النزعة الضد-نظرية في الأخلاقيات
Anti-theory in Ethics
الملخّص
ينتمي هذا المقال إلى النزعة الضد-نظرية في الأخلاقيات. ومقتضى هذه النزعة أن السلوك الأخلاقي للأفراد ليس ناتجًا من تصور نظري. والتصورات النظرية المشهورة في الأخلاقيات هي: النظرية النفعية، ونظرية الواجب، ونظرية الفضيلة. إن الأفراد، وفق النزعة الضد-نظرية، يختارون سلوكهم الأخلاقي بناءً على معايير عمَلية وسياقية داخل نسيجهم الثقافي، لا بناءً على مبادئ ومقتضياتٍ نظريةٍ. يقوم ستانلي كلارك في هذا المقال بمناقشتيْن، خارجية وداخلية. فأما الأولى فيناقش فيها التصورات النظرية في الأخلاقيات؛ وهي على صنفَين: نظريات معيارية عقلانية، ونظريات تماسكية. وأما الثانية فيناقش فيها التصورات الضد-نظرية (التي ينتمي إليها). فيُبين أن حجج النزعة الضد-نظرية نجحت في الاعتراض على النظريات المعيارية العقلانية. لكنها لم تنجح في الاعتراض على التصورات التماسكية. وهذه هي الدعوى التي يدافع عنها.
Abstract
Abstract: This article advocates an anti–theory stance in the realm of ethics. Anti–theory posits that the moral choices made by individuals do not arise from adherence to any specific moral theory. Rather, individuals act in accordance with their own personal standards, which are both contextually relevant and culturally informed. This paper presents a dual critique. On one hand, it scrutinizes the perspectives of theorists, specifically the Normative Rationalists and the Coherentists, contending that the moral principles advocated by Rationalists do not accurately mirror the genuine standards guiding individual actions. On the other hand, it turns its critical lens toward anti–theorist viewpoints, a category to which the author himself belongs. The paper argues that anti–theorist arguments effectively challenge the normative rationalist stance but are less persuasive when applied to the Coherentist perspective.
- نزعة الضد-نظرية
- السلوك الأخلاقي
- التصورات النظرية
- النظريات المعيارية العقلانية
- الكونية
- Anti-theory
- Ethical Behavior
- Theoretical Concepts
- Normative Rationalist Theories
- Universality
Translated by Moncif Daoudi | * ترجمة منصف الداودي
أن السلوك الأخلاقي للأفراد ليس ناتجًا من تصور نظري. والتصورات النظرية المشهورة
في الأخلاقيات هي: النظرية النفعية، ونظرية الواجب، ونظرية الفضيلة. إن الأفراد، وفق
النزعة الضد–نظرية، يختارون سلوكهم الأخلاقي بناءً على معايير عمَلية وسياقية داخل
نسيجهم الثقافي، لا بناءً على مبادئ ومقتضياتٍ نظريةٍ. يقوم ستانلي كلارك في هذا المقال
بمناقشتيْن، خارجية وداخلية. فأما الأولى فيناقش فيها التصورات النظرية في الأخلاقيات؛
وهي على صنفَين: نظريات معيارية عقلانية، ونظريات تماسكية. وأما الثانية فيناقش فيها
التصورات الضد–نظرية (التي ينتمي إليها). فيُبين أن حجج النزعة الضد–نظرية نجحت في
الاعتراض على النظريات المعيارية العقلانية، لكنها لم تنجح في الاعتراض على التصورات
التماسكية، وهذه هي الدعوى التي يدافع عنها.
مقدمة
قدم عدد من فلاسفة الأخلاق منظورًا جديدًا معارضًا للنظريات الأخلاقية
المعيارية. ونذكر من بين هؤلاء، آنيت باير)2012–1929(، وستيورات هامبشاير)2004–1914(، وبرنارد وليامز)2003–1929(. ينتمي المدافعون عن هذا الموقف إلى النزعة اللامعرفية، إذْ يَنفُون [بمقتضاها] إمكانية قيام نظرية أخلاقية بدعوى عدم وجود معرفةٍ
أخلاقية. رغم ذلك، فما أسميه "النزعة الضد–نظرية" في الأخلاقيات له أثرٌ أوسع، كونه ينفى حتى
صلاحية تلك النظرية المعيارية اللامعرفية، كنظرية ريتشارد مارفين هار (2002–1919) مثل. هكذا، فالنزعة الضد–نظرية مستقلة عن النزعة اللامعرفية، ويدافع عنها ثلة من الذين يريدون التحرر من الحديث عن المعرفة الأخلاقية. يستدعي أصحاب النزعة الضد–نظرية، في الحقيقة، تقاليد فلسفية مختلفة باعتبارها أصولًا لتصوراتهم؛ مثل: التقليد الأفلاطوني، والأرسطي، إضافة إلى تقليدَي ديفيد هيوم David Hume (1776–1711)، ولودفيغ فيتغنشتاين Ludwig Wittgenstein)1951–1889(. إن التأثير الواسع للنزعة الضد–نظرية إضافة إلى كثرة المدافعين عنها، يجعلان من وضعيتها جديرة بالبحث. يتخذ أصحاب النزعة الضد–نظرية موقفًا جريئًا، يتمثل في معارضة أي نوع من النظريات المعيارية التي توجه سلوكنا من خلال بناء أحكامنا الأخلاقية وعرضها نسقيًا. فيقدمون ثلاث حجج للدفاع عن
(((وردت تصوراتهم في:
Annette Baier, Postures of Mind (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1985), p. 263; Stuart Hampshire , Morality and Conflict (Oxford: Basil Blackwell, 1983), Bernard Williams, Ethics and the Limits of Philosophy (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1979); W.V.O. Quine, Word and Object (Cambridge, MA: MIT Press, 1968).
(((فيلسوفة نيوزيلندية. عُرفت بأعمالها في مجال الأخلاق والفلسفة السياسية. من أهم مؤلفاتها: ماذا تريد النساء في النظرية
الأخلاقية؟ (1995)؛ مواقف العقل: مقالات عن العقل والأخلاق (1985)؛ مساعي الفلسفة: مقدمة لحياة وفكر ديفيد هيوم.)2011((((فيلسوف بريطاني معروف بأعماله في الفلسفة الأخلاقية والميتافيزيقية. كتب العديد من الأعمال التي تتناول مواضيع مثل:
الأخلاق والوجود والمعرفة. من أعماله البارزة: أفعال الإنسان والأخلاق Human Actions and Moral (1963)، واستُخدمت نقطة
انطلاق مهمة للمناقشات حول الأخلاق في الفلسفة المعاصرة. تعاملت أعماله مع مفاهيم الحرية والمسؤولية الأخلاقية وتحليل
أفعال الإنسان من منظور أخلاقي وفلسفي، خصوصًا كتابه: الأخلاق والتصادم Morality and Conflict).1983((((فيلسوف بريطاني بارز في الفلسفة الأخلاقية والفلسفة السياسية. عُرِف بأعماله حول مواضيع مثل: الأخلاق، الحرية،
والمسؤولية الفردية. قدم مناقشات مهمة حول موضوعات مثيرة للجدل مثل التصوير الأخلاقي والتحديات التي تطرحها الأخلاق
في ما بعد الحداثة. من أشهر أعماله: أخلاق الالتزام Morality: An Introduction to Ethics، والأخلاق وحدود الفلسفة
. Ethics and the Limits of Philosophy
(((مقتضى النزعة اللامعرفية أنها تنفي كون التعبيرات الأخلاقية تعبر عن "قضايا"؛ وإذًا، هي لا تحتمل الصدق ولا الكذب. ولما كانت المعرفة تتشكل من مجموع القضايا الصادقة، وكانت التعبيرات الأخلاقية لا تعبر عن قضايا، كان معه أن مجموع
التعبيرات الأخلاقية لا يمكن أن تشكل معرفة أخلاقية. ولما كانت النظريات توليفًا بين أحكام معرفية، كان انتفاء قيام معرفة أخلاقية
دليلًا على انتفاء قيام نظرية أخلاقية. (المترجم) (((كل ما ورد بين معقوفتين إضافة من المترجم. والهدف منه توضيح المعنى وفق ما يلائم اللسان العربي. (المترجم)
(7) Williams, pp. 84–86.
