العودة إلى تفاصيل المؤلَّف القانون الطبيعي: طبيعته وقانونيته

القانون الطبيعي: طبيعته وقانونيته

Natural Law: Its Nature and Validity

رجا بهلول *

Raja Bahlul *

الملخّص

تهدف هذه الدراسة إلى مناقشة مفهوم القانون الطبيعي، الذي كان ولا يزال يؤدي دورًا مهمًا في فلسفة القانون. يحيط كثير من الجدل بهذا المفهوم، من حيث معناه وصدقه وفائدته باعتباره أداة للتفكير في موضوعات فلسفة القانون وحقوق الإنسان. تتألف الدراسة من أربعة أقسام. ففي القسم الأول، نقدّم عرضًا تاريخيًا موجزًا لمفهوم القانون الطبيعي. وفي القسم الثاني، نبني على ما أوردناه في القسم الأول من أجل التعرف إلى المعاني المختلفة التي اقترنت بهذا منذ القدم. وفي القسم الثالث، نناقش مفهوم "القانون" من أجل معرفة إذا ما كان يجدر بنا أن نعتبر القانون الطبيعي قانونًا. أما في القسم الرابع، فنعمد إلى مناقشة القانون الطبيعي من أجل معرفة إذا ما كان القانون الطبيعي "طبيعيًا" بأي معنى من معاني "الطبيعة".

Abstract

Abstract: The object of this paper is to discuss the concept of natural law, a concept that has played, and continues to play, a significant role in legal philosophy. This concept has given rise to much debate regarding its meaning, validity, and usefulness as a tool for thinking about issues in legal philosophy and human rights. In the first section of this paper, we provide a brief historical introduction to the concept of natural law. In the second section, we outline and explain the different meanings that have been associated with this concept since its inception. In the third section, we discuss the concept of "law" with the aim of determining whether natural law deserves to be viewed as an instance of "law". In the fourth section, we discuss natural law from the perspective of its "naturalness," seeking to determine whether there is any sense of "nature" in which natural law can be said to be natural

الكلمات المفتاحية:
  • القانون
  • الطبيعة
  • القانون الطبيعي
  • العقل
  • العقلانية العملية
  • الأخلاق
  • القانون الأخلاقي
  • القانون الإلهي
Keywords:
  • Law
  • Nature
  • Natural Law
  • Reason
  • Practical Reasonableness
  • Morality
  • Moral Law
  • Divine Law

مقدمة

تُعدّ فلسفة القانون من أعرق أفرع الفلسفة؛ إذ إننا نجد بوادر الاهتمام بها عند سقراط وجماعة السفسطائيين الذين جادلهم حول أمور عدة، منها المبادئ (القواعد أو القوانين) التي يجب أن يعيش الإنسان بموجبها. ولم يمض وقت طويل قبل أن يتبلور في الفكر الفلسفي اليوناني تمييز واضح بين القوانين التي يصنعها البشر في مجتمعاتهم المختلفة كل على هواه، والقوانين ذات المصدر الإلهي، أو تلك التي يشهد العقل بصحتها أو (وهذا ما استقر عليه المصطلح) قوانين الطبيعة (القانون الطبيعي). اقترن التمييز بين قوانين البشر وقوانين الطبيعة مع تمييز أخلاقي بين قوانين تتسم بالعرضية والجور أحيانًا كثيرة، وقوانين تشترط العدل في المعاملات بين الناس، وتسعى لتحقيق ما فيه خير لهم. ومنذ وقت مبكر نظر كثير من المفكرين إلى القانون الطبيعي كالقانون الأخلاقي العادل الذي ينطبق على جميع الناس بغضّ النظر عن ثقافتهم وأساليب عيشهم، في حين أنهم نظروا إلى القوانين المختلفة التي يصنعها البشر باعتبارها قوانين عرضية يعتورها النقصان. وضعت هذه الاختلافات حول المفاهيم والأدوار المنوطة بها حجر الأساس لنشوء موقفين حول العلاقة بين القانون والأخلاق: فمن الناس من نظر إلى القانون بصفته قواعد يستخدمها الناس في تنظيم حياتهم بغضّ النظر عن عدلها أو جورها، ومنهم من نظر إلى القانون من وجهة نظر التزامه بالعدل والمثل الأخلاقية. يلخص روبرت ألكسي Robert Alexy الموضوع بقوله: "إن المشكلة الأساسية في الجدل حول مفهوم القانون تكمن في العلاقة بين القانون والأخلاق. فعلى الرغم من نقاش يرجع إلى أكثر من ألفي عام يوجد الآن كما في السابق موقفان أساسيان متقابلان، هما موقف المذهب الوضعي وموقف المبدأ اللاوضعي أو مذهب القانون الطبيعي [...]. كل النظريات الوضعية تتبنى فرضية الانفصال بين القانون والأخلاق [...]. في مقابل ذلك تتبنى النظريات اللاوضعية فرضية الارتباط بين الأخلاق والقانون"1. سنركز في هذه الدراسة على مذهب القانون الطبيعي، وخاصة على مفهومه الذي يستقي منه هذا المذهب اسمه. تتكون الدراسة من أربعة أقسام رئيسة. في الأول، نستعرض باقتضاب تاريخ مفهوم القانون الطبيعي. وفي الثاني، نحلل، بالاستناد إلى ما أوردناه في القسم الأول، المعاني المختلفة التي ارتبطت بهذا المفهوم عبر العصور. أما في الثالث، فنبحث في مفهوم "القانون" لتحديد إذا ما كان يمكن اعتبار القانون الطبيعي قانونًا بالفعل. وفي القسم الرابع، نفحص القانون الطبيعي من خلال فهمٍ مختلفٍ لمعاني "الطبيعة" لتوضيح لماذا يُطلق عليه قانون طبيعي. وفي الختام، نناقش التبعات العملية التي يمكن استخلاصها من النتائج التي توصلنا إليها.

  1. روبرت ألكسي، مفهوم القانون وسريانه، ترجمة كامل فريد السالك (بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2013)، ص 21،.23

أولا: الجذور التاريخية لمفهوم القانون الطبيعي

لمفهوم القانون الطبيعي تاريخ طويل وجذور ضاربة في القدم، فليس في وسعنا التوقف لذكر مساهمات جميع من أدلوا بدلوهم حوله عبر تاريخه الطويل. لذلك سيقتصر اهتمامنا على ذكر المساهمات التي تكشف لنا عن جوانب مختلفة (وليس بالضرورة متعارضة) من المعاني التي ارتبطت بهذا المفهوم في الحقبة اليونانية الكلاسيكية، وحقبة الفلسفة الهلنستية وحقبة العصور الوسطى والحقبة الحديثة. وهدفنا هنا بالطبع التمهيد لتفحص مفهوم القانون الطبيعي من أجل معرفة إذا ما كان القانون الطبيعي قانونًا وإذا ما كان طبيعيًا كما يوحي اسمه بذلك. في بدايات تاريخ المفهوم نجد أن السفسطائي هيبياس Hippias (443 ق.م 399– ق.م)، الذي كان معاصرًا لسقراط قد يكون أول من صاغ مفهوم "قانون الطبيعة" Law of Nature حين تحدث عن قوانين "غير مكتوبة" مفروضة على البشر من الآلهة، ذاكرًا على سبيل المثال قوانين تتعلق باحترام الوالدين وعبادة الآلهة2. كما يذكر هيبياس نفسه إحدى أبرز الصفات التي ارتبطت بمفهوم القانون الطبيعي، وهي أن قوانين الطبيعة "هي نفسها في كل مكان"3. أما أفلاطون فمن أكثر ما عُرف عنه في مجال الفلسفة الأخلاقية والسياسية إصراره على التمييز بين القوانين التي يشرّعها الأقوى لخدمة مصالحه، وبين القوانين التي تقتضيها العدالة. لذا نجد المحاور الأثيني في كتاب القوانين يقول إنّ "القوانين التي لا تُسَنّ من أجل خير المدينة كلها لا ينبغي أن تسمى قوانين"4، وأن هناك إلهًا يمسك بزمام كل شيء، وأن "العدالة التي تنتقم من كل من يعصي القانون الإلهي لا تفارق ذلك الإله"5. وعلى الرغم من أن أرسطو لا يستخدم مصطلح "القانون الطبيعي"، فإن صياغته لفكرة القانون "الذي يتفق مع الطبيعة"، والذي ينطبق على جميع الناس، في غاية الوضوح: "يمكن تحديد العدالة والظلم بالإشارة إلى نوعين من القانون [...]: أعني، القانون الخاص بالجماعات، والقانون الذي يشترك فيه الجميع. القانون الخاص هو الذي تضعه مجموعة معينة لأعضائها الخاصين (وقد يكون جزئيًا مكتوبًا وجزئيًا غير مكتوب). والقانون الذي يشترك فيه الجميع هو الذي يتفق مع الطبيعة. فهناك حقًا، كما يعتقد الجميع، شيء ما عادل بحسب الطبيعة ويشترك فيه الجميع، وشيء آخر غير عادل، حتى عندما لا يكون لدى الناس علاقة تجمعهم أو اتفاق بعضهم مع بعض"6.

  1. Donald R. McConnell, "The Nature of Natural Law," Liberty University Law Review , vol. 2, no. 8 (2008), pp. 797–
  2. Xenophon, Memorabilia , Amy Bonnette (trans.) (Ithaca & London: Cornell University Press, 1994), p. 133.
  3. Plato, The Laws , T. J Saunders (trans.) (Middlesex: Penguin Books, 1970), p. 173.
  4. Ibid., p. 174.
  5. Aristotle, " Rhetoric ," in: Richard McKeon (ed.), The Basic Works of Aristotle , Richard McKeon (trans.) (New York: Random House, 1941), pp. 1373, 2–15.

