Return to Article Details Book Review: Form of life: Agamben and the Destitution of Rules

مراجعة كتاب شكل الحياة: أغامبين وإفلاس القواعد

Book Review: Form of Life: Agamben and the Destitution of Rules by Gian Giacomo Fusco

شادي كسحو *

Shady Kassho *

الملخّص

عنوان الكتاب: شكل الحياة: أغامبين وإفلاس القواعد . عنوان الكتاب الأصلي : FORM OF LIFE: Agamben and the Destitution of Rules المؤلف: جيان جياكومو فوسكو. الناشر : إدنبرة: مطبعة جامعة إدنبرة. سنة النشر: 2023. عدد الصفحات : 232.

Abstract

Researcher and academic specializing in the philosophy of Jean Baudrillard and posthuman philosophy. Executive consultant for the NV Group affiliated with the United Nations. shady_kass@hotmail.com

الكلمات المفتاحية:
  • شكل الحياة
  • أغامبين
  • إفلاس القواعد
  • فلسفة القانون
Keywords:
  • Form of life
  • Agamben
  • Destitution of Rules
  • Philosophy of Law

عنوان الكتاب:

المؤلف:

جيان جياكومو فوسكو. الناشر:

إدنبرة: مطبعة جامعة إدنبرة. سنة النشر: عدد الصفحات:

للأمم المتحدة.

شكل الحياة: أغامبين وإفلاس القواعد.

.Form of Life: Agamben and the Destitution of Rules عنوان الكتاب الأصلي:

"يومًا ما، ستلعب الإنسانية بالقانون تمامًا كما يلعب الأطفال بالأشياء المهجورة؛ ليس من أجل إعادتها إلى استخدامها القانوني، بل لتحريرها من هذا الاستخدام إلى الأبد". جورجيو أغامبين

شكل الحياة Form of Life، ببساطة الغربي. شديدة، هو كلمة السر لفهم كل

محاولات جورجيو أغامبين Giorgio Agamben الفلسفية؛ لتفكيك البنى والمرجعيات المركزية التي تقيّد الوجود من حولنا، ولخلخلتها. لقد

أصبح من العبث البحث عن معنى الوجود وحقيقته في "المساكن" و"البيوت" الفلسفية القديمة والمتهالكة، بل أكثر من ذلك، إنّ لدى أغامبين يقينًا مطلقًا بتصدّع كل الأسس التي قامت عليها أسطورة الحداثة الغربية وتآكلها. ولذا يحاول، عبر تحليلات فلسفية وجينالوجية معمّقة، إثبات أن كل ما أنتجته الحداثة من قيم وفلسفات ومنجزات حضارية، لم يكن سوى محاولة مُمنهجة لتسييس الحياة، ومنح القانون والسلطة السياسية مطلق السيادة والنفوذ على أشكالها وتعيّناتها،

ف "الحياة لا يمكن فصلها البتّة عن شكلها".

(((يضع أغامبين في اقتراحه مفهوم "شكل الحياة" تصورًا أنطولوجًّيًا

جديدًا، يميّز من خلاله بين نمطين وجوديين مختلفين تمامًا؛ الأول:

Form of Life شكل من أشكال الحياة، ويقصد به النمط الوجودي الذي يَصدر عن اللقاء والاندماج بين الذات من جهة، والمصفوفات

السياسية والاجتماعية والثقافية المحميّة والمُعترف بها من البنية

المؤسسية للسلطة من جهة أخرى. والثاني: Form–of–Life شكل الحياة، وهو الشكل الوجودي الذي يدافع عنه أغامبين ضد الشكل الأول، ويعني به حرفيّا الأفق الأنطولوجي المحايث والحر والنقي

والفوضوي، الذي لا يمكن اشتقاقه من أي هياكل بيولوجية أو مبادئ اجتماعية أو توجيهات سياسية محدّدة على نحو مسبق. إن الشكل

الأصلي للحياة، وفق هذا الفهم الأغامبيني الفريد، هو أنها محتملة وغير متشكّلة ومفتقرة إلى مفاهيم الضرورة والحتمية والإلزامية،

ومفتوحة دائمًا على إمكانية التفرّد والاختلاف والشذوذ والخروج

على جميع التعيّنات والتمّثلّات القبْلية.

(2) Giorgio Agamben, Means without End: Notes on Politics , V. Binetti & C. Casarino (trans.) (Minneapolis: University of Minnesota Press, 2000), p. 3.

وعلى هذا الحدس الفلسفي الخالص، يبني أغامبين تصوراته الفلسفية والقانونية، عبر إعادة صياغة جذريّة للتقليد الأنطولوجي الذي يشكّل جوهر البداهة التاريخية للفكر الفلسفي والقانوني

إن أكثر ما يلفت الانتباه في تعامل أغامبين مع مسألة السياسة والقانون تحديدًا هو النزق والعداء اللذان يجاهر بهما علنًا ضد كل المعايير والإطلاقيات التي شكّلت الحياة في أشكال وقوالب محدّدة سلفًا: "في اللحظة التي يتشكّل فيها شكل من أشكال الحياة، تصبح جميع أشكال الحياة الفردية مُعدمة وغير فعالة ". وتمثّل محاولة الكاتب الإيطالي جيان فوسكو Gian Fusco، في قراءته وتشقيقه مَتن أغامبين السياسي

