا من النهضة إلى ما بعد الحداثة. ماذا عن أسباب هذا الفراغ؟ هل يؤول إلى ثقافة ينحصر فيها النقد ويستتب الاعتقاد والتسليم؟ في هذا السياق المُؤَسس على قبلية الفكرة المقلدة، يجري النظر في قضايا الفكر العربي والأخلاقي منه، تحليلًا نسقيًا وتفسيرًا وتأسيسًا أنموذجيًا. ولا مراء في أن هذه القبلية قد شكلت عائقًا يحول دون

نمو الفكرة وتجليها إبداعًا ثم سلوكها مسار الوعي الناهض، ويكون أنموذج هذه القبلية، مسألة قراءة التراث التي انضوت تحت بند التجديد المطابق لواقع الحداثة.

(((يحدد البردايم أو الأنموذج مجموعة العناصر التي تشكل مج لًا لتفسير الواقع في وقت معين. ويعد توماس كون Thomas Kuhn

(1922–1996) أول من استخدم هذا المصطلح بوصفه فيلسوفًا ومؤرخًا للعلوم، ويعتبره في كتابه بنية الثورات العلمية مجموعة من الملاحظات والحقائق المثبتة، والمؤشرات المنهجية، ومجموعة من الأسئلة المتعلقة بالموضوع التي تنشأ ويجب حلها، فكيف ينبغي

طرح هذه الأسئلة؟ وكيف ينبغي تفسير نتائج البحث العلمي؟ يشكل بردايم أنموذجًا متماسكًا لتمثيل العالم وتفسير الواقع المقبول على

نطاق واسع في مجال معين. وهي طريقة لرؤية الأشياء، تستند إلى أساس محدد على هيكل نظري أو تيار فكري أو غيرهما، يسمح بفهمه. (((في فحص هذه المهمة المؤداة، نعثر على الأسبقية التمثلية للنهضة الأوروبية، والامتثال للأنموذج الغربي في تلبس ما  يصطلح عليه النهضة العربية بمعنى أنموذج النهضة الغربية التي تعني الولادة الجديدة، بوصفها قراءة مجددة للتراثين اليوناني والروماني، وفرزًا له بعيدًا عن اللاهوت المدرسي، وفق المعقولية المؤسسة على عوامل تاريخية كبرى، وقد خطت مساراتها نحو النجاح

والإثمار بالنسبة إلى أهلها، وعلى رأسها الحدث الأكبر الذي شكلته الصدمة الغاليلية وما استتبعها من متغيرات حضارية لها دورها

في بنية الوعي الغربي، وأخصها الأنسنة والعقلنة، تشكلًا موصولًا بالقراءة التأويلية للمنظومة الفكرية اليونانية والرومانية واليهودية والمسيحية.

تثير كونية الذات الأخلاقية سؤال الإنشاء والتشكل. فمن غير الممكن وجود الذات بوصف المطلق، ففي الواقع تنمو الذات وتتشكل داخل تفاعل تاريخي، وأساس أنطولوجي له خصوصيته، وكل منهما  يمد الذات بالمشروعية القيمية. فما طبيعة الذات في السياق العربي الحديث، وقد وجهتها صدمة الحداثة؟ ما مدى استيعاب الذات لهوية الحداثة في السياقات العربية الإسلامية؟ هل امتثلت للدربة العقلية التي تفتح سؤال النقد ثم الإنشاء والتأسيس وفقًا للبردايم الغربي الحديث؟ في الواقع تجري الأسئلة الخاصة بالوعي العربي عامة، في إطار مُدْرَكٍ يتلبس بالحداثة تخَيُلًا؛ منها

حصرًا أسئلة الإنسان وما  يستتبعها من أسئلة الوجود والأخلاق. أما عن الإجابة، فتتبين في الفراغ

الفكري. ففيما  يخص حقل الأخلاق، مثلًا، يكون هذا الفراغ انضباطًا موقوفًا على القول الاستشراقي، بوصفه مؤسسة استعمارية، مأسست الوعي العربي ما بعد الاستعمار وفق أطر محددة. فقد أنشأ الاستشراق سردية، قررت افتقاد الحضارة العربية لنظرية أخلاقية، أما عن النظريات الكلاسيكية في الفلسفة الإسلامية، فهي نقل مباشر للنظرية اليونانية، ثم يتبعها نقاش حول الأنسنة بتشكلها الإحيائي الغربي. بهذا يفتقد الفكر العربي الفكرة الأخلاقية قديمًا وحديثًا، غير مدركٍ لطبيعة الذات وجوديًا وأخلاقيًا.

هي خلاصات يتبعها الفراغ القيمي الذي أنشأ نظرية الغياب الإنساني والأخلاقي، المميزة للحضارة والهوية الإنسانية العربية، أنشأ هذا الفراغ هندسة الإنسان التابع، الموهوم بمخيال الترقي الموصول بالإنسان الغربي. هكذا تنتهي المنظومة الفكرية العربية إلى الاعتقاد بتقليد، يقول لسان حاله إن الحضارة العربية الإسلامية، لا تمتلك إجابة عن سؤال الإنسان والأخلاق في فضاءاتها الدلالية والتاريخية. سعى الوعي العربي، زهاء قرنين من الزمن، إلى نسج منظومة فكرية، تولت الإجابة عن أسئلة الذات، في حين لزم عن ظرفها التاريخي، الموصول بأزمة حضارية عميقة. وجرى هذا السعي في ظرف كوني اتسم بهشاشة الذات الحضارية العربية وضبابية تمثلاتها لصورتها ولعلاقتها بالآخر. فما كان يحكم هذه المقابلة التمثلية، هو هيمنة الأنموذج الحداثي، بالنظر إلى فاعليته وإجرائيته وسرعة انتشاره، وباعتباره مؤسسة إنشائية ضخمة تستولد الفكرة المؤسسة على وعي الهيمنة، من باب المنطق الإقصائي الموصول بالكوجيتو، والمحين لفكرة التنميط العقلاني وقد أذعن لواحدية المعيار الحاكم بمنطق السيادة والملك. فما كان إلا أن تسور الوعي العربي بسور أيديولوجي، يمثل وهمًا من أوهام القبيلة،

(4) Jean Claude Videt, Les Idées Morales dans L’islam (Paris: PUF, 1995), p. 2. (5)  Robert Brunschvig, Etude d’islamologie (Paris: G.-P. Maisonneuve et Larose, 1976.), p. 181.

(((يعبر الفكر العربي الحديث والمعاصر عن هذه النظرية بصدق، وفاء للبردايم الغربي، ويعد موقف محمد أركون من وعي الأنسنة أنموذجًا عن هذا التصور المنصوص؛ إذ يراهن أركون على تقسيم تاريخي لوعي الأنسنة في الفكر الإسلامي، وفق التنميط

الغربي المفروض رأسًا، معتبرًا أن عصر الأنسنة لقيَ وجوده في فترة ازدهار الثقافة العربية الإسلامية في القرن الرابع الهجري، عصر

مسكويه والتوحيدي والعاملي. يُنظر: محمد أركون، نزعة الأنسنة في الفكر العربي: جيل مسكويه والتوحيدي، ترجمة هشام صالح

(بيروت: دار الساقي،.)1997 (((توفيق الطويل، فلسفة الأخلاق (القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1985)، ص.159

التي أزاحت عنه وعي النباهة والحرية، وهو سور "يهدف إلى تعطيل [...] القوانين [... التي] تجعله يربط الأشياء بغير أسبابها". يُبرهن الراهن الفكري في المنظومة الثقافية العربية على عدم إثمار المشاريع الفكرية العربية أفقًا فكريًا

منفتحًا على الذات والهوية، حيث مكثت هذه المشاريع، في وضع تمظهر في أحكام تجلد الذات

وتزيف الهوية، إما نرجسيةً وإما قدحًا، مؤديةً لدور ثنائي لا منتج، ففي النهاية يدل على وجود فراغ

نخبوي مؤسس للفشل، على مستوى الاختيارات الكبرى للمستقبل العربي. ومن تجليات هذا الفشل، تحليله سؤال الأخلاق، حيث يعيش الناظر الموصول بالثقافة الأخلاقية العربية الإسلامية، غربة الذات وتشوه الهوية الأخلاقية عند تمثله للبردايم الذي يفكر به ولأجله، ثم في تحليله القضايا القيمية المنوطة بالتقدم العلمي الغربي. تبقى أسئلة الوعي الأخلاقي الموصول بمسارات الواقع العربي متناقضة مع الخيارات الإنسانية العربية، وهي من دون اعتبار أو تحليل، إنما تنتج وعيًا

زائفًا ووهمًا في مستوى الخطابين: الواقعي والفكري؛ إذ يثير التواصل التاريخي المنصوص بعدم

وجود إجابة عن سؤال الأخلاق في الفكر العربي الإسلامي القديم والحديث والمعاصر إلى راهن معولم، السؤالَ حول الأنموذج المُهيكِل لمقدمات البحث في حقل الأخلاق. تكون الإجابة عن سؤال الأخلاق في الفكر العربي المعاصر، شديدة الوصال بتجربة القلق الوجودي، الذي يعانيه الإنسان العربي الذي يحيا صدمة الحداثة بسوابقها، قبل الحداثة، والحداثة، وما بعد الحداثة؛ إذ تتجذر عبر هذه المسافات الزمنية المُتَخيِلة، المفارقة بين الأنا والآخر؛ وتتسع ليتمايز

الأنموذج وينكسر. هنا يثار الخوف على الذات، والإنسان، والتاريخ، والثقافة، والحضارة، بل الوجود بأسره، ثم استراتيجيات الحضور في العالم. إذًا، تؤول أزمة ميلاد الفكر الأخلاقي العربي المعاصر – ومن ثم توالد الأفكار لتتناسل في حقول المعرفة، لا سيما السياسة – إلى حالة التشقق الأنموذجي بين وجهين للوجود: وجهه التاريخي الحميم ووجهه المنقول، ويتطلب هذا الظرف البحث في أسباب الانزياحات التي تراكمت على الذات العربية وحاصرتها، بحيث فقدت رهانات الأنسنة والأخلقة، خاصة في ظرف آني، تميز بالهيمنة العولمية التي تستولد إنسانًا مستهلكًا. برهن واقع الحال على موته ونهايته، واقعًا متحققًا وقولًا فلسفيًا. الحاصل أن الفكر العربي المعاصر يفتقد مدارك التصور لحقله الأخلاقي الذي يجيب فيه عن أسئلة الإنسان، وأفقه القيمي المحيط. فهل يؤول هذا الفراغ إلى مرجعيات النظر وطبيعة الأنموذج الأخلاقي، الذي يفكر فيه هذا الفكر؟ هل يعرب عن أزمة التشقق بين أنموذجين؛ الحديث وما قبل الحديث، بكينونته التاريخية العربية الإسلامية في حضارة لها معاييرها الموصولة بالتاريخ والهوية؟ في المقابل يكون حقل الأخلاق غنيًا في الفلسفة الغربية، الحديثة والمعاصرة والراهنة، حيث يعد

سؤال الأخلاق محيطًا فلسفيًا مثمرًا. فكيف نفسر مفارقة الفقر والغنى بين الفكر العربي والفلسفة

(((مالك بن نبي، المسلم في عالم الاقتصاد، ط  13 (دمشق: دار الفكر، 2018)، ص.49

الغربية؟ هل يعود ذلك إلى إدراك الأنموذج في حد ذاته والتفكير فيه؟ فالفلسفة الغربية تفكر بأنموذجها ولأجله، وتجيب عن اهتماماته "بينما عالم الاجتماع في الغرب أو حتى في الشرق الأوروبي، يتناول الموضوع وهو ممتلئ بشعوره أنه إنما  يصف واقعًا اجتماعيًا شاخصًا أمام عينيه في نظم بلاده، وفي

فعالية السلوك حوله، وفي الترابط الواضح بين بني جلدته ومجتمعهم، ذاك الترابط الذي هو في جوهره التزام متبادل بين المجموعة والفرد". يفكر المختص بعلم الاجتماع في الثقافة العربية الحديثة، على هامش نتائج حصلها عالم الاجتماع في الغرب، وقِس على هذا باقي حقول المعرفة. بهذا يكون تكرار القول الفلسفي الأخلاقي الغربي، في فراغ يعبر عن انفصال بين المنظومة القيمة، بفضائها التاريخي العربي الإسلامي، وصلتها بشواهدها المرسومة، المرتبطة بأنموذج قيمي مخصوص، من جهة، ثم الفرد الذي يحيا تمزقًا قيميًا بين تشربه لهذه المنظومة – على علة هذا التشرب – والفكر

الذي يسلم ويستشهد بأصول النظرية الأخلاقية الغربية من جهة أخرى. عمومًا، يحيا الفكر العربي تجربة اغتراب واستلاب، وتعويضًا لدلالات الكوجيتو، تعبيرًا عن غربة

الذات وحيرتها. لذلك تكون إجابات هذا الفكر عن سؤاله الأخلاقي قلقة وحرجة، تفتح ضروبًا من المفارقات وتحين الصدمات؛ ما  يفسر الفقر الذي يميز حقل الأخلاق في الفكر العربي منذ صدمة الحداثة، وعدم الانسجام بين المنتوج الفكري الراهن في حقل الأخلاق وواقع الذات، بحيث يمكن الحديث عن دور سلبي تؤديه النخبة والمثقف في مجتمعه وتاريخه الراهن والاستشرافي القادم. في المجمل، يكون حقل الأخلاق حقلًا منسيًا في الفكر العربي الحديث والمعاصر، يتميز بالفراغ وتكرار

للنظريات الغربية تقليدًا، أو إلباس الذات للخلاصة النقدية للكوجيتو؛ ما تدل عليه مثلًا أطروحة زكي مبارك (1952–1892) عن الأخلاق عند الغزالي، كما  يتبين هذا الفراغ، في إعادة كتابة تراثية للأخلاق في عصر التدوين. انطلاقًا من هذه الإجابات، لا  ينشئ هذا الفكر إبداعًا، إنما  يكرر تقليدًا. يستدعي هذا الحال التشخيص والمعاينة، من ثم التحليل المعرفي والتقصي المنهجي، لإدراك مورثاته والنبش في أثرياته، مما  يعني استنهاضًا منهجيًا، يحفر خلف أزمة الأخلاق في الفكر العربي، تمثلًا

معرفيًا أو منظورًا واقعيًا؛ إذ يقتضي تفكيرًا متسقًا مع الأنموذج التاريخي للإنسان في الثقافة العربية.

أليست الثقافة تحتاج إلى إعادة الإحياء؟ فهي مصدر القيم التي تشكل حياة القوم الذين ينتمون إليها، ذلك أن الافتقار إلى الأنموذج الثقافي، يعني موت المنتمين إليه.