وبالانتقال إلى حقبة الفلسفة الهلنستية نجد الرواقيين قد عادوا للتأكيد على مقولة التفريق بين القانون الطبيعي والقوانين ذات المصدر البشري (أو ما يُعرف بالقوانين الوضعية)، ولكنهم أضافوا إلى هذا مفهوم العقل Reason في حالة ارتباط يبلغ حد التماهي مع العنصر الإلهي. لذا، نقرأ في كتاب ماركوس توليوس شيشرون Marcus Tullius Cicero (106 ق.م 43– ق.م) عن الجمهورية وعن القوانين

On the Republic and On the Laws قوله:

"ليس القانون من بنات أفكار البشر، ولا هو نوعًا من القرارات التي تتخذها المجتمعات، بل إنه قوة أبدية [...] تحكم العالم بالحكمة المتضمنة في أوامرها ونواهيها. [...] القانون الأصلي والنهائي هو عقل الله، الذي يُشرّع ويحظر كل شيء بالعقل. ومن هنا يحسُن الثناء على القانون الذي أعطته الآلهة للجنس البشري "[...]7. وعندما كانت العصور الوسطى في طريقها إلى النهاية نجد القديس توما الأكويني Thomas Aquinos (1274–1225 م)، قد عاد إلى تمييز أرسطو بين القوانين العامة والقوانين الخاصة، معتبرًا أنّ القانون العام القابل للإدراك العقلي والذي ينطبق على الجميع هو القانون الطبيعي، في حين أن ما قد تشتقه المجتمعات من ذلك القانون بحسب ظروفها الخاصة يُشكل القانون الوضعي8. وأخيرًا، في العصر الحديث، شهدنا تحررًا من التراث القروسطي، بالتزامن مع نزعة دنيوية Secularism يسودها الإعجاب بالتراث اليوناني الروماني (على خلاف التراث المسيحي الصرف). لذلك، لم يكن من الغريب أن ينتهي الأمر بتنقية القانون الطبيعي لا من الأعراف والتقاليد البشرية فحسب، بل تعدى ذلك إلى تنحية المصدر الإلهي جانبًا بحيث بقي العقل السليم Right Reason مصدرًا وحيدًا للقانون الطبيعي9. نجد هذا عند هوغو غروتيوس (1645–1531)، الذي ارتبط اسمه أكثر من غيره بمذهب القانون الطبيعي. يقول غروتيوس: "قانون الطبيعة هو ما يمليه العقل السليم Right Reason الذي يقول إن الفعل، بقدر ما يكون متوافقًا أو غير مترافق مع الطبيعة العاقلة Rational Nature يتّسم بصفة الوجوب الأخلاقي أو بصفة الرذالة الأخلاقية؛ الأمر الذي يعني أن ذلك الفعل يخضع للحظر أو الأمر به من خالق الطبيعة

.10" Author of Nature

ويقول جورج هولاند سابين George Holland Sabine (1961–1880) إن إشارة غروتيوس ل "خالق الطبيعة" لا تضيف شيئًا إلى تعريف القانون الطبيعي، ولا تستوجب اعتقاد عقوبات إلهية تُفرض على

  1. Marcus Tullius Cicero, On the Republic and On the Laws , David Fott (trans.) (Ithaca & London: Cornell University Press, 2014), p. 156.
  2. Thomas Aquinas, Treatise on Law, Richard J. Regan S. J. (trans.) (Indianapolis/ Cambridge: The Hacket Publishing Company, 2000), p. 10.
  3. George Sabine, A History of Political Theory (New York: Henry Holt and Company, Inc., 1947), p. 415.
  4. Hugo Grotius, The Rights of War and Peace , Book. I (Indianapolis: Liberty Fund, 2005), pp. 150–151.

من يخالف ذلك القانون؛ ذلك أن غروتيوس لم يفتأ يكرّر أنّ حقائق القانون الطبيعي مستقلة عن الإرادة الإلهية، وإذًا تبقى الحقائق هي هي حتى لو لم يكن هناك إله11. يقول غروتيوس: "ليس القانون الطبيعي قابلًا للتغيير، وليس الله بقادر على تغييره. وعلى الرغم من أن القدرة الإلهية غير متناهية، فنحن مع ذلك قد نقول إنّ هناك أمورًا تخرج عن القدرة اللامحدودة، لأن تلك الأمور لا يمكن التعبير عنها من خلال إقرارات Propositions ذات معنى. فهي تتضمن تناقضًا منطقيًا"12. وربّ من يطلب مثلًا إيضاح المقصود بتلك الأفعال التي تتوافق مع الطبيعة العاقلة وتلك التي تتعارض معها كما يقول غروتيوس في الاقتباس الأول. ولعل جون لوك (1704–1632) الذي توفي بعد غروتيوس بما لا يزيد كثيرًا عن نصف قرن، كان هو الأدقّ في وصفه العقل، بقوله: "يعلم [العقل] البشر إذا ما قاموا باستشارته أنهم متساوون ومستقلون وأنه لا ينبغي أن يؤذي واحد منهم الآخر في حياته أو بدنه أو حريته أو ممتلكاته"13. نتوقف عند هذا الحد في التأريخ لمفهوم القانون الطبيعي، لأن فيه ما يكفي للشروع في عرض بعض التصورات والتفسيرات التي ارتبطت به عبر تاريخه الطويل.

ثانيًا: ما معنى "القانون الطبيعي"؟

يقول أقدم التفسيرات إن القانون الطبيعي هو القانون الإلهي (الأمر الذي ينفي بالطبع أن يكون للبشر دور في صناعته). ينقسم هذا التفسير نوعين: فإما أن يكون الإله متعاليًا (أي منفصلًا عن الطبيعة، بما فيها الإنسان)، وإما أن يكون محايثًا بطريقة ما. ومن أوضح الأمثلة على النوع الأول ما يبرز في بعض النقاشات الدينية المتعلقة بالقانون الطبيعي. ففي رأي الأكويني إنّ القانون الطبيعي نابع من القانون الأبدي Eternal Law الذي يحكم الله العالم بموجبه، والذي هو أيضًا جزء من طبيعة الله نفسه. فيقول: "ما نسميه القانون الطبيعي هو مشاركة الكائنات العاقلة في القانون الأبدي، وذلك خلال ما وضع الله فيها من ميول نحو تحقيق الغايات التي فطرها عليها"14. أما الفقيه القانوني الألماني يوهانس ألثوسيوس Yohannes Althusius (1638–1563) فقد ساوى بين القانون الطبيعي والجزء الثاني من وصايا العهد القديم العشر المعروفة15.

  1. Sabine, p. 424.
  2. Grotius, p. 155.
  3. John Locke, Two Treatises of Government and a Letter Concerning Toleration (New Haven, Conn: Yale University Press, 2003), p. 102.
  4. Aquinas, p. 9.
  5. Sabine, pp. 417–418. من الجدير بالذكر أن القسم الأول من الوصايا العشر يتعلق بالعلاقة بين الله وبني إسرائيل، ويختص القسم الثاني بالعلاقات بين بني إسرائيل أنفسهم (مثل: النهي عن الكذب والقتل والاعتداء على ممتلكات الجار). ومن أجل "استخلاص" قانون طبيعي للبشر جميعًا من القانون الإلهي الذي يبدو أنه موجه إلى فئة بعينها من الناس لا بد من القيام بقدر غير قليل من التجاوز. و"محلية النص" أمر شائع بين أصحاب الديانات المختلفة، كما أن إمكانية التجاوز إلى ما هو عالمي مطروحة في الأديان الكبرى على الأقل.

ومن الأمثلة الواضحة نسبيًا عن النوع الثاني من التفسير يمكن الإشارة إلى موقف الرواقيين الذين قالوا بوجود عقل إلهي Divine Intelligence تصدر عنه الأوامر والنواهي الأخلاقية. فقد اعتقد الرواقيون أن العقل هو الإله نفسه، الذي يوجد في كل شيء، بما في ذلك الإنسان. ويُنسب إلى زينون الرواقي Zeno of Citium (334 ق.م 262– ق.م) مؤسس المدرسة الرواقية قوله: "طبيعة الإنسان جزء من طبيعة الكون. لذا فإن هدف الإنسان أن يعيش بحسب الطبيعة، أي بحسب طبيعته وطبيعة الكون فلا يقوم بأي فعل ينهى عنه القانون العام [قانون الطبيعة]، الذي هو العقل السليم Right Reason الذي يتخلل كل شيء وهو أيضًا [الإله] زيوس Zeus] [الذي بيده كل شيء"16. يمهد قول الرواقيين بالعقل الإلهي المحايث للتفسير الثاني للقانون الطبيعي. فبعد القول بالتفسير الإلهي المحض ثم التفسير بالإشارة إلى العقل الإلهي (الذي يحظى الإنسان بقبس منه)، ليس هناك ما هو أسهل من الانتقال إلى الحديث عن القانون الطبيعي كتشريع يسنّه العقل الإنساني من دون عون إلهي؛ لذلك، لم يكن من المستغرب أن نجد في المدة الحديثة من يقول إن حقائق الأخلاق والتمييز بين الخير والشر ليست أمورًا خاضعة للإرادة الإلهية17، وإن عقل الإنسان يدرك هذه الحقائق بوضوح وبمعزل عن اعتقاد وجود إله18. وقد رأينا لوك يقول سابقًا إذا أردنا أن نعرف ما هو القانون الطبيعي فليس علينا إلا الإصغاء إلى صوت العقل الذي يعلمنا بعض مبادئ ذلك القانون، ومنها أن الناس متساوون ومستقلون وأنه لا يجوز أن يؤذي الواحد منهم الآخر. في هذا الانتقال للحديث عن عقل الإنسان (متجاهلين كون هذا العقل قبسًا إلهيًا أم لا) ما يقربنا إلى معرفة ما هو طبيعي في قانون الطبيعة. ويوجد ما لا يقل عن مقاربتين لفهم ما هو طبيعي في هذا القانون. تقول المقاربة الأولى إن المقصود بالعقل الذي يصدر عنه القانون الطبيعي ليس إلا العقل الطبيعي Natural Reason، أي العقل الإنساني غير المؤيد بالوحي. إنه العقل الذي يهدي البشر الذين لم يتلقوا أيّ رسالة سماوية من أي نوع كان إلى عدم القيام بالقتل والسرقة والكذب وغيرها من الأفعال المنكرة. ومن هذا المنطلق يكون القانون الطبيعي "طبيعيًا" بمعنى أنه صادر عن العقل الطبيعي، أي العقل الذي يعمل مستقلًا عمّا هو فوق–طبيعي (أي سماوي)19. أما المقاربة الثانية فتقوم على القول بأن للإنسان جوهرًا أو طبيعة عاقلة تميزه من غيره من الكائنات. فإذا كان العقل هو "طبيعة الإنسان" (أو من طبيعة الإنسان) وكانت المساواة بين البشر أمرًا نعرفه عقليًا، فإنه من المنطقي أن ننظر إلى القول بالمساواة (مثلًا) كقانون من قوانين الطبيعة. وبالطبع يستلزم هذا منا التمييز بين نوعين من الطبيعة:

  1. Diogenes Laertius, Lives of the Eminent Philosophers , Pamela Mensch (trans.) (London: Oxford University Press, 2018), p. 344.
  2. Grotius, p. 155.
  3. Sabine, p. 423.
  4. من المفيد لفت النظر إلى المعنى الذي تحمله كلمة "طبيعي" في كتاب ديفيد هيوم: محاورات في الدين الطبيعي Dialogues Concerning Natural Religion. فمن الواضح أنّ الدين الطبيعي هو الدين بقدر ما يكشف عنه العقل من دون اعتبار للوحي. وهذا يشمل أساسًا وجود الخالق/ الصانع وبعض صفاته. ينظر: ديفيد هيوم، محاورات في الدين الطبيعي، ترجمة وتقديم وتعليق محمد الشنيطي (القاهرة: مكتبة القاهرة الحديثة،.)1956