(((إنهم، تباعًا، أسلاف أيريس ميردوك (1999–1919)، وبرنارد وليامز، وآنيت باير، وجون ماكدويل
. John McDowell
هذا الوقف. تَعتبِر هذه الحجج أن النظرية الأخلاقية غير ضرورية أولًا، ومستحيلة نظريًا ثانيًا، ثم غير
مرغوب فيها ثالثًا. ينتصر أغلب أصحاب النزعة الضد–نظرية لهذه الانتقادات. على أن تكون حجج الاستحالة النظرية أهم هذه الحجج من الناحية الفلسفية؛ لذلك سينصب اهتمامي عليها. واضحٌ أن نجاح هذه الحجج متعلق بالمعنى الذي يحمله مفهوم النظرية. أعتقد، عمومًا، أن هذا الأمر
قد التبس على أصحاب النزعة الضد–نظرية، لأنهم يتعاملون كأن حججهم صالحة لأن يعترضوا بها على جميع معاني النظرية. إن أحد الجوانب التي أسعى لبيانها هو أن هذا الأمر غير صحيح. علينا في هذا السياق أن نميز بين معنييْن [للَفظ] "نظرية". يتعلق الأول بالفهم العقلاني الذي تشترطه
النظرية المعيارية لصياغة مبادئ [أخلاقية] جلية صياغةً نسَقية، تسمح بقيام عمليةٍ استنباطية للاستجابات
الصحيحة أخلاقيًا في كل الحالات. أن تكون المبادئ جليةً معناه أن يجري التعبير حرفيًا عن أي
معنى له صلة بدورها التبريري أو أن يجري استنتاجه انطلاقًا من ذاك التعبير. لكن، إذا كانت هذه الصيغة الصورية للنظرية قد مهدت الطريق في فلسفة العلوم لتفسيرات سياقية معينة، فإن على أصحاب النزعة الضد–نظرية في الأخلاقيات مواجهة معنى آخر، غير صوري، من معاني "نظرية". يتعلق المعنى الثاني بالتصور التَماسُكي أو الشمولي للنظرية. يتيح هذا التصور الإمكانية لأي مبدأ أن يكون معناه غير جلي،
كما يتطلب أن يكون التبرير عبارة عن شبكة من العلاقات داخل بنية معينة. وفي هذه الحالة، تكون شروط تطبيق المعايير مبهمة، كما لا يوجد إجراء حاسم نحدد من خلاله الحالات الفردية. تكون المعايير غير واضحة عندما يكون معناها التام والملائم لدورها التبريري غير مُعبر عنه حرفيًا في المعيار. تتمثل أطروحتي في أن حجج النزعة الضد–نظرية صالحة للاعتراض على النظريات المعيارية العقلانية، لكنها غير صالحة لإقصاء المقاربات التماسكية أو الشمولية للنظرية الأخلاقية. سأبين أيضًا أن الفهم الحقيقي للتفسيرات التماسكية له نتائج مفاجئة: على منظّري الأخلاق القبول بنوع من التعددية الإثنية، ورفض المطلب الكوني للعقلانية.
أولا: الحجج المعارضة للنظرية المعيارية العقلانية
يمكن فهم قوة مختلف الحجج التي يستعملها أصحاب النزعة الضد–نظرية للاعتراض على النظرية المعيارية بصفة أفضل إذا ما صغناها في بنية حجاجية على شاكلة تلك التي اسخدمها
(9) Williams, p. 72.
((1(لقد قدم كُتاب، مثل توماس كون Thomas Kuhn (1996–1922)، وإمري لاكاتوش Imre Lakatos (1974–1922)، معاني "النظرية" من منظور سياقي. ((1(مقتضى التماسك، من الناحية المنطقية، هو أن تَنتُج قضية ما، دلاليًا، من مجموعة من القضايا. فنقول إن المجموعة أنتجت
تلك القضية، أو إن القضية مستَنتجة من المجموعة. متى تحقق هذا فقد تحققت خاصية التماسك. يحصل الأمر نفسه بين الحكم
الأخلاقي ومجموعة المبادئ التي تشكل النظرية الأخلاقية. عادة ما يجري اعتبار التماسك Coherence والاتساق Consistency خاصيتين مترادفتين منطقيًا. لكن توجد اعتراضات على هذا
التصور، أهمها أن شرط الاتساق هو غياب التناقض؛ في حين قد يحضر التناقض في حالة التماسك. لا يسمح المقام بتفصيل ذلك. أما بخصوص الاختيار الترجمي، فبما أننا نتبنى التصور المنطقي الذي يعتبرهما خاصيتين مختلفتين، فقد اخترنا ترجمة Coherence بالتماسك عوض الاتساق. (المترجم)
نوعم تشومسكي ضد أصحاب النزعة السلوكية. بيّن تشومسكي أن للسلوك اللغوي سمات عديدة،
كالقدرة الإبداعية والتكيف، تستجيب لشروط النظرية السلوكية. تتمثل الدعوى، والحال هذه، في أن النظرية اللسانية المقترحة، بالنظر إلى شروطها النظرية الخاصة، لا يمكنها تفسير ما ترمي إلى تفسيره. لهذا السبب، يمكننا استنتاج أن هذه النظرية لا يمكنها تحقيق المطلب الأدنى لتَكُون بمنزلة نظرية، ومن ثم فهي مستحيلة نظريًا. يختلف الأمر بالنسبة إلى النظرية المعيارية، لكونها تهدف إلى تبرير الأحكام وتوجيه الأفعال بدلًا من تفسيرهما. رغم ذلك، يمكن تطبيق بنية حجة تشومسكي على مختلف العلاقات بين نظريةٍ مقترحةٍ وما ترمي إلى تحقيقه. قد تتضمن نظرية معيارية مقترحةٌ متطلباتٍ تمنعها من تحقيق أهدافها، وتصير بذلك، بالمعنى الدقيق للكلمة، مستحيلة نظريًا. تتلاءم الحجج الرئيسة التي يستعملها أصحاب النزعة الضد–نظرية للاعتراض على النظرية المعيارية مع هذه البنية. تستحضر هذه الحجج كون النظرية المعيارية يُفترض أن تربط بينها وبين الممارسات الأخلاقية علاقة تبريرية. وبالتحديد، ترمي مثل هذه النظريات إلى البرهنة على مدى كون تلك الأحكام والأفعال التي يجري إنجازها وفق تلك الممارسات عقلانية ومبرَرة أخلاقيًا. تهدف حجج أصحاب النزعة الضد–نظرية إلى بيان استحالة تحقيق النظرية
