العودة إلى تفاصيل المؤلَّف القانون والعدل والحرية في الفلسفة الاجتماعية: قراءة في فلسفة القانون عند هيغل

القانون والعدل والحرية في الفلسفة الاجتماعية: قراءة في فلسفة القانون عند هيغل

Law, Justice, and Freedom in Social Philosophy: An Examination of Hegel’s Philosophy of Law

الزواوي بغورة *

Zwawi Beghoura *

الملخّص

إذا كانت المفاهيم الكانطية تُهيمن على الفلسفة السياسية والقانونية المعاصرة، وذلك منذ ما يزيد على نصف قرن، فإنني سأحاول أن أُقدم في هذه الدراسة قراءةً تحليليةً ونقديةً لمفاهيم القانون والعدل والحرية، انطلاقًا من هيغل الذي يُعدّ مؤسسًا لفلسفة القانون الحديثة. وإذا كانت الصلة بين القانون والعدل والمجتمع قائمة في الفلسفة السياسية منذ أفلاطون، على أقل تقدير، فإن طبيعة هذه العلاقة في عصرنا كانت ولمّا تزل موضوع دراسة ومناقشة في الميراث الفلسفي الهيغلي السياسي والقانوني، سواء أكان ذلك من جهة بنيتها أم من جهة تاريخها، بخاصة ما ينتج منها من تصوّر للعدل، مقرونًا بالحرية. وهو ما يظهر جليًّا في الماركسية، أو كما تكشف عنه المقاربة الجمعاتية التي نقرؤها عند تشارلز تايلور، أو في الطرح الاجتماعي كما تقدمه النظرية النقدية المعاصرة عند أكسيل هونيث. وهذا يعني، أنني سأحاول في البداية أن أقف عند أوجه النقد الموجّهة إلى هيغل، ثم تحليل العناصر المشكّلة لمفاهيم القانون والعدل والحرية في فلسفة القانون عنده، وأن أُبيّن بعض معالم القراءة التي تقدّمها الفلسفة الاجتماعية، والفكر الفلسفي العربي المعاصر.

Abstract

Abstract: While Kantian readings have dominated contemporary political and legal philosophy for over half a century, this paper provides an analytical and critical examination of the concepts of law, justice, and freedom based on Hegel, considered the founder of modern legal philosophy. Although the connection between law, justice, and society has been a subject of political philosophy since Plato, the nature of this relationship today remains a topic of study and debate within Hegelian political and legal thought. This includes considerations of its structure, history, and particularly the implications for concepts of justice linked to freedom. This is evident in Marxism, as well as in the communitarian approach discussed by Charles Taylor, and in the social theory presented by contemporary critical theory as outlined by Axel Honneth. Therefore, this paper will first address criticisms directed at Hegel, then analyse elements of law, justice, and freedom in

الكلمات المفتاحية:
  • القانون
  • العدل
  • الحرية
  • الفلسفة الاجتماعية
  • فلسفة القانون
  • هيغل
Keywords:
  • Law
  • Justice
  • Freedom
  • Social Philosophy
  • Philosophy of Law
  • Hegel

وذلك منذ ما يزيد على نصف قرن، فإنني سأحاول أن أُقدم في هذه الدراسة قراءةً تحليليةً

ونقديةً لمفاهيم القانون والعدل والحرية، انطلاقًا من هيغل الذي يُعدّ مؤسسًا لفلسفة القانون

الحديثة. وإذا كانت الصلة بين القانون والعدل والمجتمع قائمة في الفلسفة السياسية منذ

أفلاطون، على أقل تقدير، فإن طبيعة هذه العلاقة في عصرنا كانت ولمّا تزل موضوع دراسة

ومناقشة في الميراث الفلسفي الهيغلي السياسي والقانوني، سواء أكان ذلك من جهة بنيتها أم

من جهة تاريخها، بخاصة ما ينتج منها من تصوّر للعدل، مقرونًا بالحرية. وهو ما يظهر جلًّيًا

في الماركسية، أو كما تكشف عنه المقاربة الجمعاتية التي نقرؤها عند تشارلز تايلور، أو في

الطرح الاجتماعي كما تقدمه النظرية النقدية المعاصرة عند أكسيل هونيث. وهذا يعني، أنني

سأحاول في البداية أن أقف عند أوجه النقد الموجّهة إلى هيغل، ثم تحليل العناصر المشكّلة

لمفاهيم القانون والعدل والحرية في فلسفة القانون عنده، وأن أُبيّن بعض معالم القراءة التي

تقدّمها الفلسفة الاجتماعية، والفكر الفلسفي العربي المعاصر.

Professor and Head of the Philosophy Department, Faculty of Arts, University of Kuwait. zouaoui.beghoura@ku.edu.kw

Hegel’s legal philosophy, while outlining some features of the readings provided by social philosophy and contemporary Arab philosophical thought.

توطئة

تحاول هذه الدراسة النظر في ثلاثة مفاهيم كبرى، تُشكّل أساس فلسفة القانون، وتسعى في الآن نفسه لأن تُقاربها باسم الفلسفة الاجتماعية. والسبب في ذلك هو أن الناظر إلى ما يُعرف

بعودة الفلسفة السياسية المعيارية، منذ سبعينيات القرن العشرين، يلحظ بيسر غلبة الإحالة إلى نموذج معيّن في فلسفة القانون الذي نجد أساسه عند جون لوك John Locke (1704–1632)، وجان جاك

روسو Jean–Jacques Rousseau (1778–1712)، وإيمانويل كانط Immanuel Kant) 1804–1724(على وجه التحديد، وذلك سواء في مفهومه للحق والقانون، أو للعدالة والحرية. وفي هذه الحالة، فإن السؤال الأولي الذي يفرض نفسه على كل قارئ لفلسفة الحق أو القانون، هو: لماذا لا تحضر فلسفة القانون عند جورج فيلهلم فريدريش هيغل Friedrich Hegel (1831–1770) بالقدر نفسه الذي تحضر فيه فلسفة كانط القانونية، بخاصة في المفاهيم المشار إليها، التي تشكّل أساس النظرية الليبرالية؟ للإجابة عن هذا السؤال، نتقدم في هذه الدراسة بخمس خطوات منهجية، نعرض في الأولى أشكال النقد الموجّهة إلى فلسفة القانون عند هيغل، ونُحاول في الخطوة الثانية أن نُبيّن بعض المعالم الكبرى

لفلسفة الحق – القانون عند هيغل، وتعمل الخطوة الثالثة على الوقوف عند بعض السمات الكبرى للقراءات الجديدة التي تقدمها الفلسفة الاجتماعية، وتبحث الخطوة الرابعة في ملامح القراءة العربية لفلسفة القانون عند هيغل، وتختم الخطوة الخامسة باستخلاص بعض النتائج الأولية.

أولا: في النقد

ثمة على الأقل ثلاثة أشكال من النقد أو العقبات التي تحول دون قراءة فلسفة القانون عند هيغل قراءة موضوعية ومنصفة، يمكن تلخيص حججها على النحو الآتي: 1. يُعادي كتاب مبادئ فلسفة الحقحقوق الفرد، بخاصة الحرية الفردية التي تشكّل أساس

النظرية الليبرالية في الحق والعدل والحرية؛ إذ يُعلي الكتاب من شأن الدولة، ويُخضع الفرد لها.

إذًا، ثمة جانب لاديمقراطي في فلسفة الحق عند هيغل. 2. فلسفة الحق مرتبطة بالمنطق الهيغلي، وبالطابع الأنطولوجي للروح، وهو ما لا يستقيم مع مسائل فلسفة الحق والسياسة والأخلاق، أو الفلسفة العملية على وجه العموم. وهذا يعني أن هذا النقد يقوم على ركيزتين، سياسية ومنهجية: الأولى هي أن لنظرية هيغل في الحق عواقب غير ديمقراطية، نظرًا إلى أن الاستقلال الفردي للمواطنين لا يُفهم بالمعنى الكانطي بصفته مبدأً

لسيادة المواطن. والثانية هو النقد المنهجي الذي بموجبه ترتبط مسوغات عمل هيغل في النهاية بالمنطق، الذي يقدم مفهومًا وجوديًا – أنطولوجيًا ولاهوتيًا للروح – العقل.

3. لا يقتصر الأمر على إعلاء شأن الدولة على حساب الفرد، بل يصبغ الدولة بصبغة مقدّسة،

ومن ثم يسوّغ النزعة التسلّطية. ويُعدّ هذا النقد قديمًا، لأننا نلقاه عند معارضي هيغل من اليمين

واليسار، وعند الليبراليين الألمان في القرن التاسع عشر، وهو نقد لا يزال قائمًا إلى اليوم، ولعل

خير دليل على ذلك ما نقرؤه عند كارل بوبر Karl Popper (1994–1902) وغيره. وبناءً على

هذا النقد، خلص بعضهم إلى أن فلسفة هيغل ليست فلسفة صعبة فحسب، بل هي فلسفة "سيّئة

السمعة" أيضًا، لأن اسمها ارتبط بكل الأهوال التي عرفها القرن العشرون. يقول الفيلسوف الكانطي الجديد إرنست كاسيرر Ernst Cassirer (1945–1874): "لم يساعد أي مذهب من المذاهب الفلسفية على التمهيد للفاشية والإمبريالية بقدر مماثل لما قام به مذهب الدولة عند هيغل". لكن كاسيرر نفسه، بوصفه كانطيًا أصيلًا، استدرك قائلًا: "ومع هذا، فهنالك نقطة واحدة

يتضح وجود خلاف فيها بين مذهب هيغل ونظريات الدولة الشمولية، فبينما يصح القول إن هيغل قد أعفى الدولة من أي التزام أخلاقي [...] إّلا أنه رأى استمرار بقاء قيود أخرى لا تستطيع الدولة التحلّل منها. فالدولة في مذهب هيغل تتبع (الروح الموضوعية). على أن هذا المجال هو مجرد 'مرحلة'، أو 'لحظة'، في التحقق الفعلي للفكرة".

ثانيًا: فلسفة القانون عند هيغل

لا أجانب الصواب إذا قلت إن كل القراءات المعاصرة التي ترى في العودة إلى هيغل إمكانية لقيام نظرية في العدالة، تتفق مع ما ذهب إليه كاسيرر. وأقصد بذلك مركزية الروح الموضوعي esprit objectif/ objektiver Geist، ومفاهيمه الأساسية التي نقرؤها في كتاب: مبادئ فلسفة الحق الذي يتكوّن من ثلاثة مباحث كبرى، تُدرج تحتها مفاهيم عدة، تُشكل فلسفة القانون عند

هيغل، وأعني بها:

(1) Domenico Losurdo, Hegel et les libéraux (Paris: PUF, 1992), pp. 110–142;

ينظر أيضًا: كارل بوبر، المجتمع المفتوح وأعداؤه، ترجمة حسام نايل، ج  2 (بيروت: دار التنوير، 2015)، ص.127–55 (((جان بيار لوفيفر وبيار ماشيري، هيغل والمجتمع، ترجمة منصور القاضي (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1993)، ص.7 (((أرنست كاسيرر، الدولة والأسطورة، ترجمة أحمد حمدي محمود (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1975)، ص.362 (((المرجع نفسه، ص.363 (((من هؤلاء، الباحث الفرنسي المتخصص في فلسفة هيغل جان–فانسوا كيرفيغان الذي يرى أن الروح الموضوعي "يوفر نقطة ارتكاز ذات صلة بالفلسفة المعاصرة للنظم المعيارية، ومن ثمّ للفلسفة القانونية، والفلسفة الأخلاقية، والفلسفة الاجتماعية

والسياسية، وكذلك فلسفة الفعل". ينظر:

Jean–François Kervégan, L’effectif et le rationnel. Hegel et l’esprit objectif (Paris: Vrin, 2008), p. 69.

(((نعتمد في دراستنا هذه على الترجمات الآتية: فريديريك هيغل، أصول فلسفة الحق، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، مج  1 (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1996)؛

Friedrich Hegel, Principes de la philosophie du droit , Jean–François Kervégan (trad.) (Paris: PUF, 2018); Friedrich Hegel, Principes de la philosophie du droit , André Kaan (trad.) (Paris: Gallimard, 1940);

علمًا أن إمام عبد الفتاح إمام قد استعان بالترجمة الفرنسية الصادرة في عام 1940. ونحيل أيضًا إلى بعض النصوص التي ترجمها

عبد الرحمن بدوي (2002–1917). ينظر: عبد الرحمن بدوي، فلسفة القانون والسياسة عند هيغل (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.)1996

1. الحق-القانون المجرد

يحدد هيغل الحق – القانون recht باعتباره: "الفكرة الشاملة للحق مع تحققها الفعلي في آن معًا "، وأنه الوجود المتحقق العيني للإرادة الحرة، وهو ما يعني أن القانون – الحق هو الحرية المتعيّنة. وهذا

قلب لمفهوم القانون، بما هو حد، وهو ما نقرؤه عند فلاسفة العقد الاجتماعي، ونقدٌ مباشر لكانط الذي يرى أن القانون هو الحدّ من الحرية، أي تعريف القانون بالسلب. يقول هيغل: "النقطة الحرجة في تعريف كانط للحق، وفي التعريف الشائع الذي يقبله الناس بصفة عامة [...] هي القيد الذي يجعل من الممكن لإرادتي أو إرادة الذات أن تتعايش مع الإرادة الذاتية لكل إنسان وفقًا لقانون كلي". فالحق عند هيغل هو عملية إنفاذ وإنجاز Effectuation للحرية. وهو لا يتعلق بالإنسان بوصفه فردًا منعزلًا، بل بوصفه علاقة بينذاتية Intersubjective اجتماعية. وتشير نصوص هيغل إلى أن الحق هو المحتوى، والقانون هو المظهر، وأن العلاقة بينهما علاقة جدلية، ويتمثّل الفرق بينهما في أن القانون الوضعي يتجسّد في مؤسسات، ولا يتجسّد في المعايير فحسب. لعل ما يجب أن نشير إليه، في هذا السياق الأوّلي للتعريف بالحق، هو هيغل عندما يتحدث عن مفهوم

