العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة كتاب الديمقراطية المستحيلة؟ السياسة والحداثة عند فيبر وهابرماس لإيف سينتومير

مراجعة كتاب الديمقراطية المستحيلة؟ السياسة والحداثة عند فيبر وهابرماس لإيف سينتومير

Book Review: Impossible Democracy? Politics and Modernity in Weber and Habermas by Yves Santamaria

عبد العزيز ركح

Abdelaziz Rekah

الملخّص

عنوان الكتاب : الديمقراطية المستحيلة؟ السياسة والحداثة عند فيبر وهابرماس. المؤلف : إيف سينتومير . المترجم : جورج كتورة. الناشر : الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سنة النشر : 2023. عدد الصفحات : 544.

Abstract

Book Title: Impossible Democracy? Politics and Modernity in Weber and Habermas Author: Yves Santamaria Publisher / Date: Beirut/Doha, Arab Center for Research and Policy Studies, 2023 Number of Pages: 544

الكلمات المفتاحية:
  • الديمقراطية
  • السياسة
  • الحداثة
  • فيبر
  • هابرماس
Keywords:
  • Democracy
  • Politics
  • Modernity
  • Weber
  • Habermas

عنوان الكتاب: المؤلف: إيف سينتومير. المترجم: جورج كتورة. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:

الديمقراطية المستحيلة؟ السياسة والحداثة عند فيبر وهابرماس.

الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

يقرر يورغن هابرماس Jürgen Habermas، في تحديده مبدأ الشرعية، بأنها تعني القدرة على "الدفاع بحجج مؤسسة عن مقتضى متمادٍ لنظام سياسي يتطلع إلى جعل هذا الأخير صائبًا وعادلًا [...] إن الشرعية تعني قدرة النظام السياسي على الاعتراف به". ويؤكد في السياق ذاته أن مثل هذا المبدأ، من حيث كونه مطلب صلاحية يحدد استقرار نظام السيطرة السياسية، فإنه لا  يطبق سواء من المنظور التاريخي أو على مستوى التحليل إلا على الوضعيات التي تكون فيها شرعية النظام السياسي محل خلاف؛ بمعنى آخر وضعيات تهترئ فيها الشرعية أو تنذر بظهور أزمات شرعنة ينجم عنها إما إثبات لتلك الشرعية وإما نفي لها. غير أن وضعيات الأزمة هذه ليست عرضًا طارئًا من أعراض اهتراء الشرعية وضعف آليات التبرير؛ إنها تأخذ، في إطار دولة القانون الحديثة التي تُمأسِس قابلية القبول والرفض الشعبي، شكل "المسار" الذي انطبع بفعل الآلية الدستورية والديمقراطية ذاتها بطابع العادية، ما جعل هابرماس يصفه بالدائم والمستمر. بهذا، ومن خلال إرساء مؤسسات وقوانين، تَمأسَس مسار الشرعنة بفعل جمعنة السلطة في دولة القانون الحديثة، حتى كاد يتماهى مع مفهوم الإجراء القانوني وتداخل المفهومين، مفهوم "الشرعية" ومفهوم "القانونية". وبات هذا التماهي ضروريًا في كل تقييم لأنماط عمل الديمقراطيات الحديثة، وكذا جميع العلاقات التي تربط الحاكم بالمحكوم؛ ما دفع ماكس فيبر Max Weber (1920–1864) إلى تأكيد أن الشرعية القانونية العقلانية التي تتأسس عليها السلطة، بوساطة قانون ينص عليه الدستور، هي التي تحدد الشكل المعاصر لمطلب الشرعنة، وهي الحالة التي أصبحت ميزة الحياة السياسية في العالم المعاصر. فمع مسار فك السحر المنجر عن ظاهرة الحداثة، انتظم الفعل السياسي وتعقلن، وبات غير محتكم إّلا إلى سلطان العقل الأداتي. لقد تواجهت المجتمعات الغربية الحديثة مع شكل من العقلنة، حولت السياسة إلى عالم مسير بيروقراطيًا، تحكمه آليات ثابتة ولا شخصية محددة في المحل الأخير من نخبة منوطٍ بها سن التشريع وهيكلة الحياة السياسية برمتها؛ إن "الإدارة البيروقراطية الصرفة – يقول فيبر – [...] هي عن تجربة تامة الشكل الأكثر عقلانية لممارسة السيطرة من وجهة نظر صورية". وفق هذا المعنى، يكتسي تصور العقلانية عند فيبر طابعًا مزدوجًا؛ إذ تختزل العقلانية من جهة في العلاقة التوفيقية بين الوسائل والغايات، وتوصف عندئذ بكونها عقلانية تقنية – استراتيجية أو أداتية لا تعتبر إلا الوسائل. إنها شكل من العقلانية التخصيصية القائمة على نزعة نسبية قيمية، موروثة عن عالم منزوع السحر يجرّد القيم من طابعها المتعالي، فتغدو غايات خاصة، يسعى الأفراد لتحقيقها. من جهة أخرى، تعتبر هذه العقلانية ذات مضمون تاريخي، لا  يمكن تصوره خارج التنظيم الاجتماعي؛ بمعنى أنه يجب أن لا  يجري البحث عن مضمونها الخاص بعيدًا عن سياق المجتمعات الحديثة التي أنتجت هذا النوع من السيطرة القانونية.

