القانون الوضعي والقانون الطبيعي
Positive Law and Natural Law
الملخّص
يقدّم لنا الفيلسوف الإيطالي سيرجيو كوتا في هذه الدراسة دفاعًا عقلانيًا بارعًا عن ضرورة "القانون الطبيعي"، ونقدًا مفصلًا لرؤية مذهب "الوضعية القانونية" ذات الطابع الاختزالي، والتي ترى أن القانون الطبيعي عديم الجدوى. يبدأ كوتا، في المبحث الأول، معالجته بالإشارة إلى مشروعية الوظيفة التي يقوم بها القانون الطبيعي بوصفه "قاعدة معيارية" للقانون الوضعي، متجاوزًا بذلك "المغالطة الطبيعية" التي يقع فيها دعاة القانون الوضعي. وفي المبحثين الثاني والثالث يقارن بين نظريتي القانون الطبيعي والقانون الوضعي من أجل توضيح التوافق بين القانونين باعتبارهما "نوعين" ينتميان إلى جنس "القانون"، يشتركان في بنية المعايير المنطقية، ويختلفان في مصدر الإلزام. وفي المبحث الرابع، يلفت الانتباه إلى المأزق الذي تقع فيه نظرية القانون الوضعي عندما تبني فكرتها عن حقوق الإنسان على أسس عرضية مؤقتة، وإلى فائدة القانون الطبيعي في تجاوز هذا المأزق ببناء مشروعية هذه الحقوق على أساس من نور العقل الطبيعي. وفي المبحث الأخير يناقش سؤال: لماذا يجب أن نلتزم بمعايير القانون الوضعي؟ فيقدّم لنا الإجابة التي مؤداها أن مصدر هذا الإلزام يتجاوز حدود عالم القانون الوضعي، ويدخل في حيز مملكة القانون الطبيعي؛ فالمعيار القانوني الوضعي يصبح ملزمًا إذا كان مبررًا، وهذا التبرير يأتيه من القانون الطبيعي. هذه الفكرة البسيطة والعميقة، في آن معًا، هي الأساس الذي يراه كوتا جديرًا بنفي التعارض بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي، وخلق الانسجام والتكامل بينهما.
Abstract
of Law in the Summa Theologiae of Saint Thomas Aquinas 9(((((، ومن الحرب إلى السلام From War to Peace (989((،
Lecturer of Modern and Contemporary Philosophy, at the Philosophy Department, Faculty of Arts, Helwan University. michael_mansour@arts.helwan.edu.eg
- القانون الطبيعي
- القانون الوضعي
- مذهب الوضعية القانونية
- معايير
- إلزام
- Natural Law
- Positive Law
- Legal Positivism
- Norms
- Obligation
لا أود أن أقدّم في هذه الدراسة نموذجًا مستحدثًا للصيغة الكلاسيكية من مذهب القانون الطبيعي1، أو نسخة حديثة من أسسه الراسخة المتجذرة في الطبيعة البشرية. وهذا لا يعني أنني أنظر إلى هاتين المهمتين باعتبارهما غير ضروريتين أو عديمتي المعنى. إنني حقًا على قناعة تامة أن فكرة القانون الطبيعي لا تزال بالغة الأهمية إذا أردنا الوصول إلى فهم متكامل لما نعنيه بكلمة "قانون". فعلى سبيل المثال، يمكن تفسير القانون الطبيعي باعتباره الشرط الترانسندنتالي2 (بالمعني الكانطي للمصطلح) للخبرة القانونية. وكذلك، فإن الميتافيزيقا – بوصفها "المعرفة المطلقة بالوجود"، بحسب تعبير إدموند هوسرل3 – في استطاعتها إثبات أن تحليل بنية الوجود الإنساني يكشف لنا عن أساس أنطولوجي للقانون4.
لكن هذه الدراسة هدفها أكثر تواضعًا. أولًا، أريد أن أناقش وأنتقد قناعة مذهب الوضعية القانونية الراسخة أن "القانون الطبيعي" فكرة تخلو من المعنى، والتي يترتب عليها أن القانون برمّته يجب أن يختزل إلى قانون "وضعي". ثانيًا، أريد أن أبيّن أن أيّ معيار قانوني (سواء أكان هذا وضعيًا أم "طبيعيًا") يصبح ملزمًا على أساس التبرير العقلاني المرتبط بموقف وجودي (موقف يتعلق بالكينونة أو بما هو كائن بالفعل): يبدو لي أن هذا هو الرابط الأساسي بين القانون الوضعي والقانون الطبيعي. وأخيرًا، تحديد الاختلاف بين هذين النوعين من القوانين في ضوء سياقات إنسانية مختلفة، ولكنها ليست متعارضة، وهي سياقات ذات طبيعة خاصة وكونية. بعبارة أخرى، وضعت مشكلة العلاقة بين القانون الوضعي والقانون الطبيعي في إطار نظرية لتبرير المعايير. وعالجت هذا الموضوع – أول مرة – في دراسة لي بعنوان "مشكلة التبرير العلمي والمعايير"5، ثم طورته على نحو مفصل في كتابي تبرير المعايير وإلزامها6.
أولا، المغالطة الطبيعية7 لا تدحض وظيفة القانون الطبيعي
يبدو لي أن انتقاد مفهوم القانون الطبيعي ذاته، والذي أصبح منذ القرن التاسع عشر نمطًا شائعًا يطغى على قطاع كبير من الفلسفة المعاصرة، قد حقق اليوم نجاحًا قاطعًا من خلال الفلسفة التحليلية وتوجهاتها الأخلاقية اللامعرفية8. وتتلخص الحجة التي تقدمها هذه الفلسفة في مواجهة فكرة القانون الطبيعي إلى حد ما على النحو التالي: تشير فكرة القانون الطبيعي إلى قانون (أي إلى نوع من الإلزام، وبالألمانية أيضًا a Sollen) يُنظر إليه باعتباره محتجبًا في سياق، أو مُستنتجًا من موقف يتعلق بالوجود أو بالكينونة An is–situation: أي من الطبيعة. بناء على ذلك، وخلافًا للقانون الوضعي (إن كلمة "ينبغي"، أو قاعدة الإلزام التي تجد منبعها في الإرادة البشرية تظل دائمًا محصورة في نطاق عالم
الخطاب المعياري المألوف) نجد أن القانون الطبيعي يستمد صدقيته وشرعيته من خطاب نظري أو صوري يتعلق بالطبيعة. ولكن بالنظر إلى "الانقسام العظيم" بين المذهب المعرفي Cognitivism والمذهب اللامعرفي Non– cognitivism، وبين ما هو كائن بالفعل Is وما ينبغي أن يكون Ought9، ووفقًا لمبدأ المغالطة الطبيعية، فمن الخطأ منطقيًا الانتقال من مستوى إلى آخر واستنتاج قاعدة معيارية تتعلق بما ينبغي أن يكون من وجود محض أو مجرد كينونة. يترتب على هذا المبدأ نتيجتان. الأولى هي أن عبارة "القانون الطبيعي" تشير إلى مصطلح متناقض ذاتيًا ومضلل: في واقع الأمر، إذا كان هذا المصطلح يشير إلى قانون (قضية معيارية)، فإن هذا لا يمكن أن يكون "طبيعيًا" (قضية تشير إلى الوجود) والعكس صحيح. والثانية هي أن القانون الطبيعي باعتباره أمرًا يدخل في عالم الوجود والكينونة (أو ما هو كائن بالفعل) Is–domain، عديم الجدوى: وبما أنه غير قادر على تأسيس القانون الوضعي أو احتوائه، لأن القانون الوضعي ينتمي إلى عالم المعايير (ما ينبغي أن يكون)، فإنه عاجز عن إنجاز المهمة التوجيهية البالغة الدقة والأهمية التي عادة ما يُكلّف بها. وللأغراض الراهنة، سأتجنب التعامل مع سؤال: ما الذي نعنيه بكلمة "طبيعي" في تراث نظرية القانون الطبيعي Jusnaturalistic Tradition10 (أو تراث القانون الطبيعي)؟ لأن المدارس المتنوعة داخل هذا التراث قد نسبت إلى هذه الفكرة معانيَ بالغة التباين. وسأذكر هنا فقط أنه من النادر جدًا أن نجد من ينظر إلى هذه الفكرة باعتبارها تتضمن نوعًا من الحتمية المطلقة، وهو ما يدعم حجة الفلسفة التحليلية إلى أقصى درجة ممكنة. وسأركز في هذه الأطروحة على "الوظيفة" التي تنسب عادة إلى القانون الطبيعي (أيًا ما كان معنى كلمة "طبيعي") في مقابل وظيفة القانون الوضعي. ومن هذا المنطلق، وكما آمل أن أوضح، فإن حجة الفلسفة التحليلية تقوم على نوع من سوء الفهم. أولًا وقبل كل شيء، لا بد من أن نعترف بأنه سواء من وجهة النظر التاريخية أو الفلسفية، فإن القانون الطبيعي (وكما جرى تصوره) يمثل "ما ينبغي أن يكون" مقارنة "بما هو كائن بالفعل" في القانون الوضعي. ومن المؤكد أن القانون الوضعي يتمتع بطبيعة معيارية (من حيث كونه مجموعة من المعايير)، وإذًا فإنه وثيق الصلة، من وجهة نظر منطقية، بعالم الإلزام؛ ولكن نظرًا إلى طبيعته الوضعية فإنه إلزام ذو وجود حقيقي، ولذلك فإنه يتجسد في واقع تاريخي يمكن وصفه والتحقق منه تجريبيًا. وفي مقابل
