العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة كتاب: مديح الهويات المرنة لحسن رشيق

مراجعة كتاب: مديح الهويات المرنة لحسن رشيق

Book Review: In Praise of Flexible Identities by Hassan Rachik

هشام أشتوك *

Hicham Ashtouk *

نزهة ويسران **

Nouzha Wisran **

الملخّص

عنوان الكتاب: مديح الهويات المرنة. ال مؤلف: حسن رشيق. المترجم: حسن الطالب. الناشر: منشورات ملتقى الطرق، 1990. عدد الصفحات: 220.

Abstract

Researcher, holds a master’s degree in Sociology from Ibn Zohr University, Agadir, Morocco. hichamachtouk98@gmail.com

Researcher, holds a bachelor’s degree in Sociology from Ibn Zohr University, Agadir, Morocco. nouzha.wisran8@gmail.com

عنوان الكتاب: مديح الهويات المرنة. المؤلف: حسن رشيق. المترجم: حسن الطالب. الناشر: منشورات ملتقى الطرق. سنة النشر: عدد الصفحات:

تمهيد

يعتبر التفكير في مسألة الهوية والإشكالات أو الرهانات المرتبطة بها مسألة أساسية ومهمة، لا سيما مع وجود نقاشات وقضايا ذات صلة بالهوية والهجرة والعولمة، إضافة إلى الحديث عن أزمة الهوية أو الصراع حول الهويات، ويأتي كتاب الباحث حسن رشيق مديح الهويات المرنة ضمن هذا السياق أو الإطار العام، وقد ترجمه المغربي حسن الطالب. يسعى المؤلف في هذا الكتاب للإجابة عن سؤال أساسي "مرتبط بالعلاقة بين الفردي والجماعي وبدرجة الاستقلالية المتروكة للأفراد المنتمين إلى هذه الهوية أو تلك" (ص. 22)، لهذا يتوقف عند تحليل الهويات الجماعية (ص. 25) يتوزع مضمون هذا الكتاب على امتداد 211 صفحة، ويتألف من مقدمة للمترجم، ويحتوي أيضًا على مقدمة المؤلف للترجمة العربية، إضافة إلى تصدير وتمهيد عنوانه "الهوية والاستقلالية"، وجاءت مضامين الكتاب موزعة على تسعة فصول، فضلًا عن ملحقين.

أولا: الأدلجة

يحاول المؤلف في هذا الفصل بناء التمييز بين نوعين في الإسلام، الأول ضمني يميز الجماعات التقليدية وطريقة تناولها للمسألة الدينية، أما النوع الثاني فيسميه الإسلام المبني على الممارسة الخطابية. يرتبط الصنف الأول من الإسلام بما نجده عادة عند سكان القبيلة، فهم مثلًا يمارسون شعائرهم الدينية على نحوٍ لا مفكر فيه، أي من غير قاعدة خطابية تنظم هذه الممارسات. وكل ما يؤطر هذه الممارسات هو ترسانة القيم والأعراف التي تم تناقلها شفهيّا، وهذا ما يسميه المؤلف العناصر البديهية أو المستبطنة؛ أي كل ما هو ضمني، ونقصد بالضمني في هذه الحالة "غياب ممارسة خطابية [...] إن العوام يعيشون انتماءاتهم الهوياتية من خلال الشفهية، وممارسة الطقوس عند الاقتضاء" (ص. 28) وفي نهاية القرن التاسع عشر، حدثت تحولات كبيرة  (ص. 28) كانت بمنزلة ترجمة لصدمة الحداثة التي واجهتها المجتمعات التقليدية. دفعت هذه التغيرات مجموعة من المفكرين الدينيين إلى اقتراح فهم ورؤية جديدين للإسلام بهدف مواجهة التحولات المجتمعية والاقتصادية والعلمية، التي لم تترك جانبًا من الحياة إلا أثرت فيه. كان الهدف من هذه الرؤية الحفاظ على الهوية الإسلامية، ومن هنا ظهر ما أصبح يعرف بالنوع الثاني من الإسلام. يشير الكاتب، في السياق ذاته، إلى الدور الحيوي الذي أدته الأيديولوجيا في الحركة السلفية، حيث أصبحت هي المعيار الذي يحدد للناس مدى انتمائهم إلى الإسلام وولائهم له. وبهذا، تم الانتقال من هوية ضمنية وشفهية كانت تتشكل من الأعراف والطقوس المحلية غير المدروسة، وكانت ترتكز على العادات والتاريخ الشفهي، إلى هوية ممارسة خطابيًا Pratique discursive، أي أيديولوجيا تضع المعايير الصحيحة التي تحدد للناس كيف يفهمون التحولات الحديثة (ص. 29)، وكيف يعيشون ويسلكون. على هذا النحو، نلمس الخاصية الحركية للأيديولوجيا،