يسمح مثل هذا التحليل بفهم كيفية تحوّل جملة من الوسائل في مسار تشكّل المجتمعات الرأسمالية إلى غايات، والكيفية التي أدت إلى إغفال تدريجي لمسألة الغايات السياسية، يشهد على ذلك واقع تبعية السياسي للاقتصادي الذي هو سمة رئيسة للمجتمعات الرأسمالية المتقدمة، واقع تكتسي فيه السيطرة القانونية، غير الديمقراطية، شرعيتها فقط بالنظر إلى الطابع الإجرائي والمصلحي للممارسة القانونية. يرفض هابرماس هذه القراءة الأحادية القائمة على المنظورية السوسيولوجية الإمبريقية، التي تختزل العقلانية الاجتماعية في الفعل الأداتي وحده، أو في عقلانية الوسائل/ الغايات فحسب. وينادي بضرورة تفعيل المشروع الأصلي للأنوار، بإرساء ضربٍمن العقلانية العملية المغيب، سواء من فيبر أو من أقطاب النظرية النقدية، والذي هو عقلانية الفعل التواصلي. ولا  يمكن هذا المبتغى أن يتحقق في رأيه إلا على صعيدين: صعيد العقلانية الاجتماعية المزدوجة الذي يسعى فيه لتعديل النظرية العقلانية الأداتية – الاستراتيجية بالاعتماد على عناصر نظرية الأنساق، وصعيد نظرية الكفاءة التواصلية الذي يهدف من خلاله إلى إعادة النظر في النظرية السياقية للعقلانية بالاعتماد على معطيات فلسفة اللغة. يتابع إيف سينتومير في كتابه: الديمقراطية المستحيلة؟ هذا النقاش، من خلال التساؤل عن الشروط الضرورية لإمكان تحقيق الديمقراطية في المجتمعات الغربية المعاصرة، مؤكدًا أن المواجهة بين فيبر وهابرماس تعدّ معبرًا إلزاميًا للتفكير في الديمقراطية في العالم الذي نحيا فيه (ص. 23). ورغم أن عنوان الكتاب يوحي في الوهلة الأولى أن مضمونه عرض موضوعي مقارن بين نظريتي الفيلسوفين، يهدف إلى إبراز علاقات التأثير والامتداد أو مظاهر الاختلاف والتعارض بينهما، فإن القراءة المتأنية للمقدمة تكشف أن العمل لا  يعدو أن يكون بيانًا معلنًا للدفاع عن نظرية هابرماس باعتبارها محاولة ملحّة للإجابة عن التحدي الفيبري (ص. 22)، والأقدر على التوفيق بين المعطى الواقعي السوسيولوجي والتطلع الفلسفي المعياري. وهكذا، فمن شأنها أن تكون بدايلًا واعدًا من النظريات النخبوية المستندة إلى تحليلات فيبر للبنية الاجتماعية، والتي تنظر إلى مقولة السيطرة أو الهيمنة باعتبارها مفتاح فهم مجمل العلاقات الاجتماعية والسياسية. يُظهر مخطط الكتاب قصد الباحث المبدئي المساير للطرح الهابرماسي، فهو مقسم إلى قسمين متباينَي الحجم: يحدد القسم الأول الصغير نسبيًا (155 صفحة)، المخصص لماكس فيبر، الإطار المفاهيمي الذي استلهم منه الأخير نظريته الواقعية وتشخيصه المتشائم للممارسة الديمقراطية، على اعتبار أنها مستحيلة التحقيق سوسيولوجيًا وتاريخيًا؛ نظرًا إلى السيرورة البيروقراطية المميزة للعالم المعاصر. في حين يعرض القسم الثاني (336 صفحة) البديل المرجو الذي يقترحه هابرماس في مقابل التحدي الفيبري، ويتناول فيه بالتحليل والنقد نظرية الفعل التواصلي في مرحلة أولى (الفصلين الخامس والسادس)، أي الإطار النظري العام الذي تشكّلت فيه النظرية التواصلية في القانون والديمقراطية، ويفحص في مرحلة ثانية (الفصلين السابع والثامن) نظرية الحق والديمقراطية، أي الجانب الإجرائي للممارسة الديمقراطية والمقتضيات الواقعية والمعيارية المحددة لتلك الممارسة. تكتسي المقاربة الاجتماعية للديمقراطية أهمية كبرى، ليس لأنها تشكل الأساس النظري