الطبيعة غير العاقلة والتي تشمل الجماد والنبات والحيوان، والطبيعة العاقلة التي تشتمل على الإنسان (وكل ما يصنعه من حضارة بوصفه إنسانًا). وهناك تفسير أو معنى ثالث شديد الاتصال بما سبق يمكن أن نقرنه بكلمة "طبيعي"، ومن ثم بمفهوم "قانون طبيعي". نعزو هذا المفهوم إلى جون فينس John Finnis أحد أبرز المدافعين عن مذهب القانون الطبيعي في فلسفة القانون المعاصرة. يتحدث فينس عن بعض الخيرات الإنسانية مثل الحصول على المعرفة، والصداقة، والسعادة والازدهار، معتبرًا أن هذه خيرات طبيعية؛ لا بمعنى أن معظم الناس يسعون إليها أو بمعنى أن الإنسان يبتغيها بالطبع (مع أن ذلك حاصل بالفعل كما يعتقد فينس)، بل بمعنى أنّ كونها خيرات إنسانية هو حقيقة موضوعية توجد في العالم على قدم المساواة مع حقائق موضوعية أخرى مثل قانون الجاذبية أو حقيقة أن حاصل جمع اثنين وثلاثة يساوي خمسة. يقول فينس: "بهذا المعنى فإن كل خير أساسي يقف قبالة عقلنا تمامًا كما يفعل العالم الطبيعي الذي يتكون من أشياء Objects: فالأشياء هي ما هي عليه، تسير بموجب نظام طبيعي وتطيع القوانين الطبيعية التي تحكمها، وهي مستقلة عما نعتقده أو ما نصنعه أو نقوم به نحن البشر"20. يظهر في هذا السياق أن كلمة "الطبيعة" تعني شيئًا قريبًا من "عالم الحقائق" أو "عالم الموجودات" على خلاف "عالم الأوهام" أو "عالم المعتقدات". ربما كان على فينس أن يتحدث عن العالم الموضوعي أو الموضوعية. لكن ما يهمّنا هنا أنه يمكن نسبة ما يقوله فينس عن الخيرات الموضوعية إلى القانون الطبيعي. فهو قانون طبيعي بمعنى أنه موضوعي، أي إنه جزء من أثاث هذا الكون، مثله مثل قوانين الرياضيات والفيزياء. وللاعتراف بوجود هذا التفسير أو المعنى الثالث للقانون الطبيعي لا نحتاج إلى أكثر من فهم "الطبيعة" بمعنى "عالم الحقائق"، على نحو يذكرنا بلودفيغ فتغنشتاين (1951–1889) عندما افتتح كتابه رسالة منطقية–فلسفية بالقول إن العالم (= الطبيعة؟) مجموعة من الحقائق وليس مجموعة من الأشياء "21. إضافة إلى هذه التفسيرات المتعلقة بأصل القانون الطبيعي، والأسباب التي قد تدعونا لوصفه بالطبيعي، هناك أيضًا بعض المفاهيم التي يلزمنا التوقف عندها من أجل اكتمال الصورة التي نحاول رسمها لا عن تفسيرات القانون الطبيعي فحسب، بل أيضًا عن فضاء المفاهيم المحيطة بهذا المفهوم. ومن هذه المفاهيم: موضوع (أي محتوى) القانون الطبيعي ووضعنا المعرفي تجاهه، وموقع ذلك القانون من الزاوية المنطقية المتعلقة بالضرورة والإمكان. أما فيما يخص الأمر الأول فإنّ لمحتوى القانون الطبيعي سمات جديرة بالملاحظة. ومن هذه السمات أولًا أن محتوى القانون الطبيعي أخلاقي عملي يتعلق بحياة الإنسان باعتباره فردًا وجزءًا من مجتمع. نرى ذلك على امتداد العصور، بدءًا من كلام هيبياس عن احترام الوالدين بوصفه جزءًا من قانون الآلهة

  1. John Finnis, "Natural Law Theory: Its Past and Its Present," American Journal of Jurisprudence , vol. 57, no. 1 (2012), p. 84.
  2. Ludwig Wittgenstein, Tractatus Logico–Philosophicus, D. F. Pears & B. F. McGuinness (trans.) (London/ New York: Routledge, 1974), p. 1, 5.

(القانون الطبيعي)، وانتهاء بما يعلّمنا إياه العقل (بحسب جون لوك) عن مساواة البشر وضرورة عدم اعتداء الواحد منهم على الآخر. وهناك ثانيًا صفة التجريد والعمومية التي تجعل قانون الطبيعة أساسًا تُشتق منه قوانين تلائم كل مجتمع على حدة. فمثلًا قد نشتق من القانون الطبيعي العام الذي يقضي بعدم جواز تعريض حياة الآخرين للخطر قانونًا يتعلق بتحديد السرعة القصوى لقيادة السيارات على الطرق العامة، في حين أنه لن يكون لمثل هذا القانون معنى في حالة مجتمع لا توجد فيه سيارات (من دون أن يُلغي صلاحية القانون الطبيعي في ذلك المجتمع البسيط). وثالثًا، يمكن القول إن القانون الطبيعي (كما يرى كثير من المفكرين) يؤدي دور الحكم والرقيب على مشروعية القوانين الوضعية ذات التحديد الأدق. يقول سيرجيو كوتا (2007–1920)، على سبيل المثال، إن "القانون الطبيعي يقف في مواجهة القانون الوضعي ويحدد ما يجب أن يكون عليه هذا الأخير"22. تشجعنا هذه العمومية والطابع التأسيسي والحاكمية التي يتسم بها المحتوى في القانون الطبيعي، على مقارنة هذا الأخير بقانون حقوق الإنسان، وبالأخص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948. يقول فينس في هذا المجال: "يمكن النظر إلى نظرية القانون الطبيعي بوصفها السياق الصحيح للتفكير والتدبر بشأن حقوق الإنسان والمدى الذي يمكن أن تذهب إليه السيادة الكونية Global Sovereignty، على خلاف السيادة الوطنية National Sovereignty أو سيادة الدولة"23. بل إن فينس يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك في كتابه Natural Law and Human Right الصادر عام 2011، حيث يقول إن "حقوق الإنسان هو المصطلح الذي يُستخدم الآن للإشارة إلى ما كان يُعرف بالحقوق الطبيعية"24. ولا يخفى على القارئ أن الحقوق الطبيعية تُعرف من خلال قانون الطبيعة. فإذا كان الأمر على هذه الشاكلة فإن حقوق الإنسان بحسب فينس تقبع في قانون الطبيعة أو تكون هي وقانون الطبيعة الشيء ذاته. وقد يكون كلام فينس في محله؛ وذلك لأن نظرة سريعة إلى مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسانترينا ما يتمثل فيه من عالمية وحاكمية وتركيز على حقوق الأفراد وواجباتهم في إطار المجتمع الذي يجمعهم. أما وضعنا المعرفي تجاه القانون الطبيعي فمن أبرز ما قيل بصدده: إن القانون الطبيعي واضح تمام الوضوح وإنه بيّن بذاته، فمجرد فهم ما ينص عليه كفيل بأن يقنعنا به. مثال ذلك قول غروتيوس: "لقد حرصت على استقاء البينات المتعلقة بقانون الطبيعة من بعض المفاهيم الأساسية غير القابلة للشك، بحيث لا يمكن لأحد أن ينكرها من دون أن يقوم بإلحاق الضرر بنفسه. ذلك أنك إذا تمعنت ملًّيًا في مبادئ ذلك القانون، فسوف تجد أنها في حد ذاتها ظاهرة وواضحة، تمامًا (تقريبًا) كالأشياء التي ندركها بواسطة الحواس الخارجية"25.

  1. Sergio Cotta, "Positive Law and Natural Law," Review of Metaphysics , vol. 37, no. 2 (1983), pp. 265–285, 267.
  2. Finnis, p. 100.
  3. John Finnis, Natural Law and Human Rights (Oxford: Oxford University Press, 2011), p. 198.
  4. Grotius, pp. 110–111.

وقول سامويل كلارك:)1729–1675("من الواضح وبلا منازع أنه من الأنسب، وبشكل مطلق وفي طبيعة الأشياء ذاتها، أن يسعى الناس جميعًا لتعزيز خير الجميع ورفاهيتهم، بدلًا من أن يعكفوا على تدبير الخراب والدمار باستمرار للجميع"26. لم يكتف بعض المدافعين عن القانون الطبيعي بالقول إن مبادئه جلية وواضحة في حد ذاتها (مثل مبادئ الرياضيات)، بل إنهم نسبوا إليه أيضًا صفة الضرورة. ولم ينكر غروتيوس مثلًا أن القوانين الوضعية تخضع لإرادة الإنسان وأنها لهذا السبب قابلة للتغيير، ولكنه، كما أسلفنا، أصر على القول إن مبادئ القانون الطبيعي لا تتغير وإنها مستقلة عن إرادة البشر، بل حتى الإرادة الإلهية نفسها؛ الأمر الذي يعني أنها تتسم بصفة الضرورة27. وبعد غروتيوس بقرن من الزمان نجد مونتسكيو يقول: "القوانين، في أوسع معناها، هي العلاقات الضرورية التي تنشأ من طبيعة الأشياء. بهذا المعنى، جميع الكائنات لديها قوانينها؛ الإله له قوانينه، والعالم المادي له قوانينه، والذكاء الفائق للإنسان له قوانينه، والحيوانات لها قوانينها، والإنسان له قوانينه"28. يعني هذا أنه إذا نص القانون الطبيعي على أن من واجب الإنسان ألا يؤذي الآخرين في أبدانهم أو ممتلكاتهم وغير ذلك فإن هناك علاقة ضرورية بين مفهوم "واجبات الإنسان" من جهة، ومفهوم "الامتناع عن إيذاء الآخر" من جهة أخرى؛ علاقة ضرورية وليست علاقة عرضية من النوع الذي يُعرف عن طريق التجربة والاستقراء. يعلق سابين على هذا الطرح قائلًا إن من يقول إن القوانين الطبيعية صادقة بالضرورة يفشل في التمييز بين الضرورة الأخلاقية والضرورة المنطقية؛ بين الضرورة كما تتجلى في قضايا الهندسة مثلًا، والضرورة في قضايا الأخلاق. فيقول: "من الواضح أن الضرورة التي تتسم بها البدهية الهندسية، وضرورة أن يكون القانون عادلًا هما نوعان مختلفان من الضرورة. تتعلق الضرورة بالمعنى الأخير بتحقيق أهداف الإنسان وغاياته. وحتى لو كان صحيحًا ما قاله غروتيوس من أن العدالة تتمثل في تطابق القانون مع المبادئ الكامنة في الطبيعة البشرية، فإن هذه الأخيرة عبارة عن مجموعة من الحقائق المعقدة والقابلة للتغيير. وليس من البيّن بذاته القول بوجود قيم تبقى مشروعة إلى الأبد"29. لكنّ التمييز بين الضرورة الأخلاقية والضرورة المنطقية (وهو تمييز لا يُماري فيه أحد) لا يعني بتاتًا نفي صفة الضرورة عن المبادئ الأخلاقية أو عن القانون الطبيعي. ذلك أن الضرورة تأتي على ضروب مختلفة

  1. Samuel Clarke, "A Discourse Concerning the Unchangeable Obligations of Natural Religion," in: L.A. Sylby– Bigge, British Moralists , vol. 2 (Oxford: The Clarendon Press, 1897), p. 5.
  2. Grotius, p. 1.
  3. Charles de Secondat Baron de Montesquieu, Spirit of the Laws (Ontario: Batoche Books, 2000), p. 18.
  4. Sabine, p. 429.

