العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مفهوم المؤسسة الشمولية عند إرفنغ غوفمان: السلطة، الإماتة والمقاومة

مفهوم المؤسسة الشمولية عند إرفنغ غوفمان: السلطة، الإماتة والمقاومة

The Concept of Total Institution According to Erving Goffman: Power, Mortification, and Resistance

فاروق الطاهري

Farouk Tahri

الملخّص

يحظى مفهوم المؤسسة الشمولية في أبحاث إرفنغ غوفمان بأهمية كبيرة، لكن لا نجد لهذا المفهوم المهم الحضور الذي يستحقه في الأدبيات العربية المنشورة، خصوصًا الدراسات المتعلقة بالمؤسسات؛ ذلك أن غوفمان يقدّم إطارًا نظريًا بالغ الأهمية من أجل تحليل عدد من المؤسسات الحديثة التي يعتقد أن لها الطبيعة نفسها، والأثر نفسه، المتمثلَين في إماتة الفرد اجتماعيًا وجعله طيّعًا. وفي هذا السياق، تحاول هذه الدراسة مقاربة مفهوم المؤسسة الشمولية سواء في حضورها الأصلي مع غوفمان، أو النصوص اللاحقة التي انتقدت المفهوم وطورته. وتهدف الدراسة إلى فهم طبيعة المؤسسة الشمولية، وأشكال السلطة فيها، والكيفية التي تتحقق فيها الإماتة، من دون أن تغفل فعالية الفرد في مقاومة هذه السيرورة.

Abstract

Abstract: The concept of total institution in the research of Erving Goffman (1922–1982) lacks the presence it deserves in the published Arabic literature, especially in studies related to institutions. Goffman provides a theoretical framework crucial for analyzing several modern institutions of similar nature and impact, manifested in social disintegration and rendering individuals submissive. In this context, this study approaches the concept of total institution, whether in its original form as described by Goffman or as defined in subsequent texts that criticized and developed the concept further. The study also seeks to understand the nature of the total institution, the forms of power within it, and how it leads to social disintegration, without neglecting the effectiveness of individual resistance to this process.

الكلمات المفتاحية:
  • المؤسسة الشمولية
  • إرفنغ غوفمان
  • السلطة
  • المقاومة
Keywords:
  • Total Institution
  • Erving Goffman
  • Power
  • Resistance

مقدمة

تتميز مساهمت إرفنغ غوفمن1 الأكاديمية، فضلًا عن جودتها العلمية، بكثير من التنوع في المواضيع التي تناولها بالدراسة، وقد ظهرت في ترجمت عربية بعض هذه المؤلّفات، ومن بينها الكتاب الأكثر شهرة تقديم الذات في الحياة اليومية2، الذي ناقش فيه، على نحو مكثف، أفكاره المتعلقة بالأداء الدرامي للأفراد في حياتهم اليومية، والطقوس التي يؤدونها من أجل إنجاح تفاعلهم اليومي. وقُبَيل ذلك، صدرت ترجمة لإحدى مقالات غوفمن في موضوع أهمية "إعمل الوجه" في التفاعل اليومي للأفراد3. وتركز هذه الترجمت العربية، خاصةً، على الجانب المتعلق بالتفاعلية الرمزية عند غوفمن؛ ذلك أنه تناول مواضيع وقضايا أخرى، مثل الوصم الاجتمعي4، والمؤسسات الاجتمعية في البلدان الحديثة، وهي القضية التي تهمّنا في هذه الدراسة. قد يكون تحليل غوفمن البارز للمؤسسات الشمولية Total Institution إحدى أهم مساهمته، لكنه يغيب، بحسب اعتقادنا، في الدراسات العربية. وقد اخترنا كلمة "شمولية" للتعبير عن Total في الأصل الإنكليزي للإشارة إلى الطبيعة "السلطوية" لهذه المؤسسات، خصوصًا أنها شمولية بالمعنى نفسه الذي قد نستخدمه للحديث عن "دولة شمولية"، وهو ما نراه يعرّبر عن القضية السلطوية نفسها، سواء تعلق الأمر بنظام دولة كلها، أو بمؤسسة فقط. ومن أجل توضيح طبيعة المؤسسة الشمولية، سوف نعتمد منهجًا وصفيًا تحليليًا ينطلق من غوفمن نفسه وتحليلاته الغنية، وصولًا إلى المنتقدين والمراجعين للمفهوم من باحثين ومفكرين، مع الإشارة إلى نقاط الالتقاء والاختلاف؛ وذلك من أجل تسليط ما أمكن من الضوء على الموضوع. من خلال العودة إلى المؤسسة الشمولية، يمكن القول إنها تختلف عن باقي المؤسسات اختلافًا جذريًا، وإنه لا يمكن الحديث عن هذا النوع من المؤسسات من دون الإشارة إلى المفاهيم العديدة التي وظفها غوفمن لفهم طبيعة الصراع الدائر هناك، والكيفية التي تمارس بها السلطة، وكيفية مقاومتها أيضًا؛ إذ تتسم المؤسسة الشمولية بخصوصياتها التي تفصلها عن باقي المؤسسات. فهي، من حيث الطبيعة مؤسسة سلطوية، تهدف أساسًا إلى إخضاع الأفراد المقيمين فيها لنوع من السلطة التي تخترق مختلف الأنشطة اليومية العادية، والحياة اليومية للأفراد هي موضوع سلطتها، إضافة إلى الأجساد والأفكار والرغبات. إنه تدبير رسمي لأفراد عاديين. وهذا النوع من التدبير ليس له حدود داخل المؤسسة

  1. إرفنغ غوفمان Erving Goffman (982–19221) من أبرز السوسيولوجيين في العالم، ومن بين الأكثر تأثيرًا في الوسط العلمي السوسيولوجي، وهو أميركي من أصول كندية، انتقل إلى الولايات المتحدة الأميركية بعد حصوله على شهادة جامعية في علم الاجتماع من جامعة تورنتو في كندا. حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة شيكاغو الأميركية عام 9531 عن أطروحته حول "إدارة. Communication Conduct in an Island Community التواصل لدى جماعة جزيرة"
  2. ينظر: إرفنغ غوفمان، تقديم الذات في الحياة اليومية، ترجمة ثائر ديب (بيروت: دار معنى،.)2021
  3. إرفنغ غوفمان، "حول إِعْمال الوجه، تحليل للعناصر الشعائرية في التفاعل الاجتماعي"، ترجمة ثائر ديب، عمران، مج  8، العدد 30 (خريف 2019)، ص.167–141
  4. ينظر: Erving Goffman, Stigma: Notes on the Management of Spoiled Identity (New York: Touchstone Edition, 1986).

الشمولية، فهو يخضع حتى الأنشطة اليومية العادية، مثل الأكل، والنوم، والبرروتوكولات الرسمية التي تنظمها المؤسسة. وهذه الأنشطة تخضع، أيضًا، لمراقبة مستمرة ودقيقة5. ومن خلال هذه المراقبة المستمرة لحركات الأفراد، تهدف المؤسسة الشمولية إلى "عقلنة الحياة اليومية للمقيمين فيها؛ وذلك عبرر وضع جدولة صارمة، ووضع نظم وقوانين بيروقراطية تعزّز مراقبة المقيمين وتأديبهم"6. وهذه الوضعية الجديدة، التي يجد الأفراد أنفسهم فيها داخل المؤسسة الشمولية، هي تحويل للفرد من مواطن Citizen إلى "مقيم" Inmate؛ ومن ثمّ، فهو يخضع لإماتة مدنية Civil Death، تجعله فاقدًا للاستقلالية والسيادة على مصيره ومستقبله7. يصير الفرد داخل المؤسسة الشمولية معزولًا عن المجتمع الخارجي على نحو أو آخر، لكنه لا يكون بذلك مفصولًا عن علاقات السلطة، بل على العكس من ذلك، فهو يخضع لتقنيات سلطوية أشدّ قوة وكثافة من التي كانت تمارس عليه خارج المؤسسة الشمولية؛ ذلك أنها تتصف بكونها مج لًا منظّمًا ومغلقًا، ينتظم داخله الأفراد بكل صرامة، مع رسم دقيق للحدود حيث يمكنهم أن يوجدوا. وهذا العزل الذي يتعرض له المقيمون في المؤسسة الشمولية هو شكل من أشكال السلطة بحسب ميشال فوكو Michel Foucault (984–19261)؛ فمع كل تنظيم دقيق للأفراد داخل المجال، نكون بصدد الحديث عن إنتاج للمعرفة والسلطة8. وقد وضع غوفمان تصنيفًا أولًّيًا وعاًّمًا للمؤسسات الشمولية، كما يلي:.1 المؤسسات التي ترعى المحتاجين (دور اليتامى ومنازل الرعاية... إلخ). 2. المؤسسات التي تقدّم الرعاية لأولئك الذين يشكّلون تهديدًا على أنفسهم أو المجتمع (المصحات النفسية، والمحاجر الصحية... إلخ) على نحو غير مقصود. 3. المؤسسات التي تحمي المجتمع من أفراد يشكلون على نحو مقصود خطرًا (مخيمات الاعتقال، والسجون... إلخ.) 4. مؤسسات العمل والمهمات المفيدة للمجتمع (المدارس الداخلية، والثكنات العسكرية... إلخ.) 5. المؤسسات التي تؤدي دور ملجأ انعزالي أو محطة للتدريبات الدينية والروحية (دور الرهبنة، والأديرة... إلخ)9.