لعلم الاجتماع السياسي المعاصر فحسب، بل أيضًا لأنها تحاكي علاقة التداخل والغموض التي تكتنف علم الاجتماع السياسي بمفهوم الديمقراطية. فمعلوم أن فيبر في تحليله للفعل السياسي قد ركز على المستوى العمودي للسلطة (الخضوع) مهملًا تمامًا مستواها الأفقي (التوافق)؛ إذ تكون مشروعية الشرعية وفقه "إما حصيلة توافق بين معنيين وإما بتفويض يقوم على سيطرة إنسان على إنسان آخر [...] [ولمّا كانت] [...] الحالة الأولى [...] حالة غير مرجحة على الإطلاق، إذ إن التوافق ينبغي أن يكون إجماعيًا، فإن الحالة الثانية هي القاعدة" (ص. 51). وبناءً على ذلك، لا  يركز فيبر عند تحديده للأشكال النمطية للسيطرة انطلاقًا من الأشكال الأساسية للشرعية سوى على السيطرة التقليدية (المستندة إلى الإيمان بقداسة التقاليد ومشروعية من يدعو إلى ممارسة هذه السلطة)، والسيطرة الكاريزماتية (القائمة على الخضوع لسمة مقدسة، للفضيلة البطولية أو للقيمة النموذجية لشخص ما)، والسيطرة القانونية (النابعة من الإيمان بشرعية القانون المعتمد والامتثال لتوجيهات من أوكل إليهم ممارسة السيطرة بهذه الوسائل) (ص. 53)، متجاهلًا في الوقت نفسه "السيطرة المشروعة المؤسسة على العقلانية في القيمة" (ص. 55). يقدم الكاتب من جهة أخرى تفسيرًا آخر أكثر تجريدًا، والحال أن الأولوية الموالية لقوة الدولة تولّد نظرة أحادية مركزية  (ص. 72)، لا تنظر إلى الديمقراطية إلا من حيث كونها شكلًا آخر ممكنًا من أشكال السيطرة. غير أن محاولة فرض هذه السيطرة نموذجًا متأتيًا، كما  يرى، من مسلمتين أساسيتين: مسلمة أنثروبولوجية (ص 74، 183)، تكشف عن نظرة تشاؤمية إلى العلاقات الإنسانية من حيث كونها تولي الصراعَ أهميةً على حساب التوافق، ومسلمة تاريخانية (ص 77، 183) من حيث إن مملكة السيطرة البيروقراطية متصورة باعتبارها أفقًا حتميًا غير قابل للتجاوز. إن استبعاد المظاهر الثقافية من تحليلات فيبر السياسية راجع، وفق الكاتب، إلى تطلعاته الذاتية إلى إرساء سياسة القوة العالمية للدولة القومية الألمانية؛ إذ يقر فيبر بأن نظرته إلى السياسة قد وجهتها طوال فترة الحرب العالمية الثانية "وجهة النظر القومية" (ص. 167). وللتدليل على هذه القراءة، يستشهد سينتومير بآراء عدد من الباحثين المتخصصين في فكر فيبر، على غرار الباحثة الفرنسية كاثرين كوليو تيلين Catherine Colliot–Thélène (2022–1950(ص. 166))، والفيلسوف الألماني فولفغانغ مومزن Wolfgang Mommsen (2004–1930) (ص. 168) يفسر عدم التمييز بين النزعة القومية ومصلحة الدولة إلى حد ما، أحكام فيبر النخبوية المسبقة في تصوره للديمقراطية، وغياب المفاهيم الإجرائية في توصيف الفعل السياسي لدى المواطنين. والحال أن تصورًا مثل هذا يجعل مسار الدمقرطة الجماهيرية غير ممكن، بعيدًا عن الهيكلة الحزبية البيروقراطية للشعب، أو خارج انقياد الشعب الطوعي وراء كاريزما القائد (ص. 147)؛ فقدر المجتمعات الحديثة وفق هذا المعنى هو التأرجح بين السيطرة البيروقراطية والخضوع لسيطرة الكاريزما التسلطية. مثل هذا التشخيص للفعل الديمقراطي نابع في الواقع، بحسب الكاتب، من تتابع منطقي لا من اختيار طوعي؛ ذلك أن مفاهيم المسؤولية القائمة على التفاعل بين الأشخاص والتشكل الجماعي للإرادة تفوت المنظورية الفيبرية كليًا، فوحده