(منها الضرورة المنطقية، والضرورة الأخلاقية، والضرورة الطبيعية، والضرورة الميتافيزيقية) من دون أن تعني أشياء مختلفة في جميع هذه التمظهرات. مثال ذلك أن الحيوان يأتي على ضروب، فمنه الجمل ومنه الفيل ومنه الثعلب، من دون أن يعني هذا أن معنى الحيوانية يختلف بين الثعلب والفيل والجمل. فكلها حيوانات بنفس المعنى، ودليل ذلك أن القاموس لا يفرد عدة معانٍ لمفردة "حيوان" أحدها خاص بالفيل وثان بالثعلب وثالث بالجمل. يقول أحد الكتاب إن الضرورة في حد ذاتها ليست أكثر من رسم حدود – أي تحديد – ما هو الممكن، وأن ذلك التحديد يمكن أن ينبع من مصادر مختلفة30. فعلى سبيل المثال، قد ينبع التحديد من قوانين علم المنطق التي تحدد ما هو ممكن وما هو غير ممكن لك القيام به منطقيًا: فمثلًا، لا يمكنك أن تكون طويلًا وغير طويل في نفس الوقت. وقد يأتي التحديد من قوانين الفيزياء فتحدد إمكاناتك بما لا يتعارض مع تلك القوانين (لا يمكنك فيزيائيًا الخروج عن قانون الجاذبية مثلًا). وأخيرًا قد تتحدد إمكاناتك عن طريق القانون الأخلاقي فلا يعود في إمكانك أخلاقيًا أن تؤذي الآخرين (مع أنه من الممكن لك منطقيًا وفيزيائيًا أن تقوم بذلك). بهذا المعنى لا يكون من غير الملائم نسبة صفة الضرورة للقانون الطبيعي، من دون أن يكون في ذلك خلط بين المصادر المختلفة التي يمكن أن تنبع منها الضرورة. هذه هي، إذًا، بعض المعاني والتفسيرات التي ارتبطت بمفهوم القانون الطبيعي خلال تاريخه الطويل؛ من الوقت الذي كان يُنظر إليه كقانون إلهي إلى الوقت الذي بات يُنظر إليه على أنه إطار ملائم لفهم حقوق الإنسان. وغني عن القول إن القانون الطبيعي تعرّض لكثير من المناقشات التحليلية والنقدية من مختلف جوانبه طوال هذا التاريخ. قد تكون أنجع الطرق لجمع الكثير من تلك المناقشات في إطار منطقي بسيط النظر إليها باعتبارها نقاشات يتعلق بعضها بمفهوم القانون، وبعضها بمفهوم الطبيعة. يكون التركيز في النوع الأول من النقاشات على مفهوم القانون ومعناه وإذا ما كان يجوز النظر إلى القانون الطبيعي على أنه قانون أو نظام من القوانين بالمعنى الدقيق للكلمة. أما النوع الثاني فيتمركز حول مفهوم الطبيعة وإذا ما كان من المشروع لنا الحديث عن قانون "طبيعي" بمعنى واضح ومتفق عليه من معاني "الطبيعة". في القسم التالي من الدراسة نعالج مسألة إذا ما كان القانون الطبيعي جديرًا بأن يسمى قانونًا، وفي القسم الذي يليه سنعالج مسألة إذا ما كان القانون الطبيعي طبيعيًا حقًا.

ثالثًا: هل القانون الطبيعي قانون حقًا؟

لنبدأ بمحاولة لتعريف مفهوم القانون (في حد ذاته) قبل التطرق إلى سؤال إذا ما كان القانون الطبيعي قانونًا. ليس تعريف القانون بالأمر الهيّن. يقول رونالد دووركن متحدثًا باسم المشتغلين في فلسفة القانون ومدللًا على صعوبة المسألة: "اعتدنا على تلخيص مشاكلنا من خلال أسئلة كلاسيكية في نظرية القانون من قبيل 'ما هو القانون؟"'31.

  1. Milton Fisk, Nature and Necessity (Bloomington: Indiana University Press, 1973), p. 27.
  2. Ronald Dworkin, Taking Rights Seriously (Cambridge: Harvard University Press, 1977), p. 14. الترجمة مقتبسة من: رونالد دووركن، أخذ الحقوق على محمل الجد، ترجمة وتقديم منير الكشو (تونس: دار سيناترا، 2015)، ص.63

لاكن هذا لم يمنع المشتغلين بالقانون وفلسفته من محاولة تعريف القانون مرة تلو الأخرى. فهاهو أول التعريف الذي ينسبه دووركن إلى مدرسة الوضعية القانونية Legal Positivism ممثلة بأستاذه هربرت هارت Herbert Hart):1992–1907("إن قانون جماعة ما هو مجمل القواعد الخاصة بها التي تستخدمها على نحو مباشر أو غير مباشر لتحديد السلوك الذي يعاقب عليه فاعله أو يُكره على القيام به من قِبَل النفوذ العام

.32" Public Power

يمكننا أن نستخلص من هذا التعريف فكرة مفادها أن القانون كما يراه بعض القانونيين (وتحديدًا أنصار الوضعية القانونية) يرتبط بفكرة العقوبة (في حالة خرق القانون) أو الإجبار (في حالة العصيان). كما أن القانون يرتبط بوجود سلطة أو سلطات عامة (الدولة أو الجهاز القضائي في الدولة أو ما شابه) قادرة على إنفاذ القانون. كل هذا من شأنه أن يطرح السؤال عما إذا كان بوسعنا أن نطلق تسمية "قانون" على قاعدة لا ترتبط بنظام عقوبات أو سلطة عامة من أي نوع كان. يشير مفكر آخر، جون بنجامين مرفي John Benjamin Murphy (1916–1857) إلى وظيفة القانون في الحياة العامة، وهي وظيفة تنظيمية تتطلب التنسيق بين عدد هائل من النشاطات والمصالح والمساعي الفردية التي يمكن أن تتعارض بمختلف أنواع الطرق. لذا، كما يقول هذا المفكر، "ينبغي أن توفر القواعد القانونية تعليمات سلوكية واضحة ومحددة أكثر مما هو عليه الحال في القواعد الأخلاقية إذا أريد لها [أي الأولى] أن تنسق نشاطات عدد هائل من أفراد المجتمع"33. ويطرح هذا سؤ لًا حول إذا ما كان يمكن اعتبار "القوانين" الأخلاقية التي تتسم بالعمومية وعدم الارتباط بسياق محدد (مثل قاعدة/ قانون "المساواة بين البشر وعدم جواز الاعتداء على ممتلكات الآخرين") قوانين حقيقية. يمكن النظر أيضًا في مطلب الإعلان Promulgation الذي يقتضي أن يتحقق إعلام من سوف يخضعون لحكم قانون ما بصدور ذلك القانون. نجد هذا المطلب في تعريف توماس هوبز (1679–1588) القائل إن "القانون هو أمر صادر من صاحب السلطة السيادية (سواء أكان فردًا أم جماعة)، يوجه إلى الرعايا معلنًا أمام العموم وبصورة جلية ما يُسمح للواحد منهم أن يفعله وما هو محظور عليهم فعله"34. إضافة إلى هذه المواصفات هناك بعض الشروط التي ترد في التعريف المشهور الذي يقدّمه الأكويني لمفهوم القانون، حيث يقول: "ليس القانون سوى تشريع عقلي Ordinance of Reason غايته المصلحة العامّة، يصدر عن الجهة المخولة برعاية الجماعة، ويُعلَن عنه"35.

  1. Dworkin, p. 17; دووركن،.67 ص
  2. James Bernard Murphy, The Philosophy of Positive Law (New Haven: Yale University Press, 2005), p. 4.
  3. Thomas Hobbes, A Dialogue between a Philosopher and a Student of the Common Laws of England (Chicago: University of Chicago Press, 1971), p. 71.
  4. Aquinas, p. 6.

يتفق تعريف الأكويني مع بعض ما سبقه من تعريفات في الإشارة إلى "الجهة المخولة" (السلطة ممثلة بفرد أو جماعة)، وفكرة القانون المعلن، ولكنه يضيف شرطين آخرين هما: 1. عقلانية التشريع شرطًا لاستحقاق الصفة القانونية. 2. وخدمة المصلحة العامّة، كالغاية الأخلاقية التي يجب أن ينشدها القانون لكي يستحق هذه التسمية. وينقسم المفكرون القانونيون بين مؤيد ومعارض لفكرة أنه يمكن فهم ما هو قانوني بمعزل عما هو أخلاقي. ففي حين يعتقد بعضٌ أن القانون الجائر (أو الذي لا يهدف إلى ما فيه الخير) لا يستحق أن يسمى قانونًا، يعتقد بعضٌ أن الجمع بين الأخلاق والقانون من خلال الحديث عن القانون الأخلاقي (أو القانون الطبيعي كما سنرى بعد قليل) أمر غير مشروع. ومن الفريق الأول دانيل بريل الذي نقتبس منه قوله: "يلتزم القانون على الأقل من الناحية النظرية بإحقاق العدالة. ويكون النظام القانوني (أو ما نعتقد أنه نظام قانوني) في أفضل أحواله عندما ينجح في الدفع بقضية العدالة. أما عندما يفشل النظام القانوني في القيام بذلك، أو [...] يقوم بتقويض العدالة، فإنه لا يعود نظامًا قانونيًا البتة عندئذ، بل نظامًا لا يجمعه مع القانون سوى وجه شبه سطحي. لا يختلف ما يحصل في هذه الحالة عما يقوم به رجال العصابات من تصرفات [غير قانونية] إلا في أنه يحدث على نطاق أوسع"36. أما جون أوستين (1960–1911) الذي حمل لواء الوضعية القانونية في بريطانيا في القرن التاسع عشر فيقول: "وجود القانون شيء، وأما كونه قانونًا حسنًا أو غير حسن فذلك شيء آخر [...] القانون الساري هو قانون فعلًا وإن لم يرق لنا؛ حتى وإن خالف تلك الأحكام التي نسير على هديها في مدح الأفعال أو ذمها"37. من الجليّ أننا بصدد تعريفات متداخلة تلتقي أحيانًا وتتعارض أحيانًا أخرى حول طبيعة القانون. في مثل هذا الوضع ليس هناك ما هو أفضل من مناقشة وضعية القانون الطبيعي من منظار هذه المفاهيم المختلفة التي تحيط بمفهوم القانون بصورة عامة، عسانا نتوصل إلى ترجيح أحد القولين: فإما أنّ

  1. Dan Priel, "Reconstructing Fuller’s Arguments Against Legal Positivism," Comparative Research in Law and Political Economy , vol.  37, no. 2 (1983), p. 10. هذا ما قاله القديس أوغسطين (430–354) أيضًا: "لو غابت العدالة، فما تكون الممالك عندها سوى عصابات من المجرمين تعمل على نطاق واسع؟" ينظر: Augustine, The City of God , Books I–VII, Demetrius B. Zema & Gerald G. Walsh (trans.) (Washington: Catholic University of America Press, 1950), p. 195.
  2. John Austin, The Province of Jurisprudence Determined (Cambridge: Cambridge University Press,1995), p. 157.