  1. Ateeq A. Rauf, Ajnesh Prasad & Mohammed A. Razzaque, "Consumption within a soft total Institution: Discursive Inculcation in the Tablighi Jamaat," International Journal of Consumer Studies , vol. 42, no. 6 (2018), p. 855.
  2. George Ritzer, Encyclopedia of Social Theory , vol. 2 (California: Sage Publications, 2005), p. 844.
  3. Ibid.
  4. ميشيل فوكو، تاريخ الجنسانية: إرادة المعرفة، ترجمة سلمان حرفوش (بيروت: دار التنوير، 2017)، ص.96
  5. Ateeq, Ajnesh & Razzaque, p. 855.

لا ينكر غوفمان أن المؤسسات الشمولية مختلفة، لكنه يرى أنها مع اختلافها تشترك في كثير من النقاط10. وعلى الرغم من ذلك، لم يُعَر تعريفه للمؤسسات الشمولية من حيث الاختلافات بين مؤسسة شمولية وأخرى اهتمامًا كبيرًا، وقد انتقد عدد كبير من الباحثين هذه النقطة تحديدًا، خصوصًا ما يتعلق بالمؤسسات ذات الطابع القهري وذات الصفات الشمولية؛ مثل السجن، ومستشفى الأمراض النفسية، ومخيمات الاعتقال، والمؤسسات التي تعرف نوعًا أكبر من اللين في الدخول والخروج؛ مثل الداخليات المدرسية، والمخيمات العسكرية. وربما كانت أهم إشارة لغوفمان متعلقة بالاختلافات بين مؤسسة شمولية وأخرى هي الإشارة المرتبطة بالمصير الاجتماعي للمتخرجين في هذه المؤسسات11. وانطلاقًا من هذا الفراغ التحليلي الذي تركه غوفمان، سيقوم باحثون بعده ب "مَلْئه"، ومحاولة وضع إطار جديد يشير بدقة أكبر إلى الفروق بين مؤسسة شمولية وأخرى، وقد حاول السوسيولوجي كريستي دايفيز (2017–1941) أن يشير إلى اختلافات المؤسسات الشمولية انطلاقًا من ثلاثة مستويات، هي:.1 نسبة انغلاق كل مؤسسة أو انفتاحها. 2. مدى إفصاح الجهات الرسمية عن الغرض من المؤسسة. 3. أشكال فرض الانضباط والامتثال الأكثر تطبيقًا في المؤسسة، مثلما يراها المقيمون في المؤسسة12. ومن أجل قياس نسبة انفتاح أو انغلاق مؤسسة ما، يجب أن نتساءل، أيوضع الأفراد في المؤسسة على نحو لاإرادي أم يختارون الدخول إليها؟ وبعد الدخول، أيحق لهم الخروج وقتم شاؤوا أم أنهم مسجونون فيها؟13لمزيد من الدقة في التحليل، من المهم أن نحدّد ما يلي: أتُعدّ المؤسسة الشمولية التي نشتغل بها مؤسسة شمولية "مغلقة" أم مؤسسة شمولية "منفتحة"؟14فيم يتعلق بالغرض المعلن من المؤسسة الشمولية، من الضروري الإشارة إلى ما يرغب القائمون على المؤسسة في تحقيقه من وراء عملهم؛ فالسجن، والمصحة النفسية، مثلًا، هم – مثلم يجري الإعلان عنه – من بين المؤسسات التي تهدف إلى "الاحتواء" أو "إعادة التأهيل"15.

  1. Christie Davies, "Goffman’s Concept of the Total Institution: Criticisms and Revisions," Human Studies , vol. 12, no. 1–2 (1989), p. 77.
  2. Erving Goffman, Asylums: Essays on the Social Situation of Mental Patients and Other Inmates (New York: Anchor Books, 1961), p. 123.
  3. Davies, p. 83.
  4. Ibid., p. 85.
  5. Ibid., p. 86.
  6. Ibid., p. 89.

أما بشأن أشكال فرض الانضباط والامتثال، فإن الباحث يشير إلى ضرورة اعتماد التصنيفات التي قدّمها السوسيولوجي الأميركي أميتاي إتزيوني Amitai Etzioni (2023–1929)، وهي تصنيفات لأشكال الامتثال داخل مؤسسة ما، وتكون إما قسرية Coercive، وإما تعويضية Renumerative تعمل بمنطق المكافآت، وإما معيارية Normative16. وهذه المحددات الثلاثة للمؤسسة الشمولية، تتفاعل فيما بينها من أجل تحديد طبيعة المؤسسة وكيفية تحليلها17.

أولا: المؤسسة الشمولية: السلطة وسيرورة الإماتة

1. طبيعة السلطة في المؤسسة الشمولية: محاولة فهم

إن منطق السلطة داخل المؤسسة الشمولية ليس كليًا، ولا يتحدث غوفمن عن السلطة المطلقة في علاقة بالسلبية الكلية للمقيمين. صحيح أن الإماتة هي الغاية، لكنها لا تتحقق بتلك السهولة، ولا يكون المقيمون خاضعين لها خضوعًا كلًّيًا. فالسلطة في المؤسسة الشمولية، مشابهة للسلطة على غرار ما قام به ميشيل فوكو من تحليل في هذا السياق. فهي في نظره "تمارس على المهيمنين بقدر ما تمارس على المهيمن عليهم"18. إنّ السلطة، إذًا، موجودة من دون أن تكون مملوكة لأحد، ومن دون أن يكون لها ارتباط بفرد أو جمعة أو طبقة أخرى. ففي السجن مثلًا، "يخضع الحراس والسجناء لإجراءات النظام، والمراقبة نفسها ضمن الحدود المشخصة لهندسة الأماكن"19؛ إنها السلطة التأديبية، وهي عند فوكو سلطة تهدف أساسًا إلى خلق "أجساد طيّعة"، وأجساد منتجة أيضًا. وهكذا، صارت السلطة "تنتشر وتتحسن في المشاغل والثكنات والسجون والمستشفيات، فالهدف العام في هذه الأماكن هو النمو المتوازي لفائدة وطاعة"20. إنّ السلطة، في هذا السياق، ليست متعالية، وليست شيئًا يمتلك، أو شيئًا يحصر في مؤسسة دون غيرها، وهي لا تتجسد إّلا في الأثر الذي تتركه، في فعاليتها؛ وهي لذلك "لا تستمد مصدرها من القاعدة البرلمانية، ومراكز السلطة السياسية، بل تكمن في سراديب المستشفيات وأجنحة المعزولين، وفي المصانع الكبرى وقاعات الدرس والثكنات ومؤسسات المجتمع المدني"21. ومثلما عبّر عن ذلك أوبير دريفوس Hubert Dreyfus (2017–1929) وبول رابينوف Paul Rabinow (2021–1944)، فإنّ السلطة هي: "صيغة تأثير البعض على البعض الآخر.. إنها تأثير فعل على فعل، على أفعال محتملة أو راهنة. مستقبلية أو حالية"22.

  1. Ibid., p. 90.
  2. Ibid., p. 91.
  3. 1أوبير دريفوس وبول رابينوف، ميشيل فوكو: مسيرة فلسفية، ترجمة جورج أبي صالح (بيروت/ باريس: مركز الإنماء القومي، 9901)، ص.167
  4. المرجع نفسه، ص.166
  5. المرجع نفسه، ص.123
  6. السيد ولد أباه، التاريخ والحقيقة لدى ميشيل فوكو، ط  2 (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2004)، ص.191
  7. دريفوس ورابينوف، ص.196

والمهم أيضًا بالنسبة إلينا، هو أن فوكو لا ينظر إلى السلطة بمعزل عن المقاومة؛ فالقاعدة عنده هي أنه "أينم كانت هناك سلطة، فهناك مقاومة"23. وهذه النقطة إضافة إلى ما سبق أن أشرنا إليه، هي جسر يربط فوكو بغوفمن، خصوصًا حينم يتعلق الأمر بتحليل المؤسسات الشمولية. فبالنسبة إليهم، من الضروريّ وجود مقاومة. والمقاومة، بحسب فوكو، "لا تكون أبدًا في وضعية خارجية بما يتعلق بالسلطة"24، ويقول كذلك: "ومثل السلطة، فالمقاومة أيضًا موزعة بصورة غير منظمة، فنقاط وعقد، وبؤر المقاومة منتشرة بكثافة متفاوتة في الزمان والمكان، وتعمل أحيانًا على إنهاض جمعات أو أفراد بصورة قطعية، ومشعلة بعض نقاط الجسم، بعض لحظات الحياة، بعض أنواع السلوك"25. ولا يختلف غوفمن مع هذا الطرح. ورغم أنه يتحدث عن المقاومة في علاقة بالمؤسسة الشمولية، فإنه لا ينكر أن للمقاومة طبيعة كونية، وأنّ ما هو متغير فيها إنما هو تمظهرها فقط26. فالاحتجاج العنيف والصاخب في السجن نوع من المقاومة، وهو كذلك حينم يتعلق الأمر بالمقالب الصغيرة التي يقوم بها الأطفال داخل مدرستهم الداخلية27. إنّ فوكو وغوفمن يعتقدان أيضًا أن السلطة هي "شيء" موزع عبرر الفضاءات الاجتمعية توزيعًا متداخل28. ولهذا، يرى ريشارد جنكيز Richard Jenkins أن أعمل غوفمن يمكن أن تتخذ المسار النظري الذي خطّه فوكو، حيث لا يكون الأفراد إلا "حاويات للسلطة". وعلى كل حال، يتفق فوكو مع غوفمن في أن الفرد ليس إلا نتاج وقائع اجتمعية وقوى مختلفة لا يدَ له في إنتاجها29.

