في نقد الغيرية أو غيرية إيمانويل ليفيناس المأزومة
A Critique of Alterity, or Emmanuel Levinas’s Otherness in Crisis
الملخّص
لقد تأخر ظهور مفهوم "الغير" في الفلسفة الغربية، على نحو مستقل. وعلى الرغم من ذلك، فإن "الغيرية" لم تتشكل مع بداية الأزمنة المعاصرة إلا بوصفها ردة فعل ضد النزعة الأنانية التي سادت الفكر الغربي، وليست هذه الدراسة سوى تناول نقديٍّ للنزعة الغيرية في فلسفة إيمانويل ليفيناس الذي جعل من تجربة الوجه محدِّدًا جوهريًّا للعلاقة مع الغير، وهي التجربة ذاتها التي تكشف عن الروابط الخفية بين اللاهوت والفلسفة والسياسة في إنتاجاته، لكنها تكشف كذلك عن الجانب المأزوم من غيريّته التي حصرت تفكيرها في أفقين ثقافيين؛ إذ انشغل في الكثير من كتاباته بالتقارب والتجاور بين اليهودية والمسيحية، وبين التقليد العبري والإرث الهيليني. وفي مقابل ذلك، لا يتناول الحضارة الإسلامية إلا عرضيًّا، ولا يتخلى عن نزعته الصهيونية التي دفعته إلى إنكار وجه الفلسطيني.
Abstract
Abstract: Despite the late emergence of the other as an independent concept in Western philosophy, alterity emerged at the beginning of the contemporary age as a mere reaction against the prevailing egoism of Western thought. This article is a critical approach to alterity in the philosophy of Emmanuel Levinas, who took the face–to–face encounter as an essential determinant of relations with the other. Though this encounter reveals hidden links between theology, philosophy, and politics in Levinas’s writings, it also sheds light on the embattled aspect of Levinasian alterity which restricts its thinking to two cultural dimensions. In much of his work, he engages with affinity and continuity between Judaism and Christianity and between the Hebrew tradition and Hellenistic heritage. Conversely, Levinas only addresses Islamic civilization in passing and holds fast to Zionism, which moves him to disclaim the face of the Palestinian.
- الغيرية
- الإيتيقا
- الوجه
- الصهيونية
- التلمود
- Alterity
- Ethics
- Face
- Zionism
- Talmud
رشيد النفينف| Rachid Nfinif * في نقد الغيرية أو غيرية إيمانويل ليفيناس المأزومة A Critique of Alterity, or Emmanuel Levinas’s Otherness in Crisis
من ذلك، فإن "الغيرية" لم تتشكل مع بداية الأزمنة المعاصرة إلا بوصفها ردة فعل ضد النزعة
الأنانية التي سادت الفكر الغربي. وليست هذه الدراسة سوى تناول نقدٍّيٍ للنزعة الغيرية في
فلسفة إيمانويل ليفيناس الذي جعل من تجربة الوجه محِّدِدًا جوهرًّيًا للعلاقة مع الغير، وهي
التجربة ذاتها التي تكشف عن الروابط الخفية بين اللاهوت والفلسفة والسياسة في إنتاجاته.
لكنها تكشف كذلك عن الجانب المأزوم من غيريّته التي حصرت تفكيرها في أفقين ثقافيين
إذ انشغل في الكثير من كتاباته بالتقارب والتجاور بين اليهودية والمسيحية، وبين التقليد العبري
والإرث الهيليني. وفي مقابل ذلك، لا يتناول الحضارة الإسلامية إلا عرضيّا، ولا يتخلى عن
نزعته الصهيونية التي دفعته إلى إنكار وجه الفلسطيني.
مقدمة
يمكن أن نردّ أصل التفكير العلني في مفهوم "الغير" إلى الفيلسوف الألماني فريدريش هيغل Friderich Hegel (771–18311) الذي مثلت جدلية العبد والسيد بالنسبة إليه تناولًا فلسفيًا
صريحًا للعلاقة مع الغير؛ العلاقة التي تتحدد بكونها صراعًا من أجل انتزاع الاعتراف، يؤطرها الاختيار
بين الموت والعبودية. فقد ظل مفهوم الغير متضمنًا في الخطابات الأخلاقية القديمة، وفي تأملات الطبيعة الإنسانية خلال الأزمنة الحديثة، بحيث صارت هذه الطبيعة عدوانية كما يرى توماس هوبز Thomas Hobbes (79–158816)؛ فالإنسان ذئب للإنسان، بينما أقر ديفيد هيوم David Hume (711–17761) بأهمية العيش مع الآخرين، واعترف إيمانويل كانط Emmanuel Kant)1724–1804(بضرورة احترام إنسانية الشخص الآخر، في إطار بنائه للنظرية الأخلاقية. إلا أن النزعة الغيرية تبلورت في البداية مع الفرنسي أوغست كونت (857–17981)؛ إذ نُحت معه المصطلح Altruisme أول مرة في مؤَّلَفه المتعلق بالعقيدة الوضعية، وفيه ظهرت صيغة العيش من أجل الغير Vivre pour autrui.
يقول كونت: "العُملة الأخلاقية للنزعة الوضعية هي العيش من أجل الغير: أُحب الغير أكثر من نفسي،
ولا أُحب نفسي إلا من أجل الغير". ويحدد معجم أندريه لالاند (964–18671) الغيرية على النحو التالي: "النزعة الغيرية مصطلح من اختراع أوغست كونت يعارض الأنانية، وأخذ به هربرت سبنسر Herbert Spencer 903–1820(1) فأصبح متداولًا في الخطاب الفلسفي". اتخذ لفظ "الغيرية" في اللسان العربي دلالات المختلف عن الذات والمغاير لما هو مطابق لنفسه؛ ف "الغيرية مشتقة من الغير، وهو كون كل من الشيئين خلافًا للآخر. وقيل وجود الشيئين بحيث يتصور وجود أحدهما مع عدم الآخر. ويقابلها الهوية والعينية [...] قال بن رشد: إن الذي يقابل الواحد من جهة ما هو هو هي الغيرية". ولكن عراقة استخدام هذا المصطلح في الفلسفة العربية الإسلامية لم تُحِمِّله سوى دلالات منطقية ووجودية، بينما عملت الفلسفة الغربية مع المدرسة الوضعية خاصة،
والاتجاهات الفينومينولوجية والوجودية المعاصرة على نحت دلالات أخلاقية، محاولة في جزء كبير منها انتزاع الغير من علاقة الصراع التي كرستها الفلسفة الهيغلية، وإن اختلفت سُبل ذلك الانتزاع
وأشكاله ل ثتبيت علاقة إيجابية عنوانها الدعوة إلى التضحية من أجل الغير وتكريس وجود الأنا لخدمته. صار "الغير" موضوع تأمل فلسفي غايته تقديم نموذج جديد مختلف عما دشنه أفلاطون؛ وذلك حين اعتبر أنّ الغير مرآة للذات، وأنه مغاير في الآن ذاته للصيغة الهيغلية التي شرطت العلاقة مع الغير بالصراع من أجل انتزاع الاعتراف، إلا أن هذه الغيرية التي تبلورت ضمن السياق الغربي ليست خالية من أبعاد عقدية وأيديولوجية، ولا أدل على ذلك من اعتبار أوغست كونت نفسَه "قسيس" الديانة
العالمية الجديدة، التي تتخذ فيها الإنسانية مكان الإله، وهي الإنسانية التي لا يمكن بناؤها إلا بالغيرية
(1) Auguste Comte, Catéchisme positiviste: Ou sommaire exposition de la religion universelle, en onze entretiens systématiques entre une femme et un prêtre de l’humanité (Paris: Carilian–Goeury et Vor Dalmont, 1852), p. 40. (2) André Lalande, Vocabulaire technique et critique de la philosophie , vol. 1, 2 ème éd. (Paris: PUF, 1926), p. 39.
(((جميل صليبا، المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية والفرنسية والإنجليزية واللاتينية، ج 2 (بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1982)، ص.130
التي تتصدى للأنانية والذرائعية. لكنها غيرية كسيحة تظهر محدوديتها على نحو أوضح مع الفيلسوف الفرنسي المعاصر إيمانويل ليفيناس (995–19061)، باعتباره أكبر داعية إلى هذه النزعة طوال القرن العشرين. فبأي معنى تكون غيرية ليفيناس مشروطة، بل مأزومة كذلك؟ وكيف تحمل تناقضًا داخليًا
في ذاتها؟ ومن الذي يقصده ليفيناس بالغير؟ أيعني بغيريته كل ذات مختلفة ومشابهة في الآن ذاته أم فئة معيّنة وثقافة مخصوصة؟
أولا: غيرية ليفيناس والانعطاف الإيتيقي
تأطر جهد ليفيناس الفكري ضمن نقده للتعارض بين المطابق لذاته والآخر، التعارض الذي تكرس منذ أفلاطون بين نوعين من الوجود، فحاول صياغة الآخر المطلق Autre absolument Autre الذي يمثله الغير، أي الغيرية المطلقة، لأن التعارض التقليدي بين المطابقة والمغايرة هو السبب الجوهري في تحقّق الكلية، أي نموذج الذات الغارقة في الأنا التي عملت عبر تاريخها على تنحية كل ما يوجد خارج أناها، يقول ليفيناس في هذا السياق: "يقدّم هذا الكتاب نفسه إذًا كدفاع عن الذاتية، لكنه لا ينحصر في تمظهر أنانياتها الخالصة ضد الكلية، ولا في قلقها أمام الموت، وإنما بوصفها قائمة في فكرة اللانهائي [...] سوف نسرد الكيفية التي يُنتَج بها اللانهائي في علاقة المطابق بالآخر، والكيفية التي لا يمكن من
خلالها تجاوز الخاص والشخصي، المؤِّثِرين بطريقة أو بأخرى في المجال الذي يتم فيه هذا الإنتاج للانهائي". إن الذاتية التي تبلورت طوال تاريخ الفكر الغربي أنتجت حالة الكلية والحرب، ولم تكن إلا ذاتية عاجزة مسكونة بالوجود، بل محتلة من جانبه بلغة ليفيناس، لذلك كانت الذاتية خروجًا
من الذات، ومن النموذج الميتافيزيقي والأنطولوجي الذي سيطر على الفلسفة الغربية، إنها الذاتية التي تستضيف الغير وتستقبله وتحتويه، مستهلكة بذلك فكرة اللانهائي لإقامة ذات مختلفة عن مقولة الفعل التي تتضمن عنفًا وانغلاقًا على الذات يجعلها متخيلة؛ مثل مغامرة عُليس التي انتهت بعودته إلى منطلَقه كما يقول ليفيناس، فلا تقود علاقة ال "هو – هو" بالآخر دائمًا إلى معرفته بوساطتها، ولا إلى
استلهامه منها، ما يجعله ممتنعًا امتناعًا جوهريًا عن كل انكشاف، لأن القصدية لا تهتم بالموضوعات
بقدر ما تنشغل بالخروج نحو الغير مع ليفيناس: "حاجةُ من لا حاجات له، من يتعرف على ذاته في الحاجة إلى الآخر، بما هو ذاك الغير، الذي ليس عدوّي (كما هو عند توماس هوبز وفريدريش هيغل،
ولا ما يُتمم ذاتي كما هو في جمهورية أفلاطون أيضًا [...] الرغبة في الغير – الاجتماعية – تُولد لدى
كائن لا ينقصه شيء أو بدقة أكثر، يُولد ما وراء كل ما يُمكن أن ينقصه أو يرضيه. في الرغبة يحمل الأنا
ذاته نحو الغير [...] تضعني العلاقة مع الغير موضع تساؤل، وتُفرغني من ذاتي، ولا تتوقف عن إفراغي مع اكتشافي لمصادر جديدة دائمًا". هذه الغيرية الإيتيقية تنبني على ما يسميه ليفيناس تجربة الوجه
التي تحدد مسؤولية الأنا نحو الغير، من دون انتظار المقابل أو الجزاء. فمن خلال هذه التجربة، يظهر الغير انطلاقًا من ضعفه وهشاشته وعوزه، وكلّ ذلك من الأمور التي تستدعي من الذات تحمّل
مسؤولية الآخر؛ "الوعي هو الوضع موضع تساؤل من طرف الوجه، الوضع موضع تساؤل لا يرتد إلى
(4) Emmanuel Levinas, Totalité et infini: Essai sur l’extériorité (Paris: le livre de poche, 1990), p. 11. (5) Emmanuel Levinas, Humanisme de l’autre homme , 2 ème éd. (Paris: LGF, 1987), p. 49.