القانون الطبيعي قانون، بمعنى أنه لا ينبغي أن يكون مثيرًا للجدل، وإما أنه مجرد نظرية أو مبادئ أخلاقية اختار أصحابها لسبب ما تبجيلها بالصفة "القانونية". لنبدأ بما نعتقد أنه الأمر الأسهل: المطلب الذي يقتضي أن يكون القانون مُعلنًا ومعروفًا لدى الأفراد الذين سوف يخضعون لأحكامه. تخيل في الظروف القصوى "قانونًا" لا يدري بوجوده أحد (سوى من صاغوه). كيف لهذا أن يكون؟ القانون هو الأمر الذي قد يُعصى وقد يُطاع، مع العلم بأن الطاعة والعصيان وغيرهما مواقف مقصودة تتطلب المعرفة المسبقة والنيّة. فكيف لإنسان أن يطيع أو يعصي قانونًا لا يدري بوجوده أصلًا؟38 يُنظر الآن إلى القانون الطبيعي بصيغة لوك التي تقول إن الناس متساوون ومستقلون وإنه لا ينبغي أن يؤذي واحد منهم الآخر في حريته أو ممتلكاته. بأي معنى يمكن القول إن هذا قانون مُعلن فهو إذًا مرشح لكي يكون موضوع طاعة الناس أو عصيانهم؟ وإذا كان القانون الطبيعي ينطبق على عموم البشر كما قال أنصار مذهب القانون الطبيعي منذ القديم وحتى الوقت الحاضر، أليس من الواجب أن يكون هذا القانون معروفًا لجميع الناس؟ للفيلسوف الإنكليزي الكاثوليكي بيتر غيتش (2013–1916) قول طريف في هذا الموضوع، فهو يزعم أن "إدراكنا وعن طريق العقل بأن ممارسة معينة [مثل السرقة] غير مرغوبة Undesirable [...] هو بمنزلة إعلان للقانون الإلهي بمنع تلك الممارسة، حتى لو لم يدرك الإنسان أنّ في ذلك إعلانًا للقانون الإلهي"39. معنى هذا الكلام أنّ الله قد اختار الإعلان عن القانون الطبيعي عن طريق هبة العقل الذي يقول لنا مثلًا: "إن السرقة ممنوعة". ولكن هذا الرأي على طرافته غير قابل للتصديق. فأولًا، ليس من المتفق عليه بتاتًا أنّ هناك إلهًا يعلن قوانين إلهية. فكثير من الناس لا يؤمنون بوجود مثل هذا الإله. وثانيًا، ليس من الواضح أن البشر، الذين يتجاوز عددهم الثمانية مليارات، يدركون بعقولهم أنّ جميع الناس متساوون، وأنه لا ينبغي الاستحواذ على أملاك الغير. وثالثًا لا يستقيم قول غيتش حتى لو لم يدرك الإنسان أن في ذلك إعلانًا للقانون الإلهي؛ ذلك لأنه لم يدرك الأشخاص المقصودون بالإعلان أنّ هذا أو ذاك إعلان؛ فإن الإعلان لا يكون قد "بلغ"، وإذًا، لا يمكن تسمية ما قد حصل إعلانًا. فهو لا يعدو كونه كلامًا بين شخص (المُعلن) ونفسه. هذا فيما يخص مطلب الإعلان. أما فيما يخص مطلب وضوح المعاني وإمكانية القيام بدور تنظيمي تنسيقي في حياة البشر، فالقانون الطبيعي ليس في وضع حسن. فلكي تكون القوانين قادرة على الحكم في النزاعات بين البشر وإرساء نظام وتوقعات سلوكية متبادلة بين أفراد المجتمع يجب أن تكون واضحة المعنى بقدر المستطاع. لا يكفي القول إن البشر متساوون ومستقلون، بل يجب أن نحدد المعنى أكثر قبل أن نسنّ قانونًا ضريبيًا من شأنه أن يقتطع من دخل فلان أكثر مما يقتطع من دخل جاره. ونحتاج إلى أن نحدد معنى السرقة، لأن بعض المفكرين في الماضي قد دأبوا على القول إن الملكية الخاصة

  1. الطاعة والعصيان غير انتظام السلوك أو عدم انتظام السلوك بموازاة قانون معين. فقد يعيش أحد طوال حياته لا يتناول قطرة من الكحول، ولكن هذا لا يعني أنه يطيع القانون الذي يحرّم تناول المشروبات الكحولية.
  2. Peter Thomas Geach, "Moral Law and the Law of God," in: God and the Soul (London: Kegan & Paul, 1969), pp. 123, 117–129.

في حد ذاتها سرقة. ورغم أن القانون الطبيعي يقول بعدم جواز القتل والكذب، فإن القتل والكذب وغيرهما أحداث معتادة في حياة الإنسان وهي ليست غير قانونية في كل الظروف. وفيما يخص وجود سلطة عامة تأخذ على عاتقها إنفاذ القانون واستخدام العقوبات لذلك الغرض إذا لزم الأمر، فوضع القانون الطبيعي ليس أفضل ح لًا من وضع حقوق الإنسان أو ما يسمى أحيانًا بقانون حقوق الإنسان Human Rights Law. فبعض الدول لا تعترف بتلك القوانين. والعدد الأكبر منها يطبّقها على نحو انتقائي، ويستخدمها البعض لأغراض أيديولوجية ويقع في ازدواجية معايير غير مقنعة في تطبيقها. ولا يبدو أن البشر في الوقت الحاضر يتعاملون مع قانون حقوق الإنسان (أو القانون الطبيعي) باعتباره قانونًا، بل على أنه توجيهات أو إرشادات أخلاقية لا أكثر. لهذه الأسباب مجتمعة قد لا نرغب في الاستمرار في الحديث عن القانون الطبيعي كما لو كان قانونًا، لأنه لا يبدو أننا بصدد الحديث عن قانون أو قوانين بالمعنى المألوف للكلمة. ولكن هذا في حد ذاته لا ينبغي أن يقف عائقًا أمام الاعتراف بكثير من المبادئ والحقوق والمفاهيم التي تجري مناقشتها تحت اسم "القانون الطبيعي". وليست هذه النقطة مسألة نظرية، بل هي من صميم الممارسة الفعلية في تطبيق نيناوقلا.امدنع لاعًااف تلصح ةعقاو لا ثم كلذ ىلع نكروود برضيو  لوصلاأ بسحب ةيصو دّجٌ بتك القانونية المعمول بها، يوصي فيها بثروته لحفيده. ولكن الحفيد لم ينتظر وفاة الجد، بل سارع إلى قتله للتعجيل في الحصول على الثروة. ماذا تصنع المحكمة القضائية في هذه الحالة؟ هل تطبق القانون وتمنح الثروة للحفيد؟ كّلا، فهناك كما يقول دووركن، اعتبارات أخلاقية تجعلنا نمتنع عن القيام بذلك. فما هذه الاعتبارات الأخلاقية؟ يستشهد هنا دووركن بقرار المحكمة الذي قال في حيثياته: "إن كل القوانين وكل العقود والأثر الناتج منها تخضع في تحكيمها إلى الأحكام العامة والأساسية للقانون المشترك The Common Law، فلا يسمح لأحد بالاستفادة من غش مارسه ولا بجني مكاسب من خطأ ارتكبه أو أن يتحجج بسوء طويته أو أن يحصل على ممتلكات من جريمة اقترفها"40. ليس هذا مبدأً قانونيًا مسجلًا في كتب القانون، بل إنه يكاد أن يكون مبدأ أخلاقيًا. وقد نقول إنه متضمن في "القانون الطبيعي" أو إنه صادر عن العقل. ولكن هناك ما يدعونا إلى التردد في طرح الأوصاف على نحو مطلق. فهذا "القانون الأخلاقي" – إن أشرنا إليه بهذه الطريقة – كغيره من القوانين الأخلاقية، ليس مطلقًا، بل إنه قابل للتعليق الكلّي أو التطبيق الجزئي في بعض الحالات. تخيل مثلًا أنّ شخصًا نقض عقد عمله من أجل الالتحاق بعمل آخر يدرّ عليه دخلًا أكبر، فهل نمنع هذا الشخص من الانتفاع من "خطيئته" المتمثلة في نقض العقد، كما نفعل في حالة الحفيد؟ ليس تمامًا أو كليًا. ربما نطلب تعويضًا، أو ربما نطلب إيقاع عقوبة ما بسبب الإخلال بالعقد، ولكننا على الأغلب لن نجبر الشخص على الاستقالة من عمله الجديد والعودة إلى عمله القديم41.

  1. Dworkin, p. 23. دووركن،.75 ص
  2. Dworkin, p. 25.

لاحقًا يقول دووركن إن إمكانية ضبط معايير للتعرف على ما هو قانون وما هو ليس كذلك ليست واردة في حالة النظم القانونية البالغة التعقيد، كما في بلدان مثل بريطانيا والولايات المتحدة، "في هذه البلدان لا يمكن الفصل على نحو قاطع بين الضوابط القانونية Legal Standards وتلك الأخلاقية Moral Standards على خلاف ما تجزم به النزعة الوضعية"42. نتفق مع دووركن في هذه النقطة، ولكن ما يعنينا هنا ليس شد أزر الوضعية القانونية أو القول باستقلال المعايير القانونية عن المعايير الأخلاقية. بل ما يعنينا هو توصيف دووركن لتلك المبادئ التي قد نُشِرِّع أو نصلح أو نلغي القوانين على أساسها. إنه لا يصفها مستخدمًا مصطلح "القانون الطبيعي"، بل يكتفي بذكر "الضوابط" أو قل: المبادئ الأخلاقية وربما النظريات الأخلاقية موضوع جدالاتنا طوال الوقت. وإذا سرنا على نهج دووركن فسوف نقول إن الحديث عن القانون الطبيعي ليس في التحليل الأخير سوى حديث عن مبادئ ونظريات أخلاقية قد نستهدي بهديها عند صوغ القوانين الوضعية. قد نعتبر أن هذه المبادئ الأخلاقية "أسمى" من القوانين الوضعية. وقد نعتبر أنها بيّنة بذاتها أو أنها مدعومة بالدليل. ولكننا في الحقيقة نكون بصدد الحديث عن نظريات أخلاقية وليس عن قوانين بالمعنى الدقيق للكلمة. لماذا نتحدث عن القانون الطبيعي إذًا؟ وما الهدف من القول إن المساواة بين البشر وعدم جواز الاعتداء هي من قوانين الطبيعة؟ عندما نتحدث عن قوانين الطبيعة في العلوم الطبيعية نكون قد وصلنا إلى مرحلة الحديث عن الثوابت والأسس، تلك الثوابت والأسس التي لا تُخرق، أو تلك التي يحتاج خرقها إلى ما ليس بأقل من التدخل الإلهي عن طريق المعجزة. تتسم هذه القوانين بالكونية وهي ليست متغيرة ولا هي تحت إمرتنا. وكل ما بوسعنا حيالها هو القبول بها أو الوقوف أمامها خاشعين كما فعل إيمانويل كانط (1804–1724) عندما قال: "شيئان يملآن نفسي بالإعجاب المتزايد والخشوع: السماء المرصعة بالنجوم فوق رأسي والقانون الأخلاقي في داخلي"43. وسؤالنا هو: لماذا يساوي كانط بين قوانين الأخلاق والسماء المرصعة بالنجوم التي تتحرك وفقًا لقانون الجاذبية الصارم، وهو الذي كان على دراية بفيزياء نيوتن؟ ولماذا ينسب أنصار مذهب القانون الطبيعي صفة القانونية لمبادئ أخلاقية كانت دومًا محل جدل على مدار تاريخ الفلسفة الطويل؟ يتحدث ألكسندر باسيرين (1985–1902) في هذا الصدد عن سعي دائب لدى بعض المفكرين، قائلًا: "لوضع بعض المبادئ خارج دائرة المناقشة عن طريق إعلاء مكانتها إلى مستوى مختلف تمامًا [عن مستوى الأفكار العادية] ولقد كانت هذه العبارة الاستعارية "طبيعي" مهيأة وعلى نحو يدعو إلى الإعجاب للتعبير عن فكرة الأساس النهائي "[...]44.

