العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الدستورية الغربية والدستورية الإسلامية

الدستورية الغربية والدستورية الإسلامية

Western and Islamic Constitutionalism

غوستافو غوزي *

Gustavo Gozzi *

ترجمة حجّاج أبو جبر **

Translated by Hajjaj Abu Jabr **

الملخّص

تهدف هذه الدراسة إلى تطوير المقارنة بين الدستورية الغربية والدستورية الإسلامية. ويشير مصطلح الدستورية في التقليد الغربي إلى تقييد أفعال الحكومة عبر القانون. وقد ظهرت نماذج مختلفة من الدستورية، وأبرزها الدستورية الأميركية والدستورية الفرنسية، ويمكننا فهمها في ضوء مقولتين تأويليتين، على التوالي: الديمقراطية الدستورية، والديمقراطية التشريعية. تبدو التطورات التي مرّت بها الدستورية المعاصرة معقدة أيّما تعقيد؛ لأن الدساتير الراهنة انعكاس للتعددية الثقافية والدينية والاجتماعية والسياسية التي تتسم بها المجتمعات الراهنة. ولذا، فإن مركزية التأويل محتومة، ويصدر تعقدها عن حقيقة مفادها أن الدساتير التعددية تدمج قضايا قانونية وقضايا أخلاقية معًا. أمّا بخصوص الدستورية الإسلامية، فإن بعض المفكرين الإسلاميين يرون أن العلمانية فلسفة معينة، بينما يرون أن الإسلام فلسفة أخرى ذات رؤية خاصة لحياة الإنسان وحقوقه وواجباته. ويبرر هذا المنظور وجاهة التفكير الذي مفاده أن الدستورية يمكن تحقيقها بطريقة مختلفة في مجتمعات مختلفة بحسب تصوراتها للحقوق والواجبات المقبولة والمشتركة.

Abstract

Abstract: This paper develops comparisons between Western and Islamic constitutionalism. In Western tradition, the term constitutionalism points to the limitation of government through law. Different models of constitutionalism, in particular the American and French, can be understood in light of the two interpretive categories of constitutional democracy and legislative democracy , respectively. Developments in contemporary constitutionalism appear very complex, as today’s constitutions are the reflection of the cultural, religious, social and political pluralism of contemporary societies. Therefore, interpretation , the

الكلمات المفتاحية:
  • الدستورية الغربية
  • الديمقراطية الدستورية
  • الدستورية الإسلامية
  • العلمانية
Keywords:
  • Western Constitutionalism
  • Constitutional Democracy
  • Legislative Democracy
  • Islamic Constitutionalism
  • Secularism

complexity of which derives from the fact that pluralistic constitutions merge legal issues and moral issues together, becomes central. With regard to Islamic constitutionalism, some Islamic thinkers consider secularism to be one type of philosophy while Islam another type, which has its own vision of human life, rights and duties. From this perspective it follows that it is reasonable to believe that constitutionalism can be achieved differently in different societies depending on the conceptions of rights and duties that are accepted and shared.

أولا: الدستورية القديمة والدستورية الحديثة

يشير مصطلح الدستورية Constitutionalism إلى وجود قيود قانونية على أفعال الحكومة؛ إنه يعبر عن فكرة الحكومة المقيّدة عبر القانون. ولذا، فإن استكشاف هذه القيود أو النظر في طرائق وضعها هو سبيلنا إلى تحديد معيار للتمييز بين الدستورية القديمة والدستورية الحديثة. في كتاب الدستورية قديمًا وحديثًا، يتتبع تشارلز هوارد ماكلوين (1968–1871) نقطة التحول التاريخية ويردّها إلى عصر الثورات في أواخر القرن الثامن عشر1. أمّا النطاق الكامل للحدث التاريخي الدستوري الذي أتاحته العملية الثورية، فيمكننا تقديره بالنظر في تحليل الثورة الأميركية كما ساقه توماس بين (1809–1737)، وهو أحد أهم الجهابذة الذين اجتهدوا في تفسير الدستورية الأميركية قائلًا: "إن الدستور شيء سابق للحكومة، والحكومة ليست سوى الخادم المطيع للدستور. فليس دستور البلاد فعل حكومتها، بل فعل الشعب الذي يؤسس الحكومة"2. وكما يتبدى لنا هنا، فإن مفهوم الدستورية، في فكر بين، هو مفهوم السلطة التأسيسية Constituent Power لدى الشعب، الذي يتمتع بالسيادة ويضع المبادئ التي تقيّد أفعال الحكومة. يتعارض هذا التصور مع الدستورية البريطانية، التي تحدد موضع القيود المفروضة على أفعال الحكومة في المبادئ الأساسية المتجسدة في المؤسسات التي قد تشكّلت على مدار تاريخ الشعب الإنكليزي. عبّر عن هذا الفهم للدستور البريطاني، ببراعة، وفي معالمه الأساسية، هنري سانت جون (–1678 1751) ولقبه فيكونت بولينغبروك الأول Viscount Bolingbroke، وهو أحد أنصار حزب التوريز Tories، قائلًا: "نعني بالدستور، متى تحرّينا الدقة والصواب، جملةَ القوانين والمؤسسات والتقاليد المستمدة من مبادئ ثابتة للعقل، والموجهة نحو أهداف ثابتة تتصل بالخير العام، والتي تشكّل النظام العام، الذي ارتضى المجتمع أن يُحكم بمقتضاه". وهكذا، يقترن الدستور بتقاليد القانون المشترك أو قانون السوابق القضائية Common Law، وعلى هذا الأساس توضع القيود على أفعال الحكومة. واقع

  1. Charles Howard McIlwain, Constitutionalism: Ancient and Modern (Ithaca , NY: Great Seal Books, 1958 [1940]).
  2. Thomas Paine, Rights of Man, Common Sense, and Other Political Writings (New York: The Liberal Arts Press, 1953), p. 87.

الأمر أن بولينغبروك يوضح كلامه قائلًا: "في جملة واحدة، وحتى ننتهي بقضيتنا إلى النقطة الفاصلة، الدستور هو القاعدة التي بموجبها ينبغي لأمرائنا أن يحكمونا على الدوام"3. وكان هناك من انتهى إلى هذا المعنى نفسه، اتساقًا مع هذا التقليد الدستوري، وهو إدموند بيرك (–1729 1797) الذي كان ينتمي إلى حزب الويغز Whigs، وقد تبدى ذلك في الموقف الذي اتخذه في أواخر القرن الثامن عشر ضد الثورة الفرنسية Révolution française (1799–1789)، حينما قال: "إذا كنَت تريد أن تعرف روح دستورنا، والسياسة المهيمنة في تلك الحقبة التي صانت هذه الروح إلى يومنا هذا، أطلب منك أن تبحث عنهما في مدوناتنا التاريخية، وفي سجلاتنا، وفي قوانيننا البرلمانية [...]. فكل الإصلاحات التي حققناها من قبل قد سارت على مبدأ احترام العصور القديمة [...]. وأقدم إصلاح لنا هو 'الميثاق العظيم' أو وثيقة ماغنا كارتا Magna Carta الصادرة عام "12154. في التحليل الذي يسوقه ماكلوين، تعكس الرؤيتان المتقابلتان – رؤية توماس بين ورؤية الدستوريين البريطانيين – تمييزًا بين فهمٍ حديث لكلمة "دستور" والتصور التقليدي "الذي كانت تُستعمل فيه تلك الكلمة حصرًا للإشارة إلى المبادئ الأساسية المستمدة من المؤسسات الفعلية وتطوراتها لدى أمة معينة"5. ومن ثمّ، فإن الدستور، وفقًا للتصور الحديث، يأتي إلى الوجود في لحظة إرساء سلطة تأسيسية بوصفها الأساس الذي يقوم عليه الدستور نفسه. أمّا الدستورية القديمة فتقرن الدستور بالمبادئ المرجعية الثابتة التي يمكن أن ينظر إليها شعب معيّن بوصفها جزءًا من التقليد التاريخي الذي ينتمي إليه. واقع الأمر أن الدستورية الحديثة تقدّمت في مسار مزدوج: البناء على تجربة الثورة الأميركية والثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر، وترسيخ البرلمانية الدستورية التي نتجت من الحروب الأهلية البريطانية والثورة المجيدة Glorious Revolution في القرن السابع عشر. ويمكننا النظر إلى الصراع الدستوري في إنكلترا القرن السابع عشر في ضوء التمييز القديم بين دفة السفينة Gubernaculum (الحكومة) والقضاء Jurisdictio (القانون)، وهو تمييز استعاده ماكلوين من الفقيه القانوني الإنكليزي في القرن الثالث عشر هنري دو براكتون Henry de Bracton –1216(1268. فكانت دفة السفينة (الحكومة) تشير إلى السلطة التقديرية المؤكدة التي يتمتع بها السيادي،)6في حين أن القضاء (القانون) كان يشير إلى التزام السيادي بأن يتصرف في حدود عالم التقاليد؛ أي الالتزام بمبادئ القانون المشترك أو قانون السوابق القضائية. ومن ثمّ، فإن الصراع الدستوري كان يتمثل

  1. Henry Saint John, 1st Viscount Bolingbroke, Letter X (1735), in: "Dissertation upon Parties, to the Right Honorable Sir Robert Walpole," in: The Works of the Late Right Honorable Henry St. John, Lord Viscount Bolingbroke , vol. 2 (London: The Year MDCCLIV, 1754), p. 130.
  2. Edmund Burke, Reflections on the Revolution in France (New Haven, CT: Yale University Press, 2003 [1790]), p. 27.
  3. McIlwain, p. 3.
  4. Ibid., p. 84.