الحق، لا يشير إلى بناء مجرد، ومعرفة نظرية خالصة، بل يقصد به، فهمًا فعليًا، أعني مستوى من المعرفة

التأملية التي تحمل في داخلها متطلّبات ومعايير ترجمتها الفعلية. ثم يعطي مصطلحَ الحق معنى غير

مألوف، لكونه يشير إلى هذه الحركة الترابطية بين المبدأ والواقع، بين النظرية والممارسة، بين الحرية وشروطها، التي يُدرجها عادة تحت مصطلح "الروح". يقول هيغل: "أساس الحق هو الروح بصفة عامة،

ومجاله الخاص ونقطة بدايته هي الإرادة. والإرادة هي التي تكون حرة، حيث تشكل جوهر الحق وغايته في آن معًا. في حين أن نسقه هو مملكة الحرية وقد تحقق بالفعل، أو هو عالم الروح وقد خرج من ذات نفسه على أنه طبيعة ثانية". من البين بذاته الصلة العضوية التي يقيمها بين الحق والحرية، حيث يصح القول إن الحرية مفهوم محدد للحق أو القانون، وإنها لا تشكل مبدأً داخليًا فحسب، وذلك بطريقة تعبّر به عن وجوب أو

فرض، كما هي الحال عند كانط، بل تشكل عنصرًا جوهريًا في حركة تحقّقها التاريخي. ولعل هذا

ما جعل أحد الباحثين يرى أن "كل فلسفة هيغل هي فلسفة الحرية؛ هذه الحرية لا تكون حقيقية إّلا عندما توجد في العالم، وتُحقق ذاتها وفقًا لمعناها الإنساني، وتنتشر فيه بوصفها 'طبيعة ثانية'، حيث

(((كلمة recht هي كلمة ألمانية مشتركة تدل على معنيين: الحق والقانون، وتتحدد بما هي حرية متعينة، أو الحرية المتحققة عينيًا،

أو الوجود المتحقق العيني للإرادة الحرة. ويتضمن الحق في نظر هيغل الأخلاق Moralitat، والحياة الأخلاقية Sittlichkeit، والتاريخ الكلي. يقول: "حين نتحدث ها هنا (أي في هذا الكتاب) عن الحق، فإننا لا نقصد القانون المدني، كما جرت العادة، بل نقصد أيضًا الأخلاق والحياة الأخلاقية، والتاريخ الكلي، فهذه كلها تندرج في ميدانه، لأن هذا التصور يوحّد بين الأفكار وفقًا

للحقيقة". ينظر: هيغل، البند (33)، ص 8. ونشير إلى أن مفهوم الحق – القانون المجرد، يغطي المواد (105–34)، مسبوقة بمقدمة حول مفهوم فلسفة الحق والإرادة والحرية شملت الفقرات.)33–1((((المرجع نفسه، الفقرة (1)، ص.93 (((المرجع نفسه، الفقرة (29)، ص.135 ((1(المرجع نفسه، الفقرة (4)، ص.139

يتجلّى عالم الروح. وإن 'فكرة الحق' هي تحديدًا فهم هذا المسار العملي الذي من خلاله تتحوّل

الحرية إلى تاريخ عبر انتشارها في عالم المؤسسات والقوانين والعلاقات". والحجة المقدمة هنا هي أن الحرية عند هيغل تشكل "جوهر الروح"، وتُعدّ نظريته في فلسفة التاريخ دليلًا، من بين أدلة كثيرة، على هذا المفهوم الذي هو بقدر ما يتحدد بالذات نفسها، يتحدّد بالآخر، وذلك وفقًا لعبارة مشهورة عنده تقول إن الإنسان يكون حرًا كلما كان إلى جانب نفسه، ومع غيره، وهو ما يؤكد الترابط

بين البعدين الذاتي والاجتماعي للحرية عند هيغل، أو ما أصبح يُصطلح عليه بالبينذاتية. ويتجلّى هذا

المجال، مجال الحق – القانون في ثلاثة مفاهيم كبرى هي الملكية والعقد والإنكار أو الظلم.

2. الأخلاق الذاتية

يتكوّن مفهوم الأخلاق Moralitat أو الأخلاق الذاتية من ثلاثة أزواج من المفاهيم، هي: الغرض

والمسؤولية، والنيّة والرفاهية أو السعادة، والخير والضمير، ويتميز من مفهوم الحياة الأخلاقية

Sittlichkeit الذي استحدثه هيغل، ويشكل مفهومًا ثالثًا وجديدًا في دراسة العلاقة بين القانون

والأخلاق، مقارنة بكانط. ولعل السؤال الأوّلي الذي يُطرح هنا هو: ما العلاقة بين هذه الحدود الثلاثة،

أقصد: الحق – القانون والأخلاق الذاتية والاجتماعية؟ والجواب عن ذلك، واضح ومحدد، يتمثّل في الإرادة الحرة الواعية التي تحدد أفعال الإنسان. لكن ما الذي يعنيه هيغل بالأخلاق الذاتية أولًا، ثم الحياة الأخلاقية؟ الأخلاق الذاتية عبارة عن وعي الإنسان بأن حريته لا تقوم في السيطرة على الأشياء، بل في السيطرة على ذاته هو، وهي تمثّل "الجانب الواقعي لمفهوم الحرية". وتتحدّد بالإرادة والحرية؛ إذ يقول: "من وجهة نظر الأخلاق الذاتية التي تكون فيها الإرادة واعية بحريتها وبهويتها مع ذاتها، فإن هوية

(11) Pierre–Jean Labarrière, "Hegel: Une philosophie du droit," Communications , no. 26 (1977), p. 162. (12) Friedrich Hegel, Encyclopédie des sciences philosophiques , Bernard Bourgeois (trad.) (Paris: Vrin, 1988), p. 178.

((1(يجب أن نشير إلى أن لفظ "الخطأ" الذي استعمله إمام عبد الفتاح إمام لترجمة اللفظ الألماني Das Unrecht، ينظر: هيغل، المادة (82)، ص 242، لفظ لا يؤدّي الغرض، في حين أن ما ترجمه بدوي للفظ نفسه بالظلم والإنكار، يؤدي الغرض. ينظر: بدوي،

ص 76، وتؤكده الترجمتان الفرنسيتان اللتان تستعملان لفظَي: L’injustice و Le déni du droit. ينظر:

Hegel, Principes de la philosophie du droit (1940), p. 12; Kervégan, p. 248.

((1(اختلف المترجمون العرب في ترجمة المصطلحين Moralitat و Sittlichkeit، فهنالك من ترجم المصطلح الأول بالأخلاق، أو أخلاق الضمير، أو الأخلاق الذاتية، أو الفردية، أو الأخلاق النظرية. وأما المصطلح الثاني، فترجم إلى الحياة الأخلاقية والأخلاقية والأخلاق العملية والأخلاق الاجتماعية والعادة الاجتماعية الطيبة وأخلاقية اجتماعية والآداب الاجتماعية، وهنالك من فضل تعريب

الكلمة (السيتليشكيت). ينظر: لوفيفر وماشيري، هيغل والمجتمع، ص  12. ولم يتردد بدوي في استعمال اللفظ الفارسي "الآيين" الذي استعمله ابن المقفع للدلالة على العادات والتقاليد والأعراف التي تتجلّى في الحياة الاجتماعية، وهذه ترجمة غريبة، بلا شك!

ومعلوم أن لابن المقفع كتابًا عنوانه آيين نامه، أي كتاب الآداب والقواعد والتقاليد. ينظر: أحمد علبي، ابن المقفع: الكاتب والمترجم

والمصلح (بيروت: دار الفارابي، 2002)، ص 110. وحول المعاني الأساسية لمصطلح الحياة الأخلاقية الذي نُفضّله في هذه

الدراسة، لأنه يفيد، في تقديرنا، الجانب الذاتي والاجتماعي للأخلاق، الذي يُعدّ مفهومًا مركزيًا في قراءات الفلسفة الاجتماعية.

ينظر: ميخائيل أنوود، معجم مصطلحات هيغل، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، [د. ت.])، الفقرة (186)، ص 183–180. يشتمل باب الحياة الأخلاقية على الفقرات.)360–142(((1(بدوي، ص.77

المضمون هذه تكتسب الطابع الأكثر جزئية الذي يناسبها". وتتحول الإرادة في مجال الأخلاق الذاتية إلى قانون يحكمها، بمعنى أنها تحدد نفسها تحديدًا ذاتيًا، فإذا كانت الإرادة في مجال الحق

المجرد يُحدّدها شيء خارجي كالملكية، فإنها في الأخلاق الذاتية قد عادت إلى نفسها، وجعلت من

ذاتها موضوعًا لها، ومقياس هذه العلاقة بين الأخلاق الذاتية والإرادة هو الفعل الذي يجب أن تتوافر فيه ثلاثة شروط: الوعي، والشمول، والعلاقة بالآخر. وهو ما يتكشّف في التحليلات التي أجراها للمفاهيم المشكّلة لهذه الأخلاق الذاتية، والتي أشرنا إليها في بداية هذه الدراسة. وبالأخلاق الذاتية، يصير الإنسان سيّد نفسه، ومسؤولًا عن أفعاله. وفي تقدير هيغل، فإن هذا المعنى الجديد هو الذي:

"نقل الإنسان من العصر الوسيط، حيث لم يكن سيّد نفسه، إلى العصر الحديث".

3. الحياة الأخلاقية

تتكوّن الحياة الأخلاقية من الأسرة والمجتمع المدني والدولة، ويكاد ينحسر مدار النقاش في الفلسفة

الاجتماعية حول هذه الأخلاق الاجتماعية، بوصفها تعبيرًا عن الروح الموضوعي، وذلك لأنها:

"تصور الحرية الذي صار عالمًا حاضرًا وطبيعة للوعي بالذات"، ولأنها تمثل الجوهر العيني

للخير، و"الخير ها هنا، إنجاز للموضوعي، بمساعدة الذاتية"، ولأنها تتكوّن في جزء كبير منها من

الواجبات، وأن الواجب عنده: "ليس حًّدًا للحرية، بل هو مضمونها العيني، لأن الإنسان الحر هو وحده الذي يجب أن تكون عليه واجبات، وأن يتحمّل مسؤوليات، ولا يبدو الواجب حًّدًا للحرية، إّلا بالنسبة

إلى الذات الفردية التي تحسب نفسها هي الحقيقة الواقعية المطلقة". ومن الواضح أن هذا نقد موجّه إلى كانط، وإلى النظرية الليبرالية التي تقوم على الفرد باعتباره الحقيقة العينية الأولى، في حين

أن الحياة الأخلاقية تتكوّن من الأسرة والمجتمع المدني والدولة. وحول هذه المفاهيم، كما قلنا، تدور

القراءات المختلفة للفلسفة الاجتماعية، سواء تعلق الأمر بالقراءة الماركسية القديمة والمتجددة، أو بالقراءة الجماعتية عند تشارلز تايلور Charles Taylor، أو القراءة النقدية الاجتماعية عند أكسيل هونيث Axel Honneth، أو القراءة التحليلية عند فانسون ديكومب Vincent Decomb، أو حتى القراءة الناقدة للفلسفة الاجتماعية عند كارفيغان، كما سُنبيّن ذلك في المباحث التالية:

((1(هيغل، ص.218 ((1(المرجع نفسه، ص.220 (1((بدوي،.78 ص ((1(المرجع نفسه، البند (143)، ص.102 ((2(المرجع نفسه. ((2(المرجع نفسه، ص.105 (2((من المعلوم أن ماركس قد خص كتاب هيغل مبادئ فلسفة الحقبدراسة نقدية، تُعدّ الأولى في تاريخ فلسفة القانون، كما أن

هنالك دراسات ماركسية حول الموضوع، ثم لأنها تكمل، بشكل من الأشكال، النقد الليبرالي لفلسفة القانون عند هيغل. لمزيد من التفصيل، ينظر:

Karl Marx, L’introduction à la Critique de la philosophie du droit de Hegel , Eustache Kouvélakis (trad.) (Paris: Ellipses Edition Marketing, 2000); Étienne Balibar, La proposition de l’égaliberté (Paris: PUF, 2010).

أ. تشارلز تايلور والقراءة الجماعتية

تُعد الدراسة التي خصصها تايلور لفلسفة هيغل من الدراسات الرائدة في الفلسفة الاجتماعية، سواء من الناحية الزمنية؛ إذ تعود إلى منتصف سبعينيات القرن العشرين، أو من ناحية نوعية القراءة التي لا تزال تفرض نفسها على كل قراءة لفلسفة هيغل القانونية والسياسية. ونشر كذلك دراسات متفرقة حول الروح الموضوعي، وأكد في مختلف كتاباته أهمية فلسفة هيغل وضرورتها بالنسبة إلى الفكر الفلسفي المعاصر. وتنبع هذه الأهمية من معطيَين: الأول هو أن الفلسفة الهيغلية تسمح بفهم عميق

لتطور المجتمع المعاصر، والثاني هو أنها لا تعاني القيود المفاهيمية التي تعانيها العلوم السياسية الحديثة على وجه التحديد. للكشف عن هذه الأهمية، أجرى تايلور فصلًا منهجيًا بين الجانب الأنطولوجي للروح في فلسفة هيغل

الذي حكم عليه بالفشل، لأنه غير قادر على إقناع المفكر المعاصر، ثم إن الروح الموضوعي اغتنى بثلاثة معطيات فكرية وثقافية معاصرة لهيغل: أولًا، ميراث عصر التنوير الذي على الرغم من تقديره للعقل البشري، فإنه اتصف بطابعين: نفعي على المستوى الأخلاقي، وذري على المستوى الاجتماعي. وثانيًا، ما يُسمّيه تايلور التعبيرية Expréssivisme التي استمدها من يوهان غوتفريد هيردر Johann

Gottfried Herder (1803–1744)، وهي رؤية مناهضة للرؤية المتجزئة أو الذرية لعصر التنوير، ولأنها تطور منظورًا رومانسيًا لوحدة التعبير للكائن الإنساني. وثالثًا، ذلك التوجه المضاد لما يسميه نزعة

السعادة Eudémonisme الطبيعية والنفعية لعصر التنوير، المتمثل في تصور للحرية البشرية يُعلي من قيمة الاستقلالية الذاتية، وذلك تحت تأثير فلسفة كانط الأخلاقية، والتي يصفها بالحرية الراديكالية التي اكتسبت قوة استثنائية في الثورة الفرنسية. وهو ما يعني أن هيغل، في نظر تايلور، قد أدرك جيدًا أن المشكلة الرئيسة التي تواجه الحداثة في هذا الصدد هي تكوين نظام اجتماعي، أو حياة أخلاقية Sittlichkeit، يمكن من خلالها أن يجد الإنسان الحديث مكانًا ينتمي إليه ويتماهى معه على نحو مناسب، لأنه "لا يمكن أن يكون الفرد فردًا إّلا إذا شارك في هذه الحياة الواسعة، أَلا وهي حياة

(2((قدم تشارلز تايلور كتابين مهمين متعلقين بهيغل، الأول عنوانه: هيغل؛ والثاني عنوانه هيغل والمجتمع الحديث. ينظر:

Charles Taylor, Hegel (Cambridge: Cambridge University Press, 1975); Charles Taylor, Hegel and Modern Society (Cambridge: Cambridge University Press, 1979).