هذا المعيار الوضعي (أي المشروع واقعيًا) نجد أنفسنا في مواجهة القانون الطبيعي الذي يقَّدَم أو يُقترَح بوصفه "ما ينبغي أن يكون عليه" القانون الوضعي. ومن وجهة نظر تاريخية، هناك ما يكفي من الأدلة للبرهنة على أن فكرة القانون الطبيعي نشأت في أزمنة كانت فيها العادات التقليدية وقواعد الثقافة التي يعيش المرء في كنفها (أو بعبارة أخرى، القانون الوضعي السائد)، تقف وجهًا لوجه في مواجهة أنظمة ثقافية وقانونية أخرى، ومن ثم لم يعُد يُنظر إليها باعتبارها القانون الوحيد الموجود أو الممكن. وفي هذا الوقت، تطورت فكرة القانون الطبيعي بوصفها نظامًا معياريًا (وسواء أكانت قواعد هذا النظام أخلاقية أم قانونية، فليس لهذا أيّ تأثير يستحق الذكر) يؤدي وظيفة توجيه وتعديل الواقع الفعلي للنظم القانونية المحلية. وهذا تحديدًا ما حدث في العالم اليوناني القديم عندما وَّسَعت "دولة المدينة Poleis "11 نطاق تفاعلاتها الخارجية إلى ما وراء حدودها الثقافية. وتكرر الأمر مرات أخرى في ظل مواقف تاريخية مشابهة. ومن المعروف جيدًا أن الاهتمام بالقانون الطبيعي تجدد واستعاد مكانته، خاصة في إسبانيا، عقب اكتشاف العالم الجديد الذي أدى عدم تجانسه الثقافي والقانوني إلى تقويض دعائم اليقينيات المكتسبة من النظام القانوني الأوروبي. وفي عصرنا الحاضر، نجد مرةً أخرى أن مفهوم القانون الطبيعي يجري استحضاره، سواء ضمنيًا أو صراحة، في سبيل القضاء على التمييز العرقي. ومن وجهة نظر فلسفية، كان القانون الطبيعي، ولا يزال، معبّرًا عن الحقيقة الكامنة الخفية في مقابل الوجود الظاهري (يجول في خاطري الآن فكرة المُثل الأفلاطونية المس تترة وراء الوجود المحسوس)؛ أو ما وجد في الماضي ولم يعُد موجودًا الآن (قانون حالة الطبيعة) في مقابل ما يوجد الآن (قانون المجتمع المدني)، أو أخيرًا المثال في مقابل الواقع. لكن بعيدًا عن هذه الاختلافات، يرتبط القانون الطبيعي دائمًا بالقانون الوضعي باعتباره "ما ينبغي أن يكون" (ما ينبغي أن يُكتشف، أو يُعاد تأسيسه وبناؤه، أو تحقيقه... إلخ)، في مقابل "ما هو كائن بالفعل" (الظاهر، أو المطبّق بالفعل، أو ما تجري ممارسته حقًا... إلخ). يترتب على ذلك أن الحجة الصورية12 التي تقدمها الفلسفة التحليلية لا تكفي لإبطال "وظيفة" القانون "الطبيعي" ودحضها. وحيث إن القانون الوضعي يتمتع بوجود واقعي، ومن ثم يرتبط بعالم "ما هو كائن بالفعل"، فإننا لن نقع في شباك المغالطة الطبيعية بالتفكير في القانون الطبيعي بوصفه مصدر إلزامٍللقانون الوضعي، أعني باعتباره قاعدة معيارية. لكن حتى في هذه الحالة، سيظل هناك سؤالان عالقان في حاجة
إلى الإجابة عنهما: الأول، هل يمكن أن يسمى هذا الإلزام قانونًا، والثاني، إذا كان هكذا بالفعل، هل يمكن أن يوصف هذا القانون بأنه طبيعي؟ سوف أنظر قريبًا في أمر هذين السؤالين. ويكفي الآن الإشارة إلى حقيقة أن وظيفة ما يُسمى القانون الطبيعي ليست مشروعة فحسب، بل أيضًا ضرورية أخلاقيًا. وخلافًا لذلك، سيكون القانون الوضعي، بالنظر إلى حقيقة وجوده فحسب، معادلًا في الوقت نفسه لما ينبغي أن يكون عليه13. وفي هذه الحالة سنكون قد ارتكبنا المغالطة الطبيعية بحذافيرها.
ثانيًا: مفهوما القانون الطبيعي والقانون الوضعي متوافقان على نحو متبادل
أول وهلة، قد يبدو أن هناك اختلافًا جذريًا بين القانونين الطبيعي والوضعي. وفي واقع الأمر، يميل دعاة نظرية القانون الطبيعي Jusnaturalists ودعاة نظرية القانون الوضعي Juspositivists14 إلى تعريف القانونين عن طريق علاقة التناقض القائمة بينهما. ويمكننا الموافقة بدرجة طفيفة على أن القانون الوضعي نظرًا إلى كونه قابلًا للتغير، ومحدودًا، واختياريًا، ومصطنعًا (بمعنى أنه موضوع بواسطة البشر)، فإنه يتعارض بصورة جذرية وتامة مع القانون الطبيعي الذي يُنظر إليه باعتباره ثابتًا وغير قابل للتغير، وذا طبيعة كونية، وناتجًا من العقل أو الطبيعة. ولصوغ هذه الفكرة بصورة موجزة، يمكننا القول إننا في مواجهة التمييز الذائع الصيت بين الثقافة (أو التاريخ) والطبيعة. وعلى أساس هذا التعارض، عادة ما يصل دعاة نظرية القانون الوضعي إلى النتيجة التي مفادها أن القانون الطبيعي يدخل في نطاق ما لا يمكن تصوره. وهذه النتيجة، على أيّ حال، لا تقوم على أساس ثابت. وفي حقيقة الأمر، يعدّ التناقض المذكور سابقًا ذا طبيعة منطقية، ومن ثم لا يعني سوى أن ما ننسبه من صفات15 إلى القانون الوضعي لا يمكن أن ننسبه إلى القانون الطبيعي، والعكس صحيح. ولا يخِّوّلنا هذا إنكار وجود "نظامين" من المستويات القانونية، لكل منهما صفاته الخاصة المحددة. وربما كان هناك تناقض لا يمكن تجاوزه إذا، وفقط إذا، لم يكن لدينا سوى نظام قانوني "واحد" أو مستوى قانوني "واحد". ومن الواضح في هذه الحالة أنه إذا كان القانون متغيرًا، ومحدودًا... إلخ، فإنه لا يمكن في الوقت نفسه أن يكون ثابتًا، وذا طبيعة كونية... إلخ؛ لأنه إذا كانت القضية الأولى صادقة، فإن القضية الثانية ستكون كاذبة بالضرورة، والعكس صحيح. أودّ أن أشير في هذا الشأن إلى حقيقة أنه في معظم الحالات التي يناقشها دعاة نظرية القانون الطبيعي، حتى إذا كانوا ينظرون إلى أن مكونات القانونين وصفاتهما متناقضة منطقيًا، فإنهم لا يصلون من ذلك
إلى الاستنتاج الذي مؤداه أن القانون الوضعي لا يمكن تصوره، أو يصلون بدرجة أخفّ وطأة إلى الاستنتاج الذي مؤداه أن القانون الوضعي ليس له وجود. فعلى العكس من ذلك تمامًا، عادةً ما يؤمن أصحاب نظرية القانون الطبيعي بأن هناك نظامين، يرتبط كل منهما بمستوى مختلف من الخبرة البشرية في المجال القانوني. على سبيل المثال، تتعلق حقوق الإنسان بمستوى القانون الطبيعي، وتتعلق حقوق المواطنة بمستوى القانون الوضعي. ووفقًا لهذه الوجهة من النظر، لا يمكن الصفات المتعارضة منطقيًا لكلا النظامين القانونيين أن تؤدي بنا على الإطلاق إلى استنتاج أن كلا النظامين أو أحدهما لا يوجَدان حًّقًا. فعلى العكس من ذلك، يظل كلا النظامين ممكنًا، وعلى الأقل (من ناحية المبدأ) يظل النظامان متوافقَين على نحو متبادل. يمكننا هنا أن نثير النقاش حول فكرة ثانية. إن الصفات والمحمولات المستخدمة حاليًا في تعريف القانون الطبيعي والقانون الوضعي يمكن تصنيفها فحسب على هيئة ثنائيات. ترى كيف يمكننا أن نفهم أو نُعرّف شيئًا قابلًا للتغير من دون الإشارة، صراحةً أو ضمنيًا، إلى شيء ثابت؛ أو شيئًا محدودًا من دون الإشارة إلى شيء ذي طبيعة كونية؛ أو شيئًا مصطنعًا وموضوعًا من دون الإشارة إلى شيء طبيعي... إلخ؟ في الحقيقة، إن ما يجعل كلا المصطلحين قابلين للفهم هو العلاقة بينهما، بالطريقة نفسها التي لا يمكننا بها تعريف الكل من دون الإشارة إلى الجزء أو تعريف الجزء من دون الإشارة إلى الكل. لسنا في حاجة إلى أن نكون هيغليين16 لكي نتعرف هذه الحقيقة، ولسنا في حاجة إلى الرجوع إلى عملية ديالكتيكية من شأنها تحويل صفة إلى أخرى بوساطة عملية التركيب Aufhebung. وفي الختام، سأطرح الفرض الذي مفاده أن القانون الوضعي قابل للتصور والتعقل من الناحية "النظرية"، لأن القانون الطبيعي أيضًا ممكن وقابل للتصور والتعقل من الناحية "النظرية"، والعكس صحيح. وفي سبيل إنكار التوافق النظري بين القانونين، يجب على المرء أن يصل إلى درجة إنكار أن كًّلا من الثابت والكوني... إلخ، والمتغير والمحدود... إلخ، يمكن تصوره أو تعقله. لكن دعاة نظرية القانون الطبيعي لا يستطيعون اقتراف مثل هذا الخطأ.