في النزاع بين من كانوا يرون الحاجة إلى فرض حدود على سلطة السيادي ومن كانوا يتخذون الموقف المضاد، رافضين أي حدود لم تكن مفروضة من قبل قط. انتهى الصراع بثورة 1689 المجيدة التي أرست السيادة البرلمانية، وقيّدت سلطات الملَكية بنظام يعمل فيه الملك والبرلمان بوصفهما سِياديين مشاركين. وهكذا، بدأت الدستورية الحديثة في إنكلترا، وكانت أبرز سمة لها، كما حدّدها ماكلوين، هي استحداث فكرة مفادها أن الملك مسؤول "أمام القانون وأمام الناس" في تنفيذ أنشطة الحكومة. كانت هذه المسؤولية بموجب القانون تعني أن الأفعال الرسمية التي يقوم بها الملك لم تعد "خارج التدقيق القانوني الذي تمارسه المحاكم أو خارج السيطرة السياسية التي يتمتع بها نواب الشعب في البرلمان"7، وقد غدت هذه الفكرة واقعًا بصدور قانون التسوية Act of Settlement عام 1701، وأفضى ذلك الواقع إلى استقلال السلطة القضائية عن الملك، وتمتع البرلمان بالقدرة على ممارسة "سيطرة سياسية إيجابية على الحكومة"، بما يضمن "الحق الفردي ضد الإرادة الحكومية"8. وهكذا تَشكّل على مدار التاريخ الدستوري الإنكليزي جانبان أساسيان للدستورية الحديثة: "القيود القانونية على السلطة التعسفية، والمسؤولية السياسية الكاملة التي تلتزم بها الحكومة أمام المحكومين"9. ولم تترسخ الدستورية الحديثة على أكمل وجه إلا في نهاية القرن الثامن عشر، حينما أصبح الدستور يعني فعل الشعب الذي يضع القيود على أفعال الحكومة وعلى الطريقة التي يجب أن تكون عليها تلك الأفعال.

ثانيًا: نماذج دستورية

الدستورية التي أتت إلى الوجود في إنكلترا القرن السابع عشر رسّخت مبدأ الحكومة المقَّيَدة أو الحكومة ذات الصلاحيات المحدودة Limited Government؛ بمعنى حكومة القوانين، وليس حكومة الأشخاص. أمّا الدستورية التي انبثقت في أواخر القرن الثامن عشر مع الثورة الأميركية والثورة الفرنسية، فقد أقرّت مركزية السلطة التأسيسية بوصفها أساس السلطات المؤَّسَسة Constituted Powers، لكنّ هذه الدستورية أفضت إلى نموذجين مختلفين في هذين السياقين الدستوريين والتاريخيين. كان الغرض من الدستورية الأميركية أن تنص على ضمانات من أجل حماية مجتمع مدني قائم بالفعل. أمّا في فرنسا، فكان الغرض من الدستورية الفرنسية أن تأتي بمجتمع جديد يحلّ محلّ الواقع الدستوري للنظام القديم Ancien Régime. فقدّمت الدستورية الفرنسية برنامج ثورةٍ اجتماعية، وكانت السلطة التشريعية هي التي ستضطلع بدور مركزي في رسم الخطوط العريضة لهذا البرنامج، اتساقًا مع المبدأ المنصوص عليه في المادة السادسة من إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي الصادر عام 1789:

. La Loi est l’expression de la volonté générale القانون هو التعبير عن الإرادة العامة""

  1. Ibid., p. 124.
  2. Ibid., p. 126.
  3. Ibid., p. 146.

في التجربة الأميركية، طالب المجتمع المدني القائم بالفعل أن تخضع السلطة الحكومية لمجموعة من القيود المحددة بوضوح، اتساقًا إلى حد بعيد مع الأفكار الواردة في كتاب توماس بين عن الحس المشترك)1776(10. فكان المجتمع المدني ينظر إلى دستور الولايات المتحدة الأميركية الصادر عام 1787، وإلى وثيقة الحقوق Bill of Rights الصادرة عام 1791، على أنهما  طريقة لتقييد سلطة الحكومة عبر مجموعة من الحقوق المحمية والمنصوص عليها في الدستور نفسه. وقد رسّخت هذه الطريقة مبدأ السيادة الدستورية Constitutional Sovereignty، أي: فكرة الدستور بوصفه القانون الأعلى للبلاد Supreme Law of the Land (المادة السادسة، البند الثاني)11. وهكذا يمكننا أن نحدد الاختلاف بين هذين النموذجين الدستوريين على النحو التالي: في حين كان يُنظر إلى الدستور في التجربة الأميركية على أنه عقد Contract، كان يُنظر إليه في التجربة الفرنسية على أنه تشريع قانوني للنظام الأساسي Statutory Enactment؛ أي سنّ مجموعة من القواعد الأساسية12. فكان أساس العقد الدستوري في الولايات المتحدة ينطوي على عقد اجتماعي لاتفاق واسع بشأن مجموعة من المبادئ الأخلاقية المشتركة على نطاق واسع، والتي بموجبها كان العقد الدستوري نفسه يحكم ممارسة السلطة السياسية. أمّا في فرنسا، فإن وحدة سياسية قائمة مسبقًا – الأمة أو الشعب – هي التي قامت بدور الأساس الدستوري، وأوجدت الدساتير التي صدرت تباعًا في أثناء العقد الثوري (1799–1789)، وأرست تلك الدساتير بدورها الإطار التنظيمي الذي تعمل فيه الهيئات السياسية. في الواقع الفرنسي، أُسند إلى السلطة التشريعية الدور الثوري المتمثل في إعلان حقوق الإنسان الطبيعية التي أنكرها النظام القديم. كان هذا الدور المركزي للسلطة التشريعية يعني أن الحقوق سيتم ضمانها، ليس عبر الدستور كما كان في حالة النظام الأميركي، بل عبر القانون13؛ وكان هذا الضمان إشكالًّيًا، لأنه كان قائمًا على حكم الأغلبية Majority Rule.

ثالثًا: الدستورية والديمقراطية وحماية الحقوق

يمكننا فهم الدستورية الأميركية والدستورية الفرنسية في ضوء مقولتين تأويليتين، على التوالي: الديمقراطية الدستورية والديمقراطية التشريعية14. في الديمقراطية الدستورية، يفضي عُلوّ الدستور

  1. كانت رؤية توماس بين تتمثل في تقييد الحكومة بغاياتها عبر الغرض الذي تشكلت من أجله. وفي هذا يقول: "هنا يكمن أصل الحكومة ونشأتها، أي ذلك النموذج الذي اقتضاه عجز الفضيلة الأخلاقية عن حكم العالم؛ وهنا يكمن أيضًا غرض الحكومة وغايتها، أي الحرية والأمن". ينظر: Paine, p. 6.
  2. Maurizio Fioravanti, Appunti di storia delle costituzioni moderne (Turin: Giappichelli, 1991), p. 74.
  3. Mario Dogliani, Introduzione al diritto costituzionale (Bologna: Il Mulino, 1994), p. 200.
  4. لقد أوضح هذه المسألة جان جاك روسو (1778–1712) وذلك في وقت مبكر في كتابه العقد الاجتماعي، قائلًا: "جميع الحقوق يحددها القانون" في المجتمع المدني. ينظر: Jean–Jacques Rousseau, The Social Contract , Christopher Betts (trans.) (Oxford: Oxford University Press, 1994 [1762]), p. 73.
  5. في هذا الصدد، ينظر: Giorgio Bongiovanni & Gustavo Gozzi, "Democrazia," in: Augusto Barbera & Gianfrancesco Zanetti (eds.), Le basi filosofiche del costituzionalismo: Lineamenti di filosofia del diritto costituzionale (Rome/ Bari: Laterza, 1997), p. 215.

على التشريع إلى نظام من الضمانات، وهذا النظام يُعهد به في نهاية المطاف إلى الدور الحاسم الذي تقوم به المحكمة العليا، وذلك بفضل سلطة المراجعة القضائية التي تتمتع بها. هذا المبدأ الذي يؤكد سلطة المراجعة القضائية عَّبَر عنه أول مرة بالكلمات ألكسندر هاملتون (1804–1757) في عام 1788 في العدد 78 من مجلة الفدرالي15، وبعد خمس سنوات غدا هذا المبدأ واقعًا بفضل رئيس المحكمة العليا جون مارشال John Marshall (1835–1755) في عام 1803، وذلك في إحدى حيثيات حكمه في القضية الشهيرة ماربوري ضد ماديسون Marbury v. Madison16، ومنذ ذلك الحين أصبح مبدأ المراجعة القضائية سابقة فعلية17. أمّا في فرنسا، فإن أولية السلطة التشريعية استبعدت أيّ إمكانية للدفاع عن مبدأ المراجعة القضائية للقوانين. وهذا الأمر تؤكده الحقيقة التاريخية التي مفادها عدم تحقق أي شيء من مشروع هيئة المحَّلَفين الدستورية Jury constitutionnaire، وهو المشروع الذي اقترحه إيمانويل جوزيف سياس Emmanuel–Joseph Sieyès (1836–1748) أول مرة عام.1795 لدينا، إذًا، معيار رئيس لتأويل نموذجَي الدستورية، وذلك في ضوء الاختلاف بين هاتين الطريقتين في تأطير العلاقة بين الدستور والسلطة التشريعية. ويشير الاختلاف نفسه أيضًا إلى طريقتين مختلفتين في ضمان الحقوق وإلى تصورَين مختلفَين للحقوق. خلاصة القول، في حين نتج النموذج الأميركي للديمقراطية الدستورية من تقليد ليبرالي يسير على نهج جون لوك John Locke (1704–1632) ويضع الحقوق فوق سلطة الدولة، فإن النموذج الفرنسي يؤسس الحقوق على سلطة التشريع، مما ينذر بتعارضٍ خطير في الديمقراطيات المعاصرة، بين عالمية حقوق الإنسان ومبدأ الأغلبية المتجسد في القانون. وفي ضوء التحليل السابق، يمكننا أن نعِّرِف الدستور بأنه جملة القوانين الحاكمة للعلاقات بين أصحاب السلطة السياسية وحقوق الخاضعين لتلك السلطة، ويمكننا أن نعِّرِف الدستورية بأنها الطريقة التي نسعى بها لفهم الدستور.