  1. Ibid., p. 47. دووركن،.105 ص
  2. Immanuel Kant, Critique of Practical Reason , Werner S. Pluhar (trans.) (Indianapolis: Hackett Publishing Company, 2002), p. 162.
  3. Alexander Passerin d’Entreves, Natural Law: An Introduction to Legal Philosophy (London/ New York: Routledge, 2017), pp. 16–17.

نتفق مع المؤلف في ظنه أنّ لدى بعض المفكرين (حتى القدماء منهم) في بعض الأحيان رغبة في وضع بعض المبادئ خارج دائرة النقاش، ولكن الإشارة إلى الطبيعة لم تكن تكفي وحدها؛ لأن الطبيعة تزخر بكل ما هو عرضي ومنعدم القيمة، وبناء عليه، لا يمكن القول إن كل ما نكتشفه فيها يتسم بالمركزية أو إنه يصلح لكي يكون أساسًا لغيره. فالقوانين وحدها هي الأساس الثابت في الطبيعة. ولذلك ليس من المستغرب أن يتحدث الإنسان الذي يعتقد مثلًا أن المساواة البشرية أمر غير قابل للجدل عن "القانون" الطبيعي الذي ينص على مساواة البشر. قد لا يكون هذا التفسير بالإشارة إلى الدوافع السيكولوجية مقنعًا، وهو على أي حال ليس حجة يمكن استخدامها لدعم الرأي القائل إن القانون الطبيعي ليس بقانون. وما نعوّل عليه في الأساس هو أن القانون الطبيعي لا يستوفي الشروط اللازمة للقانونية بحسب الفهم الدارج لمصطلح "قانون"، كما أسلفنا في الصفحات السابقة.

رابعًا: القانون الطبيعي والطبيعة

في القسم السابق توصلنا إلى استنتاج مفاده أن من الأفضل لنا التفكير في القانون الطبيعي باعتباره نظرية أو نظريات أخلاقية (قد تكون مهمة جدًا) وليس بوصفه قانونًا أو مجموعة من القوانين بالمعنى الدقيق للكلمة. أما في هذا القسم فسنتجاهل مسألة إذا ما كان القانون الطبيعي قانونًا من أجل التركيز على وصف هذا القانون بصفة "الطبيعي". وأوردنا في القسم الثاني عدة معان لمفهوم الطبيعة. يرتبط بعضها ارتباطًا وثيقًا بمسألة البيّنات والحجج التي قد تدفع بنا إلى الاعتقاد بالقانون الطبيعي. بناء عليه، سيبرز سؤالان سنحاول الإجابة عنهما في هذا القسم. يقول السؤال الأول (ولا يخفى التشابه بينه وبين السؤال الذي طرحناه في القسم الثالث): بأي معنى من معاني "الطبيعة" يمكن القول إن القانون الطبيعي طبيعي؟ بعبارة أخرى: هل يستحق القانون الطبيعي أن يسمى "قانونًا طبيعيًا"؟ أما السؤال الثاني فيقول: ما البيّنات والحجج التي تسوّغ لنا الاعتقاد بالقانون الطبيعي أو المبادئ التي تنضوي تحت لواء هذا القانون؟ لنبدأ بالأسهل. هناك قوانين طبيعية تسعى العلوم الطبيعية (مثل الفيزياء والكيمياء وعلم الفلك وعلم الأحياء) إلى اكتشافها ومن ثم تفحصها واختبارها عن طريق الملاحظة والتجربة. ومن الواضح طبعًا أن قانون الطبيعة وما قد يتفرع عنه أو ينضوي تحت لوائه من "قوانين" ليس من هذا النوع. فالقانون الذي ينص على عدم جواز الاعتداء على البشر لا يشبه قانون الجاذبية، ولا عذر لمن يخلط بين القانونَين. لنتوسع شيئًا ما في فهمنا لما تعنيه "الطبيعة"؛ إذ ليست جميع القوانين مثل قانون الجاذبية. فللرياضيات قوانين ومبادئ لا تُكتشف عن طريق الملاحظة والتجربة، ولكنها مع ذلك جزء من القوانين التي تحكم عالمنا شأنها شأن قوانين الفيزياء. ويمكننا بهذا المعنى اعتبار أن القول: "حاصل جمع اثنين وثلاثة يساوي خمسة" يمثل حقيقة من حقائق الطبيعة، إذ تعني "الطبيعة" هنا العالم الموضوعي، العالم كما هو، عالم الحقائق الذي نعيش فيه. وحقائق الرياضات والفيزياء سواء بسواء جزء من هذا العالم

الموضوعي، على الرغم من الطرق المختلفة التي نستخدمها في التعامل معها. ترى هل يمكن أن يكون الحال هكذا مع القانون الطبيعي (موضوع الدراسة) فنقول (مثل ما قال فينس) إن "[القانون الطبيعي] يقف قبالة عقلنا تمامًا كما يفعل العالم الطبيعي الذي يتكون من أشياء"؟45لا يبدو الأمر كذلك؛ لأن البعض يقول إن عالم الحقائق (مع "التوسعة" التي طلبناها) هو عالمُ ما هو كائن What is، في حين أن هذا ليس حال القانون الطبيعي. فالقول: الناس متساوون ومستقلون ولا ينبغي أن يؤذي واحد منهم الآخر في بدنه أو حريته أو ممتلكاته، ليس حقيقة من حقائق الطبيعة حتى بالمعنى الواسع (= عالم الحقائق). فهل الناس حقًا متساوون أو مستقلون؟ ثم ألا تفضح عبارة "ولا ينبغي" الأمر برمّته، لأنها تتحدث عمّا ينبغي أن يكون عليه الحال What ought to be، وليس عما هو عليه الحال؟ إذًا، ليس من السهل الظن أن القانون الطبيعي يقف قبالة عقلنا تمامًا كما يفعل العالم الطبيعي. لكن، لماذا لا نقول (ومن باب الدفاع عن قانون الطبيعة) إن الطبيعة التي يشير إليها النقاد (مع التوسعة المقترحة أو من دونها) هي حالة طبيعة "مشوهة"، وذلك بعد أن عاث فيها البشر فسادًا بما تواضعوا عليه من قوانين وأعراف تتسم بالنقص، وبأفعالهم غير الأخلاقية (كالاستغلال الاقتصادي والعبودية وغيرها من آثام الجنس البشري)؟ نقصد هنا التلميح إلى "حالة الطبيعة" التي استفاض منظرو العقد الاجتماعي في الحديث عنها، مفترضين (بعضهم على الأقل) أنها كانت حالة من المساواة والحرية والاستقلال. تقول مارغريت كانوفان إن التفكير انطلاقًا من تلك الحالة "المثالية" لم يزل حًّيًا إلى وقتنا هذا، وتحديدًا عند جون رولز John Rawls (2002–1921)، إذ نجد "شبح حالة الطبيعة يسير متخفيًا بزي الوضع الأصلي (The Original Position) "46. نحن هنا بصدد الحديث عن الطبيعة "بالمعنى العميق"؛ أي ما يجب أن يكون عليه الشيء لا بما هو عليه. يقول طلال أسد مكملًا ما تقوله كانوفان: "لقد تعلمنا أن نفكر في هذا الوضع أو الحالة الطبيعية كنوع من الطبيعة/ الحقيقة العميقة Deep Reality [...] عالم فيه من الحقيقة أكثر مما يتوفر عليه العالم الاجتماعي [الذي نعيش فيه"]47. وبهذا المعنى (معنى "الحقيقة العميقة") ولهذا السبب كثيرًا ما نجد أن القانون الطبيعي يُستخدم في الحكم على القانون الوضعي، وأداة لنقد العالم الاجتماعي على ما يشوبه من نقص وما فيه من إخلال بالحقوق الطبيعية والمساواة والحرية، والصفات التي يمتلكها الإنسان "بطبيعته". لكأنّ القانون الطبيعي يقول: الناس "بطبيعتهم" (على مستوى الطبيعة العميقة) متساوون ومستقلون بغض النظر عما تقوله الحقائق الاجتماعية الكئيبة التي نحيا في ظلها.

  1. Finnis, "Natural Law Theory," p. 84.
  2. Margret Canovan, "On Being Economical with the Truth: Some Liberal Reflections," Political Studies , vol. 38, no. 1 (1990), pp. 5–19, 16.
  3. Talal Asad, Formations of the Secular: Christianity, Islam, Modernity (Palo Alto: Stanford University Press, 2003), p. 57.

لا ينفصل مفهوم "الطبيعة العميقة" عن مفهوم "الطبيعة العاقلة"، ونقصد بهذا الإنسان والعالم الذي يخلقه من حوله بصفته كائنًا عاقلًا. هناك صلة بين هاتين "الطبيعتين"؛ العميقة والعاقلة. تقوم هذه الصلة على أساس حجة تقول: 1. إذا كان الإنسان بطبيعته كائنًا عاقلًا. 2. وإذا كان العقل يقول إن البشر متساوون... إلخ. 3. وكانت المشاهدات ترينا أن البشر غير متساوين. 4. وجب علينا حينها، إذًا، أن نقول إن كل ما نراه من مشاهد اللامساواة... إلخ يشكل تشويهًا للحقيقة التي نعرفها عن طريق العقل. يقال هذا من منطلق أن الحقيقة "العميقة" هي الحقيقة التي يكشف عنها العقل، وليس ما قد نراه عن طريق المشاهدة48. لنتفحص المقدمة (2) لكي نرى ما يقوله العقل ("الطبيعة العاقلة") عن القانون الطبيعي. من المعروف أن صنعة العقل هي صنعة البرهان والحجج. فما هي إذًا الحجج التي يمكن سوقها للبرهنة على قانون الطبيعة وما يرتبط به من قوانين أخلاقية؟ لنبدأ بحجة مباشرة تقول إن الدليل على صدق القانون الطبيعي ينبع من القانون الطبيعي نفسه، وذلك أنه واضح وجليّ للعيان. رأينا نماذج عن هذه الحجة عند غروتيوس وكلارك وربما أيضًا لوك. ولنا أن نضيف هنا توماس جيفرسون Thomas Jefferson (1743–1826) الذي كتب في إعلان الاستقلال الأميركي قائلًا: "أننا ننظر إلى هذه الحقائق على أنها ذاتية الوضوح: لقد خُلق البشر جميعًا متساوين وأن الخالق قد وهبهم حقوقًا غير قابلة للمصادرة وأن هذه الحقوق تشتمل على الحق في الحياة والحرية والسعي وراء السعادة"49. يجب أّلا نستخفّ بحجج "بِّيِن بذاته"، ذلك أنه من المقبول أن يكون هناك بعض الأفكار التي تُبين عن نفسها بنفسها. كما قال الشاعر أبو الطيب المتنبي (354–303 ه/:)965–915 م "فليس يصح في الأفهام شيء.... إذا احتاج النهار إلى دليل"50.