المعيارية لتلك الأهداف، لأن مقتضياتها النظرية غير ملائمة لخصائص الممارسات الأخلاقية. بهذا المعنى، يمكن القول إن النظرية المعيارية، أو التفسيرات العقلانية التي تقدمها النظرية المعيارية كما سأبين، مستحيلة نظريًا. يمكن تأويل الحجج التي قدمها أصحاب النزعة الضد–نظرية على أنها حجج ضد النظريات المعيارية المَصوغة وفق معايير العقلانيين. ثمة في الحقيقة حجج كثيرة جدًا متباينة القوة، ليُختارَ منها. إنهم
يتخلصون من المنظورات المتعلقة بتعليم الأخلاق باللجوء إلى دعاوى فيتغنشتاين القاضية بأن الأمور المهمة في الأخلاقيات ربما تكون غير قابلة للصياغة. لكن، أعتقد أنه يمكن التعبير عن صحة الموقف الضد–نظري بالحجج الثلاث الآتية، والتي يبدو أن كل واحد من أصحاب النزعة الضد–نظرية يستدعيها من منطلقه. 1) تنطلق الحجة الأولى من كون السمات الدلالية التي تشترط النظرية العقلانية توافرها في المبادئ، غير ملائمة لوظيفة المعايير في الممارسات الأخلاقية؛ إذ تشترط النظرية المعيارية العقلانية أن تكون المبادئ محددةَ الدلالة، وذلك لكي تؤدي دورها أثناء استنباط الأحكام الأخلاقية الجزئية. لكن في مقابل ذلك، تُعتبر المعايير الفعلية للممارسات الأخلاقية عائمة وفضفاضة، فلا يمكن أن تؤدي دورًا
(مضبوطًا) في عملية تحديد تطبيقاتها. وضحت آنيت باير، فعليًا، هذه النقطة الأخيرة؛ إذ كتبت: "توجد
خلف التحريم المقتضب 'عليك أن لا تقتل'، مجموعة من الشروط المتفق عليها بصفة مضمرة، وكذا جملة من التمييزات الثقافية والقانونية، كتلك الموجودة في 'عليك أن لا تحب زوجة قريبك'. فكما تفترض هذه الأخيرة مؤسسات محددة للزواج وتفترض تحديد الحقوق الزوجية الفردية، فإن
. Naom Chomsky, "Reviewed Work: Verbal Behavior B. F. Skinner," Language , vol. 35, no. 1 (1959) (1(ينظر:(
'عليك ألا تقتل' تفترض مجموعة معقدة من الحقوق، القوى والمُباحات الثقافية […] إذا كانت صِيَُغ
المنع المتداولة على صيغة لا تفعل، مثل 'لا تقتل'، 'لا تسرق'، 'لا تخلف الوعد'، 'إذا كنتَ حاكمًا فلا تقهر'، تحمل مضمونًا ما، فإنها مليئة بحمولة ثقافية غنية. فإما أن يتعلق الأمر بقاعدة أخلاقية صورية خالصة لم تقم بعد بمنع أو بترخيص أي شيء، أو أن تتخذ تلك الصورة مضمونًا محددًا، فنلتزم في هذه الحالة، لا فقط باحترام تلك القواعد 'السالبة'، بل أيضًا احترام قواعد المؤسسات الأساسية وأنماط الحياة التي يمنحها مضمون تلك الموانع". تضع هذه الاختلافات، الموجودة بين المبادئ والمعايير في السمات الدلالية، الصياغات العقلانية للنظرية المعيارية موضع إشكال. وعلة نشوء الإشكال راجعة إلى أن النظرية المعيارية يُفترض فيها تقديم تبرير للممارسات الأخلاقية الفعلية. يمكن أن يكون المعنى الذي يلائم "التبرير" عمَليًا أو معرفيًا. يدعي بعض العقلانيين أن المعايير
المبهمة، التي يجري تأويلها بوساطة شبكة العلاقات الثقافية، ما هي إلا وسيلة عملية تمكننا من الحصول على أجوبة صحيحة بطريقة أسهل من اللجوء إلى النظرية. لكن، إذا كانت هذه هي دعوى العقلانيين، فإن على النظرية في حد ذاتها أن تكون قادرة، على نحوٍ مستقل، على تقديم أجوبة صحيحة من دون اللجوء إلى تلك المعايير [العمَلية] أو نظيراتها. إلا أن هذا بالضبط هو ما لا تستطيع مبادئ هذه النظرية تحقيقه. إنها، كما بينت باير سابقًا، مُغرقة في التجريد، إلى
درجة عدم قدرتها على تبرير أي نتائج محددة من دون الاستعانة بخلفية تأويلية تُؤوِل من خلالها المؤسسات الثقافية والممارسات الأخلاقية. [أما] إذا كان "التبرير" له معنى معرفي، فيُفترض في المبادئ المعيارية أن تبرر الأحكام الأخلاقية
الجزئية تبريرًا غير مباشر، عن طريق تبرير معايير الممارسة الأخلاقية. إلا أن الطابع المبهم لهذه
الأخيرة، يطرح إشك لًا على هذا التبرير ذي الصيغة العقلانية للممارسات الأخلاقية. وعلة ذلك أن المبدأ الجلي الذي يُفترض فيه تبرير معيارٍ خفي، لا يمكنه تبرير الممارسات الثقافية التي تُستعمل في تأويل المعيار. كما أنه لا يكفي القول بإمكان تبرير تلك الممارسات على نحو مستقل بوساطة مبادئ معيارية أخرى. ذلك أنه ستظهر في كل حالة الفجوة نفسها الموجودة بين ما ينبغي أن يجري تبريره عن طريق مبادئ جلية وما يُضاف إلى المعايير من خلال السياقات التأويلية المناسبة. بهذا المعنى، لا تستطيع الصياغة العقلانية للمبادئ المعيارية تبرير معايير الممارسة الأخلاقية على النحو الذي تدعيه. محاولةً منهم لضمان تحقق التبرير المعتمد على مبادئ، يمكن العقلانيين اشتراط أن تكون المعايير أيضًا مضبوطة على نحوٍ محدد. رغم ذلك، ففي هذه الحالة ستظل المبادئ والمعايير معًا مجردة وغير
(13) Baier, pp. 273–274.