  1. عَّبَر ألكسندر هاملتون عن مبدأ المراجعة القضائية قائلًا: "أفهم بعبارة 'دستور محدد' Limited Constitution أنه ذلك الدستور الذي يشتمل على قيود محددة ومقررة على السلطة التشريعية، مثل، عدم تمرير قوانين التجريم بلا إجراءات قضائية Bills of attainder، وعدم إقرار قوانين بأثر رجعي Ex post facto laws. والحق أن قيودًا من هذا النوع لا يمكن الحفاظ عليها في الممارسة إلا من خلال محاكم العدل Courts of justice، فهي المنوطة بالتأكيد على أن جميع الأفعال التي تناقض غاية الدستور باطلة. ومن دون هذا الدور، فإن كل أوجه الحرص على حقوق أو امتيازات معينة ستغدو عديمة القيمة". ينظر: Alexander Hamilton, "A View of the Constitution of the Judicial Department in Relation to the Tenure of Good Behavior, May 28, 1788," Federalist , no. 78, in: Alexander Hamilton, James Madison & John Jay (eds.), The Federalist Papers (New York: Open Road Integrated Media, 2022), p. 346.
  2. قضية ماربوري ضد ماديسون هي قضية شهيرة في القانون الأميركي، نظرت فيها المحكمة العليا للولايات المتحدة في عام 1803. كانت هذه القضية أساسية، لأنها أرست مبدأ المراجعة القضائية الذي يعطي المحكمة العليا السلطة لفحص دستورية القوانين والإجراءات الحكومية.
  3. الجمل التالية جزء من الحيثية المشار إليها في هذا السياق: "من المؤكد أن جميع من وضعوا أطر الدساتير المكتوبة يتصورونها بوصفها تشكّل قانون الأمة الأساسي والأعلى، ومن ثمّ، فإنه من المؤكد أن نظرية جميع الحكومات ستقول ببطلان أيّ قانون تشريعي يتعارض مع الدستور". ينظر: "Marbury v. Madison," 5 U.S. (1 Cranch) 137, 177 (1803), acsessed on 15/7/2024, at: https://acr.ps/1L9zP9l

على مدار القرن التاسع عشر، تراجع تدريجًّيًا فهم الدستور بوصفه نتاج السلطة التأسيسية للشعب، ليحلّ محلّه فهم الدستور بوصفه نماء التاريخ والواقع لدى أمّة معيّنة. وهكذا ترسّخ نموذجٌ يقرن التاريخانية Historicism بالَّدَولانية القانونية Legal Statism، وذلك بالنظر إلى القانون بوصفه جملة المعايير التي تتطور تاريخًّيًا في وعي الأمة، ثم تجد صيغة قانونية في تشريع النظام الأساسي للدولة؛ أي في قانون الدولة Law of the State. ففي حين أن الحقوق في الولايات المتحدة نصّ عليها الدستور، خاصةً في وثيقة الحقوق الصادرة عام 1791 والتي تتضمن أول عشرة تعديلات دستورية، فإن الحقوق في أوروبا القارية وجدت أساسها في القانون التشريعي Statutory Law. وعلى مدار القرن التاسع عشر، شهدت أوروبا ترسيخ ما يسمى "دولة القانون" Rechtsstaat؛ أي الدولة في حدود القانون، الدولة بوصفها كيانًا خاضعًا لحكم القانون. فكانت هذه الدولة نموذجًا أوروبًّيًا. رفض هذا المذهب فكرة الحقوق الطبيعية Natural Rights، وأيّد فكرة الحقوق من منطلق أنها تمتلك أساسها الحصري في القانون الوضعي. يؤكد هذا المذهب أن القانون تعبير عن الإرادة العامة General Will؛ أي إرادة أغلبية الأمة، ومن ثمّ يمكن القانون أن يغِّيِر الدستور. وفي هذا التصور للدولة، تنتمي السلطة التشريعية مجتمعةً إلى كل من السيادي والتمثيل الشعبي18، مما عزز إرساء سلطة سياسية مقَّيَدة ومنع أيّ تعسف محتمل. وبذلك قيّدت الدولة نفسها عبر القانون، وليس عبر الدستور.

رابعًا: عصر الديمقراطية ومستقبل الدساتير: دساتير التعددية

في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، اضمحل نموذج دولة القانون – نموذج الدولة الليبرالية – أمام صعود الأحزاب الشعبية التي استطاعت أن تحتكم إلى مجموعة من القيم التي لم تعد متوافقة مع قيم الطبقة الحاكمة19. كانت تلك الحقبة الزمنية هي عصر الديمقراطية، وفيها لم تعد السلطة التشريعية ممثلة قانون الأمة، بل أصبحت تعبيرًا عن مجموعة من الأحزاب والطبقات وجماعات المصالح. واستلزم هذا التحول إعادة تأكيد عُلوّ الدستور بوصفه أداة يمكن بها تقييد الاستعمال التقديري للسلطة، بل تقييد الاستعمال التعسفي المحتمل للسلطة من جانب هيئات تشريعية مدينة بالفضل للرياح المتغيرة التي يتسم بها مزاج الأغلبية. في حقيقة الأمر، على إثر الحرب العالمية الأولى، أثارت السلطةُ البرلمانية غير المُراقَبة مخاوفَ بشأن هذا الاحتمال؛ أي انتهاك الأغلبيات للدستور. لكنّ إنشاء حواجز الحماية اللازمة للحيلولة دون ذلك لم يتحقق إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك حينما أنشأت ألمانيا، على سبيل المثال، نظام

  1. Otto von Bähr, Der Rechtsstaat (Kassel/ Göttingen: Wigand, 1864), p. 13 (1(ينظر:(
  2. من المهم هنا الاطلاع على المرجع التالي: Santi Romano, Lo Stato moderno e la sua crisi (Milan: Giuffrè, 1969 [1909]).

المراجعة القضائية Richterliches Prüfungsrecht بوصفها سلطة مخَّوَلة حصرًا للمحكمة الدستورية الفدرالية Bundesverfassungsgericht. وهذا التحول هو الذي يحدد أولية الدستور على السلطة التشريعية، ويمثّل الإطار الأساس للديمقراطية الدستورية الراهنة، وهو تحوّل في النموذج السائد Paradigm Shift، ويمكننا توضيحه بالعودة إلى نشأته في التجربة الألمانية. اتسمت الديمقراطية الناشئة في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية بأنها أعلت المحكمة الدستورية الفدرالية إلى مرتبة "حامية الدستور" der Hüter der Verfassung، فجعلتها هيئة دستورية في عملية تشكيل الإرادة السياسية. ومع تطور نظام العدالة الدستورية بهذا المفهوم، أصبح من الممكن ضمان الاقتران الدائم لكل من القانونية Legality والشرعية Legitimacy، ومن ثمّ انعدام احتمالية ظهور أي تعارض بينهما20. أصبح الدستور نفسه في الديمقراطية الدستورية الألمانية مفهومًا بطريقة مختلفة عما كان عليه الأمر في إطار دولة القانون؛ أي نموذج الدولة في حدود القانون (الدولة الخاضعة لحكم القانون)؛ فتلاشى فهم الدستور بوصفه نتاج التطور التاريخي للأمة، وأصبح يُنظر إليه على أنه "الوضعنة القانونية Legal Positivizing للقيم الأساسية التي تنتظم حولها حياة المجتمع"21. وتتألف هذه القيم من مبادئ العدالة التي تعزز الحقوق الأساسية، والتي تمثل حمايتها الفعالة شرطًا ضرورًّيًا للحرية التي يتمتع بها كل فرد22. يكمن جوهر الديمقراطية الدستورية في دسترة الحقوق الأساسية وفي أولية الدستور على القانون التشريعي. ويرى ديتر غريم، وهو خبير دستوري ألماني مهم، أن الشكل الديمقراطي الدستوري للحكومة هو أحد أشكال الدولة، وأنه يتألف من مستويين من قانونية صنع القرار: فهناك القانونية التأسيسية Constituent Legality للمبادئ المنصوص عليها في الدستور الذي جرى سنّه ديمقراطًّيًا، وهناك قانونية الَّسَن التشريعي. وترتكز القانونية التأسيسية على إجماع أوسع من إجماع الَّسَن التشريعي، حيث تُتّخذ القرارات بتصويت الأغلبية، ومن ثمّ يمكن اتخاذها بما لا يزيد على أغلبية ضئيلة. وعندما يتعارض هذان المستويان من عملية صنع القرار، فلا يمكن حل التعارض إلا بالعودة إلى المحكمة الدستورية. ويستنتج ديتر غريم أن هذه القانونية ذات المستويين Zweistufige Legalität "ترادف الدستور نفسه"23. ففي حين أن أولية الدستور على سلطات الدولة مدمجة في صميم البنية التي تقوم عليها قانونية الديمقراطية الدستورية ذات المستويين، فإن القرار التأسيسي الذي بموجبه تُحفظ الحقوق الأساسية

  1. Gerhard Leibholz, "Demokratie und Rechtsstaat," in: Schriftenreihe der Landeszentrale für Heimatdienst in Niedersachsen (Allemagne: Bad Gandersheim, 1957), p. 11.
  2. Ernst–Wolfgang Böckenförde, "Entstehung und Wandel des Rechtsstaatsbegriffs," in: Staat, Gesellschaft, Freiheit (Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1976), p. 81.
  3. Ibid., p. 79.
  4. Dieter Grimm, "Reformalisierung des Rechtsstaats als Demokratiepostulat?" Juristische Schulung , vol. 30, no. 10 (1980), p. 706.