ثالثًا: القانون الطبيعي والقانون الوضعي نوعان منتميان إلى الجنس نفسه
يتطلب التوافق النظري بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي، من وجهة نظر منطقية خالصة، إتاحة إمكانية التفكير فيهما بوصفهما "نوعين" ينتميان إلى "الجنس" نفسه17: جنس "القانون". وهذا تحديدًا
هو الاعتقاد الذي لازم دعاة نظرية القانون الطبيعي دومًا. دعونا نتذكر أحد الأمثلة الشهيرة: مثال القديس توما الأكويني. يبدأ القديس توما الأكويني كتابة الخلاصة اللاهوتية Summa Theologiae بتعريف جنس القانون Lex ثم ينتقل إلى تحديد طبقاته المختلفة: القانون الأبدي Lex aeterna، والقانون الطبيعي Lex naturalis، والقانون البشري Lex humane، والقانون الإلهي (المقدس) Lex divina18. ويبدو أن حقيقة استخدام دعاة نظرية القانون الوضعي لتعبير القانون "الوضعي" تشير ضمنيًا إلى أنهم يشاركون توما الأكويني الرأي ذاته؛ وذلك لأنه إذا كان القانون يتطلب وصفه ب "الوضعي" لكي يصبح قابلًا للتعريف، فإن هذا معناه أنه ليس سوى أحد الأنواع المتعددة المُتضمنة في جنس "القانون" (هذا ببساطة ما يعنيه جنس القانون). ولا يمكن أن يكون هذا النوع نوعًا وحيدًا لجنس القانون، وإلا أصبح الجنس والنوع شيئًا واحدًا، وهو ما لا يصح منطقيًا. وعلى الرغم من ذلك، يؤكد دعاة نظرية القانون الوضعي أن جنس "القانون" لا يتضمن القانون الطبيعي، بل يتطابق تمامًا مع القانون الوضعي. إن صفة "الوضعي" يُنظر إليها على هذا الأساس بوصفها حشوًا زائدًا؛ إنها مجرد بقايا عفّى عليها الزمن من الحجة القديمة ضد نظرية القانون الطبيعي، وهي حجة فقدت معناها في الوقت الراهن بعد أن جرى إثبات عدم وجود القانون الطبيعي على نحو حاسم. وكان هذا هو رأي كارل برغبوم19 في القرن التاسع عشر، وهو أيضًا رأي كل من هانز كيلسن20، وألْف روس21 وكثيرين غيرهم في عصرنا الحاضر. وبطبيعة الحال، يعتقد أصحاب نظرية القانون الوضعي أيضًا أن جنس "القانون" ينقسم إلى أنواع (على سبيل المثال قوانين العرفية والقوانين التشريعية). ولكنهم ينتمون جميعًا إلى جانب القانون الوحيد الذي تقر به النظرية الوضعية: القانون الوضعي. على أيّ حال، تعدّ هذه الطريقة في الإجابة عن السؤالين السابقين مفرطة في التبسيط بصورة تحول دون قبولها. إن الاختزال التام للقانون برمّته إلى مجرد "القانون الوضعي" فحسب لا يمكن أن يتحقق إلا بوساطة عملية فكرية مشكوك في صحتها إلى مدى بعيد، وتعتمد – إضافةً إلى ذلك – على حلقة
مفرغة22 أو استدلال دائري. يُعرَف جنس "القانون" أولًا وفق السمات المحددة للقانون الوضعي: على سبيل المثال، يُعرف القانون بأنه تعبير عن إرادة واضع القانون أو إرادة الشعب، أو ما يقرّره القضاة، أو بوصفه قاعدة ملزمة قابلة للتنفيذ بطريقة فعلية، وعلى نحو عملي، وهكذا. وتتمثل الخطوة الثانية في توضيح أن القانون الطبيعي تنقصه جميع هذه السمات. وبعد ذلك نصل بدرجةٍ ما إلى غلبة الاستنتاج الذي مفاده أن هناك قانونًا وحيدًا جديرًا بهذه التسمية، وأعني بذلك، القانون الوضعي. وكما لاحظ هيرمان كانتورفيتش23 بالفعل منذ عدة سنوات في كتابه تعريف القانون24، فإن قبول هذا الرأي يأتي مصحوبًا بالنتيجة التي تنصّ على استبعاد وإقصاء كل أعلام القانون الطبيعي ونظرياته من تاريخ الفكر القانوني. وسيكون هذا أمرًا عبثيًا. أضف إلى هذا أن ما يسمى القانون الطبيعي – وأقصد بكلمة "طبيعي" أنه ليس قانونًا تشريعيًا، وليس مجرد قانون عرفي ناتج من العادات، ولا عن السمات القومية – وُجد على أرض الواقع واتّبعه الناس وفرضته المحاكم بصورة تتجاوز حدود القانون المدني25، ولا يزال مُطبقًا حتى الآن بواسطة المحاكم الكنسية الخاصة بالكنيسة الكاثوليكية. وفي هذا دليل واضح على أن القانون الطبيعي لم يكن تجريدًا خالصًا أو مجرد قضية إلزامية ذات طابع أخلاقي. لذا، فإن اختزال مفهوم القانون برمّته إلى القانون الوضعي فحسب سيكون معناه إنكار وجود أحد مكونات هذا المفهوم، وهو مكون لم يكن يُنظر إليه على أنه قانون في عالم النظرية فحسب، بل في عالم الممارسة أيضًا. يترتب على ما قلناه حتى الآن أنه في سبيل الوصول إلى تعريف مقبول لجنس "القانون"، يجب علينا من ناحيةٍ أن نكسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها وجهة النظر الوضعية، ومن ناحية أخرى يجب علينا أن نأخذ في الاعتبار التاريخ الطويل لفهم القانون الطبيعي وتطبيقه. وبالمناسبة، يجب ألا ننسى أنه كلما كان التعريف العام مقبولًا ونافعًا، فضلًا عن كونه يستند إلى أسس صلبة وراسخة، اتسع نطاق الظواهر التجريبية التي يستطيع شرحها وتفسيرها. ومن ثمّ، فإن تعريف جنس "القانون" يجب أن يراعي السمات المشتركة بين نوعي القانون محل النقاش.
وعلى الرغم من سماتهما المتعارضة، فإن القانونين، الطبيعي والوضعي، يملكان عنصرًا ومكونًا مشتركًا. إنه البنية المنطقية للمعيار التي تعبّر بموجب طبيعتها الأخلاقية عن قواعد توجّهنا (سلبيًا أو إيجابيًا) للقيام بنوع من أنواع السلوك. وإذا تجنّبنا مسألتَي المنشأ والمضمون، فسنجد أن كلا المعيارين، الطبيعي والوضعي، يتجسدان (أو يمكن على نحوٍ ما أن يعاد صوغهما) في صورة قضية إلزامية Ought–Statement (وتسمى بالألمانية Soll–Satz). وهذه هي الخطوة الأولى نحو فهم طبيعة جنس "القانون." لكن البناء المنطقي للقضايا القانونية Legal Propositions لا يزال غير كافٍ لتقرير إذا ما كانت القضية التوجيهية Prescriptive يمكن أن تعدّ قانونًا بحق. فلنتناول على سبيل المثال القضية التالية: "أعطني محفظ كت، وإلا قام أتباعي بقتلك". من الواضح أن هذه القضية، من وجهة النظر المنطقية الخالصة، تمثّل قاعدة، وهي في ذلك لا تختلف عن أيّ قاعدة قانونية. وفي حقيقة الأمر يمكننا أن نعيد صوغ هذه القضية على النحو التالي، وبصورة تتطابق تمامًا مع مخطط كيلسن للمعيار القانوني (إذا كانت A تعبّر عما هو كائن بالفعل Is، فإن B تعبّر عما ينبغي Ought أن يكون): "إذا لم تعطني محفظ كت، فإنه ينبغي لأتباعي أن يقوموا بقتلك". وعلى الرغم من ذلك، فإنه ليس هناك من يعتقد أن هذه القضية المعيارية، أو هذه العبارة الإلزامية، تمثّل معيارًا "قانونيًا" للمُخاطبين بها، حيث إنها لا تحمل أيّ إلزام بالنسبة إليهم. ولا تحدد هذه القضية سوى موقف قسري سيحاول أيّ إنسان تجنّبه، إذا كان ذلك في استطاعته، من دون أن ينتابه أدنى قدر من التردد الأخلاقي. وسيكون الجميع "محقين" في اتفاقهم على ذلك بسهولة تامة. إننا في حاجة إلى أن تصبح القضايا المعيارية قادرة على تأسيس إلزام Obligation حقيقي حتى نصبح قادرين على الانغماس بكامل كياننا في عالم القانون، أو إذا أردنا استخدام التحديد الألماني للمصطلحات، وهو تحديد واضح جدًا، فيجب أن تصبح القضية الإلزامية Soll–Satz معيارًا ملزمًا Soll–Norm. إن الوضعيين لا يداخلهم الشك مطلقًا في أن قواعد القانون الوضعي تتمتع بهذا الطابع الإلزامي. لكن الأمر نفسه يتكرر أيضًا لدى الطبيعيين فيما يتعلق بالقانون الطبيعي. ولهذا السبب كان للقانون الطبيعي أتباعه وفُرِض وطُِّبِق (وإن كان ذلك بصورة غير منتظمة) عبر التاريخ. بل إن دعاة النظرية الطبيعية يذهبون إلى حد القول إن القدرة الإلزامية لمعايير القانون الطبيعي أشدّ نقاءً وجوهرية مما نجده في حالة المعايير الوضعية. على أيّ حال، يجب أن ننتبه إلى أن "التفكير في" هذه المعايير بوصفها ذات طبيعة إلزامية هو العنصر الثاني المشترك بين كلا النوعين من القوانين. في المقاربة الأولية لجنس "القانون" يكفينا تعريفه من خلال القول إنه يتكون من قضايا معيارية ذات طابع إلزامي؛ أي باعتباره معايير ملزمة Soll–Normen. مع الأخذ في الاعتبار أن المصدر المختلف للسمات الإلزامية هو ما يحدد، داخل الجنس نفسه، طبيعة كل نوع من نوعي القانون (الطبيعي والوضعي) ويعين له خصائصه المميزة. ويتفق على هذه النقطة دعاة نظريتي القانون الطبيعي والقانون الوضعي، على الأقل على مستوى النقاش النظري والعلمي.