((1(يُعتبَر هذا النوع من التفسير نموذجيًا بالنسبة إلى بعض أنصار النزعة النفعية، مثل: جون ستيوارت مل John Stuart Mill
قابلة للتطبيق بطريقة مناسبة. فلن تتمكن من تبرير أي شيء بأسلوب استنباطي، لكونها لا تستحضر المؤسسات الأساسية وكذا طرائق الحياة التي تحدد معناها. ومرة أخرى، لا تستطيع النظرية المعيارية العقلانية تحقيق أهدافها. هكذا، فإن السمات الدلالية، التي يشترط العقلانيون توافرها في المبادئ، غير ملائمة للعلاقة التبريرية المفترضة للممارسات الأخلاقية. وبهذا المعنى تكون النظرية المعيارية العقلانية مستحيلة. ينسجم الطابع الإشكالي للغموض الدلالي للمعايير انسجامًا كبيرًا مع الشروط التي يضعها التصور التماسكي
للنظرية. 2) تتمثل الطريقة الثانية التي تختلف بها الممارسات الأخلاقية عن شروط النظرية المعيارية العقلانية، في أنها تنتج تصادمات وإحراجات أخلاقية عويصة. تظهر هذه التصادمات الأخلاقية في السياقات التي تكون فيها نتائج المعايير المناسبة عبارة عن واجبات غير مناسبة. لما كانت هذه التصادمات عويصة، كان معها أن شروط النظرية العقلانية القاضية بوجود جواب واحد صحيح، ومبرر عن طريق المعايير، شروطٌ مستحيلة التحقق. تتطلب الطريقة المعتادة القائلة بأن الأخلاق تؤدي إلى تصادمات عويصة، أن نستحضر [بعض] الشواهد. أكثرها استحضارًا هو شاهد سارتر. ويتمثل في حالة الطالب الذي يجب عليه الالتحاق بالقوات الفرنسية ليساعد على هزيمة ألمانيا، والذي يجب عليه [في الآن عينه] البقاء في منزله لرعاية والدته التي تحتاج إليه. قد يكون مثال ترانس ماكونيل أكثر أهمية، وقد اقتبسه من [مسرحية] وليام شكسبير William Shakespeare (1616–1564) "صاعًا بصاع". في هذه الحالة، تواجه الراهبة إزابيل إحراجًا، إما أن تنقذ حياة أخيها عن طريق تسليم جسدها لأنگلو، أو أن تحافظ
على شرفها فتخذل أخاها. وفي كلتا الحالتيْن، ستقوم بفعل خاطئ. ليست الشواهد وحدها
كافية لإقناعنا بأن التصادمات عويصة، ما دام في إمكان العقلانيين اعتبار أنها محض تصادمات ظاهرة، وليست عميقة. يستدعي أصحاب النزعة الضد–نظرية، باستمرار، مثل برنارد وليامز، نمط الاستجابات التي نقوم بها في مثل هذه السياقات لكي نتصرف على وفقها. إذ يؤكد أننا، بصفة مبررة، نشعر بالندم لكوننا أخفقنا في إنجاز أحد واجباتنا. [في مقابل ذلك]، لن نشعر بهذا الشعور في حال تحديدنا، على نحوٍ مفكر فيه، لواجبٍ بعينه، باعتباره هو ما يصح الفعل بموجبه. أعتقد، إجم لًا، أنه وصفٌ مضبوط لتجربتنا الأخلاقية، رغم أنه يترك بعض الضعف في موقف أصحاب النزعة الضد–نظرية. وكما بين ماكونيل، لا يحتاج صاحب النزعة الضد–نظرية إلى تأكيد أننا نعرف
((1(يشير هنا إلى ما يسمى "مفارقة مخالفة الواجب". مقتضاها وجودنا في وضعية يكون فيها ما ينبغي القيام به مخالفًا لما يجب فعله. مثل: "إن أردت أن تحمي ابنك، فعليك أن تكذب عليه". في عُرف أصحاب منطق الأحكام، تعتبر "مفارقة دلالية". والحالة التي
تسببها عند من يوجد في هذه الوضعية تجعل منها "إحراجًا" أو "معضلة"؛ وعلة ذلك أن الشخص يجد نفسه في "تصادم"، إذ يجب
عليه أّلا يكذب وفي الآن ذاته عليه حماية ابنه. فيكون التصادم "عويصًا" لأنه غير قابل للحل بسهولة. ستظهر تفاصيل ذلك في
الصفحات اللاحقة. (المترجم)
(16) Terrance McConnell, "Moral Dilemmas and Consistency in Ethics," Canadian Journal of Philosophy , vol. 8, no. 2 (1978), p. 275.
واجبنا المخصوص في كل حالة. هكذا، ينتج الندم بصفة مبررة، عندما نكون غير متيقنين من أننا قمنا بما يصح القيام به. رغم أن تأكيد العقلانيين على وجود استجابة صحيحة واحدة يبدو كما لو كان نوعًا من المُنى أو الدعاء، فإن وضع أصحاب النزعة الضد–نظرية لن يكون أحسن ح لًا [من حال العقلانيين] إذا لم يكن [هذا الوضع] قادرًا على تعزيز دعواهم القاضية بوجود تصادمات أخلاقية غير قابلة للحل. قام ستوَرت
هامبشاير بتقرير هذا التعزيز في [كتابه] الأخلاق والتصادم؛ حيث فسر وجود التصادم غير القابل للحل عن طريق استحضار الوضع العُرفي للأخلاق. إلا أنه لا ينكر وجود بعض المبادئ الأخلاقية، مثل: العدالة والإحسان، التي قد نؤسسها، جزئيًا، على الخاصية الكونية للطبيعة الإنسانية. لكن ثمة معايير
أخرى ناتجة من أنماط بناء محدد تاريخيًا للحاجات والقدرات الإنسانية. وهذا الأمر مبنيٌ على العُرف.
كتب هامبشاير: "كما أنه لا وجود لتنظيم عقلي مثالي للحديقة، ولا للباس، فإنه لا وجود لطريقة عقلية مثالية لتنظيم العلاقات الجنسية ولا العائلة ولا الأبوة ولا علاقات القرابة […] إننا نخترع لأنفسنا طبيعةً جنسية ثانية باعتبارها أعرافًا لجماعة مخصوصة. كما تعتبر العادات التي تؤسس نمط العائلة وبنيةَ القرابة بمنزلة طبيعة ثانية، أي كساءً بالنسبة إلى الإنسان العاري والبيولوجي، أي للإنسان الذي يحمل
جينات". إن كانت أغلب الأخلاق عُرفيةً، فمن المرجح أن ينتج من ذلك تعدد مؤكد للمعايير داخل أي جماعة. تغطي إحداها التزاوج، وأخرى تربية الناشئة، بينما تغطي أخرى السلوك العنيف [مثلًا]. تضمن هذه التعددية في حد ذاتها إمكان وجود تصادمات أخلاقية، وتعمل طبيعة العالم على تعزيز ذلك. تكون المعايير المتعلقة بالجنسانية والصداقة، مثلًا، محددة تحديدًا أكبر مما تتطلبه العدالة أو المنفعة. ستظهر، من دون شك، شروط تستدعي فيها هذه المعايير أفع لًا غير ملائمة، مثل الامتناع عن إقامة علاقة جنسية مع زوجة صديق، ما دام التعبير الطبيعي عن الحب بينك وبين الزوجة هو تلك العلاقة. لا يمكن لهذه المعايير أن تتصادم مع العدالة. فليس صحيحًا، على سبيل المثال، أن هناك حلًا صحيحًا لأي تصادم كان بين الولاء للصديق وواجبات العدالة. يمكن العقلانيين أن يرُدوا على دعوى وجود تصادم أخلاقي عويص، بالتشكيك في أن تلك الأعراف
عبارة عن أخلاق، وأن يعتبروها محض عادات. كما يمكن التأكيد أن التماسك يمكن أن يتحقق إذا ما اقتصرنا على اعتبارَي العدالة أو المنفعة، أو هما معًا. لكنها ستكون خطوة اعتباطية. فثمة في الممارسات الفعلية للمجتمعات معايير، لها وظيفة المعايير الأخلاقية، ويحملها أصحابها على كونها
(17) Ibid., p. 281.
((1(تعريب للفظ Convention. عادة ما يجري تعريبه ب "المواضَعة"، وهو تعريب صحيح. لكن حفاظ ا على الاستعمال المنطقي لهذا الأخير، إذ يستعمل لتأدية معنى النزعة المواضعاتية Logical Conventionalism، اخترنا تعريبه ب "العُرف". وأما العلة المباشرة
في هذا الاختيار فهي أن "المواضعة" في مجال المنطق تكون موضوع اتفاق حر ومفكر فيه من المناطقة؛ أما في مجال الأخلاقيات، فحتى وإن وجد اتفاق حول مبادئ أخلاقية ما، فغالبًا ما يجري على نحو تلقائي وموروث ثقافيًا. فينزل منزلة "العُرف" (المترجم)
(19) Hampshire, p. 163.