في الدستور يتم فصله عن تقديرات السلطة التشريعية. وبهذا المعنى، تُعدّ دساتير الديمقراطيات الراهنة دساتير حقوق محمية (دساتير ضمان الحقوق). لكنها بهذا الوضع تُعدّ أيضًا دساتير مفهومة بوصفها مبادئ إرشادية؛ إنها المعيار الأساس الذي يتعيّن على السلطات العامة أن تسترشد بمبادئه في الحفاظ على الدستور نفسه، ومن الممكن أن تشتمل على مبدأ مساواة جوهرية يمكن تحقيقه بحماية مجموعة من الحقوق الاجتماعية24. بيد أن قصة الدستورية المعاصرة أكثر تعقيدًا من ذلك؛ لأن الدساتير التي انبثقت من هذه العملية قد صيغت على خلفية تتسم بالتعددية، مما تطلّب تسوية انضمام من جميع الأطراف (أي إجماع الأطراف كافة) على الرغم من نطاق مواقفهم المختلفة25. وبهذا المعنى، يمكن وصف هذه الدساتير بأنها

دساتير تعددية Pluralistic Constitutions أو دساتير التعددية Constitutions of Pluralism؛ أي

دساتير تعكس تعدد الأيديولوجيات السياسية. فعلى سبيل المثال، يمتزج في الدستور الإيطالي الصادر عام 1947 خليطٌ من الأيديولوجيات الاشتراكية والليبرالية والكاثوليكية، مجسدًا التسوية التي اتسمت بها دساتير ما بعد الحرب العالمية الثانية. وتشتمل الدساتير المعاصرة التعددية على مبادئ تعبّر عن التقاليد والأفكار الموجودة وراء كل نظام دستوري. والغرض من هذه المبادئ أن تكون "عالمية، ومتجاورة، ومعبّرة عن المطالب المختلفة التي عززت بها الأطراف المختلفة ذلك العقد الدستوري، لكنها غير معززة بأي قاعدة من قواعد التوافق التي يمكن على أساسها حل التصادمات بين المبادئ أو إحداث توازن بينها"26. نستشف من ذلك الواقع التاريخي أن جوهر ممارسة الدستورية المعاصرة هو فعل التأويل، وهو فعل يفضي إلى "استحضار الماضي الدستوري – الذي يُنظر إليه بوصفه مصدرًا للقيم التي يجب الحفاظ عليها – وربطه بمستقبل يثير مشكلة يجب حلها بالاتصال مع ذلك الماضي"27. بيد أن فعل التأويل معقد، وينتج هذا التعقيد من مسألة التعددية التي من المفترض أن يحلها، خاصةً أن الدستور التعددي تندمج فيه العناصر القانونية مع العناصر الأخلاقية. وهذا يعني بدوره أن صحة أي قانون – أي دستوريته، ومطابقته للمبادئ القانونية الواردة في الدستور – إنما تعتمد إلى حد بعيد على كيفية فهم مسائل أخلاقية معينة ومحاولة حلها، كما هو الحال عند تقييم مدى توافق قانون معيّن مع المساواة بين جميع البشر28. يتناول روبرت ألكسي – أحد فلاسفة القانون الألمان – مسألة العلاقة بين القانون والأخلاق في الدستورية المعاصرة، من منظور يسعى لفهم التيارات في النظم القانونية الراهنة. وهو يرى أن اشتمال

  1. Fioravanti, pp. 142–147.
  2. Gustavo Zagrebelsky, "Storia e costituzione," in: Gustavo Zagrebelsky, Pier Paolo Portinaro & Jorg Luther (eds.), Il futuro della costituzione (Turin: Einaudi, 1996), p. 77.
  3. Ibid., p. 78
  4. Ibid., p. 81.
  5. Ronald Dworkin, Taking Rights Seriously (London: Duckworth, 1977), p. 185 (2(ينظر:(

نظام قانوني معين على مبادئ معينة29 يعني بالضرورة وجود صلة بين القانون والأخلاق30. ويعني ذلك أن اشتمال النظام الدستوري على تلك المبادئ المعينة يوسّع وظيفة القاضي الذي لن يكون بعد الآن مجرد منِّفِذ للقانون، بل سيمارس دوره في موازنة المبادئ التي يقوم عليها القانون. فالمبادئ هي الوسيلة التي يجري بها تأكيد الدور العادل للقاضي في حماية الحقوق الأساسية. ونستشف من ذلك أيضًا أن تلك الدستورية المعاصرة، كما في تأويل ألكسي، يمكن وصفها بأنها محاولة لإحداث توازن بين إرادة الأغلبية كما تعِّبِر عنها السلطة التشريعية وعملية اتخاذ القرار القضائي الموجّه نحو حماية الحقوق الفردية31.

خامسًا: تغيّر في وظائف الدستور

عندما يتأمل مؤلفون آخرون في مستقبل الدستور، فإنهم يسلطون الضوء على الضعف المتفاقم الذي يعتريه؛ لأنه يفقد القدرة على الفعل بوصفه مقياسًا يمكن في ضوئه ضبط السياسة بتسوية النزاعات التي لا يمكن العملية السياسية أن تجد أيّ إجماع عليها32. لقد عُهد إلى الدستور وظيفة ضمان الحريات الفردية في عصر دولة القانون (الدولة التي يحكمها القانون). وفي ظل ذلك النموذج، كانت السلطة العامة التي يحكمها الدستور سلطة وحدوية Unitary Power. ومع ظهور الديمقراطيات في القرن العشرين، وجدت الدولة نفسها مضطرة إلى الاضطلاع بأدوار جديدة، خاصةً الأدوار المرتبطة بتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان. وكان ذلك يعنى على المستوى الدستوري كتابة الحقوق الاجتماعية في الدستور، كما ورد في دستور فايمار عام 1919 (المادة 157 وما بعدها). وفي الوقت نفسه، ظهرت جماعات فاعلة جديدة، وكانت في الأساس جماعات مصالح، ومع أنها لم تكن من أركان الدولة – محل اهتمام الدستور – فإنها أثّرت في عملية صنع القرار في الدولة. لقد وُضعت الدساتير الحديثة على افتراض التمييز بين الدولة والمجتمع، لكنّ هذا التمييز تلاشى فيما بعد. فأصبح المجتمع والجماعات الاجتماعية جزءًا لا يتجزأ من السلطة العامة، ولم يعد من

  1. يرى روبرت ألكسي أن المبادئ تنتمي إلى أخلاقيات الواجب Deontological Sphere of Duty، وأن القيم تنتمي إلى مجال الخير في فلسفة القيم Axioliogical sphere of good. لكنه بهذا الوصف يساوي بينهما، مؤكدًا بذلك أن المبادئ والقيم شيء واحد، وأن نظرية معيّنة في القيم يمكن إعادة صياغتها بوصفها نظرية في المبادئ. ينظر: Robert Alexy, Theorie der Grundrechte (Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1986), pp. 125, 510; وقد تُرجم إلى اللغة الإنكليزية بعنوان: Robert Alexy, A Theory of Constitutional Rights , Julian Rivers (trans.) (Oxford: Oxford University Press, 2002).
  2. في هذا الصدد، ينظر إعادة بناء فكر روبرت ألكسي في المرجع التالي: Giorgio Bongiovanni, "R. Alexy e il costituzionalismo," in: Francesco Belvisi et al. (eds.), La filosofia del diritto costituzionale e i problemi del liberalismo contemporaneo (Bologna: Clueb, 1998), p. 37.
  3. Ibid., p. 46.
  4. Dieter Grimm, Il futuro della costituzione (Italy: Einaudi, 1997), p. 129.

الممكن التمسك بالتدخل في صنع القرار على أساس دستور يهتم حصرًا بسلطات الدولة33. وهكذا، فقد الدستور وظيفته التماسكية بصفته أداة للاندماج الاجتماعي والسياسي34. وأمام هذه التحولات العميقة للدولة والمجتمع، أيتأسس تصور مختلف للدستور، أم سيُختزل الدستور إلى نظام جزئي غير قادر على استيعاب الكُلية التي تتألف منها مجالات نشاط الدولة؟35