تحقيق للوعي بهذا التساؤل، لا ينعكس (الآخر مطلقًا) في الوعي، بل يقاومه إلى حدّ أن مقاومته ذاتها لا تتحول إلى محتوى للوعي. تقوم الاستضافة بقلب أنانية الأنا ذاتها التي تدعم هذا التحول، ويطرح الوجه القصدية التي تستهدفه". يتطلب الأمر، إذًا، خروجًا من الذات، ووعيًا بوجود الغير خارج الأطر المنطقية والأنطولوجية، إنه
الوعي الذي لا يمتلك الموضوع ويستحوذ عليه، بل تقوم العلاقة مع الغير على التقارب والمجاورة، وهي لا تشبه في بنيتها العلاقة القصدية التي تحكم مجال معرفة موضوع ما، وهذا يعني أنها تتأطر خارج النزعات التشييئية التي أفقدت الآخر مكانته عامة، وألغت الغير لمصلحة الأنا خاصة، والحال أن هذا الأخير يفقد سطوته وتمركزه على ذاته: "إن أفضل كيفية للالتقاء بالغير هي التي لا نرمق فيها حتى لون عينيه، فحينما نلاحظ عينيه فلسنا في علاقة اجتماعية مع الغير". الوجه هو ما لا يقبل الاختزال في الإدراك، بل هو إعلان عن حضور البعد الإلهي في العلاقة الإنسانية، بحيث تظهر علاقة إيتيقية مبناها وصية دينية من العهد القديم: "لا تقتل". إنها ذاتية لا تتأسس على الفعل، بل على الانفعال. لقد تحول ليفيناس من الأنطولوجيا إلى الإيتيقا من أجل تحقيق هذه الغيرية وبناء ذاتية متحررة من قيود الكلية، لذلك اعتبر الإيتيقا فلسفة أولى تمثل القول المرتبط بالحياة، في مقابل المقول الأنطولوجي الذي "كلّس" الإنسان والوجود في مقولات سكونية. لكن سرعان ما يختفي هذا النفس الإنساني المفعم بالإيتيقا حينما تبرز نزعة ليفيناس الصهيونية التي تنسف رؤيته كلّها للعالم، لتصير الغيرية مجرد أدلوجة ترزح تحت وطأة مركزية الثقافة الغربية التي حاورها في شخوص فلاسفة كثيرين، خاصة مارتن هايدغر Martin Heidegger (976–18891) الذي ظل اسمه يتردد في معظم كتاباته، والذي لا يحضر في تفكيره باعتباره فيلسوف الأنطولوجيا والدازاين (Dasein) فحسب، بل بوصفه مماثلًا للأيديولوجيا النازية من بين الفلاسفة الألمان أيضًا؛ إذ إن ليفيناس لم يتخذ المرأة نموذجًا لتقاطع
الإيروس والإيتيقا في العلاقة مع الغير فقط: "يتصور ليفيناس المؤنث كشكل لكل آخر، رغم أولوية الإيتيقا"، بل زاد على ذلك نموذج اليهودي المضطهد داخل أوروبا أيضًا، فكان همّه الأساس
تحقيق التقارب بين اليهودية والمسيحية، وبين التراث العبري والتراث اليوناني، ولا أدل على هذا القصد عنده من قراءاته التلمودية التي حاول من خلالها تناول المفاهيم الفلسفية من خلال نصوص الديانة اليهودية، كما مثلت قراءته المشتركة للكتاب المقدس مع الفرنسي موريس بلانشو Maurice Blanchot (003–19072) سعيًا لتحقيق التقارب بين الديانتين، وهو يدين لفرانز روزنزفايغ (–1886
9291) بالعودة إلى التفكير في المسيحية، وبتغير موقفه منها بقراءة مؤلفاته: "تغير موقفي الشخصي من المسيحية بفضل قراءة فرانز روزنزفايغ [...] لقد ولدت في ليتوانيا، وهي بلد جميل بغابات جميلة،
(6) Ibid., p. 53.
(((إيمانويل ليفيناس، وجه الغير، ترجمة محمد الهلالي وعزيز لزرق، دفاتر فلسفية، العدد 81 (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 0102)، ص.14 (((مصطلح فلسفي يستخدمه مارتن هايدغر للإشارة إلى الوجود البشري أو "الكائن هنا"، ويُعتبر مفهومًا محوريًا في فلسفته،
خاصة في عمله الأساسي الوجود والزمان Sein und Zeit.
(9) Rodolphe Calin & François–David Sebbah, Le vocabulaire de Levinas (Paris: Ellipses, 2002), p. 6.
وشعب كاثوليكي لطيف جًّدًا، لكنه مكان لم يتعايش فيه اليهود والمسيحيون، إلا ضمن السياق الاقتصادي المحض". صار ليفيناس ينقب في المتشابه من تعاليم الديانتين من أجل استجلاء الأبعاد الإنسانية المشتركة بينهما؛ يجد في عقيدة الاستحالة المسيحية معاني القرب والمجاورة لما هو إنساني في المسيح، ودلالات علاقة الإنسان بالإنسان التي اعتبرها مشابهة لروح الديانة اليهودية؛ إذ يحرر الإله عبيده ويطعم الجوعَى، لقد اعتبر ليفيناس محاكم التفتيش والحروب الصليبية أحداثًا غير مفهومة بوضعها ضمن السياق المسيحي، شأنها في ذلك شأن المحرقة التي عرفها القرن العشرون، لذلك يعترف بإمكانية التفلسف على طريقتين؛ الأولى يهودية، والثانية مسيحية، خاصة بعد مطالعته لكتاب روزنزفايغ.