اختيار القائد قد يبدو في الأخيرة شأنًا جماعيًا أي ديمقراطي الطابع (ص. 155) يؤكد الكاتب أن مثل هذا التحليل السوسيولوجي، وإن شكل نقطة انطلاق إلزامية في التفكير في الموضوع السياسي، فإنه في المقابل يجب أن لا  يمنعنا من سلوك طرائق أخرى تقود في اتجاهات مغايرة من أجل تلافي الوقوع في فخ النزعتين التاريخانية والأنثروبولوجية اللتين حددتا المنظورية الفيبرية منذ البداية، والتي جعلت من مقولة الصراع من أجل السيطرة المعطى الثابت في السياسة، واعتبرت أن كل تصور للديمقراطية الحقيقية يتعدى هذا المعطى لا  يعدو أن يكون وهمًا. بناء عليه، يقترح الكاتب إذًا التوفيق بين السيطرة والديمقراطية، انطلاقًا من النظرية التواصلية التي تنفي الطرح العدمي الذي يتناول الحداثة، وتنظر إلى الأخيرة على أنها بالأحرى مشروع لم يحقق كل وعوده التحررية، فهو إذًا مشروع لا  يزال مفتوحًا يجب الاستثمار فيه. في تحليل الكاتب للنظرية التواصلية في الديمقراطية، يركز على أعمال هابرماس المتأخرة، أي تلك التي كتبت في بداية الثمانينيات، مؤكدًا اهتمامه بالخصوص على كتابيه الأساسيين نظرية الفعل التواصلي، والقانون والديمقراطية بين الوقائع والمعايير، معتبرًا أن تلك الأعمال تشكل بوضوح بدايلًا من الإشكالية الفيبيرية (ص. 188) يتناول الكاتب، في مرحلة أولى، نظرية العقلانية التواصلية، باعتبارها سيرورة تحيلنا إلى التجربة المركزية لهذه القوة التي لا عنف فيها، أي قوة الخطاب البرهاني القادر على تحقيق التوافق (ص. 200)، بهذا يتميز الفعل التواصلي الذي يمر فيه تنسيق الأفعال عبر التبادل اللغوي، من الفعل العقلاني الغائي الذي لا  يمثل سوى تشابك حسابات مركّزة على الأنا (ص. 205). وتؤدي اللغة في نموذج الفعل التواصلي هذا دورًا مهمًا؛ إذ لا  يمكن أن يتصور العقل التواصلي إلا متجسدًا بأفعال اللغة والأفعال التي تسمح أفعال اللغة بتنسيقها، أي في إنتاج وإعادة إنتاج المعنى والعلاقات الاجتماعية. فالبنى التواصلية للغة هي ما  يتيح جمعنة الفعل وتجاوز إطار الفعل الاستراتيجي (ص. 206). لقد رام هابرماس من وراء هذه المنظورية الجديدة – عبر التنسيق النظري بين مقدمات الفلسفة الأخلاقية الكانطية المعدلة وفق برهان تداولي ترنسندنتالي (كارل أوتو آبل Karl–Otto Apel (2017–1922))، مشتق من تحليل البنى المحايثة للغة (جون أستين واعتمادًا على الأبحاث النفسية التطورية (لورنس كولبرغ Lawrence Kohlberg)) 1987–1927(ومبادئ السوسيولوجيا السلوكية (جورج هربرت ميد George Herbert Mead)) – 1931–1863(ملامسة أبعاد التفاعل التي أهملتها النظرية الاجتماعية، متطلعًا من خلالها إلى فتح آفاق تسمح بأخذ أشكال الجمعنة القائمة على اللغة والحجاج في الاعتبار، وفي هذا الإطار يمكن نظرية الفعل التواصلي، من خلال تمفصلها بين الواقع والمعيار، أن تكون أرضية تحقيق للفعل الديمقراطي. غير أن هذا المسعى تعتريه جملة من المعوقات؛ فتعلق النظرية التواصلية بمبادئ العقل العملي الموروث عن الأنوار ينحو بها منحى المثال الفلسفي لا التحقق الواقعي؛ إذ لا يُتصور التعاون في هذا الإطار إلا من وجهة نظر تواصلية بحتة، بمعنى أن النظرية لا تنظر إلى التفاعل بين الأفراد إلا من وجهة نظر أحادية تتجاهل جميع أشكال التفاعل الاجتماعي الأخرى (ص. 218). ومن