فكل أيديولوجيا هي ممارسة، وفعل، ورغبة في التغيير والتأثير في العالم، أو لا تكون1.

ثانيًا: الهوية الأحادية

يحدد المؤلف في هذا الفصل خصائص الهوية الأحادية، وبعض النماذج التي جسدت هذا النوع من الهوية ومارسته؛ إذ تحصر الهوية الأحادية الناس داخل أطر جاهزة قبليًا (ص. 33)، إلا أن هذه الأطر واحدة ومتشابهة ولا يسمح باستبدالها أو بالاختيار بينها وبين الولاء لجهة أخرى، وتأتي الحركة السلفية نموذجًا مارس ونادى بضرورة رفض أي تعددية فيما يتعلق باختيار الهوية؛ لأن هذه الأخيرة دينية فقط (إسلامية). وهذا التحديد هو الفيصل، بل هو المحك الذي يجعلنا نقبل بانتماء شخص إلى الإسلام أو بإبعاده ورفضه، ويمكن أن نتحدث في هذا الصدد عن هوية حصرية، باعتبارها نمطًا من التحديد الأحادي والمنغلق لهوية الأفراد. لا شك في أن هذا التحديد يسمح بتحكم أسهل في التابعين والموالين لهذه الهوية؛ لأنهم يتحولون إلى نسخ متشابهة، إلا أننا قد نجد داخل الهوية الأحادية نوعًا يتسم بشيء من النسبية (ص. 35)، فمثلًا نجد أن الانتماء الوطني لا يقصي ولا يعدم إمكانية أن يكون للفرد انتماء ثقافي وإثني معين. ويطرح المؤلف الحركة الأمازيغية نموذجًا للدفاع عن هذه الهوية الخالصة ذات الطابع الأحادي، فالهوية الأمازيغية مثلًا تجعل كل الروافد تنصهر وتذوب فيها من دون أن تضيع في صلبها، ويمكن استحضار المثقف الأمازيغي علي الصافي2 الذي كان له دور في تأكيد هذا التصور  (ص. 37)؛ فالثقافة الأمازيغية بالنسبة إليه "حجر راسخ في واد"، ولا يمكن أن ينزعها الإسلام أو اللغة العربية عن جذورها، ويأتي هنا تعبير البوتقة ترجمةً لهذه الهوية التي يجتمع فيها كل شيء، إلا أنها لا تقبل أن تمتص. نجد في الجانب الآخر توجهًا يدافع عن العروبة بصفتها رابطة وحيدة للأمة العربية (ص. 38)؛ فحيثما يتم تحديد اللغة العربية مثلًا رابطةً وحيدة معترفًا بها من الدولة بصفتها لغة رسمية للمواطنين، فإن مختلف اللغات والهويات الأخرى تختفي في الظل والهامش، ومن ثمّ فالحل بالنسبة إلى المؤلف لا يتعلق باستبدال هوية أحادية بأخرى؛ لأن الاستقلالية الفردية تنبذ وتتجاوز كل أنواع الحصر داخل أطر أو قالب من القوالب مهما كان شكلها.