وسنعتمد على الكتاب الثاني، نظرًا إلى الصلة المباشرة للموضوعات التي ناقشها بموضوع دراستنا. يتكوّن هذا الكتاب من ثلاثة

فصول، عالج في الفصل الأول مسألة الحرية والعقل والطبيعة، وفي الفصل الثاني موضوع السياسات والاغتراب، وفي الفصل الثالث قضية الحرية. والكتاب عبارة عن تلخيص للكتاب الأول، ركّز فيه على الجوانب الاجتماعية والسياسية، وعلى راهنية فلسفة

هيغل. ولقد ترجم الكتاب إلى الفرنسية بالعنوان نفسه. ينظر:

Charles Taylor, Hegel et la société moderne , Pierre Desrosiers (trad.) (Paris: Cerf, 1998). (24) Ibid., pp. 9, 72. (25) Ibid., pp. 128–129. (26) Ibid., pp. 67–68. (27) Ibid., p. 6.

المجتمع". وبتعبير آخر، فإن النموذج الليبرالي النفعي الذي تطوّر في ظل فلسفة عصر التنوير،

والنموذج الثوري المدفوع بمثالية الحرية المطلقة، والمستمدّ من روسو وكانط، والذي سيجد امتداداته الجديدة لدى ماركس، يثيران بشكل حاد مسألة إمكانية وجود "أخلاقية ما بعد صناعية". والمفهوم الحاسم في هذا النقاش هو مفهوم الحياة الأخلاقية الذي سيوظّفه تايلور في نقد الحداثة السياسية. وتكمن أهميته في أنه لم يقارنه بمفهوم الأخلاق Moralität فحسب، بل بمفهوم الاغتراب Alienation أيضًا، وبهما حاول إبراز الدور الأساسي لمفهوم الحياة الأخلاقية في صياغة نقد الحداثة السياسية. فما الذي يُميّز هذا المفهوم في نظر تايلور؟ يُفرّق هيغل، كما فعل ذلك كثير من الفلاسفة، وذلك منذ هيوم على أقل تقدير، بين ما هو موجود، أو

قائم، وما يجب أن يكون في الحياة السياسية والاجتماعية. وتنتمي الحياة الأخلاقية إلى ما هو موجود، وتلزمنا بأن نتمثّل في ما هو موجود بالفعل، وهي بذلك تربط الفرد بمجتمعه. ويظهر هذا الرابط من خلال الالتزامات التي يخضع لها الفرد، وهي التزامات تستند إلى المعايير الاجتماعية والعادات الراسخة. وهذا المعنى استمده هيغل، بحسب تايلور، من قراءته للفلسفة اليونانية، وكما يظهر في فلسفتها السياسية، وفي مفهومها للمدينة بشكل خاص polis، بما هي وحدة تعبيرية بين المواطن والمدينة. كان الناس، أو بالأحرى المواطنون اليونانيون في تلك الحقبة التاريخية، يرون في الحياة الجماعية لمدينتهم "جوهرًا ومعنى حياتهم الخاصة، وقد سعوا للمجد في الحياة العامة وخدمة هذه

المدينة، ووجدوا مكافأتهم في قوّتها وسمعتها، كما وجدوا الخلود في ذكراها". وهو ما يعني

أن تايلور يستخدم مفهوم الحياة الأخلاقية عند هيغل لتأكيد أهمية الروابط الاجتماعية والالتزامات المجتمعية في تشكيل الهوية الفردية ونقد الحداثة السياسية، وذلك في مقابل الأخلاق أكثر تركيزًا على الاستقلالية الفردية والواجبات الشخصية. ويمكن القول إن الاستقلالية الذاتية لدى كانط تُعدّ عند هيغل قيمةً غير تاريخية Anhistorique، وهذا هو الانتقاد الرئيس الذي يوجهه هيغل إلى فلسفة كانط السياسية، أي تجنب أي إشارة إلى واقع الأشياء، لأن معيار العدالة يجب أن يكون، وفقًا لكانط، صوريًا

بحتًا. من هنا، يمكننا القول إن الاستقلالية الأخلاقية لا تُكتسب إّلا إذا كانت فارغة. وما كان يهم هيغل هو أن يكون لهذه الاستقلالية مضمون محدد، بدلًا من أن تكون فارغة وعامة، ما يسمح بإزالة غياب الأساس للفعل. ويُظهر توافق الإنسان والمدينة الذي أراد هيغل إبرازه، من خلال استناده إلى النموذج

اليوناني وصياغته مفهوم الحياة الأخلاقية، أهميةَ المعايير والأهداف الاجتماعية، وكذلك دور أفعالنا في دعم ما هو موجود بالفعل. وبهذه الطريقة، تصبح هذه المعايير والأهداف واقعيةً من خلال أفعالنا.

(28) Ibid., p. 86. (29) Ibid., p. 124.

((3(يجب أن نشير إلى أن هذا المصطلح يطرح المشكلات نفسها في الترجمة الفرنسية، لذا فضّل المترجم الاحتفاظ بالكلمة

الألمانية. ففي تقديره، لا تستوفي كل المقابلات الفرنسية المعنى الألماني، ومن هذه المصطلحات التي اقترحها: الخلقية Ethicite، والأخلاق الموضوعية Ethique objective، والأخلاق العملية Ethique pratique، والأخلاق الاجتماعية Ethique sociale. ينظر:

Ibid., p. 83. (31) Taylor, Hegel et la société moderne , p. 84.

ومن دون ذلك، ستبقى هذه المعايير والأهداف ضمن نطاق نظري فارغ، أو تبقى غير محقّقة. وهكذا يمكن فهم النقد الذي وجّهه هيغل إلى كانط في هذا السياق، في افتقار الالتزام الأخلاقي إلى الدعم

الفعلي، بسبب رفض قبول المحتوى الوحيد الصالح، ذلك الذي يأتي من المجتمع الذي ينتمي إليه الفرد. كما يجب أن نشير إلى مفهوم الاغتراب الذي اهتم به تايلور، والذي يحتاج في الحقيقة إلى تحليل مفصّل، لا يتّسع له المجال في هذه الدراسة، إّلا أنه مفهوم ملازم للحياة الأخلاقية، ذلك أنه إذا كان

المفهوم الأخير يشكل عنصرًا مشتركًا بين مختلف قراءات الفلسفة الاجتماعية، فإن المفهوم الأول

يشكل عنصرًا فارقًا بين قراءات الفلسفة الاجتماعية، بخاصة بين تشارلز تايلور وهونيث، وذلك بحكم

أنهما الأكثر اهتمامًا بقراءة هيغل، مقارنة ببقية قراءات الفلسفة الاجتماعية. يرى تايلور أن مفهوم

الاغتراب يُستخدم للإشارة إلى حالة ينقطع فيها هذا الارتباط التعبيري بين الفرد ومجتمعه. ويمكن

ترجمة هذا الانقطاع كالتالي: لم يعد الفرد يتعرف إلى نفسه في المعايير والأعراف السائدة، أي يفتقد الوحدة التعبيرية. وفي هذا السياق، تظهر النزعة الفردية Individualisme، حيث لم يعد الأفراد يتعرفون إلى حياتهم في المجتمع الذي ينتمون إليه، وذلك لأنهم يعيشون في حالة من الانطواء الذاتي، ولأن الفرد توقف عن إدراك هويته من خلال تجربته المجتمعية العامة، بل – أكثر من ذلك – تبدو له هويته شأنًا خاصًا لا علاقة له بالجماعة التي ينتمي إليها. وفي مثل هذا الوضع من التفكك، تسود الأخلاق

الذاتية، في مقابل الحياة الأخلاقية التي تكتسي قيمة أولية عند هيغل، لأنها تتجلّى في إطار دولة "عقلانية"، حيث يتعرف الأفراد إلى أنفسهم في ممارساتها، وكذلك في مؤسساتها أو معاييرها، التي تحدد هويتهم، بحسب تايلور، وهنا يطرح سؤال الحرية ومفهومها. يرى تايلور أنه لا يمكن النظر إلى الحرية إّلا ضمن وضعية معيّنة، ووعي معيّن بالعالم، وأشكال الحياة،

وأن ما يُسمى الحرية الكاملة هي عبارة عن حرية "خاوية، حيث لن يوجد شيء يستحق أن تُعزى إليه

قيمة. وسيكون 'الأنا' الذي يفوز بحريته من خلال تحييد كل العقبات والعراقيل 'أنا' فاقدًا كل صفة، ومجردًا نتيجةً لذلك من كل هدف أو قصد محدد". وما هو على المحك هنا، وفقًا لتايلور، هو التصور الحديث للحرية الذي يظهر، بدرجات متفاوتة، بوصفه استقلالًا ذاتيًا، أو حرية سلبية،

لا تجد تحقيقها إّلا بالتحرر من كل ارتباط، ومن كل سياق، ومن كل مُعطى، ويتم استيعابها أحاديًا

باعتبارها مجرد قيود. وفي مقابل هذه الحرية، يدافع تايلور عن الحرية السياقية، إن صحّت العبارة،

التي لا تعني بالضرورة التخلّي عن الذاتية، بل تحديدها بدقة، وذلك من خلال ربطها بحياتنا بوصفنا

(32) Ibid., p. 94. (33) Ibid., p. 157.

(3((مفهوم الحرية السلبية والإيجابية قال به الفيلسوف إيزايا برلن، ووظّفه تايلور في تحليلاته لها. ينظر: إيزايا برلن، الحرية: خمس

مقالات عن الحرية، ترجمة يزن الحاج (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 2014)، ص 7–39.6 وكذلك تشارلز تايلور في كتابه:

حرية المحدثين. ينظر:

Charles Taylor, La liberté des modernes , Philippe de Lara (trad.) (Paris: PUF, 1999), pp. 255–283. (35) Taylor, Hegel et la société moderne , p. 155.

كائنات اجتماعية ومتجسّدة، ومن دون اختزالها لتكون مجرد وظيفة للطبيعة المجسّدة. وهذا،

كما لاحظ ذلك تايلور، يُعيدنا مباشرةً إلى هيغل ومحاولته تصوّر مثل هذه الذاتية المتجسّدة التي تجد

حريتها مرتبطة بالحياة والطبيعة والمجتمع، حيث تتغذّى منها، وتتطوّر من خلالها. ولقد سمحت هذه

القراءة لتايلور بالاعتماد على مبدأ أساسي في الأنطولوجيا الاجتماعية، يفيد أنّ اللغة تشكل الواقع، وذلك وفقًا لمفهومٍ في اللغة طوّره الفيلسوف الأميركي جون سورل John Searle انطلاقًا مما يعرف في

فلسفة اللغة بنظرية الألعاب عند لودفيغ فتغنشتاين Ludwig Wittgenstein (1951–1889) (الثاني)، ليشمل جميع الممارسات الاجتماعية ال "محكومة بالقواعد". ولقد قاده هذا الطرح إلى تأكيد وجود معانٍ بينذاتية تُعتبر مكوّنة للنسيج الاجتماعي الذي يتموضع فيه الأفراد ويتصرّفون. والأهم من ذلك،

يُميّز بين نوعين من المعاني: "المعاني المشتركة"، الناتجة من تلاقي المعتقدات الفردية، و"المعاني

العامة" التي يعتبرها أكثر أصالة، لأنها تنبع من "وعي مشترك" وتشكل أساس الجماعة. وعلى هذا الأساس من التحليل، خلص تايلور، وذلك في إشارة واضحة إلى صيغة "فلسفة الروح" عند هيغل، إلى أن لدينا وعيًا بالعالم من خلال "نحن"، قبل أن يكون لدينا وعيٌ من خلال "الأنا". بناء على هذا التصور، سواء في ما يتعلق بالحياة الأخلاقية أو الاغتراب أو الحرية، طوّر تايلور نقدًا

لنظرية أولوية الحقوق الفردية، مستهدفًا التصوّر الراديكالي الذي قدّمه روبرت نوزيك Robert Nozick

(1938–2002) في كتابه: الفوضى، والدولة، واليوتوبيا، ليؤكد أن هذه النظرية تفترض رؤية "ذَرية" للمجتمع، بصفته اجتماعًا لأفراد موجودين بطبيعتهم بهذه الصفة، ولا تهتم هذه الرؤية بعلاقة الحقوق بالالتزام والانتماء إلى نوع الحياة الاجتماعية الذي يجعل من الممكن المطالبة بها. وإنه إذا كانت الحقوق في المجتمع الذي نعيش فيه تشكّل جزءًا أساسيًا من هوية الأفراد، فيجب علينا أّلا ننسى أن

لها، مثل أي تحديد معياري، "علاقات اجتماعية". وهنا نلتقي بالأطروحة الهيغلية القائلة بعدم قابلية الفصل بين الحقوق والواجبات في سياق الحياة الأخلاقية الحديثة. وهذا يعني أن تايلور ينتقد الجانب الفرداني في مفهوم العدالة والقانون عند الليبراليين، بخاصة عند الليبرتالية، كما ينتقد فكرة حياد الدولة التي يجب التخلّي عنها لمصلحة ما يُسمّيه "سياسة الخير المشترك"، وذلك لأن فكرة حياد الدولة

تقوّض المعنى الجماعي للخير المشترك، وهو معنى ضروري حتى يقبل المواطنون تحمّل التضحيات

(36) Ibid., p. 167.