  1. يمكن الإشارة هنا إلى مقولة فريدريك هيغل (1831–1770) المعروفة: "كل ما هو عقلاني فهو حقيقي، كل ما هو حقيقي فهو عقلاني". ينظر: Georg Friedrich Hegel, Philosophy of Right , T.M. Knox (trans.) (London: Oxford University Press, 1978), p. 256. إذا اعتبرنا أن اللامساواة وغياب العدل من الأمور المنافية للعقل، فهذا يعني أن ما نراه على أرض الواقع لا يعكس الحقيقة (العميقة.) لا يعني هذا أننا بصدد الحديث عن سراب أو خداع حواس. المسألة لا تتجاوز الدرس المستفاد من أسطورة الكهف عند أفلاطون حول عالم الحقيقة (المُثل) وعالم الحواس.
  2. "Declaration of Independence: A Transcription," The U.S. National Archives and Records Administration, accessed on 21/7/2024, at: https://n9.cl/6rb0y
  3. أبو الطيب المتنبي، ديوان المتنبي (بيروت: دار بيروت للطباعة والنشر، 1983)، ص.142

المسألة هنا هي إذا ما كان القانون الطبيعي واضحًا وضوح النهار. لكن الأمر لا يبدو كذلك. تكتب كانوفان: "اعتقد جيفرسون [...] أنه يعبر عن الحس الفطري المشترك بين البشر. لكن من وجهة نظرنا، إن ما يثير الاهتمام في هذا الفهم الذاتي هو أنه كان على خطأ. فكما أشار عدد لا يحصى من المفكرين، لا يوجد في الحس الفطري المشترك ما يدعونا إلى الاعتقاد أن جميع البشر خلقوا متساوين أو يتمتعون بحقوق راسخة في الحياة والحرية والسعي وراء السعادة. على العكس من ذلك تمامًا: فالمراقب غير المتحيز الذي يقوم بفحص الحالة الإنسانية ووضع البشر سوف يستنتج أنه لا يوجد شيء واضح بذاته فيما يتعلق بالمساواة بين البشر"51. نتفق مع كانوفان: فقد لا تكون المساواة (ومعها القانون الطبيعي) بيّنة بذاتها. ولكن هذا لا ينفي إمكانية اشتقاقها من مقدمات ومبادئ بيّنة بذاتها، حالها في هذا حال الإقرار الرياضي الذي يقول إن 291353=34569+256784 فهو ليس "بيّنًا بذاته"، ولكن هذا لا ينفي إمكانية اشتقاقه من قواعد رياضية/ عقلية بيّنة بذاتها، بحيث يغدو الإقرار راسخًا رسوخ القواعد والمبادئ الرياضية/ العقلية التي اشتَُّقَ منها. إذا كان حال القانون الطبيعي على هذه الشاكلة فهذا كل ما يحتاج إليه أنصار المذهب، ولا يعود هناك داعٍ للإصرار على فكرة "بيّن بذاته" التي لا تبدو مقنعة على أي حال. هل يمكن اشتقاق القانون الطبيعي من مبادئ عقلية بيّنة بذاتها؟ هذه طريق ينبغي استكشافها. لنتذكر أولًا مقولة ديفيد هيوم (1776–1711) الشهيرة: "ليس منافيًا للعقل أن أفضل دمار العالم بدلًا من أن يتعرض إصبعي لخدش طفيف"52. من الظاهر أنّ لهيوم تصورًا محددًا عن العقلانية يسمح له بالقول إنه من الممكن (عقليًا) أن يفضّل إنسان ما دمار العالم بدلًا من تعرّضه لضرر بسيط. ما هذا التصور؟ هو التصور الأداتي Instrumental Reason المألوف الذي يقول إن العقل ليس سوى آلة حاسبة تحسب أفضل الطرق المؤدية إلى الحصول على غايات وأهداف محددة سلفًا. قال هيوم: "العقل عبد للأهواء وليس في وسعه أن يصبو إلى أن يكون أكثر من خادم مطيع لها"53. ولكن هل هذا هو التصور الوحيد لعقلانية الإنسان؟ تخيّل وضع هيوم وهو يواجه الخيار بين دمار العالم وتعرّض إصبعه لخدش بسيط. يعتقد هيوم أنّ عقله لن يعترض على سلّم تفضيلات يضع الأمر الأول في مكانة أعلى من الثاني. ولكن، سيتساءل كثير من الناس إذا ما كان صاحب مثل هذا السلم من التفضيلات إنسانًا عاقلًا. يجب علينا هنا أن نختار عباراتنا بعناية. لا يمكن القول إنّ هذا مثل الإنسان مجنون بالمعنى الحرفي للكلمة، أو مختل عقليًا، فالإنسان

  1. Canovan, p. 9; مقتبس من: مارغريت كانوفان، "عن الاقتصاد في التعامل مع الحقيقة: بعض التأملات الليبرالية"، ترجمة مايكل مدحت،، تبُّيُن مج 12، العدد 48 (ربيع 2024)، ص.139
  2. David Hume, A Treatise of Human Nature , vol. 1 (London: Oxford University Press, 2007), p. 267.
  3. Ibid., p. 266.

المختل عقليًا لا يُؤخذ كلامه على محمل الجدّ، بل لا يُستمع إليه أصلًا، وهذا ليس حال هيوم. ولكننا قد نتساءل: ما السبب المعقول الذي يجعل هيوم يفضّل سلامته البدنية على دمار العالم؟ أهناك سبب معقول؟ أم أنّ الأمر لا يعدو كونه أنانية مفرطة؟ ثم لماذا لا يفضّل هيوم دمار العالم على تعرّض إصبع معاصره آدم سميث Adam Smith (1790–1723) لخدش طفيف؟ هل من سبب يدعو هيوم لتفضيل خيره على خير سميث أو خير أي إنسان آخر يشاركه الاهتمام بالسلامة البدنية؟ يقول جون فينس: "لا يتمتع الخير الخاص بي بأهمية أكبر من خير الآخرين فحسب لأنه خيري الخاص: فلا الذكاء ولا العقل قادر أن يجد في حقيقة أنّ س هو س وليس ص [أي إنني أنا نفسي ولست أنا أنت] أساسًا للتمييز في تقويم أهمية الخيرات الخاصة بي وبك"54. بعبارة أخرى، يزعم المؤلف أنّ العقل بصفته عقلًا لا يجد سببًا لتفضيل خيري على خير الآخرين. فما أهمية مصالحي، أنا فلان، مقارنة بمصالح غيري، علان؟ إن سألنا العقل قال: لا أنت أهم منه ولا هو أهم منك. فأنتما بشر؛ فلا أنت من ذهب ولا هو من نحاس، ولا يتمتع أي منكما في نظري بميزة تسوغ منحه أهمية أكبر من الآخر في نظام الأشياء. هذا نوع من العقلانية العملية Practical Reasonableness التي يعتقد فينس أنها لا تتمثل في هيوم الذي يقول إن العقل لا يمانع في دمار العالم بدلًا من تعرض إصبعه لخدش. وليس هذا ببعيد عن أطروحات رولز حول عقلانية الأفراد المشاركين في مداولات الوضع الأصلي من أجل تحديد النظام الاجتماعي السياسي الأمثل للعيش المشترك. فالشخص العقلاني عند رولز يُعرف بصفات، منها الاستعداد لتقديم مقترحات "معقولة" من أجل التعاون في سياق الحياة الاجتماعية. أما المقترحات المعقولة فهي تلك التي "يُعقل أن تلاقي قبولًا عند الآخرين الذين يتصفون بالعقلانية"55. ومن نافلة القول إن الإنسان الذي يتقدم بمقترحات اعتباطية أو أنانية أو غير معززة بمسوغات مناسبة (حال هيوم في المثال السابق) لن يحظى بأي درجة من الصدقية عند الآخرين الذين يعتبرون مقترحاته "غير معقولة"56. وبموجب هذا المنطق يكون الإنسان غير عقلاني بقدر ما يكون ذا أنانية مفرطة، وبقدر ما يكون اعتباطيًا في اختياراته العملية، وبقدر ما يكون عاجزًا عن تقديم المسوغات التي يُعقل أن يجدها الآخرون مقبولة. من المحتمل جدًا أن يجد أنصار القانون الطبيعي بغيتهم هنا. فالقوانين على شاكلة: "الناس متساوون ومستقلون ولا ينبغي أن يؤذي الواحد منهم الآخر في حياته أو حريته أو ممتلكاته"، لن يرفضها على الأرجح إلا من يعتقدون أن مصالحهم وحياتهم وحرياتهم أهمّ من مصالح الآخرين وحيواتهم

  1. John Finnis, Natural Law and Natural Rights (Oxford: Oxford University Press, 1980), p. 107.
  2. John Rawls , Political Liberalism (New York: Columbia University Press, 1993), p. 50.
  3. استعرت بعض الأفكار هنا من: رجا بهلول، خطاب الكرامة وحقوق الإنسان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017). وعذري في ذلك أن الأسس التي ترتكز عليها حقوق الإنسان لا تختلف كثيرًا عن الأسس التي يستند إليها القول بالقانون الطبيعي. وقد ذكرنا فيما سبق أن جون فينس يعتبر أن مصطلح "حقوق الإنسان" هو المصطلح الدارج حاليًا في الإشارة إلى الحقوق الطبيعية.