أخلاقية، رغم أنها لا تستند بصفة واضحة إلى العدالة ولا إلى المنفعة. وتعتبر مختلف المعايير الجنسية شواهد على ذلك. تستدعي هذه المعايير، مثل تلك التي تنص على منع الزواج المتعدد أو تلك التي تمنع أفعال المثلية الجنسية، العقوبات داخل مجتمعنا باستمرار. ويجري عادة تبريرها [أي المعايير التي تستدعي عقوبات] داخل مختلف المجتمعات استنادًا إلى عقائد دينية؛ فيتبين في الحقيقة أن تبريرها ذاك لا يستند إلى اعتبارات خاصة بالعدالة ولا بالمنفعة. إنها تعكس طرائق تنظيم السلوك التي تكتسبُ بِنيتها المخصوصة انطلاقًا من الشروط التاريخية التي تظهر فيها. لذلك، سيكون من الغريب اعتبار أن هذه المعايير ليست أخلاقية. رغم الصعوبة التي نواجهها في التمييز، في الحالات الجزئية، بين التصادمات العويصة ومجرد التصادمات الظاهرة، فإن التفسير الذي قدمه هامبشاير للجانب العُرفي في الأخلاق يجعلنا نميل أكثر إلى الاقتناع بأن الأخلاق تتضمن تصادمات عويصة. إذا كان الأمر كذلك، سنجد أنفسنا أمام حالة أخرى يضع فيها دُعاةُ النظرية المعيارية العقلانية شروطًا للأخلاق لا يمكن استيفاؤها. في مقابل ذلك، لا تحتاج التصورات التماسكية للنظرية اشتراط وجود نظرية معيارية واحدة، حتى داخل مجتمع واحد. فإذا كان لكل نمط من أنماط العيش داخل مجتمع واحد نظريات معيارية مختلفة، فإن ذلك دليل على وجود تصادمات أخلاقية عويصة. 3) يتعلق المجال الثالث، الذي يقع فيه الخلاف بين النظريات العقلانية والممارسات الأخلاقية، بالفضيلة. ذلك أنه على كل تفسير معقول للممارسات الأخلاقية أن يستحضر استعدادات الأفراد التي تعمل حافزًا أخلاقيًا لإتيان أفعال مقبولة. من المعلوم أن هذه الاستعدادات تسمى "فضائل". إن التفسيرات التي تشترطها النظريات المعيارية العقلانية للفضيلة لا تتلاءم مع خصائص الفضيلة كما تظهر في الممارسات الأخلاقية الفعلية. فالتفسيرات العقلانية تشترط أن تُفسَر الفضائل بأنها استعدادات تسلك في توافق مع مبادئ أخلاقية مبررة مختلفة. فأن تتحلى بفضيلة الصدق، مثلًا، معناه استعدادك للالتزام بقاعدة قول الصدق المتعلقة بها. فالاستحسان الأخلاقي للاستعداد ينتج من طبيعة القواعد التي يتوافق معها [ذاك الاستعداد]. قد يبدو هذا التفسير معقولًا إن اقتصرنا، وحسب، على فضائل مثل العدالة أو الوفاء بالوعد. ترفض المقاربة العقلانية التطرق إلى بعض الفضائل، لأن لها خصوصية ثقافية، وغير وثيقة الصلة بالأخلاق؛ وذلك مثل التواضع الذي لا يحتاج إلى أي مبادئ [أخلاقية]. وكما بين ذلك [مارفين] هار، قد نحمل ألفاظ "حق" أو "واجب" على أنها أخلاقية، في حين أنها وثيقة الصلة بالطابع الكلي وبالمبادئ.
((2(نعرب مفهوم مارفين هار Universalizability ب "الطابع الكلي". ومقتضاه أنه رغم اختلاف سلوك الأشخاص، بل حتى اختلاف
سلوك الشخص الواحد، إزاء حالات مخصوصة، فإن سلوكهم يصدر عن المبدأ نفسه. ولما كان المبدأ عينه موِج هًا لكل حالات
السلوك الجزئية، كان له بذلك طابع كلي. (المترجم)
. Richard Mervyn Hare, The Language of Morals (Oxford: Oxford University Press, 1951) (2(ينظر:(
إلا أننا نجد نقدًا سليمًا لهذه المقاربة عند كُتاب مثل ميردوك وفوت. إذ يؤكدون أن التناول العقلاني
للغة الأخلاق يقود إلى فهم ضيق، وفي النتيجة خاطئ، للممارسات الأخلاقية. فإلغاء الطابع الأخلاقي عن ألفاظ مثل "صادق"، "طيب"، "كريم"، "لطيف" لا يساعدنا في التفسير الأخلاقي، بل يفسد هذا التفسير. في كثير من الأعراف الأخلاقية الفعلية، بما فيها الخاصة بنا، تكون مثل هذه الألفاظ المتعلقة بتقييم طبائع الأشخاص، من بين أكثر الألفاظ استعم لًا للتعبير عن الأمور الأخلاقية. فليست ألفاظ الأحكامِ المغرقةُ في التجريد، مثل "الواجب" و"الحق"، هي الألفاظ الجارية في الاستعمال الفعلي. إن كانت تُحمَل هذه الألفاظ مثل "اللطف" على أنها ألفاظ أخلاقية، فإن التصور العقلاني يواجه عائقًا
آخر. ليس، فقط، أن هذه الفضائل، وغيرها مثل الكرم والطيبة، تعمل من دون أي احتياج للمبادئ، بل إنها لا تحبذ وجودها أصلًا. بينت باير، بحق، أن التعبير عن اللطف يجري من خلال تقبل الآخرين. فكتبت: "إنه تعاملٌ مع الآخرين في حالات التوجس؛ أي التوجس من إمكان استغلال الآخر لعلاقة الصداقة. إلا أن أحد مكونات علاقة الصداقة هو الاطمئنان، أي عدم إظهار التوجس واعتبار أن في إمكان الآخر مجازاة الشر بالخير". ويمكن بعد ذلك اكتشاف أن ذلك الشخص لا يستحق معاملة اللطف تلك، بسبب تعامله القاسي أو الماكر. لذلك، فلا وجود لمبادئ تحدد لنا مسبقًا متى يمكننا التعامل بأسلوب لطيف. ولكي تكون لطيفًا بصفة ذكية، يتطلب منك الانتباه جيدًا إلى تفاصيل الحالة
التي توجد فيها وإلى تصرفات الآخر، بما يجعلك تَعدِلُ عن اللطف متى شعرت بالتوجس. فأن تكون لطيفًا، هو أن تتبنى موقفًا معيشًا معينًا وتنظر إلى نتائجه، لا أن تطبق مبادئ لتبْني بها فعلًا مخططًا له.
هكذا، توجد ممارسات أخلاقية تتضمن فضائل غير قابلة للتفسير في صورة مبادئ. بما أنه يكفي، في تلك الممارسات، تبرير الفعل الفاضل عن طريق استدعاء الفضيلة التي يعبِر عنها [ذلك الفعل]، فلن تستطيع أي أخلاق تتضمن فضائل غير مبنية على مبادئ الاستجابة للشروط العقلانية. لا تستطيع النظرية المعيارية العقلانية تقديم نظرية متكاملة للفضيلة، وإن فعلت ذلك، فستقوم بإقصاء بعض أصناف الفضائل بصفة اعتباطية. عليها أن تقول إن اللطف ليس فضيلة، لأنه يفتقد مبادئ. لكن فقدان
المبادئ في حد ذاته غير كافٍ لمنع الطابع الأخلاقي عن اللطف. لا يتعارض التصور التماسكي للنظرية مع الفهم غير المبني على مبادئ الفضيلة. في واقع الأمر، تصف باير كيف أن على الفضائل، في نظرها، أن تُؤخذ مأخذ المعايير؛ وهذا الوصف يتقاطع تمامًا مع التصور الشمولي. فكما قالت: "يمكن المعايير التي تتخذ صورة فضائل أن تكون مبهمة إلى حد بعيد، ويمكن أن يحيل بعضها على بعض من دون أن تُبنى في نظام هرمي، كما يمكن أن تكون ذاتية الإحالة". فقد يتطلب اللطفُ الشجاعةَ واحترام الذات، من دون أن يكون لأحدهما أولوية معينة على الآخر.