لكن ترى ما المصادر المختلفة لهذه السمات الإلزامية؟ للإجابة عن هذا السؤال بصورة شديدة الإيجاز، يعتقد دعاة النظرية الوضعية أن الطبيعة الملزمة للقانون الوضعي تعتمد على ما تسنّه و"تضعه الدولة من قوانين ius in civitate positum ". وعلى الجانب الآخر، يشير أصحاب نظرية القانون الطبيعي إلى الوضوح الذاتي الذي تتمتع به قضايا القانون الطبيعي وقواعده: إن الأمور الواضحة بذاتها تتطابق مع طبيعتنا. لكن هذا الجدال لا يعدو كونه مجرد وهم، لأن القاعدة من شأنها أن تكون ملزمة بفعل الدليل المباشر على معياريتها Ought فقط عندما تكون ذات طابع صوري خالص Purely Formal، يخلو من أيّ محتوى، كما نجد على سبيل المثال في القاعدة التي تقول: "افعل الخير واجتنب الشر". لكن مثل هذه القضية الموجّهة للسلوك تعدّ بمنزلة مبدأ تنظيمي عام، أكثر من مجرد كونها قاعدة واقعية أو صحيحة. إذا كان القانون الطبيعي لا يحمل في طياته إلا مبادئ من هذا النوع فحسب، فإنه لن يقدّم لنا سوى تعميمات ذات قيمة قانونية محدودة. يمكننا، إذًا، بصورة مبدئية جدًا، القول إن الطبيعة الإلزامية للقانون الطبيعي تكمن في عقلانية قواعده وتوجيهاته. وهذه، بالمناسبة، طريقة كلاسيكية إلى حدٍ ما في التعبير عن الأمر. إن الأطروحة المذكورة سابقًا يمكن الدفاع عنها بسهولة من الناحية النظرية. ولكن ما فائدتها عندما نكون بصدد تفسير الخبرة القانونية الواقعية؟
رابعًا: مفهوم القانون الطبيعي ومساعدته في تفسير جوانب معينة من الخبرة القانونية
سأقوم هنا بتوجيه الانتباه إلى حالتين نمطيتين محددتين نجد فيهما أن فكرة القانون الملزم، نظرًا إلى عقلانيته، تزودنا بتفسير أكثر قبولًا وإرضاءً من المفهوم الوضعي للقانون. الحالة الأولى هي حقوق الإنسان26؛ أي الحقوق "الجوهرية" و"الأساسية". لا يستطيع القانون الوضعي هنا أن يتجنّب فهم هذه الحقوق والنظر إليها بوصفها حقوقًا أساسية "نسبيًا" Relatively؛ أي إنها أساسية بصورة مؤقتة أو ثانوية Secundum quid، ولكنها ليست كونية Simpliciter أو مطلقة Überhaupt. والحق أنه وفقًا لوجهة نظر هذا المذهب، فإن دعاته ليس لديهم أيّ أساس آخر لحقوق الإنسان باس ثتناء دستور أو معاهدة دولية. لكن هذا يعني أن هذه الحقوق يمكن تغييرها أو استبدالها أو قمعها بحرّية وسهولة وفقًا لإرادة السلطة المنتخبة أو بموجب اتفاقية دولية جديدة. والاستنتاج الذي نصل إليه في هذه الحالة هو أن القانون الوضعي غير قادر على ضمان ثبات هذه الحقوق في مواجهة السلطة المنتخبة أو إرادة الحكومات. لكن الثبات على وجه التحديد هو أهم سمة ينسبها الضمير الجمعي ويطلب وجودها في هذه الحقوق.
وفي سبيل تجاوز هذا المأزق، عادة ما يلجأ منظّرو المذهب الوضعي إلى الاستشهاد بالتاريخ، من حيث إن تطور التاريخ (والثقافة) هو ما يؤدي إلى نشأة الحقوق الأساسية ويجعل من ثباتها أمرًا ملزمًا للقائمين على صوغ القوانين وتشريعها. وهذه الحجة، على أيّ حال، شديدة التهافت، لأن مناشدة التاريخ تجعلنا معرّضين لخطر الوقوع في المغالطة الطبيعية مرةً أخرى. إن الحقيقة التاريخية، أو بعبارة أخرى الموقف الذي يشير إلى "ما هو كائن بالفعل" (أو الكينونة Sein)، ستقوم في هذه الحالة بتحديد "ما ينبغي أن يكون" فيما يتعلق بمراعاة هذه الحقوق وتطبيقها. لكن من ناحية أخرى، إذا أردنا تجنّب هذه المخاطرة، وقمنا بتأسيس الثبات الملزم للحقوق الأساسية اعتمادًا على العقل التاريخي (أي العقل بوصفه مفسرًا للتاريخ)، فسنجد أنفسنا خارج نطاق الحدود المرسومة لعالم المذهب الوضعي، لأنه في هذه الحالة سيكون الإلزام المعياري مبنيًا على أساس من عقلانيته. وأخيرًا لا يمكن أن يكون التاريخ بمنزلة مبدأ السبب الكافي27 لضمان دوام الطبيعة الملزمة لهذه الحقوق، لأن التاريخ يعني التغير، ومن ثمّ فهو غير قادر على تأسيس أيّ شيء على نحو دائم. وعلى العكس من ذلك، يقدّم مفهوم القانون الطبيعي للضمير الجمعي تفسيرًا أكثر قبولًا واستساغة للحقوق الأساسية. في الواقع، سنجد وفقًا لمذهب القانون الطبيعي أن العقل تحديدًا هو الذي يُضفي المشروعية على هذه الحقوق ويجعلها مطلقة على نحو أساسي؛ أي إن العقل هو القوة التي تجبر المشرع القانوني (سواء كان هذا المشرع مماثلًا في السلطة المنتخبة أو في مُشرع القانون الدولي) على ملاحظتها والالتزام بها. والسبب في ذلك هو أن العقل يسلّط الضوء على البنية الأنطولوجية (أو إذا آثرنا، البنية الأنطولوجية–الوجودية28) للإنسان29. ومن الممكن للمرء، قطعًا، أن ينكر وجود الحقوق الأساسية بوصفها حقوقًا لا تقبل التعديل بواسطة القانون الوضعي. لكن إذا أقر المرء بوجودها، فإن الأساس الذي تقوم عليه وفقًا لمذهب القانون الطبيعي سيكون أكثر إقناعًا من مثيله في المذهب الوضعي. أما المثال الثاني الذي أودّ مناقشته، فإنه يتعلق بالديمومة أو بقدرة السمات الإلزامية لقواعد محددة
على البقاء زمنيًا. ترى كيف يمكننا أن نفسّر هذه الحقيقة التي تمثّل نمطًا شائعًا في مجال الخبرة القانونية؟ هل يمكن تفسيرها، كما يقول مذهب القانون الوضعي، بالرجوع إلى استخدام القوة؛ أي بالرجوع إلى النظام القسري؟ في رأيي الشخصي، ليس في وسعنا القيام بذلك. أولًا وقبل كل شيء، القوة لا تقوم بمساندة الطبيعة الإلزامية للقواعد القانونية فحسب: يمكن أن تستخدم القوة بالطبع لمساندة هذه الطبيعة الإلزامية وفرضها، ولكنها قد تستخدم أيضًا في سبيل مقاومتها وقمعها. وعلى أيّ حال، فالقوة لا تستطيع أن تمنح القواعد القانونية القدرة على البقاء إلا فترةً زمنية محدودة جدًا، ويكون ذلك في حال تطبيقها على نحو فعال فحسب. لكنّ هناك عددًا من القواعد، على سبيل المثال القواعد المتعلقة بالعقود والمحاكمات القانونية، التي احتفظت في صميمها بالطبيعة الإلزامية لما يزيد على آلاف السنوات، وتُقبل هذه القواعد بصورة "طبيعية". ليس للقوة أيّ علاقة بهذا الأمر. ويبدو أن التفسير الأكثر معقولية لهذا المثال يكمن في الاعتراف بأن القواعد التي تحمل معنى دائمًا أو متعاليًا على التاريخ Trans–historical Meaning من شأنها أن تدوم مدةً أطول من القواعد ذات المعنى العرضي Contingent Meaning. لكن هذه القواعد، تحديدًا، هي التي قام العقل بتأسيس طبيعتها الملزمة ودعم وجودها عبر التاريخ البشري. وهكذا، نجد أنفسنا قد عدنا مرةً أخرى إلى المعني الجوهري لمفهوم القانون الطبيعي.
فاصل فرعي
قد يقبل المنِّظِر المنتمي إلى مذهب القانون الوضعي الأطروحات التي ذكرناها سابقًا. وقد يقرّ بأن ما ندعوه عادة "القانون الطبيعي" يؤدي وظيفة مشروعة في مجال الخبرة القانونية، وأن فكرة القانون الطبيعي قابلة للفهم والتصور على نحو مشروع نظريًا، وأن القانون الطبيعي ينتمي إلى جنس "القانون" باعتباره أحد الأنواع الممكنة نظريًا. بل ربما نجده يسلّم في بعض الأحيان بأنه من المفيد أن نرجع إلى تأملات النظرية الطبيعية واستنتاجاتها في تفسير بعض الظواهر القانونية. ولكنه سيصرّ في نهاية المطاف على إنكار الطبيعة "الحقيقية"، أو القانونية، أو الواقعية للقانون الطبيعي. بالنسبة إليه، لن يصبح القانون الطبيعي قانونًا بحٍّقٍ إلا من وجهة نظر لغوية قوامها المعاجم والقواميس، أو من خلال التفكير فيه بطريقة نظرية وبصورة مجردة تمامًا. وبمقتضى ذلك، سيعتقد المنِّظِر المنتمي إلى المذهب الوضعي أننا في حاجة إلى شيء أكثر ثباتًا ورسوخًا من القانون الطبيعي، حتى يتسنى لنا القيام بإرشاد القانون الوضعي وتقييمه نقديًا، وأيضًا لتوفير المبررات والأسس اللازمة لبعض جوانبه. هذه العناصر التي لا يمكن تصورها إلا بصورة مجردة – والتي تُعدّ في الحصيلة ذات طبيعة خيالية تمامًا – يمكن استخدامها على نحو نافع في هداية وإرشاد نظرية القانون وممارساته عن طريق تبديد الغموض الذي يكتنفه فحسب. وبطبيعة الحال، يمكن أن يكون هذا الأمر عظيم الفائدة (كما يعلمنا نيكولو مكيافيلي Niccolò Machiavelli 1–469(7152))، ولكنه في جميع الأحوال سيخرج بنا عن نطاق مملكة العلم، لأنه سيكون بمنزلة تزييف للحقيقة.