2. الأشكال السلطوية للمؤسسة الشمولية

إنّ ما يميز المؤسسة الشمولية من المؤسسات "العادية" هو أنها تفرض نوعًا من السلطة على الأفراد المقيمين، من أفراد من الطاقم، سواء كانوا ممرضين في مستشفى للأمراض النفسية، أو سجّانين، أو ضباطًا في مخيمت اعتقال. فالمهم هو أن هذا التقسيم المزدوج "مقيمون/ طاقم" يفترض وجود نوع من السلطة، يمارسها الطاقم، بمختلف أشكاله، على المقيمين. إنه تدبير رسمي للحياة الاجتمعية اليومية، وهذا النوع من التدبير ليس له حدود داخل المؤسسة الشمولية، فهو يخضع حتى الأنشطة العادية؛ مثل الأكل، والنوم، والبرروتوكولات الرسمية التي تنظمها المؤسسة، كم تخضع هذه الأنشطة لمراقبة مستمرة ودقيقة30. وعبرر هذه المراقبة المستمرة لحركات الأفراد، تهدف المؤسسة الشمولية إلى "عقلنة الحياة

  1. فوكو، تاريخ الجنسانية، ص.125
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه، ص.126
  4. Anuragini Shreeya, "The Self as an Active Agent: Understanding Goffman’s Theory of Resistance in Total Institutions through Life–histories," Sociological Bulletin , vol. 67, no. 2 (2018), p. 185.
  5. Ibid., p. 186.
  6. Michael Hviid Jacobsen & Greg Smith, The Routledge International Handbook of Goffman Studies (London: Routledge, 2022), p. 352.
  7. Ibid.
  8. Ateeq, Ajnesh & Razzaque, p. 855.

اليومية للمقيمين فيها؛ وذلك عبرر وضع جدولة صارمة، ووضع نُظم وقوانين بيروقراطية تعزّز مراقبة المقيمين وتأديبهم"31. وهذه الوضعية الجديدة التي يجد الأفراد أنفسهم فيها داخل المؤسسة الشمولية، هي تحويل للفرد من مواطن Citizen إلى "مقيم" Inmate؛ ومن ثمّ، فهو يخضع لإماتة مدنية، تجعله فاقدًا للاستقلالية بشأن مصيره ومستقبله، وفاقدًا السيادة عليهم32. يصف غوفمن وضعية المقيمين هذه بأنها مشابهة لوضعية أطفال قاصرين في قرية تقليدية؛ إذ يمكن لاعًااف بكترا لافًااط غٍلاب يُّأ بدؤي نأ" انئًاش"في هدجو نإ ةنيّعم ةمدخب مايقلا هنم بلطي نأ نكيوم، طريقه. وعلى النحو نفسه، للطاقم في المؤسسة الشمولية الحق في تأديب أي فرد من المقيمين، أو استخدامه كيفم يريد33. إن السلطة التي تمتلكها المؤسسة الشمولية تسمح لها بإزالة الفرد من مكانه الطبيعي، أو على الأقل وضع مسافة بينه وبين العالم الخارجي (العائلة، والأصدقاء، والعمل، والأنشطة الترفيهية، والملابس المتنوعة، وحتى بعض التصرفات وأنواع مختلفة من السلوك... إلخ)؛ وذلك من أجل المساعدة على إدماج هؤلاء "المقيمين" الجدد في الوضعية المؤسساتية، وعبرر هذا يوضعون في حالة اغتراب34. تهدف المؤسسة الشمولية، إذًا، إلى غرس تغييرات جذرية في الفرد الذي يوضع فيها، وهذا المسح الذي تقوم به للهويات الاجتمعية – فضلًا عن جَعْل الأفراد في حالة اغتراب – يهدف أساسًا إلى "مسح الفروق بين الأفراد؛ من أجل تجهيزهم للعيش في كتلة منسجمة واحدة داخل المؤسسة الشمولية"35. وبحسب غوفمن، فإنّ كل مقيم جديد في مؤسسة شمولية، يمر بالسيرورة نفسها. فهو في البداية يجد نفسه مجردًا من كل ما اعتاد أن يمتلكه سابقًا، من كل ما كان يرضيه، وكل ما كان يوفر له الحمية. وبدلًا من ذلك، صار خاضعًا لعملية مستمرة من الإماتة Mortifying، بحيث تُقَيَّد حركاته، ويُقيّد عيشه عمومًا، وفي النهاية يجد نفسه خاضعًا لسلطة عدد كبير من الأفراد36. ويبدأ "البررنامج القسري" للمؤسسة الشمولية في العمل على المقيم ما إن يدخل المؤسسة. فبالنسبة إلى الطاقم، يُعدّ وجود هذا الشخص في المؤسسة في حد ذاته دليلًا على أنه "الشخص المناسب" في "المكان المناسب"؛ فرجل في معتقل سياسي لا بد من أن يكون خائنًا، ورجل في السجن لا بد من أن يكون مجرمًا، ورجل في مستشفى الأمراض النفسية لا بد من أن يكون مريضًا. وإّلا، فلمذا هو هنا؟37. هذا المنطق "اليقيني" الذي تتعامل به المؤسسة الشمولية مع المقيمين، يفقدهم كل شيء جعلهم يومًا بشرًا، وفي مقابل ذلك يحوّلهم إلى "مواضيع تمارس عليها سلطة".

  1. Ritzer, p. 844.
  2. Ibid.
  3. Goffman, Asylums , p. 42.
  4. Kyle Rakowski, "Alienation and Identity Maintenance in Quasi–Total Institutions," The Journal for Undergraduate Ethnography , vol. 6, no. 1 (2016), p. 18.
  5. Ateeq, Ajnesh & Razzaque, p. 855.
  6. Goffman, Asylums , p. 148.
  7. Ibid., p. 84.