ينظر ((2:(
Iris Murdoch, The Sovereignty of Good (New York: Schocken Books, 1970); Philippa Foot, "Moral Arguments," Mind , vol. 67, no. 268 (1958); Philippa Foot, "Moral Beliefs," Proceedings of the Aristotelian Society , vol. 59, no. 1
(23) Baier, p. 220. (24) Ibid.
ولكي يتجلى معيار اللطف، فإن ذلك يتطلب أن يكون اللطف هو مضمون ذلك المعيار، فيصير هذا الأخير، من ثم، ذاتي الإحالة. لا تستجيب هذه السمات للمبادئ الجلية التي يشترطها العقلانيون، بل تنسجم مع الفهم الذي يقدمه أصحاب التصور التماسكي للمعايير. خلاصة القول، إذًا، وبعد عرض ثلاثٍ من الحجج المركزية لأصحاب النزعة الضد–نظرية، أنها نجحت في الاعتراض على الصياغات العقلانية للنظرية الأخلاقية. فقد تبين أن النظرية المعيارية العقلانية متعارضة مع الممارسات الأخلاقية من ثلاثة مناحٍ أساسية: الخصائص الدلالية للمعايير، ووجود صراعات أخلاقية عويصة، ثم إمكان وجود فضائل غير مؤسسة على مبادئ. كما أشرت إلى ذلك سابقًا، فإن الصيغ التماسكية للأخلاق متسقة مع سمات الأخلاق في تلك المناحي الثلاثة. إلا أن لأصحاب النزعة الضد–نظرية حججًا أخرى لتقديمها، لأنهم يتوجهون بالنقد، خاصة، إلى الفهم التماسكي للنظرية المعيارية.
ثانيًا: التفسيرات التماسكية للنظرية الأخلاقية
كثيرًا ما جرى انتقاد التفسيرات العقلانية للتبرير [الأخلاقي] من أصحاب النظرية المعيارية المشهورين،
أمثال جون رولز (2002–1921). لقد كان يفضل [بدلًا من الفهم العقلاني للتبرير] الاعتماد على فهمٍ غير تأسيسي وأكثر معقولية للتبرير، وهو الموازنة التدبرية. نجد الصياغة الأولى لهذا المفهوم، في أعمال كلٍ من مورتون وايت (2016–1917)، ونيلسون غودمان (1998–1906)، وويلارد كواين)2000–1908(. إلا أن الصياغة الأكثر تفصيلًا، هي تلك التي قدمها نورمان دانيالز في سلسلة مقالات، من بينها "الموازنة التدبرية الموسعة ونظرية القبول في الأخلاقيات". سيَفي هذا الوصف المقتضب الذي قدمه دانيالز بأغراض سياقنا هذا: "يُعتبر منهج الموازنة التدبرية
الموسعة محاولةً لإنتاج تماسك بين ثلاث مجموعات منتظمة من الاعتقادات التي يحملها شخص معين؛ 1) مجموعة الأحكام الأخلاقية المُعتَبرة؛ 2) المبادئ الأخلاقية؛ ثم 3) مجموعة الخلفيات النظرية الملائمة". إن الأحكام المُعتبرة هي تلك التي يجري القيام بها بدرجة كبيرة من الثقة في شروط يُستبعَد فيها أن تؤدي إلى خطأ. ذلك أنه يُفترَض فيها، إضافة إلى المبادئ الأخلاقية والخلفيات
النظرية، أن تكون قابلة لأن يُعبر عنها لسانيًا.
(25) John Rawls, A Theory of Justice (Cambridge, MA: Belknap Press, 1971), pp. 48–50.
تعريب Reflective Equilibrium ومقتضاه معلوم عند الدارسين؛ كما يوجد شرح مقتضب له في الأسطر الآتية من المتن. إلا أن مسوغ تعريبه ب "الموازنة التدبرية" راجع إلى معناه. ذلك أن الشخص، وفق رولز، مطالب بأن يقيم موازنة بين الأحكام الأخلاقية المتصادمة، ويحقق ذلك بعد أن يتدبرها. (المترجم)
(26) Morton White, Toward Reunion in Philosophy (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1956); Nelson Goodman, Fact, Fiction and Forecast (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1979); Quine. (27) Norman Daniels, "Wide Reflective Equilibrium and Theory Acceptance in Ethics," The Journal of Philosophy , vol. 76, no. 5 (1979). (28) Ibid., p. 258.
تبعًا لهذا الفهم المُقدم للتبرير، لا يكون لأي مجموعة من هذه الزمرة المتماسكة أي امتياز عن مجموعة أخرى. وتاليًا، يمكن إقصاء أي عنصر من مجموعة ما على حساب عناصر من مجموعات
أخرى، أو على حسابها معًا [أي تلك المجموعة والمجموعات الأخرى]. يمكن المعايير أن تَقلِب الأحكام المعتبرة، والعكس صحيح. لا تتطلب المعايير أن يجري تحديدها في صورة شروط ضرورية أو كافية، كما لا تحتاج أن يجري ربطُها، بأسلوب استنباطي، بالأحكام التي تؤسسها. إضافة إلى ذلك، لسنا ملزمين بالأخذ بتصور نظري واحد، [وتطبيقه] على كل مناحي الأخلاق. يمكن أنماطًا مختلفةً من الأحكام الأخلاقية أن تنتج نظريات مختلفة من دون أن يتطلب ذلك وجود نظرية أخلاقية أخرى تتضمنها. من المؤكد أن هذه الأحكام يلزمها أن تكون متماسكة مع نظريات أخرى، لكن ذلك لا يستلزم أن تكون تلك النظرياتُ أخلاقيةً هي أيضًا. يمكن التفسيرَ التماسكَّيَ أو الشمولي للنظرية استيعابُ كل الخصائص التي فشل في استيعابها التفسير العقلاني الوارد في المقطع الثاني. ومع ذلك فإن أصحاب النزعة الضد–نظرية يعترضون على النظرية الأخلاقية المبنية على الموازنة التدبرية. يُحاجّ كثير من الكتاب ضد النظرية الأخلاقية التماسكية. إلا أن الصياغة المتكاملة لهذه الحجج هي التي قدمتها تشِريل نوبل في [مقال] "نظريات الأخلاقيات المعيارية". إن رهانها الرئيس هو أن جميع وظائف النظرية الأخلاقية يمكن تحقيقها بطرائق أخرى [غير نظرية]. يعكس هذا الاعتراضُ الإشكالَ المركزي بين أولئك الذين يؤكدون أولوية الممارسة على النظرية، أمثال باير ووليامز، وبين المدافعين عن التوجه النظري المنكرين لذلك. يذهب كل من باير ووليامز إلى تأكيد الاختلافات الموجودة [للنظريات الأخلاقية] مع النظريات العلمية، مشيرَين إلى
أن النظريات الأخلاقية لا تصِف أي بنية عميقة للواقع قصد تفسير الظواهر الأخلاقية. وهذا صحيح من حيث المنطلق، إلا أنه لا يعكس حقيقة الأمر؛ لأن النظرية الأخلاقية لا تحتاج، ولا تتطلع إلى هذا النوع من التفسير. إن الشيء الوحيد الذي يمكن نظرية الأخلاقيات القيام به من أجلنا هو التبرير. والسؤال الملائم هو: هل تستطيع تبرير الأحكام التي لا يمكننا تبريرها بطريقة أخرى [غير نظرية]؟ الجواب هو أنها تستطيع ذلك. ففي الحالات التي تكون فيها أحكامنا المعتبرة غير محددة، يمكن استدعاء التماسك لإرشادنا إلى الحكم الأكثر تبريرًا من بين الأحكام المختلفة الممكنة، ويمكنه، تاليًا، أن يوجه سلوكنا كذلك. إلا أن نوبل لها حجج أخرى يمكن الاعتراض بها على هذا النوع من الأجوبة. فتبعًا للموازنة التدبرية، يمكن التخلي عن أحكامٍ أخلاقيةٍ معتبرةٍ لصالح مبادئَ أخلاقية. يبدو أن هذا الأمر، كما أشارت نوبل،
. Cheryl Noble, "Normative Ethical Theories," The Monist , vol. 62, no. 4 (1979) (2(ينظر:((30) Ibid., p. 502.