ثالثًا: الهوية التراكمية

بعد أن يفصّل المؤلف في تحليل الهوية الأحادية وأشكالها، يطرح نمطًا آخر من الهوية، يسميه الهوية التراكمية؛ وهي نوع من الانتماء الهوياتي، قد يكون مزدوجًا أو متعددًا، ولا شك في أن المؤلف يضع هذا النوع في مرتبة أعلى من النوع الأول (الهوية الأحادية). ولكن ثمّة مشكلة أخرى يطرحها هذا النوع متعلقة بالتصنيف والترتيب؛ فنحن لا نختار هوياتنا بطريقة عشوائية، بل بالعكس تمامًا؛ إذ توجد بعض الحالات التي نميل فيها إلى تقديم أحد انتماءاتنا على ما سواها، بينما تكون الجوانب الأخرى من هوياتنا مغيبة

  1. ينظر: حسن رشيق، "المعرفة المشتركة في حياة الناس
  2. اليوميّة: اللباس والتديّن"، عمران، مج 1، العدد  2(صيف 2012)، ص.98–85 هو مثقف أمازيغي معروف بمساهمته في الحركة الأمازيغية.

كليّا أو نسبيّا، ويتحدث المؤلف هنا عن مثال الاختيار بين الولاء للوطن أو الولاء للدين. نجد في هذا الإطار مفكرين كثرًا ممن جعلوا الهوية المزدوجة جسرًا يربط بين الأفراد داخل المجتمع، شأن الحركة الوطنية في المغرب مع علال الفاسي الذي دعا إلى عدم إقصاء اليهود من المشهد السياسي، بل جعلهم أسوة بإخوانهم المسلمين، حيث أصبح الإسلام هنا إحدى دعائم الأمة وليس أساسها الوحيد، أما في الجانب الثاني فنجد مفكرين من قبيل جمال الدين الأفغاني الذي يركز على مسألة الانتماء الديني (ص. 40)، باعتبار أن الرابطة الدينية يجب أن توضع فوق كل اعتبار؛ فالولاء يجب أن يكون للإسلام أولًا وقبل كل شيء. ويلاحظ المؤلف أنه كلما شعرت هوية ما بالتهديد، حاولت أن تبني جدارًا كبيرًا لحماية نفسها، وهذا حال الحركة السلفية في بلدان المغرب العربي؛ إذ يمكن تفسير ظهورها بأنها ردة فعل بعد صدمة الحداثة من أجل إعادة المجد الضائع للإسلام. يؤكد المؤلف أن الأيديولوجيا القومية العربية قامت في الأساس على مبدأ العروبة أساسًا للوحدة، وأنها قد انتشرت في خمسينيات القرن العشرين وستينياته، ووضعت القومية العربية فوق أي انتماء آخر؛ إذ اتحد المسلمون والمسيحيون تحت اسم واحد هو مبدأ العروبة (ص. 43) إذا كان هنالك نوع من الهويات يجبر الناس على الاختيار بين انتماءاتهم، وعلى تفضيل جانب من هوياتهم على آخر، فإن الهوية المتعددة تسمح للفرد بأن يعيش في مجتمعه بانتماءاته المختلفة من دون أن يكون ذلك س ببًا في إبعاده أو وصمه، بل إن الأمر على عكس ذلك؛ إذ نجد أن تعدد انتماءات الفرد أصبحت في الدول المتقدمة مثلًا طريقًا نحو النجاح وإبراز الذات. غير أن هذا النوع بحسب المؤلف يظل قليل الانتشار، خاصة في البلدان التقليدية، فلا نجد هذا النوع من الهويات إلا لدى أقليات أو لدى مثقفين غير ملتزمين  (ص. 45). وهذا ما سبق لعبد الكبير الخطيبي أن أشار إليه، حينما اعتبر أن بلدان العالم العربي تعاني الوهم الوحدوي، فثمّة دائمًا خلط بين التعدد والتنوع الموجود على مستوى الواقع الموضوعي والعيني، وبين الوحدة المرجوة على مستوى الفكر من جهة أخرى (ص. 46)–45