أولا: انحياز خطاب الفكر الأخلاقي العربي المعاصر في الأنموذج المتخيل

يتمحور خطاب الفكر العربي منذ أمد في جدل الأصالة المعاصرة بمترادفاته، ومن ثم تحيين متلازمة تكرارية عقيمة لتنتهي كل إنشاءاته إلى ضرورة الامتثال الفوقي لأنموذج محدد الأطر: إما  يتلمس

(((مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، ط  21 (دمشق: دار الفكر، 2019)، ص.11

بصورة نمطية ثابتة تنظر إلى السلف أو يتلقاها من حاضر تم التعبير عنه بالحداثة. أما عن سيكولوجية التلقي فهي منجذبة بطرفين هما: الشعور بالدونية أو الانجذاب بولَهٍ إلى قديم تحتمي به الذات هروبًا لكيلا تواجه الفكرة بشوق إلى التماثل والتمثل الذي يدفعها إلى الاحتماء بكينونتين قديمة وحديثة؛ حيث المشروع الغربي الذي ترى فيه حلًا جاهزًا وقمينًا بتحصيل التقدم، على الطريقة الغربية. هكذا تنقسم التركيبة الثنائية؛ الأصالة والمعاصرة، إلى شقين متقابلين تقابل التضاد؛ إذ تختلف أنويتهما وتشكلاتهما وبنياتهما الإنشائية، ويخضعان لامتثال تخَُّيُلي، يحيل الذات إلى الإفراغ

المضموني، أما عن شق المعاصرة، فيجعل من المعيارية الحديثة؛ العقلنة والأنسنة بصيغتهما الغربية، أساسين للتفكير الأخلاقي، محِّيِنًا لمخيال مبهم وزائف عن الإنسان؛ إذ تفتقر الإنيّة التي يفكر فيها

ولأجلها إلى الوجود المحقق لتلتحق بمتخيل موهومٍ. وينتهي هذا الشق إلى أن الحضارة العربية الإسلامية لا تجيب عن أسئلة الما  ينبغي، وهي فاقدة للتصور العقلاني المماثل لما حاكاه أفلاطون وأرسطو، لتتقلص الإجابة عن سؤال الأخلاق، فتكون تماثلًا بين النظرية الأخلاقية اليونانية والعربية الإسلامية. ويبدو أن هذا الشق المعتد بالكونية الغربية، يغفل عن التشاكل الضروري بين الوجود والأخلاق في سياقاتها الخاصة؛ "لأن الأنطولوجيا الأخلاقية وراء نظرات شخص، يمكن أن تبقى ضمنية وبمقدار كبير"، عن مفهوم الشخص بوصفها وحدة أخلاقية ذات خصوصية كانطية، تثير سؤال الشمولية التي تصورها توفيق الطويل، مفهومًا كونيًا يجري على الذات العربية الإسلامية. كما  يعود شق الأصالة إلى الماضي ليعتبره أنموذجه في التقصي الأخلاقي. وإذا كان يرى في تجربة السلف نبراسًا للاقتداء، فإنه لا  يمتلك بيانًا تحليليًا عن أسباب اختيارها. كما أنه فاقد للرؤية الموضوعية،

التي تجعله ينحاز نحو هذا الاختيار. لكن ماذا عن هذا التشقق في تصور الذات الأخلاقية، في السياقات الثقافية العربية ودواعيه؟ أيؤول إلى طبيعة الفكر الذي يصير جدلًا أيديولوجيًا وليس بناءً

ثقافيًا وتأسيسًا معرفيًا؟

1. مفارقات الخطاب الأخلاقي في الفكر العربي المعاصر

قد يثير ملفوظ خطاب الفكر العربي المعاصر التوجس شكًا في وجوده ونظرًا في مشروعيته، أما إذا

تعلق الأمر بفكر أخلاقي نظر فيه هذا الفكر؛ فإن وجوده يتضمن جملة مفارقات ومتناقضات، تتعلق بتاريخه وتصوره النسقي ثم بطبيعته. فإذا تم النظر إلى تشكله، فهو تجٍّلٍ لأزمة الذات الحضارية المكلومة، وحركة تؤديها ضمن منظومة التبعية. فعلى أعتاب نهاية السرديات الحداثية ونقد الفكرة

(1((محمد أركون، الأنسنة في السياقات العربية الإسلامية (بيروت: دار الساقي، 2001)، ص.17 (1((أحمد أمين، كتاب الأخلاق، ط  3 (القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، 1925)، ص.167 ((1(الطويل، ص.159 (1((تشارل تايلور، منابع الذات: تكوّن الهوية الحديثة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، مراجعة هيثم غالب الناهي (بيروت: مركز

دراسات الوحدة العربية، 2014) ص.49 (1((محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، ط  2 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1996)، ص.42

الغربية لمسارات الحداثة، يكون الفكر العربي نسخة باهتة عن سردية انتهت بنهاية سرديتها الأصلية. فما بالك بالفكر الأخلاقي العربي الذي لم يؤسس ذاته إلا بالتبعية للتصور المنوط بالسردية الغربية وفروضها الموصولة بمركزية المركزية الغربية! هكذا تكون المفارقة ظاهرة بادئ الأمر، لتنتهي إلى أزمة التبعية وفقدان الحرية؛ إذ تعجز الذات، التي تحيا جذبًا ثنائيًا يحملها خارج الزمان، عن وضع نسقها الأخلاقي، ولا سيما أنها عثرت على

منظومة قيمية جاهزة، إما في التفاتها إلى الماضي، وإما في تقمصها قيم الحداثة التي تفرز معضلات الاغتراب وعدم الانسجام، وهي قيم تشكلت انطلاقًا من تفاعل المؤسسة الثقافية الغربية بأبعادها التاريخية وبنيتها الثقافية. ولعل مثال عبد الله دراز (1958–1894) في كتابه دستور الأخلاق في القرآن يعد أنموذجًا عن الاقتطاع النسقي للقيمة الحديثة، كما حصلتها النقدية الكانطية. فقد مثلت له النظرية

الأخلاقية الكانطية أنموذجًا يقيس عليه الأخلاق في القرآن، لتكون نتائج القياس فاسدة جملة.

فكيف يكون التقايس بين فلسفة الذات المفصولة ومنظومة القيم الموصولة بالإيمان؟ فالكانطية هي فلسفة الحداثة؛ لأنها فصلت بين الأبعاد الميتافيزيقية والطبيعية والعقلية لدى الإنسان، ممتثلة لقطيعة بين الإنسان والإله، نتيجة لتقٍّصٍ إبستيمولوجي، موصول بالعلم، ونتيجة لمسار إصلاح ديني حول المسؤولية الخالصة للذات. فإلى أي مدى تكون المقاربة بين نظرية الإرادة الخيرة بقانونها الملزم والقرآن مشروعة وراجحة؟ هل اكتسبت الذات في السياق العربي الحديث رهانات الحرية والاستقلالية بصيغتها الكانطية الحديثة؟ تعد العلاقة بين النظرية الأخلاقية ونظرية المعرفة في الفلسفة الحديثة علاقة لزوم بحيث لا انفكاك بينهما. فلننظر في الخلاصة المعرفية لدى ديفيد هيوم (1776–1711)، لنتبين البنية النظرية لفلسفته الأخلاقية التي تأسست على الانفصال بين الواقع والقيمة، بحيث لا وجوب من الوجود بعد تحليل معرفي يغوص في عمق الإبستيمولوجيا، وبالمثل عند فحص الخلاصة النظرية، لنظرية الواجب الكانطي؛ نترقب صياغة لإطار فلسفي، يفصل بين الأبعاد المعرفية المنوطة بالعقلين النظري والعملي. إذًا، تعد النظرية الأخلاقية في الفكر الغربي، صيرورة موصولة بالبحث المعرفي في الأطر المرجعية المؤسسة لمنطق عقلاني أو تجريبي. بينما  يغفل الفكر الأخلاقي العربي عن أسئلة المرجعية، وينظر إلى الخلاصات التي حصّلها هذا البحث، من دون ورود أسئلة تكشف السياقات البنائية، ومدى مواءمتها للمنظور المعرفي للذات في السياق العربي الإسلامي. وهناك فرق بين الموصول والمفصول، فالأخلاق الغربية الحديثة، تأسيس موكول لأسئلة الذات في تمكنها من صياغات الكوجيتو، محدثةً

(1((عبد الله دراز، دستور الأخلاق في القرآن (الكويت: دار البحوث العلمية، 1973)، ص.4

(16) Luc Ferry, "Kant Penseur de La Modernité," Magasine Littéraire , no. 309 (1993), pp. 105–106. (17) David Hume, Enquête sur les Principes de la Morale , Philippe Baranger & Philippe Satel (trans.) (Paris: Flammarion, 1991), p. 119.

(1((إيمانويل كانط، نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1990)، ص.53

الترجيح العقلاني للذات. في حين لا تزال الذات التي ينظر في سبيلها الفكر الأخلاقي العربي المعاصر موصولة بالتاريخ الوجودي الذي يثبت الوصال مع مرجعية إيمانية يحتل فيها الدين مركزًا مهًّمًا. فما مدى تناسب هذا التركيب الذي أحدثه عبد الله دراز بين الإلزام الكانطي والتكليف القرآني؟

ألا  يعد الإلزام ثورة على التكليف؟ يمتلك كل فكر مث لًا فلسفيًا ينطلق منه، يستوقف الإشكالات المعرفية واللغوية والوجودية والأخلاقية،

ليجيب عنها، معتمدًا المثال الذي ينطلق من ثقافة الذات، سيقرر تشارلز تايلور Charles Taylor فيما  يخص تشكل الهوية الغربية الحديثة، أنها تشكلت من مثال أعلى إبستيمولوجي، يبدأ من ديكارت إلى كواين. فماذا عن المثال الأعلى الذي يشكل الفكر الأخلاقي العربي المعاصر؟ أو أنه لم يفصل في المسألة بعد، وخياراته النقدية تابعة لسؤال المعرفة الغربية، وتجلت في قضايا منقولة؛ كنقد العقل العربي، ونقد العقل الإسلامي. هذه العلاقة المتشابكة بين الفكر والمثل الأعلى الفكري، تؤكد أزمة الفكر العربي الأخلاقي المعاصر اعتبارًا من افتقاده المرجعية المعرفية التي تؤسس المفاهيم وتستشكلها؛ إذ تقتضي الأخلاق الاعتراف

بالذات، في وسمها التاريخي والثقافي، وتفاعله مع الحاضر الذي تحياه، وبناءً عليه، يختلج سؤالَ

الأخلاق في هذا الفكر ومنذ البدء قلقٌ معرفيٌ، لتسليمه المبدئي بالمفهوم الغربي، معتبرًا إياه مفهومًا

كونيًا شاملًا، بينما هو انصهار لجملة عناصر على صلة بالمثل الأعلى المعرفي الغربي. هكذا ينظر الفكر الأخلاقي العربي المعاصر إلى ذات موصولة بالحيرة المعرفية التي شهدتها الذات الغربية، ليتخيل ذاتًا مغتربة عن واقعها ومنظورها المعرفي. وسواء تعلق الأمر بالفكر الأخلاقي المحين للأصالة، أو الآخر المستغيث بالمعاصرة والحداثة، فإن الذات المفكرة تبقى ذاتًا لا تاريخية متخيلة، تفكر في ماضٍ محدد الأطر، ثابت في النظم التي شكلته في زمانه، أو في حاضر غريب مفصول معرفيًا

ووجوديًا وغريب ثقافيًا. الحاصل أن الخطاب الأخلاقي في الفكر العربي المعاصر، يتمحور حول جملة من مفارقات نسقية تجعله فكرًا صامتًا لا مبدعًا، لا  يمتلك مقاربات فيما  يخص الأسئلة الأخلاقية الراهنة، ويمكن إجمال

هذه المفارقات فيما  يلي: أ. الانطلاق من الصدمة، الأمر الذي أدى إلى تقرير جملة بداهات غير مفكرٍ فيها؛ فكان التفكير الأخلاقي تفكيرًا تابعًا للمؤسسة التحديثية جملة، لتكون الأصالة ردًا دفاعيًا، وتكون المعاصرة بدايلًا

شكلانيًا، يقدم نسقًا موصولًا بالثقافة الغربية وتاريخها الديني والمعرفي. ب. ترتكز الأخلاق على محورية الذات، الموصولة بقرينة معرفية، تم النظر فيها في الفلسفة الغربية. بينما  يخلو الوجه المعرفي للذات في الثقافة الفلسفية العربية الحديثة والمعاصرة من البناء والتأسيس. فإذا ما تعلق الأمر بالشق المدافع عن الأصالة، فالإجابة تكون لديه جاهزة مستقاة من تراث فكّر فيه أهله

((1(تايلور، ص.33

وأسسوه. في حين يتوهم الاتجاه الحداثي أنه عثر على تصورات جاهزة، مأخوذة من النظرية الأخلاقية الغربية. بهذا يكون غياب الذات في الخطاب الأخلاقي العربي ظاهرًا، يتبين في أزمة هوية وكينونة. ج. يقتضي التفكير الأخلاقي علاقة الذات بالزمن، بينما لم يستشكل الفكر العربي المعاصر مفهومًا للزمن فضلًا عن الأخلاقي منه. وقد تعثر في ربط الزمن بالذات والقيمة لينقسم إلى شقين: من يشيد بالماضي، ومن يرى في الزمن الحديث بإنشاءاته، أساس التشكلات الأخلاقية، فيما لزم عن أسئلة الذات. ففي نهاية المطاف تبقى الذات موصولة بالزمن المتوهم المفصول عن الواقع. د. يفترض النظر الأخلاقي فحص طبيعة القيمة، من حيث نسبتها للذات والتفكر في نشوئها وتطورها. يبدو أن هذا النظر مفقود في الفكر الأخلاقي العربي حديثه ومعاصره إلى حد راهنه. ه. يشكل المعيار مفهومًا أخلاقيًا محوريًا في النظرية الأخلاقية، في حين لم تفصل التصورات الأخلاقية في

الفكر الأخلاقي العربي المعاصر؛ في طبيعة القيمة الموصولة بثقافة الذات، مثل الجدل القديم بين المعتزلة والأشاعرة في التحسين والتقبيح، كما  يتجمد لديها التفكير في المعايير الأخلاقية الموصولة بالذات. و. يكون المعيار الموصول بالمرجعية الأخلاقية للذات هو الصلاح، بينما لا  يجد له بيانًا في الفكر الأخلاقي العربي المعاصر، نظرًا إلى علاقته بالدين وحقول ذات صلة، ونعني علم الفقه وأصوله

ومقاصد الشريعة؛ لأن الأنموذج الحديث يستوجب إقصاء الدين شرطًا للعقلانية والعلمانية اللتين يسري فيهما الفكر العربي. ز. يفتقر الفكر الأخلاقي العربي المعاصر إلى الأسس المفهومية البديلة، مع غياب كلي للنحت الاصطلاحي الذي يؤلف بنية المفهوم المؤسس للنظرية الأخلاقية. ح. يتجاوز الفكر العربي أسئلة منابع الذات، فوفق تعبير تايلور، ما منابع الذات في الأنطولوجيا العربية الإسلامية؟ ما طبيعة الأنموذج الذي تتشكل وفقه هذه الذات؟

2. الإنشاء الأخلاقي والأنموذج المتخيل

يختص الفكر العربي جملة بتشكيله للأنموذج التماثلي المتخيل، مغلقًا الدراية بوسيلة الدور الموسوم بالأصالة والمعاصرة، محصلًا بذلك طابعًا لا تاريخيًا، يهيمن على تطلعاته واستشرافاته المستقبلية،

ليستوي هذا الفكر فيكون مجرد شذرات على هامش السندين التراثي أو الحداثي. لذلك يؤلف المتخيل سنده المرجعي، وينشئ معرفة زائفة، بعثرت الوعي في قراءات وتأويلات لا مجدية. وعلى هذا النحو، كان الانطلاق من صيغة تماثلية جاهزة، تُرى واضحة في تخليص الإبريز في تلخيص باريز لرفاعة رافع الطهطاوي (1873–1801)، بحيث يشكل البردايم الغربي الصورة المعيارية

((2(كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن العيش المشترك في إطار منظومة حقوق الإنسان العلمانية التي تكيل بمكيالين، ويظهر ذلك جلًّيًا في القضية الفلسطينية، ليجد المتفكر الحداثي نجدةً في مفهوم العيش المشترك، ونظرية التواصل عند هابرماس، ويغفل

عن مفهوم كوني مسنود إلى قانون أخلاقي شامل وجامع، وهو التعارف المستند إلى معيار يجمع بين صلاح الذات والسلوك.