والقانوني، استجابةً حقيقيةً لهذه الدعوة تحديدًا، فينسج – انطلاقًا من اليقين الكامل بالأنطولوجيا الشكليّة التي تمثّل جوهر فلسفته وعمقها – قراءةً

مختلفةً تمامًا للمسار النقدي والفوضوي الذي

يَسِم كل أعمال هذا الفيلسوف ويطبعها؛ إذ يؤكد فوسكو، منذ البداية، أننا لن نجد لدى أغامبين أيّ "خريطة طريق" أو أيّ برنامج سياسي بديل،

بل إنّ كل ما سنجده في هذا المتن الذي تفوح منه رائحة نصوص مارتن هايدغر Martin Heidegger 976–1889(1)، وميشيل فوكو Michel Foucault (984–19261)، وحنة أرندت Hannah Arendt (975–19061)، وكارل شميت Carl Schmitt (985–18881)، ووالتر بنيامين Walter Benjamin (940–18921)، بكل صخبها وعبقها، هو مزيج فلسفي من طراز رفيع يجمع في عمقه مفاهيم وتصورات وعلامات على طريق

(3) Giorgio Agamben, The Use of Bodies , A. Kostko (trans.) (Stanford: Stanford University Press, 2016), p. 277.

الفلسفة التي لن تكون مهمتها من الآن فصاعدًا

سوى نقبٍ للحُجب والأشكال الصلبة والثابتة

التي حوّلت العالم إلى معتقل كبير تحت اسم

القانون، وكشفٍ لتلك الحُجب وهتكها. يجعلنا المؤِّلِف أمام صعوبة مهمة أغامبين وتعُّقُدها في مواجهة القانون وتشقيقه، بحيث يوجّه أغامبين قبل كل شيء نقدًا لاذعًا إلى

عمق التصورات الأنطولوجية التي سلّمت عبر ثنائياتها المقدسة مفاتيح السلطة والسيادة الكاملة للقانون على الوجود نفسه. إن بنية العقل الفلسفي القائمة على التصنيف الثنائي للوجود: شكل/ جوهر؛ إمكانية/ فعل، هي المسؤول الأول والأخير عن المأزق الوجودي للذات التي لم تعُد قادرة على تحقيق وجودها إّلا من خلال آلية الإقصاء/ الشمول. وإن ما يسميه أغامبين "الحياة المجرّدة" Bare Life هو الشكل الذي

في داخله الذات تُختزَل إلى شرطها البيولوجي والاجتماعي والثقافي، لتصبح بذلك مجرّد

ترسٍ داخل آلة القانون الفتاكة. إنها بلغة أغامبين

(((الحياة المجرّدة أو العارية Bare Life هي الأساس الوجودي

الذي تستخلصه البنية المؤسساتية للسلطة من أجل إقامة لأشكال الحياة السائدة وتوطينها وتطبيعها ضمن هويات مضبوطة ومنظمة بصفة نهائية. ومن الخطأ فهم الحياة المجردة بوصفها معطى طبيعًّيًا، بل إن الانتماء والخضوع والالتزام

بالقوانين السيادية التي تستند إلى مفاهيم الواجب والضرورة، وتستبعد كل من يحاول المساس بمبادئها وقوانينها وتجرّمه، هو

ما يفسح المجال لظهور الحياة العارية التي تعتبر من أكثر مفاهيم أغامبين تشعبًا وتعقيدًا. ويمكن الإشارة، في هذا السياق،

إلى اقتراحات معهد سكوتلاند يارد Scotland Yard ومعهد إدارة أبحاث السياسة العامة في بريطانيا 0082، بشأن إمكانية كتابة الحمض النووي للأطفال ما دون سن الخامسة، وإدراج صفاتهم البيولوجية والوراثية في قاعدة بيانات تضبط العلامات السلوكية التي قد تشير إلى احتمالات قيامهم بنشاط إجرامي في المستقبل وتراقب تلك العلامات. تتجسّد هنا الحياة العارية بوصفها

مصفوفة بيانية تعمل كآلة أنثروبولوجية لاختزال الأفراد في تكوينهم البيولوجي، مع التجاهل التام لظروف الحياة وجزئياتها المتنوعة.

نفسه، محاولة مستمرة من أجل "أَسْر الحياة في

القانون"؛ فتفقد الذات في هذا الوضع الوجودي الحَرِج كلّ قدرة على الدخول في علاقة متكافئة

مع الجهاز السلطوي الذي يتحكم في مسارات مجيئها إلى العالم تحكمًا كاملًا. وتمثّل الحياة في

شكلها العاري الثغرة الوجودية التي تمنح القانون صلاحية كاملة لرسم شكل الحياة ونحته وصقله. وفي الوقت نفسه، هي المساحة القانونية التي من خلالها تُخضَع الذات لجميع أشكال الهيمنة

والقوى الخارجية، من خلال تبديدٍوتعطيلٍ لقدرتها على التفرد والاختلاف والشذوذ والخروج على مفاهيم الهوية والتمثّل الثابتة والمحدّدة مسبقًا. لقد أصبحت الذات، وفق هذا المفهوم الفلسفي المعقّد الذي أنتجته الأنطولوجيا ذاتها، موضوعًا للإسناد السياسي والقانوني، ومج لًا مفتوحًا ومسطحًا عاريًا لاستقبال الممارسات

القانونية والسلطوية والمعيارية وامتصاصها من

دون أي رفضٍ أو مقاومة. يلاحق المؤلّف بإمعان شديد الغليانات والفورانات التي تحرّك وتغذّي سخط أغامبين

وغضبه من الصفقات والمزايدات التي تضربها الفلسفة مع المؤسسة السياسية والقانونية، بحيث تحاول هذه القوة المزدوجة تنظيم التفرّدات

وترتيبها داخل هويات وهياكل محدّدة ونهائية؛ ومن ثم الإلغاء والإعدام لأي إمكانية لوجود شكل حياة حرّ ومتفرّد. وإن ما يثير نفور أغامبين

فعلًا هو أن الفلسفة، بما هي جهاز المقاومة الوحيد الذي بحوزتنا، لم تتمكن في كل لحظة من لحظاتها الثورية من التمرّد على تعريف

أرسطو البدائي للإنسان بأنه "حيوان سياسي".