وحريّاتهم، وأن من حقهم الحصول على ما لا يحق للآخرين الحصول عليه. فإذا اعتبرنا مع فينس أن العقل لا يجد مبررًا لتفضيل خير فلان على خير علان، نكون قد وصلنا إلى نتيجة مفادها أن الإنسان (العقلاني) يدرك بعقله صحة القانون الطبيعي وما يرتبط به من مبادئ أخلاقية. وهناك بعض الوجاهية في هذه المحاولة لاشتقاق القانون الطبيعي من مبدأ يبدو بدهًّيًا، وهو أن العقل كالمراقب الخارجي المحايد ليس في وسعه إلا أن يساوي بين الناس في القيمة والأهمية. هذا العقل الذي يطلب المسوغات ليس كعقل هيوم الأداتي الذي لا يسأل عن الغايات، بل يكتفي بالبحث عن سبل تحقيقها. إنه عقل يهتم بالغايات وأساليب العيش والتعامل بين الأفراد في سياق حياة اجتماعية تليق بإنسانية الإنسان وتحقق شيئًا من الكمال الذي كان الفلاسفة ينشدونه دائمًا. مشكلتنا هنا أن هذه العقلانية (العقلانية بمعنى فينس أو رولز) ليست عقلانية واحدة، بل عقلانيات تتحدد وتختلف من عصر إلى عصر ومن مجتمع إلى مجتمع. فعلى سبيل المثال، في المجتمعات القديمة التي مارست العبودية لم يكن من غير المعقول بتاتًا أن يُباع الإنسان ويُشترى، ولم يكن من غير المعقول أن يرث العبودية عن أبويه، علمًا بأننا في العصور الحديثة بتنا نجد مثل هذه الأفكار في غاية من اللامعقولية. بل يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك فنقول إن مفهومنا عن الإنسانية قد يتغير؛ الأمر الذي من شأنه أن يخلط الأوراق تمامًا حول العقلانية في التعامل بين الأفراد. فبحسب مثالنا المتعلق بالعبودية، من المحتمل أنّ "أحرار" الناس في العصور الغابرة ما كانوا ليروا في العبد إنسانًا مثلهم، وتبعًا لذلك لم يكن من غير المعقول بالنسبة إليهم التعامل معه كسلعة لا حقوق لها، تباع وتشترى57. ويوفر موضوع حقوق المرأة حقلًا آخر للتنازع حول مفهوم المعقولية. فقبل ما لا يزيد على قرن بكثير ساد اعتقادٌ مفادُه أن ليس للمرأة حقوق سياسية. ولم ير أغلب الناس وقتها في ذلك الاعتقاد ضربًا من اللامعقولية أو الاعتباطية. بل على العكس من ذلك، توافرت لديهم عدة حجج (لا يزال البعض ينادي بها في المجتمعات التقليدية) تبرر إقصاء المرأة عن المجال السياسي. ويوضح مثال أخير أن مفهوم المعقولية يعاني مشاكل تمنعه من حسم كثير من القضايا، وهو مفهوم العلمانية. فكثير من الناس في الوقت الحاضر (الليبراليون على وجه الخصوص) يعتقدون أن العقل يقتضي منا (إذا أردنا مجتمعًا عادلًا) أن نجعل من الدين أمرًا خاصًا، بينما يعتقد آخرون (من يُدعون ب "الجماعتيين") أنه ليس من العدل أو العقل في شيء أن يقصى الدين عن المجال العام في مجتمعات تعتقد نسبة كبيرة من أفرادها أنّ الدين أمر عام58.

  1. هذا ما يقوله كلود ليفي ستروس (2009–1908) عن تاريخ مفهوم الإنسانية: "ظهر مفهوم الإنسانية الشاملة التي لا تفرق بين الأعراق أو الثقافات في وقت متأخر من تاريخ الإنسان، ولم ينتشر على نحو واسع على وجه الأرض. وبالنسبة إلى أغلبية أفراد النوع البشري طوال عشرات الآلاف من السنين، لم تكن الفكرة القائلة إن الإنسانية تشمل كل إنسان على وجه الأرض موجودة البتة. وكان مفهوم الإنساني يتوقف عند حدود القبيلة أو المجموعة اللغوية وعند حدود القرية أحيانًا". ينظر: Claude Levi Strauss, Structural Anthropology: vol. 2, Monique Layton (trans.) (Chicago: University of Chicago Press, 1983), p. 329.
  2. Robert Audi & Nicholas Wolterstorff, Religion in the Public Square (Lanham: Rowman & Littlefield Publishers, 1997), p. 116.

وهكذا، يعود بنا البحث في معنى العقلانية أو المعقولية إلى الجماعات البشرية المحددة في زمانها ومكانها، أي إلى نقطة البداية عند اليونان وجدالاتهم حول مصدر القانون: أهو الجماعات الخاصة أم أن المصدر شيء عابر للحدود؟ ويعني هذا أننا لم نعد بمنأى عن النسبانية Relativism؛ فإذا كانت العقلانية ليست شيئًا واحدًا فإن ما يصدر عنها من "قانون طبيعي" أو مبادئ أخلاقية لن يكون شيئًا واحدًا. ويلزم من ذلك التخلي عن فكرة عالمية القانون الطبيعي وسموّه فوق القوانين الوضعية التي يصنعها البشر؛ كٌّلٌ في مجتمعهم الخاص بهم. هكذا، نكون قد استنفدنا المعاني المحتملة للقول بطبيعية القانون الطبيعي: فلا هو جزء من الطبيعة كقوانين الفيزياء مثلًا، ولا هو جزء من أثاث العالم الموضوعي كقوانين الرياضيات، ولا هو نتاج "الطبيعة العاقلة"، أي العقل البشري الذي يبدو أنه يختلف باختلاف الأزمنة والأماكن. أما الحديث عن "الطبيعة العميقة" فلا يبدو أنه أكثر من إشارة مهذبة إلى مشروع أو حلم أو يوتوبيا تراود الإنسان منذ القدم. وما قالته كانوفان عن الليبرالية من أنها لم تكن يومًا ما وصفًا للعالم بقدر ما كانت مشروعًا يودّ الليبراليون تحقيقه59، ينطبق حرفيًا على مفهوم القانون الطبيعي: فليس القانون الطبيعي وصفًا لما هو كائن، بل لما يجب أن يكون.

خاتمة

ناقشنا في هذه الدراسة القانون الطبيعي من زاويتن: من حيث إنه قانون، ومن حيث إنه طبيعي. وتعرّفنا من خلال التاريخ ومن خلال الجهد التحليلي على تفسيرات مختلفة للقانون الطبيعي إضافة إلى بعض المفاهيم ذات العلاقة بهذا القانون. وتوصّلنا إلى نتيجة رئيسة مفادها أن ليس هناك ما يدعو إلى الظن أن "القانون الطبيعي" قانون، أو أنه طبيعي. وقلنا إنه قد يكون من الأفضل التفكير فيه باعتباره نظريات أخلاقية نستهدي بهديها عند التفكير في مسائل القانون الوضعي الذي يصوغه البشر والذي تعتوره أوجه نقص كثيرة. مع ذلك، لا بد من الاعتراف بأنّ القول بوجود مبادئ موضوعية وكونية ذات بعد أخلاقي تنتظم بموجبها العلاقات بين البشر ليس ضربًا من اللامعقول. فهذا هو جوهر فكرة القانون الطبيعي بغض النظر عن تسمية "قانون" و"طبيعي". والمسألة المهمة التي لم نتمكن من الخوض فيها هي إذا ما كان يمكننا العثور على مثل هذه المبادئ، أو إذا ما كان من المحتم علينا أن نسير في اتجاه النسبانية، فنقول: إن كل مبدأ أخلاقي هو في النهاية مبدأ محلي. لهذا النقاش بقية. فنحن، وإن انتقدنا بعض محاولات إقامة "القانون الطبيعي" على أساس عقلاني، فهذا لا يعني استحالة العثور على حجج أقوى أو قائمة على أسس مغايرة.

  1. Canovan, p. 16.

المراجع

العربية

أبو الطيب المتنبي. ديوان المتنبي. بيروت: دار بيروت للطباعة والنشر،.1983

الحقوقية،.2013

مدحت. تبيّن. مج  12، العدد 48 (ربيع.)2024

الأجنبية

References

ألكسي، روبرت. مفهوم القانون وسريانه. ترجمة كامل فريد السالك. بيروت: منشورات الحلبي دووركن، رونالد. أخذ الحقوق على محمل الجد. ترجمة وتقديم منير الكشو. تونس: دار سيناترا، كانوفان، مارغريت. "عن الاقتصاد في التعامل مع الحقيقة: بعض التأملات الليبرالية". ترجمة مايكل

Aquinas, Thomas. Treatise on Law. Richard J. Regan S. J. (trans.). Indianapolis/ Cambridge:

The Hacket Publishing Company, 2000.

Aristotle. The Basic Works of Aristotle. Richard McKeon (ed & trans.). New York:

Random House, 1941.

Asad, Talal. Formations of the Secular: Christianity, Islam, Modernity. Palo Alto:

Stanford University Press, 2003.

Audi, Robert & Nicholas Wolterstorff. Religion in the Public Square. Lanham: Rowman

& Littlefield Publishers, 1997.

Augustine. The City of God, Books I–VII, Demetrius B. Zema & Gerald G. Walsh

(trans.). Washington: Catholic University of America Press, 1950.

Austin, John. The Province of Jurisprudence Determined. Cambridge: Cambridge

University Press,1995.

Canovan, Margret. "On Being Economical with the Truth: Some Liberal Reflections."

Political Studies. vol. 38, no. 1 (1990).

Cicero, Marcus Tullius. On the Republic and On the Laws. David Fott (trans.).

Ithaca/ London: Cornell University Press, 2014.

Cotta, Sergio. "Positive Law and Natural Law." Review of Metaphysics. vol. 37, no. 2

"Declaration of Independence: A Transcription." The U.S. National Archives and

Records Administration. at: https://n9.cl/6rb0y

D’Entreves, Alexander Passerin. Natual Law: An Introduction to Legal Philosophy.

London/ New York: Routledge, 2017.

Dworkin, Ronald. Taking Rights Seriously. Cambridge: Harvard University Press, 1977.

Finnis, John. "Natural Law Theory: Its Past and Its Present." American Journal of

Jurisprudence. vol. 57, no. 1 (2012).

________. Natural Law and Human Rights. Oxford: Oxford University Press, 2011.

________. Natural Law and Natural Rights. Oxford: Oxford University Press, 1980.

Fisk, Milton. Nature and Necessity. Bloomington: Indiana University Press, 1973.

Geach, Peter Thomas. God and the Soul. London: Kegan & Paul, 1969.

Grotius, Hugo. The Rights of War and Peace. Book I. Indianapolis: Liberty Fund, 2005.

Hegel, Georg Friedrich. Philosophy of Right. T.M. Knox (trans.). London: Oxford

University Press, 1978.

Hobbes, Thomas. A Dialogue between a Philosopher and a Student of the Common

Laws of England. Chicago: University of Chicago Press, 1971.

Hume, David. A Treatise of Human Nature. vol. 1. London: Oxford University Press,

Kant, Immanuel. Critique of Practical Reason. Werner S. Pluhar (trans.). Indianapolis:

Hackett Publishing Company, 2002.

Laertius, Diogenes. Lives of the Eminent Philosophers. Pamela Mensch (trans.). London:

Oxford University Press, 2018.

Levi Strauss, Claude. Structural Anthropology: vol. 2. Monique Layton (trans.).

Chicago: University of Chicago Press, 1983.

Locke, John. Two Treatises of Government: And a Letter Concerning Toleration.

New Haven, Conn: Yale University Press, 2003.

McConnell, Donald. R. "The Nature of Natural Law." Liberty University Law Review.

vol. 2, no. 8 (2008).

Montesquieu, Charles de Secondat Baron de. Spirit of the Laws. Ontario: Batoche

Books, 2000.

Murphy, James Bernard. The Philosophy of Positive Law. New Haven: Yale University

Press, 2005.

Plato. The Laws. T. J Saunders (trans.). Middlesex: Penguin Books, 1970.

Priel, Dan. "Reconstructing Fuller’s Arguments Against Legal Positivism." Comparative

Research in Law and Political Economy. vol. 37, no. 2 (1983).

Rawls , John. Political Liberalism. New York: Columbia University Press, 1993.

Sabine, George. A History of Political Theory. New York: Henry Holt and Company,

Inc., 1947.

Sylby–Bigge, L.A. British Moralists. vol. 2. Oxford: the Clarendon Press, 1897.

Wittgenstein, Ludwig. Tractatus Logico–Philosophicus. D. F. Pears & B. F. McGuinness

(trans.). London/ New York: Routledge, 1974.

Xenophon. Memorabilia. Amy Bonnette (trans.). Ithaca/ London: Cornell University

Press, 1994.