المرغوبة. أضف إلى هذا غياب الدرس الموضوعي للظرف الحضاري، وإغلاق منطق التعليل والتفسير للحال المتردي. وبناء عليه، فمن قلب الدعوة الامتثالية، تنقسم الذات لتكون ذاتًا متخيلة، فارغة المضمون، تنتمي إلى الزمن الماضي والزمن الاستباقي المرغوب. هكذا تجري صياغة الإنسان في المنظومة الأخلاقية الفكرية العربية؛ وَفق أفقٍ تحديثي غربي، أو أفق تراجعي تأصيلي ماضوي. بينما  يبقى الإنسان في ظرفه الأنثروبولوجي الآني، فلم تُفْتح لديه أسئلة الوجود والقيم، لينضوي في ركن ضيق، لا  يتخطاه، ولينحصر في وضع تماثلي، يكرس أنموذجًا يتشقق

فيه الزمن بين الماضي والحاضر والمستقبل. وقد أحدث هذا التشقق الصخب الأيديولوجي والعراك الفكري، واغترابًا للذات بين حنينها إلى الماضي وتقمصها الذات الحديثة. ترتكز النظرية الأخلاقية على محورية الذات والقيمة، وعلى الرغم من ادعاء كونية الذات الحديثة مقاربة عقلانية؛ فمن غير الممكن التسليم بهذا المفهوم، من دون تحقيق نسقي في الأنثروبولوجيا البنيوية لهذه الذات، تعميمًا كونيًا يعتبر ذاته منظورًا شموليًا. فمن الواجب في حالة التسليم بالكونية

السير في عملية مطابقة جوهرية بين الذات الغربية والذات العربية؛ ذلك أن إنكار الهوية في تشكلها التاريخي وبنيتها القيمية، يؤدي إلى انهيار المنظومة بأكملها. وانطلاقًا من العلاقة النسقية بين الذات والهوية، يجب فحص سؤال خطير وجامع. هل تحيا الذات العربية الهوية الحديثة وفقًا لمقتضاها العقلاني المنوط بسلسلة من التراكمات التاريخية، بداية من الثورة الإنسانية؛ لتعقبها الصدمة الغاليلية؟ هل تمتثل الذات العربية لمقتضى التفكك الذاتوي المؤسس على الفردانية النووية، فيما  يعد رهانًا ما بعد حداثي؟ ما مدى قابلية الذات العربية لاستيعاب النزعة التفكيكية لما بعد الحداثة؟ عند وسم الذات العربية ب "الحديثة"، نكون قد سلمنا بالنتائج من دون إدراك تشعب المقدمات؛ تاريخية أو معرفية أو أخلاقية. تشكلت النظرية الأخلاقية الحديثة في إطار إبستيمولوجي؛ ذلك أنه من غير الممكن التسليم بالفصل بين القضايا الوصفية والقضايا المعيارية، من دون فحص مفاصل التقويض الأنواري للميتافيزيقا، والتعويض عن الدين الكنسي الإكليروسي بالعقل والإنسان الحر، الذي يعود في أصله إلى القانون الطبيعي والدين الطبيعي. وإذا كانت الهوية الأخلاقية الحديثة تتبين في الكانطية بوصفها فلسفة الحداثة بامتياز، فهل يمكن التسليم بكونية الذات الكانطية الموسومة بالهوية العقلانية، من دون النظر في مخرجات الصدمة

(2((رفاعة رافع الطهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص باريز (الجزائر: دار موفم للنشر، 1991)، ص.145 ((2(الإكليروس Clergy هو مصطلح يُستخدم عادة في السياق الكنسي للدلالة على القساوسة والكهنة أو الكهانة والمسؤولين

الدينيين الذين يخدمون في الكنائس والمؤسسات الدينية. يمكن أن يشير إلى جميع أفراد الطبقة الكهنوتية في الكنيسة أو إلى القساوسة والكهنة بعامة. وبناء عليه، فالإكليروس هو مصطلح ذو أصل مسيحي يُستخدم أساسًا في الكنائس المسيحية، ولكنه قد

يُستخدم أيضًا بصفة عامة للإشارة إلى القادة الدينيين في الأديان الأخرى. ((2(يُنظر الفقرة الرابعة في:

Jean–Jacques Burlamaqui & Jean–Paul Coujou, Principes Du Droit Naturel (Paris: Collection Bibliothèque Dalloz,

الغاليلية التي اقتضت نقد العقل النظري، ثم الإنشاء الهووي للذات الأخلاقية الموصولة بالإصلاح الديني البروتستانتي؟ وهنا يبدو السؤال عن صلة الذات العربية بالمخرجات النسقية للذات الغربية، حَرِجًا وفاقدًا لكل سند مرجعي، ليكون مصادرة على المطلوب. تتعلق الأخلاق بالمثل العليا للمجتمع، لتجيب النظرية الأخلاقية عن هموم المجتمع الذي تنظر فيه وتُنَِّظّرُ لأجله. فهل تتماثل المثل العليا في المجتمع العربي مع المثل العليا للمجتمع الغربي؟

هل مرت الذات العربية على النقد الإبستيمولوجي الذي شكل الذات الغربية، ومن ثم شكل الثنائي العقلانية والتجريبية مفتاحًا إنشائيًا للمعيارية؟ تمثل خلاصات النقد الإبستيمولوجي مرجعيات معتبرة

وضرورية للنظرية الكانطية، تفسر نسقها العقلاني وتشكل الإرادة الإنسانية الخيرة، من باب الرشد والحرية والعقل بوصفها صفات للإنسانية الأنوارية، وهذا قمينٌ أيضًا بالنظرية النفعية التي تشكلت في إطار فلسفة تجريبية، ونسق ليبرالي يقوم على حرية الذات، وغائية السعادة التي نتج منها الأنموذج الاستهلاكي الغربي، وأدت إلى الانهيارات الأخلاقية التي باتت تهدد وجود الإنسان على الأرض، بعدما تشكل مجتمع المخاطر. هكذا يتطابق البردايم الأخلاقي مع النظرة الأنطولوجية والإبستيمولوجية، بحيث يتناسق المثل الأعلى مع رؤية محددة تنتج الهوية الذاتية للإنسان؛ وبهذا تنشَأ علاقته بالقيم والمثل الأعلى في المجتمع، "وإذا عدنا إلى ما قبل الحقبة الحديثة، واعتبرنا تفكير أفلاطون، على سبيل المثال، فيبدو من الواضح أن الشرح الأنطولوجي، الذي يقع في أساس أخلاق المعاملة العادلة كان متطابقًا مع نظريته الكونية والعلمية، فنظرية المثل تقع في أساس الواحد والآخر". بهذا تحتوي النظرة الأخلاقية على البعد الأنطولوجي، منشئةً لرؤية مميزة تجمع بين مرجعياتها وغاياتها بوجه عام، وأخصها الغاية الأخلاقية التي تحدد توجه الفعل المنتج للقيمة، يجري كل هذا في إطار واقع تاريخي محدد الأطر. هذه العلاقة بين المنظور الجامع للإبستيمولوجيا والأنطولوجيا، يدفع إلى البحث عن مقدرات الهوية الحديثة لدى الذات العربية، وعلاقتها بالقيم الأخلاقية، وأخصها الطابع الذي تكتسيه الحرية والاستقلالية والفردانية؛ بوصفها أخص مميزات الهوية الأخلاقية الحديثة. فرهانات الشخص المستقل وكرامته تعني تثوير اللحظة النقدية التي عبر عنها كانط في إجابته عن سؤال "ما الأنوار"؟ وإذًا، يحيط سؤالَ الأخلاق في الفكر العربي المعاصر صمتُ الأنموذج المتخيل وقد تحقق به؛ فلا  يفكر في ذات حية، بل يكرس منظورًا متوهمًا عن إنسان آخر. في هذا السياق يصيب الإنسان

الواقعي التشقق والغربة؛ إذ لا  يعثر على أنموذج تاريخه الحاضر، ليفتقد الوعي القيمي المنسجم مع الهوية، في زمن ما بعد حديث يشهد اندثارًا للقيم وانفتاحًا على الاستهلاك السائل.

((2(إيمانويل كانط، "ما هو عصر التنوير؟" ترجمة يوسف الصديق، موقع معابر الإلكتروني، شوهد في 2023/10/28، في:

https://cutt.us/jGkRf

(2((أوليش بك، مجتمع المخاطر العالمي: بحثًا عن الأمان المفقود، ترجمة علا عادل [وآخرون] (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2013)، ص.16 ((2(تايلور، ص.47

ثانيًا: الفكرة الأخلاقية وإنكار المضمون التاريخي

تحيل الثنائية المهيمنة على الفكر العربي إلى بنية صراعية بين أصوليتين؛ الأولى: الماضوية، وقد اتخذت مسلك الزمن التراجعي؛ إذ تعتبر أن لحظة الانبثاق الشكلاني للأنموذج العربي الإسلامي لحظة تصحيحية وإصلاحية، من دون أن تقدم مشروعًا ثقافيًا متحققًا، وبدائل فكرية فعالة ومنطقية؛

إذ تقتصر على تكرار المنطق التبجيلي، مسهبةً في وصف الأنموذج القديم، فلا حلّ إلا في استرجاع مكتسبات الماضي جاهزة. والثانية: الحداثية، وهي رفيقة للصدمة، حيث عثرت على السبيل إلى التقدم، بتقليد الحداثة الغربية بحذافيرها، بما  يمثله ذلك من حل قمين بتحصيل التقدم، من دون تقديم برنامج ثقافي، يستنهض الذات متفاعلًا مع طبيعتها التاريخية، بل تتوسل بمفاهيم الحداثة متقلبة في مساراتها إلى أن حصلت تقمصًا شكلانيًا وانغلاقًا كليًا في الأنموذج الغربي الحديث؛ ما أورثها ضيق

الرؤية وموت الذات، في تجربة التجنس والتنميط. فلا  يزال هذا الفكر العربي في راهنه معتقدًا مفردات قديمة ومبتذلة، مثل التنوير الذي تجاوزه الفكر الغربي. ولعل النقد الموصول بمدرسة فرانكفورت، يشهد على أفول هذه المرحلة ونهايتها، بالنظر إلى تقلبات العقل التنويري في العنف الأداتي، تشهد عليه الأنظمة الشمولية المنبثقة، والألم الكوني الذي سببته للإنسان والطبيعة. وفي فحص الأصوليتين السابقتين، نتبين الفراغ المساوق للذات، فكل منهما لا  يفكر في الواقع، وإنما  يشرئب نحو واقع افتراضي. كما أنهما  ينتجان خطابات لا تاريخية، وفق زمن مفكر فيه في إطار أيديولوجي محدد. بهذا يحدث تشقق بين الواقع والفكر، وتؤول كل فكرة إلى الفشل، نظرًا إلى القبلية

الأيديولوجية التي تمنع إمكانات التواصل والمناظرة. من آفات التفكير خارج التضمين التاريخي، التقسيم الكرونولوجي للزمن الحضاري العربي الإسلامي، تقسيمًا يطابق المسارات التي حَّيَنتها المركزية الغربية في سعيها للاستحواذ على العالم. وإن كان لهذا

التقسيم سلطة فوقية بالنظر إلى قوة الحضارة الغربية المستخدمة للقوة، فمن غير الممكن الخروج عن وحداتها، بيد أنه يكون من الضروري مناقشة ذلك وفهم صيرورته وآثاره في وعي الذات. يتبين هذا التقسيم في تسليم زكي نجيب محمود (1993–1905) بهذه الفوقية والعمل بها في دعوته إلى تجاوز الميتافيزيقا في التراث لأنها ميدان فاقد للمعنى، انطلاقًا من مبدأ التحقق الوضعي المنطقي ليقول: "ثم جاءت العصور الوسطى في أوروبا المسيحية وفي الشرق على السواء، فأصبحت مشكلة الناس الرئيسية عندئذ، هي العقيدة الدينية كما جاء بها الوحي [...] وجاء العصر الحديث بعلمه الطبيعي"، فلم يسأل المفكر العربي عن مضامين العصرين الوسيطين الأوروبي والعربي. تفتح الحمولة المضمونية للزمن إطارًا واسعًا للنقاش والفحص، مثل الخريطة الفكرية المغلقة

للتقسيم الجغرافي للفكر الإنساني، المعجزة اليونانية، وسرقة المفهوم الفلسفي لصالح كونية

(2((يورغن هابرماس، المعرفة والمصلحة، ترجمة حسن صقر (كولونيا/ ألمانيا: منشورات الجمل، 2000)، ص.227 (2((حنة أرنت، أسس التوتاليتارية، ترجمة أنطوان أبو زيد، ط  2 (بيروت: دار الساقي، 2016)، ص.26 (2((زكي نجيب محمود، نحو فلسفة علمية (المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2022)، ص.7

اللوغوس اليوناني، لننتقل إلى الصيغة القدحية للعصور الوسطى التي عممت على الوعي الحضاري الإنساني جملة. ويكون الفكر النقدي الأركوني أنموذجًا مُتحققًا، عن هذا الوهم الكرونولوجي

المؤسس للوعي الزائف، مسلمًا بالدرس الإبستيمولوجي لمدرسة الحوليات الفرنسية، من دون

مناقشة نقدية لتآلف الصيغ الكونية بين اليهودية والمسيحية والإسلام، بوصفها أديان وحي ليتطابق الخيال القرآني مع الخيال التوراتي والإنجيلي، من دون تحقيق مناط هذا الخيال من جانبيه القرآني والتراث الإنجيلي. يحمل مفهوم الحداثة في ذاته وعيًا شموليًا وتعميمًا لا مدروسًا، لا  يفرق بين أنماط الزمن الحديث،