هذه هي وجهة نظر المذهب الوضعي إجم لًا. وعلى الرغم من ذلك، لا يمكننا إنكار أن الكثير من الناس، حتى في وقتنا هذا، يؤمنون بأن "القضية الإلزامية" Soll–Satz تصبح "معيارًا ملزمًا" Soll– Norm، عندما يكون في استطاعتنا التعبير عن الطبيعة الملزمة لهذه القضية من خلال الحجاج العقلي فحسب، وعلاوة على ذلك، سنجد أنهم يحترمون مثل هذا المعيار لأن العقل يزوده بالأسس والمبررات الضرورية. إن الاعتراض على وجهة النظر هذه انطلاقًا من استنادها إلى أساس أخلاقي بدلًا من الأساس القانوني المطلوب لن يكون كافيًا لتفنيدها على نحو حاسم. وفي الواقع، وكما أشار هارت30، فإن الأخلاق والقانون، على الرغم من كونهما مختلفين مفاهيميًا، ليسا مقطوعَي الصلة، بل تربطهما علاقات جوهرية31. وقد أكد أوليفكرونا32، على نحو أكثر عمقًا وتطرفًا، أنه ليس ثمة اختلافات جوهرية بين المعايير الأخلاقية والمعايير القانونية33. والقول إن المعيار يصبح قانونيًا، عندما يكتسب صيغة صورية ويجري إقراره في سياق نظام قانوني، لا يمثل حًّلا لهذه المعضلة. في هذه الحالة، تبقى أمامنا مهمة تفسير لماذا يتمتع مثل هذا النظام بطبيعة قانونية Juridical Nature. وحتى إذا صرفنا النظر عن هذه النقطة، فإنه لا يمكننا بأيّ حال من الأحوال التغاضي عن حقيقة أن عددًا لا يستهان به من الناس يزعمون في المحاكم أن القواعد التي تقوم على أساس العقل تلزم الجميع بضرورة الاعتراف بها والإقرار بصلاحيتها وصدقيتها. وفي هذا دليل وجيه على وجود من يعتقدون أنها قواعد قانونية، وليست مجرد معايير أخلاقية. مرة أخرى، سوف يردّ منظّرو القانون الوضعي على ذلك بأن هذا الاعتقاد "ساذج ومجافٍ للروح العلمية". ولكنه على الرغم من ذلك اعتقاد حقيقي، ولا يستطيع العلم البعيد عن التحيزات المسبقة أن يتجنب أخذه في الاعتبار. أو ترى هل يتخلى دعاة نظرية القانون الوضعي، الذين يتحولون إلى نقاد شرسين للقانون الطبيعي، عن حسهم النقدي عندما يتعلق الأمر بالقانون الوضعي؟ هذه هي الفكرة التي تستحق أن نمتحنها ونوليها عنايتنا الآن.
خامسًا: سلطة المشرع القانوني والعقوبات أو تنظيمات القوة لا تكفي لتأسيس إلزامية القانون الوضعي
سبق أن قلت، مبدئيًا، إنه في نطاق جنس "القانون"، يمكن تمييز القانون الوضعي من القانون الطبيعي، لأنه قانون "موضوع" Positum أو (قانون تضعه الدولة ius in civitate positum). وحان الوقت الآن لفحص هذه الفكرة بعناية وعن قرب، وعلى وجه الدقة، حان الوقت لمناقشة الطبيعة الإلزامية للقانون، أو بعبارة أخرى، ما الذي يجعل من القضية الإلزامية معيارًا ملزمًا، أو ما الذي يجعل من "القضية ما السمة التي تجعل المعيار الوضعي أمرًا ملزمًا؟ دعونا نتذكر أنه من بين الأنماط المتنوعة للسلوك والتي تعدّ جميعها ممكنة، يقوم المعيار بانتقاء السلوك الذي "ينبغي" Ought اتباعه. ومن وجهة نظر ""مادية Material، تتساوى احتمالات تقديم شهادة زائفة مع احتمالات تقديم شهادة صادقة، وتتساوى احتمالات تبرئة المحكمة لشخص مذنب بارتكاب جريمته مع احتمالات إدانته. لكن القانون الوضعي يجرّم الشهادة الزائفة ولا يسمح للقضاة بتبرئة شخص جرى التأكد من إدانته. لماذا اكتسب اختيار المشرع القانوني طبيعة معيارية، وهو ما يعني أنه ملزم، وإذًا ينبغي قبوله؟ تعتمد الإجابة التي يقدمها الوضعيون على تعريفهم القانون الوضعي ذاته. كان تركيز مذاهب القانون الوضعي في القرن التاسع عشر منصًّبًا على العقوبات؛ أي على إمكانية اللجوء إلى القسر والإرغام عند تجاوز المعيار أو مخالفته. لكنهم لم يكونوا مفرطين في السذاجة إلى درجة الاعتقاد أن القسر والإرغام وحدهما يكفيان لتفسير الطبيعة الملزمة للمعايير الوضعية. يمكن أن يُنتج الإرغام نوعًا من الضغط والإخضاع، ولكنه لا يمثّل في حد ذاته مصدرًا للإلزام. وعلاوة على ذلك، لا يمكن الاعتماد كليةً على القوة، لأنها يجب أن تُخضع نفسها ل "قانون الأقوى" loi du plus fort؛ والأقوى يمكن تحديده من خلال لعبة الحياة الحقيقية الدائمة التقلب والتغير فحسب. وهكذا، لن نستطيع أبدًا الوقوف على أيّ شيء يمكن اعتباره ملزمًا. ولهذا السبب عرّف الوضعيون في القرن التاسع عشر القانون "الوضعي" باعتباره مرادفًا لما تعلنه السلطة الشرعية وتفرضه من خلال العقوبات. وبناء عليه، فإن الأساس النهائي والحاسم للطبيعة القانونية (والملزمة) للمعايير يكمن في السلطة السياسية، والتي يمكن أن نجدها ممثلةً ليس في "الحاكم" فحسب لدى جون أوستن34، أو "الإرادة العامة" لدى ثون35 (بصورة تقترب
من مفهومها لدى هيغل أكثر من روسو)، أو "القضاة" لدى هولمز36 أو روس، أو "المؤسسة" لدى موريس هاوريو37 أو سانتي رومانو38، بل أيضًا في "آباء الدستور" لدى كلسن (على الأقل في المرحلة الأميركية من تفكيره، والتي أظنها مشوبة بقدر من الانتقائية). لكن هذه الأطروحة شديدة التهافت فلسفيًا. أولى النقاط التي ينبغي تأكيدها، وفقًا لهذا المنظور، هي أن الطبيعة القانونية التي يتمتع بها القانون الوضعي مشتقة من شيء أو مصدر خارج عنه (وهي نقطة ضعف أقر بها بعض المنظّرين الوضعيين في الآونة الأخيرة). ومعنى هذا أن المعيار القانوني ليس ملزمًا في حد ذاته (أو في جوهره) بل يعدّ ملزمًا بسبب قرار تتخذه السلطة السياسية. ومن الصحيح بالفعل أن الكثير من القضايا المعيارية اكتسبت أو فقدت سمتها الإلزامية عبر التاريخ من خلال قرارات السلطة السياسية؛ لكن السؤال المحوري هنا يدور حول معرفة إذا ما كان هذا يعتمد تحديدًا على الإرادة العشوائية للسلطات دون سواها من الأسباب. وإجابتي هي قطعًا لا. والأطروحة التي أقدّمها هنا مفادها أن سلطة مشرع القانون تؤسس السمة الإلزامية للمعايير بطريقة "افتراضية" Presumptive فحسب. ومن الواضح أن هذا الافتراض شديد القوة وواسع القبول، لأن مشرع القانون عادة ما لا يعتمد على القوة Power المحضة فحسب، بل يعتمد أيضًا على "السلطة" Authority، وفقًا لما يلمسه من دليل على قدرة هذه السلطة على الحكم وما ينتج من ذلك من ثقة المواطنين. وعلى الرغم من ذلك، فإن قدرة السلطة على الحكم قد تتبدد وثقة المواطنين قد تتلاشى، ومن ثم فإن السلطة لا تقدّم لنا سوى افتراض حول الطبيعة الملزمة للمعايير. ويمكن أن يبقى ويصمد هذا الافتراض، إذا كانت القضايا المعيارية تبدو متسقة وقادرة على أداء وظيفتها فيما يتعلق بالغايات المنوطة بها فحسب. وبخلاف ذلك، سيكون مآل هذا الافتراض إلى الإخفاق، وسرعان ما سيُنظر إلى المعايير باعتبارها لا تقوم إلا على العقوبات، ومُقحمة ومفروضة فرضًا Imposed بدلًا من كونها ملزمة Obligatory.