(3((في هذا الموضوع، ينظر: الزواوي بغورة، الفلسفة واللغة: نقد المنعطف اللغوي في الفلسفة المعاصرة، ط  3 (الكويت: دار صوفيا، 2018)، ص 174–162؛ أما مفهوم اللغة عند تايلور، فيحتاج إلى بحث موسع، ويمكن العودة إلى كتابه الأساسي في

اللغة: تشارلز تايلور، حيوان اللغة: الشكل الكامل لقدرة الإنسان اللغوية، ترجمة حسام نايل (الرياض: دار معنى، 2021)، ص –15

7 6؛ وأما بالنسبة إلى الصلة بين تحليله وتحليل سيرل، فيمكن العودة إلى: جون سيرل، بناء الواقع الاجتماعي من الطبيعة إلى الثقافة، ترجمة حسنة عبد السميع (القاهرة: المركز القومي للترجمة،.)2012

(38) Taylor, La liberté des modernes , pp. 162–163. (39) Ibid., p. 169. (40) Ibid., p. 171.

(4((ينظر: روبرت نوزيك، الفوضى، الدولة، اليوتوبيا، ترجمة عبد الكريم ناصيف (بيروت: دار الفرقد،.)2019

(42) Taylor, La liberté des modernes , p. 237.

التي تقتضيها منهم الدولة، ولأن المواطنين لن يتماهوا: "مع الدولة، ولن يذعنوا لأوامرها إّلا إذا بدا لهم أن نمطًا من الحياة المشتركة هو تجسيد للخير الأسمى، فإنّ كًّلا من استقراره وازدهاره حينئذ يصبح قيمة في ذاتها لديهم، وليس وسيلة لتحقيق رؤيتهم الشخصية والفردية للخير فحسب، أو مجرد مجموع حسابي لتلك الرؤى". ومن هنا ينتصر لحقوق الأقليات، باعتبارها حقوقًا جماعية، وذلك من خلال دفاعه عن سياسة الاعتراف بالتعدد الثقافي الذي يسم مجتمعاتنا المعاصرة ويطبعها بطابعها الخاص، وكذلك بحكم أن عملية بناء الهوية الفردية أو الذاتية، لا يمكن أن تتم خارج نظام اجتماعي وأخلاقي معيّن. ومثلما يختلف عن الطرح الليبرالي في مسألة أولوية الخير على العدل والحق، فإن المعنى

الأولي للاعتراف يقتضي طلب الاعتراف، بمعنى الاعتراف المتبادل، وعندما يكون الاعتراف مفهومًا

على هذا النحو، فإنه يكتسب معنى العدل. ويمكن المؤسسات الأكثر تفهّمًا للانتماءات الثقافية

وهويات الأفراد، والمتحررة من سياجاتها، أن تشجع على الانخراط والمشاركة، من خلال فرضية يطرحها تايلور ترى أن الاعتراف بالهوية سيؤدي إلى إحياء المشاركة المدنية التي يُفضّلها الشعور

بالانتماء المشترك إلى المؤسسات والمجتمع وجماعة المصير، وذلك بعيدًا عن المفهوم الليبرالي للفردانية. هذا يعني أن سياسة الاعتراف بالمطالب المشروعة تعني الإقرار بنوع من العدالة الاجتماعية، على الرغم من كونها لا تتصل بالحقوق الفردية العالمية التي تُحدّد مجتمعًا عادلًا، بل إنها تتعلق بالحقوق الجماعية التي تسمح بقيام مجتمع خير. فإذا كان العدل يتحدّد من الوجهة الكونية، بناءً على الحقوق

الفردية، وأن الخير العام لا يمكن قبوله إّلا إذا توافق مع احترام حرية الفرد، بمعنى القول بأولوية العدل على الخير، فإن تايلور يعترض على هذا الموقف بحجتين تهدفان إلى استحالة الفصل بين العدل والخير: تتضمن الحجة الأولى أن المسائل المتعلقة بالعدل ليس لها دائمًا القيمة نفسها، بل تكون

لها قيمة في إطار الخير. يقول: "نجد تحت اسم العدل شتّى القيم التي تبدأ من الحقوق الأساسية

للإنسان، والحماية من الاستغلال، وإلى غاية السؤال: هل أنجزت نصيبك من الأعمال المنزلية في الأسبوع الماضي؟". يُبيّن هذا النص تعدد قيم العدل، وأن تحديدها مرتبط بما نعتبره خيرًا بالنسبة

إلينا. وتتمثل الحجة الثانية في أن كل تحديد للعدل يفترض سلفًا معايير مسبقة. يقول: "لا يمكن أن نؤكد الحقوق من دون أن نؤكد قيم بعض القدرات الإنسانية. فمثلًا، عندما يحدد يورغن هابرماس العدل بطريقة إجرائية تواصلية، أو عندما يحدد رولز العدل بطريقة إجرائية تحظى بالإجماع، فإن الأول يفترض قيمة اللغة والثاني قيمة العقل". إن هذه الحجة التي تربط بين الحق والقدرة تهدف إلى إعطاء الحق صبغةً نسبية، أو إنها تفضي إلى القول، بمعنى آخر، إن المعايير مشروطة بقدرات، ومن ثمّ

فإنه لا يمكن القول إنها خاطئة كلية أو صحيحة كلية، وهذا يسمح بربط العدل بالخير بما هو خاص

(43) Ibid., p. 213. (44) Emmanuel Renault, L’expérience de l’injustice, Reconnaissance et clinique de l’injustice (Paris: La Découverte, 2004), p. 61. (45) Taylor, La liberté des modernes , p. 45. (46) Ibid., p. 51.

بتصور هوية خاصة، وجماعة معيّنة، مثله في ذلك مثل الحق واللغة، أو الحق والعقل. وهو ما يعني

نوعًا من النقد للكونية والإجرائية، أو نقد التحديد الليبرالي للعدل القائم على الحقوق الفردية والكونية.

وبناءً عليه، فإن النتيجة التي يخلص إليها تايلور، يمكن صياغتها على النحو الآتي: بما أن العدل محدد

بالخير، وبما أن الخير محدد تاريخيًا، فإن العدل، بما في ذلك العدل التوزيعي، يجب أن يتحدد وفقًا

للمعطيات التاريخية. يقول: "لا يمكننا أن نحدد عدالة توزيعية من دون أن نأخذ في الحسبان الثقافة والتقاليد ونمط حياة المجتمع المعني". وبالطبع، فإن تحديد العدل، وفقًا للخير التاريخي، يؤدي إلى موقف نسبي مفاده أن العدل يرتبط بسياق ثقافي وتاريخي.

ب. أكسيل هونيث والقراءة المعيارية

يمكننا القول إن فلسفة هونيث كلها تصدر عن قراءة معيّنة لفلسفة هيغل، وتستلهمها في كل ما يتعلق

بقضايا الفلسفة الاجتماعية، ومنها فلسفة القانون التي ناقشها في الكثير من نصوصه ودراساته، بخاصة في كتابين أساسيَين: أمراض الحرية (2001) وحق الحرية (2011)، إضافة إلى بحوث أخرى ذات

صلة بهيغل وفلسفته. ويُعدّ ما قدّمه في كتابه الأول أمراض الحرية بمنزلة تحيين لفلسفة القانون عند

هيغل، بخاصة أنه ينطلق من فكرة أساسية هي النظر في "فلسفة القانون عند هيغل بوصفها نظرية في العدالة"، وأن هذه النظرية ذات طبيعة معيارية، ترتبط بالمؤسسات. ثمّ إن كتابه الثاني حق الحرية

يمثل تجديدًا لمفهوم الحرية، باسم الحرية الاجتماعية، وذلك على الرغم من إقراره أن فلسفة القانون عند هيغل لم يكن لها تأثير في النقاش الفلسفي السياسي المعاصر، باستثناء ما قدّمه تايلور في كتابَيه:

هيغل (1975)، وهيغل والمجتمع الحديث)1979(. يصطلح هونيث في قراءته فلسفة القانون عند هيغل مقولة "إعادة البناء المعياري" Reconstruction normative، ما يعني أنه لا يقطع مع الفلسفة السياسية المعيارية، بل يحاول تعديلها، حيث تأخذ في الحسبان ما قدّمه هيغل باسم الأخلاق والحياة الأخلاقية التي تعطي

المؤسساتِ الضامنةَ للحرية الأولويةَ، مقارنة بالمعايير، على الرغم من العلاقة القائمة بينهما. وليست الدولة شيئًا آخر غير نظام اجتماعي ومؤسسة قانونية، لا يمكن تسويغها، إّلا إذا كان في

إمكانها أن تنمي الحرية الفردية لكل مواطن من مواطنيها. وهذا ما تؤكده الفقرة (4) من كتابمبادئ فلسفة الحق: "إن الحق–القانون هو مملكة الحرية وقد تحققت بالفعل ". وإذا كان القانون هو

(47) Ibid., p. 53. (48) Axel Honneth, Les pathologies de la liberté, Une réactualisation de la philosophie du droit de Hegel , Franck Fiscbach (trad.) (Paris: La Découverte, 2008), p. 5. (49) Ibid., pp. 21–22. (50) Axel Honneth, Ce que social veut dire, I. le déchirement du social , Pierre Rusch (trad.) (Paris: Gallimard, 2013), p. 117. (51) Ibid., p. 111. (52) Ibid.

ينظر: أيضًا: هيغل، ص 107؛ Kervégan, p. 156.

مملكة التحقق الذاتي الفردي، فإنه يجب عليه أّلا يقتصر على مبادئ عامة تضمنها الدولة أو يختزل فيها، بل يجب أن يتعدّى ذلك إلى مجال المؤسسات في المجتمع؛ وذلك لأن الشخصية القانونية أو الذات الأخلاقية في نظر هيغل لا يمكنها أن تثبت بصفة دائمة معايير تصرّفها من دون الأخذ في

الحسبان السياق التاريخي المتمثل في العادات والتقاليد والمؤسسات الاجتماعية. وبناء عليه، فإنه، من أجل تفادي أمراض الفردانية المعاصرة أو تجنّبها، يرى هيغل، في نظر هونيث، أن الفردانية تتم عبر التنشئة الاجتماعية Socialisation، وهو ما يقرؤه في الحياة الأخلاقية التي تحوّلت إلى طبيعة ثانية.

وهذا يعني أن مبادئ فلسفة القانون تقدم لنا ما يُسمّيه هونيث الفردنة الاجتماعية Individualisation

sociale، ومكوّناتها الأساسية المشكّلة للحياة الأخلاقية، أَلا وهي الأسرة والمجتمع المدني والدولة.

وهذه هي العناصر التي تشكل نظرية الاعتراف بما هي نظرية في العدالة، وأعني بها الفضاء الحميمي، والفضاء القانوني، والفضاء التضامني. من هنا يرى هونيث أن أصالة فلسفة هيغل القانونية تكمن في مفهومها للعلاقة بالآخر، أو ما يصطلح عليه بمصطلح البينذاتية الذي يشير إلى أن التفاعلات بين الأفراد ليست مجرد تبادلات سطحية، بل هي عمليات معقدة، يتم فيها التعبير عن الذات وتكوين الهويات من خلال التفاعل مع الآخرين، وأن العلاقة البينذاتية ليست تعبيرًا عن الذات فحسب، بل هي أيضًا مجالٌ يتمّ فيه تحقيق الحرية والاعتراف

المتبادل، وشرطٌ لتحقيق الحرية في المجتمعات الحديثة. يقول: "إذا كانت الحرية الفردية تتميز أولًا وقبل كل شيء ب 'الوجود مع الذات في الآخر'، فإن عدالة المجتمعات الحديثة تُقاس بمدى قدرتها على ضمان الشروط اللازمة لهذه التجربة التواصلية Expérience communicationnelle بصفة متساوية لجميع أعضائها، ومن ثمّ جعل المشاركة في علاقات التفاعل غير المشوّهة ممكنة للجميع. وبهذا

المعنى، يمكن القول إن هيغل، باسم الحرية الفردية، يصف العلاقات التواصلية بأنها خيرات أساسية Biens fondamentaux يجب أن تمتلكها المجتمعات الحديثة من منظور العدالة". وهو ما يعني أن تحقيق العدالة في المجتمعات الحديثة يعتمد على ضمان تمكين جميع الأفراد من المشاركة في تفاعلات غير مشوّهة، حيث تعتبر هذه التفاعلات بمنزلة خيرات أساسية للمجتمع. ومما لا شك فيه

أن هذا الفهم يبرز أهمية البنية التحتية الاجتماعية والمؤسسية التي تتيح للفرد تحقيق حريته من خلال التواصل والاعتراف المتبادل داخل المجتمع، وذلك لأن مفهوم التجربة التواصلية يفيد أننا لا نتحرر وحدنا، أو بوصفنا أفرادًا معزولين أو منفصلين بعضنا عن بعض، بل نتحرر معًا، أو نتحرر مع الآخر، وذلك ضمن هيئات الحياة الأخلاقية؛ أي العائلة والمجتمع المدني وعالم العمل والتبادل الاقتصادي والدولة. وتشكل هذه العناصر في نظر هونيث بنى تواصلية Structures communicationnelles.

(5((أكسل هونيث، الصراع من أجل الاعتراف: القواعد الأخلاقية للمآزم الاجتماعية، ترجمة جورج كتورة (بيروت: المكتبة الشرقية، 2015)، ص.238–169

(54) Honneth, Les pathologies de la liberté , p. 57; Axel Honneth, "Justice et liberté communicationnelle. Réflexions à partir de Hegel," in: Alain Caille & Christian Lazzari, La reconnaissance aujourd’hui (Paris: CNRS Editions, 2009), p. 59. (55) Caille & Lazzari, p. 59.