ونقصد به حداثة المركز وحداثة الهامش. فلنسأل عن طبيعة إنسان الهامش في وضع الحداثة، والإنسان العربي أنموذج من نماذجه الكثيرة، فهل هو يحيا تجربة الحداثة أو يعيش تنازع النماذج، ويُقحم في الصراع إقحامًا في سبيل تمدد المركز؟ قُسِمَ الزمن الإنساني منذ عصر النهضة الأوروبية إلى لحظات تنبثق في أصلها من المعايير التي حددتها الحداثة لنفسها. وبُرمج العصر الوسيط على اغتراب الإنسان، بالنظر إلى مركزية الإله، فكان زمنًا ما قبل حداثي، مع تضمين هذه الفترة من تاريخ البشرية، صيغة قدحية معممة. أما الحداثة فتُوصف بأنها عصر انتصار الإنسان واتخاذه المركزية، ووصوله إلى الحقيقة عبر العلم، لتكون ما بعد الحداثة تجربة قلق، تخص الحداثة إما تجاوزًا أو إصلاحًا، مع الإقرار بطبيعة الإنسان الذي تشكل في قوالب السيولة

الما بعدية، حيث تطورت لوائح حقوق الإنسان مستوعبة الشذوذ، مقننة له تقنينًا أنطولوجيًا اعترافًا

بالمغايرة، ثم صياغة ضروب من التقنين الأخلاقي – إن صح التعبير – تطبيعًا للإنسانية على توسيع مجال الاستهلاك، ليشكل الفضاء الإنساني سوقًا كونية يُتنازعُ من أجلها. والحق أن التحقيب الغربي للزمن الإنساني، لم يكن ليحقق مناط الإنسانية من الناحية الحضارية،

وقد اقتلعت من جذرها الثقافي بفعل الهندسة الحداثية التي أخضعت لها استعمارًا، وتخضع لها في زمن معولم يدجن الإنسانية على الاستهلاك. أيُعَُّدُ هذا التحقيب في حد ذاته هندسة تجريها الرأسمالية؟ أضف إلى أنه لم يتحقق مناط المضمون الوجودي للمراحل التاريخية. فهل يتطابق العصر الوسيط الأوروبي مع نظيره في الجغرافيا الحضارة العربية الإسلامية؟ ماذا عن طبيعة المقدس في هذا الفضاء؟ ما مدى المواءمة بين هذا المقدس ومقدس الكنيسة اليهودية المسيحية في عصر الإقطاع؟ ولأن الفكر العربي يراهن على تحقيب يجري وفق الهندسة الحداثية، فإنه ينتقل انتق لًا موهومًا وافتراضيًا من حقبة إلى حقبة، من دون أن يجري عملية فحص نقدي لطبيعة المضمون، فما موقع

الزمن العربي في هذا التحقيب؟ هل هو تفكير في الزمن الضائع؟ ماذا عن حداثة الزمن العربي؟ ماذا عن ما بعد الحداثة، حيث يراهن الفكر العربي على صياغات موهومة تتجاوز سياقاته، من مثل قراءة

(3((محمد أركون، الإسلام الأخلاق والسياسة (بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع؛ منشورات مركز الإنماء القومي، 1990)، ص.12

لفكر ابن عربي، على ضوء الرهانات ما بعد الحداثية، أو صياغة مفهوم للعيش المشترك وفق التصور العلماني، للظرف الغربي في صراعه مع الكنيسة؟.

1. ما قبل الحداثة في ظرفه العربي الإسلامي: ثراء التجربة الأخلاقية وتنوعها

ينضوي الزمن العربي الإسلامي في بنية موهومة، ويتجلى في تحقيب مبرمج على دقات المركزية الغربية؛ بمعنى محور اللوغوس اليوناني الأثيني، واللوغوس الأوروبي – الفرنسي، الإنكليزي، الألماني، الأميركي – حيث توضَع مفاضلة نسقية بين محتوى العقل اليوناني والعقل الغربي في زمانه المسيحي؛ فكان العقل اليوناني محِّرِرًا. وتوضع مقابلة بينه وبين العقل المسيحي القروسطي. وبهذا

يُعتبر التاريخ الممتد من أثينا إلى عواصم الغرب الحديث، هو التاريخ الخطي للإنسانية؛ فتكون العودة

إلى الفلسفة اليونانية مرجعًا تأسيسيًا، محورًا مشتركا بين اللاهوت المسيحي وعلم الكلام الإسلامي.

أما الفلسفة الإسلامية فتدور حول فلك الوجود من عدمه، بالنظر إلى المفاضلة التي تقيمها المركزية الغربية، بين الدين اليهودي والمسيحي، والفكر الإنساني النهضوي ثم العقلاني الحداثي. ففي هذا السياق التعميمي لم تتخط الفلسفة الإسلامية سؤال الوجود والعدم، لتضيق مجالاتها منطبعة بالطابع اليوناني المحض، فبدت رهينة العقل الوضعي، ليجري إنتاج مسائلها طبقًا لتصور المركزية الغربية، فلماذا هذا التضييق؟ تجدر الإشارة إلى أن الحداثة قد هندست الوعي الإنساني، هندسةً تستوفي استمرار وجودها. لذلك يكون التحقيب الزمني الغربي المرتبط بمعيارية اللوغوس الغربي، وفق محور أثينا وعواصم غرب أوروبا، مستوفيًا زمن الإنسان الغربي، طبقًا للصيغة العقلانية للكوجيتو، وسلاسله الوجودية؛ مركزية

الأنا، وفوقية العقل، والصمت وطرد الآخر، ثم مشروع الملك والسلطان على الطبيعة والإنسان. تشترط هندسة الوجود الإنساني – وفق البرمجة العقلانية – تضييق مجالات الثقافة الإنسانية، فتكون المقابلة بين العقلانية في محورها المرتحل من أثينا إلى عواصم أوروبا الغربية مقوضة لعقلانيات أخرى، لا تسري في فلكها ولا تتفق مع مصالحها. بهذا تُضِيِّقُ المعيارية المرافقة للهندسة الحداثية مجالات

التفكير الأخلاقي غير المرافق للمنظور الغربي، وتجعله محصورًا، فيما يتطابق مع الهيكل العام للعقلانية،

بمركزيتها الغربية المتسلطة على ثقافات العالم، هنا يدخل الفكر العربي الإسلامي لا محالة في وضع الأزمة، إذ أحدثت الانزلاقات غير المنطقية للنماذج، بعضها فوق بعض – إلباس الضعيف لباس القوي قهرًا – انحصارًا كبيرًا لمنطق التفكير في الإنسان وسؤاله الأخلاقي، وفق التاريخية العربية الإسلامية. ما قبل الحداثة مفهوم زمني غربي ووضع حضاري، تهيمن عليه روح سلبية؛ لتنفتح مدارك أخرى لها قوة تحجيم الأنساق الفكرية. سيدخل ما قبل الحداثة بوصفه زمنًا إنسانيًا، يسبق تفوق الإنسان

الأوروبي، في منطقة مظلمة ومنظور سلبي يجب تقويضه، لتغدو العصور الوسطى الغربية مهيمنةً

(3((يُنظر: محمد المصباحي [وآخرون]، ابن عربي في أفق ما بعد الحداثة، سلسلة ندوات ومناظرات 107 (الرباط: منشورات كلية

الآداب والعلوم الإنسانية،.)2003 (3((فتحي التريكي، أخلاقيات العيش المشترك، ترجمة زهير المدنيني (تونس: الدار المتوسطية للنشر، 2021)، ص.25

على أزمان الإنسانية جملة. بهذا يوسم الفكر الأخلاقي العربي الإسلامي بالهشاشة والضعف والفراغ. فقد أبعد من سياقاته التاريخية الفعلية، حيث فكر الإنسان في ذاته ضمن رهانات وجوده الحقيقي والمتحقق وفق المثل الأعلى المجتمعي التاريخي الذي كرسه تحققًا. يندرج التفكير في الإنسان، وسؤاله الأخلاقي في الفكر العربي المعاصر، ضمن منظور استراتيجي للعلاقة بين المركز والهامش؛ ما  يؤدي إلى وضع تراتبي، مبرمج على سيادة المركز وفوقيته، فينمحي الطابع الأنطولوجي للإنسان في الفضاء العربي الإسلامي، مندرجًا في مفهوم الكوني، فيكون تابعًا

للمركز؛ فاقدًا للإجابة الأخلاقية عن هويته، لاسيما أنه لا  يفكر في ذاته، إنما في متخَّيَل يُدركُه. والحق

أن هذا الحال يؤول إلى استمرارية الهندسة الغربية في إنشاء سوق إنسانية تستوعب منطق الإفراط الذي حصلته الرأسمالية في ظرفها الأكثر استحواذًا. تشهد السياقات والخواتم التاريخية بتميز الثقافة الإنسانية والأخلاقية في الفكر العربي الإسلامي ما قبل الحداثة، بالتفكير في إنسان آخر ليس قروسطاويًا أوروبيًا؛ فما  يحيط بتجربته الأخلاقية، يفترق كليًا عن

نظيره الأوروبي. أما عن ثقافته العالمة، فهي أنموذج ثري ومنظومة أخلاقية أخرى لا تحصيها الحداثة، حيث تتسرب بين أعمدة معاييرها الكلية؛ مركزية الإنسان، والإطلاقية العقلانية، والفصل بين العلم والأخلاق، ولا وجوب في الوجود، ونهاية الدين. فإذا أقصينا المجال الكلامي والفقهي الأصولي والمنتوج الثري للتصوف وعلم التخلق لدى كثير من علماء المسلمين، فبهذا نكون قد فكرنا في فضاء آخر يختلف عن الفضاء الحضاري العربي الإنساني، ومن ثم وجدنا فراغًا أنثروبولوجيًا وأكسيولوجيًا

هائلًا. وعمومًا فما  يوجه معايير التقصي لدى العقل هي فوقية لا شعورية، تحكمت في المنظومة

الفكرية إلى حد تحيينها للسلب والإقصاء.

2. الحداثة واغتراب الظرف العربي الإسلامي: اقتضاب التجربة الأخلاقية وفراغها

الحداثة ظرف حضاري غربي، نشأ وفق عوامل تعددت، ولكنها نسيج ثورة إنسانية، لها مساراتها ومحدداتها؛ أولها التجاوز الذي راهن على فكرة التقدم، وستجر هذه الفكرة متغيرات أخرى، كمركزية الإنسان، وطرد الإله من المساحات الإنسانية والكونية، ثم اعتبار المعيارية العقلية معيارية ذات وصف إطلاقي. أجرت هذه التحولات إنشاءات كبرى أهمها تغير مواقع المقدس من الإله إلى الإنسان، ثم إنشاء الدولة بوصفها مصدرًا للمراقبة والمعاقبة، الأمر الذي أدى إلى التعاقد انطلاقًا من الطبيعة البشرية، في عقد اجتماعي افتراضي، يعتبر الطبيعة البشرية هي مصدر التشريع. فهل في الإمكان تعميم هذا التصور على الإنسانية؟ وما نتائج تعميمه من دون تحقيق مناط المختلف؟ تبدو هذه الإقحامات العنيفة للأنموذج الغربي ذات تأثير مقوض للثقافة العربية الإسلامية مما أحدث فراغ التصورات والمفاهيم المحيطة، وأخصها تلك التي تفكر في الإنسان وسؤاله الأخلاقي؛ ذلك أن الجزم بعدم وجود إجابة عن سؤال الأخلاق في الثقافة العربية الإسلامية، هو اهتزاز لموقع الإنسان ووجوده القيمي، وفراغ هائل يؤدي إلى تعويضه بمنظور غربي محض؛ الأمر الذي يؤثر تأثيرًا سلبيًا في

توجهات الإنسان وفقهه لذاته وواقعه واستشرافه لمستقبله وبنائه لحضارته.

كان تقمص واقع الحداثة رهانًا مركزيًا للثقافة العربية، وإذ ذاك سلكت درب التغيير منذ البدء مستوعبة الأنموذج الحديث تقليدًا. لكنّ المقلدين لم يفحصوا طبيعة الحداثة ومتغيراتها الأنطولوجية، بل أدركوا أن التخطيط لتحديث الذات، إنما  ينحدر من تقليد الحضارة الغربية حصرًا، ولم يعتبروا التقليد استيلاءً

على الوعي، وهندسة له على الشكلانية الغربية؛ ما  يؤدي إلى تجنسه، وإخفاقاته المتتالية منذ منطلقه. دليل ذلك هو استيراده نماذج الأفكار الغربية، من ليبرالية وشيوعية، وهلم جًّرًا من التصورات، لكنه

لم يثبت النجاعة في التغيير وانتهى إلى الفشل والفوضى السياسية والمجتمعية والأخلاقية. هكذا تجري المقارنة بين إنسان الحداثة الغربية، بوصفه مركزًا للإنشاء المعرفي والثقافي مهندسًا للجغرافيا

الفكرية منذ خمسة قرون من جهة الإنسان العربي وريث عصور التردي الحضاري، إنسان الهامش المتلقي للمعرفة الغربية تلقي الدونية والتلقين؛ فجرى ضم فضاءاته التاريخية والجغرافية عنوةً إلى فضاء الإنسان الغربي.

3. ما بعد الحداثة: نهاية الأخلاق وأزمة الذات في السياقات العربية الراهنة

يختص الفكر العربي بنزعة لا تاريخية، فهو يفكر في ركاب الآخر ويسري في فضائه، ويجري مجرى زمانه، فبمجرد تلقف ملفوظ ما بعد الحداثية توقف عن التفكير في الحداثة، وانطلق نحو مصطلح ما بعد الحداثة، لينظر فيه ويكرر مسائله متقمصًا تحليلاته وحلوله؛ منها مثلًا حقل الأخلاق التطبيقية والنظرية الأخلاقية الغربية المنفصلة ومسائل الإنسانية المحسنة والمتجاوزة وما بعد الإنسانية التي تنتمي إلى محيط يمتلك التطبيق التقنو–علمي، وثقافة ليبرالية مؤسسة سياسية ومجتمعية، وترويج للمنطق الرأسمالي الذي يقف خلف مسائل التقنو–علمي. والعجيب أن الإنسان العربي، لا  يشارك في إنتاج التقنية ولا في تطبيقاتها، إنه مجرد مستهلك خاضع لسوق الترويج التكنولوجي، فيشتري نسخه المتتالية طائعًا، ليسود لديه الصمت فلا  يتجاسر على نقد الحداثة، ولا  يقدم حًّلا للإنسانية التي ابتلعتها

التقنية، وتسير بها إلى الشِوَاش Chaos، وفق تعبير هانس يوناس (1993–1903). وفي مقابل الارتخاء في الفكر وقبول كل طارئ يأتي من الآخر، يتسم الظرف السياسي الذي يحياه الإنسان العربي بالهيمنة والاستبداد، فضلًا عن التركيبة التقليدية، لمجتمع يعيش أمراض التقليد والتحديث القسري، في صدامهما الذي ينتج التمزق والقلق، والحال هكذا، ماذا يعني الاشتغال بالبيوإتيقا في الفكر العربي والكد في درسها؟ أليست هي خلاصة تفكرية لمجتمع ليبرالي علماني يمتلك طاقة تكنولوجية رهيبة وفلسفة الجسد الملك؟ وإذًا، لماذا لا  يشارك المفكر العربي نقدًا، ليبدأ من نسق مختلف عن الفلسفة الغربية؟ لكنه على العكس، ينخرط في نقاشاتها ومقترحاتها، ويراها متناسقة مع المنظور الفكري العقلاني، ويروج لها ويعتبرها مناسبة للعقلنة والأنسنة. لم تجرِ الثقافة الفكرية العربية المعاصرة، نقاشًا حًّرًا وغير منحاز أيديولوجيًا، حول المشروعية الأخلاقية،

وجدوى إبداع العقل الإسلامي في قرونه الأولى لعلم الفقه وأصوله وعلاقة هذا الإبداع بمنظومة

(33) Hans Jonas, le Principe De Responsabilité, Une éthique Pour La Civilisation Technologique , Jean Greisch (trans.) (Paris: Flammarion, 1995), p. 25.