في الحياة العادية، سنجد أن المشرع القانوني على وعي تام بهذا البديل. إنه يعرف أن مهمته ليست صوغ قضايا إلزامية Soll–sätze بارعة عقليًا وسديدة منطقيًا، بل بالأحرى صوغ قضايا إلزامية من شأنها أن تكون مقبولة وملزمة؛ أي تمثّل معايير ملزمة Soll–Normen. ومن ثم، لكي يؤكد سمتها الإلزامية، لن يشرّع المعايير فحسب، ولكنه سيبحث أيضًا عن مبرر لها. سأعود إلى هذه النقطة لاحقًا، لكن سأقدم هنا نموذجًا على الأقل. فلنتأمل، على سبيل المثال، المعيار الذي لا يعدّ خياليًا بأيّ حال من الأحوال، والقائل إنه "يجب على الأطفال الإبلاغ عن الآباء الذين تتعارض آراؤهم السياسية مع الحكومة". إن المشرع القانوني يعرف أنه على الرغم من كل السلطة والفاعلية اللتين يتمتع بهما جهازه القمعي، فإن الشعور العام سيحكم على هذا المعيار بأنه عشوائي وجائر وبعيد عن جادة الصواب، وسينكر طبيعته الملزمة أو على أقصى تقدير سيخضع لها باعتبارها عبئًا ثقيل Imposition. ولهذا السبب، سيبذل المشرع القانوني قصارى جهده للعثور على مبرر ملائم وإدراجه لإقناع الناس بأن الإبلاغ عن الآباء مطلوب للحفاظ على سلامة الدولة، أو استقامة أيديولوجيتها... إلخ، بحيث يمكن قبول القاعدة باعتبارها معيارًا "ملزمًا" Binding. وهكذا، نكون قد وصلنا إلى بعض الاستنتاجات فيما يتعلق بالنقطة الأولى. لقد رأينا كيف أن البنية الأخلاقية للقضايا المعيارية لم تكن كافية لتزويدها بسمة الإلزام. وربما يكون في استطاعتنا الآن إضافة أن هذه السمة الإلزامية لا يمكن اشتقاقها من سلطة المشرع القانوني. تحرص النظرية المعاصرة في القانون الوضعي على تجنب تعريف المعايير القانونية بالرجوع إلى عناصر "خارجية" External، ولذلك فإنها تبدو أكثر ثباتًا ودقة. ووفقًا للتعريف الذي تقدمه، فإن القانون هو نظام من المعايير "ينص على عقوبات" (وفقًا لكلسن)، أو "ينص على قواعد تتعلق بالقوة" (وفقًا لأوليفكرونا)، أو "قواعد تتعلق بممارسة القوة" (وفقًا لروس). وهذه هي وجهة النظر الجوهرية بشأن القانون والتي يتفق عليها المعياريون أمثال كيلسن ونوربرتو بوبيو39، والواقعيون أمثال أوليفكرونا وروس40. وبفضل هذا التعريف، يمكن تأسيس التفرقة النظرية بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي بطريقة حاسمة، من خلال التمييز بين محتواهما والمُخاطبين بهما. تخاطب معايير القانون الطبيعي الأفراد الطبيعيين بصفتهم الشخصية وتقوم بتوجيه سلوكهم، في حين تخاطب معايير القانون الوضعي المسؤولين عن
الجهاز العام للدولة (القضاة، والقائمون على الخدمة المدنية، ورجال الشرطة... إلخ)، وتنظم شروط ممارستهم للقوة وحدودها. لكن الغاية من مثل هذا التعريف ليست توضيح الاختلاف بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي، بل إن هدفه النهائي تفنيد الطبيعة القانونية للسابق (أي القانون الطبيعي). وفي الواقع، وحيث إن تنظيم ممارسة القوة ليس مجرد شيء "يضاف" (على الأقل بالنسبة إلى النظريات السابق ذكرها) إلى المعيار القانوني لضمان فاعليته، بل يمثل المحتوى الدقيق والمحدد للقانون؛ أي العنصر والمكون الذي يكون المعيار بفضله قانونًا، فإن القانون الطبيعي وبصورة لا لبس فيها ليس "قانونًا". ومن المحتمل اكتشاف نوع من أنواع العقوبات، الموجودة ضمنيًا أو صراحة، في معايير القانون الطبيعي، لكن في جميع الأحوال سنجد أن محتواها المحدد يكمن في قواعد السلوك، التي تعدّ العقوبة بالنسبة إليها مجرد أداة تابعة. ولا يمكن التفكير في القانون الطبيعي من خلال اختزاله في مجرد تنظيم أو ممارسة للقوة، وبناء على ذلك، ووفقًا للتعريف السابق، فإنه لا يعدّ قانونًا في حقيقة الأمر. وبحسب وجهة النظر هذه، يمكننا أن نجد حلًا بسيطًا جدًا للتعامل مع معضلة تحول" القضية الإلزامية" إلى "معيار ملزم". لا يتعين على القضية الإلزامية أن تقدّم إثباتًا على طبيعتها الإلزامية لكي تصبح معيارًا ملزمًا: إنها بالفعل "معيار ملزم" إذا، وفقط إذا، كان محتواها هو تنظيم القوة وترشيدها. وربما يسمح لنا هذا التفسير أيضًا بكبح جماح دعاة نظرية القانون الطبيعي وإجبارهم على الإقرار بأن ما يسمونه "قانونًا" طبيعيًا يمكن صوغها على هيئة قضية إلزامية، لكن القيمة الوحيدة التي يمكن أن نرجوها من هذا الإقرار ستكون على مستوى النظرية المجردة المحضة. وعلى الرغم من ذلك، فسنجد أن مشكلة الطبيعة الملزمة للمعايير لا يمكن التخلص منها بهذه السهولة. إنها لا تتعلق فحسب بالمواطنين على وجه العموم، بل تبرز أيضًا في مواجهة المسؤولين في الأجهزة العامة للدولة. تُرى لماذا يجب عليهم قبول ما يُخاطبون به من قواعد تتعلق بممارسة القوة باعتبارها قواعد ملزمة؟ هل ينصاعون لهذه القواعد لتجنب احتمال تعرضهم للعقوبة بموجب تطبيق قواعد أخرى تتعلق بممارسة القوة؟ إذا كان الأمر على هذا النحو، وحتى إذا تغاضينا عن مسألة الارتداد إلى ما لا نهاية41، فإن الحجة برمّتها ستقع تحت طائلة النقد المذكور سابقًا: سيسلك الناس وفقًا للمعايير لا بسبب الإلزام، ولكن لأنهم تحت تهديد القسر والإرغام فحسب، أو تراهم يم ثتلون للمعايير بسبب القسم الذي أقسموه على طاعة أوامر السلطة؟ في هذه الحالة، سنجد أن التزامهم ليس بالمعايير، ولكن بالقسم، أو بعبارة أخرى، بتعهد شخصي. وأخيرًا، لماذا يتعين على المواطنين أنفسهم الإقرار بالطبيعة الإلزامية لسلوكٍسيكون، في حال عدم الالتزام به، بمنزلة الافتراض المسبق الواقعي لتطبيق القواعد المتعلقة بممارسة القوة؟ يمكن أن تتجنب هذه القواعد فرضها بصورة استبدادية متعسفة، في حال قدمت بعض التبرير لسمتها الإلزامية فحسب.
والنتيجة التي نخلص إليها من ذلك هي أن تعريف القانون باعتباره قاعدة تتعلق بممارسة القوة، وبعيدًا عن التخلص من معضلة سمته الإلزامية، يثبت لنا مرةً أخرى أهميته الضرورية. إن قواعد ممارسة القوة في حاجة إلى التبرير، ربما حتى أكثر من القواعد الأخرى المتعلقة بالسلوك. إن تنظيم القوة في حد ذاته لا يكفي لتحويلها من مصدر للقسر والإرغام إلى مصدر للإلزام. وحتى في هذه الحالة، سيكون من الضروري تبرير قاعدة ممارسة القوة. لهذا السبب، سنجد أن المذهب الإسكندنافي الواقعي في القانون يذهب في واقع الأمر إلى القول إن القواعد المتعلقة باستخدام القوة وممارستها تتمتع بطبيعة قانونية، لأنها تنبع من سلطة مقبولة، ولهذا يُنظر إليها على أنها ملزمة اجتماعيًا. لكن هذا يعني العودة مرةً أخرى إلى وجهة النظر التي انتقدناها سابقًا: إن السلطة لا تقدّم لنا سوى افتراض للطبيعة الإلزامية للقواعد.
سادسًا: القانون الطبيعي والقانون الوضعي ليسا متعارضين من حيث المبدأ، بل إنهما متكاملان
إذا كان ما قلته حتى الآن صحيحًا، وعلى وجه التحديد إذا كان تعريف القانون يستلزم التمييز بين القاعدة والأمر المفروض من ناحية، والإلزام والإكراه من ناحية أخرى، فإن النتيجة التي نصل إليها هي أن القانون في حقيقته لا يقبل التعريف بالرجوع إلى المكون "الوضعي" Positio فحسب، بكل ما يتضمنه هذا المصطلح داخليًا وخارجيًا (أي تنظيم القوة وسلطة المشرع القانوني وترشيدهما)، إلا إذا نظر المرء إلى إلزامية القواعد الوضعية بوصفها أمرًا واضحًا في ذاته. لكن من الواضح جًّدًا أن هذا سيكون خطأً لستُ في حاجة إلى مناقشته. ولتجنب أيّ سوء فهم محتمل، أود أن أوضح أن ما يحتاج إلى التبرير ليس طاعة المعايير، بل المعايير ذاتها. يمكن أن تزودنا الدوافع المختلفة العديدة، الشخصية أو الاجتماعية، بتبريرات للطاعة. لكن هذا لا يكفي للبرهنة على الطبيعة الملزمة للمعيار ذاته. إن المصلحة الشخصية أو الخوف، الطموح أو الولاء... إلخ، في استطاعتها جميعًا تفسير طاعة المعيار الذي يمكن الحكم عليه في الوقت نفسه بأنه متعسف وجائر، وعديم النفع، وضار (ومن ثم ليس ملزمًا) من الشخص نفسه الذي يتّبعه ويلتزم به على الرغم من ذلك. إن التبرير الذي يتطلبه القانون يتعلق بالمحتوى التوجيهي والإرشادي للمعيار الذي تتعين البرهنة على صحة أساسه العقلي. ونتيجة مثل هذا التبرير ليست في حاجة إلى الإجماع والإذعان الدائمين للمعيار. في الواقع، إنها في حاجة، على الأقل من ناحية المبدأ، إلى أن تصبح قاعدتها غير قابلة للتفنيد، وبناء على ذلك، سوف يُعترَف بطبيعتها الإلزامية. وبطبيعة الحال، لن يكون في استطاعتنا تجنب الاحتمال الممكن لانتهاك القاعدة. ومع ذلك، بمجرد قبول الطبيعة الملزمة للقانون، فسيُنظر إلى أيّ تجاوز للقاعدة أو انتهاك لها، اديًاحم وأ اينوناق لاعًااف هرابتعا نم لادًااب، ينوناق ريغ لاعًااف هفصوب، هتاذ يدتعملا ةطساوب ىتح.اننكميو أن نستقي من ذلك نتيجة مهمة مفادها أن تبرير المعيار يتضمن الطبيعة غير القانونية لعملية الاعتداء، فإنه يبرر أيضًا، على الأقل من ناحية المبدأ، العقوبة على الفعل المخالف للقانون.