ثانيًا: غيرية ليفيناس المأزومة
تنكشف الغيرية المأزومة عند ليفيناس من خلال الربط بين الثقافة اليهودية والثقافة التي مثلت آخر تلك الثقافة؛ فالأنا، في نهاية الأمر، هو اليهودي الذي تعرض للاضطهاد عبر تاريخه، والذي يبحث عن مكان وعن اعتراف داخل الثقافة الهيلينية. لقد حرص ليفيناس على تفادي تحليل الثقافة الإسلامية رغم تجسيدها لنموذج التعايش الديني، وللعلاقة الإيجابية مع الغير، بل ظل نظره متجهًا إلى الإرث الهيليني كبردايم حضاري دون غيره: "لا تتحدد إسرائيل بمعارضتها للمسيحية، ولا تتحدد بمناهضتها البوذيةَ أو الإسلامَ أو الإبراهيميةَ، بل تقوم على إرادة التوافق مع كل البشر الذين يرتبطون بالأخلاق، وتريد هذا التوافق في المقام الأول مع المسيحيين والمسلمين، وجيراننا، ورفاقنا في الحضارة. لكن أساس هذه الحضارة هو العقل الذي أظهره الفلاسفة الإغريق للعالم". ولم يتخذ ليفيناس موقفًا صريحًا من جرائم الكيان الصهيوني في حق الفلسطينيين، ورغم شجبه لمجزرة صبرا وشاتيلا، فإنه أشاد بفاعلية دافيد بن غوريون David Ben Gourion (886–19731) في الحفاظ على وجود الأمة الإسرائيلية: "المرافعة المُضنية منذ ألفَي عام. ألا يقصد بن غوريون باقتراح مراجعة تلك التي قام بها باروخ سبينوزا Baruch Spinoza (77–163216) مُساءلة – أكثر فعالية من المبشرين الذين استقروا في إسرائيل – اليقين الأكبر في تاريخنا الذي هو بالنسبة إليه، في نهاية المطاف، الحفاظ على أمة للحب، وفرصة لبناء الدولة؟". ثم إن شجبه ذاك لا يكفي لإضفاء الطابع الإيجابي والكوني على غيريته، لأن ليفيناس ظل متحفظًا من قضية الصراع، مُعتبرًا مسألة إسرائيل مسألة حميمية بالنسبة إليه، ورفض
الرد على سؤال محاوره بذريعة أنه لا يعيش تلك المغامرة والمخاطرة، من دون أن يخفي ذلك تشبثه بعقائده الصهيونية التي دفعته إلى إنكار الفلسطيني فلم يعتبره وجهًا: "كان طبعًا الشخص الذي أعلن في حوار إذاعي أن الفلسطيني من دون وجه، ذلك أنه قصد بامتداد الإلزامات الأخلاقية الذين
(10) Emmanuel Levinas, In Time of Nation , Michael B. Smith (trans.) (Indiana: Indiana University Press, 1994), p. 161. (11) Emmanuel Levinas, Difficile liberté: Essai sur le Judaïsme (Paris: Librairie Laumière, 1976), p. 169. (12) Ibid., pp. 169–170. (13) Yoram Ron, "Le Dieu absent – Emmanuel Lévinas et l’ humanisme de l’autre," YouTube, 14/11/2018, accessed on 24/10/2019, at: https://bit.ly/458ueHi
يتحددون بصيغة اليهو–مسيحية، والأصول الكلاسيكية الإغريقية فقط". وهذه هي المفارقة التي تحملها غيرية ليفيناس؛ إذ تدعو إلى بناء عالم إيتيقي يكون فيه تحمل مسؤولية الغير واجبًا، ويكون فيه
الأمر بعدم القتل محِّدِدًا أساسًّيًا في العلاقة مع الآخر عامةً والغير خاصةً، تلك العلاقة التي تَعد بعالم
يخلو من العنف، وتدعو الذات إلى القيام مقام الآخر. لكنها غيرية كسيحة لأنها تقف عند حدود ثقافية وجغرافية ويمكن نعتها بأنها "غيرية إقليمية" تحافظ على نموذج الذاتية نفسه الذي حاولت تجاوزه، أي تلك الذاتية المتمركزة على الأنا، فظلت هوية هذا الأخير اليهودية منطلقًا نحو الأغيار الذين يمثلهم في فلسفة ليفيناس الغرب المسيحي؛ غيرية تصالحية تسعى لدرء الصدع التاريخي والعقدي بين أتباع الديانتين، وخاصة أن تجربة الاضطهاد التي عاشها اليهود في القرن العشرين ظلت مُوجّهَة إلى تفكير
ليفيناس؛ إذ لم يسلم هو نفسه من ويلاتها. أثّرت هذه التجربة في فكر ليفيناس الذي لم يجد عذرًا لسكوت هايدغر عن جرائم النازيين في حق اليهود، ولم يغفر له سكوته عن القضية بعد نهاية الحرب، ولا الانتماء النازي الذي عرف به هايدغر في بداية حياته: "يمكن الغفران للكثير من الألمان. لكنّ كثيرًا منهم يصعب الغفران لهم، إنه من الصعب
الغفران لهايدغر". لكن مآخذ ليفيناس على هايدغر تبدو بسيطة إذا ما قورنت بإلغائه للفلسطيني، وبإخلاصه لمبادئ الصهيونية وتفانيه في إحياء التراث العبري لجعله ملائمًا للغة الفلسفية المعاصرة،
مع الحرص على إلغاء وانتزاع كل ثقافة غير الثقافتين العبرية والهيلينية، وكل جغرافيا غير القارة العجوز والأرض الموعودة. ولا يمكن فهم هذا التناقض في غيرية ليفيناس إلا بالنظر إليها بوصفها وسيلة لتحقيق غايات أخرى غير ذاتها، لينهار كل النسق الذي بُنيت عليه غيرية هذا الفيلسوف، بل يتداعى نسقه الذي يريد أن يجعل من الإيتيقا فلسفة أولى. لقد انتهت غيرية ليفيناس إلى بناء علاقة محدودة بالغير الذي لا يمكنه إلا أن يكون قريبًا، لكنه القريب والمجاور الكاثوليكي والبروتستانتي الذي ينبغي
الانشغال بموته قبل موت الذات، إنه ليس إّلا ذلك الذي توحي تجربة الوجه في التعالق معه بالحب، وبحضور الإلهي والقدسي، أي إن فلسفة ليفيناس مجرد إضفاء للشرعية على الانقسام الأنطولوجي بين الشرق والغرب الذي كرسته المركزية الغربية عامة، مرسخة العنف عبر تجاربها الحربية، خاصة خلال القرن العشرين؛ لذلك عمل ليفيناس على إقرار فلسفة اللاعنف التي ينبغي أن تحكم علاقة المسيحي باليهودي، أما علاقة الأخير بالمسلم أو بغيره فتَرِد عابرةً في تفكيره، بل إنه حرص على التزام الصمت
إزاء العنف الذي عرفته الأراضي الفلسطينية. والوجه الذي يُقنِع الذات بالسلام وجهٌ مخصوص، كما أصبحت الأرض الموعودة أرضًا مباحة، لأن ليفيناس وجد حق اليهود فيها من خلال النصوص التلمودية: "لا يستطيع هذا البلد بالمنظور الكنعاني مجاراة الحضارات القديمة، يعلم التلموديون جيدًا أن أولوية فلسطين لا تأتيها من ماضيها ما قبل – الإسرائيلي". لقد راهن ليفيناس على نظام مختلف في إقامة إسرائيل على التعاليم الدينية، فكان أمله في إقامة العدالة وتحقيق المساواة بإقامة دولة
(14) Judith Bulter, Parting Ways: Jewishness and the Critique of Zionism (Columbia, NY: Columbia University Press, 2012), p. 23. (15) Emmanuel Levinas, Quatre lectures talmudiques (Paris: Les éditions de minuit, 1968), p. 56. (16) Levinas, Difficile liberté , p. 133.
مقتطعة من الأراضي الشاسعة للدولة العربية؛ يقول في معرض تحليله لموقف الدبلوماسي والمؤلف المسرحي واللاهوتي بول كلوديل Paul Claudel (868–19551) من السامية وإسرائيل: "لن تضطر الشعوب العربية إلى الرد على الوحشية الألمانية، ولا إلى التنازل عن أراضيها لفائدة ضحايا الهتلرية! يا
له مِنْ صمَمٍ إزاء نداء الوعي"!. لقد بحث ليفيناس عن إمكانية للحوار مع شعوب المنطقة، لكن من
أجل انتزاع الاعتراف منها، بما أن ارتباط اليهود الروحي بالأرض الموعودة لم ينقطع على امتداد قرون طويلة. ثمة، إذًا، إلغاء ضمني للعربي والفلسطيني، وهو الإلغاء الذي ينسجم مع فكرته حول الأرض الموعودة كحق لا يُناقش: "في الواقع، أكّد جاك دريدا Jacques Derrida (004–19302) خلال فترة
ما في محاضرته بجامعة كاليفورنيا بإرفين، أن ليفيناس لو استجاب إلى كل وجه لصار بالضرورة غير مسؤول". كانت محاولة ليفيناس، إذًا، لإضفاء الطابع الروحاني على دولة إسرائيل أولوية، وفي سياقها جاء رفضه للطابع التوسعي الذي أبعد الدولة عن روحانياتها التلمودية كما حدث في حرب الأيام الستة، الرفض الذي استوحاه من مارتن بوبر Martin Buber (965–18781) ولو على استحياء، تلك الحرب التي أظهرت الإحراجات الأخلاقية المتعلقة بحق العرب في المساواة والعدالة، وليس حقهم في استرجاع أرضهم؛ ومن ثمة بقي ليفيناس صهيونيًا. فرغم رفضه للطبيعة القومية التي سيطرت على هذه الحركة،
تمسّك بنزعة تخصيصية Particularisme لأنه اعتبر قيام دولة لليهود ضمانًا لحمايتهم من الأخطار
مثلما حدث في المحرقة التي سماها اليهود "شوا" Shoa. ليست إسرائيل في الأساس بالنسبة إليه اسم دولة، ولا اسم شعب، مثلما كتب في النص: لا يتحدد السمو من خلال حدث إسرائيل، بل من خلال هذا السمو – كرامة التحرير من طرف الإله – تتحدد إسرائيل، يُحدد مفهوم إسرائيل نخبة بالضرورة،
لكنها نخبة منفتحة؛ النخبة التي تتحدد ببعض الصفات الملموسة العارضة على الشعب اليهودي. توجد هنا نزعة تخصيصية غير قومية؛ هناك واجب للوجود هو أكثر من الماهية، مثلما لُملِمَ في صيغته
الجميلة: يتعلق الأمر بإقامة إسرائيل". لن يكون الحكم على ليفيناس انطلاقًا من تصريح إذاعي أو مقابلة تلفزية حكمًا موضوعيّا وعلمًّيًا. لكنّ تُّبُع كتاباته، سواء في فلسفة الوجود أم في فلسفة الدين،
يعزز تلك التصريحات التي تُعتبر تعطيلًا للتفكير في العالم المعيش، الذي تكفّلت به الفينومينولوجيا؛ إذ لا يمكن أن يتجاهل فيلسوف مُتأمل الصراعات التي يعتبر نفسه جزءًا منها؛ إنه ضربٌ من الفصام
الثقافي يدافع صاحبه عن معاني الإنسانية والمواقف النبيلة إزاء الآخر عمومًا، تلك المواقف التي
يمكن أن يصبح فيها للحيوانات وجهٌ يفرض تحمل مسؤوليتها حينًا، وتسكت عن علاقة التقارب مع
فئة من الناس لأنهم من أفقٍثقافي وحضاري مختلف حينًا، أو مخالف حينًا آخر. لقد اعتبر المفكر التونسي يوسف الصديق سكوت ليفيناس جريمة في حق الفكر والفلسفة، وتمنّى ملاقاته لسؤاله عن سبب تجاهله للتجاور الموجود بين اليهودية والإسلام.
(17) Ibid., p. 203. (18) Bulter, p. 39. (19) Goetschel Roland, "Adieu à Emmanuel Levinas," Revue des Sciences Religieuses , vol. 70, no. 3 (1996), p. 392. (20) Ron.