سادسًا: الدستورية والديمقراطية والحقوق

تزامنت التحولات التي شهدتها الدستورية المعاصرة مع الفهم المتغير للحقوق في تجربة الديمقراطيات الراهنة. ويمكننا القول إن الحقوق في العصر الحديث قد مرّت بثلاث مراحل في ضوء الأساس الذي:فُهم أن تلك الحقوق ترتكز عليه 1. تصور طبيعاني – عقلاني للحقوق في القرنين السابع عشر والثامن عشر، 2. تصور وضعي وقانوني للحقوق في القرن التاسع عشر، 3. تصور دستوري للحقوق في القرن العشرين. في المرحلة الأولى، ساد فهمٌ مفاده أن أساس الحقوق هو القانون الطبيعي، وأن هذا القانون الطبيعي مستمد من العقل. وفي المرحلة الثانية، استُبدل هذا القانون الطبيعي ليحل محله قانون الدولة الوضعي. وفي المرحلة الثالثة، استُبدل هذا الأساس القانوني الوضعي ليحل محله الدستور الديمقراطي، الذي يُنظر إليه على أنه أساس أكثر صلابة وصونًا للحقوق من الأساس التشريعي، ما إن تبدت احتمالية تعرّض الأساس التشريعي للتغيير بحسب المزاج المتغير لدى الأغلبية التشريعية البارزة. يمثل دستور فايمار لعام 1919 أهمية أساسية لنظرية الديمقراطية والحقوق؛ لأنه ينص على قائمة من الحقوق الاجتماعية إلى جانب الحقوق التقليدية في الحرية. وتُفهم الحقوق الاجتماعية على أنها شرط ضروري لممارسة حقيقية للحقوق التقليدية في الحرية؛ فلم يكن الغرض من الحقوق الاجتماعية الجديدة التعامل مع واقع أفراد منعزلين، بل التعامل مع واقع أفراد منخرطين في أشكال جماعية. وفي هذا الصدد، كان المحامي العُمّالي هوغو سينزهايمر Hugo Sinzheimer (1945–1875) من بين واضعي دستور فايمار، وهو الذي وازن الفهم الفرداني للحقوق المميزة للتقليد الليبرالي بفهم يمكن وصفه بالجماعاني Communitarian قبل ظهور المصطلح، فلا يُنظر إلى الأفراد بوصفهم منعزلين، بل بوصفهم مدمجين في واقع اجتماعي. ويؤكد هذا التصور للقانون الاجتماعي مبدأ التضامن Solidarity في مقابل التصور الليبرالي للحقوق، والذي يُفهم على أنه مجرد ضمان للاستقلال الفردي في مواجهة تدخل الدولة. يتبدى هنا، كما يرى مايكل والزر، "منطق يرمي إلى تقويض نظام الحقوق القائم" Subversive Logic of Rights36، عبر تأكيد عالمية الحقوق. فلا تشير الحقوق الجديدة إلى الحقوق الواردة في إعلانات

  1. Ibid., p. 159.
  2. Günter Frankenberg, "Tocqueville’s Question: The Role of a Constitution in the Process of Integration," Ratio Juris , vol. 13, no. 1 (2000), p. 1.
  3. Grimm, "Il futuro della costituzione," p. 163.
  4. Michael Walzer, "Constitutional Rights and the Shape of Civil Society," in: Robert E. Calvert (ed.), The Constitution of the People: Reflections on Citizens and Civil Society (Lawrence, KS: University Press of Kansas, 1991), p. 117.

أواخر القرن الثامن عشر والموضوعة خصيصًا لخدمة مصالح البرجوازية، بل تشير على نحو متزايد إلى الحقوق التي تطالب بها قطاعات أخرى من المجتمع المدني: الحركة العمالية، والحركة النسائية، والأقليات العرقية والثقافية، وما إلى ذلك. وبهذا يمكن فهم الحقوق بوصفها ضمانة التعددية في مجتمع مدني. ومن ثمّ، يمكننا القول إن دولة القانون في القرن التاسع عشر قد أفسحت الطريق لدولة

الحقوق State of Rights37.

ففي الديمقراطيات التعددية المعاصرة، لم تعد الحقوق حواجز ضد تدخل الحكومة، بل أصبحت أقرب إلى الأساس الذي يمكن أن يقدّم الناس من خلاله مطالبهم عبر المشاركة الفردية والجماعية في حياة الدولة. وبهذا المعنى، يرى يورغن هابرماس أن المبدأ الديمقراطي يتمثل في القدرة الملموسة على ممارسة الحقوق الأساسية بحرية في عملية تشكيل الإرادة السياسية، وأن في هذه القدرة تكمن شرعية القانون الذي جرى سُّنُه: "يجب أن يؤِّسِس الإجراء الديمقراطي شرعية القانون"38. وتتسم المجتمعات الديمقراطية التعددية المعاصرة بالتنوع على نحو متزايد، مع تعدد الجماعات القومية والعرقية والدينية والثقافية. ولذلك، فإننا نواجه مشكلة تحديد الشروط الدستورية اللازمة لقيام مجتمعات تعددية ومتعددة الثقافات. تعترف التعددية الثقافية بتعددية القيم، وترفض اختزال جميع القيم في نظام واحد من القيم. وهذا يعني الاعتراف بالمكانة المتساوية لجميع الجماعات الثقافية في المجتمع المدني. وهذا يعني أننا لم نعد نواجه مشكلة أقليات تعاني إقصاء، أو أغلبية تحتاج إلى التسامح مع الأقليات. بعبارة أخرى، تعني التعددية الثقافية أنه يتعين علينا أن نتجاوز مبدأ حكم الأغلبية تجاوزًا قاطعًا39. وهذا الاعتراف بالتعددية الثقافية يعني ضمنًا أيضًا أنه يتعين علينا قبول التنوع القانوني Legal Diversity، وهو نظام قانوني يتيح المعاملة التفاضلية للجماعات والهويات الثقافية المختلفة عبر الاعتراف بحقوقها الثقافية Cultural Rights ضمن الإطار الدستوري القائم. ومع ذلك، تنطوي مشكلة التعددية الثقافية على مشكلة أعمق لا بد من التعامل معها كما ينبغي. وقد حالف الصواب سيلا بن حبيب حينما قالت في كتابها عن حقوق الآخرين إن هذه المشكلة غير المحسومة تدور حول مفهوم الشعب. ويُستخدم هذا المفهوم من غير تدقيق نقدي للإشارة إلى جماعة طبيعانية متجانسة ثقافًّيًا40. لكن هذا الاستخدام لا يتوافق مع الواقع التاريخي للشعب في الديمقراطية الدستورية؛

  1. Gustavo Zagrebelsky, Il diritto mite (Turin: Einaudi, 1992), p. 84.
  2. Jürgen Habermas, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy , William Rehg (trans.) (Cambridge, MA: The MIT Press, 1996), p. 151; ينظر المرجع في لغته الأصلية: Jürgen Habermas, Faktizität und Geltung: Beiträge zur Diskurstheorie des Rechts und des demokratischen Rechtsstaats (Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1992), p. 188.
  3. Joseph Raz, "Multiculturalism: A Liberal Perspective," Dissent , vol. 41, no. 1 (1994), pp. 67–79.
  4. Seyla Benhabib, The Rights of Others: Aliens, Residents and Citizens (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), p. 202.

ذلك أن الشعب يتألف في الواقع من جماعات متعددة تكون مصالحها ومواقعها في المجتمع وفهمها لذاتها في حالةٍ من التغير الدائم. وهذا يعني أن المشكلة الأساسية للتعددية الثقافية – مشكلة الاندماج Integration  – لا يمكن حلها إلا عندما نتعامل مع مفهوم الشعب بوصفه شعبًا متجانسًا ثقافًّيًا. والواقع أن هذا هو مصدر القواعد القانونية التمييزية ثقافًّيًا؛ إ ذ إنها لا تعترف بخصوصية الاختلافات الثقافية ولا تحميها، ولذلك يتعين علينا أن نكون قادرين على تجاوز هذا المفهوم. نستشف مما سبق أن هناك مجموعة من التحولات التي يمكن أن تشهدها الديمقراطيات الدستورية في ضوء التعددية الثقافية الكامنة فيها. وكما ذكرنا سلفًا، فإن هذه التحولات المقصودة هي التحولات التي تأتي من الاعتراف بالحقوق الجماعية، وتجاوز مبدأ حكم الأغلبية، وقبول التنوع القانوني، وإعادة النظر في مفهوم الشعب، ويجب أن تفضي هذه التحولات في نهاية المطاف إلى إعادة النظر في مبادئ الدستورية الغربية. لاحظ جيمز تولي، أحد كبار منظّري التعددية الثقافية، أنّ العالمية المزعومة للغة الدستورية تقضي على الاختلافات الثقافية، وتفرض ثقافة مهيمنة بإخفاء حقيقتها وإظهارها كأنها محايدة ثقافًّيًا. وبديلًا من هذه العالمية المزعومة، يقدم جيمز تولي نظريةً دستورية تقوم على الحوار والتفاوض بين الثقافات، مدركًا أن كل ثقافة تتشكل في عملية الأخذ والعطاء والاختلاط المتواصل مع ثقافات أخرى. بعبارة أخرى، نحتاج إلى استحداث تصور جديد للدستور بوصفه "أحد أشكال استيعاب" التنوع الثقافي41. وسنكون ملزَمين أن نتقبل وجود سيادة فيما بين الثقافات بحق، وأن نتقبل الفكرة التي مفادها أن الدساتير "تستند إلى سيادة مواطنين متنوعين ثقافًّيًا، وليس إلى صياغات مجردة لأفراد أو جماعات أو أمم متجانسة ثقافًّيًا"42. وهكذا، يمكننا أن نرى ظهور الوجه الجديد لديمقراطياتنا التي يمكننا، بمقتضى ذلك، أن نصفها بأنها ديمقراطيات دستورية متعددة الثقافات. وإدراكًا للطبيعة المتعددة الثقافات التي تتسم بها المجتمعات، فإن هذه الدستورية الجديدة قادرة على إعادة تصور الدستور الديمقراطي إطارًا يرمي إلى تمكين التعايش بين جماعات متباينة، وعوالم حياة متباينة Lebenswelten، ومنظومات قيمية متباينة43. ويرى غوستافو زاغربيلسكي أن ثمرة هذا الإطار الدستوري يمكن وصفها تبعًا لهذا الفهم بأنها "إحداث توفيق بين الإمكانات"44. وفي السياق نفسه، يرى أيضًا أن دساتيرنا "في حاجة إلى تجديد نفسها بهدف الوصول إلى دستورية متوجهة نحو 'دول دستورية مفتوحة'. [...] ويرى الدستوريون أن هذا يعني [...] قبول فكرة القانون، التي جرى تنظيرها في الأصل على أنها سلطة يحكم من خلالها السيادي جميع المواطنين، الجيدين والسيئين على حد سواء، وإعادة النظر فيها بوصفها أداة لضمان التعايش في التفاعل الذي يجري بين الناس على اختلافهم"45.