إنّ الطاقم في المؤسسة الشمولية يعمل أساسًا على مواد وأشياء، ولا يقدّم خدمات، لكن هذه الأشياء والمواد هي، في نهاية المطاف، أشخاص. ول "تشييء الأشخاص" في المؤسسة الشمولية أبعاد عديدة. فعلى سبيل المثال، يفضّل الممرضون في المصحات النفسية أن يكون المريض من الناحية البدنية هزيلًا؛ لأنه يسهل التعامل معه من دون صعوبات، على عكس المريض البدين الذي قد يسبب مشكلات للطاقم أثناء تحريكه أو تلبيسه. ويعامل المرضى النفسيون على أنهم مواد قابلة للعد، وكل شيء يتعلق بهم يجب أن يُعد جيدًا من أجل تجهيز "الفواتير" المتعلقة بهم للإدارة38. هذا المنطق الذي عبرره يصير الأفراد أشياء ومواد، يجعل الطاقم قادرًا على التعامل معهم على أنهم كتلة واحدة غير منفصلة؛ فحينم يتصرف أحد المقيمين تصرفًا غير مقبول مثلًا، قد يؤدي ذلك إلى خضوع المقيمين جميعًا لحرمان مضاعف، فضلًا عن التأديب. وحينم يهرب أحد المقيمين، أو يحاول ذلك، فهذا سيؤدي إلى زيادة تقييد حركة المقيمين داخل المؤسسة، وسيجعل ظروف عيشهم أصعب39. إنّ تقييد الحركة يندرج ضمن ما يمكن أن نسميه "السلطة على المجال"، أو الكيفية التي تقوم بها المؤسسة الشمولية، من خلال وضع قيود مختلفة الحدة، على المجال الداخلي للمؤسسة الشمولية، وهي عمومًا حدود مادية ورمزية. وضمن هذه الحدود، يُقسّم المجال إلى فضاءات مختلفة. ومثلم لاحظ باحثون بخصوص مستشفيات الأمراض النفسية؛ بدلًا من أن يُنَظَّم فضاء المستشفى من أجل المرضى ليناسب حاجاتهم ورغباتهم، يُنَظَّم المرضى بحسب الفضاء المتوافر في الأصل40. وقد أشار غوفمن إلى أن المؤسسة الشمولية، كالمصحة النفسية مثلًا، باعتبارها فضاءً فيزيقًّيًا، تنقسم إلى ثلاثة فضاءات رئيسة. أولًا، ثمة الفضاءات خارج الحدود، أو البعيدة عن المقيمين، وهي قد تكون أماكن مُينَع المقيمون من ولوجها، أو كل مكان خارج حدود المؤسسة؛ إذ مُينَعون من الخروج منه. ثانيًا، ثمّة فضاء المراقبة، المكان الذي لا يحتاج فيه المقيم إلى إذنٍ حتى يستغله، ولكنه في المقابل يكون معروضًا أمام السلطة، وخاضعًا لقوانينها. ثالثًا، ثمة الفضاء الذي لا يخضع كليًا لسلطة الطاقم، وهي الأماكن التي لا تراقب على نحو جيد، والتي يتمكن فيها المقيمون من ممرسات ممنوعة من دون أن يشكل ذلك خطرًا عليهم، وهي أماكن تعرف أيضًا نسبةً أقل من الاكتظاظ مقارنةً بالأماكن المراقبة والرسمية، ويسمي غوفمن هذا الجزء من المجال ب "الأماكن الحرّة" Free Places41، وهذه الأماكن، عمومًا، هي "كواليس لمسرح الأداء اليومي الذي يتفاعل فيه المقيمون مع الطاقم"42. إذًا، يحيل الحديث عن المؤسسة الشمولية، على نحو أو آخر، إلى الحديث عن السلطة، سلطة يمارسها أفراد، وسلطة يمارسها المجال أيضًا، وهي سلطة تمارس على أفراد جرى عزلهم عن العالم الخارجي

  1. Ibid., pp. 74–75.
  2. Ibid., p. 301.
  3. Michael Boucher, "Personal Space and Chronicity in the Mental Hospital," Perspectives in Psychiatric Care , vol. 9, no. 5 (1971), p. 209.
  4. Goffman, Asylums , p. 227–230.
  5. Ibid., p. 230.

لسبب من الأسباب؛ اختياريًا، أو إجباريًا. لكن السؤال الذي يُطرح في هذا السياق هو: ما الغرض من ممرسة هذه السلطة على هؤلاء الأفراد؟ هل السلطة غاية في حد ذاتها؟ أم هل ثمة هدف ما يرجى تحقيقه من وراء هذه الممرسات السلطوية داخل المؤسسة الشمولية؟

3. سيرورة الإماتة داخل المؤسسة الشمولية

يرتبط مفهوم الإماتة Mortification  – الذي أعطاه غوفمن بعدًا سوسيولوجيًا – بالمؤسسة الشمولية على نحو خاص؛ فالإماتة هي سيرورة يعيشها المقيم داخل أي مؤسسة شمولية كانت، وهي النتيجة المفترضة للعيش في مؤسسة شمولية. وقد فضلت أن أترجم Mortification ب "الإماتة"، نظرًا إلى أن المصطلح الإنكليزي عام جًّدًا ويستوعب عددًا من الأفعال، منها: السيطرة، والتحكم، والإنكار، والتنازل، والتأديب، والقتل. وفي سياقات خارج السوسيولوجيا، تحيل هذه الكلمة إلى كل أشكال ضبط النفس والتحكم في الأنشطة الإنسانية43، خصوصًا في استخداماتها اللاهوتية. وفي التراث المسيحي، تستخدم كلمة الإماتة للدلالة على الزهد في الحياة والسيطرة على الشهوات، وقد ورد في رسالة بولس إلى أهل رومية "لأنه إن عشتم حسب الجسد فستموتون ولكن إن كنتم بالروح تميتون أعمل الجسد فستحيون" (الأصحاح الثامن: السفر 13، رسالة بولس إلى أهل رومية). لا شك في أن غوفمن قد اعتمد هذا الجوهر الغني الذي تحيل إليه الكلمة من أجل بناء المفهوم سوسيولوجيًا، فالإماتة هي سيرورة لها بداية ونهاية، تنطلق حينم يأتي المقيم المستقبلي إلى المؤسسة الشمولية، حاملًا معه إعدادات نفسية واجتمعية تحدد ماهيته. ولكن ما إن يدخل، حتى تجرّده المؤسسة من هذه الإعدادات، عبرر سيرورة من الإهانات والإذلال والتقليل من شأنه؛ فيجري تحقيق للإماتة عن قصد، وأحيانًا من دون قصد. وفي نهاية المطاف، يتمّ الوصول إلى إماتة الفرد، بوصف ذلك جزءًا لا يتجزأ من نظام المؤسسة الشمولية44. وقد أجملَت الباحثة مادلين كارمل المراحل الأساسية لسيرورة الإماتة في نقاط أساسية تبدأ من وضع حدود بين المقيم والعالم الخارجي، ومن ثمّ تجريده من الأدوار التي كان يؤديها في الخارج، ثم – مع الدخول الإداري – تجريد المقيم من ممتلكاته المادية، وحتى اسمه أحيانًا. ولأن لهذه الأمور ارتباطًا بالهوية، فهو نوع من التدمير الهوياتي للمقيم. وبدخول المقيم الجديد المؤسسة، يرغم على إظهار الاحترام للطاقم، وهذا ما يسبب له إهانات وإذلالًا مستمرًا وفقدانًا للثقة بالنفس، ثم تعريضه، على نحو مستمر، للإهانة والإذلال لغويًا وجسديًا ورمزيًا، مثل التعامل معه كأنه غير موجود، وكذلك تعريضه للفحص بطريقة اعتيادية؛ وذلك عبرر عرض معلومات حميمية عنه للعلن، وأيضًا تعريضه لظروف عيش سلبية؛ مثل الطعام الرديء، ومكان النوم السيّئ، وانعدام للنظافة، وتعريضه لتواصل

  1. Richard Hoffmann, "Some Psychological Aspects of Mortification," The Thomist: A Speculative Quarterly Review , vol. 25, no. 1 (January 1962), p. 108.
  2. Goffman, Asylums , p. 14.

إجباري مع غرباء عنه. وفي الأخير، يفقد المقيم الرابط بين ذاته وأفعاله، ويصير عاجزًا عن المبادرة، لأن الطاقم يجعل من كل مبادرة ذاتية سببًا للعقاب45. هذه السيرورة التي أشرنا إليها داخل المؤسسة الشمولية هي التي تجعل الفرد العادي يصير مقيمًا. فهو يمر عبرر مراحل هي إدارية من جهة، وطقسية من جهة أخرى، تهدف إلى جعل الفرد فاقدًا لهويته الاجتمعية. ومثلم أشار غوفمن إلى ذلك، فإنّ التدابير الإدارية التي يقوم بها الطاقم من أخذٍ لتفاصيل الحياة، وتصويرٍ، وقٍّصٍ للشعر، وسلبٍ للممتلكات الشخصية، وإرغامٍ على الانصياع للقواعد الجديدة داخل المؤسسة، هي طقوس "قص على المقاس" أو "برمجة"، والهدف منها – بغض النظر عن الهدف الإداري – هو تجهيز الفرد للاندماج في المؤسسة الشمولية46. يرى غوفمن، أيضًا، أن التشويهات الجسدية – رمزيًا وفعليًا – جزء لا يتجزأ من سيرورة الإماتة. فالضرب، والإهانة، وأيّ ممرسة تجعل الفرد يفقد الإحساس بالأمان، وتجعله يحس بأنه مهدد على نحو مستمر، هي كلّها خاصيات تكميلية تهدف إلى إماتة الفرد وجعله كائنًا مؤسساتيًا47. ولا شك في وجود رابط مباشر وصريح بين الإذلال والإهانة والإماتة؛ ففي المؤسسات الشمولية "الأكثر انغلاقًا" مثل مخيمت الاعتقال، تكون هذه السيرورة "مطقسنة" بطريقة أكثر حدّة؛ إذ يؤدّي جَعْل المعتقلين يغطسون في الوحل، ويقفون على رؤوسهم في الثلج، إلى قيامهم بأعمل شاقة، لكنها غير نافعة. وفي مخيمت اعتقال اليهود مثلًا، جُعِلوا يغنون أغاني معادية للسّامية. ورغم أن الحدة تختلف، فحتى مستشفى الأمراض النفسية، باعتباره مؤسسة شمولية، يعرف هذا النوع من ممرسات الإماتة؛ مثل جعل مريض يتوسل ويقفز من أجل الحصول على سيجارة48. وهذا، على الأقل، فيم يتعلق بالسلوك غير الرسمي الذي ينهجه الطاقم تجاه المقيمين. ولكن بحسب غوفمن، توجد أيضًا مؤسسات شمولية عديدة تعمل على عقلنة سيرورة الإماتة، وجعلها جزءًا من بيروقراطيتها؛ ومن ثمّ الاعتراف الرسمي بها، بعد وضع مبرررات لها، كالمبررر التطهيري لأعمل تنظيف الحممات الإجبارية، والمبررر الصحي المتمثل في إرغام المقيمين على الأكل، والمبرررات الأمنية المتعلقة بالتضييقات التي يقوم بها الطاقم على حركة وسلوكيات المقيمين49. ومن الخصائص المهمة لسيرورة الإماتة، أيضًا، أنها عملية مخفية، فلا يعيشها ولا يراها إّلا المقيم ومن يمارسها عليه من أفراد الطاقم. ولأن اللقاءات بين الداخل والخارج محدودة، فإنّ الذين يكونون في الخارج لا يمكنهم أن يستوعبوا ما يحصل في الداخل من عمليات إهانة وإذلال. وبحسب غوفمن، فإنّ هذا هو الذي يجعل المقيمين يتبنّون الشخصية المؤسساتية التي يطالب بها الطاقم50، وهذا