جهة أخرى، ترى هذه النظرية أن الغاية الأخيرة من كل استعمال للغة هي البحث عن الإجماع، ومن ثمّ فمنطق اللغة فيها هو منطق شبه ترنسندنتالي لا  يمكن الدفاع عنه من وجهة نظر علم الاجتماع أو التاريخ. إن هذا المنطق مستمد بحسب الكاتب من تأويل لأنثروبولوجيا إيمانويل كانط Immanuel Kant (1804–1724)، يفترض منطق الوفاق أساسًا للعلاقات الإنسانية، ويقلل من شأن بعد اللاوعي وعلاقات السيطرة معتبرًا إياها أعراضًا مرضية؛ ما  يضع النظرية على طرفي نقيض من أطروحة فيبر الهوبزية (ص. 214). ويخلص الكاتب إلى نتيجة مفادها أن فلسفة التاريخ هذه ليست أكثر إقناعًا من الفلسفات الهيغلية والماركسية التي سبقتها (ص. 229) يتناول الكاتب في مرحلة ثانية بالتحليل النقدي نظرية هابرماس في الديمقراطية، مفترضًا أن الأخير يدعي أن العقلانية الاجتماعية يمكن إدراكها من وجهتَي نظر مختلفتَين: أولًا، من وجهة نظر الفاعل، باللجوء إلى مفهوم العالم المعيش ومن خلال تطوير تحليل الاندماج بالتواصل؛ وثانيًا، من وجهة نظر خارجية، من خلال اللجوء إلى مفهوم النسق الذي يسمح بتحليل الاندماج النسقي أي الفعالية (ص. 280). بهذا فقط، يمكن فهم المشروع الحداثي، باعتباره ظاهرة مزدوجة ينزع فيها الاندماج الاجتماعي بالتواصل إلى أن يستبدل بالاندماج عبر الوسائط المصطنعة من النمط النسقي. مثل هذا الطرح يتجاوز التحليل النظري؛ فهو في الواقع متحقق فعلًا على تفاوت في درجة التمكن، إذ يبدو وسيط المال في المنظومة الاقتصادية أكثر تمكنًا من العالم المعيش مقارنة بوسيط السلطة، لكونها تتعلق أكثر من المال بالثقة التي يوليها إياها المواطنون، ومن ثمّ فلا  يمكن تحققها من دون إضفاء شرعية عليها، إنها تتمتع بمنطق خاص على اعتبار أن إضفاء الشرعية يقتضي العودة إلى أهداف جماعية تحيل بدورها إلى التشكّل اللغوي للإجماع (ص. 301) ورغم ما توحي به هذه الثنائية العقلانية من تعارض، فإن هابرماس ينزع إلى اعتبار هذين الشكلين من العقلنة ضروريين ومتكاملين؛ إذ يخفف وسيطَا النقود والسلطة من حمل العالم المعيش في تنظيم توافق الأفعال، وذلك عبر اضطلاعهما بدور المنظم للفضاءين الاقتصادي والسياسي. إلا أن تطورًا في الاندماج الاجتماعي من هذا القبيل من شأنه أن يؤدي إلى استعمار – المصطلح المقابل لمصطلح للتشيؤ في المنظومة الفيبرية – هذين الوسيطين للعالم المعيش. ولذلك تنفصل تحليلات الكاتب في هذا المستوى من العرض عن الطرح الهابرماسي؛ إذ نجده يستغرب نزعة هابرماس المفرطة في تبني البعد الوظيفي البارسونزي في تحليلاته، وربما حتى أكثر من أتباع نيكلاس لوهمان Niklas Luhmann (1927–1998) أنفسهم (ص  289 وينتقد). استعمال لوهمان لمفهوم الوسيط من أجل شرعنة النظام الاقتصادي السائد، الذي يبقى خاضعًا لمنطقه النسقي الخاص، ومنه بعيدًا عن المنطق السياسي أو الديمقراطي الذي يحكمه وسيط الحوار أو التفاهم (ص. 333) في هذا الإطار، يلجأ سينتومير إلى تحليل كتابات هابرماس التي يتناول فيها القانون والسلطة السياسية؛ إذ ينظر هابرماس إلى السلطة باعتبارها تحولًا في شكل التدفقات التواصلية النابعة من المجتمع المدني إلى سلطة تواصلية داخل الفضاء العمومي السياسي، الذي يتحول بدوره إلى سلطة إدارية في إطار الدولة (ص. 383). لذلك يلاحظ سينتومير أنه ليس من المصادفة أن تغيب أفكار السيطرة