(5) Giorgio Agamben, Homo Sacer: Sovereign Power and Bare Life, Heller–Roazen (trans.) (Stanford: Stanford University Press, 1998), p. 26.

فلا بدّ، إذًا، من وجود لحظة سياسية في كل تصوّر أنطولوجي: "الجهاز الأنطولوجي، الذي يعبّر عن

الوجود ويحرّكه، يتوافق مع الآلة البيوسياسية، التي تعبّر عن الحياة وتسيّسها". في الأنطولوجيا

التقليدية آليات استبعاد وإقصاء ونبذ للذات، بقدر ما توجد في المؤسسة القانونية نفسها. ومن هنا، يبدأ المؤلّف في تحليل حالة الاس ثتناء

التي تشكّل عصبThe State of Exception

فلسفة أغامبين القانونية من جهة، ومكمن نفوره من الحداثة الغربية وعدائه لها من جهة أخرى؛ تلك الحالة التي تتداخل في طياتها وطبقاتها الغامضة والضبابية، مفاهيم القوة والسيادة والعنف والتعسف، بحيث يكفّ القانون عن ممارسة نفسه بوصفه جسمًا قضائًّيًا أو تشريعًّيًا،

ليبدأ عمله بوصفه آلة نبذٍ وإقصاء واستبعاد وقتل للحياة نفسها. إن الاس ثتناء، كما يفهمه أغامبين، هو فراغ القانون من كل شيء إّلا من قوته وعنفه المرتبط بصاحب السلطة والسيادة. تلك فكرة من أكثر أفكاره

(6) Agamben, The Use of Bodies , p. 205.

يحدد. The State of Emergency الطوارئ حالة (أو ((أغامبين هذه الحالة، التي لم تتخذ إلى الآن أي وضع تنظيري أو قانوني في القانون العام، بأنها الحد الذي تتداخل فيه السياسة والقانون، ذلك أن تفعيل حالة الاس ثتناء بناءً على ضرورة

سياسية، كما حدث في حالات الحرب الأهلية أو المقاومة أو الثورة، يستوجب فهمًا سياسيًا وليس قانونيًا أو دستوريًا، ومن ثم

يتجسد داخل هذه الحالة موقف متناقض بوضوح، يتمثّل في

كون الاس ثتناء وضعية قانونية لا يمكن فهمها على أساس قانوني، أو هي الشكل القانوني لما لا يمكن أن يكون له شكل قانوني. وربما يكون أفضل مثال لتوضيح حالة الاس ثتناء هو المثال الذي يسوقه أغامبين عن الأمر العسكري الذي أصدره رئيس الولايات المتحدة الأميركية جورج بوش الابن، في 31 تشرين الثاني/ نوفمبر 0012، وهو أمرٌ أجاز "الاحتجاز إلى أجل

غير مسمى" والمحاكمة أمام "اللجان العسكرية" لغير المواطنين الذين يشتبه في ضلوعهم في أنشطة إرهابية. وقد كانت هذه الإجراءات في ضوء أحداث 11 سبتمبر.2001

القانونية وُعورةً وخطورةً؛ إذ لم يعُد في الإمكان اشتقاق شكل الوجود إّلا من خلال نمط سيادي

متعالٍقائم على التخّلي التام عن الكائن من أجل ضمان استمرار شكل القانون وبقائه في مقابل شكل الحياة. لم يعُد الأمر متعلقًا بتهديد الحياة واستبعادها فحسب، بل صار متعلقًا أيضًا بهوس الإنتاج الوهمي للاس ثتناء؛ إلى حد

يصبح فيه القانون نفسه عبارة عن مجال خاوٍ ومستلب وعاطل عن العمل تمامًا. ولم تعُد مهمة القانون في معناه الحديث – كما يقول أغامبين – سوى "الإلغاء الجذري لأي وضع قانوني للفرد، وإنتاج كائن غير قابل للتسمية وغير قابل للتصنيف قانونًّيًا". إنّ ما هو ثابت

وجذري في تحليلاته القانونية لحالة الاس ثتناء، تيمش عم لاًوّطم لا دج اهلجأ نم ضاخ يتلا وبنيامين، هو تأكيد العطب الذي أصاب البنية الأصلية للذات الحداثية، أو ربما يصحّ القول "الذات الديمقراطية" المزعومة، الذات بمرجعيتها النازية الهتلرية التي ورثت حالة الاس ثتناء هذه عبر تاريخها، ومارستها بوصفها جزءًا من تراثها

التقدمي والتحرري الزائف: "يمكن تعريف الشمولية الحديثة بأنها إقامة حرب أهلية قانونية، عن طريق حالة الاس ثتناء التي تسمح بالتصفية الجسدية؛ لا تصفية السياسيين فحسب، بل أيضًا تصفية فئات كاملة من المواطنين الذين لا يمكن دمجهم لسبب ما في النظام السياسي". لقد تحوّل القانون في علاقته بالسلطة السياسة، بحسب أغامبين، إلى طيّة سياديّة ضخمة، يشكّل

(8) Giorgio Agamben, The State of Emergency as a Paradigm of Government: Is the "State of Exception" Now the Rule? Kevin Attell (trans.) (Chicago: University of Chicago Press, 2020), p. 25. (9) Ibid.