وإذا كان من البيّن أن هونيث يستعمل المفهوم المركزي في فلسفة أستاذه يورغن هابرماس

Jürgen Habermas، ونعني بذلك مفهوم التواصل في قراءة فلسفة القانون عند هيغل، فإن ثمة خلافات أساسية بينهما، ليس أقلّها مرجعية التأسيس ومكوّنات النظرية والموقف من اللغة وفعل

التواصل نفسه، ومفهوم الحرية، بخاصة الحرية الاجتماعية. وإذا كان المجال لا يسمح بعقد مقارنة بينهما، فإنه من الضروري الإشارة إلى أن هدف هونيث من قراءة فلسفة القانون عند هيغل هو بناء نظرية في العدالة الاجتماعية داخل النظرية الاجتماعية، وذلك من خلال العلاقات البينذاتية، وأنه في الوقت الذي يعمل هابرماس على إعطاء الأولوية للعلاقات التواصلية، يعمل هونيث على إعطاء علاقات الاعتراف الأولويةَ، وبيان أن محدودية الفلسفة السياسية المعاصرة تكمن في كونها مبنيّة على مبادئ معيارية بحتة، وأنها منفصلة عن ممارسة التحليل

الاجتماعي. وبناءً عليه، إذا كان كانط يُلهم أنصار الفلسفة المعيارية البحتة، فإن هيغل يقودنا نحو

التفكير في المبادئ المعيارية القائمة على التحليل الاجتماعي. وإذا كان لدى الميراثين حقيقة مشتركة مفادها أن نظرية العدالة هي قبل كل شيء نظرية معيارية، فإنهما يختلفان في كون الميراث الكانطي صاغ هذه المبادئ بصفة مستقلة عن الأخلاق المتضمنة في الممارسات والمؤسسات المعطاة، وهي ليست سوى تطبيقها في الواقع الاجتماعي بعديًا، في حين تؤدي فلسفة القانون عند هيغل دورًا

أساسيًا في التفكير في العدالة، لأنها محاولة لإعادة بناء المؤسسات التي تضمن الحرية على أساس

العلاقات الاجتماعية السائدة في عصره. وإن أهم ما تركه لنا هيغل هو السياق الاجتماعي للمبادئ المجرّدة للعدالة الحديثة، وهو ما يسميه "التحليل المحايث" Immanence لنظرية العدالة الاجتماعية،

مع ضرورة "تطوير نظرية في العدالة، مبنيّة على الشروط البنيوية المسبقة لمجتمعاتنا". ومع ذلك، فإن ثمة تحدّيًا أو إحراجًا نظريًا يبقى قائمًا في نظرية العدالة عند هيغل، يتمثل في: كيف

يمكن تجاوز التعارض القائم بين دولة تسلّطية، كما يقدمها هيغل، واستقلالية الفرد، هذه الاستقلالية التي تُعدّ حقًا طبيعيًا؟ إن الجواب عن هذا الإحراج يكمن في مفهوم الروح الموضوعي الذي يمكن

القول إنه يمثل عالم الثقافة، والذي يُعدّ طبيعة ثانية، حيث نجد إجابة واضحة عند هيغل وفي

الفقرة (4) من كتابه الذي يؤكد فيه أن للقانون مكانتَه وأرضيتَه في الإرادة، وهو ما أشرنا إليه في المبحث الثاني من هذه الدراسة، وأن هذه الإرادة حرة، إلى درجة أن هذه الحرية تشكل جوهرها ووجهتها. وبناءً عليه، فإن نظرية العدالة لا يمكن إّلا أن تكون نظرية في الحرية، وليست نظرية في التسلّط. لكن

واجب هذه الإرادة أن تطيع قوانين الدولة، ما دامت العلاقة بين الحرية والسلطة هي علاقة الوسيلة بالغاية. فإذا كانت السلطة وسيلة، فإن الحرية هي الغاية. وبناءً على هذه القراءة، فإن الذين لا يرون

في هيغل إّلا ذلك المدافع، بلا تحفّظ، عن السلطة، يتجاهلون أنها لم تكن غاية في ذاتها عنده، بل

((5(حول العلاقة بين نظرية العدالة الاجتماعية بوصفها معيارًا، والتجربة الاجتماعية المعيشة، يمكن العودة إلى الدراسة المتميزة

التي قدّمها الفيلسوف الفرنسي إيمانويل رونو في كتابه: تجربة الظلم. ينظر: Renault.

(57) Honneth, Ce que social veut dire , p. 127. (58) Ibid., p. 125.

كانت وسيلةً، وأن القانون هو تجسيد للحرية، وأن الغاية النهائية، وذلك من خلال تسلسل عناصر فضاء الروح الموضوعي، هي الإرادة الحرة، وهذا ما يتّفق، بمعنى ما، مع ما ذهب إليه كاسيرر، كما بيّنا ذلك

في المبحث الأول من هذه الدراسة. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يضمن الروح الموضوعي، ومنه القانون، تحقيق هذه الغاية؟ ومن يمثل هذه الإرادة الحرة، ونحن نتحدّث عن الروح الموضوعي؟ يثبت هونيث أن الإرادة الحرة لا تظهر في التحليل الأخير إّلا في الفرد أو الشخص على وجه التحديد، وأن الغاية التي تسعى لها هذه الإرادة الفردية الحرة هي التحقيق الذاتي Autoréalisation. وبهذا المعنى، فإن نظرية هيغل في فلسفة القانون هي نظرية في العدالة القائمة على حرية الإرادة. يقول هونيث: "الأمر متروك لفلسفة الروح الموضوعي لإعادة بناء الخطوات الضرورية التي تصل من خلالها الإرادة الحرة إلى كل إنسان، في الوقت الحاضر، إلى الواقع الفعال [...] وبالاتفاق مع روسو وكانط ويوهان غوتليب فيخته Johann Gottlieb Fichte، يبدأ هيغل من الفرضية التي بموجبها لا يمكن اعتبار كل التحديدات الأخلاقية أو القانونية، شرعية، إّلا بقدر ما تُعبّر عن استقلال ذاتي Autonomie

للإنسان أو تقرير مصيره Autodétermination ". ومن دون احترام هذه القاعدة أو المبدأ، فإنه لا يمكن تصوّر القانون على أنه الفضاء الخاص لتحقيق الإرادة الحرة. لم يكتفِ هونيث بهذه القراءة المعيارية لفلسفة القانون عند هيغل، بل إنه توسّع فيها أكثر في كتابه

الأساسي حق الحرية الذي يستحق مناقشة خاصة، وذلك نظرًا إلى أهمية النظرية التي يُقدّمها، لكن في

سياق بحثنا هذا، سنكتفي بمفهوم الحرية الاجتماعية، وذلك لأنها العنصر المكمل للقراءة المعيارية التي يقترحها. تقوم فكرة الحرية الاجتماعية على نقد مبدأ أولوية الحرية الفردية في النظرية الليبرالية، وذلك لأن هيغل أجرى ترابطًا جدليًا بين الفرد والمجتمع باسم الاعتراف، وهو ما يصطلح عليه هونيث

العلاقة البينذاتية، ثم لأن "فلسفة القانون عند هيغل ليست نظرية معيارية للدولة الليبرالية فحسب، بل تريد أن تكون في الوقت نفسه تشخيصًا لخطر تطوّر منحرف للمجتمع" أيضًا. وهو ما يؤدي إلى

ربط نظرية الحرية بالتحليل الاجتماعي، أو دراسة الحرية بما يسمى في الفلسفة الاجتماعية "الأمراض الاجتماعية" Les pathologie sociales، وفي مقدمتها النزعة الفردية المفرطة التي تسم المجتمعات الغربية المعاصرة. يناقش هونيث الحرية الاجتماعية انطلاقًا من الحرية السلبية، كما قدّمها توماس هوبز Thomas Hobbes)1679–1588(، حيث تُفهم الحرية باعتبارها غياب القيود الخارجية على الفرد، ثم ينتقل بعد ذلك إلى الحرية التأملية عند روسو وكانط، حيث تشتمل الحرية على القدرة على التفكير والتأمل الذاتي واتخاذ قرارات مستنيرة بناءً على العقل، ثم يصل إلى الحرية الاجتماعية

(59) Ibid., p. 119. (60) Ibid., p. 120. (61) Axel Honneth, Le droit de la liberté. Esquisse d’une éthicité démocratique , Frédéric Joly & Pierre Rusch (trad.) (Paris: Gallimard, 2001), p. 11. (62) Ibid., pp. 36–37. (63) Ibid., pp. 54–55.

كما صاغها هيغل، حيث تُفهم الحرية باعتبارها تحقيقَ الذات داخل الإطار الاجتماعي، وفيه تتجاوز الحرية الفهم الفردي، لتشمل العلاقات الاجتماعية والمؤسسات التي تتيح للأفراد الاعتراف المتبادل وتحقيق الذات. ويجادل هونيث في أن هذا الفهم للحرية هو الأكثر اكتم لًا وواقعيةً، لأنه يأخذ في الحسبان البعد الاجتماعي للحرية وكيفية تحقيقها في سياق التفاعلات والعلاقات الاجتماعية. وبهذا النهج، يُعزّز هونيث مفهوم الحرية الاجتماعية إطارًا يمكن من خلاله فهم العدالة وتحقيقها والاعتراف

المتبادل في المجتمع الحديث، مؤكدًا أهمية البعد الاجتماعي والمؤسسي في تحقيق الحرية الفردية. وباستلهام هيغل الذي يعتبر أن الحرية تكمن في "أن تكون مع نفسك في الآخر"، يستخلص هونيث الفكرة القائلة إن الاعتراف شرط ضروري لتحقيق الحرية الفردية جماعيًا، مع فارق بسيط يتمثل في أن

الاعتراف البيني أصبح متجذّرًا في سلسلة من الممارسات والمؤسسات التي تضمن استقراره. وبهذا

النهج، يُعزّز هونيث فكرة أن الحرية الفردية لا يمكن تحقيقها إّلا في سياق اجتماعي، حيث يعترف

الأفراد بعضهم ببعض، ويتفاعلون داخل إطار مؤسسات تدعم هذه العلاقات وتثبتها، وهو ما يؤكد أن هذا الفهم يتجاوز المفاهيم الفردية للحرية، ليشمل الأبعاد الاجتماعية والمؤسسية التي تجعل الحرية الاجتماعية ممكنة بالفعل. وبهذا الطرح، نفهم أن العدالة الاجتماعية عند هونيث تتجلّى، عندما يتمكّن الأفراد من تحقيق حرّياتهم

الفردية، من خلال المشاركة في مؤسسات وممارسات اجتماعية تُعزّز الاعتراف المتبادل والتكامل بين

الحريات. ولا توفر هذه المؤسسات إطارًا قانونيًا وسياسيًا فحسب، بل تُسهم أيضًا في بناء مجتمع، حيث

يتمكّن الأفراد من العيش بحرية والتفاعل، على نحوٍ يُكمل حريات الآخرين، ولأن النظرية الأخلاقية

الحديثة تسعى لدمج القيم الأخلاقية والاجتماعية في بنية المؤسسات والممارسات الاجتماعية، حيث تعكس التكامل بين الحرية الفردية والعدالة الاجتماعية. وبهذا يمكن أن يشعر الأفراد بأن حرياتهم ام، نيرخلاآ تايرح عم ةلماكتمو ةطبترم ةيدرفلا عيمجلل لامًاااشو لادًاااع ايعًامتجا امًاظن قلخي. يقوم مفهوم العدالة الاجتماعية، بما هو اعتراف، على أطروحة مفادها أن التطلّعات الأخلاقية المصوغة من الذوات الاجتماعية تقوم على الاعتراف الاجتماعي من الآخر. وتتضمن هذه الأطروحة نتيجتين أساسيتين: أولاهما، تأكيد الطابع الأخلاقي للفاعلين الاجتماعيين أو الذوات الاجتماعية. وثانيتهما، اندماج الأخلاق في المجتمع. وبالنسبة إلى النتيجة الأولى، فإن تشكيل الهوية الفردية تدعمها وتساندها، وذلك لأن هذه الهوية تتشكل اجتماعيًا عبر عمليات اجتماعية عديدة، منها على سبيل

المثال لا الحصر، دور التربية والتعليم، وهذا يعني وجود علاقة بين العمليات الاجتماعية ومسألة الاعتراف. ينجم عن هذا أن عدل مجتمع معيّن "يقاس بدرجة ضمانه لشروط الاعتراف المتبادل

التي تسمح بتشكّل الهوية الشخصية وازدهار الفرد". كما أن الخيرات ليست خيرات مادية ونفعية فحسب، بل هي خيرات ثقافية ورمزية. وفي هذا السياق، يستعمل هونيث مصطلحًا له دلالة خاصة؛

مصطلح المصلحة المتعالية Intérêt transcendantal، كما يؤكد بخاصة أهمية المصلحة في الانعتاق

(64) Ibid., p. 86. (65) Axel Honneth, "Justice et reconnaissance," Le Passant , vol. 3, no. 38 (2002), p. 31.

والازدهار Intérêt d’émancipation من حيث هي موجّهة ضد أشكال التفاوت والإقصاء والإذلال

الاجتماعي. وبناءً عليه، فإن الحياة الأخلاقية، في نظره، يجب أن تتحقق في ثلاثة فضاءات أساسية:

الحب والمساواة والتقدير، وهي تعبير عن تلك النماذج الثلاثة التي تشكل نظرية الاعتراف التي درسها انطلاقًا من هيغل وغيره من الفلاسفة، ومن أن العدل يجب أن يؤسّس على علاقات الاعتراف المتبادل

داخل المجتمع. وإنه إذا كانت الحياة الأخلاقية تُحيل إلى نوعية علاقات الاعتراف، وإلى إمكانية تحقيق الاستقلال الذاتي، فإن المبادئ المعيارية التي يجب احترامها هي: الحاجة في العلاقات العاطفية أو الحب، والمساواة في الحقوق على مستوى المجتمع، والتقدير المنصف في علاقات التضامن الاجتماعي.