  1. James Tully, Strange Multiplicity: Constitutionalism in an Age of Diversity (Cambridge: Cambridge University Press, 1997), p. 30.
  2. Ibid., p. 183.
  3. Francesco Belvisi, Società multiculturale, diritti, costituzione (Bologna: Clueb, 2000), p. 164.
  4. Zagrebelsky, Il diritto mite (n. 36), p. 10.
  5. Gustavo Zagrebelsky, La virtù del dubbio: Intervista su etica e diritto (Rome/ Bari: Laterza, 2007), p. 126.

سابعًا: رؤى إسلامية في الدستورية

في دراسة ممتعة جدًا، يحلل رجا بهلول إمكانية قيام دستورية إسلامية؛ أي دستورية قائمة على الفكر الإسلامي والمُثل الإسلامية. ويبدأ تحليله بالإشارة إلى أن بعض المفاهيم في التقليد الغربي لها مقابلات ومكافِئات في اللغة العربية. فعلى سبيل المثال، فكرة الدولة الخاضعة لحكم القانون باللغة الفرنسية État de droit يكافئها "دولة القانون" بالعربية، بل إن فكرة "سيادة القانون" بالإنكليزية Rule of Law تقابلها عربًّيًا فكرة "حكم القانون"46. وبالطبع ليس هذا الأمر مجرد تكافؤ أو تقابل شكلي. يلاحظ بهلول أن مناقشة معنى الدستورية وإمكانيتها في الفكر العربي الإسلامي تتيح أرضية خصبة لاختبار عالمية هذا المفهوم. وهو يعتقد أن الدستورية تنطوي على أهمية للفكر السياسي العربي الإسلامي كذلك. وتتسم أسس الدستورية في الفكر العربي الإسلامي بأنها إيمانية، وهي تتخذ شكلين مختلفين: الشكل الأشعري (نظرية إرادوية أو نظرية التحسين والتقبيح الشرعيين، والتي بحسبها لا تُعلم قيمة الفعل إلا بأمر أو نهي إلهيين) والشكل المعتزلي (نظرية موضوعية معروفة بنزعتها العقلية). وتروم المدرسة الأشعرية تقييد السلطات التقديرية لدى الحكام؛ أي تقييد السلطة التقديرية لدى السلطة التنفيذية. ومن ناحية المدرسة المعتزلية، يمكن القول إن هذه الرؤية قد أثارت فكرة السلطة القضائية المستقلة، القادرة على كبح تجاوزات الأغلبيات التشريعية. والممتع من هذا المنظور هو تأويل الدستورية الغربية في صلتها بدستورية إسلامية ممكنة. في المنظور الغربي، ثمة ارتباط وثيق بين الدستورية والديمقراطية وفصل السلطات. وظهرت جميع هذه المفاهيم في الغرب في سياق العلمانية Laïcité47، التي تُعدّ الخلفية الضرورية والافتراض المسبق لهذه المفاهيم. ولمّا كان المفكرون الإسلاميون يرفضون العلمانية (ومنهم راشد الغنوشي، وحسن الترابي 2016–1932)48، فإن المشكلة التي تتبدى لنا هنا تتصل بإمكانية الجمع بين الاحتكام للإسلام وتأييد الدستورية والديمقراطية؛ أي كيف يمكن حكمًا إسلاميًا أن يكون ديمقراطًّيًا، إن لم يكن علمانًّيًا؟ لكنّ هذا السؤال يفترض أن الإسلام غير متوافق مع الديمقراطية. وتستلزم الدستورية الغربية مفهوم الديمقراطية، والديمقراطية تستلزم العلمانية، ومن ثمّ، فإن الدستورية تستلزم العلمانية. لكن وفق المقاربة التي تؤيدها الدستورية الإسلامية، يرفض الإسلامُ العلمانيةَ، مما يعني أن الإسلام غير متوافق مع الديمقراطية والدستورية على حد سواء. ذلك هو الجزء الأول من الحجّة، لكن يوجد، في رأي بعض المفكرين الإسلاميين، جزءٌ آخر يتيح لنا منظورًا مختلفًا. ففي ضوء التفسير الذي أورده، على سبيل المثال، جوزيف شومبتر

  1. Raja Bahlul, "Is Constitutionalism Compatible with Islam?" in: Pietro Costa & Danilo Zolo, The Rule of Law: History, Theory and Criticism (Dordrecht: Springer, 2007), pp. 515–542.
  2. الواقع أن الفكر السياسي والقانوني منذ بداية القرن السابع عشر قد طُور على أساس علماني، مما يعني أنه يفترض مسبقًا الفصل بين الوحي والعقل، بين الكنيسة والدولة. وقد كان هذا الفصل هو الشرط اللازم للتعددية والتسامح.
  3. يحيل رجا بهلول على مفكرين أمثال راشد الغنوشي. ينظر: راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1993

Joseph Schumpeter (1883–1950) في كتابه عن الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية (1942)، يمكننا أن نعدّ الديمقراطية منهجًا سياسًّيًا محايدًا فيما يتصل بقيم المجتمع. وفي هذا المنظور، يمكن فهم الديمقراطية، كما يرى الغنوشي، بأنها تعني السيادة الشعبية، والمساواة السياسية، وحكم الأغلبية. ولا ينطوي أيّ من هذه المفاهيم على أي صلة ضرورية بالعلمانية. ومن ثمّ، فإن الإسلام لا يستلزم رفض الديمقراطية بهذا الفهم. ومن هنا، يقترح مفكرون إسلاميون تحرير الديمقراطية من العلمانية، فيؤيدون الديمقراطية ويهملون العلمانية. خلاصة القول إنهم يرون أن العلمانية فلسفة، بينما يرون أن الإسلام فلسفة أخرى ذات رؤية خاصة لحياة الإنسان وحقوقه وواجباته. نستشف، إذًا، أن الدستورية يمكن أن تتخذ أشك لًا مختلفة في مجتمعات مختلفة بحسب تصوراتها المقبولة والمشتركة للحقوق والواجبات. وما إن ن طؤر المشكلة بهذه الطريقة، حتى نستطيع أن نستشف أيضًا أن الدستورية الإسلامية تختلف أَّيَما اختلاف عن الدستورية الغربية؛ لأن فلسفة الديمقراطية الغربية هي النسبية التي تتيح التعددية، سواء أكانت دينية أم سياسية أم أيديولوجية. ولهذا السبب، لا يمكن أن تتخذ الدستورية الغربية من تصورٍ ديني أساسًا لها.

ثامنًا: دستورية إسلامية؟

يقول ناثان براون، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة جورجتاون: "لقد تمت صياغة النصوص الدستورية العربية بالأساس من أجل تمكين السلطة السياسية وتنظيمها وتبريرها"49. فمنذ بداياتها المبكرة، ومنذ الدستور التونسي الصادر عام 1861، ما زالت الدساتير العربية تُصاغ بالأساس من أجل إضفاء الشرعية على التوازنات القائمة للسلطة. وفي ضوء هذه الخلفية، يثير براون سؤالين محوريين: "كيف يمكن أن تظهر دستورية في مجتمعات لا تسودها الليبرالية؟ وهل يمكن توظيف المبادئ الإسلامية في بناء نوع مختلف من الدستورية؟"50. في أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العشرين، وضع عدد من المفكرين الإسلاميين مبادئ لبناء دستورية إسلامية حدّدت في الشريعة حدود السلطة السياسية. لقد كانوا ينظرون في التقليدين الإسلامي والغربي معًا، وكان هذا النهج يمثل الرؤية التي أيّدها، على سبيل المثال، محمد رشيد رضا (1935–1865) وعبد الرزاق السنهوري (1971–1895)51. كان رشيد رضا مفكرًا سورًّيًا، وقد نشر في عام 1922 كتابه الخلافة أو الإمامة العظمى: مباحث شرعية سياسية اجتماعية إصلاحية، وفيه أكد أن الأمة تمثّل أساس أي بناء سياسي محتمل، وأن "وحدة الإمامة

  1. Nathan J. Brown, Constitutions in a Nonconstitutional World: Arab Basic Laws and the Prospects for Accountable Government (Albany: State University of New York Press, 2002), p. 161.
  2. Ibid., p. 162.
  3. Ibid., p. 165. يقول براون: "كان رشيد رضا يريد دولة إسلامية تحكمها الشريعة (مع قانون وضعي في إطار حدودها)، وتتضمن الشورى، وتتيح دورًا فع لًا للعلماء المتحمسين. بينما لم ير السنهوري الشريعة إطارًا أساسًّيًا للحكم، بل كان يراها مصدرًا قانونًّيًا ثرًّيًا يحتاج فقط إلى تعديل حتى يمكن تطبيقها في بيئة حديثة". ينظر:. Ibid.