  1. Madeline Karmel, "Total Institution and Self–Mortification," Journal of Health and Social Behavior , vol. 10, no. 2 (1969), pp. 134–135.
  2. Goffman, Asylums , p. 16.
  3. Ibid., p. 21.
  4. Ibid., p. 44.
  5. Ibid., p. 46.
  6. Raymond Weinstein, "Goffman’s Asylums and the Total Institution Model of Mental Hospitals," Psychiatry , vol. 57, no. 4 (1994), pp. 350–351.

ما يرتبط كذلك بمنطق المؤسسة الشمولية الذي يقدم امتيازات للمطيعين. وبطبيعة الحال، فإنّ المقيم الذي يريد أن يستفيد من هذه الامتيازات هو المقيم الذي يسلم نفسه لسيرورة الإماتة؛ ومن ثمّ تصير العملية تلقائية، ويتم التأقلم معها، وهذا التأقلم مع سيرورتها يختلف من مقيم إلى آخر51. إنّ حديث غوفمن عن سيرورة الإماتة يحيل دومًا إلى ممرسات تقوم بها المؤسسات، لكنه لا يُعرّف الإماتة على أنها هي نفسها تلك الممرسات. ونظرًا إلى ذلك، بحثت كارمل، وهي سوسيولوجية معاصرة لغوفمن، في تأثير المؤسسة الشمولية في الذات إمبرريقًّيًا، عبرر وضع الإذلال وفقدان الهوية الاجتمعية كمرادف للإماتة52. وهكذا، يفترض البحثُ الإمبرريقي عن وجود الإماتة البحثَ في أثر أنواع السلوك المختلفة التي تُجريها المؤسسات والطاقم على كرامة المقيم، مثلم تعتقد الباحثة. وبحسب كالينا أمبرر، فإنّ سيرورة الإماتة تهدف، بغض النظر عّما أشرنا إليه سابقًا، إلى تحوير الذوات، وخلق – في مقابل ذلك – قوالب متطابقة للمقيمين، بناءً على نموذج مثالي53. ففي العالم الخارجي، يعيش الأفراد بهوياتهم الحقيقية مثلم هي، ويحصلون على إقرار من الأفراد المحيطين بهم على أنهم ذوات مستقلة، لكن ما إنْ يتحولوا إلى مقيمين حتى يفقدوا هذا الإقرار الخارجي باستقلاليتهم، وهكذا تجري على نحو مستمر إماتة هذه الهوية التي يحملونها، مقابل إجبارهم على تبني هوية توافق متطلبات المؤسسة الشمولية54. وتشير الباحثة أيضًا إلى أنّ الإماتة مثلما يعبّر عنها غوفمان تفترض أن يكون المقيم مجبرًا على التخلي عن ذاته السابقة، لكن هذا ليس هو الواقع دومًا. ففي أحيان كثيرة، يكون الناس مستعدين للتخلي عن ذواتهم، لسبب من الأسباب، ومستعدين لتبني ذات جديدة55؛ ولذلك، فهي تفضل اعتماد مفهوم التغيير Modification بدلًا من الإماتة، لأنّ هذا التحول الذي يطرأ على المقيمين ليس دومًا سلبيًا، ولا يكون دومًا خاضعًا لمنطق الإذلال والإهانة56. وقد انتقد آخرون أيضًا نظرة غوفمان للإماتة، باعتباره فهمًا مفرطًا في السلبية، خصوصًا حينما يتعلق الأمر بالمرضى النفسيين. فالأمر لا يتعلق بسلب للحرية وتقييد للحركة وعزل عن الممتلكات فقط؛ فهذه الوضعية، على العكس من ذلك، قد تكون ضرورية من أجل إنجاح عملية الاستشفاء، وهو أمرٌ قد تكون له، في الأخير، نتائج إيجابية على عكس ما يشير إليه غوفمان57.

  1. Anna Schliehe, "Re–discovering Goffman: Contemporary Carceral Geography, the 'Total' Institution and Notes on Heterotopia’," Geografiska Annaler: Series B, Human Geography , vol. 98, no. 1 (2016), p. 30.
  2. Karmel, p. 136.
  3. Kalina Amber, "Confined Identity: Reexamining Total Institutions," Augsburg Honors Review , vol. 6, no. 15 (2013), p. 57.
  4. Ibid.
  5. Ibid., p. 65.
  6. Ibid., p. 66.
  7. Weinstein, p. 358.

وقد حافظ باحثون معاصرون على جوهر فكرة غوفمان بشأن الإماتة، لكن مع جعلها أكثر ل ينًا؛ عبرِ عزلها عن مفهوم المؤسسة الشمولية. فمفهوم الإماتة، مثلما صاغه غوفمان، مرتبط على نحو مباشر بالمؤسسات الشمولية، وصار مفهومًا يحيل – مع الحفاظ على جوهره – إلى عدد من الحالات التي يصير فيها الفرد مهددًا بفقدان ذاته، بطريقة إرادية أو قسرية. وبحسب إحدى الدراسات الحديثة، فإنّ الإماتة في العصر الرقمي هي حينما يتخلّى فرد معيّن عن حياته الشخصية وخصوصيته، وحينما يفقد على نحو إرادي فضاءه الخاص، مقابل عرض نفسه وخصوصياته على الإنترنت58.

ثانيًا: الحياة التحتية للمؤسسة الشمولية: المقاومة والحفاظ على الذات

1. المقاومة داخل المؤسسة الشمولية

ينظر غوفمان إلى المقاومة ضمن المؤسسة الشمولية فقط، ويرى أنّ المؤسسات تمارس سلطة على الأفراد تهدف إلى إماتة المقيمين، لكن هؤلاء الأفراد ليسوا سلبيين كليًا؛ ذلك أنّ لهم قدرةً على المقاومة. ويرى أنّ لهذه المقاومة شكلين اثنين، لا أكثر. فقد تكون مباشرة وصريحة؛ مثل الاحتجاج ورفض قانون معيّن، أو المطالبة العلنية بالحقوق، وربما التمرد في وجه أحد المسؤولين. وقد تكون من خلال "إعدادات ثانوية" Secondary Adjustments59؛ وهي، في نظره الاستراتيجيات والتقنيات التي يبتدعها المقيمون في المؤسسات الشمولية من أجل تجاوز القانون حتى يحققوا رغباتهم. ويجري ذلك سرًّيًا وبطريقة خفيّة؛ بحيث لا يحتاج الأفراد إلى مواجهة المسؤولين. وهذا ما يحصل، مثلًا، حينما يغيّر المقيم في المؤسسة الشمولية ما هو مفترض من الجهة الرسمية. ففي السجن مثلًا، نفترض أنّ المكتبة من أجل القراءة والتعلم، لكن المساجين يأخذون الكتب من أجل إبهار لجنة إطلاق السراح، وربما من أجل خلق مشكلات للمسؤولين عن المكتبة للترفيه، أو الحصول على رزمة أوراق قد يحتاجون إليها60. لكنْ يلُاحَظ أن هذه الإعدادات الثانوية – بوصفها من أشكال المقاومة – هي في الوقت نفسه حٌّقٌ، وأمرٌ مقبول رسميًا، لدى فئة أخرى من الناس داخل المؤسسة. فمن المعتاد أن يطلب ممرض من الآخر سيجارة ويشعلها من أجله، ولكن يُمنَع المرضى من ذلك. وهكذا، فإنّ ما يمكن النظر إليه على أنه إعدادات ثانوية بالنسبة إلى فئة ما، لا يكون كذلك بالنسبة إلى فئة أخرى ضمن المؤسسة الشمولية نفسها61. إنّ هامش تحقيق هذه الإعدادات الثانوية مرتبط بمحدودية السلطة في الوصول إلى مختلف الفضاءات المشِّكِلة للمؤسسة الشمولية، أو عبر ثغرات مختلفة في "النظام الداخلي" للمؤسسة التي تسمح للأفراد

  1. Bernard Harcourt, Exposed: Desire and Disobedience in the Digital Age (Harvard: Harvard University Press, 2015), p. 233.
  2. Shreeya, p. 175.
  3. Goffman, Asylums , p. 189.
  4. Ibid., p. 196.