الفعل الإنساني في توجهه الأخلاقي، والتي تعني وجود معايير أخلاقية توجه الفعل نحو ما  ينبغي أن يكون، عبر منظومة موصولة تربط حيوات الإنسان بأبعاد أنطولوجية تستوعب الزمن المعيش في إطاره الوجودي المتحقق ماديًا وروحيًا. إذا كانت الإنسانية الحداثية قد التزمت بواجب العقلانية في مدار فعلها فإنها في صيرورتها التجاوزية من الواجب إلى ما بعد الواجب قد فسخت كل العقود، وانتهت إلى أخلاق رخوة، تشرعن كل ما تراه الذات موافقًا لظرفها الآني، لذة ورغبة مكملة لنرجسية الذات، ويجري هذا في ظرف ما بعد حداثي فكك فيه الإنسان مواثيق عقدها، لتبقى الدولة المدنية مصدرًا لحسم نزاعات الأفراد، الذين يعيشون في جزر الفردانية النووية. ويمكننا القول إن إنسان ما بعد الحداثة قد أصيب بدوار الوجود الذي يتساوى عنده مع الاستهلاك، معتبرًا المساواة بين الوجود والاستهلاك حقيقة وجوده في هذا العالم فيشتري أي

شيء ليمده بالمعنى. تلك هي إحدى الخلاصات التي سارت إليها ميتافيزيقا الحداثة، ف "إذا كانت الحداثة في المئة عام الماضية تعني محاولة الوصول إلى 'حالة نهائية من الكمال' فهي الآن تعني عملية تحسين، وتقدم لا حد لها، من دون وجود 'حالة نهائية' في الأفق ومن دون رغبة في وجود مثل هذه الحالة"، وهذا التسارع المبتغى قد أضر بالإنسان والطبيعة. بين الخلاصات المحينة في واقع العولمة يصاب الفكر العربي الراهن بالانسداد والصمت والتشقق باعتباره فكرًا مقلدًا، ليحيد عن أنموذجه المعرفي، ولا  ينظر في إنسانيته التي هي فضاء وجوده؛ فيواصل

تقمص الأنموذج الغربي المنبثق من الصدمة الغاليلية، محيطًا نفسه بوهم افتراضي متلبسًا بمتخيل فكري. فأي انسجام بين إنسان المواثيق، وإنسان ما بعد الحداثة الذي قدر لذاته الوضع الأخلاقي الرخو في محصلة قيمية تحيط بها ضبابية المعنى وموت المرجعية وموت الإنسان، واستشراف لموته الوجودي تعويضًا له بالآلة.

ثالثًا: التسليم بفوقية الأنموذج: أيّ منظومة أخلاقية عربية معاصرة؟

سافر الفكر العربي إلى فضاءات متخيلة مراكمًا تصورات تفتقد التنسيق الزمني بين الماضي والحاضر ثم المستقبل. فعلى الرغم من ادعاء الموضوعية، فإنه فكر بضرب من التعميم أنتج الخواء بتفكره الصميمي في ذات الآخر، مستخلصًا نمطًا فكريًا أسس في الواقع منظومة الاغتراب؛ الأمر الذي يعلل الصمت والخواء، محيطين بسؤال أخلاقي عربي، يجيب عن مقتضيات الإنسان المنظور في ظرف تاريخي محدد الأطر.

(34) Gilles Lipovetsky, L’ère du vide, Essai sur l’individualisme contemporain (Paris: Gallimard, 1993), p. 18.

(3((زيجمونت باومان، الحداثة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر، مراجعة هبة رؤوف عزت (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016)، ص.27

(36) Jacques Testart & Agnès Rousseaux, Au péril de l’humain, Les promesses suicidaires des transhumanistes (Paris: Seuil, 2018), p. 29.

من مميزات الاتجاه الماضوي فقدان التفكير المنطقي والموضوعي، والإعراض عن القراءة التاريخية والعلمية. فكان تصوره الفكري مثاليًا يجذب العقل إلى الحلول الجاهزة. ومن جهة أخرى، تشكلت

معايير التفكير في الذات، انطلاقًا من أنطولوجية الذات الغربية؛ مستخرجةً تصورًا أنثروبولوجيًا يعوض

الأنا بالآخر؛ ويُلبِسُ تصوراته لبوس الحداثة وما بعد الحداثة غاًّضًا الطرف عن المختلف. بهذا يختص

الواقع العربي بفقدان الأنموذج التوافقي ذلك الذي يؤسس منظومة التغيير التي تنطلق من الذات المنفتحة على التاريخية فتتملص من الصنمية الفوقية للاستلاب المحين للاغتراب، وتفكر في ذات زمنية تقرأ الواقع بعين النقد مستشرفة للبناء. وعمومًا يعاني الفكر العربي المعاصر صدمة الحداثة وينشطر إلى قسمين مكرسًا دورًا مغلقًا لا  يفكر

في الواقع، بل في المتخيل. في هذا الإطار ينشأ التفكر في الإنسان وفي الأخلاق وهو منجذب إلى إحداثيات تتخطى منطقها التاريخي وتصوراتها عن الإنسان الذي تفكر فيه. فكيف يؤسس هذا الفكر تفكيره الأخلاقي في زمن معولم يراهن على تسويق كل شيء بما فيه الإنسان؟

1. تصور الإنسان في الفكر الأخلاقي العربي المعاصر: اغتراب الذات

يعاني الفكر العربي المعاصر هيمنة المعيارية الحداثية، حيث تشكلت آلية التقسيم والتنافر الأيديولوجي بين السلفي والحداثي باعتبارها فوقية موجهة وفكرة زائفة تحول دون تفكير حر واستشرافي، وتفتح دروبًا للخواء الفكري الذي بدا مهيمنًا. فما طبيعة الذات الموصولة بتفكيرها الأخلاقي هنا؟ يقع سؤال الإنسان في الفكر العربي منذ صدمة الحداثة في اللامفكر فيه، نظرًا إلى مفهوم رائج مهيمن

على الوعي الغربي وهو مسألة التضاد بين الإنسان والإله والصراع بينهما. بهذا يثير الفكر العربي مسألة الدين، مفتعلًا الإصلاح الديني بصورته اللوثرية الكالفينية، أو يعتبر أن العودة إلى الإسلام الصافي إسلام الرسول وصحبه هو الحل القمين بتغيير الظرف العربي الإسلامي. يتميز الفكر العربي الحديث والمعاصر بظاهرة تأزيم التاريخ العربي الإسلامي ليس بغية إنجاز القراءة الموضوعية لمظانه، بل لكي يتطابق والتاريخ الغربي تحصيلًا لمرحلة العلمنة المبتغاة. في هذا السياق يعبر محمد أركون عن الرغبة في تفعيل الإبستيمي الغربي إنتاجًا لإنسان منمط تنميطًا

غربيًا، فقد كان عصر مسكويه والتوحيدي عصر الأنسنة السابق على الأنسنة الأوروبية، وتعني

الأنسنة تشكيل تركيبة ثنائية بين الإله والإنسان، في حين تعبر هذه العلاقة في الثقافة العربية زمن مسكويه (421–320 ه/ 1030–932 م)، وأبي حيان التوحيدي (414–310 ه/ 1023–922 م) عن سياق آخر يخلو من التنافر العقدي، المنضوي في الصراع بين الإنسان والكنيسة بوصفها مؤسسة سياسية، كما  يزول عنها القلق الأنطولوجي المرتهن بالعلاقة بين الإنسان والإله الإنسان. هنا تشكل المنظومة العلمانية الموروثة عن أزمة الدين في أوروبا مقدمة كبرى في تصور الإنسان في الفكر العربي، أولها: المصادرة الهيومية القاضية بالفصل بين القيمة والواقعة، والدين والحياة، والأخلاق

(3((أركون، نزعة الأنسنة، ص.14

والعلم. وسيسري الفكر العربي في هذه الوجهة من دون تمحيص لمقدماته المعرفية والتاريخية. وتعد الدعوة التي روجها نجيب محمود أنموذجًا عن وعي الانفصال الذي ساد الفكر العربي المعاصر. فهذا المفكر المصري التحليلي، يعتبر أن المنهج العلمي المنوط بالوضعية المنطقية كفيل بتحليل الدين نفسه، لكي يكون واضح المبادئ راسخ العقائد. ألا تنطلق الفلسفة العلمية التي يعتقدها نجيب محمود من مقدمة كبرى تقدم بالسيادة الإطلاقية للوضعي الذي جر خلفه موت الميتافيزيقا، ونهاية الأخلاق، وانفصال الأخلاق عن العلم. فهل يمكن أن يتجاوب المنهج التحليلي مع طبيعة الدين الذي اعتبرته هذه الفلسفة فارغًا من المعنى بعد تعريضه لمبدأ التحقق. لننظر إلى النتائج المخيفة التي خلص إليها الوعي المنفصل عن الأخلاق، فقد أصبحت الأخلاق اليوم مطلب الوجود بأسره لتنشأ حقول البحث في الأخلاق؛ وتُسْتدعَى اللجان الأخلاقية على جميع المستويات وفي كثرة من المؤسسات، للنظر فيما  يجب فعله فيما  يخص المنزلق الأخلاقي، الموروث عن الحداثة وتفكرها في التقدم إلى اللانهاية، متسائلة عن جدوى التقدم؛ وهل كل ما هو ممكن تقنيًا ممكن أخلاقيًا؟ بوجه عام كان الإقحام النسقي للثقافة العربية في الظرف الحديث إنهاءً لفعلها وميدانًا لصياغتها بحيث

تنمحي في الثقافة الغربية وتذوب فيها ليشكل الاغتراب، أحد مظاهر التفكير في الإنسان. لاسيما أن وعي الأنسنة قد استثير في إطار أدلجة شاملة، انطلاقًا من التسليم بضرورة ربطه بالفلسفة الغربية على تنوع مداركها. ففي القراءة الماركسية يغدو الإنسان في مهب الصراع الطبقي ليدخل عنوةً في التصور المادي التاريخي، في معركة جدلية بين السيد والعبد وفقًا لمنظومتها المسيحية الهيغلية. هكذا يُنتزع تصور الإنسان في الفكر العربي من سياقاته ليذوب في أخرى فتشكلت لديه غربة مفتعلة. وقد سعى عبد الرحمن بدوي (2002–1917) مثلًا إلى تضمينه في تجربة قراءة التراث العربي الإسلامي مدمجًا إياه في القلق الوجودي Existential Anxiety، بوصفه عينة نموذجية تثري وضعه؛ ليكون

موصولًا بالفلسفة الوجودية Existentialism، متخذًا المصداقية في تفسير يرتكز على تجربة القلق الذي يعتبر خلاصة حضارية منوطة بأزمة الإنسان الغربي في ظرفه الحداثي. بمعنى أن القلق الوجودي الموصول بالوعي الغربي في ظرفه الحديث، سيسري حتمًا على التراث الإسلامي سريانًا كليًا باعتباره

كونيًا. والحق أن هذا التعميم يؤسس المفارقات ويؤدي إلى إقحامات تمس بعقلانية التحليل. فكيف

للإنسان المختلف أن يستوعب إكراه القلق الوجودي المنبثق بعد موت الإله؟ فهل نفسر شخصية رابعة العدوية بمنطق العدمية النتشوي؟

((3(محمود، ص.4 (3((برتراند راسل، المجتمع البشري في الأخلاق والسياسة (القاهرة: اللجنة المصرية للتأليف، [د. ت.])، ص.69

(40) Van Rensselaer Potter, Bioethics: Bridge to the Future (USA: Prentice–Hall; Ex–library, 1971), pp. 7–8.