الدستور بُعدها الداخلي، في حين تمثّل السياسة ومفاهيمها وأحكامها بُعدها الخارجي. وتعبّر هذه

الطيّة التي تجمع بين طرفيها كل أشكال الحياة

الممكنة عن القوة السيادية للقانون، ف "السيادة لا تقرر ما هو مشروع وما هو غير مشروع، بل تقرر الإدراج الأصلي للأحياء في نطاق القانون". إن الإرباك الفينومينولوجي الذي يترتب على هذه الوضعية الضبابية؛ من الانحراف والتداخل والتماهي بين المجال السياسي والمجال القانوني، يبلغ أوجه في الشخصية المفهومية الأشهر لدى أغامبين، وهي الإنسان المستباح Homo Sacer. ماذا يكون الإنسان المستباح سوى التجسيد الحقيقي لكل أشكال الاستباحة والنبذ والإقصاء التي يفرضها القانون بمعناه السياسي على الذات؟ الإنسان المستباح أو المنبوذ أو الحرام، هو تعبير مباشر عن فائض قوة القانون من جهة، وفائض القوة السياسية القادرة على اختراق الحياة تحت "مظلّة القانون" من جهة أخرى: "بمجرد إعادة الإنسان إلى مكانه الصحيح خارج قانون العقوبات وخارج التضحية، يمثّل المستباح الشكل الأصلي للحياة في بعدها السيادي، ويحافظ على ذكرى الاستبعاد الأصلي الذي من خلاله تشَّكَل البعد السياسي أوّلَ مرة". لن يكون المستباح في معناه الفلسفي العميق مجرد كائن خارج عن القانون، بل سيكون كائنًا ما بعد قانوني، وما فوق قانوني؛ مجرد شبح نصف أنطولوجي منفٍّيٍ خارج أسوار العقلية التنويرية

والحداثية المتزمتة والمتعصبة لأصلها الكانطي. نحن منجذبون إلى ماركيز دي ساد Marquis de Sade (814–17401)، وفريدريش فيلهيلم نيتشه Friedrich Nietzsche (900–18441)، وإميل

(10) Agamben, Homo Sacer, p. 26. (11) Ibid., p. 83.

سيوران Emil Cioran (995–19111)، ومارسيل بروست Marcel Proust (922–18711)، وفرانس كافكا Franz Kafka (924–18831)، ونيك لاند Nick Land 962(–1)، والكونت لوتريامون

Comte de Lautréamont (1870–1846)،

وجيل دولوز Gilles Deleuze (1995–1925)، وأغامبين، وكل فلاسفة التجاوز والتفكيك؛ لأنهم "يفتحون الجرح" ويكشفون عن أولئك الملعونين والمقصيّين في العوالم النومينالية البعيدة. يشتق

المستباح ذاته ويركّب مكناته ورغباته على نحو هامشي ومعزول، ويقتنع بشكل وجوده، ويدافع عنه، ويسميه بكل الأسماء والصفات الإقصائية: أنا لست منكم، أنا اللاجئ، والسجين السياسي، والفصامي، والزنجي، والأحمق، والإرهابي، والبربري، والغريب، والمسلم، أنا الملعون والمنبوذ والمهدور والمستبعد من "حديقة الحداثة" الأوروبية المُسَوَّرة جيدًا. يؤكد المؤلّف أن فرادة تحليلات أغامبين القانونية وغرابتها تكمن في محاولته المستمرة خلقَ صدوعٍ وشقوق بين الوجود في شكله النقي والفوضوي من ناحية، وأي محاولة لتنظيمه وإخضاعه واعتقاله تحت اسم سلطة ما من ناحية أخرى. إن ما يريده أغامبين، تحديدًا، هو استنبات أشكال وممارسات قانونية جديدة ومختلفة جذريًا، تخلّص القانون من صيغة الأمر والاستعلاء والتفوق، وتعيد صياغته ليصبح مجرد "كلمة لا تُلزم، ولا تأمر

بشيء، ولا تنهى عن أمرٍ، ولكنها تقول نفسها فقط". وإن رغبة أغامبين في تعطيل القانون وإفقاره وإفراغه من حمولاته المقدسة هي، في الوقت ذاته، تعبير عن رغبته الملحّة في نزع الهالة

(12) Giorgio Agamben, State of Exception , Kevin Attell (trans.) (Chicago: Chicago University Press, 2005), p. 88.