يتقاطع مع استقلال الأخلاق. فمن المؤكد أني سأسلُك وفق ما أحكم أنه السلوك الملائم، لا أن أتخلى عن حكمي المفضل هذا، وأسلك وفق ما تمليه علي النظرية. تنبني هذه الحجة على خلط. ففي جميع الحالات، إن بدا لي في هذه الحدود أن اتباع المبدأ سيجعل سلوكي أكثر تبريرًا من اتباع حكمي المعتبر، فإني سأقوم ببساطة بإعادة صياغة حكمي المعتبر بناءً
على مزيد من التدبر. بهذا المعنى، سيبقى سلوكي مستقلًا. في مقابل ذلك، إن قررتُ أن أحتفظ بحكمي المعتبر والتخلي عن المبدأ، فسأسلُك على نحوٍ مستقل، وسأعيد صياغة المبدأ الأخلاقي بالضبط، وفق ما تسمح بالموازنة التدبرية. بهذا المعنى، ليس للموازنة التدبرية أي تأثير في الاستقلالية الأخلاقية. يتمثل الرهان الأخير لنوبل في تأكيد أن استدعاء المبادئ لا يضيف أي قوة تبريرية إلى الأحكام المعتبرة. فهي تؤكد أن المبادئ الأخلاقية لا يمكنها أن تكون سوى اختزال لأحكام سابقة، ما دام لا وجود لتفسير وثيق للأحكام المعتبرة. يتمثل الافتراض الذي تنبني عليه الحجة في أنه إنْ لم توجد أي طرائق مستقلة تكتسب بها الأحكام في حد ذاتها وضعًا معرفيًا قائمًا ومستقلًا، فإنها لن تمتلك
أي قوة تبريرية يمكن نقلها إلى أحكام مماثلة لها. من المؤكد أن النزعة التماسكية ترفض وجود أي تبرير مستقل للأحكام الفردية. لكن، وكما أشار إلى ذلك برنارد وليامز في دفاعه عن الموازنة التدبرية، لا يتعلق الأمر بأننا نمتلك أسبابًا مستقلة تجعلنا
نعتبر الأحكام المعتبرة صحيحةً، بل بأن تلك الأحكام هي أحكامنا نحن. إن كنا نريد اعتبار الأخلاق عقلانية، فإن ذلك يتطلب الانطلاق من الأمور التي نتوفر عليها، أقصد بذلك الأحكام التي نقوم بصياغتها. تقدم المبادئ تبريرًا مهًّمًا للأحكام المعتبرة الجزئية لأنها تجعلها متماسكة مع أحكام معتبرة
أخرى، سواء تلك التي نصوغها نحن أم التي يصوغها الآخرون. وبالتأكيد، يمكن أن يكون مجموع التماسك ككل خاطئًا بمعنى من المعاني، لكننا لا نملك وسيلة أخرى لنتحصن من هذا النوع من الأخطاء. ثمة حجة أخيرة ضد الموازنة التدبرية في الأخلاقيات، سأتكلم عنها في الأخير؛ لأنها ستجعل موقفنا أكثر وضوحًا بخصوص نتائج الموازنة. لقد تركتها إلى النهاية لأنها تجبرنا على أن نكون واضحين بشأن
(31) Ibid., p. 507.
لاستقلال الأخلاق مقتضيان اثنان، منطقي وفلسفي. فأما المنطقي فهو القول باستحالة اشتقاق الوجوب من الوجود، وإذ ا تكون اللغة الأخلاقية المعيارية مستقلة عن اللغة التقريرية الإخبارية. ولما كانت لغة الأخلاق معيارية، كان معها أنها مستقلة عن اللغة التقريرية.
يعتبر أصحاب هذه الدعوى استحالة وجود علاقة منطقية بين العبارة التقريرية: "أقرضني عمر م لًا "، وبين العبارة المعيارية: "يجب
علَّيَ تسديد الديْن". أما خصومهم فيُقِرون بوجود علاقة منطقية؛ إذْ يحق لنا الاستدلال بأنه يجب علي تسديد الديْن لعمر لأنه
أقرضني. أما المقتضى الفلسفي فهو القول بأن سلوك الأفراد لا يستجيب لمرجعيات نظريات الأخلاق، فهم يسلكون بموجب
تقديراتهم السياقية ومرجعياتهم الثقافية. إن سلوكهم الأخلاقي، إذًا، مستقل عن المرجعيات النظرية. ومعنى استقلال الأخلاق الذي يُستعمل في سياق هذا المقال هو معنى المقتضى الفلسفي. (المترجم)
(32) Ibid., pp. 504–505. (33) Williams, p. 102.
النتائج المترتبة على الموازنة التدبرية. يميل عادة مناصرو الموازنة التدبرية إلى عدم الوضوح إزاءها،
كما فعل رولز في نظرية العدالة مثلًا. إن إحدى الحجج المعارضة للموازنة التدبرية هي تلك التي قدمها برنارد وليامز. فانطلاقًا من افتراض أن على الموازنة توليد مبادئ كونية، يؤكد وليامز أن هذه الموازنة غير قادرة على أن تكون أساسًا
للمبادئ التي تعتبر مقبولة ومطبقة على مستوى كوني. إذ إن مجموعةً مرجعيةً لأشخاصٍ يصوغون أحكامًا معتبرة، ستكون إما أصغر من أن تتمكن من بناء مبادئ كونية، وإما أكبر من أن تحقق الموازنة
التدبرية، إن اشتملت على الأشخاص جميعهم. تنبني هذه الحجة على خلط ساهمت في تكريسه أعمال رولز. يقع الخلط بين متطلبات الموازنة التدبرية والأهداف التي نحققها عند استعماله. يستعمل رولز، الموازنة التدبرية، استعم لًا واعيًا تمامًا، بالنسبة
إلى مجموعة مرجعية تتضمنه هو فقط. رغم ذلك، تقترح نزعته التعاقدية الأهداف الكونية للنظرية العقلانية. عادة ما يخلط أصحاب النزعة الضد–نظرية بين النزعة التعاقدية لرولز وتبريره التماسكي. في حين أن الأمرين منفصلان؛ بل لم يجرِ حتى التوليف بينهما على نحوٍ ملائم. لا تتحقق الموازنة التدبرية كما صاغها دانيالز ورولز، إلا في حالة الأحكام والمعايير والنظريات المتعلقة بشخص منفرد. لذا فتوسيع هذه الموازنة لتشمل الآخرين يضعها أمام عدة مشكلات. فلكي يتحقق تماسك مجموعة الأحكام المعتبرة التي تشكل الأساس في صياغة المعايير، على هذه الأحكام أن تكون متشابهة. لأنه إن تضمنت مجموعة الأحكامِ أحكامًا مصوغةً بلُغات مختلفة وغير متقايسة،
فإنها لن تحقق التماسك المطلوب. فإن أدخلنا في مجموعتنا الأحكام المعتبَرة لكل الأشخاص،
فسنحصل على أحكام تتعلق بالخطيئة، والمحرم، والواجب، والتضامن القبَلي، وهكذا. رغم
إمكانية تحديد اللغة غير الملائمة التي تمنع تحقق التماسك، فمن الواضح أنه ستكون هناك لاقياسيةٌ كافيةٌ بين تلك اللغات الأخلاقية المختلفة، كتلك الموجودة بين لغة الواجب والمحرم، والتي ستمنع قاعدةَ الموازنةِ من أن تدمج كل الأفراد في جميع الحالات. هكذا، يمكن للموازنة التدبرية أن تُطبَق فقط على الأحكام المعبر عنها داخل تجربة أخلاقية فردية.