(4((حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية: الكندي، الفارابي، ابن سينا (بيروت: دار الفارابي، 2008)، ص.74 (4((هيغل، فنومينولوجيا الروح، ترجمة ناجي العونلي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2006)، ص.268 (4((عبد الرحمن بدوي، شهيدة العشق الإلهي رابعة العدوية، ط  2 (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1962)، ص.12

2. صراع القيم في الفكر الأخلاقي العربي المعاصر: النسق الأيديولوجي

لم يشكل الانشقاق في الفكر العربي جدلًا معرفيًا فاعلًا ومنتجًا لمعجم مفاهيمي يصوغ المفاهيم،

وينحت المصطلحات، ومنها مفهوم القيمة، وأخرى محيطة بها كالحرية، والفردانية، والشخص، والمعيار... إلخ، فقد اقتصر هذا التشقق على تضمين صراعي يكرس منطقًا أيديولوجيًا، يُوقِف تطور

الإنسان في حدود المناقضة بين قيم الحاضر والماضي من حيث تفكره في ذاته وقراءته لاستشرافاته المستقبلية، وفي النتيجة "تحويل التراث الإسلامي إلى مجرد أداة أيديولوجية من أجل الوصول إلى السلطة"، تعزيزًا له أو قدحًا فيه. وعند تدبر العملية برمتها نكون أمام عملية تطبيع استعماري؛ إنتاجًا

لثقافة تتفق مع السياق الاستحواذي وليس التعايشي القائم على التعارف بوصفه قاعة تحترم حق الإنسان في الاختلاف، بحيث يدخل هذا التنميط الثقافي في مسار اتخذته الكولونيالية وسيلة للبقاء في مضارب تعتبرها مصدرًا للمواد الأولية وسوقًا رائجة لبضائعها في فضاء التمكن النيوليبرالي المعولم. في راهن تميز باضطراب استراتيجي موصول بمعادلة عولمية تطَبعُ الإنسان على الاستهلاك، يجري تدجين الإنسان في الفضاء العربي على غائية الاستهلاك بوصفه موضوعًا هامشيًا يقيم في قلب معادلة

الاستغلال المادي والثقافي الذي شكل النواة الاستراتيجية الكوكبية للنظام الرأسمالي. ولعل الإعلام المعولم، يسعى سعيًا حثيثًا في سبيل تطبيع قيمي على أخلاق السوق زيادةً في انتشار المنظومة

النيوليبرالية، وتوسيعًا لثقافة الهيمنة التي تستولد إنسانًا طائعًا مخلصًا لفروضها. في إطار منظومة السوقنة، ينفتح الكلام في الثقافة الفلسفية العربية على مخيال ما بعد الحداثة، وما تتضمنه من منطق أخلاقي، يتسم بالضبابية والسيولة والإفراط. ويجري التحادث في مسائل أخلاقية هي نتاج التطور العلمي الخارق في الغرب، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية. فماذا يضيف المفكر العربي إلى المنظومة الأخلاقية الغربية، عندما  يكرر المصطلحات الأخلاقية الخاصة بالمجتمع الغربي؟ تختص تصورات الفكر العربي بتأزيم علاقة الإنسان في الفضاء العربي الإسلامي بالقيم في بيان تنافري، سواء تلك التي تعلقت بتراثه أو بحاضره؛ إذ تبدو أنها علاقة مأزومة وتنافرية تفتقد إلى الانسجام؛ لينظر إلى الأولى نظرة قدحية تتلاءم مع تصور ما قبل الحداثة بظرفه الغربي مطالبًا بضرورة

تجاوز قيم الماضي والإسراع إلى تقمص قيم الحداثة بوصفها هي المُخَِّلّصَة. وبسرعة، ومن دون

الولوج إلى الحداثة فعلًا محققًا عبر الوعي سيطالب بالانتقال إلى قيم ما بعد الحداثة يناقشها يجعلها نقدًا للحداثة؛ فإذا بها توسع الهوة بين الإنسان والأخلاق لتجعل منها مج لًا للتنافر وعدم الانسجام. فماذا يقدم المفكر العربي للثقافة الأخلاقية الإنسانية المأزومة عند نهاية الأخلاق؟ ما عدّته في الحوار والمناقشة؟ أتراهُ يقوم بتوطين لوعي ما بعد الحداثة من دون أن ينال النتائج؟ هكذا يكرس الفكر العربي موقفًا صراعيًا بين قيم الذات وقيم الآخر جاعلًا من عملية التجاوز نحو

قيم الآخر مشروعًا حضاريًا، انطلاقًا من إيمانه الأيديولوجي بتفوق الغربي واندثار الذات. لذا تشكل

(4((أركون، نزعة الأنسنة، ص.8 (4((نصر حامد أبو زيد، الخطاب والتأويل (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2000)، ص.202

طبقة المدافعين عن هذه العملية التجاوزية عنصرًا مروجًا لعملية تجنس الإنسان والقيم. بيد أن رواج

هذه الفكرة أحدث رد فعل من طبقة حماة الذات، فكان التقمص التراجعي للشكلانية التراثية توجيهًا يقتضي العودة إلى الماضي بشكله وليس بروحه. مع اعتبار الاستغلال الأيديولوجي لهذا الاتجاه في سبيل إنجاز مهمّات سياسية في إطار الاستراتيجية العولمية التي تقتضي فتح أسواق واستغلال

ثروات. تترجم العلاقة بين الإنسان والقيم حالة قلقة مكرسة للغربة بين ما قبل الحداثة والحداثة واستشرافات ما بعد الحداثة. ففي إطار تجميع الزمن الغربي بدلالاته المفهومية المستخرجة، يجري بسط ملف الإنسان داخل السياقات العربية الإسلامية مفهومَه عن ذاته وتصوراته عن الوجود وعلاقته بالقيم وأفعاله

المرتبطة بالقيم لتكون التصورات الأخلاقية تصورات سلبية؛ ذلك أن خضوعها للمعيارية الحداثية أحدث فراغًا هائلًا في الفكرة أو في تصورها وتكريسها. وعمومًا فما  يميز الفكر العربي، هو عدم قدرته على الإجابة عن سؤاله الأخلاقي قديمًا ومعاصرًا،

كما أن النقد الكفيل بتوضيح موقعه بين المسارات التي تسلكها الإنية الغربية غير وارد البتة. فكيف يستقبل الظرف الأنطولوجي للإنسان الغربي ويبرره ممًّدًا بمشروعيته، من مثل موت الإله وموت الإنسان؟ ماذا عن ضبابية القيم في عصر الحداثة الفائقة أو السائلة وفق المستخلص النقدي الغربي؟ ماذا عن إنسان ما بعد الحداثة في نرجسيته وفردانيته النووية؟ لماذا لا  يساهم الفكر العربي الراهن بنقدية تتولى تحليل ظرف الانسداد الأخلاقي الكوني حيث تم فقدان منطق القيمة والأخلاق ليسير في دروب العدمية المظلمة؟

رابعًا: أخلاق الراهن في المنظور الفكري العربي

يهتم الفكر العربي اليوم بالتفكير في قضايا أخلاقية راهنة ذات وصال بالمنظومة التقنية الغربية؛ وتأثيرها في الإنسان الغربي المتحول بسرعة نحو آفاق تنذر بنهاية الإنسان وحلول الآلة. تلك هي الأخلاق التطبيقية التي يبدي الفكر العربي اليوم اهتمامًا متزايدًا بها، مع غياب للاستفهام المنوط بعلاقته بالتقنية

ومشاركته في إنتاجها، فما موقعه في زمن الهيمنة التقنو–علمية؟ وما دوره في ذلك؟ وهل في إمكانه تقديم حلول أخلاقية للوضع الكوني المأزوم؟ في بنائه لتصوراته الأخلاقية ينطلق الفكر الغربي في صياغاته الأنطولوجية من وحدتين هما: 1. الخلاصة العدمية لموت الإله التي أحدثت فراغًا هائلًا، فيما  يخص سند القيمة ترى بينة في الإنشاء الذي صاغه جان بول سارتر Jean–Paul Sartre (1980–1905) في طبيعة الوجود لذاته في شعوره بالاغتراب في عالم مبهم يُشعر الذات بالغثيان، وفي حرية تجعل من القيمة مجرد رغبة في التردد بين

الوجود والعدم، كما سيستنهض هذا الوجود مفهومًا نسقيًا هو الجنس الثاني لسيمون دي بوفوار

Simone de Beauvoir (1986–1908) بحيث تشعر الأنثى بالقلق فيما  يخص وجودها وعلاقتها

(46) Jean Paul Sartre, L’être et Le néant, Essai d’ontologie phénoménologique (Paris: Gallimard, 1950), p. 45.

بالذكر والأسرة. أما عن خلاصة هذه النهايات العدمية، فهي تأزيم لفكرة الوجود الاجتماعي وتفكيكه لتحل الفردية بوصفها فكرةً معقدة واستراتيجية، تراهن على منطق الرغبة والفائدة، ورواج فكرة الشيئية والاستهلاك. 2 الخلاصة العدمية لفكرة موت الإنسان بوصفها تتابعًا للتجاوز النقدي الحداثي ولحظة تحين. إخفاقات السرديات الكبرى للحداثة، وهذا التعاقب لمتلازمة الموت يشرع لعصر النهايات الكبرى؛ نهاية الأخلاق ونهاية الواجب ونهاية الأسرة، وموت يتلاحق على الصعيدين الروحي والأنطولوجي، يتوارد تباعًا وتتضح نتائجه في الإنسان والطبيعة؛ لتنفتح في عصر التقنو–علمي أسئلة البدائل الإنسانية التي تبشر بمتغيرات الإنسان الطاغي، تتجلى في مشاريع الإنسانيات بما تحمله سوابقها؛ ما بعد الإنسان، والإنسان المتجاوز، وهلم جًّرًا من أحوال الاغتراب التي ينطلق فيها الإنسان نحو المجهول.

فما ظرف الإنسان في الفضاءات العربية الإسلامية، وهو يتلقّى تباعًا وعلى نحو متسارع متغيرات الحداثة وما بعد الحداثة؟

1. أزمة القيم: قلق الذات العربية في زمن موت الإله

تتصاعد المفارقة بين قيم الذات وقيم الآخر في الفكر العربي المعاصر، وفق تطور الذات الغربية؛ ولأن الذات العربية تلتزم ببداهة فوقية هذه الذات، فقد انساقت إلى التلقي والتبني. وبما أنها تفتقد إلى روح النقد، فهي تحيا أزمة قيم تثير وضعًا صدامًّيًا بين القيم الأصلية المنوطة بالمعرفة والوجود، ثم

قيم التلقي، وخاصةً أنها اعتادت الطاعة، فهي تراهن على التلقي لتجاوز أزماتها الذاتية، فإذا بها تنفتح على ضروب أزمات قادمة. كانت تتابعات موت الإله ضخمة من حيث تثبيت الذات محورًا في العالم وخارجه، فانفراط عقد الغيب

أدى إلى بناء عالم الذاتوية المتحقق بإنسان مركزي طاغٍ ليحيا هنا ومن أجل هذا ال "هنا". ولذلك وسع مجال مكتسباته التي تحولت إلى نهم بالغ الضرر بالإنسان والطبيعة، معتبرًا الحياة الإنسانية عملية

تسوق كبرى تخضع لمنطقَي الربح والخسارة، تتزاحم فيها دقات الحياة هوسًا من أجل مكاسب الآن،

فمثلت عملية اقتصادية بامتياز، بحيث راهنت عليها الرأسمالية في توسعها وامتدادها جاعلة من الفضاء الإنساني عملية استهلاك وتسوق وتدافع فاقد لمقاصد أخلاقية تمده بالجدوى والمشروعية. وبهذا تنهار الأخلاق تحت تجسيد الطبيعة البشرية وسلطتها الفوقية المقوضة للمعنى. هو ظرف يبحثه تايلور بوصفه أزمة محيطة بالذات الحديثة وتتابعاتها، حين يقول: "العالم فقد كلًّيًا محيطه الروحي، فلا شيء يستحق

العمل والخوف. هو خواء مرعب نوع من الدوار أو تصدع عالمنا وفضائنا المادي أيضًا". في هذا السياق تواجه الذات العربية تشققًا وقلقًا هائلين فيما  يخص طبيعة الذات في صلتها بالغيب، ثم من جهة صلتها بالمنظومة الغربية في تقلبها وتحولاتها المتسارعة من جهة أخرى. فبين عقلانية

(4((سيمون دي بوفوار، الجنس الآخر، ترجمة ندى حداد (عمان: الأهلية للنشر والتوزيع، 2008)، ص.10

(48) Edgar Morin, Science avec Conscience (Paris: Seuil, 1990), p. 17.

((4(تايلور، ص.61

الكوجيتو التي تعتمد على فوقية الذات ثم عقلانية الشهادة التي تشهد بتعالي الذات الإلهية، تدخل الذات العربية في عملية صراع ومبارزة بين العقلانيتين، وخاصةً أن المكتسبات الفكرية والمادية لعقلانية الكوجيتو، لها من الإجرائية المادية ما  يجعل عملية المبارزة تنتهي لصالحها مع سيادة لثقافة هشة ومهمشة تَسِم الذات في الفضاء العربي. هكذا تكون المعركة الوجودية للعدمية أرجح مادًّيًا، مما أدى إلى تفتت قيم الذات ودخولها في عملية

تبدل. نرى هذا في أزمة الإنسان في الفضاءات العربية الإسلامية التي دخلت في هيكلة إنسانية ومجتمعية وسياسية تفرض إعادة برمجتها لصالح التضخم النووي للكوجيتو. والحق أن هذه العملية تابعة لعملية الابتلاع الاستعماري الذي يعمل على تمكين البردايم الحديث منذ انبثاقه، حيث يشكل الإنسان في الفضاء العربي موضوعًا للاستحواذ، وما شهده ويشهده من إبادة في الزمن الحديث وما بعده لدليل على مشروع الإزاحة الأكسيولوجية لتمدد الزمن الغربي، باعتباره زمنًا يهمه الجسد بعد ما دخل في عملية مطاردة للروح تقتضي إبادتها بشتى الوسائل. بين منظومة العدمية المقترنة بموت الإله ومنظومة التزكي المقترن بالله الحي، تتأسس أزمة الإنسانية في الفضاء العربي الإسلامي؛ أي بين اقتضاب الغيب والتمركز الذاتوي للأنا، والاندماج في الزمان الحي تزكيًا. بهذا تُحيي الذات في الفضاء العربي الإسلامي أزمة الفراغ القيمي لتواجه السيل الدافق لسيولة

الفكرة المعولمة، إنه تشقق واقتضاب للقيم يجعل التسرب نحو الجهة الراجحة أحد مسارات الهوية والذات الحضارية تدل على مبهم ينبئ بخوف من مستقبل يحمل أزمة العدمية الأكثر تجذرًا. فما بديل

التلبيس الأخلاقي الذي تتعرض له الذات في عملية الهيكلة الاستهلاكية؟ أدخلت فوقية الزمن الغربي الذات العربية في أزمة تشقق قيمي تنذر باندثارها الوشيك. وكان للدولة الحديثة في الفضاء العربي دورها في تربية أجيال من البشر على الطريقة الفوردية Fordism، هي جيوش تفكر وفق النمط الاستهلاكي الاستعبادي، لتلقى الذات في الفضاء العربي الإسلامي حالة من الاغتراب يجعلها في وضع صراعي بين ما  يفترضه إيمانها بالغيب، من مراقبة باطنة ومعاقبة مؤجلة إلى زمن أخروي تؤمن به، وما تفرضه الدولة الحديثة ما بعد الكولونيالية من مراقبة ومعاقبة حتى على أفعال يرضاها الغيب ويحبذها تزكية للذات والسلوك. بيد أنها في قوانين الدولة الحديثة ما بعد الكولونيالية، تبدو غير موافقة للتطلعات الاستراتيجية للسلطة.

((5("فوردية" مصطلح يُشير إلى مرحلة من مراحل التطور الاقتصادي في القرن العشرين، وهو لفظ مأخوذ من اسم المهندس

ورجل الأعمال الأميركي هنري فورد Henry Ford (1947–1863). هذه المرحلة تشهد تطورًا في صناعة التصنيع والإنتاج الضخم،

تميزت بسيطرة مؤسسات كبرى على الإنتاج واعتماد تقنيات إنتاج جديدة وفعالة، ما أدى إلى زيادة كبيرة في إنتاج السلع وتوافرها بأسعار منخفضة. وأبرز السمات التي تميز هذه المرحلة تبسيط عمليات الإنتاج وتقليل التعقيد. وقد استخدم هنري فورد في مصنعه للسيارات تقنيات مبتكرة مثل خط الإنتاج المتحرك، والتي أسهمت في زيادة الإنتاجية وتخفيض تكلفة الإنتاج. وتعتبر هذه الطريقة الفوردية للإنتاج واحدة من العوامل التي ساهمت في تغيير الاقتصاد العالمي وزيادة الاستهلاك. ((5(مثال ذلك منع الحجاب في تركيا وتونس، وغلق المساجد في كثير من دول العالم العربي، وسعي التيار النسوي إلى وضع مدونات للأسرة تتقفى الأنموذج الغربي، من دون التحقق من مناط المرأة والأسرة في الغرب والنهايات الشاذة التي انتهت إليها، في وضع يمكن الاصطلاح عليه ب "ما بعد المجتمع"، وقتل الطبيعة البشرية التي بدت في هذه السنوات في الإقرار الديمقراطي بالمثلية الجنسية وتغيير الجنس وسيادة الجندرية وهلم جًّرًا من الانحرافات الأخلاقية.