لكننا إذا كنا في حاجة إلى تبرير في سبيل إثبات السمة الإلزامية للمعيار الوضعي وتأسيسها، فسيترتب على ذلك أن اللاحق يصبح المصدر الأول للسابق42. في الحصيلة، وحيث إن التبرير هو عملية تقوم على الحجاج العقلي، فإن القانون الطبيعي والقانون الوضعي سوف يستمدان قوتهما الإلزامية في نهاية المطاف من المصدر الصوري نفسه؛ أي من السمة العقلانية لقواعدهما. قلت في موضع سابق إن القانونين الطبيعي والوضعي يتقاسمان عنصرين مشتركين: الطبيعة الأخلاقية لقضاياهما والسمة الإلزامية لتوجيهاتهما. وعلى الرغم من ذلك، فقد قبلت، ولكن مؤقتًا فحسب، الرأي الشائع الذي مفاده أنه يمكن التمييز بين نوعي القانون (الطبيعي والوضعي) بالرجوع إلى المصادر المختلفة لطبيعة كل منهما الإلزامية: عقلانية القواعد في إحدى الحالات، ووضعيتها Positio في الحالة الأخرى. لقد أصبح من الواضح الآن أن القانون الوضعي لا يستطيع تجنب ضرورة تبرير قواعده بأيّ حال من الأحوال. بل على العكس من ذلك، إنه يتطلب مثل هذا التبرير إذا كان من شأنه إنتاج قاعدة قانونية وليس مجرد أمر مفروض بالقوة. يمكننا من ثم إضافة عنصر ثالث مشترك إلى هذين العنصرين: إنه المصدر المشترك لطبيعتهما الإلزامية. وعلى هذا الأساس يصبح كلا النوعين من القوانين، على الرغم من النظر إليهما دائمًا باعتبارهما متعارضين، قابلين للتوافق والمصالحة. ومع ذلك، فإن التوفيق بين القانونين لا يعني توحيدهما. إن الاختلاف والتمييز بينهما غير قابل للتجاوز لأنه، من وجهة نظري، قائم على أساس من التباين في درجات التبرير وأنماطهما. تحتاج هذه الفكرة إلى مزيد من التفسير والاستكشاف. إن الطريقة الأكثر إرضاءً وقبولًا (وإن لم تكن دائمًا الطريقة الأبسط) في تبرير المعيار (ومن ثم ضمان سمته الإلزامية) تكمن في توضيح العلاقة الوظيفية بين السلوك المنصوص عليه وغاية مقبولة. إن الأمر الشرطي الكانطي43 – الذي ينص على فعل معين، لا باعتباره خيرًا في ذاته، بل باعتباره وسيلة نحو غاية معطاة – مُلزم على أساس من تبريره الوظيفي. دعونا نتطرق على سبيل المثال إلى الأمر الشرطي التالي: "إذا أراد العمال حماية مصالحهم، فينبغي لهم الانضمام إلى نقابة عمالية". في هذه الحالة، إذا ثبت لنا بقدر كافٍ من اليقين أن مصالح العمال لا يمكن حمايتها إلا من خلال نقابة عمالية، فإن المعيار القائل إنه "ينبغي لجميع العمال الانضمام إلى نقابة عمالية" سيكون مبَّرَرًا وسيكتسب طبيعة إلزامية. ومع ذلك، فإن مثل هذا التبرير ينطبق على الأشخاص المعنيين على نحو مباشر فحسب. وفي حالتنا هذه، هؤلاء الأشخاص هم العمال. وخارج هذا السياق الاجتماعي – الوجودي لن يكون المعيار مبَّرَرًا أو ملزمًا. لكن عملية التبرير لن تقف لهذا السبب. بل على العكس، س تتجاوز حدود هذا السياق الأولي
وتمتد إلى سياق أوسع نطاقًا يضم في ثناياه السياق الأول أيضًا. إن استخدام المثال ذاته مرةً أخرى، لإثبات أن حماية مصالح العمال تكتسب طابعًا وظيفيًا في تحقيق الصالح العام للجسد السياسي سيكون كافيًا لتبرير المعيار المذكور سابقًا من خلال سلسلة متسقة من الاستدلالات. لذلك، ينبغي للمواطنين غير المُخاطبين أو المعنيين بهذا المعيار (أعني بذلك غير العاملين) الاعتراف به بوصفه معيارًا ملزمًا للعمال. إن تبرير النظام الكامل للمعايير يمكن تحقيقه تحديدًا من خلال مثل هذه السلسلة من التبريرات. قد يبدو الأمر برمته أول وهلة مفرطًا في التجريد، لكن هذه تحديدًا هي الطريقة التي تسير بها الأمور في الواقع. وينطبق هذا خاصة على النظام الديمقراطي، حيث تكون النقاشات البرلمانية الأولى، ومن ثم تفسيرات القضاة المستقلين، مؤكدة لعملية تبرير المعايير التي يقترحها المشرع القانوني. وإضافةً إلى ذلك، فإن تبرير المحتوى التوجيهي والإرشادي للمعيار لا ينفرد وحده بتفسير سمته الإلزامية. لكن ربما يكون في استطاعتنا القول إنه يقع في مركز شبكة من التبريرات المترابطة على نحو متبادل. فأولًا وقبل كل شيء، إنه يرتبط (بوصفه شرطًا مسبقًا ضروريًا) بمثل هذا التبرير لإسناد سلطة سنّ القوانين إلى مؤسسة بعينها، ومن ثم يستطيع أن يعطي لهذه الأخيرة السلطة المقبولة التي يمكن أن توفر (كما رأينا) الافتراض المشروع للسمة الملزمة لمخرجاته المعيارية. وبدوره، فإن تبرير المعيار يصبح مطلوبًا لتبرير العقوبة الملائمة والواجب تطبيقها عند مخالفة المعيار، لأن مجرد واقعة صوغ عقوبة أو "قاعدة تتعلق بالقوة" لا تحمل في حد ذاتها تبريرًا ولا تكفي لتأسيس الطبيعة الإلزامية للمعيار القانوني، لأن تأسيس مثل هذه الطبيعة الإلزامية يستلزم استدلالًا يتعلق بما هو كائن، وما ينبغي أن يكون (وصفي – معياري Is–Ought). بل على العكس من ذلك، يمكن إضفاء المشروعية على العقوبة من خلال علاقتها الوظيفية بالسلوك المنصوص عليه في المعيار الذي بُِّرِر بالفعل. على أيّ حال، إن تبرير المعيار، سواء من وجهة النظر المنطقية أو التجريبية، هو العنصر الحاسم والجوهري في بناء الطبيعة الإلزامية للقوانين وتأسيسها، لأنه يمكّننا من ناحية من التحقق من الافتراض الذي تقدّمه السلطة، ويمكّننا من ناحية أخرى من ترسيخ الأساس الذي تقوم عليه شرعية العقوبة. وعلى أساس هذا التبرير الأول يمكن أن تصل بقية التبريرات إلى شرعية كاملة، ومن ثم تعمل هذه التبريرات مجتمعة على تعريف الموقف الملزم المتعارف عليه في مجال الخبرة القانونية الواقعية. وبما أن القانون الوضعي يمكن تفسيره، وفقًا لاقتراح كيلسن الشهير والمتداول، من خلال مخطط افتراضي يأتي بصيغة "إذا... فعندئذ"، فإن الوظيفة التبريرية، التي ذكرتها للتو، ستكون كافية لتقديم أساس عقلي لتأسيس الطبيعة الإلزامية للمعايير الوضعية. ومع ذلك، وكما هو واضح، فإن الأمر الشرطي وتبريره الوظيفي يصدقان فقط بالنسبة إلى أولئك الذين يقبلون من دون شروط بالسياق الذي يرتبط به الأمر الشرطي وتبريره. وبالرجوع إلى المثال المذكور سابقًا، قد تكون هناك مجموعة من العمال الذين لا يعتبرون مصالحهم ذات أهمية قصوى، أو مجموعة من المواطنين الذين يُخضعون
الخير العام ذاته لقيم عليا تفوقه شأنًا. وفي هذه الحالات يمكننا أن نطبق النقد الذي وجهه هير44 إلى أطروحة جون ر. سيرل45 حول "لعبة التعهد " The Promising game46 والذي بيّن من خلاله النتيجة المعيارية المترتبة على فعل التعهد: إن الوظيفة التبريرية للمعيار لا تحمل أيّ إلزام47 بالنسبة إلى من يرفضون "المشاركة في اللعبة". إن الفكرة الأساسية في مذهب القانون الطبيعي تتلخص بدقة في العثور على مجموعة من المعايير المتصلة بسياق لا يمكن رفضه أو دحضه، وتبرير هذه المعايير. ولهذا السبب، يستمد المذهب اسمه من مفهوم القانون "الطبيعي"؛ أي القانون المتصل بسياق كوني يتعلق بالإنسان بوصفه موجودًا بشريًا فحسب، وعلى نحو مستقل تمامًا عن أيّ تحديدات أو تعيينات خاصة على غرار الجنس أو العرق أو السياسة أو الثقافة... إلخ. ولا يعني هذا التغاضي عن الظروف الخاصة والحالات المحددة لكل إنسان أو تجاهلها، ولكنه يعني فقط التعامل معها باعتبارها تحديدات تأتي ضمن سياق كوني شامل. في عصرنا الكوكبي هذا، وعندما يكون من الواضح أننا جميعًا ننتمي إلى النوع البشري نفسه ونتشارك المصير نفسه، فإنه يبدو لي من قبيل العبث والمفارقة التاريخية أن ننكر وجود سياق بشري مشترك ونرفض القانون المرتبط به. وعلى الرغم من ذلك، لا تكمن المشكلة الحقيقية من وجهة نظري في قبول أو رفض هذه المقدمة، بل تكمن بالأحرى في الاعتقاد الشائع أنه من المستحيل تبرير المعايير المرتبطة بالسياق الكوكبي للجنس