والتواصل المنحرف نسقيًا عن صفحات "القانون والديمقراطية" (ص. 381). في هذه النقطة، يؤكد سينتومير أن هابرماس لا  يقترح سوى تصور إجرائي مبالِغ في المعيارية غير متجذر، أو هو بالأحرى غامض على المستوى السوسيو – اقتصادي؛ من حيث كونه لا  يولي مفهوم السيطرة أهمية كافية، مُستخلصًا بالنتيجة أنّ الصمت النسبي الذي أبداه هابرماس في "القانون والديمقراطية" إزاء إشكاليات الاقتصاد والعمل وتنظيم أجهزة الدولة وعملها الوظيفي، إضافة إلى قلة إسهامه في البعد البيئي، يحيلنا إلى نقاط ضعف بنائه المفهومي (ص. 420) رغم ذلك، يستدرك الكاتب حكمه هذا، بالتأكيد مرة أخرى أنه إذا أردنا اختبار الإشكالية الهابرماسية والإفادة منها، فيجب أن يكون ذلك عند تناول القضايا الثقافية والقانونية على غرار مسائل الإجهاض، والعصيان المدني، والتعدد الثقافي، والحجاب الإسلامي وغيرها (ص. 421) يدعونا الكاتب في آخر الكتاب إلى التفكير مع هابرماس ضد هابرماس من خلال تأكيد ضرورة

المراجع

تبني الطرح العقلاني والواقعي للديمقراطية الراديكالية الذي ينادي به هابرماس بدايلًا من الطرح الفيبري؛ إذ تتضمن إشكالية الفعل التواصلي عنده نقاط قوة تبدو مهمة جدًا للتفكير في الديمقراطية في العالم المعاصر (ص. 483)، ما  يجعل منها منظورًا جذابًا على الصعيد المعياري، على أن إفراطها في الأمثلة Idéalisation) (الفلسفية يجعل مستحيلًا فيها ربط البرهان الفلسفي بالتحليل المؤسساتي، ومن ثم يجب الحذر من الانسياق وراء مقدماتها الأنثروبولوجية المفترضة والانطواء داخل صوريتها الإجرائية وإلا تحولت إلى هيكل فارغ (ص. 487) في الأخير، يمكن القول إن الكتاب محاولة لإعادة بعث النظرية النقدية في المجتمع، بالدفاع عن مثل أعلى ديمقراطي يجمع بين السيطرة والديمقراطية ولا  يختزل أًّيًا منهما في الأخرى، رغم أن هابرماس ذاته يقر بصعوبة القضاء على التوتر القائم بينهما، وهو ما  يعكسه ترنح نظريته الدائم بين التطلع الجذري المعياري والادعاء الواقعي السياقي.

References