ج. في القراءة العربية لفلسفة القانون عند هيغل

لا خلاف في اهتمام الفكر الفلسفي العربي المعاصر بفلسفة هيغل تأليفًا وترجمة وتوظيفًا، بخاصة من حيث ارتباطه بالفلسفة الماركسية التي شكّلت تيارًا أساسيًا في الفكر الفلسفي العربي المعاصر.

وفي تقديري، مهما تعدّدت القراءات العربية لفلسفة هيغل بعامة، ولفلسفته القانونية بخاصة، فإنه يمكن حصرها في شكلين أساسيين: القراءة الشارحة، والقراءة التأويلية. يمثل القراءة الأولى عبد الرحمن بدوي، وذلك ضمن مشروعه التأليفي الموسوعي لتاريخ الفلسفة والفلسفة الألمانية على وجه التحديد، حيث خصّ هيغل بثلاثة كتب أساسية، أحدها عن فلسفة القانون

والسياسة. فبعد مناقشة مقتضبة لبعض مسائل المصطلح في فلسفة القانون عند هيغل، والوقوف عند منزلتها مقارنة بأعماله الفلسفية الأخرى، والإشارة إلى السياق التاريخي الذي كُتبت فيه، وذكر بعض الوقائع التي تُعبّر عن حدة الصراع القائم في الجامعة والمجتمع الألمانيين في ذلك الوقت،

وأشكال الهجوم الذي تعرّض له هيغل من خصومه، بخاصة المكانة المرموقة التي بلغها في جامعة

(66) Ibid., p. 32.

6(((لمزيد من التفصيل، ينظر: الزواوي بغورة، الاعتراف من أجل مفهوم جديد للعدل (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2012)، ص.198–188 6(((ينظر، على سبيل المثال، الملف الذي خصصته مجلة أوراق فلسفية لهذا الموضوع، والذي نقرأ فيه دراسة ترصد بصفة انتقائية

أهم ما كُتب عن هيغل في الفكر الفلسفي العربي المعاصر. ينظر: "هيجل: مئتي عام من الفينومينولوجيا"، مجلة أوراق فلسفية،

العدد 18 (2018)، ص.49–5 6(((يمكن الوقوف عند هذه الصلة في بعض الترجمات العربية لكتب ماركسية حول هيغل، منها: فرانسوا شاتليه، هيغل، ترجمة

جورج صدقيني، ط 2 (دمشق: منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1976)، ص 211–170؛ روجيه غارودي، فكر هيغل، ترجمة إلياس مرقص، ط 2 (بيروت: دار الحقيقة، 1983)، ص 50–7، وينظر: أيضًا الفصل الثالث، بخاصة "الروح الموضوعي"، ص –121

142؛ لوفيفر وماشيري. (7((ينظر: بدوي، فلسفة القانون والسياسة عند هيغل؛ عبد الرحمن بدوي، فلسفة الفن والجمال عند هيغل (بيروت: المؤسسة

العربية للدراسات والنشر، 1996)؛ وقبلهما: عبد الرحمن بدوي، حياة هيغل (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات، 1980)؛ إضافة

إلى التعريف بهيغل ومذهبه في: عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، ج  2 (بيروت: المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، 1984)، ص.597–570 (7((بدوي، حياة هيغل، ص.118

برلين، عرض نص فلسفة الحق، بأقسامه الثلاثة، وذلك من خلال خطوتين أساسيتين: ترجمة فقرات نص هيغل، والتعليق عليها. وهكذا، يمكننا القول، إنه إذا كانت هذه القراءة تفيدنا في معرفة فلسفة القانون عند هيغل، فإنها لا تحمل تأويلًا معيّنًا، بمعنى أنها لا تدافع عن تصوّر أو طرح معيّن، بل تكتفي بالترجمة والشرح، وفي حالة التعليق، وهي حالات قليلة جدًا، فإنها تُحيلها إلى بعض المؤلفين الغربيين الذين اهتموا بفلسفة القانون عند هيغل. لعل هذا ما حاولت القراءة التأويلية التي قدّمها كل من إمام عبد الفتاح إمام وميشيل متياس تجاوزه، وإن كانتا لا تُحيلان إلى ما كتبه بدوي. ومعلوم أن إمام يُعدّ من أهم المتخصصين في فلسفة هيغل في الفكر الفلسفي العربي المعاصر، وقدّم دراسات وترجمات عديدة بشأنها، حيث يصح وصفه بالهيغلي العربي المعاصر. وإذا كان المجال لا يسمح بالوقوف عند قراءته لهيغل في مختلف تفاصيلها، فإن من المهم الوقوف عند المقدمة التي كتبها لترجمة كتاب أصول فلسفة الحق، وكذلك بعض نصوصه في الفلسفة السياسية. إن النظر في مجمل نصوص إمام حول هيغل يسمح بالقول إنه يجمع بين القراءة الشارحة والتأويلية،

((7(المرجع نفسه، ص 126. ينقل بدوي عن كريستيان روزنكرانتز Christian Rosenkranz: "على نحو غير مشعور به، وصل هيغل في برلين، بل في بروسيا أيضًا، إلى مكانة عظيمة. لقد صار البدع السائد (الموضة) أن يحضر الناس محاضراته. فالناس من كل

الطبقات استمعوا إلى محاضراته. والطلاب من كل أصقاع ألمانيا، ومن كل أمم أوروبا، وخصوصًا بولندا، بل جلس أيضًا يونانيون

وإسكندنافيون عند قدميه وأنصتوا في خشوع لكلماته السحرية التي كان يتفوّه بها". ينظر: المرجع نفسه، ص 142. وبحسب هذا

التلميذ، فإن الأمر لا يتوقف على علم هيغل وفلسفته، بل على قربه من السلطة أيضًا، بخاصة وزير المعارف. وعلّق بدوي على ذلك

بقوله: "وتبدو الظاهرة [ظاهرة إقبال الجمهور] أعجب ما تكون بالنسبة إلى حالة هيغل بالذات، فالرجل – كما رأينا من قبل مرارًا – كان

عسير النطق، صعب العبارة، عاريًا من بلاغة القول [...] فما باله الآن في برلين يتزاحم السامعون بالمناكب للاستماع إليه من كل

الطبقات [...]، إنه هو هيغل نفسه، ولكنه كان قبل برلين مجرد أستاذ وفيلسوف محض، أما في برلين، فهو إلى جانب الأستاذ والفيلسوف: رجل السلطان". ينظر: المرجع نفسه، ص 143. وظهر ذلك جليّا في توليه رئاسة جامعة برلين في عام.1830 ((7(يتكوّن كتاب بدوي من فصلين أوليين، عرض في الأول، كما قلنا، مشكلة المصطلح وطبعات الكتاب، وتوقف في الفصل

الثاني عند مفهوم القانون، ثم قسّم الكتاب ثلاثة أجزاء، بحسب تقسيم هيغل نفسه للكتاب، أي: القانون المجرد، الأخلاق النظرية،

الحياة الأخلاقية، وكل جزء يتكوّن من ثلاثة فصول وتمهيد، ما يعني أن الكتاب يتكوّن من أحد عشر فصلًا. وهو عبارة عن ترجمة

وشرح وتفسير لمختلف البنود والملاحظات والتعليقات والإضافات التي يتكوّن منها الكتاب. ويمكن أن نستدل على ذلك بالفصل

الثاني من الكتاب الذي يشتمل على البنود والملاحظات والتعليقات والإضافات الآتية: [بند 1، 2، ملاحظة 2، ب 3، م 3، تعليق 3، ب 4، ب 5، إضافة 4، ب 6، م 6، ب 7، م 7، ت 7، ب 8، إ 8، حاشية 8، ب 9، ح 9، م 9، ب 10، ب 11، إ 11، ب 12، م 12، ب 13، م 13، إ 13، ب 14، ب 15، ب 16، ب 17، ب 18، إ 18، ب 19، م 19، ب 20، إ 20، ب 21، ت 21، ت 22، ب 23، ب 24، ب 25، ب 26، إ 26، ت 26، ب 27، ب 28، ب 29، ب 30، ب 31، ب 32، ب 33]. ينظر: المرجع نفسه، ص 46–15. ويجب أن نشير إلى أن بدوي يكتفي في بعض الأحيان بالترجمة، لأنه كما يقول عن البند 19، على سبيل المثال: "وهذا البند واضح ليس بحاجة إلى مزيد من التفسير"، ص 33؛ كما يُحيل في بعض الأحيان إلى الترجمة الإنكليزية التي أنجزها فوكس. ينظر: المرجع نفسه،

ص 17؛ وإلى بعض الدراسات الفرنسية، منها أوجين فلايشمن، فلسفة هيغل السياسية. وإذا تتبعنا الكتاب من بدايته إلى نهايته، فإننا نستخلص أنه عبارة عن ترجمة بتصرف مع شروحات وتفسيرات بحسب تقدير المؤلف، ل 340 بندًا (ينظر: المرجع نفسه، ص 226)،

وهي آخر صفحة في الكتاب، وأن بدوي لا يُحيل إلى النص الأصلي الذي يترجم منه، وإنما اكتفى بالإشارة إلى الطبعات المختلفة

لكتاب هيغل، كما أشرنا إلى ذلك، في حين أن كتاب هيغل يتكوّن من 360 بندًا، سواء في الترجمة الإنكليزية التي ترجمها إمام، أو

في الترجمة الفرنسية التي ترجمها أندريه كعان، أو في الترجمة التي أنجزها جان–فرانسوا كرفيجان. (7((ينظر: إمام عبد الفتاح إمام، تجربتي مع هيغل (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.)2005

فقد قدم عرضًا مفصّلًا لكتاب فلسفة القانونفي مدخل عام لترجمته، معبّرًا عن الحاجة الآنية أو

الراهنة إلى ترجمة الكتاب، مستشهدًا بما يجري في بريطانيا، معقل الفلسفة التحليلية، وبكتابات بعض المؤلفين الإنكليز والأميركيين، وفي مقدمتهم فرانسيس فوكوياما، بخاصة كتابه المعروف نهاية التاريخ والإنسان الأخير، وهو ما أدى في نظره إلى "الصحوة الهيغلية " التي تظهر في مناقشة المسائل الراهنة، مثل الحرية والديمقراطية والقانون والشرعية السياسية... إلخ. وعبّر عن هدفه من الترجمة

بقوله: "تساعدنا أولًا: في الاهتداء إلى النظام الديمقراطي الذي يعترف بآدميتنا، وثانيًا: في بلورة فلسفة

خاصة بنا". ولعل السؤال الذي يفرض نفسه في هذه الحالة هو: هل ساعدت فلسفة القانون عند هيغل في بناء فلسفة سياسية لإمام؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال، علينا الإشارة إلى أن إمام يدافع عن هيغل في وجه "التهم" الموجّهة إلى

فلسفته القانونية، بخاصة في وجه "التهمتين" المتمثلتين في إخضاع الفرد للدولة، وتبرير الوضع القائم. وإذا كانت التهمة الثانية لا تعنينا كثيرًا في هذه الدراسة، فإنه بالنسبة إلى التهمة الأولى التي ترى أن

الفرد قد "تلاشت حقوقه وضاعت حريته حين امتصّه هذا 'التنين' الضخم الذي يسمى بالدولة"، وهو ما أدّى إلى القول إن هيغل يقول بعبادة الدولة، وإن فلسفته تقدم المسوغات اللازمة للنظم النازية والفاشية والشمولية، كان ردّه مبنًّيًا على المنطق الجدلي عند هيغل، لأن هذا النقد يغفل حقيقة مهمة؛

"أن الدولة مركب الكلّية والجزئية، وبالتالي فلو أنها ألغت حقوق الفرد وحريته لكان معنى ذلك أنها تُلغي عنصرًا رئيسيًا من عناصر تكوينها، وهو عنصر الجزئية". ويُحيل كذلك إلى نص هيغل حول

الحرية التي تمثل: "الطابع الأساسي للإرادة، مثلها مثل الثقل للأجسام". ثم إن الدولة ليست غاية في ذاتها عند هيغل، وهو أمر يتّفق فيه مع ما ذهب إليه كاسيرر، كما أشرنا إلى ذلك سابقًا. لكن ما يجب ملاحظته هو أنه في الوقت الذي تشدد قراءات الفلسفة الاجتماعية على ضرورة الفصل بين الفلسفة السياسية عند هيغل، ومنطقه الجدلي ومفاهيمه المجرّدة والملتبسة، فإن إمام يؤكد تلك العلاقة، وذلك

بحجة أن فلسفة هيغل تشكّل نسقًا متكامل، وهو ما يعني تفضيله للطرح الأنطولوجي على الطرح المنهجي. يقول: "وعلى هذا النحو عبّرت فلسفة هيغل السياسية عن فكرته الجدلية التي عرضها في

المنطق، عندما قام بتحليل نسيج العقل الخالص، ثم جاءت الفلسفات المختلفة (للسياسة والتاريخ

((7(هيغل، ص.90–11 (7((فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ترجمة فؤاد شاهين وجميل قاسم ورضا الشايبي (بيروت: مركز الإنماء

القومي، 1993)؛ وينتصر إمام لرأي فوكوياما. ينظر: إمام عبد الفتاح إمام، الأخلاق والسياسة: دراسة في فلسفة الحكم (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2002)، ص.22–19 ((7(هيغل، ص.22 ((7(المرجع نفسه، ص.22 ((7(المرجع نفسه، ص.84 ((8(المرجع نفسه، ص.85 ((8(المرجع نفسه، ص.86 ((8(المرجع نفسه، ص.388–387

والفن والدين... إلخ) لتكون تطبيقات عينية لهذه الفكرة". ومما لا شك فيه أن هذه القراءة تحكمها دراسته للمنهج الجدلي، ولا تخرج عن الطرح الكلاسيكي لفلسفة هيغل. لا ينكر إمام أن فلسفة القانون عند هيغل تُدرج ضمن الروح الموضوعي، في مقابل الروح الذاتي، وأن الروح المطلق هو مركب بينهما، وأن الروح الموضوعي يقوم على ما توصل إليه في الروح الذاتي، بخاصة فكرتَي الإرادة الحرة الكلية والعقل، مستشهدًا بقول هيغل: "الغاية العقلية للإنسان أن يحيا في دولة، وإذا لم تكن ثمة دولة، فإن العقل يحتّم – في الحال – تأسيس مثل هذه الدولة"، وإن "الحق ليس مشتقًا تجريبيًا، لكنه يضرب بجذوره العميقة في طبيعة العقل نفسه"، وإن الإرادة عند