تتبع وحدة الأمة"52، وأن الرئاسة العامة حق الأمة التي لها أن تعزل الإمام الأعظم (الخليفة) إذا رأت موجبًا لعزله53. يتمثل الجانب الأصيل في تصور رشيد رضا في أنه يقرن العلماء أو أهل الحل والعقد بأعضاء مجالس النواب المنتخبين ديمقراطًّيًا ويوحدهما، قائلًا: "هذه المجالس بمعنى أهل الحل والعقد في الإسلام، إلا أن الإسلام يشترط فيهم من العلم والفضل ما لا يشترطه الإفرنج ومقلدتهم"54. وهكذا، يستعيد رشيد رضا جانبًا مهمًا من التقليد السياسي الأوروبي55. أمّا تصور السنهوري للخلافة، عند مقارنته بتصور رشيد رضا، فكان أقرب إلى منظور ذي طابع يسمو على القوميات. كان السنهوري قاضيًا مصرًّيًا، وأستاذ قانون، ورجل سياسة. وصدر له باللغة الفرنسية عام 1926 كتاب بعنوان فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية، وخلص فيه إلى بعض النتائج المهمة، قائلًا: "إن أحسن طريقة للجمع بينهما [الاختصاصات الدينية والسياسية] في الوضع الحالي لحضارتنا هو في رأينا أن يُعهد بمباشرة السلطات التشريعية والدينية لهيئة مختلفة ومستقلة عن الهيئة المكلفة بمباشرة السلطات السياسية. وهاتان الهيئتان يجب أن تخضعا للسلطة العليا لرئيس قد يحمل لقب (الخليفة)، وهو الذي يجمع في شخصه هذين النوعين من الاختصاصات، دون أن يمنع التمييز بينهما أو يحول دون استقلال كل منها في طريقة تنفيذها في العمل"56. علاوة على ذلك، سلّط السنهوري الضوء على الحاجة إلى تكوين عصبة أمم "شرقية": "إن فكرة تكوين منظمة للشعوب الشرقية يمكنها أن توفق بين الاتجاهات القومية الناشئة مع ضرورة تأمين قدر من الوحدة بين الشعوب الإسلامية [...] عند دراسة موضوع تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية كنّا قد بحثنا إمكانية إقامة نظام قانوني إسلامي يسري على كل المواطنين مسلمين أو غير مسلمين، هذا البحث يؤيد فكرة الجامعة الإسلامية بالمعنى الواسع الذي يضم مجتمعًا سياسًّيًا، وليس فقط دينًّيًا، بمعنى أنها تكون جامعة تضم جميع الأديان بشرط أن تحترم قوانينها الدستورية"57.

  1. Henri Laoust, Le califat dans la doctrine de Rashīd Ridā (Paris: Maisonneuve, 1986), p. 89; Massimo Campanini, Ideologia e politica nell’Islam (Bologna: Il Mulino, 2008), p. 139. استعنت في هذا السياق بالأصل العربي تحريًا للدقة في نقل المعنى. محمد رشيد رضا، الخلافة أو الإمامة العظمى: مباحث شرعية سياسية اجتماعية إصلاحية (القاهرة: مطبعة المنار، 1922). والكتاب في أصله مجموعة من المباحث التي نُشرت في مجلة المنار.
  2. Laoust, p. 24.
  3. Ibid., p. 100.
  4. Campanini, p. 142.
  5. ‘Abd Al Razzāq Ahmad Al–Sanhūrī, Le califat: Son évolution vers une société des nations orientale (Paris: Geuthner, 1926), p. 571. استعنت هنا بالطبعة العربية تحريًا للدقة في نقل المعنى. وقد صدرت الطبعة العربية الأولى عام 1989 في القاهرة عن الهيئة العامة للكتاب، والثانية عن الدار نفسها عام 1993، والثالثة عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية التابع لوزارة الأوقاف عام 1995–1994. واعتمدتُ في نقل المضمون المتصل بهذا السياق على الطبعة التالية: عبد الرزاق السنهوري، فقه الخلافة وتطورها لتصبح عُصبة أمم شرقية، تحقيق توفيق محمد الشاوي ونادية عبد الرزاق السنهوري (بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2008). (المترجم)
  6. Al–Sanhūrī, pp. 584–586.

هنا يمكننا أن نستشف من هذه الفكرة، كما في حالة رشيد رضا، مدى مرونة الشريعة الإسلامية التي تفترض مسبقًا "علمنة الدولة والتعايش السلمي للأديان والشعوب"58. ففي الأفكار التي يقدمها رشيد رضا والسنهوري، يمكننا أن نجد نقاط التقاء مع التقليد الغربي. فلنواصل تحليلنا للدستورية الإسلامية. ثمة تمييز واضح في الدستورية الإسلامية بين الرؤى المتمركزة حول الإنسان – أي تلك الرؤى التي تحدد موضع السيادة في الإنسان – والإسلام، الذي لا يعترف إلا بسيادة الله وحده، مما يجعل الشريعة أساس النظام الدستوري الإسلامي. ويرى الدستوريون الإسلاميون أنه "ثمة تمييز قاطع يوضع غالبًا بين القرآن والُّسُنة من جهة، والقانون القائم على غيرهما من مصادر الشريعة، من جهة أخرى [...] فالحكم المستند إلى نص قرآني واضح أو حديث نبوي واضح لا يمكن تغييره بتفسير لاحق؛ [...] لكن يمكن أن يغطي الدستوريون الإسلاميون نطاقًا واسعًا بعض الشيء في قبولهم للتفسيرات الجديدة للشريعة"59. وهناك أيضًا مفكرون آخرون، وإن كانوا يمثلون صوت أقلية في العالم الإسلامي، يذهبون إلى حد القول إن "الشريعة ليست متطابقة مع مصادر الإسلام نفسها، بل مع الطريقة التي تم بها تأويل تلك المصادر وتطبيقها تاريخًّيًا"60. وفق هذه الرؤية، "لا بد لأي نظام سياسي إسلامي أن يقوم على أساس الشريعة، لكن لا بد من إعادة تأويل الشريعة"61. ومن ثمّ، فإن المشكلة تكمن في التأويل. في قلب هذا الجدل حول الدستورية الإسلامية الحديثة، يظهر مصطلح الشورى، وهو ممارسة قديمة للبتّ في مسائل تتعلق بالمصلحة العامة أو الجماعية بالتشاور مع أصحاب الشأن. ولذا، فإن التحول نحو الشورى يثير المشكلة التالية: كيف يمكن توفيق سيادة الشعب مع سيادة الله؟ أصبحت هذه المسألة المتعلقة بالسيادة الشعبية مسألة محورية، وربما ستبقى كذلك للأبد، بعدما اندلعت في موسم ما يسمى الربيع العربي في بداية عام 2011 سلسلة من الانتفاضات والاحتجاجات المطالبة بالقضاء على فساد نخب السلطة في العالم العربي. وكانت هذه التطورات توحي بانفتاح على النماذج الدستورية الغربية، من دون تصادم مع التقليد الإسلامي، كما تبدّى ذلك في الدستور التونسي لعام.2014 ترتبط مشكلة الدستورية ارتباطًا وثيقًا بمشكلة الديمقراطية؛ فلا يمكن وجود ديمقراطية من دون دستور يضع قيودًا على ممارسة السلطة. ولذا، فإننا سننتقل الآن إلى الأسئلة التي تثيرها مشكلة الديمقراطية.

  1. Campanini, p. 148.
  2. Brown, pp. 170–171. في هذا الصدد، يذكر براون مرجعَين في صفحة 171: أحدهما بالعربية: توفيق الشاوي، فقه الشورى والاستشارة (المنصورة: دار الوفاء، 1992)؛ والآخر بالإنكليزية لمحمد سليم العوا عن النظام السياسي في الدولة الإسلامية: Mohamed S. El–Awa, On the Political System of the Islamic State (Indianapolis: American Trust Publications, 1980).
  3. Abdullahi Ahmed An–Na ʿ īm, "Constitutionalism and Islamization in the Sudan," Africa Today , vol. 36, no. 3–4 (1989), p. 175.
  4. Brown, p. 175; Abdullahi Ahmed An–Na ʿ īm, Toward an Islamic Reformation: Civil Liberties, Human Rights, and International Law (Syracuse, NY: Syracuse University Press, 1996).

تاسعًا: الإسلام والديمقراطية

يرى براون أن من الإنصاف القول إن الدساتير التي جرى سنّها في البلدان العربية تعكس بالأساس العلاقات القائمة للسلطة المترسخة في هذه البلدان، وأنها تفعل النزر اليسير لترسيخ فصل السلطات اللازم لضمان الحقوق الأساسية. ولذا، فمن الممكن بهذا المعنى وصفها بأنها دساتير في عالم غير دستوري62؛ أي دساتير بلا دستورية. الواقع أن هناك فصلًا للسلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، لكن ليس هناك فصل لوظائفها. الدستورية والديمقراطية الغربية مفهومان لا يمكن فصلهما؛ فغياب الدستورية في العالم الإسلامي يمنع تأسيس أشكال من الديمقراطية تضاهي تلك الأشكال الموجودة في الغرب. وهذا يعني بدوره امتناع فكرة تصدير نموذج الديمقراطية الدستورية إلى العالم العربي. تثير هذه المشكلة مرة أخرى السؤال الجوهري: هل الإسلام متوافق مع الديمقراطية؟ أو، كما يتساءل عياض بن عاشور – أحد أنصار الإصلاحية الديمقراطية الليبرالية – هل من الممكن أن تكون دينًّيًا وديمقراطًّيًا معًا؟63 وهذا سؤال مشروع لأن الدساتير العربية تستحضر الإسلام بوضوح64، على أساس الاتصال الوثيق الذي يُفهم أنه موجود بين الدين والقانون والسياسة65، مما يجعل من الصعب (وفق هذا التصور) قبول الفكرة التي مفادها أن الأديان المختلفة قد تقف على قدم المساواة. أمّا الديمقراطية فلا يمكنها أن ترفض فكرة المساواة بين الأديان، وقد أكد بن عاشور أن الديمقراطية لا بد من أن تكون قادرة على التسامح مع الاختلاف، ولا يكفي وصف الديمقراطية بأنها "حكم الشعب"، لأننا جميعًا لا بد من أن نتساءل: من الشعب؟ وهنا يجيبنا بن عاشور قائلًا إن الشعب "يتألف من مواطنين يفهمون أنفسهم بأنهم شعب على أساس ولائهم السياسي للدولة، وللمدينة السياسية، ولا يخلطون دورهم بصفتهم مواطنين بهويتهم باعتبارهم مؤمنين"66. لا يعني هذا الفهم رفض الدين، بل يعني "دخلنته" Interiorizing [أي تمثّله في كياننا الداخلي الروحي والشخصي]، والاعتراف المتبادل بتنوع الأديان والحق في ممارستها. الواقع أن الديمقراطية الراهنة،