البشري برمّته، ومن ثم فإنه من المستحيل أيضًا الاعتقاد أنها معايير ملزمة. وإذا كانت العقبة التي تعترض سبيلنا ذات طابع تجريبي أو عملي، فسيكون من الصواب أن نشير إليها: في حقيقة الأمر ليس لدينا حتى الآن آلية فعالة وغير متحيزة لفرض هذا النوع من المعايير. لكن تجاوز الصعوبة النظرية ليس مستحيلًا: إنني حقًا على قناعة تامة أن من الممكن تبرير السمة الإلزامية للمعايير التي تخاطب الجنس البشري في عمومه؛ أي ذلك الجمهور العالمي الذي يتحدث عنه بيرلمان48 على نحو وافٍ49. وفي سبيل تحقيق هذه الغاية، لا تزال بعض الأدوات النظرية التي طوّرها كانط صالحةً للاستخدام. لقد ذكرت توًا، ولكن على نحو شديد العمومية، مفهوم الأمر الشرطي. وكما هو معروف جيدًا، ميّز كانط بين نوعين من هذا الأمر: الأول هو الأمر الإشكالي أو التقني، المرتبط بغاية نكون أحرارًا في اختيارها، والثاني الأمر القاطع أو البراغماتي، المرتبط بغاية ينشدها الجميع، ومن ثم فإنه لا يندرج ضمن اختيار "اللامبالاة" أو "التجاهل" Arbitrium Indifferentiae50؛ أي لا يمكن التغاضي عنه أو عدم الاكتراث به. وتأتي صيغة هذا الأمر على النحو التالي: "بما أن الجميع يريدون كذا، فإذًا ينبغي للجميع كذا". في حالة الأمر القاطع، يتّسم السياق الوجودي الذي ننظر في أمره بسمة كونية، والغاية التي نسعى وراءها ليست عشوائية أو افتراضية (كما في "لعبة" سيرل)، بل حقيقية. وفي هذه الحالة، يصبح من الممكن أن نقدّم تبريرًا كونيًا للمعايير التي تصلح لأداء وظيفتها في السعي وراء غاية ينشدها الجميع. لكن كانط، على الرغم من ذلك، قدّم مث لًا من شأنه إثارة شكوك قوية وبالغة: إنه مثال البحث عن السعادة Glückseligkeit. ومن الصحيح أن الجميع يسعون وراء السعادة، لكن الفكرة التي تعدّ كونية بحق في هذا المثال هي أن "كل إنسان يسعى وراء سعادته الفردية الخاصة". وبما أن النماذج الفردية من السعادة ليست بالضرورة متشابهة أو متماثلة، فإن التبرير الوظيفي للسلوكيات المرتبطة بالبحث عن السعادة لا يصدق إلا على نحو فردي فحسب، ولا يمكن أن نجعل منه تبريرًا كونيًا.
لكن المثال المضاد لا يعني بالضرورة تفنيد الحجة الأصلية. إن الأمر الذي يحول دون التعميم الكوني للسلوكيات التي تؤدي وظيفة تحقيق السعادة هو حقيقة أن السعادة تشير إلى الوجود الفردي للبشر، ولكنها لا تشير إلى "التعايش المشترك" Co–existence بينهم. وعلى العكس من ذلك، فإن السلوكيات التي تؤدي وظيفة التعايش المشترك بين البشر يمكن تعميمها لتصبح سلوكيات كونية، لكونها قابلة للتطبيق على نحو متبادل من دون أيّ تعارض أو تناقض. ومن ثم، فإن تبرير المعيار الذي يوجهنا نحو القيام بهذا السلوك سوف يُثبت طبيعته الملزمة للجمهور العام. ويمكننا، على سبيل المثال، أن نتأمل حالة "الاحترام الواجب للأبرياء": يرى كل إنسان بريء أن من حقه التمتع بمثل هذا الاحترام؛ وحيث إن هذا الاحترام يمكن أن يصبح متبادلًا، فإنه ليس ثمة تناقض في تعميمه بصورة كونية. وإضافةً إلى ذلك، يؤدي مثل هذا الاحترام إلى التعايش المشترك بين البشر. وفي الواقع، إذا رفضنا معيار البراءة، فإن التعايش المشترك بين البشر سيصبح أمرًا لا يمكن تصوره. وستكون كل الجرائم ومظاهر العنف مباحة ومسموحًا بها، ولن تكون هناك فرصة لتمييزها أو منعها، لأنها ستدخل في حيز "اختيار التجاهل" Arbitrium Indifference أو اختيار اللامبالاة وعدم الاكتراث. يعدّ هذا التبرير الكوني بمنزلة العنصر والمكون الأساسي في مذهب القانون الطبيعي؛ فهو الذي يجعل من القضايا الإلزامية معايير ملزمة للجميع. وعلى هذا الأساس، يمكن أن يتخذ التمييز بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي الصيغة التالية: يمكن تبرير معايير القانون الطبيعي استنادًا إلى علاقتها الوظيفية بالتعايش المشترك "الكوني" Universal، ويمكن تبرير معايير القانون الوضعي استنادًا إلى علاقتها الوظيفية بالسياقات المختلفة للتعايش المشترك "الخاص والمحدود" Particular: إقليميًا، وقوميًا... إلخ. لا شك في أن الاختلاف السابق وثيق الصلة بالموضوع، ولكن بالاعتماد على السياق التجريبي المرجعي للتبرير فحسب. وهكذا لا يتضمن الأمر أيّ إشارة، سواء إلى اختلاف القانونين من حيث البنية، أم إلى التعارض الحتمي (الذي يعدّ ممكنًا فحسب) بين قواعدهما. فضلًا عن ذلك، لا يتضمن السياق الكوني للقانون الطبيعي أيّ نفي للسياقات الخاصة والمحدودة التي تمثّل المجال المعتاد والمألوف للقانون الوضعي. ولكن من خلال تجاوزه لهذه السياقات، فإنه يمنعها من التحول إلى سياقات مطلقة، وهو الأمر الذي من شأنه أن يخلق صراعًا وتعارضًا غير قابلين للحل من ناحية المبدأ، كما يبدو في فلسفة هيغل السياسية51. بهذا المعنى، يبدو من المشروع أن نقول إن القانون الطبيعي هو أيضًا ما ينبغي أن يكون عليه Ought القانون الوضعي، لأن المحدود لا يمكن أن يدحض أو يعزل نفسه كليةً عن الكوني.
نقطة أخيرة ينبغي توضيحها. لا يمكننا إنكار أن التعايش المشترك دائمًا ما يكون ناقصًا ومعيبًا في الحياة الواقعية، لأن الصراع يعترض سبيله باستمرار، لكن الصراع لا يمكنه أبدًا القضاء على جميع صنوف التعايش المشترك: وقد أكد القديس أوغسطين على ذلك بالفعل في كتابه مدينة الله52. ومن وجهة نظر واقعية، يتّسم التعايش المشترك والصراع بدرجة الإمكان والاحتمال ذاتها. ولكن إذا نظرنا إليهما بوصفهما حالتين تطرآن على الحياة الإنسانية، فسيتضح لنا الاختلاف الجوهري بينهما. وفي حين يؤدي الالتزام الكوني الشامل بالتعايش المشترك إلى التخلص من جميع الصراعات وضمان تحقيق فرص طيبة في الحياة للبشر جميعهم، فإن تعميم الصراع على نحو كوني سيحول دون إمكانية تحقيق هذه الفرص، لأنه سيقضي على أيّ حالة يتحقق فيها التعايش المشترك. وهذا يعني أن التعايش المشترك، وليس الصراع، هو الشرط المنطقي للحياة الإنسانية الجديرة بأن تُعاش حقًا. ويترتب على ذلك أنه لا يمكن أن يدخل في دائرة "اختيار التجاهل" أو اللامبالاة وعدم الاكتراث. وإضافةً إلى ذلك، وفي سياق الالتزام بالتعايش المشترك كوكبيًا، سنجد أن الاختلافات البشرية التي لا يمكن إنكارها لن تتسبب في توليد الصراع، بل الحوار الذي من شأنه أن يستبدل العقل بالقوة. هذه هي السمة المميزة التي يتفرد بها القانون الطبيعي وفقًا لفلاسفته. لكن هذه السمة يجب ألا تغيب أيضًا عن القانون الوضعي، إذا أراد الحفاظ على سمته الإلزامية.
References
المراجع
العربية
إبراهيم، زكريا. كانط أو الفلسفة النقدية. سلسلة عبقريات فلسفية.1 ط.2 القاهرة: مكتبة مصر،.1972 كرم، يوسف. تاريخ الفلسفة الحديثة. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة،.2012
مصطفى، عادل. المغالطات المنطقية: طبيعتنا الثانية وخبزنا اليومي. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،
الأجنبية