هيغل لا تتّصف بالحرية والوعي الذاتي فحسب، بل بوصفها شخصًا أيضًا، والشخص هو "الوجه المنطقي الأول للروح الموضوعي"، وإن الشخصية هي "أساس الحق المجرد، ولهذا فإن الأمر المطلق هنا هو: كُن شخصًا واحترم الآخرين بوصفهم أشخاصًا"، وإن الروح الموضوعي يتكوّن من ثلاث مراحل: الحق المجرد والأخلاق والحياة الأخلاقية، وهو ما سبقت الإشارة إليه. ومع ذلك، فإنه لا يفصل الروح الموضوعية، بخاصة المفهوم المركزي في قراءات الفلسفة الاجتماعية، وأعني به الحياة الأخلاقية في صياغة مفهوم جديد للحرية والعدالة. ومن هنا يمكننا القول إن قراءته في هذا المستوى تنتمي إلى القراءة الشارحة الكلاسيكية منها، إلى القراءة التأويلية أو التأسيسية، وإنها دفاع عن فلسفة هيغل القانونية والسياسية. وهنا يجب أن نُعيد طرح السؤال الذي طرحه إمام بشأن حاجة الفكر الفلسفي العربي إلى فلسفة هيغل، وإمكانية أن تسهم في بناء الديمقراطية التي "تحترم آدميتنا". بداية، يجب الإقرار بأن إمام قد خص الديمقراطية بأكثر من نص، لكن النظر فيها لا يكشف عن مكانة أو دور لفلسفة هيغل، بقدر ما يكشف عن دور ومكانة لفلاسفة ليبراليين معروفين، وفي مقدمتهم جون لوك وجون ستيورات مل John Stuart Mill (1873–1806) وألكسيس دو توكفيل Alexis de Tocqueville (1859–1805). والدليل على ذلك أننا إذا ما عدنا إلى نصوصه السياسية، فإنها لا تكشف إّلا عن منزلة باهتة لفلسفة هيغل السياسية والقانونية، سواء من جهة التحليل أو التأسيس. ففي دراسته "مسيرة الديمقراطية... رؤية فلسفية" مثلًا، يشير إلى أن هيغل استلهم من روسو فكرته عن الحرية بما هي تحديد ذاتي Self–determination، ومن أن الحرية هي ماهية الروح، مستشهدًا بنص هيغل في كتابه محاضرات في فلسفة التاريخ، الذي يقول فيه: "فكما إن ماهية المادة هي الثقل، فإننا من ناحية أخرى يمكن أن نؤكد أن ماهية الروح هي الحرية. والناس جميعًا يُسلّمون بأن الروح تمتلك، ضمن

((8(المرجع نفسه، ص.390 ((8(المرجع نفسه، ص 32 [ينظر: إضافة إلى الفقرة.])75(((8(المرجع نفسه. ((8(المرجع نفسه، ص.35 ((8(المرجع نفسه، ص.32 (8((إمام عبد الفتاح إمام، "مسيرة الديمقراطية... رؤية فلسفية"، عالم الفكر، مج  12، العدد 2 (1993)، ص.20

ما تمتلك من خواص، خاصية الحرية". ويشير كذلك إلى هيغل في معرض تحليله الطغيان، وكذلك الحال في دراسته العلاقة بين الأخلاق والسياسة، حيث ينتصر للمنظور الديمقراطي الليبرالي: "والنظام الوحيد، في رأينا، الذي يكفل ذلك كله – [يقصد الحقوق الأساسية: حق الحياة والحرية والتملك والمساواة] – هو النظام الديمقراطي الليبرالي (وإضافة صفة الليبرالي مهمة حتى نبعد عنها – أي عن الديمقراطية – اللصوص والأفّاقين الذين يسرقون اللفظ ويفرغونه من مضمونه"). وهو ما يعني أن ثمة مفارقة في قراءة إمام لفلسفة القانون عند هيغل، ذلك أنه في الوقت الذي يدافع عن هيغل ضد نقّاده أو متّهميه، فإنه لا يجعل له مكانة تأسيسية في الديمقراطية الليبرالية التي يدعو

إليها. ويشترك ميشيل متياس في دراسته هيغل والديمقراطية مع دراسات إمام في المنظور الليبرالي السياسي،

وهو أمرٌ عبّرا عنه في ترجمتهما لكتاب أُسس الليبرالية السياسية، لكنها تختلف معها من حيث إنها

تريد أن تكون جزءًا من الإسهامات الفلسفية التي يُنجزها الفلاسفة في الشرق الأقصى والأوسط والعالم

الأنكلوسكسوني، وفي مقدمتهم الفيلسوف تشارلز تايلور، والتي تهدف إلى "ربط حدسه وفكره الفلسفي بالمجتمع المعاصر، [...] إذ لا يكفي بالنسبة إلينا أن ندرس نصوص هيغل ونكتشف معانيها، بل لا بد لنا كذلك أن نكتشف الظروف التي يمكن لحدسه الفلسفي أن يناسب حياتنا [...] [وذلك] ضمن ميدان الفلسفة الاجتماعية والسياسة". ثمة أسباب كثيرة، دعت متياس إلى القيام بهذه العملية التحليلية، أبرزها ثلاثة: أولًا، أن عددًا من النقّاد لا يزالون يرون أن فكرة هيغل عن الدولة فكرة شمولية تعارض الديمقراطية؛ ثانيًا، لا يزال هؤلاء النقّاد

ينظرون إلى نصوصه نظرة أحادية؛ ثالثًا، "أن تصوّر هيغل للإنسان والدولة [...] يناسب تمامًا الأحداث

السياسية والاجتماعية السائدة في مجتمعنا الحاضر". والمقصود بذلك هو مختلف مظاهر التمزّق

الاجتماعي التي تعرفها مجتمعاتنا المعاصرة، وذلك من خلال تحليل البنية الأساسية لفلسفة الحق، ومحاولة تقديم دراسة "نقدية جدلية"، تدافع عن أطروحة أساسية مؤدّاها "أن تصوّر هيغل للدولة

((8(المرجع نفسه، ص 37؛ وينظر: أيضًا: فريديريك هيغل، محاضرات في فلسفة التاريخ: العقل في التاريخ، ترجمة إمام

عبد الفتاح إمام، ج 1 (القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1986)، ص.86 (9((إمام عبد الفتاح إمام، الطاغية: دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي، سلسلة عالم المعرفة 183 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1994)، ص.265 (9((إمام، الأخلاق والسياسة، ص.9 ((9(لمناقشة مفصّلة لمفهومه حول العلاقة بين الأخلاق والسياسة، ينظر: الزواوي بغورة، "الأخلاق والسياسة (وجهة نظر عربية")،

مجلة يتفكّرون، العدد 6 (حزيران/ يونيو 2015)، ص.114–106 (9((جون ستيوارت مل، أسس اللبرالية السياسية، ترجمة وتقديم وتعليق إمام عبد الفتاح إمام وميشيل متياس (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1996)، ص.8–7 (9((يُحيل متياس إلى تايلور، وإلى كتابه: هيغلالذي توقفنا عنده في المبحث الثالث من هذه الدراسة. ينظر: ميشيل متياس،

هيغل والديمقراطية، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام (بيروت: دار الحداثة، 1990)، ص 9، 10، 12، 34، 288، 290،.318 ((9(المرجع نفسه، ص.10–9 ((9(المرجع نفسه، ص.13

يزوّدنا بإطارٍ اجتماعي – سياسي وعقلاني تام، يستطيع العضو في الدولة في داخله أن يمارس حياته

بوصفه فردًا بشريًا. ونتيجة هذه الدعوى الأساسية هي أن الدولة التي يناصرها هيغل تقوم على أساس

أخلاقي". يتكوّن هذا الأساس الأخلاقي من القانون والعدل المستمد من إرادة الشعب الأخلاقية، وتنمية الدولة

للحرية البشرية، وبناء الاقتصاد على فكرة المشروع الحر الذي يجب عليه أّلا يُهدّد الرخاء الاقتصادي

للمجتمع كلّه، وخضوع التربية، سواء على مستوى الأسرة أو المدرسة أو المجتمع المدني لرقابة الدولة. وإذا كان المجال لا يسمح بمناقشة مختلف هذه القضايا، فإن من المهم الوقوف عند الصلة بين المواطن والدولة، وبين الحرية الفردية والحياة الأخلاقية. يقول متياس تعقيبًا على الفقرة (258)

من كتاب مبادئ فلسفة الحق: "إن المواطن الذي هو على وعي بعضويته في الدولة يعي كذلك أن حريته الحقيقية تتجسّد من خلال الكلّي أو الدستور، لأنه تعبير عن إرادته الكلّية، والقوانين التي يقضي

بها الدستور لم تعد بعد أوامر خارجية محايدة عليه أن يُطيعها لو أراد أن يُنجز غايات معيّنة، وإنما هي

قوانينه الخاصة، القوانين التي تعبّر عن إرادته بوصفه عضوًا في الدولة". وبعد مناقشة مستفيضة،

يخلص إلى أن التحليل، على عكس النقد القائم على استبعاد هيغل للفرد، يثبت أن: "نظرة هيغل إلى المواطن بوصفه فردًا هي حجر الزاوية في بناء الدولة". ترتبط فكرة الحرية الفردية عند هيغل بمفهومه للأخلاق، بخاصة للحياة الأخلاقية التي تتكوّن من النظام

الأخلاقي الذي يشمل المبادئ والمؤسسات، أو القيم التي تعتنقها الدولة وتعترف بها، والفضيلة من حيث هي الصفة الأخلاقية والاستعداد في الخلق. وفي تقدير هيغل فإن الحياة الأخلاقية هي الواقع الحي للحرية، وإن: "أساس الحرية الأخلاقية هو وجود عالم أخلاقي اجتماعي، وهذا العالم هو علّة الحرية أو مبرر وجودها، وإّلا وقعنا في وجهة النظر الأخلاقية الكانطية التي ترى أن الإرادة تواجه الخير

بوصفه مبدأً مجردًا". وهو ما يعني أن الأخلاق تتكوّن من عنصرين متضافرين، عنصر موضوعي

يظهر في المؤسسات والقوانين المشروعة التي تعتمد عليها الإرادة وهي تحاول تحقيق حريتها الأخلاقية، والعنصر الذاتي أو الفضيلة التي تعني أنه "لا يكون الشخص فاضلًا أعني خيرًا أخلاقيًا،

ما لم ينشأ سلوكه عن استعداد أخلاقي، أعني ما لم يكن فعله معبّرًا عن إرادته كخاصية أخلاقية".

وهنا يشير متياس إلى نقطة على درجة عالية من الأهمية، أَلا وهي الصلة بين مفهوم الأخلاق عند

((9(المرجع نفسه، ص.16 ((9(يقول نص هذه الفقرة: "الدولة عقلية على نحو مطلق من حيث هي التحقق الفعلي للإرادة الجوهرية التي تمتلكها في وعيها الذاتي بصفة خاصة، وذلك بمجرد أن يرتفع الوعي بكليته، وهذه الوحدة الجوهرية هي غاية في ذاتها مطلقة وثابتة، تصل فيها الحرية إلى حقها الأعلى، وقيمتها العليا، ومن ناحية أخرى، فإن هذه الغاية النهائية لها حق أسمى من الفرد، ذلك لأن واجب الفرد الأسمى

هو أن يكون عضوًا في الدولة". ينظر: هيغل، أصول فلسفة الحق، ص.497 ((9(متياس، ص.47–46 ((10(المرجع نفسه، ص.62 ((10(المرجع نفسه، ص.177 ((10(المرجع نفسه، الفقرة (150)، ص.183

هيغل وأرسطو، بخاصة من جهة أن الفضيلة الأخلاقية تشكّلها العادة، حيث إن عالم العادات والتقاليد يشكّل طبيعة ثانية بالنسبة إلى الإنسان، مقارنة بطبيعة الطبيعة الأولى، كما ذهب إلى ذلك هيغل، وهو ما يجعله قريبًا من التأويل الجماعتي الذي نقرؤه عند تايلور. لكن إذا كان ثمة اعتراض يفرض نفسه،

وهو يتمثل في أن هيغل قد ردّ الأخلاق إلى قانون وإلى أوامر الدولة، فإن متياس يرى أن هيغل قد حاول أن يجعل قانون الدولة أخلاقيًا، وأن القانون يجب "أن يعبّر عن واقعهم الفعلي والعقلي، أي عن

الكلي وعن المصالح بوصفها الواقع الروحي العيني، وأن يعبّر عن إرادتهم الأخلاقية"، ومن ثمّ فإن

مفهوم هيغل للقانون والحياة الأخلاقية هو محاولة لتجاوز الطابع الصوري الذي قدّمه كانط لهذين المفهومين، ولعل الأهم من هذا كله هو دفاع هيغل عن منظور ليبرالي للمجتمع، مع إمكانية تدخّل الدولة، معتمدًا في ذلك على رأي تايلور الذي يقول: "لا مجال عند هيغل للسؤال عن إلغاء للاقتصاد البرجوازي [...]، لكن أيضًا إلى عدم المبالغة في الإثراء الذاتي الذي يدفع المجتمع إلى الانزلاق نحو نمو بلا سيطرة". وعلّق متياس على ذلك بالقول: "ومن هنا لم يكن للدولة الحق في أن تتدخل في المجال الاقتصادي للمجتمع المدني إّلا عندما يتم تجاهل القانون أو مصالح الناس، غير أن هذا التدخّل لا يكون له تبرير سوى الوسائل القانونية وحدها". وهو ما يفيد أن قراءة متياس لا تتردد في تصنيف هيغل ضمن الميراث الليبرالي.