يقتضي منطق التزكي تجاوز الذاتوية المفرطة والارتباط بعملية تخلق حرة تجري في إطار اعتراف شاهد على المحايثة بين الذات الإلهية والإنسان. في حين ترتكز الذات الحديثة على مفهوم نووي للذات المنفصلة تعلو فيه الذات تقويضًا للتعالي لتركب مدارج المتعالي ليزداد في الزمن ما بعد الحديث إفراطًا مقرًا بفناء القيم وانطلاقًا في عملية التشريع الذاتي للأخلاق. فكان من ثم الانفتاح على المطالب

المفرطة لجسد يتمدد إلى أن غدا لديه الوجود العيني غاية المرام. فأراد الشيخ أن يخلد على حساب الجنين في منظومة فككت السنن الكونية. إذًا، هي مقابلة تفسر الإخفاقات والأزمات التي حركتها الحداثة وتفسر فشل مشاريع تقليد واقع الحداثة في الفضاء العربي الإسلامي. تبدو المفارقة في عالم الوعي العربي المنبثق من أزمة الحداثة على المستويين الثقافي والواقعي في فقدان الأنموذج الأخلاقي. ففي مجال الفكر تنكسر كل المحاولات الرامية إلى التأسيس؛ ذلك أنها تتشقق بين تقليدين، يحولان دون بناء أنموذج فكري منفتح على ثقافة الذات التي تبدو عامرة بالمبنى القيمي والأخلاقي، ممثلة في الأنموذج الحي المبثوث في السلوك. أما الأنموذج الغربي فإنه فاقد للصدقية الأخلاقية من باب التجلي المفسد للإنسان والكون، فهو يرتكز على نقيض القيم. ودليل ذلك ما حصل من إبادة للإنسان والطبيعة في زمن الهيمنة الكونية على مقدرات العالم.

2. شرود الذات العربية في الاستشراف الأنطولوجي لموت الإنسان

عند الحديث عن موت الإنسان ينفتح المفهوم الفوكوي، في تحليل معرفي يفكك منظومة العلوم الإنسانية. بيد أن مغادرة الإنسان للتاريخ كما أشار إلى ذلك ميشيل فوكو Michel Foucault)1984–1926(، لم تكن في المستوى الإبستيمولوجي فحسب، بل كان مستواها الأخلاقي لافتًا للنظر. تؤدي المبادرة المعرفية الفوكوية إلى فك الالتزام وخلق بيئة حاضنة لموت الإنسان في المستوى الذاتي الفاعل في الواقع، بحيث تتجهز كل أدوات الفردانية وإحاطة الذات بوجود جميل، يفتقر إلى المبادرة الأخلاقية التي تخلق فاعلًا من منظوره القيمي والاجتماعي. فالتركيز على وعي السلطة وتفكيك منابتها، يؤدي في نهاية المطاف إلى إنشاء فردانية منتزعة من سياقاتها الإنسانية، وفتح ممكنات الذات خارج كل أخلاقية؛ فكان البديل الفوكوي تعويضًا عن الأخلاقية بالجمالية. لذا يكون موت الإنسان عند فوكو مقاربة ما بعد حداثية، تفكر إبستيمولوجيًا في اللامُفَكَّر فيه داخل وعي الحداثة،

ولكنها ستعمل على بناء حاضنة النهايات، أهمها سلطة الذات الأخلاقية بمعنى المراقبة التي انتهت في مستوى الذات إلى التفكك والتشرذم، لتنبثق فردانية سائلة تتقوض معها القيم، وهي خلاصة لثورة 1968 في فرنسا وارتداداتها التي سوت أرضًا إنسانية ومجتمعية من دون إلزام أخلاقي، إنما هي في

(5((ميشيل فوكو، الكلمات والأشياء، ترجمة مطاع الصفدي [وآخرون] (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1990)، ص.331 (5((ميشيل فوكو، الانهمام بالذات، ترجمة جورج أبي صالح، مراجعة مطاع صفدي (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1991)، ص.60 ((5(ثورة مايو 1968 في فرنسا هي حركة احتجاجية واحتلال للشوارع والمؤسسات الجامعية والصناعية. بدأت الثورة في أيار/ مايو

1968، واستمرت عدة أسابيع. كانت هذه الحركة جزءًا من موجة احتجاجات عالمية في عدة دول، ولكنها أخذت شكلًا خاصًا في

فرنسا. تنوعت مطالب المحتجين وشملت العديد من القضايا، بما في ذلك الحريات الشخصية والمسائل الاقتصادية والاجتماعية. وكان لديهم مطالب أيضًا تتعلق بالنظامَين التعليمي والثقافي، وكانوا يسعون للتغيير والإصلاح في هذه المجالات.

وضع رخوي يمكّن من إبداع للقيم، تبينت في الحداثة الفائقة بحيث غيرت الواجب ليكون بديله ما بعد الواجب، فالتحق الوضع الإنساني بالسعادة العارمة التي تبتغي السلعة مقصدًا لها ترى في تحوير الجسد متلازمة إنسانية مكملة للسعادة اللامتناهية. ارتبط مشروع تعديل الإنسان من الناحية البيولوجية، وكذا ترقب الإنسان المتجاوز، بوصفه مشروعًا على سبيل موت الإنسان، بفلسفتي الموت الكبيرتين؛ موت الإله الذي أفقد المعنى بمنطقه الإجمالي، وموت الإنسان الذي يفسح مجال الممكنات وقبولها ثم تبنيها، اعتبارًا للحقوق الإنسانية المؤسسة على الوضع الطبيعي بمعنى: "افعل ما تشاء"، وفق الرقابة الديمقراطية وتوجهاتها الموصولة بالغاية النفعية، وبمنطق لحقوق الإنسان يحتكم إلى الحرية السائلة. في هذا الإطار سلك الإنسان العربي مسلك الموت الماهوي واتخذ من النمط الرغائبي سبيلًا له؛ من حيث يدري أو لا  يدري. فقد تقمص صورة نمطية تعاني وضعًا باثولوجيًا، أساسُه تمزق قيمي

ينتهي إلى اندثار الإنسان. وبناءً عليه، ترى الإنسان العربي، يتخبط موتًا ماهويًا وأخلاقيًا، بعد ما لبس

الشخصية الإنسانية المغايرة لذاته وسلك مسالكها ورأى فيها غاية لخلاصه، مجهزًا نفسه لاغتراب ينهي وجوده الأصلي؛ ذلك أنه لم يفكر في خلق شخصية توافقية مبدعة تنخرط في العالم فاعلة بقيمها حاملة للحياة في جنباتها؛ حياة الخُلقِ وحياة الروح. ولا  يعد تفكك المجتمع في فضائه العربي الإسلامي متغيرًا طبيعيًا، إنه صيرورة حتمية، تدرك بوسيلة

التحديث القسري، بحيث جرى تفكيك البنى التقليدية لتعَّوَض ببنى مشوهة تتجاوز طبيعة الذات، وهو

أمر ملاحظ في راهن إنساني غادر الروابط الاجتماعية للأسرة والعلاقات الممتدة المؤسسة للعلاقات الرحائمية التي تعد طبيعية في قيمه الموروثة، حبذا لو نشرها هو في العالم، بدل أن يدخل اليوم في ممارسة القيم النفعية الفردية تاركًا القيم الصالحة التي رافقت وجوده لعمر مديد. فهل يؤول هذا الحال إلى قوة الدفعة الحداثية وإمكاناتها الإجرائية الفاعلة؟ انفتح الفكر الغربي المعاصر على نقدية تعيد قراءة مسارات الحداثة التي انبثقت بفعلها آفات مقوضة للوجود، منها الأنظمة الشمولية، وفساد البيئة، وأزمات إنسانية تتتالى، كان آخرها ظاهرة كورونا بوصفها نظامًا فيروسيًا معولمًا، وما تبعه من انهيارات اقتصادية وإنسانية تنبئ بفوضى عارمة تجتاح العالم الذي

يتجه بفعل الهيمنة السياسية والتقنية، وبسرعة، نحو منحدرات زلقة. وجدت هذه النقدية البدائل الإنشائية للحداثة مشتركة في خطط فكرية؛ أولها ضرورة القراءة المجاوزة للحداثة إما بإنشاء خطوة نحو ما بعد الحداثة، وإما تصحيحًا لها وإكم لًا لمشروعها الذي

(55) Gilles Lipovetsky, Le crépuscule du Devoir (Paris: Gallimard, 1992), p. 67. (56) Gille Lipovetsky, Le bonheur paradoxal (Paris: Gallimard, 2006), p. 53.

(5((زيجمونت باومان، الحياة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر، مراجعة هبة رؤوف عزت (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016)، ص.53

(58) Jean–François Lyotard, La Condition postmoderne (Paris: Les éditions de Minuit, 1979), p. 7.

لم  يكتمل. وعلى الرغم من المشترك والمختلف، فهي مشاريع تعيد النظر في أنات الزمن الحديث، فمنهم من فكر في زمن يفكك فيه الأطر الكبرى للحداثة، ومنهم من أراد إصلاحها ومنهم من اعتبرها موت للإنسان وزمن للاندثار في مجتمع استهلاكي يعني العجز. تلك هي الرهانات النقدية التي مكنت من التحقيق في النظام المعرفي والأخلاقي للحداثة. ولأن الفكر العربي يعاني الفراغ المضموني وفقدان النسق المؤسس مرجعًا ومنهجًا؛ فهو تابع للغالب

وقد راهن على فوقيته. وبناءً عليه، سيروج للنقدية الغربية مكررًا أقوال ما بعد الحداثة، معيدًا القراءة

تلو القراءة للنظرية التواصلية عند يورغن هابرماس Jürgen Habermas، ونظرية العدالة عن جون رولز John Rawls (2002–1921)، والأخلاق التطبيقية ورهانات البيوتكنولوجيا، وغيرها من النظريات التي تحققت بمسارات الحداثة. ويغيب عنه أنه أولى من غيره نقدًا لها. ألم تعانِ الذات التي يراد تحديثها من الاستحواذ والإقصاء، وتبقَ كذلك؟ ألا تزال هذه الذات تعيش في عنف النظام الشمولي العربي الذي أعاد إنتاج ذاته السلطانية وفقًا لديكتاتورية البروليتاريا والديمقراطية الموهومة؟ تكون النتائج الوخيمة للبردايم الأخلاقي للإنسان الحديث على مستوى التطبيق مدعاةً لبسط النظر في النماذج المطرودة من ساحة التفكر الإنساني جملة، بما أنه بردايم ينمو في ثقافة "تفضل المنتجات الجاهزة للاستخدام الفوري والاستعمال السريع والإشباع اللحظي". ذلك أن الأنموذج الأخلاقي الحديث، يتموقع بوصفه ضدًا لما قبله فقد سعى في سبيل تشتته واندثاره. يرتهن تحرير الوعي العربي الإسلامي من المركزية الغربية، بفتح آفاق التخلق الذي ينظر خارج أسوار البردايم الموسع الذي فرضته الهندسة الحداثية للعالم إنشاء وصياغة للإنسان الاستهلاكي؛ المحرك لعجلة النظام الليبرالي. وإذًا، فمن الواجب أن تتخذ المبادرة الفكرية العربية الراهنة مسؤولية الاندماج في سياق عالمي؛ يتميز بالاختلاف عن الفكر الكوني الموسوم بهيمنة المركزية الغربية. فما فائدة الاندماج في الفكر الأخلاقي الغربي طاعة؟ إذ لم يؤسس هذا الاندماج سوى الفراغ والتردي وزيادة الهيمنة العولمية النيوليبرالية على الإنسان. وما جدوى التركيز على الفكرة الأخلاقية في سياقاتها الغربية؟ هي فكرة جديرة بالمعرفة والتفكر، لكن في إطار تأسيس الفكر المختلف الذي يتطلب ما  يلي: أ. تفعيل رهان الاستقلالية، ويشكل هذا الرهان خطوة معرفية تستوجب خطوتين، الأولى: تكون نقدية لأنها تعيد قراءة لحظة التسليم الكلي بنجاعة مفهوم التحديث وفقًا لواقع الحداثة. أما الثانية: فبنائية انفتاحًا على مقدرات الذات، خارج أطر التوجس الصراعي بين الاتجاهات الفكرية، بحيث يقتضي

هذا البناء تجاوز الخلاف الأيديولوجي، وأخذ المبادرة العلمية الخالصة.

(59) Jürgen Habermas, Le discours philosophique de la modernité: douze conferences , Christian Bouchindhomme & Rainer Rochlitz (trans.) (Paris: Gallimard, 1985), p. 1.