بخلق هذه الإعدادات. وعمومًا، لا تتعلق المقاومة، مثلما يراها غوفمان، بالرفض والتمرد والاحتجاج حصرًا، بل هي مرتبطة بإرادة الفرد الحرة. فحينما تكون المقاومة متوقعة، فإنّ عدم القيام بها هو تعبير عن الإرادة الحرة62، فهو، إذًا، تمرّد على ما كان متوقعًا من فرد يُجَُّرُ إلى المقاومة من أجل معاقبته. وهو، في الوقت نفسه، تجنب لتصنيف فعلٍ ما على أنه "فعل مقاومة". إنها الإرادة الحرة في علاقتها بالمقاومة، وبما أنّ للمساجين والمرضى النفسيين وباقي المحتجزين في المؤسسات الشمولية إرادات حرة، فهم قادرون على المقاومة، لكن على مقاومتهم أن تكون تجنبية لأنهم في موقف ضعف، وتحديهم السلطة لن ينتج منه إّلا مزيد من العنف والقمع. ومن هذا المنطلق، فإنّ المقاومة تكون فعلًا مقابلة للسلطة ومرتبطة بها، من دون أن تكون منفصلة عنها، بل إنّ بينهما علاقة تأثير وتأثّر. وبحسب أحد الباحثين، كلما كانت السلطة قوية ومتشددة في رقابتها، كانت أشكال المقاومة فعّالة ومبدعة63. هذا ما يحيلنا من جديد إلى فوكو الذي يعتقد أن "المقاومة لا تكون البتّة في وضعية خارجية حينما يتعلق الأمر بالسلطة"64، ويضيف أيضًا قوله: "والمقاومة، مثل السلطة، موزعة أيضًا بطريقة غير منظمة، في نقاط وعقد، وبؤر المقاومة منتشرة بكثافة متفاوتة في الزمان والمكان، وتعمل أحيانًا على إنهاض جماعات أو أفراد بصورة قطعية، ومشعلة بعض نقاط الجسم، بعض لحظات الحياة، بعض أنواع السلوك"65. نجد أحيانًا الفكرة نفسها لدى غوفمان حينما يشير إلى أن المقاومة قاعدة كونية وموجودة بأشكال مختلفة ظاهريًا، لا جوهريًا. فمن خصائص المؤسسة الشمولية لديه وجود مقاومة. وحينما يتجمع السجناء في الساحة ويحتجون جماعيًا على الحراس مثلًا، فإنّ ذلك يُعدّ مقاومة، وكذلك الأمر حينما يصنع الأطفال في المدرسة مقلبًا طفوليًا لأحد الأطر في داخلية مدرستهم الصغيرة66. ويبدو أن هذا يحيل من جديد إلى فوكو. فهذه الأشكال البسيطة من المقاومة قد تصير ثورة كبرى إن هي نُظّمت على نحو جيد، مثلما تنظّم الدولة سلطتها في مؤسسات وأشكال مختلفة؛ ومن ثمّ فإنّ "البرمجة الاستراتيجية لنقاط المقاومة تلك" هي التي "تجعل ثورة ما ممكنة الحدوث، إلى حد ما، مثلما أنّ الدولة تقوم على الدمج المؤسساتي لروابط السلطة"67. إنّ المقاومة ممكنة، لكنها تبدو لدى فوكو وغوفمان غير فعّالة كليّا في علاقتها بالسلطة؛ فهي لا تدمرها، ولا تدفعها بعيدًا. لكن هذه المقاومة، في أفضل الأحوال، بحسب غوفمان، تعطي هامشًا للراحة من السلطة التي تمارسها المؤسسة الشمولية. أما فوكو، فهو يرى أنّ المقاومة لا تؤثر في السلطة؛ لأنها، في الأصل، جزء منها، ولا تنفصل عنها، وعبر النقد فقط يمكن أن ينخرط الفرد في عملية مساءلة

  1. Ibid., p. 181.
  2. Ibid., p. 183.
  3. فوكو، تاريخ الجنسانية، ص.125
  4. المرجع نفسه، ص.126
  5. Shreeya, pp. 185–186.
  6. فوكو، تاريخ الجنسانية، ص.127

"الحقيقة" في علاقتها بالسلطة68. وهكذا، فإنّ النقد الفلسفي والاجتماعي، من وجهة نظر فوكو، هو شرط ضروري من أجل طرح إمكانية تغيير سياسي؛ ومن ثمّ خلق مقاومة ذات أهمية تجاه أشكال السلطة المهيمنة69. وبالنسبة إلى المقيمين، فإنّ الوجود داخل المؤسسة الشمولية يعبر، على نحو أو آخر، عن أمرين مرتبطين أشد الارتباط؛ أولهما العزل عن المجتمع وتفاعلاته، وثانيهما التوقف عن العيش في زمنه. وهذا الوجود داخل المؤسسات الشمولية لا يحيل إلى الوجود داخل مجال مغلق فقط، بل يحيل أيضًا إلى العيش في زمن بديل من زمن المجتمع؛ هو الزمن المؤسساتي. وهو أمرٌ يشبه ما يرى فوكو أنه "انتقالة" من "التثبيت في موضع محلي إلى الحجز الزمني"70. فالوجود داخل المؤسسة الشمولية – باختلاف أشكالها – يفترض وجود تقنيات تأديبية؛ وهكذا، فإنّ موضوع هذه السلطة التأديبية هو الجسد، والجسد في هذا السياق ينبغي له أن ينضبط بحسب مقتضيات الوقت71. والوقت داخل المؤسسة الشمولية ليس وقتًا شبيهًا بوقت المجتمع، ولا يقاس بأدوات القياس المعتادة في الخارج، ولا يرتكز أصلًا على ما هو متعارف عليه، من ساعات ودقائق وثوانٍ. إنّ الوقت داخل المؤسسة الشمولية هو وقت انضباطي، ويقسّم على هذا الأساس أيضًا، وكلما تجزّأ هذا الوقت أكثر فأكثر، وتكثفت تقسيماته الثانوية، كان ممكنًا تفكيكه على نحو أفضل ونَثْر عناصره الداخلية تحت "نظرة تراقبها"، وحينئذٍ سيكون ممكنًا تسريع كل عملية بطريقة أفضل، أو على الأقل تنظيمها بفاعلية وسرعة أكبر72. ومن ثمّ، تكون السلطة أشدّ قوة إن كانت سيطرتها على الزمن كلية، حتى لو لم يكن في إمكانها ضبط المجال؛ فالمقيمون أحرار في التجول داخل الحدود التي رسمت لهم، لكنهم ليسوا أحرارًا في التصرف في زمن عيشهم. إّن الزمن حين يكون تحت أيدي السلطة، تكون العقوبة أكثر شّدةً. وفي نهاية المطاف، يكون الزمن هو "العامل المنفذ للعقوبة"73. ومثلما يكون الزمن أداةَ سلطةٍ، يكون كذلك موضوعًا يستثمر من أجل المقاومة داخل المؤسسة الشمولية. فالمقيمون يعيشون على نحو مستمر وسط دوامة من "الانتظار، وانتهاء الانتظار"74؛ إنهم من جهة، وعمومًا، ينتظرون دائمًا وقت الخروج من المؤسسة وينتظرون، على نحو جزئي، وقت الزيارة والطعام، ووقت تناول الأدوية. ولئن كان الزمن الاجتماعي يستثمر من أجل النجاح وتحقيق

  1. Leonard Lawlor et al. (eds.), The Cambridge Foucault Lexicon (Cambridge: Cambridge University Press, 2014), p. 436.
  2. Ibid., p. 437.
  3. ميشيل فوكو، المجتمع العقابي: دروس ألقيت في الكوليج دو فرانس 1973–1972، ترجمة نصير مروة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)، ص.287
  4. ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، ترجمة وتحقيق علي مقلد (بيروت: دار صفحة، 2022)، ص.207
  5. المرجع نفسه، ص.210
  6. المرجع نفسه، ص.154
  7. Diana Medlicott, "Surviving in the Time Machine: Suicidal Prisoners and the Pains of Prison Time," Time & Society , vol. 8, no. 2 (1999), p. 220.

الرغبات وتحسين الوضعية الاجتماعية، فإنّ الزمن المؤسساتي في الداخل لا ينبني إّلا على النجاة، وتدبير العيش بنجاح75. إنّ ذلك شكلٌ من أشكال المقاومة، أو إعدادات ثانوية. وحينما يتعلق الأمر بالصعوبات المتعلقة بالوقت الطويل والفارغ، فإنّ المقيمين يعتمدون ما يعرف عند غوفمان ب "الأنشطة التبديدية" Removal Activities76، وهي أنشطة قد تكون جماعية أو فردية، وقد تكون مقبولة في المؤسسة بصفة رسمية، وقد تكون غير رسمية وسرّية77، وهي تصير في شكلها الجماعي أسمى أشكال المقاومة داخل المؤسسة الشمولية، فتكون "حياة سفلية" موازية للحياة الرسمية.