الأسطورية عن الحضارة الغربية وإسقاط تعاليها الزائف. يقول المؤلّف وهو يطالع هذا التوجه الثوري لدى أغامبين: "بالنسبة إلى العقل الغربي، إن صعوبة تصور قانون بلا عنف، وكلمة موثوقة لا تأمر، متجذّرة في الأشكال القانونية النموذجية ذاتها، والسرديات التأسيسية ذات الصلة التي شكّلت خياله السياسي والقانوني" (ص. 0)11 عند هذه المسألة تحديدًا، ينفصل تحليل أغامبين القانوني ويفكّ ارتباطه بمن سبقه في التعامل مع تعقيدات العلاقة بين السياسة والقانون. لن نجد لديه أي تفاؤل ساذج بدستور مدني قائم على القوة والحرية والقانون على طريقة كانط، ولن نجد لديه أي نبرة حنين إلى التقليد السياسي المفقود للسلطة على طريقة شميت، ولا أي محاولة للظهور بمظهر فيلسوف الدولة الذي يسعى لتلميع صورة القانون بمعناه الغربي الديمقراطي وصقلها على طريقة يورغن هابرماس، بل إن ما يتوق إليه أغامبين هو نزع الأوشحة والأقنعة المقدسة التي تخفي ماهية القوانين والافتراضات المتعالية التي تلفّه وتحيط به. ثمة ما يشي بثورة أغامبينية عارمة في فلسفة القانون، تستهدف عمق التصورات والمفاهيم القانونية السائدة، وتحاول فتح الممارسة القانونية ذاتها على أفق فلسفي تحرّري، غير قسري، وغير

مُلزم، وغير مرتبط بالمثل العليا والكلمات الكبرى

الزائفة. إن ما يقترحه أغامبين تحديدًا هو فهمٌ فريد

وخاص للخطاب القانوني، حيث تصبح الأشكال الدستورية متحرّرة من آلتها القمعية، ومطهّرة

من معاني العنف والإكراه والسيادة، وكل تلك المنظومات السلطوية التي شوهّت القانون وأبعدته عن مهمته الأصليّة القائمة على تمثيل الحياة

ومحاكاة صيرورتها الهادرة. يذهب المؤلّف، وفق هذا الفهم الأغامبيني الجديد والمختلف كليّا بشأن مسألة القانون، إلى

مساحات وشسَاعات فلسفية مفتوحة على كينونة

شكليّة لا تعبّر إلا عن نفسها؛ عن الوجود وقد

تحوّل إلى مرايا زلقة لا تعكس سوى السطوح

والأشكال والتبدّيات النقية. وتتبنّى الأنطولوجيا في معناها الشكلي الخالص كل الأشكال الوجودية التي لا يمكن إنتاجها أو اشتقاقها بطريقة قانونية وحتمية. يتعلّق الأمر بالقلب الجذري لنظام الوجود برمّته، ورؤية كل شيء من

خلال منصّة شكليّة محضة تطيح كل التعيّنات،

والافتراضات، والهياكل الصلبة واليقينية: "ليس الممكن هو الذي يتطلب الوجود، بل الوجود هو الذي يتطلب إمكانية خاصة به. إن الأشياء المتفرّدة

في واقعها الوجودي هي نماذج للوجود تطالب بإمكانية وجودها، ببساطة، كأنماط". فبدلًا من نزعة وجودية مصابة بالأرسطية والأفلاطونية المزمنة، وبدلًا من التصور الحداثي القائم على اشتقاق الوجود وجلبه من مفاهيم غريبة، مثل الواجب والالتزام والضرورة، واختزاله في نزعة وظيفية جافة ومستهلكة، يقترح أغامبين ما يسميه "الأنطولوجيا الشكليّة " Modal Ontology،

لخلق نمط وجودي متحرر تصبح الذات عبره على اتصال تاٍّمٍ ومباشر بشكل الحياة التي خلعت عن نفسها كل الدلالات والقيود الفلسفية والأيديولوجية والسياسية والقانونية؛ ضد الوجود في حالة الإنسان المستباح Homo Sacer، وضد كل المعتقلات والمعسكرات والسجون التي احتجزت الحياة وأبعدتها عن شكلها الأصلي، وضد كل الرموز الحضارية والتدوينات الاستبدادية، وضد كل العمارات الأنطولوجية التي فرضت على الذات المهزومة والمتهمة، وما زالت تفرض عليها، أشك لًا مختلفة من النبذ والإقصاء والعزل. يمارس أغامبين نوعًا من التفكير

(13) Ibid., p. 185.

الشكلي لاسترداد العالم بعد أن اعتُقِل و"صُِّفِيَ"

في سجون فلسفية وقانونية معنّدة ومغرقة في القدم. ثم إنه "يسلخ"، عبر شكليّته الأنطولوجية،

كل الجلود والسماكات الزائفة عن "بدن العالم"؛ فيغدو الشكل تقنية لكشف كل الحُجب والقشور والهالات المقدسة التي خلعها القانون والدين والسياسة والفلسفة، وحتى الفن أيضًا، على معنى الحياة وحقيقته الأصلية النقية. من أجل فَهمِ مفهوم الأنطولوجيا الشكليّة

وتشقيقه، يخوض المؤلّف في تحليلات وتفنيدات شاقة ومطوّلة تدور في جوهرها حول المقارنة الدقيقة بين أنطولوجيا الجوهر بمعناها الأرسطي، والأنطولوجيا الشكليّة بمعناها

الأغامبيني. لقد بات من الضروري، بالنسبة إلى أغامبين، "أن نستبدل أنطولوجيا الجوهر بأنطولوجيا الكيف. لم تعُد المشكلة الحاسمة هي 'ما' أنا، بل 'كيف' ما أنا عليه". ومن أجل تجاوز التباين الأنطولوجي الذي سيطر على التصور الغربي للوجود، يخترع نمطًا وجوديًا شكليًا