رابعًا: الهوية المكتسبة

يميز المؤلف بين الهوية المفروضة والهوية المكتسبة؛ إذ ترتبط الهوية الأولى بالمجتمعات التقليدية، وتتسم بالطابع الوراثي والثابت، في حين تحمل الهوية المكتسبة بذور الحرية والاستقلالية، لأنها تؤمن أو تحقق مسألة التحرر من التراث الثقافي، وتقطع مع الخطاطات التي يصنعها الأسلاف. زيادة على ذلك، تحمل الهوية المكتسبة طابعًا ديناميًا؛ ما يسمح للفرد بأن يكون فاعلًا، على نقيض ما نصادفه داخل الهوية المفروضة، فهذه الأخيرة مبنية على التصور الجوهراني، في حين ترتكز الهوية المكتسبة على التصور الذاتي. هذا التمييز هو ما وقف عنده بالقول "إذا كان التصور الجوهراني يفرض على الأفراد هوية خارجية عنهم فإن الهوية الذاتية تأخذ في اعتبارها وجهة نظر الأفراد في اختيار هوياتهم، وتأويلها" (ص. 60) يقدم المؤلف مث لًا في هذا الصدد، لتوضيح المقصود بالهوية المكتسبة المبنية على التصور الذاتوي؛ إذ "يجب على المغاربة الذين لا يتكلمون اللهجات الأمازيغية أن يدافعوا عن

المكون الأمازيغي في الهوية المغربية" (ص. 60)، وبالموازاة مع هذا نجد مثقفين ومناضلين من أصل أمازيغي لا يتبنون خطاب الحركة الأمازيغية، الأمر الذي يجعلنا نقول إنه "ليس مبرر كون آبائهم أمازيغ هو ما يفرض عليهم فطريًا الدفاع عن الأمازيغ" (ص. 61)، وهذا ما سيتضح لنا عند استحضار تجربة المفكر محمد عابد الجابري (2010–1935)، فعلى الرغم من أصله الأمازيغي فإنه يدافع عن العروبة والهوية العربية، زيادة على ذلك لا يعطي الجابري تعريفًا واحدًا للهوية، على اعتبار أنها تشير إلى الوجود والماهية في الوقت نفسه (ص. 61) إن الهوية، بهذا المعنى الذي أشرنا إليه، لا تتعلق على الإطلاق بوجود جامد أو ماهية ثابتة جاهزة، بل هي عبارة عن صيرورة من التشكل، ومن هنا يستحضر رشيق نقد المفكر عبد الكبير الخطيبي (1938–2009) للذاكرة العربية واشتياقها إلى ما هو متجاوز، ويذكر أنها مبنية على حنين ميت (ص. 62)

خامسًا: الهوية الشمولية

ينتقل المؤلف في الفصل التالي للحديث عن الهوية الجماعية، فيعرّفها بأنها "نظام من المبادئ التي يجب التقيد بها في الحياة اليومية" (ص. 65)، بمعنى أن هذه الهوية تفرض مجموعة من القواعد وأنماط السلوك التي يجب الالتزام بها، مثل طرائق اللباس وإفشاء السلام، وكل ما يتعلق بالمراسيم والآداب. وهذا ما يجعل الهوية الجماعية "هوية آمرة"، كما يشير المؤلف (ص. 65)، لأنها تعكس الإكراه والصرامة، وتفرض إقصاءً رمزيًا على كل من يخالفها، وقد يُتهم من يخرقها بالإساءة إلى المقدسات الوطنية، مثل اللغة والدين، مما يقودنا إلى مسألة الأيديولوجيا؛ إذ "تنحو أدلجة الهويات الجماعية إلى تصريف الهوية بوصفها إلزامًا على أساس نمط سلطوي استبدادي" (ص. 66) لكن ينبغي أن نميز داخل الهوية الجماعية بين الهوية الشمولية والهوية الانتقائية. فالأولى تسعى ل "تنظيم دوائر الحياة كلها داخل المجتمع" (ص. 67)، ويتجلى ذلك في فرض أساليب اللباس (مثل الطربوش والجلابة) وتقنيات الجسد (كالشعر المتدلي وحلق الرؤوس)، إضافة إلى طرائق إفشاء السلام. لفهم هذه الهوية، يقدم المؤلف مث لًا متعلّقًا بإعلان الإخوان المسلمين سنة  952 الذي 1، سعى لتطبيق دستور شرعي يفرض وضع الحجاب، إلى جانب إحجام النساء عن مد أيديهن لمصافحة الرجال (ص. 67) أما الهوية الثانية، فيسمّيها الباحث الهوية الانتقائية، التي تتيح للأفراد التعبير عن ذواتهم، أي تمكنهم من تحديد من يكونون. وهكذا، توجه الهوية الانتقائية الأفراد نحو ما يتعين القيام به في مناسبات محددة، بل ضمن قطاعات معينة من الحياة الاجتماعية، مثل الأعياد والاحتفالات العامة والعائلية. يتضح إذًا أن هناك اختلافًا واضحًا بين الهوية الشمولية التي تتسم بالصرامة والإكراه، والهوية الانتقائية، التي تتميز بأنها هوية "نسبية وسياقية ومنفتحة" (ص. 76)