أعاد ليفيناس إنتاج الموقف نفسه الذي عابه على هايدغر، ورغم معايشته لتجربة الألم، فإنه لم يلتفت إلى ألم الإنسان الفلسطيني ولم يشغل فكره به، على الرغم من كونه جزءًا من المعيش؛ ومن ثمة
يغدو سؤال العدالة مع ليفيناس فارغًا من المعنى، وتغدو المسؤولية انتقائية ويصير الخير مقولة جوفاء تستعمل وسيلةً لتحقيق غاية محددة خدمة لأيديولوجيا معيّنة أو سياسية محددة، ولا يمكن تجاهل
عناية ليفيناس بالتراث العبري وبضرورة تلقينه للناشئة ولا حماسه لدولة إسرائيل: "تعني الصهيونية وخلق دولة إسرائيل بالنسبة إلى الفكر اليهودي عودة إلى الذات بكل ما للمصطلح من معاني، ونهاية لألفية الاغتراب". إنها في نظره الطريقة الوحيدة للحفاظ على وجود اليهود الذي أصبح مهددًا أكثر منذ الحرب العالمية الثانية، كما يرى. ألا يكفي تمسّك ليفيناس بالصهيونية لنسف نموذج الغيرية
الخاص به وإسقاط كامل للفلسفة الإيتيقية التي حاول صياغتها؟ لماذا نبحث في تصريحين – شجب في أحدهما مذبحة في حق شعب أعزل، وندد بالطابع التوسعي الذي انتهت إليه إسرائيل وابتعادها عن رسالة نبيها، مع أنه اعتبر ذلك التوسع ضربًا من التأليه للدولة – عن وجه مشرق لصاحب فلسفة
الوجه، الذي لم يستطع بشحنته الإيتيقية كلّها الاعتراف بوجه الفلسطيني؟ هل يكفي تجاور نصوص العهد القديم والأناجيل لتبرير اهتمام ليفيناس بالعلاقة اليهودية المسيحية، وتجاهل العلاقة بالإسلام؟
ثالثًا: ليفيناس بين المسيحية والإسلام
يتجه السؤال حول العلاقة بالإسلام إلى العلاقة بالعرب، أي العلاقة بالدول العربية التي تحيط حدودها بدولة إسرائيل الفتية، باعتبارها كيانًا يضمن بقاء اليهود واستمرارهم، فهي دولة أقرب إلى مدن اللجوء التي استلهمها فيلسوف الوجه والتلمود من النصوص الدينية، وبررها بعقائد دينية ووقائع تاريخية دعمت على امتداد كتاباته فكرة الضحية، والنظر إلى الإنسان في هشاشته وضعفه وعوزه. وفي هذا السياق، تفرض علاقة الصراع مع الغير نفسها؛ فهذا الغير، لم يكن سوى العربي الذي اشتبك في حروب مع إسرائيل، فكان نموذجًا لاسترجاع سؤال العنف بوصفه سؤ لًا إيتيقًّيًا تفرضه العلاقات
السياسية. ولم يفصل ليفيناس، على شاكلة اليونان، بين الإيتيقا والسياسة؛ إذ تنتهي كل إشكالياته إلى قضايا الحرية والعدالة والمساواة، وإلى غاية أنطولوجية لا تتحقق إلا سياسًّيًا؛ أي غاية الحفاظ على
الوجود، وإقامة الدولة وسيلةً تستمد شرعيتها العقدية من نصوص الكتاب المقدس والتلمود، وذلك ما يجعلها أكثر من كيان سياسي يدبر الشأن العام، بل إنها الضامن للخروج من عقدة الدونية القومية Complexe d’infériorité national، وإعادة تحقيق عملية التحرر المتكررة في تاريخ الشعب اليهودي؛ فاليهودية لا تعارض الديمقراطية ولا تتجاهل الإيتيقا والمشكلات الاجتماعية، وليست العقلانية تهديدًا للإيمان اليهودي، إذا عَّوَض اللاهوت الأسطورة وأعلنت الأسطورة نفسُها نهايتها؛
ما يعني استمرارية للقيم التي راكمها هذا الشعب عبر التاريخ. وحتى في حالة اليهود الذين لا يمارسون طقوس العبادة ويعلنون عن إلحادهم، فإنهم لا يفقدون وصفهم بأنهم يهود في رأي ليفيناس، لأن اليهودية أقرب ما تكون إلى طبيعة أو ماهية ملازمة للفرد، وهو ما يفرض علاقة تفاعلية مع الأغيار الذين
(21) Levinas, Difficile liberté , p. 248. (22) Ibid., p. 164.
يلازمهم الانتماء إلى الغرب وإلى المسيحية، وهي العلاقة التي حاول روزنزفايغ وفلادمير جانكليفيتش Vladimir Jankélévitch (985–19031) ترميمها، وقد استمر ليفيناس في تنميقها لحجب الفظاعات التي عايشها ليفيناس بنفسه. وهكذا، لم تفتر همة فيلسوف الوجه والتلمود في الدفاع عن اليهودية؛ ومن ثمّ الدفاع عن دولة إسرائيل. لكن إسرائيل عند ليفيناس لا تتحدد بالتعارض مع المسيحية، ولا بمناهضة البوذية أو الإسلام أو مناهضة الإبراهيمية، بل تقوم على إرادة التوافق مع كل إنسان يتمسك بالأخلاق، أي التوافق خارج الديانة من أجل حضارة قامت أساسًا على العقل الإغريقي؛ فهو لا يخفي إعجابه بالمسيحية التي أكملت مسيرة اليهودية. وفي مقابل ذلك، لا يشير إلى الإسلام إلا أثناء التفكير في علاقة الدين بالتسامح. قد تظهر دعوى ليفيناس موغلة في نزعة أخلاقية تُعلي من شأن القيم النبيلة. وهي إذ تُعلي من قيمة الحرية والعدالة والتسامح، تجد نفسها وجهًا لوجه مع الغير الذي بات يمثل أفقًا ثقافيًا وحضاريًا
مغايرًا. ومع ذلك، فهو ليس إلا امتدادًا للديانة اليهودية التي تتحول إلى ديانة حديثة وديانة تسامح؛
ما يجعلها غير قابلة لأنْ تتجاوزها الديانات الأخرى، خاصة المسيحية والإسلام؛ يقول ليفيناس في السياق ذاته: "في اليهودية يقين التأثير المطلق في الإنسان – أو الدين – ولا تضع نفسها في توسع إمبريالي يلتهم كل من يرفضها. إنها تتوقد نحو الداخل بوصفها مطلبًا لانهائيًا إزاء الذات، ومسؤولية
لانهائية؛ إنها تُعاش باعتبارها اصطفاءً [...] لكن هذا الحدث هو الذي حَّوَل اليهودية إلى ديانة حديثة
وإلى ديانة تسامح، بهذا المعنى لم تتجاوزها الديانات التي نُسجت منها، ولا اختُزلت بواسطتها إلى اللافعل، لأن بقاءها العنيد ساهم في إعادة الاعتبار إلى التسامح في الفكرين المسيحي والإسلامي، وحملت الرسالة إلى العالم الحديث بأسره". لقد كان تشبث ليفيناس بديانته مسَّلَمةً في فكره، لذلك لم يتردد في اعتبارها الأصل، والأساس الذي قامت عليه الديانات الإبراهيمية الأخرى؛ فهذه الرؤية، لم تكن سوى المدخل نحو تحقيق تجاور اليهودية والديانات الأخرى، من دون تجاوز بعضها لبعضها الآخر. لكن ذلك مع الحفاظ على علاقة الفرع بالأصل، بحيث يكون الأصل هو المرجعية الأكثر يقينيّةً
والأرضية الصلبة التي لا يقوم عليها النسق القيمي للإنسانية فقط، بل منظوماتها المعرفية أيضًا. وبهذا المعنى، تتأسس دلالات جديدة لمفهوم الكونية في علاقته بإسرائيل مع فيلسوف الوجه والتلمود. منعت النظرة الوصائية الديانة اليهودية من خلق تجاور وتقارب مع الإسلام؛ فرغم الإشادة بهذا الدين بوصفه عاملًا أساسًّيًا في بناء الإنسانية الموحدة، أي تلك التي تتجاوز اللغة والعرق والثقافة؛ "لقد
وحد شعوبًا وأعراقًا لا تعد ولا تحصى"، فإن ليفيناس لا يتنازل عن منطق الأسبقية والأولوية، لذلك وجد في نص تلمودي أصل الدعوة الوحدوية التي حققها الإسلام بسهولة من خلال انتشاره في قارات ثلاث. فليس من باب المصادفة استشهاد عبرة أخلاقية تلمودية بإسماعيل رمز الإسلام في نظر ليفيناس؛ إذ يحيل ذلك الاستشهاد إلى وظيفة في العالم كان مخططًا لها منذ الأزل فيما يسميه
(23) Ibid., p. 263. (24) Ibid., p. 269.