لا يستلزم المرور من الإمكانية إلى الفعل، بل يحدث على أرضية تكون فيها الإمكانية والفعل، والشكل والجوهر، متأصّلة ومتداخلة ومتماهية فيما بينها على نحو تام ومطلق يتيح لشكل الحياة أن يشكّل نفسه وفق تدفقات وتمريرات وانسيابات وإسرافات فوضوية بحتة. إن النزعة الوظيفية التي أفرزتها أنطولوجيا الجوهر هي القانون الذي "يجعل الفرد يتصرف بطريقة متسقة؛ كعاهرة إذا كانت عاهرة، وكوغد إذا كان وغدًا، ولكن أيضًا كقنصل إذا كان قنصلًا وكأسقف إذا

(14) Giorgio Agamben & Stephanie Wakefield, "What is a Destituent Power?" Sage Journals , vol. 32, no. 1 (2014), accessed on 25/7/2024, at: https://doi.org/10.1068/d3201tra

كان المرء أسقفًا". كونوا أجسادكم. على غرار هذه الصرخة الدولوزية يصرخ أغامبين: كونوا أشكال حياتكم. إنّ الوجود "لا يوجد لينسجم مع الأنساق، ولكنه يتشكّل في كونه تعديلًا، فالوجود ليس أكثر من إمكانية تعديله". ومثلما لا يخفي قناع بولسينيلا  Pulcinella’s Maskولا يعكس أي شيء سوى صوره وتحّولّاته وأشكاله الهجينة

ولا تعُّيُنِه الجنسي وفوضاه الغامضة، لا تعتمد

الأنطولوجيا الشكليّة، ولا تتبنّى أيضًا، أي سبب

منطقي أو مبدأ أخلاقي أو جوهر متعالٍيسبق الوجود ويحدده ويستخدمه؛ الوجود وقد تحرر من كل الصور التي نريد خلعها عليه، الوجود في حالته الصفرية المطلقة. هنا حيث لم يعد للوجود

من داعٍسوى أن ينفتح ويتفتّح ك "زهرة" هايدغر، ولم يعد في إمكانه سوى أن "يستخدم نفسه، ويشكّل ذاته ويعبّر عنها". إن وجود الذات داخل هذا الأفق الأنطولوجي الشكلي، بالنسبة إلى أغامبين وفوسكو، هو تعبير مباشر عن شكل الحياة الذي وضع أغامبين كل فلسفته الوجودية والقانونية واللغوية واللاهوتية من أجل تخليصه وتحريره من الهياكل والتصورات والافتراضات المتعالية. وعلى النقيض من القراءة السطحية التي لا ترى في دعوته إلى تحرير الحياة سوى دعوة إلى الفوضى والعبث، يطلعنا المؤلّف

(15) Giorgio Agamben, Opus Dei: An Archaeology of Duty , Adam Kotsko (trans.) (Stanford: Stanford University Press, 2013), p. 72. (16) Agamben, The Use of Bodies , p. 170.

1((("قناع بولسينيلا": تعبير يُستخدم في الثقافة الإيطالية

للإشارة إلى سرّ معروف للجميع، أي سرّ مكشوف أو غير

محفوظ جيدًا. ويعود أصل هذا المصطلح إلى شخصية

"بولسينيلا" في مسرح الكوميديا ديلارتي الإيطالي، وهي شخصية معروفة بسلوكها المضحك والمراوغ، وغالبًا ما كانت

تعبّر عن أمور يعرفها الجميع رغم أنها تُقَدَّم كما لو كانت سًّرًا.

(18) Ibid., p. 165.

على زاوية نظر جديدة يعيد من خلالها تعريف

الفوضى كمجالِ محايثةٍ مفتوحٍ على الوجود في شكليّته الأصلية. ما من شيء حتمي أو جوهري

أو مطلق أو ثابت داخل الأفق الفوضوي الذي يف تتحه أغامبين، وما من مكان لأيّ كيان مقدس

أو نظام متعالٍعلى الوجود. هنا حيث تنهار كل الأبنية والصروح التي شيّدتها أنطولوجيا الجوهر،

ويصبح الوجود برمته بمنزلة صُوَر وأشكال

وحالات واحتمالات وإمكانيات تتساوى جميعها في كمية التعيّن والتحقق: "لا يمكن أن تكون

الفوضى البتّة في موقع المبدأ". الفوضى، في معناها الأغامبيني العميق، هي تلك الحالة "الكاوسية" التي يتأرجح فيها الوجود بين التحقق واللاتحقق، أو بين التعيّن واللاتعيّن، ضمن

مساحات شكلية بحتة تحاول عبر عشوائيتها وشَططها وفوضويتها المطلقة، تعطيل كل المبادئ

والاسم.

الفلسفية والقانونية المعنّدة وإلغائها، وإفراغها من سلطتها الزائفة التي شملت كل شيء من دون اس ثتناء. البحث عن وجود بلا بوصلة؛ الإقامة في محايثة مطلقة؛ الغرق والاستغراق الفينومينولوجي في الكاوس الشاسع، بلا هوية ولا تعيّن ولا أي

ضرورة تفترضها حيويتنا ومدخراتنا البيولوجية والاجتماعية والثقافية. هي ذي دروس أغامبين في فلسفة الحياة. ففي هذه المنطقة الفوضوية والمحايثة على نحو مطلق، لا وجود لأي تفردات؛ لأنه ليس ثمة ذاتية أصلًا، ولا وجود لأي صفات أو أسماء؛ لأنه ليس ثمة جوهر أصلًا، ولا وجود لأي اختلاف؛ لأنه ليس ثمة هوية أصلًا، وأخيرًا

لا وجود لأي سلطة أو سيادة؛ لأنه ليس ثمة قانون أصلًا. لا تفكّر الأنطولوجيا الشكلية وفق التصور

(19) Ibid., p. 276.