2. الحياة التحتية للمؤسسة الشمولية

يرى غوفمان أن أشكال المقاومة داخل المؤسسة الشمولية حين تكون ذات طابع جماعي، تصير على نحو خاص "حياة تحتية" Underlife78؛ بمعنى أن مجمل أشكال المقاومة التجنبية التي يتفق عليها المرضى، أو التي تهمهم جماعًّيًا، هي في كلّيتها الأساس الذي تنبني عليه هذه "الحياة التحتية". ويرى الأنثروبولوجي الأميركي جيمس سكوت James Scott أنّ "السياسة التحتية"، عمومًا، ضربٌ من المقاومة، أو الثقافة السائدة في صفوف المحكومين، التي تنتج بالضرورة من عملية التبادل فيما بينهم79. ويشير سكوت إلى خاصية مهمة سابقة لتأسيس كل سياسة تحتية؛ هي "شراكة المصير". فأبناء هذه الشراكة يطورون (رموزهم وأساطيرهم الخاصة، كما يخلقون الأبطال والمعايير الخاصة بهم)80. هذه الحياة السفلية التي يخلقها المقيمون في المؤسسة الشمولية، هي ردّة فعل على الاعتداء الذي تشنّه المؤسسة الرسمية على ذوات المرضى؛ عبر هذه الحياة التحتية فقط، على نحو يكونون فيه قادرين على حماية أنفسهم81، إنها ضرب من المقاومة التجنبية التي لا تريد أن تصطدم بالسلطة الرسمية، ومنطقها هو "أن لا تترك إّل القليل من الآثار التي تكشف عن مسارها"82. يرتبط الحديث عن الحياة التحتية بوجود مجال يسمح في الأصل بإمكان حدوثها. وقد أشار غوفمان إلى وجود ما سماه "أقاليم المجموعة" Group Territories، وإن كانت الأماكن الحرة تحيل إلى تلك الأماكن البعيدة عن أنظار الطاقم، والتي يكون فيها بعض المقيمين مع بعض على نحو عشوائي. فأقاليم المجموعة، في نظره، هي "تلك الأماكن الحرة التي تحتكرها مجموعة معيّنة من المقيمين"83؛

  1. Rik Scarce, "Doing Time as an Act of Survival," Symbolic Interaction , vol. 25, no. 3 (2002), p. 306.
  2. Goffman, Asylums , p. 68.
  3. Ibid., p. 69.
  4. Ibid., p. 199.
  5. جيمس سكوت، المقاومة بالحيلة: كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم، ترجمة إبراهيم العريس ومخايل خوري (بيروت: دار الساقي 9951)، ص.151
  6. المرجع نفسه، ص.170
  7. Shreeya, p. 179.
  8. سكوت،.234 ص
  9. Goffman, Asylums , p. 243.

فثمّة نوع من التملك للفضاء ضمن المؤسسة الشمولية، لكن هذا التملك لا يجري إّلا في الجزء الحر من مجال المؤسسة الشمولية، من دون أن تكون لهم هذه الإمكانية في الفضاءات خارج الحدود والفضاءات المراقبة. وهذه التفاعلات التي تقع على نحو منظّم داخل هذه المناطق الحرة للمقيمين تصير بطريقة ما، مثلما أشرنا إلى ذلك، حياةً موازية للحياة الرسمية، وتكون دراستها ضرورية، بحسب غوفمان، من أجل فهمٍ أشملَ لطبيعة المؤسسة الشمولية84. فهذه الحياة التحتية تكون أقل تطورًا في مؤسسة شمولية "منفتحة"، وربما لا يكون وجود هذه الحياة التحتية ضروريًا في بعض الأحيان، على عكس ما عليه الأمر في مؤسسة شمولية "منغلقة" وأكثر تقييدًا، حيث تكون الحياة السفلية أكثر تطورًا، وأكثر ضرورةً، لحماية الأفراد لذواتهم من الإماتة. وإضافة إلى وجود رموز وأساطير خاصة بالمقيمين ضمن هذه الحياة التحتية، فإنّ الأكثر أهميةً هو وجود اقتصاد موازٍ، يتيح للأفراد المؤسسين لهذا الشكل المنظّم من المقاومة أن يقوموا بعمليات تبادل، سواء كان هذا التبادل رمزًّيًا، متعلقًا بالخدمات والمصالح مثلًا، أو مادًّيًا. ويعتبر هذا الاقتصاد التحتي شكلًا بارزًا من أشكال المؤسسات الشمولية. وقد أشار غوفمان إلى الكيفية التي يتطور بها نوع من الوسيط البديل للعملة، ويكون هذا الوسيط في الغالب سلعة أو مادة مرغوبًا فيها، تأخذ شكل عملات نقدية داخل المؤسسة الشمولية، وتكون السجائر، في حالات عديدة، هي ذلك الوسيط البديل من العملة في مؤسسة شمولية85. ربما يكون الاقتصادي ريشارد رادفورد (2006–1919) هو أول من أشار إلى وجود اقتصاد قائم على السجائر داخل مخيمات أسرى الحرب العالمية الثانية86. وبحسب غوفمان، فإنّ مخيمات الحرب – مثلها مثل مستشفيات الأمراض النفسية وباقي المؤسسات الشمولية – لها الخصائص نفسها؛ إذ يعود المقيمون داخل المخيمات إلى وضعية شبه بدائية، وضمنها تكون السجائر "المادة التي تؤدي دور العملة"87. إنها، بطريقة ما، خاصية كونية تؤديها السجائر داخل المؤسسات الشمولية من أجل التجارة، من أجل الحصول على خدمات؛ مثل الحماية، أو المقامرة. إنّ السجائر تؤدي دور العملة بامتياز88. وقد لاحظ باحثون أنّ الدفع في السجن، سواء كان لخدمات التنظيف أو الحلاقة، يكون مقابل السجائر89، وهذا ما يسميه غوفمان ب "اقتصاد السيجارة " The Cigarette Economy90. ثّم إنّ السجائر تكون أكثر من موضوع تبادل اقتصادي؛ فهي على نحو أو آخر، تخدم أدوارًا طقسية

  1. Christie, p. 93.
  2. Goffman, Asylums , p. 271.
  3. Richard Radford, "The Economic Organisation of a P.O.W. Camp," Economica , vol. 12, no. 48 (1945), p. 190.
  4. Ibid., p. 190.
  5. Robyn Richmond et al. (eds.), "Tobacco in Prisons: A Focus Group Study," Tobacco Control , vol. 18, no. 3 (2009), p. 12.
  6. Stephen Lankenau, "Smoke ’Em if You Got ’Em: Cigarette Black Markets in U.S. Prisons and Jails," The Prison Journal , vol. 81, no. 2 (2001), p. 149.
  7. Goffman, Asylums , p. 273.

The Ritual Role of Cigarettes91، وهذا الجانب الطقسي، سواء تعلق الأمر بالسجائر أو سائر أشكال التفاعل، بحسب غوفمان، هو ما يجعل هذه المؤسسات الشمولية تستمر في الوجود من دون أن تتفكك. ففي المنطق الدوركهايمي، ثمّة ممارسات طقوسية توحّد هذين القسمين من المؤسسة: القسم الخاص بالطاقم، والقسم الخاص بالمقيمين. وعبر هذه الممارسات الطقوسية فقط، يمكنهما أن يتّحدا92. والمؤسسة، بفضائها المشيد، هي ذلك الوعاء الذي يحتوي هذه الممرسات الطقوسية وسائر أشكال التفاعل.