"اقتصاد الخَلْقِ" Economie de création؛ ما يعني أن الدعوة الكونية الوحدوية كانت ثاوية في الديانة اليهودية، وأن النصوص التلمودية أشارت إليها، بل لم تتوقف هذه الديانة عن الميل إلى تحقيق مجد تلك الوحدة. لقد أبرز أحد كبار الشعراء واللاهوتيين اليهود أسبقية الديانة اليهودية في هذا المجال، رغم اعترافه بالدور الذي قام به الإسلام: "كتب يهوذا اللاوي Jehouda Hlévy بالعربية وأشاد بمهمة الإسلام. هذا الاعتراف حي في كل يهودي يستحق هذا الاسم". إلا أن اليهودي عند ليفيناس هو الذي يفتح حوارًا بشأن الأشياء العليا السامية، وينشغل بصراعات الراهن وهمومه، وهذا ما لا يمكن أن
نجد صداه لدى أولئك الذين أنجزوا المهمة بعظمة؛ المهمة التي حملتها الرسالة اليهودية أوّلًا؛ هكذا
ينظر ليفيناس إلى العلاقة بالإسلام، فهي لا تسلم من الصراع والقلق والهمّ، ويفسر موقف اليهودية من
الإسلام باعتبار الإسلام ذكرى المساهمة المشتركة في الحضارة الأوروبية خلال العصور الوسطى، وهي المساهمة التي انخرط فيها اليهود من خلال ترجمة النصوص الإغريقية وإدخالها إلى أوروبا بناءً على ترجمات عربية، ولا يمكن الإشادة بهذه الذكرى، في رأي ليفيناس، إلا إذا آمن الجميع بقوة
الكلمة من دون خطابة، ومن دون دبلوماسية. فاليهودي، في تعريف فيلسوف الوجه والتلمود، منفتح على الكلمة ويؤمن بفعالية الحقيقة. يعترف ليفيناس باجتماع اليهودية والإسلام والمسيحية في المعتقد التوحيدي، لكنه يبرز أيضًا تمسكها كلّها بالكلمة التي تنتزع القول من سياقه المحرف من أجل إيجاد كلمة حاسمة ونبوية تكشف عن عالم تكون فيه مكانة للوحي من شأنها أن تجعل الفلسفة خطابًا موازيًا للخطاب
الديني، إنه ذلك التوازي الذي يعلن عن ذاته في التصور الكوسمولوجي منذ طاليس وصولًا إلى هيغل؛ إذ ظل الكلي متسيّدًا على العالم والتاريخ. لذلك، وجد ليفيناس في روزنزفايغ النموذج
الأمثل لتوضيح انقسام العالم بين الخطابات الفلسفية والخطابات الدينية، إلا أن استحضار هذا اللاهوتي والفيلسوف الألماني من خلال مؤلفه "نجمة الغفران" كان بالنسبة إلى ليفيناس بمنزلة البيان الأيديولوجي لتوضيح الموقف من المسيحية، وخاصة أن صاحب "نجمة الغفران" ينظر إلى اليهودية والمسيحية بوصفهما ديانتين اكتمل فيهما المعنى الأنطولوجي حصرًا؛ إذ كان موقفه من
الإسلام سلبًّيًا، يقول ليفيناس عن روزنزفايغ: "المسيحية واليهودية (المسيحية هي بالأحرى الديانة
الإيجابية الوحيدة إلى جانب اليهودية التي أكملت الدين واقعيًا بالمعنى الأنطولوجي للمصطلح،
بحسب روزنزفايغ، والذي أتينا على وصفه، وكان صارمًا مع الإسلام كدين مبني)، لم تنشأ المسيحية
واليهودية في التاريخ حدثين طارئين، بل كدخول إلى الأبدية في الزمن". إنّ الدين عند روزنزفايغ انعكاس لخطة أنطولوجية أكثر عراقة وأصالة من التاريخ الغربي حيث نشأت المعرفة، وهذا الوصف للدين هو الذي يستلهمه ليفيناس في محاولته لإضفاء الطابع الدنيوي على الديانة. وعلى شاكلة مؤِّلِف "نجمة الغفران" حصر تفكيره في اليهودية والمسيحية، ولم يكن صارمًا مع الإسلام؛ لأنه
(((2 طبيب وفيلسوف وشاعر أندلسي من كبار حاخامات اليهود، عاش في الفترة.1141–1075
(26) Ibid., p. 270. (27) Franz Rosenzweig, L’ Etoile de la rédemption , A. Derczanski & Jean–Louis Schlegel (trans.) (Paris: Seuil, 1982). (28) Levinas, Difficile liberté , p. 290.
اعترف بدوره التاريخي في بناء الحضارة، وهو تاريخي بالمعنى الذي يجعله خارج الأبدية التي تسم اليهودية والمسيحية. لقد استلهم ليفيناس من ذلك المَّؤَلف تجديد الديانة اليهودية كما اعتبره نسقًا في الفلسفة العامة جاء للإعلان عن طريقة جديدة في التفكير؛ التجديد الذي قاد التفكير الليفيناسي من الفينومينولوجيا إلى الهيرمينوطيقا، ومن الأنطولوجيا إلى الإيتيقا، ومن السياسة إلى الأيديولوجيا، ومن الفلسفة إلى الدين، لكنه التجديد القائم على استعادة الخارق والماورائي، واستعادة الفكر الديني من خلال ربط علاقة تكامل وتوافق بين المسيحية واليهودية، وذلك ما أفرد له ليفيناس فصلًا في كتابه حرية ممتنعة عنوانه: "الصداقة اليهودية – المسيحية"، ولم يحدد العلاقة بين اليهودية والإسلام بوضوح، وهو لا يذكر الإسلام إلا بوصفه دعوة إلى التوحيد ومرحلة من مراحل بناء الحضارة الإنسانية، ونموذجًا للانتشار السريع، وهي الخاصية التي ميزت المسيحية كذلك، لكن سرعة انتشار الحزب الشيوعي فاقتهما معًا كما يرى هذا المفكر. ومن المفارقة مناقشة ليفيناس للمسيحية في شخص القس جان دانييلو Père Jean Daniélou (974–19051) في أثناء مشاركته في مؤتمر تومليلين من دون إيلاء عناية كثيرة لمناقشة العلاقة بالإسلام والمسلمين، لذلك يظهر الإسلام في تفكير ليفيناس مرحلة عبور حضاري، واستمرارية رسالة التوحيد التي جاءت بها اليهودية، وجزءًا من الديانة الإبراهيمية، وإمكانية
لبناء التعايش فيما يسميه ليفيناس نفسه "المجتمع المتوسطي" (نسبة إلى البحر الأبيض المتوسط). ورغم مناقشة المسيحيين من ديار المسلمين، ورغم ازدهار الدراسات الاستشراقية، وتطور أبحاث ما عُرف بعلم الإسلام أو الإسلاميات التطبيقية Islamologie في فرنسا، فإن فيلسوف الوجه والتلمود لا يدخل في أي نقاش نظري مع المفكرين الإسلاميين أو مع النصوص الإسلامية؛ فقد كان همّه الأول مناقشة المسيحيين. وهو إذ يستحضر العلاقة بالمسلمين، فإنه يضعها في إطار سياسي يؤطره مفهوم الحرب ويفكك بُناه مفهوم العنف.
رابعًا: تأويل الصهيونية إيتيقًّيًا
يتداعى التجديد الذي عزم ليفيناس على تحقيقه والحفاظ عليه في الفلسفة اليهودية حين يتعلق الأمر بفكره السياسي؛ إذ لا نجد نظرية سياسية بالمعنى الدقيق للعبارة في مؤلفاته بقدر ما نجد بيسر ووضوح شديدين مواقف سياسية لا تجابه الأيديولوجيا إلا بأيديولوجيا مغايرة، بما أن مبدأ المغايرة محوري في النسق الليفيناسي كلّه، لكنه مبدأ يستمر في نزعة متمركزة حول تجربة المعاناة التي جسّدها الشعب اليهودي عبر التاريخ. وإذا شئنا تصنيف ليفيناس سياسيًا، فسيكون تصنيفه في المذهب المحافظ
هو الأقرب إلى الصواب، بما أنه يصدر عن عقيدة دينية تبرر نفسها سياسيًا وأخلاقيًا من خلال فكر
المظلومية. لذلك، كانت مواجهة ليفيناس للأيديولوجيا النازية ولمعاداة السامية بأيديولوجيا صهيونية خلاصًا للشعب اليهودي من حالة الشتات والاضطهاد؛ وذلك بإقامة الدولة التي لا تكون من دون
(2((دير تومليلين: دير بقرية تومليلين قرب مدينة أزرو في المملكة المغربية، أقيمت فيه مؤتمرات حول تعايش الأديان منذ سنة.1956
حرب وعنف، لكنها تتطلع إلى العدالة، وهو ما يضفي عليها، بمعنى ما، دلالات أخلاقية، ويجعل قيام الدولة مسألة مصيرية ترتبط بالاستمرارية بين الأمم والشعوب، خاصة أن الأمة اليهودية مسؤولة عن غيرها، ومصدر نهلت منه باقي الديانات: "الانتباه إلى انعكاسات نور التوراة نفسها على الأمم السبعين من خلال المسيحية والإسلام"، ذلك النور الذي قامت عليه دولة إسرائيل هو ذاته الذي يُحذرها من
تجُّدُدِ العنف، على أن النور نفسه لا ينفصل عن معاناة واحتقار وإراقة دماء من حملوه. ظل التفكير الليفيناسي رهين مسلمة المظلومية وبداهة الحق في بناء الدولة، لذلك فهو يبرر الصهيونية واقعًّيًا من خلال ربطها بسؤال الحرب والعنف، لكنه يؤسسها دينًّيًا على المستوى
النظري، فالصهيونية حاجة سياسية واقعية لا يمكن أن تقوم الدولة من دونها؛ يقول في تحديدها: "تهدف الدراسات الثلاث المجتمعة مع بعضها تحت عنوان (الصهيونية) ببساطة إلى إبراز العمل التاريخي للدولة الذي لا يمكن الاستغناء عنه في عالمنا الراهن ذي الحاجة الملحّة، إلى أقصى
الحدود، إلى عمل شجاع وإنجاز يطالب بأن يكون علمانًّيًا وهو مُخَصَّب في إسرائيل بدايةً وتدرّج
مع أفكار يافعة، لكنها أفكار صادرة عن الكتاب المقدس، وكيف أن ثقافة الكتاب المقدس التي أظهرت نفسها غير قابلة للانفصال عن الغايات الزمانية للدولة، استمرت وتطورت وامتدت إلى ما وراء تلك الغايات". ليس امتداد الكتاب المقدس إلى ما وراء الغايات الزمانية سوى الكشف الإسكاتولوجي Eschatology الذي تتمسك به إسرائيل، لأنه يترجم المسؤولية عن المستقبل الذي يتمناه الأنا للأغيار في نظر ليفيناس، وذلك موجود في إنسانية الإنسان، ولا يمكن بحال من الأحوال، بحسب فيلسوف الوجه والتلمود، أن يكون الكتاب المقدس سببًا في الحرب التي تفرض
نفسها؛ إذ يتساءل ليفيناس: "من يستطيع تجاهل كل ما ينقص في هذه الروحانية بالنظر إلى الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين أو بين إسرائيل والعرب؟ [...] هل تستطيع الأفكار في عريها المجرد أن تكون مفتاحية في تحقيق السلام بالانفصال عن الكتاب المقدس والقرآن؟". إنّ الأفكار تصير عارية من دون سند ديني، والدعوة إلى السلام موجودة عند الإسرائيليين كما هي موجودة عند الفلسطينيين، لكنهم جميعًا استندوا في الصراع إلى الأهواء أساسًا ل "اللعبة السياسية" التي انتهت إلى الاغتراب؛ ما يضع كل محاولة لفصل الديمقراطية عن حقوق الإنسان أمام خطر العمق النبوي والإيتيقي لتلك الأفكار. لذلك، لا يمكن تحقيق السلام ببساطة، بحسب ليفيناس، في حالة اللامبالاة؛ إذ إنّ السبيل إلى تحقيقه هو الاعتراف بالآخر في حب المرء لجاره كما تعلّمنا الكتب المنزلة. وإنّ هذا الاعتراف بكتب الغير المقدسة يظل مؤطرًا ضمن علاقة الأصل بالفرع.