الأغامبيني على أساس الذاتي والشخصي، بل تفكّر في حدث الوجود نفسه بما هو حدث فوضوي ونزق ومتحرر من تعهّد السجون الأنطولوجيّة القمعية. ولا تفكّر بطريقة حضارية

وتقدّمية، بل تجد تحققها المطلق في الحالة البريّة والبربرية التي تستهدف "قلاع الحضارة"

الزائفة وحصونها، تلك القلاع التي شوّهت الحياة

وحجبتها عن معناها الأصلي. وعلى النقيض من وثوقية المفاهيم الفلسفية الكلاسيكية ومعقوليتها وبراغماتيتها التي تعرّف الفوضى بأنها ما يقف في

وجه فرض القانون (كانط)، نلمح في أنطولوجيا

أغامبين الشكليّة بروقًا وإلماعاتٍسبينوزية

ودولوزية تحررية وأصيلة، ف "المحايثة الخالصة حياة، وليست أي شيء آخر". وعلى غرار هذا المطلب الأنطولوجي الراديكالي، ينادي أغامبين بشكل الحياة Form–of–Life، تحديدًا، والشكل

لا بدّ، إذًا، من تحرير فوضى الوجود وإعادة خلق شكل الحياة واختراعه. إن الغاية الأساسية لأنطولوجيا أغامبين الشكليّة تتجسّد في محاولة

إعادة صياغة جذريّة للانشقاق الأنطولوجي

الكلاسيكي بين الجوهر والشكل، والإمكان والفعل. يمتد هذا الفهم الأنطولوجي الفريد إلى المؤسسة القانونية ذاتها، بحيث تصبح الفوضى هي "ما يجب على الحكومة أن تفترضه وتقترحه باعتباره الأصل الذي تُشتق منه، وفي الوقت نفسه، باعتباره الوجهة التي تتجه نحوها". يترتب على هذه الرؤية الفلسفية للقانون

(20) Gilles Deleuze, Pure Immanence Essays on a Life , Anne Boyman (trans.) (New York: Zone Books, 2001), p. 27. (21) Giorgio Agamben , The Kingdom and the Glory: For a Theological Genealogy of Economy and Government (Stanford: Stanford University Press, 2011), p. 64.

ما يسميه أغامبين "الاستخدام المشترك للقانون" بما هو شكل من أشكال المقاومة والرفض لآلية الاستيلاء والملكية التي تمارسها الذات القانونية السلطوية. يبرز هنا مفهوم الاستخدام بوصفه ميكانيزمًا جديدًا، يمنح القانون إهابًا تحررًّيًا يُعيده إلى شرطه الأصلي القائم على الاستخدام العام والمداورة والمداولة على أرضية محايثة؛ فليس ثمة امتيازات ولا ذاتيات ولا أي تحديدات مسبقة على الإطلاق. الاستخدام، كما يعبر عنه أغامبين، هو "طوبولوجيا فريدة، بحيث لا تقف الذات فوق الفعل، ولكنها في حد ذاتها مكان حدوثه". وبقدر ما يحرّر مفهوم الاستخدام القانون من أي

سلطة أو تفوق أو مبدأ توجيهي، يحرّر استخدام

الحياة البعد الوجودي الإنساني من أي هوية أو تعيّن أو هيئة ثابتة ومقننّة. تنكسر عند هذه العتبة

القانونية كل التمفصلات الميتافيزيقية بين الذات والموضوع، وتصبح الفوضى الخالصة هي الشكل المترقّي للوجود. يقول المؤلّف: "أنْ نكون في علاقة استخدام مع أشكال حياتنا يعني أن نشكّل أنفسنا من خلال الأشكال، وليس أن نتشكّل من خلال الشكل" (ص. 90)1 ويقلّب المؤلّف مع أغامبين كل تاريخ الفكر والفلسفة بحثًا عن أفق تحرري يُخرج فيه القانون من شكله الأدائي إلى شكله الاستخدامي، ولكنه لن يجده في كتب الفلاسفة والمفكرين ورجال القانون وتشريعاتهم،

(22) Agamben & Wakefield, "What is a Destituent Power?" p. 68.

(2((ما يعنيه أغامبين بمفهوم الاستخدام هو التنازل الكامل عن العيش وفقًا للقانون، والتخلّي التام عن كل أشكال الملكية

وممارسة نوع من أنواع الفقر Poverty، ما يتيح خلق أرضية قانونية مشاعية ومشتركة، قائمة على الحق في الاستخدام الفعلي للأشياء، وعدم الحق في تملّكها. ويعود أغامبين في الدلالة

على هذه الحالة القانونية المعكوسة إلى تعاليم الفرنسيسكان وآدابها، حيث النص الأساسي للرهبانية الفرنسيسكانية هو "العيش في طاعة، في عفة، ومن دون ملكية".