خاتمة

1. تُعدّ القراءات المقدمة باسم الفلسفة الاجتماعية بمنزلة نماذج في الرد على مختلف أشكال النقد الموجّهة إلى فلسفة الحق عند هيغل، ومحاولة في الوقت نفسه لتأسيس نظرية في الحق والعدل والحرية من منظور مغاير للمنظور الليبرالي المهيمن في الفلسفة السياسية المعيارية، وتأويل جديد لفلسفة الحق عند هيغل لا ينكر ما ذهب إليه الفيلسوف الهيغلي الإيطالي بندتو كروتشه، من ضرورة التمييز بين الجانب الميت والجانب الحي في فلسفة هيغل، ومنه فلسفة الحق التي يجب فصلها عن المنظور الأنطولوجي والمنطقي لفلسفة هيغل، باستثناء ما ذهبت إليه القراءة الشارحة لإمام عبد الفتاح إمام. 2. يجب عدم اختزال القانون في منظور هيغل في ما يمكن أن ينتجه العقل التشريعي، بل يجب أن يمتد إلى أشكال الوجود الاجتماعي التي يتم من خلالها اختبار عقلانية القانون باعتبارها طبيعة ثانية، وذلك بحكم ارتباطه بالحياة الأخلاقية. وهو ما توقفت عنده الفلسفة الاجتماعية المعاصرة، وأعادت قراءته قراءة جديدة. فلم يعد القانون يعني الحرمان أو التقييد من الحرية، بل أصبح يعني عملية تحقيق فكرة الحرية. ولم يعد القانون شأنًا فرديًا، بل أصبح مسألة بينذاتية.

((10(المرجع نفسه، ص.189 ((10(المرجع نفسه، ص.318 ((10(المرجع نفسه، ص.319

3. حِظ ي مفهوم الحياة الأخلاقية بمكانة مميزة في قراءة الفلسفة الاجتماعية، لأنه يسمح بتحوّل الخير

من الحالة المجرّدة إلى الحالة العينية، ويتحقق في المجتمع عبر مختلف النظم العملية الموجودة في

المجتمع والدولة، لذلك تذهب قراءات الفلسفة الاجتماعية إلى القول إن هيغل يُعدّ أول فيلسوف

كشف عن أهمية النظم والمؤسسات في بناء مفهوم للعدل، لأنه يرى أن "الحياة الأخلاقية هي تصوّر

الحرية الذي صار عالمًا حاضرًا وطبيعة للوعي بالذات". وبتعبير آخر إن القانون في ارتباطه بالحياة

الأخلاقية يمثّل انتق لًا من الحالة المجردة إلى الحالة العينية، حيث يصبح الخير في هذه الحالة هو الإنجاز الموضوعي بمساعدة الذاتية. وفي تقدير هيغل، تبدو هذه الحياة الأخلاقية مثل العادة، وتصبح طبيعة ثانية، تتجسّد في الأسرة أو الوجود المباشر والفردي للحرية، وفي المجتمع المدني

الذي تحكمه الحاجة والصراع، والنظام الذي تفرضه الدولة بما هي مؤسسة قانونية أو دستورية. وتشكل هذه العناصر الثلاثة، الأسرة والمجتمع والدولة، مضمون ما يسمى الروح الموضوعي الذي يتميز بالحرية، فإذا كانت فكرة الحرية التي لا تزال مجردة جًّدًا، أي غير مكتملة، على مستوى الحق القانوني والحق الأخلاقي، فإنها تمتد أخيرًا، وبطريقة غير مسبوقة، إلى مجالات الحياة الاجتماعية،

إلى الأسرة والمجتمع، وبخاصة إلى المجال الاقتصادي للمجتمع المدني، وإلى الدولة، وأخيرًا إلى

التاريخ الذي يُفهم على أنه قانون أو محكمة العالم. 4. يرتكز القانون عند هيغل على المؤسسة، ولا يرتكز على المعايير فحسب. وإذا كان هنالك نقاش حول منزلة المؤسسة وقيمتها في الفلسفة الاجتماعية، فمن الضروري الإشارة إلى أنها تتميز بجملة من المميزات، منها على وجه التحديد: أ. تمثل المؤسسة في المقام الأول واقعًا رمزيًا (القانون،

المدرسة، العقود الاقتصادية، مؤسسة العائلة... إلخ) وهي قائمة في واقعنا الفعلي، وتحدد لنا إطارًا ونظامًا للحياة الاجتماعية. وهي بهذا المعنى تُدرج تحت ما يُسمّيه علماء الاجتماع "الوقائع

المعيارية". ب. المؤسسة من منظور هيغل واقع معياري يسمح في الوقت نفسه بالمراجعة المعيارية الخاصة بها. 5. إذا كان مفهوم العدل عند هيغل لا يظهر إّلا باسم الظلم أو إنكار الحق، فإن ذلك يعني أن بناء نظرية في العدالة يستوجب الانطلاق من حالات أو تجارب الظلم، وهو ما تُقرّه الفلسفة الاجتماعية

بمختلف مشاربها. وإذا كان هذا القسم من كتاب مبادئ فلسفة الحقيحيل بوضوح إلى العدالة القضائية، وليس إلى العدالة التوزيعية، فإنه يمثل إحالة مباشرة للتجارب المباشرة للظلم، ومحاولة لتفضيل النهج الإجرائي أو العملي، على حساب أي تعريف جوهري أو أنطولوجي للعدالة، وهو ما يعني أن هيغل فضّل مفهوم العدالة بوصفها إنجازًا، أو بتعبير أدق، العدالة في حالة الفعل والإنجاز La justice en act. وإذا كان صحيحًا أن هيغل يتحدث عن العدالة القضائية، ولا يتحدث عن

العدالة التوزيعية، فإنه قد اهتم بالعدالة الثقافية، بما أنه يُعدّ مؤسس نظرية الاعتراف التي صاغها كل

(10((هيغل، أصول فلسفة الحق، ص.494

(107) Jean–François Kervégan, "Éléments d’une théorie institutionnelle des droits," Klesis–Revue philosophique , no. 11 (2011), pp. 112–132.

من تايلور وهونيث وغيرهما، والتي تميّز الفلسفة الاجتماعية بمختلف اتجاهاتها ومشاربها من الفلسفة

السياسية المعيارية، باستثناء القراءة العربية التي لم تلتفت إلى أهمية هذا المفهوم في بناء نظرية العدالة..6 إذا كانت غاية العقل المطلق أن تتحقق الحرية بالفعل، فإن ذلك يعني أن الدستور الذي يحكم الدولة يكون نابعًا من الحرية، ومن ثمّ فإن السؤال الذي سيُطرح هو: كيف تكون الحرية العينية

ممكنة في دستور عقلي؟ لا نبالغ إذا قلنا إن هيغل كان على وعي بأهمية هذا السؤال، وذلك لكونه يرى أن العقلانية إذا ما نُظر إليها على نحو مجرد، فإنها تقوم على الوحدة التامة والكاملة بين الكلي والفردي، وتعتمد عندما تصبح عينية في الدولة على وحدة الحرية الموضوعية والحرية الذاتية. وهو ما يعني أن المواطن يحدّد نفسه، وينجز الحرية عندما يعمل طبقًا للقوانين التي يضعها الدستور. وحول السؤال إن كانت نظرية هيغل تقدم الوسائل التي يشارك بوساطتها المواطن في تعديل الدستور وتنقيحه، ومن ثم تحقيقه، فإن هيغل "يفترض أن دول العالم ليست كاملة، وأن مصيرها يتوقف على التحقق الدائم للحرية إلى أقصى درجة ممكنة. وهكذا نجد أنه ما لم يكن المواطن مشتركًا بفاعلية في صياغة الدستور والتشريع والتنفيذ، وما لم يستجب لواقعة أن القوانين التي تحدد قيمه وسلوكه تنبع من إرادته [...]، فإن الدولة تصبح خارجة عنه، وغريبة عليه". ولا أجانب الصواب، إذا قلت إن القراءات المختلفة التي قدّمتها الفلسفة الاجتماعية، سواء الجماعية أو المعيارية أو العربية في صورتها التأويلية، تؤكد هذا التوجّه الذي يُشدد على علاقة الفرد الحر بالمجتمع، والعدالة

بالمؤسسة، والقانون بالتاريخ، والمواطن بالدولة.

References

المراجع

العربية

إمام، إمام عبد الفتاح. "مسيرة الديمقراطية... رؤية فلسفية". عالم الفكر. مج  12، العدد 2.)1993(_______. الطاغية: دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي. سلسلة عالم المعرفة 183. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1994 _______. الأخلاق والسياسة: دراسة في فلسفة الحكم. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2002 _______. تجربتي مع هيغل. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2005 أنوود، ميخائيل. معجم مصطلحات هيغل. ترجمة إمام عبد الفتاح إمام. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، [د. ت.]. بدوي، عبد الرحمن. حياة هيغل. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات،.1980

(10((هيغل، أصول فلسفة الحق، ص.497 ((10(متياس، ص.56

_______. موسوعة الفلسفة. بيروت: المؤسسة العربية للنشر والتوزيع،.1984 _______. فلسفة الفن والجمال عند هيغل. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1996 _______. فلسفة القانون والسياسة عند هيغل. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1996 برلن، إيزايا. الحرية: خمس مقالات عن الحرية. ترجمة يزن الحاج. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر،

بغورة، الزواوي. الاعتراف من أجل مفهوم جديد للعدل. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.2012 _______. "الأخلاق والسياسة (وجهة نظر عربية)". مجلة يتفكّرون. العدد 6 (حزيران/ يونيو).2015 _______. الفلسفة واللغة: نقد المنعطف اللغوي في الفلسفة المعاصرة. ط  3. الكويت: دار صوفيا،

بوبر، كارل. المجتمع المفتوح وأعداؤه. ترجمة حسام نايل. بيروت: دار التنوير،.2015 تايلور، تشارلز. حيوان اللغة: الشكل الكامل لقدرة الإنسان اللغوية. ترجمة حسام نايل. الرياض: دار معنى،.2021 سيرل، جون. بناء الواقع الاجتماعي من الطبيعة إلى الثقافة. ترجمة حسنة عبد السميع. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2012 شاتليه، فرانسوا. هيغل. ترجمة جورج صدقيني. ط  2. دمشق: منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي،

علبي، أحمد. ابن المقفع الكاتب والمترجم والمصلح. بيروت: دار الفارابي،.2002 غارودي، روجيه. فكر هيغل. ترجمة إلياس مرقص. ط  2. بيروت: دار الحقيقة،.1983 فوكوياما، فرانسيس. نهاية التاريخ والإنسان الأخير. ترجمة فؤاد شاهين وجميل قاسم ورضا الشايبي. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1993 كاسيرر، أرنست. الدولة والأسطورة. ترجمة أحمد حمدي محمود. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.1975 لوفيفر، جان بيار وبيار ماشيري. هيغل والمجتمع. ترجمة منصور القاضي. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.1993 متياس، ميشيل. هيغل والديمقراطية. ترجمة إمام عبد الفتاح إمام. بيروت: دار الحداثة،.1990

مل، جون ستيوارت. أسس اللبرالية السياسية. ترجمة وتقديم وتعليق إمام عبد الفتاح إمام وميشيل متياس. القاهرة: مكتبة مدبولي،.1996 نوزيك، روبرت. الفوضى، الدولة، اليوتوبيا. ترجمة عبد الكريم ناصيف. بيروت: دار الفرقد،.2019 هونيث، أكسل. الصراع من أجل الاعتراف: القواعد الأخلاقية للمآزم الاجتماعية. ترجمة جورج كتورة. بيروت: المكتبة الشرقية،.2015 "هيجل: مئتي عام من الفينومينولوجيا". مجلة أوراق فلسفية. العدد).2018(18 هيغل، فريديريك. أصول فلسفة الحق. ترجمة إمام عبد الفتاح إمام. القاهرة: مكتبة مدبولي،.1996 _______. محاضرات في فلسفة التاريخ: العقل في التاريخ. ترجمة إمام عبد الفتاح إمام. القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع،.1986

الأجنبية

Balibar, Étienne. La proposition de l’égaliberté. Paris: PUF, 2010. Caille, Alain & Christian Lazzari. La reconnaissance aujourd’hui. Paris: CNRS Editions, 2009. Hegel, Friedrich. Principes de la philosophie du droit. André Kaan (trad.). Paris: Gallimard, 1940. _______. Encyclopédie des sciences philosophiques. Bernard Bourgeois (trad.). Paris: Vrin, 1988. _______. Principes de la philosophie du droit. Jean–François Kervégan (trad.). Paris: PUF, 2018. Honneth, Axel. Le droit de la liberté. Esquisse d’une éthicité démocratique. Frédéric Joly & Pierre Rusch (trad.). Paris: Gallimard, 2001. _______. "Justice et reconnaissance." Le Passant. vol. 3, no. 38 (2002). _______. Les pathologies de la liberté, Une réactualisation de la philosophie du droit de Hegel. Franck Fiscbach (trad.). Paris: La Découverte, 2008. _______. Ce que social veut dire, I. le déchirement du social. Pierre Rusch (trad.). Paris: Gallimard, 2013. Kervégan, Jean–François. L’effectif et le rationnel. Hegel et l’esprit objectif. Paris: Vrin,

_______. "Éléments d’une théorie institutionnelle des droits." Klesis – Revue philosophique. no. 11 (2011). Labarrière, Pierre–Jean. "Hegel: une philosophie du droit." Communications. no. 26

Losurdo, Domenico. Hegel et les libéraux. Paris: PUF, 1992.

Marx, Karl. L’introduction à la Critique de la philosophie du droit de Hegel. Eustache Kouvélakis (trad.). Paris: Ellipses Edition Marketing, 2000. Renault, Emmanuel. L’expérience de l’injustice, Reconnaissance et clinique de l’injustice. Paris: La Découverte, 2004. Taylor, Charles. Hegel. Cambridge: Cambridge University Press, 1975. _______. Hegel and Modern Society. Cambridge: Cambridge University Press, 1979. _______. Hegel et la Société moderne. Pierre Desrosiers (trad.). Paris: Cerf, 1998. _______. La liberté des modernes. Philippe de Lara (trad.). Paris: PUF, 1999.