خلاصات عامة

يبني غوفمان تحليله للمؤسسات الشمولية على نصوص مختلفة ومتنوعة جًّدًا، وقد اعتمد على سير ذاتية للمساجين والمرضى النفسيين، ونصوص علمية من مختلف فروع الإنسانيات، إضافة إلى تجربته الميدانية في مستشفى الأمراض النفسية والعقلية، باعتباره الشكل الأكثر شيوعًا للمؤسسات الشمولية بعد السجن في العصر الحديث. وهذا التنوع في النصوص والتجارب هو الذي جعل مقاربته للمؤسسات الشمولية قويّة، فضلًا عن أنّه قد اشتمل على مختلف جوانب الحياة داخل هذه المؤسسات. وسواء تعلق الأمر بالمعيش اليومي؛ أشكال السلطة، والمقاومة، وسيرورة الإماتة التي ليست في نهاية المطاف إلا الأثر الذي قد تتركه المؤسسة على المقيم في نهاية الرحلة، أو كانت المؤسسة الشمولية سجنًا، أو مستشفى، أو مخيّم اعتقال، أو مدرسة داخلية، فثمّة نقاط مشتركة، أهمها وجود حياة تحتية يخلقها المقيمون، ووجود سلطة تمارس عليهم، تحاول أن تميتهم اجتماعًّيًا، وأن تجعل منهم مقيمين طيعين. هذه النظرة العامة للمؤسسات الشمولية بمختلف أشكالها، بحسب الانتقادات التي وُجّهت إلى غوفمان، تذيب اختلافات قد تكون محورية بين مؤسسة شمولية وأخرى؛ فالدير باعتباره مؤسسة شمولية مثلًا، يختلف عن مخيم الاعتقال النازي، وأشكال "الإماتة" فيه لن تكون هي نفسها، وسيكون الخروج من الدير أسهل كثيرًا من الخروج من مخيم الاعتقال أيضًا. وهكذا، فإنّ النقاط التي لم يركز عليها غوفمان كثيرًا، قد تجعل التحاليل المنجزة حول مؤسسة شمولية أقل صدقية؛ فلا يمكن ببساطة مقارنة دير أو مدرسة داخلية بمخيم اعتقال جماعي أو ثكنة عسكرية سوفياتية، لكن تكون المقارنة ممكنة أحيانًا، على غرار مقارنة غوفمان، على نحو مكثف، بين السجن ومستشفى الأمراض النفسية. يلتقي تحليل غوفمان وفوكو في نقاط عديدة، أبرزها الطبيعة الحتمية للمقاومة، وتداخلها مع علاقات السلطة المنتشرة في المجتمع، وأكثر من ذلك، حينما يتحدث فوكو عن "الأرخبيل الاعتقالي"؛ فهو يشير إلى "تكاثر" في المؤسسات الشمولية. فبعد ميلاد هذا الأرخبيل الاعتقالي "أخذت الحلقات الاعتقالية تتسع، وأخذ شكل السجن يتضاءل ببطء قبل أن يزول تمامًا"93. وهكذا، فإنّ فوكو وغوفمان كلاهما ينظر إلى مؤسسات اجتماعية عديدة، بوصفها ذات طبيعة اعتقالية واحدة، سواء تعلق الأمر

  1. Ibid., p. 281.
  2. Ibid., p. 109.
  3. فوكو، المراقبة والمعاقبة، ص.388–387

بالحضانة أو المدرسة الداخلية، أو بالمعمل أو المخيم الاعتقالي، أو بالسجن أو مستشفى الأمراض النفسية؛ فكلها مؤسسات ذات طبيعة قسرية وشمولية، وهي نقطة التقاء بارزة بين غوفمان وفوكو. يساهم هذا "المزج" بين فوكو وغوفمان في دراسة عدد من المؤسسات التي تدّعي أنها خيرية، وأنّ لها أهدافًا اجتماعية إيجابية. وعلى الرغم من أن هذه الإيجابية قد تكون واقعية، فإنها قد تخفي شيئًا من "الشمولية" داخلها. وهذه المفاهيم العديدة التي قدمها غوفمان، تسلط الضوء من الداخل على أبسط أشكال السلطوية، وصولًا إلى أكثرها تعقيدًا، فضلًا عن أشكال المقاومة المبدعة لدى المقيمين. وهذا الإطار النظري يدفع إلى تسليط الضوء على دراسات قد تكون مثيرة للاهتمام، خصوصًا في الأحياء الجامعية التي تعرف "حياة تحتية" فعلية، وأشكال مقاومة مبدعة لسلطوية المؤسسة، إضافةً إلى المؤسسات التعليمية الثانوية والإعدادية التي توجد فيها داخليات، ويكون فيها التلاميذ المقيمون في صراع شبه مستمر مع الطاقم، وفهم هذه السياقات التي تمارس فيها السلطة، وأشكال المقاومة، والتهديدات المحتملة للإماتة؛ فذلك كلّه سيفتح مجالَ فهمٍ صحيح لكيفية التعامل مع الأفراد من دون وضعهم في صراعات قد تهدد ذواتهم على نحو مستمر، وهو ما قد ينعكس إيجابًّيًا على كل الفاعلين. فمثلما لاحظ غوفمان، قد يكون الحفاظ على الذات من الإماتة أولوية بالنسبة إلى المقيمين؛ ومن ثمّ، فإنّ كل شعور بالأمان، قد يجعل عمل المؤسسة أكثر نجاعة لتحقيق الأهداف التي تدّعي أنها قد شُيّدت من أجلها.

References

المراجع

العربية

دريفوس، أوبير وبول رابينوف. ميشيل فوكو: مسيرة فلسفية. ترجمة جورج أبي صالح. بيروت/ باريس: مركز الإنماء القومي،.1990

سكوت، جيمس. المقاومة بالحيلة: كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم. ترجمة إبراهيم العريس ومخايل خوري. بيروت: دار الساقي.1995

غوفمان، إرفنغ. "حول إِعْمال الوجه، تحليل للعناصر الشعائرية في التفاعل الاجتماعي". ترجمة ثائر ديب. عمران. مج  8، العدد 30 (خريف.)2019

_____. تقديم الذات في الحياة اليومية. ترجمة ثائر ديب. بيروت: دار معنى،.2021

فوكو، ميشيل. المجتمع العقابي: دروس ألقيت في الكوليج دو فرانس 1973–1972. ترجمة نصير مروة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2022

_____. المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن. ترجمة وتحقيق علي مقلد. بيروت: دار صفحة،.2022 _____. تاريخ الجنسانية: إرادة المعرفة. ترجمة سلمان حرفوش. بيروت: دار التنوير،.2017

ولد أباه، السيد. التاريخ والحقيقة لدى ميشيل فوكو. ط  2. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،

الأجنبية

Amber, Kalina. "Confined Identity: Reexamining Total Institutions." Augsburg Honors

Review. vol. 6, no. 15 (2013).

Boucher, Michael. "Personal Space and Chronicity in the Mental Hospital." Perspectives

in Psychiatric Care. vol. 9, no. 5 (1971).

Davies, Christie. "Goffman’s Concept of the Total Institution: Criticisms and Revisions."

Human Studies. vol. 12, no. 1–2 (1989).

Goffman, Erving. Asylums: Essays on the Social Situation of Mental Patients and Other

Inmates. New York: Anchor Books, 1961.

______. Stigma: Notes on the Management of Spoiled Identity. New York: Touchstone

Edition, 1986.

Harcourt, Bernard. Exposed: Desire and Disobedience in the Digital Age. Harvard:

Harvard University Press, 2015.

Hoffmann, Richard. "Some Psychological Aspects of Mortification." The Thomist:

A Speculative Quarterly Review. vol. 25, no. 1 (January 1962).

Hviid, Michael Jacobsen & Greg Smith. The Routledge International Handbook of

Goffman Studies. London: Routledge, 2022.

Karmel, Madeline. "Total Institution and Self–Mortification." Journal of Health and

Social Behavior. vol. 10, no. 2 (1969).

Lankenau, Stephen. "Smoke ’Em if You Got ’Em: Cigarette Black Markets in U.S.

Prisons and Jails." The Prison Journal. vol. 81, no. 2 (2001).

Lawlor, Leonard et al. (eds.). The Cambridge Foucault Lexicon. Cambridge: Cambridge

University Press, 2014.

Medlicott, Diana. "Surviving in the Time Machine: Suicidal Prisoners and the Pains of

Prison Time." Time & Society. vol. 8, no. 2 (1999).

Radford, Richard. "The Economic Organisation of a P.O.W. Camp." Economica.

vol. 12, no. 48 (1945).

Rakowski, Kyle. "Alienation and Identity Maintenance in Quasi–Total Institutions."

The Journal for Undergraduate Ethnography. vol. 6, no. 1 (2016).

Rauf, Ateeq A. Ajnesh Prasad & Mohammed A. Razzaque. "Consumption within a soft

total Institution: Discursive Inculcation in the Tablighi Jamaat." International Journal

of Consumer Studies. vol. 42, no. 6 (2018).

Richmond, Robyn et al. (eds.). "Tobacco in Prisons: A Focus Group Study." Tobacco

Control. vol. 18, no. 3 (2009).

Ritzer, George. Encyclopedia of Social Theory. vol. 2. California: Sage Publications,

Scarce, Rik. "Doing Time as an Act of Survival." Symbolic Interaction. vol. 25, no. 3

Schliehe, Anna. "Re–discovering Goffman: Contemporary Carceral Geography, the

'Total' Institution and Notes on Heterotopia’." Geografiska Annaler: Series B, Human

Shreeya, Anuragini. "The Self as an Active Agent: Understanding Goffman’s Theory of

Resistance in Total Institutions through Life–histories." Sociological Bulletin. vol. 67,

Weinstein, Raymond. "Goffman’s Asylums and the Total Institution Model of Mental

Geography. vol. 98, no. 1 (2016).

no. 2 (2018).

Hospitals." Psychiatry. vol. 57, no. 4 (1994).