(30) Levinas, In Time of Nation , p. 3. (31) Emmanuel Levinas, Beyond the Verse Talmudic Readings and Lectures , Gary D. Mole (trans.) (Indiana: Indiana University Press, 1994), Foreword xv.
((3(الإسكاتولوجيا: فرع من الفلسفة واللاهوت يهتم بدراسة النهايات النهائية للإنسانية والعالم. يأتي المصطلح من الكلمة اليونانية ἔσχατος/ eschatos التي تعني "الأخير" أو "النهاية"، و λόγος/ logos التي تعني "دراسة" أو "علم". ويمكن ترجمة الإسكاتولوجيا حرفيًا إلى "علم النهايات" أو "دراسة الأمور الأخيرة".
(33) Ibid.
لا يتردد فيلسوف الغيرية في تأكيد المعنى الإيتيقي للاصطفاء الذي ميز الشعب اليهودي كشعب مختار، لأن الاختيار هنا ليس تشريفًا بقدر ما هو تكليف؛ إنه وعي بالمسؤولية نحو الأغيار، وليس مدعاة للفخر أو نموذجًا لإرادة القوة، خاصة أن تجربة الألم هي العنوان الرئيس لهذا الشعب،
العنوان الذي تردد أثره في مجمل المتن الليفيناسي، وهو انعكاس لأطروحة روزنزفايغ في تجديد الفكر اليهودي، الأطروحة التي تنظر إلى الوجود اليهودي بوصفها مقولة من مقولات الكائن Catégorie de l’être، لذلك يؤكد ليفيناس أن اليهودية ديانة كونية: "لقد جاءت اليهودية من أجل الإنسانية قاطبة". وإنّ هذه المسلمة بكونيتها وبأسبقيتها وبأحقيتها الإرشادية قد لازمت تفكير ليفيناس على امتداد إنتاجه الفكري؛ لذلك لم يتنازل عن العقائد اليهودية، ولم يتجاهل التراث العبري، ولم يتردد في الدفاع عن الصهيونية، خاصة حين يناقش الصراع العربي – الإسرائيلي في مؤلفه: ما وراء الآية، فهو يعترف بأن الصهيونية هي أصل الصراع مع العرب، ولا يُخفي دعمه للمطالبة الشرعية
التاريخية والروحية بالأرض الموعودة: "لقد كنت قاسيًا منذ إقامة دولة إسرائيل على قطعة أرض قاحلة
كانت تنتمي إلى أبناء إسرائيل أكثر من ثلاثين قرنًا مضت. ورغم تدمير يهوذا نحو عام سبعين قبل الميلاد، فإنّ المجتمع اليهودي الذي لم يكَّفَ عن المطالبة بها حتى في الشتات – وهي مطالبة ازدهرت من خلال عمله منذ بداية القرن – لم يهجرها. لكن قطعة الأرض تلك كانت مأهولة منذ قرون بأولئك الذين يسمون أنفسهم فلسطينيين، المحاطين من جميع الأنحاء وعلى مساحات شاسعة بالشعب العربي الكبير وهم جزء منه". لا يضع ليفيناس اليهودية في تصادم مع الإسلام، ولم يجتهد في تحقيق توافق بينهما أيضًا، بل يركز في نقاشه على ما يسميه الأسئلة اليهودية – العربية على المُحدد القومي واللغوي، كما أن الصراع
المسيطر على كل تلك الأسئلة عولِج دائمًا بمصطلحات سياسية، سواء كان ذلك من رجال الدولة
أو الرأي العام، وحتى من المثقفين، لكن لم ينتبه أحد انتباهًا كافيًا إلى خصوصية الأبعاد الزمكانية
والنفسية والأخلاقية لهذا المشكل السياسي بحسب ليفيناس؛ ومن ثم، فهو يستدعي البعد الديني بما فيه من حث على الرحمة والشفقة. لكن ذلك، بحسب ما يرى ليفيناس، لا يتطلب من اليهودي أن يكون نبًّيًا أو من نسل نبٍّيٍ ليحقق المصالحة بين اليهود والعرب، فهو يتوقع أن تحدث هذه المصالحة،
ويتوقع أن يصبح الطرفان جيرانًا مسالمين ومجتمعًا أخوًّيًا، فبنى توقعاته على السلام بين مصر وإسرائيل
سنة 9791 باعتباره خطوة كبرى: "إن اتفاق السلام بين إسرائيل ومصر، والظروف غير الاعتيادية لرحلة الرئيس السادات إلى أورشليم في 91 تشرين الثاني/ نوفمبر 9771، التي ظهرت على الشاشات الصغيرة، مشابهة لخطوات الإنسان الأولى على القمر [...] هو السبيل عينه الذي أتاح فرصة للمصالحة لكي تتحقق". لكن لا يُخفي فيلسوف الوجه والتلمود قلقه بشأن الطابع الجزئي للاتفاق، ولا يواري
تخوفه من تقُّدُم السلام بخطوات بطيئة بسبب السياسة وسُبلها، فليس للسلام من معنى دون الاستجابة
(34) Levinas, Difficile liberté , p. 275. (35) Ibid., p. 266. (36) Levinas, Beyond , p. 188. (37) Ibid., p. 198.
إلى سؤال المكان، لأن الأخير تحدد بالنسبة إلى اليهود كشتات وهجرة بين الأمم الأخرى، كما أن عراقة هذا الشعب الذي ظل موحدًا عبر المراحل التاريخية المختلفة والمتناقضة تضع التصورات السياسية موضع تساؤل، بل يمكن التشكيك في ثوابت الكثير منها، خاصة حين يستحضر ليفيناس الكتب الدينية التي تحمل النبوءات والأخبار عن الملوك والشعوب العظيمة، فهي تتضمن أمور الدولة والأرض المتنازع عليها بكيفية أعمق؛ ما يحدث في أعماق الطبقات الجيولوجية بلغة ليفيناس، وليس الإخلاص لتلك النصوص، ليس إّلا إجراءً وقائًّيًا، بل هو تأكيدٌ لعدم الانفعال في مواجهة ضجيج العالم
وقلاقله، وفي مواجهة أمجاده وحروبه وهيمنته. من هنا، يصبح المطلب السياسي مصيرًا أخلاقًّيًا؛ إذ
يرتبط بحرية إسرائيل المتمنعة أو الصعبة بتعبير فيلسوف الوجه والتلمود. تستقر الأمم الأخرى على أرضها، وتمتلك الثقة في وجودها، وتتمسك بالأرض كيقين، وكتجربة أصيلة لا يمكن زعزعتها، وهو الحق ذاته الذي يثبته ليفيناس لإسرائيل؛ فحريتها ممتنعة أو صعبة لأنها تواجه نزعة معاداة السامية Anti–semitism، بما أنها نزعة لا تمثل مجرد كراهية الأغلبية للأقلية، ولا هي مجرد خوف من الغرباء Xenophobia أو شكلًا من أشكال العنصرية. وحتى إن كانت تلك النزعة السبب الأول لكل المواقف السلبية إزاء الغير، فإنها تُختزل، في رأي ليفيناس، في الشعور بالكراهية نحو المجهول بخصوص الغير (كراهية الغير لأنه مجهول بالنسبة إلى الأنا)، وسيكولوجيته والطبيعة الخارقة لحياته الباطنية أو ذلك الماوراء (مجهول غير معلوم للأنا)، وهذا ما يجعل الغير مجاوزًا لكل تصنيف
مقولي ضمن تكتل أو كُلٍأو بوصفه عنصرًا داخل منظومة؛ أي التقرب الخالص من الإنسان الآخر
باعتباره تقربًا من العيش المشترك. يتحوّل السؤال السياسي مع هذا المفكر إلى إحراج أخلاقي مرتبط
بالموقف من الغير وبتصور الغيرية، لكن ليفيناس لا يستفيض في تحليل الصراع العربي – الإسرائيلي، بل يسارع إلى الانعطاف نحو فظاعات القرن العشرين لانتقاد النزعة القومية والاشتراكية والهتلرية، مُستعيدًا الأخطار التي هددت الشعب اليهودي، والتي ما زالت تهدده، وهي الأخطار ذاتها التي تمنح هذا الشعب الحق في الأرض لإقامة الدولة التي تقوم في الموقف السياسي لليفيناس على مسلمات أساسية؛ من بينها القول بمشروعية استعادة الأرض، والقول بالأصول دينية لتلك المشروعية، والقول بحرية إسرائيل المتمنعة أو الصعبة، والإقرار بمشروعية الصهيونية في مواجهة الأيديولوجيا، إضافةً إلى التمسك بالمظلومية التاريخية أساسًا لإعادة فهم الأحداث وتأويلها. لقد انساقت هذه المسلمات إلى
المشروع الليفيناسي المتمثل في العودة بالأفق السياسي إلى أفق الإيتيقا. كان الأفق الإيتيقي منفتحًا على الأغيار، لكنه انفتاح نسبي ومشروط؛ فهو نسبي لأنه لا يدخل في حوار
مع الأغيار بصفة عامة، بل يخص الغير المُوَِّحِدَ بعناية أكبر، وتتركز محاولته التوفيقية في المسيحية فقط،
أما الإسلام فلا يَرِد إلا على نحوٍ عرضٍّيٍ. ورغم الاعتراف بدور الإسلام الحضاري، فإنه يأتي بوصفه
امتدادًا لرسالة الديانة اليهودية، ولا تأتي المواقف السياسية النبيلة للمسلمين إزاء اليهود إلا لتأكيد المظلومية التاريخية من جهة، وإثبات عدالة قضية الشعب المختار الذي تعرض للاضطهاد على مر العصور من جهة أخرى، لكنه وجد دعمًا سياسًّيًا بين الفينة والأخرى. يقول ليفيناس: "توجد إسرائيل
مجددًا في قلب التاريخ الديني للعالم بتقويض التصورات التي كانت تسجن الديانات المؤسسة،