(6((زيجمونت باومان، الحرية السائلة، ترجمة فريال حسن خليفة، مراجعة محمد سيد حسن (القاهرة: مكتبة مدبولي، 2013)، ص.136 (6((زيجمونت باومان، الحب السائل: عن هشاشة الروابط الإنسانية، ترجمة حجاج أبو جبر، مراجعة هبة رؤوف عزت (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016)، ص.41

ب. تجاوز ضيق للعقلانية الغربية ومقرراتها التي تعتبر أن الفلسفة هي كل ما  يسري وفقًا للهيكل المفهومي للفلسفة اليونانية أو الفلسفة الغربية بتراتب أزمانها المتلاحقة من النهضة إلى الراهن. ج. الانفتاح على ثقافة الذات بوصفها تفكيرًا ما بعد أيديولوجي. إنه التفكير في إطار الرهانات

التاريخية، بمعنى قراءة الأطر القيمية التي تحرك فيها الإنساني في الفضاء العربي الإسلامي. وتفعيل النظر في الخطابات التي نتجت بفعل الهم الأخلاقي الموصول بالتاريخ الإنساني في حاضنته الثقافية الأصلية. هي حقول لها قيمة معرفيًا، بحيث تجيب عن الأسئلة الأخلاقية المنوطة بالإنسان التاريخي،

كعلم الكلام، وعلم الفقه وأصوله، وعلم التصوف، وعلم الأخلاق، في علاقته بالحركة الإنسانية في سياقاتها الفلسفية العربية الإسلامية. د. تكون العلاقة بين "أنا أستعمِر إذًا أنا موجود" و"أنا أستهلك إذًا أنا موجود"، علاقةَ المسبب بالسبب. وكل منهما هو نتيجة ل "أنا أفكر إذًا أنا موجود". فإلى أي مدى يتفق كوجيتو الشهادة مع صيرورة كوجيتو العقل المجرد؟ خاصة أن كوجيتو الشهادة يحتوي على الزمن الإنساني بأبعاده الروحية والمادية، محددًا غائية أخلاقية تستوفي مقصدًا محددًا، وهو الصلاح. ه. إذًا، يخلص مسار كوجيتو العقل المجرد إلى تأسيس أخلاق تروج لغائية الاستهلاك؛ ما أدى بعالم الاجتماع والفيلسوف زيغمونت باومان Zygmunt Bauman (1925–2017) إلى تفقد هذا الميراث الحديث في ضروب من السيولة حولت الإنسان إلى لعبة استهلاكية متسائلًا عن نجاعتها، وهو شأن الفلاسفة الغربيين من هابرماس إلى رولز، ويوناس، وإيمانويل ليفيناس Emmanuel Levinas (1995–1906)، وغيرهم كثير ممن أعادوا التفكير في الأخلاق درءًا للخلاصة

العدمية للحداثة. ما سبب المراجعة الفلسفية لسؤال الأخلاق في الفلسفة الغربية؟ هل يعود غنى حقل الأخلاق في الفلسفة الغربية إلى تفكيرها داخل بردايمها الموصول بالثورة على الإله الكنيسة؟ وهل يعود فقر حقل الأخلاق في الفكر العربي المعاصر إلى أنه تجلٍ لصيرورة الانحطاط من جهة وصدمة الحداثة من جهة أخرى ووقوعه تحت ثقل تجربة الاغتراب الذاتي الموصول بسلطة الحداثة الفوقية؟ و. عند فحص الميراث الأخلاقي العربي الإسلامي في التاريخ المعرفي الذي يوصف ب "ما قبل الحديث"، نلقاه متنوعًا مفتوحًا على حقول تفكر في الإنسان في علاقته بالقيم الموصولة بأنموذجه. فهناك النص الفقهي، والأصولي، والكلامي، والفلسفي، والصوفي، والتخلقي، وهي ضروب تثري التفكير في علاقة القول القيمي بالفعل، وهو ما حاول محمد عابد الجابري (2010–1935) قراءته في كتابه نقد العقل الأخلاقي العربي، لكنه سار في قراءته محصورًا داخل المنظومة العقلانية، وفي إطار أنموذج المركزية الغربية.

(6((يُنظر: محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية (بيروت/ الدار البيضاء:

المركز الثقافي العربي،.)2001

ح. تنتهي القراءات الأخلاقية في الفلسفة الغربية الراهنة بتعدد حقولها وأسئلتها المتكاثرة إلى وجود أزمة أخلاقية كبرى. تبدو في ضياع مقصد الإنسان من الوجود، فقد تحول الكون إلى مساحات للتسوق بما فيها الفضاء الكوني. فهل نعيد فحص الأنموذج الأخلاقي العربي الإسلامي خارج التمثلات التي فرضتها المركزية الغربية قراءة وتأوايلًا وفقًا لمقدماته؟ خلص الأنموذج الغربي إلى نهاية الإنسان واقتراب موته، يتجلى ذلك عبر مفاهيم إنسانية مقبلة يتجاوز بها الإنسان إلى إنسانية فائقة يموت معها ليعوض بالآلة، وهو يحلم بموت الموت عبر إنشاء تركيبي جديد يلم بخلاصات العلوم، مجهزة لميلاد إنسان أحاط به الموت من كل مكان.

خاتمة: أي فكر أخلاقي عربي راهن؟

لم يكن الفكر العربي الحديث والمعاصر سوى سردية على هامش سردية الحداثة، وتجٍّلٍ لمنتوج ثقافي هيكلته الهندسة الحداثية في مدار هيمنتها على المقدرات الثقافية للعالم. فما الهوية التي يفكر فيها ومن أجلها هذا الفكر؟ إنها صياغة لمتخيل عن هوية ملفقة بين ماضٍ يبرز هوية دفاعية وحاضر غاب عنه أن الهوية الحديثة ذات خصوصية تتأسس على أسئلة موصولة بالصدمة الغاليلية، فالكينونة الحديثة بفرديتها هي خلاصة لمقدمات تفاعلت فيما بينها من أجل تحرير الإنسان من سلطة المؤسسة الدينية. فكيف نلبس هويات تختلف في أصولها وجودًا ومعرفة؟ ألا  يعتبر هذا الإلباس هيمنة على الهوية وذوبانًا في هوية لها سلطة التملك؟ تبرز النظرية الأخلاقية الحديثة مقدرات معرفية لها صلة مباشرة بنظرية المعرفة التي كان عليها تقديم مبررات معرفية وميتافيزيقية، فيما  يخص شرعية المبادئ التي تقتضيها هذه النظرية. وذلك بعد انبثاق التصور الحديث الذي يمتلك مقدرات نقدية لصياغة نظرية المعرفة التي تشرعن المبادئ. وتكون نظرية كانط أنموذجًا فائقًا يوضح هذه العلاقات الإنشائية للظرف الأخلاقي الحديث. فإلى أي مدى

تتطابق الهوية الغربية مع الهوية العربية الإسلامية؟ سؤال يدعو إلى الكشف عن البنى التحتية لهذا التشكل والإنشاء لكل منهما. تشكل العلاقة بين الفكر والمؤسسة – وخاصة تلك الموصولة بالدولة الوطنية الحديثة ما بعد الكولونيالية – إحدى محطات السؤال عن طبيعة الفكر العربي الحديث والمعاصر؛ إذ يبدو أن فوقية الحداثة وترميم الذات، انطلاقًا من وعي المؤسسة يعد أحد العناصر التي تفسر فشل مشروع بناء فكر عربي يغيّر الواقع تغييرًا إيجابيًا. في هذا الإطار يجب التفكير في طبيعة هذا المشروع؛ بنيته

واستراتيجيته، ومن ثم السؤال عن فكر عربي أخلاقي يعترف بحقيقة الإنسان، لا  يفكر في ظرف متخيل موصول بإنية، لها مدارجها ومداركها المعرفية والوجودية. إن الفراغ الموروث عن زمن التردي الحضاري أو ما  يصطلح عليه الكثيرون عصر الانحطاط، يبيّن طبيعة

التوجه النسقي لمشروع الفكر العربي الحديث والمعاصر، موضحًا أسباب تبني البردايم الحداثي من

(63) Alexandre Laurent, La mort de la mort (Paris: JC Lattés, 2011), p. 35.

دون وضوح السؤال النقدي. فقد اكتسب مطلب التحديث في زمن أول مع الطهطاوي رغبة تزيح كل سؤال نقدي مؤثر في توجهات الفكر. وسيستمر مطلب التحديث المقلد، ليضع حدودًا من دون إبداع الذات لفكرها المؤسس والمحرك لواقعها حركة إيجابية. كان التقليد خلاصة للتحديث القسري، وقد انساقت إليه الذات العربية من دون سؤال. بهذا تشكلت ذات تتوق إلى التقليد وتفتقد المبادرة الفكرية المبدعة؛ مما أدى إلى صمتها حيال إشكالاتها الصميمية، ومنها أسئلة الإنسان عن ذاته وأخلاقه. والحق أن هذا التشكل البردايمي للأنموذج التقليدي ألف أسطورة لكهف ولج إليه الوعي العربي، من دون أن يعثر على درب تحرير الوعي، فبقي يكرر مواقف المستشرقين، في حين يؤكد فراغه من إجابةٍ عن سؤاله الأخلاقي. من الضروري التنقيب عن العلاقة بين المؤسسة الاستعمارية، وانبثاق الفكر العربي الحديث والمعاصر، سواء بوصفه رد فعل على الاستعمار يمثله مشروع الإحياء بصفة عامة أو مشروع تنسيق الذات وفق مسارات الآخر انطلاقًا من الحداثة. فكل من الاتجاهين يفتقر إلى التأسيس والبديل، بل يمكن اعتبارهما مجرد ردود أفعال على حركة الكوجيتو، وهو في سعي نحو مكتسبات السلطة والملك. يتوازى مفهوم ما بعد الحداثة مع مرحلة انفكاك العقد الأخلاقي وانفراطه إلى حد افتقد فيه معيار المعرفة الأكسيولوجية والأخلاقية. وهو ظرف تجسد بحلول العولمة التي تتطلب سيلانًا لا محدودًا من الإنتاج السلعي. إن الذات ما بعد الحديثة تستوعب كل شيء وتسمح بكل شيء وتشتري بلا انقطاع؛ لذلك تفنى النقدية القيمية التي تتيح معرفة المسموح به من غير المسموح، وتتطبع الذات على قبول كل شيء. وهو رهان تبتغيه العولمة المتزامنة مع الظرف النيوليبرالي الصاعد، وقد تمكن من سوقنة الوجود البشري وإعادة توزيع الإنسانية وفقًا لمطلب هذه السوقنة. يبقى فتح الفضاءات الفكرية في السياقات العربية الإسلامية كعلم الكلام، وعلم الفقه وأصوله، وعلم المقاصد، متون علماء التخلق، لا مفكرًا فيه في مظان البداهات الحداثية التي تطبّع عليها الوعي

العربي منذ صدمة الحداثة. وعلى الفكر العربي الراهن فتح ورشات بحث في إطار عملية علمية تتجاوز مقدمة الحداثة، واضعةً إياها بين قوسين تفكرًا في معاني الخطاب الأخلاقي، المنوط بتاريخية

الإنسان الذي كرس أنثروبولوجيا مميزة من غيرها، تعد تجليًا للعلاقة بالواقع، وفيها تكمن الإجابة عن

السؤال القيمي في السياقات العربية الإسلامية.

References

المراجع

العربية

أبو زيد، نصر حامد. الخطاب والتأويل. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2000 أركون، محمد. الإسلام الأخلاق والسياسة. بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع؛ منشورات مركز الإنماء القومي،.1990

_______. تاريخية الفكر العربي الإسلامي. ترجمة هاشم صالح. ط 2. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1996 _______. نزعة الأنسنة في الفكر العربي: جيل مسكويه والتوحيدي. ترجمة هشام صالح. بيروت: دار الساقي،.1997 _______. الأنسنة في السياقات العربية الإسلامية. بيروت: دار الساقي،.2001 أرنت، حنة. أسس التوتاليتارية. ترجمة أنطوان أبو زيد. ط  2. بيروت: دار الساقي،.2016 أمين، أحمد. كتاب الأخلاق. ط  3. القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية،.1925 باومان، زيجمونت. الحرية السائلة. ترجمة فريال حسن خليفة. مراجعة محمد سيد حسن. القاهرة: مكتبة مدبولي،.2013 _______. الحب السائل: عن هشاشة الروابط الإنسانية. ترجمة حجاج أبو جبر. مراجعة هبة رؤوف عزت. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2016 _______. الحداثة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. مراجعة هبة رؤوف عزت. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2016 _______. الحياة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. مراجعة هبة رؤوف عزت. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2016 بدوي، عبد الرحمن. شهيدة العشق الإلهي رابعة العدوية. ط  2. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية،.1962 بك، أوليش. مجتمع المخاطر العالمي: بحثًا عن الأمان المفقود. ترجمة علا عادل [وآخرون]. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2013 بن نبي، مالك. المسلم في عالم الاقتصاد. ط  13. دمشق: دار الفكر،.2018 _______. مشكلة الثقافة. ط  21. دمشق: دار الفكر،.2019 تايلور، تشارل. منابع الذات: تكوّن الهوية الحديثة. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. مراجعة هيثم غالب الناهي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2014 التريكي، فتحي. أخلاقيات العيش المشترك. ترجمة زهير المدنيني. تونس: الدار المتوسطية للنشر،

دراز، عبد الله. دستور الأخلاق في القرآن. الكويت: دار البحوث العلمية،.1973 دي بوفوار، سيمون. الجنس الآخر. ترجمة ندى حداد. عمان: الأهلية للنشر والتوزيع،.2008

راسل، برتراند. المجتمع البشري في الأخلاق والسياسة. القاهرة: اللجنة المصرية للتأليف، [د. ت.]. الطهطاوي، رفاعة رافع. تخليص الإبريز في تلخيص باريز. الجزائر: دار موفم للنشر،.1991 الطويل، توفيق. فلسفة الأخلاق. القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع،.1985 فوكو، ميشيل. الكلمات والأشياء. ترجمة مطاع الصفدي و[آخرون]. بيروت: مركز الإنماء القومي،

_______. الانهمام بالذات. ترجمة جورج أبي صالح. مراجعة مطاع صفدي. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1991 كانط، إيمانويل. نقد العقل المحض. ترجمة موسى وهبة. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1990 محمود، زكي نجيب. نحو فلسفة علمية. المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي،.2022 مروة، حسين. النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية: الكندي، الفارابي، ابن سينا. بيروت: دار الفارابي،.2008 المصباحي، محمد [وآخرون]. ابن عربي في أفق ما بعد الحداثة. سلسلة ندوات ومناظرات. 107 الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية،.2003 هابرماس، يورغن. المعرفة والمصلحة. ترجمة حسن صقر. كولونيا/ ألمانيا: منشورات الجمل،.2000 هيغل. فنومينولوجيا الروح. ترجمة ناجي العونلي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2006

الأجنبية

Brunschvig, Robert. Etude d’islamologie. Paris: G.-P. Maisonneuve et Larose, 1976. Burlamaqui, Jean–Jacques & Jean–Paul Coujou. Principes Du Droit Naturel. Paris: Collection Bibliothèque Dalloz, 2007. Ferry, Luc. "Kant Penseur de La Modernité." Magasine Littéraire. no. 309 (1993). Habermas, Jürgen. Le discours philosophique de la modernité: douze conferences. Christian Bouchindhomme & Rainer Rochlitz (trans.). Paris: Gallimard, 1985. Hume, David. Enquête sur les Principes de la Morale. Philippe Baranger & Philippe Satel (trans.). Paris: Flammarion, 1991. Jonas, Hans. le Principe De Responsabilité, Une éthique Pour La Civilisation Technologique , Jean Greisch (trans.). Paris: Flammarion, 1995. Laurent, Alexandre. La mort de la mort. Paris: JC Lattés, 2011. Lipovetsky, Gilles. L’ère du vide, Essai sur l’individualisme contemporain. Paris: Gallimard, 1993.

_______. Le bonheur paradoxal. Paris: Gallimard, 2006. _______. Le crépuscule du Devoir. Paris: Gallimard, 1992. Lyotard, Jean–François. La Condition postmoderne. Paris: Les éditions de Minuit, 1979. Morin, Edgar. Science avec Conscience. Paris: Seuil, 1990. Potter, Van Rensselaer. Bioethics: Bridge to the Future. USA: Prentice–Hall; Ex–library,

Sartre, Jean Paul. L’être et Le néant, Essai d’ontologie phénoménologique. Paris: Gallimard, 1950. Testart, Jacques & Agnès Rousseaux. Au péril de l’humain, Les promesses suicidaires des transhumanistes. Paris: Seuil, 2018. Videt, Jean Claude. Les Idées Morales dans L’islam. Paris: PUF, 1995.