  1. هذا التعبير مقتبس من ناثان براون، ينظر الهامش 49، في: Brown, p. 161.
  2. Yadh Ben Achour, Politique, religion et droit dans le monde arabe (Tunis: Cérès Productions, 1992), p. 258.
  3. من الأمثلة الدالة على ذلك: المادة الثانية من الدستور الجزائري لعام 1971، والمادة الثانية من الدستور المصري لعام 2014، والمادة الأولى من الدستور التونسي لعام 1959، والمادة الثانية من الدستور الأردني، حيث يُنظر إلى الإسلام على أنه مصدر الهوية، وأساس التكامل الاجتماعي، وبهذا المعنى ينبغي فهم العلاقة بين الإسلام والدولة على أنها وصفية لا معيارية. ينظر: Abdelfattah Amor, "Constitution et religion dans les États musulmans," in: Constitution et religion , Proceedings of the 10 th Session of the Académie Internationale de Droit Constitutionnel, Tunis, 1994 (Toulouse: Presses de l’Université des Sciences Sociales de Toulouse, 1994), p. 45.
  4. في هذه العلاقة، "لا يتمتع السياسي والقانوني بأي استقلالية، وكان أي تمييز في هذا المجال محدودًا، وتافهًا تقريبًا." ينظر: Ibid., p. 36.
  5. Ben Achour, p. 261.

في المنظور الغربي، لا يمكن استدامتها إلا عندما نعترف أن القيم التي نختار العيش بها، والتي تشكل هويتنا الشخصية، ليست مطلقة (بل نسبية فحسب)، ومن ثمّ لا يمكن فرضها على كل إنسان آخر67. واقع الأمر أن فلسفة الديمقراطية هي فلسفة النسبية68، كما وصفها هانز كلزن (1973–1881) أحد أهم فلاسفة القانون في القرن العشرين.

خاتمة

يشتمل التقليد الغربي على تصورات مختلفة للدستورية تبعًا لنماذج مختلفة للديمقراطية، أبرزها النموذجان الأميركي والفرنسي. ويشتمل الإسلام أيضًا على تصورات مختلفة للدستورية، وتقوم الدستورية الإسلامية على أساس إيماني، فتعلن أن الإسلام غير متوافق مع العلمانية؛ ومن ثمّ تتعامل مع الديمقراطية بوصفها مجرد منهج متوافق مع فلسفات مختلفة؛ أي الإسلام نفسه والعلمانية. ومع ذلك، هناك مفكرون تتقاطع رؤاهم تقاطعًا مهمًا مع التقليد الغربي، ومنهم رشيد رضا والسنهوري، كما يتبدى في موقفهما من النظام البرلماني. وهناك أيضًا مفكرون مسلمون يتبنون الإصلاحية الديمقراطية الليبرالية، ويؤكدون أن الإسلام متوافق مع الديمقراطية والتعددية. خلاصة القول، ليس هناك تصور واحد للدستورية، ويتعين علينا رد هذه الفكرة إلى تقاليد ومجتمعات مختلفة. صحيح أن هناك نقاط التقاء مهمة مع التقليد الغربي، لكنّ الإسلام سيشكل دستوريته بطريقته الخاصة، محافظًا على هويته الثقافية.

References

المراجع

العربية

رضا، محمد رشيد. الخلافة أو الإمامة العظمى: مباحث شرعية سياسية اجتماعية إصلاحية. القاهرة: مطبعة المنار،.1922

السنهوري، عبد الرزاق. فقه الخلافة وتطورها لتصبح عُصبة أمم شرقية. تحقيق توفيق محمد الشاوي ونادية عبد الرزاق السنهوري. بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية،.2008

الشاوي، توفيق. فقه الشورى والاستشارة. المنصورة: دار الوفاء،.1992

الغنوشي، راشد. الحريات العامة في الدولة الإسلامية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1993

  1. Ibid., p. 271.
  2. "هذا هو المعنى الحقيقي للنظام السياسي الذي نسميه الديمقراطية، والتي يمكن أن نقابلها بالاستبدادية السياسية فقط لأنها نسبية سياسية". ينظر: Hans Kelsen, "Foundations of Democracy," Ethics: An International Journal of Social, Political, and Legal Philosophy , vol. 66, no. 1 (October 1955), pp. 1–101.

الأجنبية

Alexy, Robert. Theorie der Grundrechte. Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1986.

________. A Theory of Constitutional Rights. Julian Rivers (trans.). Oxford: Oxford

University Press, 2002.

Al–Sanhūrī, ‘Abd Al Razzāq Ahmad. Le califat: Son évolution vers une société des

nations orientale. Paris: Geuthner, 1926.

An–Na ʿ īm, Abdullahi Ahmed. "Constitutionalism and Islamization in the Sudan."

Africa Today. vol. 36, no. 3-4 (1989).

________. Toward an Islamic Reformation: Civil Liberties, Human Rights, and

International Law. Syracuse, NY: Syracuse University Press, 1996.

Bähr, Otto von. Der Rechtsstaat. Kassel/ Göttingen: Wigand, 1864.

Barbera, Augusto & Gianfrancesco Zanetti (eds.). Le basi filosofiche del costituzionalismo:

Lineamenti di filosofia del diritto costituzional. Rome/ Bari: Laterza, 1997.

Belvisi, Francesco. Società multiculturale, diritti, costituzione. Bologna: Clueb, 2000.

Belvisi, Francesco et al. (eds.). La filosofia del diritto costituzionale e i problemi del

liberalismo contemporaneo. Bologna: Clueb, 1998.

Ben Achour, Yadh. Politique, religion et droit dans le monde arabe. Tunis: Cérès

Productions, 1992.

Benhabib, Seyla. The Rights of Others: Aliens, Residents and Citizens. Cambridge:

Cambridge University Press, 2004.

Brown, Nathan J. Constitutions in a Nonconstitutional World: Arab Basic Laws and the

Prospects for Accountable Government. Albany: State University of New York Press,

Burke, Edmund. Reflections on the Revolution in France. New Haven, CT: Yale

University Press, 2003 [1790].

Calvert, Robert E. (ed.). The Constitution of the People: Reflections on Citizens and

Civil Society. Lawrence, KS: University Press of Kansas, 1991.

Campanini, Massimo. Ideologia e politica nell’Islam. Bologna: Il Mulino, 2008.

Constitution et religion. Proceedings of the 10 th Session of the Académie Internationale

de Droit Constitutionnel. Tunis, 1994. Toulouse: Presses de l’Université des Sciences

Sociales de Toulouse, 1994.

Costa, Pietro & Danilo Zolo. The Rule of Law: History, Theory and Criticism. Dordrecht:

Springer, 2007.

Dogliani, Mario. Introduzione al diritto costituzionale. Bologna: Il Mulino, 1994.

Dworkin, Ronald. Taking Rights Seriously. London: Duckworth, 1977.

El–Awa, Mohamed S. On the Political System of the Islamic State. Indianapolis:

American Trust Publications, 1980.

Fioravanti, Maurizio Appunti di storia delle costituzioni moderne. Turin: Giappichelli,

Frankenberg, Günter. "Tocqueville’s Question: The Role of a Constitution in the Process

of Integration." Ratio Juris. vol. 13, no. 1 (2000).

Grimm, Dieter. "Reformalisierung des Rechtsstaats als Demokratiepostulat?" Juristische

Schulung. vol. 30, no. 10 (1980).

_______. Il futuro della costituzione. Italy: Einaudi, 1997.

Habermas, Jürgen. Faktizität und Geltung: Beiträge zur Diskurstheorie des Rechts und

des demokratischen Rechtsstaats. Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1992.

_______. Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and

Democracy. William Rehg (trans.). Cambridge, MA: The MIT Press, 1996.

Hamilton, Alexander, James Madison & John Jay (eds.). The Federalist Papers.

New York: Open Road Integrated Media, 2022.

Kelsen, Hans. "Foundations of Democracy." Ethics: An International Journal of Social,

Political, and Legal Philosophy. vol. 66, no. 1 (October 1955).

Laoust, Henri. Le califat dans la doctrine de Rash ī d Rid ā. Paris: Maisonneuve, 1986.

"Marbury v. Madison." 5 U.S. (1 Cranch) 137, 177 (1803). at: https://acr.ps/1L9zP9l

McIlwain, Charles Howard. Constitutionalism: Ancient and Modern. Ithaca, NY: Great

Seal Books, 1958 [1940].

Paine, Thomas. Rights of Man, Common Sense, and other Political Writings. New York:

The Liberal Arts Press, 1953.

Raz, Joseph. "Multiculturalism: A Liberal Perspective." Dissent. vol. 41, no. 1 (1994).

Romano, Santi. Lo Stato moderno e la sua crisi. Milan: Giuffrè, 1969 [1909].

Rousseau, Jean–Jacques. The Social Contract. Christopher Betts (trans.). Oxford:

Oxford University Press, 1994 [1762].

Schriftenreihe der Landeszentrale für Heimatdienst in Niedersachsen. Allemagne: Bad

Gandersheim, 1957.

Staat, Gesellschaft, Freiheit. Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1976.

Tully, James. Strange Multiplicity: Constitutionalism in an Age of Diversity. Cambridge:

Cambridge University Press, 1997.

Zagrebelsky, Gustavo. Il diritto mite. Turin: Einaudi, 1992.

________. La virtù del dubbio: Intervista su etica e diritto. Rome/ Bari: Laterza, 2007.

Zagrebelsky, Gustavo, Pier Paolo Portinaro & Jorg Luther (eds.). Il futuro della

costituzione. Turin: Einaudi, 1996.