وبإعادة موضعة الرابط غير المفهوم والخفي إلى الآن بين إسرائيل أيامنا هذه وإسرائيل الكتاب المقدس في الوعي الأكثر يقظة. في هذه اللحظة التي تُنجز فيها هذه التجربة بشساعتها الدينية التي طبعت إلى الأبد عالم الكاثوليك، أنقذ العلمانيون، والقساوسة، والرهبان، الأطفالَ والبالغين اليهود في فرنسا وخارج فرنسا، وعلى هذه الأرض نفسها سمع اليهود المهددون بقوانين عرقية صوت أمير مسلم أخذهم تحت حمايته السامية". يقصد ليفيناس هنا قوانين حكومة فيشي Vichy التي عُرفت بمعاداة السامية، وملك المغرب محمد الخامس (957–19271) الذي رفض تسليم اليهود المغاربة إلى هذه الحكومة، وقد كان المغرب تحت الاحتلال الفرنسي في ذلك الوقت. لكن هذا الحدث لم يُؤَوَّل
في تصور ليفيناس بوصفه دلالة على التعايش، بل على أنه إشارة إلى كونية اليهودية وعدالة قضية الشعب المختار؛ فعدالة القضية هي أساس التعاطف والدعم الذي عرفه هذا الشعب من كل الأطياف، والتيارات والمذاهب والديانات. لا تُذكر الديانات الأخرى عند ليفيناس إّلا ضمن علاقة الموضوع بالمحمول، والأصل بالفرع. ورغم تفصيله في العلاقة مع المسيحية، بالنظر إلى المشترك العقدي والتاريخي بين الديانتين، فإنه لم يدّخر جهدًا لإبراز العلاقة بالإسلام والمسلمين، وتجاهل المشترك بين اليهودية وهذا الدين، وخاصة حين أشار إلى القرون الوسطى واستشهد بيهوذا اللاوي الأندلسي؛ إذ كانت فظاعات محاكم التفتيش معاناة للمسلمين واليهود على حد سواء، لكن ليفيناس يكتفي باعتبار الحروب الصليبية أمرًا غير مفهوم حتى بالنسبة إلى الكنيسة ذاتها. إن إنسانية النزعة الغيرية لا تكتمل مع ليفيناس حتى في مفهومه حول المسؤولية، على غرار انتكاسها أمام الوجه الفلسطيني؛ فالمسؤولية الليفيناسية مسؤولية أبوية تجسد فعل الوصاية والإرشاد، وهشاشة الغير لا تقف عند بنيته الفسيولوجية والمادية، بل تمتد إلى وعيه؛ أي ذلك الوعي الذي تشكّل مع فلسفات الأنا التي سيطرت على الفلسفة الغربية، وانتهت إلى ما يسميه ليفيناس أنطولوجيا الحرب، لكنه يعود إلى الاعتراف بدورها. فقد خصص درسه الثالث في قراءاته التلمودية الأربع لسؤال ولادة الدولة وللمناقشات التي أعقبت حرب الأيام الستة: "الدرس الثالث حيث السؤال عن ولادة الدولة، وعن النقاشات التي قامت في السنتين السابقتين في كل مكان بسبب حرب الأيام الستة، التي اضطُرت دولة إسرائيل إلى الانتصار فيها في حزيران/ يونيو "1967. إن هذ الدرس إعادة قراءة للنصوص التلمودية المرتبطة بالأرض الموعودة وباستكشافها؛ فهي أرض موعودة في تأويل ليفيناس لكنها غير مباحة ولا متاحة، لأنها تكشف عن علاقة لاهوتية وميتافيزيقية بالمكان، وعن علاقة صراع ومواجهة مع العمالقة، لذلك يعود ليفيناس إلى سردية الجيمارا حول خطأ المستكشفين الذين أعجبوا بعمالقة صادفوهم في أرض كنعان، كما شككوا في التاريخ المقدس وفي الوعد الإلهي، وهي أزمة أخطر في نظر ليفيناس من أزمة العجل الذهبي؛ إذ يغدو سؤال الأرض سؤال حرية بعد العبودية في مصر، وقضية وجود واستقرار بعد التيه في الصحراء، ذلك أن أرض كنعان التي وُعد بها أبناء إسرائيل لا يمكن
دخولها أو العيش فيها، فهي وإن كانت خصبة فإنها تقتل، أو تلتهم، سكانها؛ وهي مأهولة ومحروسة
(38) Levinas, Difficile liberté , p. 29. (39) Levinas, Quatre lectures , p. 10. (40) Ibid., p. 124.
من جانب أناسٍ أكثر قوة من الإسرائيليين، وهذا ما يستخلصه ليفيناس من الكتاب المقدس، تحديدًا من الأصحاح 31 من سفر العدد، حتى يستعيد الشرعية اللاهوتية لإقامة الدولة، وفي الوقت نفسه لإضفاء الطابع الإيتيقي على الصراع التاريخي حول الأرض. لم يكن التنافر بين المسيحية واليهودية محددًا بالصراع حول الأرض مثلما كان محدًّدًا للعلاقة بين اليهودية والإسلام، رغم أن ليفيناس لا يقرن هذا الصراع إلا بالعرب ولا يعتبر الإسلام طرفًا فيه؛ إذ يصف ذلك الصراع بالإسرائيلي – العربي، لأن الإسلام مجرد امتداد لليهودية ووجه مغاير من أوجه الإبراهيمية والتوحيد. تتجه القيم التي أعاد ليفيناس صياغتها، مثلما تتجه غيريته، إلى تأكيد المصير الشعب اليهودي السياسي، لأنه مصير مرتبط بمستقبل الدين اليهودي، خاصة أن انخراط اليهود في حياة الدول الوطنية/ القومية الأوروبية أدخلهم في جو مشبع بجوهر المسيحية؛ لذلك كانت الدولة الفتية تحصينًا للخصوصية اليهودية التي لا ينبغي، بحسب ليفيناس، أن تنتهي إلى تمسيح لاشعوري باسم الاستيعاب أو الاحتضان. فمن دون أفق سياسي يمثّله قيام الدولة، تتحول اليهودية إلى ديانة مجردة، والحال أن البناء الإيتيقي كفلسفة عملية في المقام الأول مستلهم من التعاليم والوصايا الدينية. فاستنادًا إلى ليفيناس، لا يمكن أن يندمج اليهود في المجتمعات الأوروبية من دون "حقائق ثقافية" لا توجد سوى في النصوص الدينية، في الكاتدرائيات الداخلية المؤسسة منذ أربعة آلاف عام في النصوص على حدّ تعبيره، ويرى أنه من الضروري إعادة تأسيس علم اليهودية، وهو علم مشروط بانعطاف لغوي نحو العبرية. لكن غاية كل الانعطافات التي تطلع إليها كانت سياسية، وتضع إقامة الدولة بوصفها حًّلا نهائًّيًا
ومصيرًّيًا للشتات التاريخي. ورغم الأصل الديني الذي تقوم عليه تلك الغاية، فإن ليفيناس لا يعتبر المرجعية الدينية للطرف الآخر في صراع إقامة الدولة، وهو لا يعتبر إقامتها منعطفًا سيكولوجًّيًا كبيرًا، بل
يضع قضية الضابط ألفرد درايفوس Dreyfus Alfred)1935–1859( في أصل ذلك المنعطف، لأنها أثبتت انتصار العدالة وأكدت ارتباط السياسة بالأخلاق. لكن تلك القضية كشفت أيضًا عن هشاشة العقل، وعن إمكانيات إخفاقه، وعن قوة العدمية وأثرها الأكثر بشاعة في معاداة السامية. إن استدعاء هذه القضية في جوهره استعادة لمنطق الضحية والمظلومية؛ إذ ستختزل السياسة في تجربة المعيش، لكنها تجربة المحنة والمعاناة الفريدة في تاريخ الإنسانية. يُبرر هذا المنطق قيام الدولة كما يبرر تفادي ليفيناس تحليل علاقة اليهودية بالإسلام، وهو يفصل فصلًا واضحًا بين الإسلام كمظهر مغاير للإبراهيمية، والنظام السياسي الذي يحول دون قيام الدولة، وهو
النظام الذي لا تكون هويته إسلامية، بل عربية فحسب. لا ينفصل انبعاث دولة إسرائيل وحياتها الخطيرة عن الأصول الدينية المزدوجة، بعبارة ليفيناس، لأنه انبعاث مرتبط بالأرض المقدسة التي أحيتها الدولة
رغم الأشكال المُدَنْيوَة التي أُضْفِيَتْ على تلك الأرض، ولأن صعود يهودي فرنسي إلى إسرائيل ليس
مجرد تغيير للجنسية، بل هو استجابة لنداء؛ ذلك أن اليهود يسمعون من خلال نداء الأرض المقدسة صوت الحقيقة الجديدة من كتبهم القديمة، فيلجون بذلك مصيرًا دينًّيًا لا يُختصر في دغمائية ما،
((4(ضابط فرنسي يهودي الديانة ارتبط اسمه بقضية اُّتُهم فيها بالخيانة كانت سببًا في نقاش اجتماعي وسياسي، في الفترة –1894
9061، ظهر في سياقه مفهوم المثقف في فرنسا.
كما يرى ليفيناس، بل في تاريخ لا يمكنه تعريف الحدود الخاصة بذلك المصير الذي ظل مشوشًا في حدس إسرائيليين فرنسيين كثيرين لم يفكروا في الحقائق الجديدة، كما ظل ملتبسًا بعدم قدرة الكثير
منهم على تفسير المشاعر التي انتابتهم أثناء حرب الأيام الستة سنة 9671، والحال أن هذا المصير، في تقدير فيلسوف الوجه والتلمود، خارج المقولات السياسية والقومية، وهو المصير ذاته الذي يكشف عن تأزم الغيرية الليفيناسية، لأنها لم تتخلص في النهاية من الطابع السلبي للعلاقة مع الغير، كما أنها لم تغادر الأنا الجماعي وإن انتقدت تمركز الأنطولوجيا الغربية على الأنا الفردي؛ فإذا كان الدازاين تجسيدًا لهذا الأخير عند هايدغر، فإن الشعب المختار جاء تجسيدًا لتلك الأنا الجماعية التي حافظت على محدودية الغيرية التي تظهر مأزومة مثلما تظهر حاملة لتناقض داخلي عبّر عنه ليفيناس من خلال
العلاقة بالمسلمين، بحيث تقترن الصداقة بالعداء، ويصبح العداء نفسه من دون أحقاد: "أنت أيضًا يا صديقي المسلم، عدوي من دون أحقاد حرب الأيام الستة! لكن لمثل هذه المغامرات التي يقوم بها هؤلاء المواطنون تكون عظمة دولة حديثة، بمعنى أنها خادمة الإنسانية، وتدين بعظمتها لاهتمامها بالحاضر وبحضورها في العالم".