بل سيجده أخيرًا في بعض التجمعات الرهبانية

الصغيرة، والتعاليم اليهودية، والقوانين الرومانية القديمة، إّلا أن تحققه الكامل والمطلق لم يكن سوى في المجتمعات البدائية والوحشية في شكلها العشائري والقبائلي؛ إذ إن نص القانون الوحيد الذي يؤمن به الجميع – وفقًا للدراسات الاستقصائية التي قام بها الأنثربولوجي بيير كلاستر Pierre Clastres 977–1934(1) – هو أنه "لن يكون لدى أحد أي رغبة في السلطة، ولا أي رغبة في الخضوع". وما دام الوجود قد كان محكومًا بقوى وقوانين ثابتة ومتعالية، فسيكون ثمة زمرة خاصة تسعى

لابتكار حيلٍ، وخلق مساراتٍ للهروب والاختراق والتجاوز. يقول أغامبين: "لقد بدت الفوضى دائمًا بالنسبة إليّ أكثر إثارة للاهتمام من

الديمقراطية". ومن خلال هذا التصريح النادر والمباشر، يحاول المؤلّف أن يضع فلسفة أغامبين السياسية والقانونية ضمن سياق واضح ومحدد. ولكنه يصرّ على أنه لا توجد استراتيجيات أو

سياسات بديلة بالمعنى الحرفي للكلمة لدى أغامبين، بل إن كل ما لديه عبارة عن تكتيكات وتقنيات ونظارات جينالوجية تمنح الذات القدرة على إيجاد طوق النجاة في عالم بات كل ما فيه محكومًا ومقوننًا ومقولبًا على نحو يدعو إلى

(2((على الرغم من الغنى والعمق في المتن الأغامبيني الزاخر بالمفاهيم الفلسفية والسياسية والقانونية، وعلى الرغم من محاولاته الفذّة لكشف التصور العام للحداثة الغربية ومنجزاتها

الحضارية وفضحه، فإن إصراره على العودة الدائمة إلى أمثلة ونماذج أنثروبولوجية ودينية محدودة أثار لدَّيَ كثيرًا من

التساؤلات الفلسفية حول هذه المرجعية التي أقُّلُ ما يقال فيها

إنها ذات طابع رجعي وقهقري، وغير منسجم مع تطلّعات

التوجّه الفلسفي المعاصر في حقل السياسة والقانون.

(25) Giorgio Agamben , Creation and Anarchy: The Work of Art and the Religion of Capitalism, Adam Kotsko (trans.) (Stanford: Stanford University Press, 2019), p. 48.

اليأس والاسّتسلام. وما يريد أغامبين قوله، في نهاية المطاف، هو أنّ ثمة عالمًا آخَر ممكنًا

خارج النظام الرأسمالي الشامل والمعنّد، وأنّ ثمة عالمًا حرًا خارج مفاهيم الدولة والسيادة

والقانون الّتي تشوّه شكل حياتنا وتملأ كل شيء

من حولنا. ويرى المؤلّف "أن ما سيأتي بعد ذلّك ليس إعادة تشكيل أساس الوجود، بل مجرد مخرج" (ص (9((؛ فحيّثما توجد كارثة يوجد طريق للهروب. إن شعور الإزعاج والإرباك الذي يمنحه قراءة أغامبين لعمال الفلاسفة الرسميين شرقًا وغربًا يكمن في محاولّته كشف عقود طويلة من الاسّتعلاء الغربي الزائف وفضحها، فالمسار الذي يريد أن يحرف وجهّتنا الوجودية

المراجع

Agamben, Giorgio. Homo Sacer: Sovereign Power and Bare Life. Heller–Roazen

________. Means without End: Notes on Politics. V. Binetti & C. Casarino (trans.).

________. State of Exception. Kevin Attell (trans.). Chicago: Chicago University Press,

________. The Kingdom and the Glory: For a Theological Genealogy of Economy and

________. Opus Dei: An Archaeology of Duty. Adam Kotsko (trans.). Stanford: Stanford

________. The Use of Bodies. Adam Kotsko (trans.). Stanford: Stanford University

________. Creation and Anarchy: The Work of Art and the Religion of Capitalism.

________. The State of Emergency as a Paradigm of Government: Is the "State of Exception" Now the Rule? Kevin Attell (trans.). Chicago: University of Chicago Press,

Agamben, Giorgio & Stephanie Wakefield. "What is a Destituent Power?" Sage

Deleuze, Gilles. Pure Immanence Essays on a Life. Anne Boyman (trans.). New York:

نحوه يقع في منطقة خارج نطاق حضارة الغرب ومنجزاتها الّتاريخية، ويّتناقض معها تناقضًا صارخًا. يمكن القول أخيرًا: إن الحلم الأغامبيني بفقدان السلطة السياسية والقانونية وخسارتها؛ من أجل منح الحياة شكلها، وإعادة الوجود إلى جذره الأنطولوجي المحايثٍ والفوضوي على نحو مطلق، يعني ممارسة مسّتمرة للّتفكيّك والانّتهاك والهتّك والاجّتياز للحضارة الغربية بكل مفاهيمها العلمانية والديمقراطية والّتقدمية. وهنا، يصبح من الممكن أن نرى الحياة وهي على أهبة الولادة والّتشكّل مّثل فجر نهائي لا تحجبه أضواء الحضارة وأنوارها الزائفة.

References

(trans.). Stanford: Stanford University Press, 1998.

Minneapolis: University of Minnesota Press, 2000.

Government. Stanford: Stanford University Press, 2011.

University Press, 2013.

Press, 2016.

Adam Kotsko (trans.). California: Stanford University Press, 2019.

Journals. vol. 32, no. 1 (2014). at: https://doi.org/10.1068/d3201tra

Zone Books, 2001.