وهذا هو السبب في كون المعايير التي تقدمها ليست كونية، بمعنى أنها ليست مقيدة بطابع الكونية. إن
((3(حيث يظهر إلحاح رولز العقلاني في عدة إقرارات من قبيل: "وبشكل مماثل، إن استطعنا تحديد حس العدالة بالنسبة إلى شخص (متعلم) ما، فسيكون لدينا منطلق جيد لنظرية العدالة. يمكننا افتراض أن كل واحد يحمل في ذاته الصورة التامة لتصور أخلاقي". ينظر: Rawls, p. 50.
(35) Williams, p. 103. (36) Rawls, p. 50.
((3(من النافل الإشارة إلى أن اللغة هنا لا يقصد بها اللسان، كالعربي أو الإنكليزي. بل يقصد بها طبيعة الصياغة التي تصاغ بها
الأحكام. فلغة الواجب تختلف عن لغة الفضيلة مثلًا؛ وإذًا، فالأحكام المصوغة وفق اللغة الأولى تختلف عن تلك المصوغة وفق اللغة الثانية. (المترجم) ((3(المقصود من ذلك أن اختلاف الأفراد يستتبع اختلاف اللغة التي تصاغ بها الأحكام المعتبرة. فإن قمنا بإدخالها في مجموعة واحدة، وفق مقتضيات مفهوم الموازنة، فلن يتحقق التماسك بينها، لأن شرط التماسك بين الأحكام هو وجود تشابه بينها. والتشابه
بينها معناه أن تكون مصوغة وفق لغة واحدة. فغياب التشابه، إذًا، يلغي تحقق التماسك. (المترجم)
المعايير التي يم تبريرها انطلاقًا من مجموعة من الأحكام المعتبرة، تكون غير مبررة بالنسبة إلى أولئك الذين لا تكون تلك الأحكام معتبرةً بالنسبة إليهم. يمْكننا استعمال معايير مبَررة بالنسبة إلينا بهدف
تحديد كيف سنتعامل مع تلك التي لا تنتمي إلى ممارستنا الأخلاقية. إلا أن الموازنة التدبرية، رغم ذلك، لا تبين أن معاييرنا مرتبطة بالأخرى [التي لا تنتمي إلى ممارستنا الأخلاقية]. وبهذا المعنى يكون التبرير الذي تقدمه الموازنة التدبرية تبريرًا متمركزًا حول العِرق. ليس معنى هذا أن المعايير المقيدة بطابع الكونية لا تُعتبَر أهدافًا معقولة، بل إن الوصول إليها لا يتأتى
عن طريق النظرية وحدها. ولكي يتأتى ذلك، علينا أن نكون على بينة من بعض مناحي الحياة الإنسانية، التي نقوم فيها بصياغة أحكام معتبرة تكون كونية بما يكفي لتأسيس معايير مقيدة بطابع الكونية. إنها معايير عمَلية، لا فقط أهداف نظرية. تعتبر ضغوط عالمنا الحالي لمواجهة تهديدات كونية، مثل الإبادة
النووية، بمنزلة شروط يمكنها المساعدة على جعل المعايير الكونية أمرًا ممكنًا. لكن حتى إن أمكنَ
ذلك، فستكون كونية فقط في المكان، لا صالحة لكل زمان. يبدو أن رولز، في أحد أعماله الأولى، قد قام بخطوة استباقية حينما اقترح المعايير المقيدة بطابع الكونية، في وقت لم تكن هنالك بعدُ ممارسة كونية تستدعيها. إلا أنه كان واضحًا بخصوص عمله التنظيري في
[مقالة] "البنائية الكانطية في النظرية الأخلاقية". حيث كتب: "إن إحدى النتائج المباشرة لتركيز بحثنا على الصراع الموجود بين الحرية والمساواة في المجتمع الديمقراطي، هو أننا لا نبحث عن إيجاد تصور للعدالة يناسب جميع المجتمعات أو يصلح في جميع الشروط التاريخية". في مقابل ذلك، يبقى أصحاب النزعة الضد–نظرية، الذين يرفضون التفسيرات التماسكية للنظرية الأخلاقية باعتبارها تبحث عن معايير كونية، في حالة اضطراب. تجعل الموازنة التدبريةُ النظريةَ الأخلاقيةَ ممكنةً فقط في حال جرت صياغته صياغةً متمركزة حول العِرق. إن السبب الرئيس الذي جعل باير ووليامز لم ينتبها إلى هذا الأمر هو خلفيتهما اللامعرفية. في مقابل ذلك، إذا ما جعلنا من الممارسات [الفعلية] أمرًا مركزيًا، فستتقاطع
إلى حدّ بعيد مع التنظير القائم على الممارسة نظريًا التي تقدمها النزعة التماسكية الخالصة في النظرية الأخلاقية.
References
المراجع
Baier, Annette. Postures of Mind. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1985. Clarke, Stanley. "Anti–theory in Ethics." American Philosophical Quarterly. vol. 28, no. 3 (1987).
(3((وفق هذا التحليل، فإن المركزية الِع رقية هي النتيجة المباشرة لأحد مقتضيات الموازنة التدبيرية؛ إذْ لما كان أحد مقتضيات الموازنة هو عدم إهمال العلاقة الموجودة بين معايير المجموعات (الثقافية) الأخرى ومعايير المجموعة المرجعية التي نتخذها
منطلق الدراسة، كانت نتيجة هذا الإهمال هو التمركز على معايير تلك المجموعة المرجعية. ولما كان لكل مجموعة (ثقافية) عِرق
معين، كانت النتيجة تمركزًا حول العِرق. (المترجم)
. John Rawls, "Kantian Constructivism in Moral Theory," The Journal of Philosophy , vol. 77, no. 9 (1980) (4(ينظر:(
((4(أشكرك جامعة كايلتون التي منحتني تصريحًا بالبحث مكنني من الاشتغال على هذا البحث. كما أشكر إيفان سايمبسون
ومارك فوروبيج على تعليقاتهما النقدية.
Daniels, Norman. "Wide Reflective Equilibrium and Theory Acceptance in Ethics." The Journal of Philosophy. vol. 76, no. 5 (1979). Foot, Philippa. "Moral Arguments." Mind. vol. 67, no. 268 (1958). ________. "Moral Beliefs." Proceedings of the Aristotelian Society. vol. 59, no. 1
Goodman, Nelson. Fact, Fiction and Forecast. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1979. Hampshire, Stuart. Morality and Conflict. Oxford: Basil Blackwell, 1983. Hare, Richard Mervyn. The Language of Morals. Oxford: Oxford University Press,
McConnell, Terrance. "Moral Dilemmas and Consistency in Ethics." Canadian Journal of Philosophy. vol. 8, no. 2 (1978). Murdoch, Iris. The Sovereignty of Good. New York: Schocken Books, 1970. Noble, Cheryl. "Normative Ethical Theories." The Monist. vol. 62, no. 4 (1979). Quine, W.V.O. Word and Object. Cambridge, MA: MIT Press, 1968. Rawls, John. A Theory of Justice. Cambridge, MA: Belknap Press, 1971. ________. "Kantian Constructivism in Moral Theory." The Journal of Philosophy. vol. 77, no. 9 (1980). White, Morton. Toward Reunion in Philosophy. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1956. Williams, Bernard. Ethics and the Limits of Philosophy. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1979.