خاتمة
لم تسعف الغيرية في تجاوز علاقة العداء مع المسلمين على غرار الغفران الذي انتهت إليه مع المسحيين؛ لذلك يراهن المشروع الليفيناسي على تجديد النظرة إلى السياسة من مرجعيات دينية تتدثر بطيلسان إيتيقي تنمقه المسؤولية التي حافظت على ماهيتها الوصائية، ومجدت التقارب في حدود التصور اللاهوتي المُؤسس على رسالة التوحيد باعتبارها رسالة يهودية الأصل والمنشأ؛ ما يحفظ لها
وظيفة إرشادية تعلو باقي الديانات التي يصفها ليفيناس بالإبراهيمية. وبهذا المعنى، لم تكن اليهودية تهديدًا لأي طرف؛ خاصة الدولة العلمانية الحديثة، التي تمثلها هذا المفكر دولة فرنسا التي لن يتهدد ولاء اليهود لها باستجابتهم لنداء الأرض المقدسة، الولاء الذي تهدده مغامرات روحانية أخرى بتعبير ليفيناس الذي اجتهد في خلق التقارب بين اليهودية والمسيحية، لكنه عمّق "الأخدود" بين ديانته
والدين الإسلامي بتفادي الحوار مع الفكر والاكتفاء بتأويل الأحداث السياسية بين إسرائيل والعرب وفق مرجعيات الكتاب المقدس والتلمود. وجد ليفيناس في اليسوعية عروة لا تنفصم بين اليهودية والمسيحية، وهو متمسك بالتصورات الإسكاتولوجية الواردة في هذه العقيدة، كما أنه كان انتقائيًا
في الاستشهاد بالنصوص الدينية وتأويلها، وحريصًا على عدم الدخول في حوار نظري مع النصوص الإسلامية أو العربية. تتأكد هذه الغيرية المأزومة الممتدة في مواقف بعض أقطاب الفلسفة المعاصرة بعد طوفان الأقصى، في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 0232؛ إذ ردّد الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس Jürgen Habermas مع أساتذة جامعة غوته Goethe الألمانية: نيكول ديتلهوف Nicole Deitelhoff، أستاذة العلوم السياسية، ورينر فورست Rainer Forst، أستاذ النظريات السياسية، وكلوس غونتر Klaus Günther، أستاذ النظرية
(42) Ibid., p. 393.
القانونية والقانون الجنائي والمساطر القانونية، من خلال بيانهم المنشور في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 0232، "مبادئ التضامن" "A Principle of Solidarity"، منطق ليفيناس الذي يبرر حق شعب إسرائيل في الدفاع عن النفس، وفي إنكار إنسانية الفلسطيني باسم مظلومية تاريخية طالما أحرجت الغرب المسيحي أخلاقًّيًا، كما اتضحت تلك الغيرية المعيبة في توجهات المؤسسات الإعلامية ومواقف المؤسسات الأكاديمية؛ فبينما روجت الأولى لمنطق الضحية ومبدأ المظلومية لمصلحة إسرائيل، حركت الثانية "ترسانة قانونية" لإلغاء عقود عمل بعض أساتذة الذين تضامنوا مع الشعب الفلسطيني، مثلما حدث مع الفيلسوفة الألمانية نانسي فريزر Nancy Fraser التي ألغت جامعة كولن الألمانية منحها منصبًا شرفًّيًا، لأنها وقعت في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 0232 بيان "فلسفة من أجل فلسطين"، وفيه شجب مئات الأكاديميين الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وقُِّدِمَت سردية مغايرة لما تسعى الأوساط الفكرية والسياسية والإعلامية لتكريسه في وعي الجماهير، فكأن الفلسفة داخل الدوائر الغربية صارت من أجل إسرائيل حصرًا، وهي الدعوى التي يمكن اعتبار ليفيناس مؤسسًا لها بما أنه جعل الفلسفة – بمعنى من المعاني – من أجل اليهودية، وصهر السياسة في الإيتيقا من أجل إسرائيل. وكما اعتبر الفلسطيني بلا وجه، اعتبرته الكثير من الأوساط الفكرية والسياسية بلا اسم ومجرّدًا من الإنسانية، إنه الإلغاء نفسه الذي ينفي غيرية الغير باسم خصوصية دينية ظلت مستندة إلى الترابط الوثيق بين ثنائية الانتقام والغفران التي وصفها فيلسوف الوجه بأنها ثنائية تحدد ما وراء ماهية الفعل السياسي. لقد تخوف ليفيناس من التمسيح اللاشعوري الذي قد يتعرض له اليهود داخل المجتمعات الأوروبية والغربية عمومًا، لكنه لم يتطرق إلى التهويد الذي قد يتعرض له المجتمع المسيحي، لأن ذلك سيكون مجرد عودة الفرع إلى الأصل بحسب تأويل ليفيناس للعلاقة بين الديانات الإبراهيمية، غير أن هذا اللامفكر فيه في فلسفته متحقق في الواقع السياسي والاجتماعي لعالمنا المعاصر؛ لقد تجاوز هذا الواقع تطلعاته إلى تحقيق التوافق بين اليهودية والمسيحية؛ لأن المسيحية امّحت بالنظر إلى سيادة اليهودية وسطوتها، فانحصرت قيمها الأخلاقية في أزمة ضمير الحضارة الغربية، ذاك الضمير الذي استيقظ بعد محاكمات نورمبورغ Nuremberg Trials (946–19451)، كما أن امتداد المزاوجة بين الدين والفلسفة الذي دافع عنه ليفيناس متحقق من خلال امتداد المعتقد الديني في الخطاب السياسي؛ فسواء تعلق الأمر بتصريحات رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو Benjamin Netanyahu أو وزير الدفاع يوآف غالانت Gallant Yoav، فإن توظيف المرجعيات العقدية كان حاضرًا في بعض خرجاتهما الإعلامية؛ إذ لم يتردد الأول في الاستشهاد بقصة العماليق من الكتاب المقدس للتحريض
(43) "Habermas on Israel: A Principle of Solidarity," Rest Dialogues on Civilisation , 15/11/2023, accessed on 10/3/2024, at: https://2u.pw/PoqkZs9g (44) Kate Connolly, "German University Rescinds Jewish American’s Job Offer over Pro–Palestinian Letter," The Gardian , 10/4/2024, accessed on 14/4/2024, at: https://2u.pw/A3Dzs5lX (45) "Philosophy for Palestine," Solidarity Projects , 1/11/2023, accessed on 14/4/2024, at: https://2u.pw/kxo7suYS
على القتل وشرعنته، بينما اعتبر الثاني حرب إسرائيل ضد الفلسطينيين حربًا ضد حيوانات بشرية. لقد راهن كثير من الناس على أن تكون هذه التصريحات "صك إدانة" لإسرائيل أمام محكمة الجنايات الدولية، لكن واقع الحال يظهر أزمة قيم النزاهة والموضوعية والاستقلالية. فإذا اعتبر ليفيناس وغيره من الفلاسفة والأدباء قبله قضية الضابط الفرنسي درايفوس انتصارًا للعدالة وكشفًا للأخطاء التي قد يقترفها العقل، فإننا نعتبر قضية الشعب الفلسطيني داخل ردهات هذه المحكمة "انتصارًا كاسحًا لّلا عدالة، كأن تطبيق العدالة توقف منذ الانتقام من النازية والنازيين، ذلك ما يؤكد الإفلاس القيمي الذي انتهت إليه الحضارة الغربية بسبب العمى الأيديولوجي الذي لم يسلم منه ليفيناس. فهل يمكن التعويل فعلًا على غيريته لتحقيق سلام دائم في العالم؟ ألن يكون الغفران له أكثر صعوبة من تلك الصعوبة التي وجدها هو نفسه في الغفران لهايدغر؟
References
المراجع
العربية
صليبا، جميل. المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية، والفرنسية، والإنجليزية واللاتينية. ج.2 بيروت: دار الكتاب اللبناني،.1982 ليفيناس، إيمانويل. وجه الغير. ترجمة محمد الهلالي وعزيز لزرق. دفاتر فلسفية. العدد 1. 8 الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2010
الأجنبية
Bulter, Judith. Parting Ways: Jewishness and the Critique of Zionism. Columbia, NY: Columbia University Press, 2012. Calin, Rodolphe & François–David Sebbah. Le Vocabulaire de Levinas. Paris: Ellipses,
Comte, Auguste. Catéchisme positiviste: Ou sommaire exposition de la religion universelle, en onze entretiens systématiques entre une femme et un prêtre de l’humanité. Paris: Carilian–Goeury et Vor Dalmont, 1852. Lalande, André. Vocabulaire technique et critique de la philosophie. vol. 1. 2 ème éd. Paris: PUF, 1926. Levinas, Emmanuel. Humanisme de l’autre homme. 2 ème éd. Paris: LGF, 1987. ________. Totalité et infini: Essai sur l’extériorité. Paris: le Livre de Poche, 1990.
(4(("استخدام نتنياهو لأسطورة يهودية قد يدين إسرائيل بإبادة الفلسطينيين"، العربية، يوتيوب، 024/1/122، شوهد في 2024/1/24،
في: https://2u.pw/giZ2fBRi
(4(("وزير الدفاع الإسرائيلي: نحارب 'حيوانات بشرية' وفرضنا حصارًا كاملًا على قطاع غزة"، الجزيرة، يوتيوب، 023/9/92، شوهد
في 023/10/19:2، في https://2u.pw/C1dxmWM2
________. Beyond the Verse Talmudic Readings and Lectures. Gary D. Mole (trans).
________. Difficile liberté: Essai sur le Judaïsme. Paris: Librairie Laumière, 1976. ________. In Time of Nation. Michael B. Smith (trans.). Indiana: Indiana University
Roland, Goetschel. "Adieu à Emmanuel Levinas." Revue des Sciences Religieuses.
Rosenzweig, Franz. L’Etoile de la rédemption. A. Derczanski & Jean–Louis Schlegel
Indiana: Indiana University Press, 1994.
Press, 1994. ________. Quatre lectures talmudiques. Paris: Les editions de minuit, 1968.
vol. 70, no. 3 (1996).
(trans.). Paris: Seuil, 1982.