سادسًا: العلاقة مع الآخر

ينطلق المؤلف من فرضية أساسية مفادها خضوع أفعال الأفراد وسلوكهم لخطاطات ثقافية تمثل الأداة الموجهة لها. وقد أكد ذلك

بقوله: "وفقًا للثقافة، يتصرف الناس في حياتهم اليومية ويختارون" (ص. 77)؛ بمعنى أن الأفعال والسلوكيات تمارس تحت تأثير المعتقدات والأفكار التي لها تأثيرات واقعية. فردي. يمكن توضيح هذه القضية من خلال مسألة ممارسة التجارة والتعامل مع الأجانب؛ إذ تخضع هذه الممارسات لاعتبارات أيديولوجية وفقًا للمعتقدات. وهذا يجعل الهوية عنصرًا علائقيًا، فهي تُحدد العلاقة مع الآخر وفقًا لهذه الهوية، مما يؤدي إلى تعريفات متنوعة للآخر، مثل: "أجنبي، خائن، كافر، مرتد، مارق، أو ضالّ" (ص. 78). لذلك، فإن "المعتقد (بعد ثقافي) يوجه الفعل الاجتماعي، ويؤثر في العلاقة الاجتماعية (بعد سوسيولوجي)" (ص. 78) تتخذ العلاقة بالآخر أشك لًا متعددة، منها إعلان الاختلاف الذي يتجلى، على سبيل المثال، في اللباس. فالمسلم يجب أن يتميز بلباس معين، مثل العمامة ومعيار السترة، ويُعتبر تقليد غير المسلمين خروجًا عن الملة. ومن الأشكال الأخرى لهذه العلاقة الافتتان والرفض الجزئي أو الكلي. ويستعرض المؤلف هذه التمظهرات من خلال أمثلة توضيحية مستمدة من تجارب بعض المفكرين؛ مثل أبي الأعلى المودودي، وحسن البنا، وسيّد قطب.

سابعًا: مديح الهويات المرنة

يقارن المؤلف بين نموذجين من الهوية: الهوية الصلبة والهوية المرنة، محددًا خصائص كل منهما. وتُظهر الهوية الصلبة بُعدًا جوهريًا وشموليًا يميل إلى اختزال الجماعة في وحدة واحدة، بينما تتسم الهوية المرنة بالتراكم والتعدد والانفتاح. وتقوم الهوية الصلبة "على تصور أحادي للهوية بصورة حصرية" (ص. 92)، وتسعى لبناء نموذج من التماثل، وهو ما يتجلى في ارتداء اللباس نفسه، وشكل اللحية، وممارسة المهنة نفسها؛ مما يؤدي إلى إقصاء كل ما هو

تتميز الهوية الصلبة بأنها هوية مفروضة؛ إذ يرثها الفرد من الماضي والأجداد. ونتيجة لذلك، ينتمي إليها بالقوة، على الرغم من رغبته وإرادته. وهي هوية جماعية لا يستطيع الفرد تغييرها؛ ما يجعلها عبئًا خارجيًا وقسريًا وفقًا لرأي المؤلف. يرفض المؤلف الهوية الصلبة، معتبرًا أنها تبالغ في الدفاع عن مقوماتها، وكأنها قانون طبيعي؛ ما يؤدي إلى محو الفردانية، ويضطرّ الأفراد إلى الإذعان والانصياع لها. وعلى نقيض ذلك، يدافع عن الهوية المرنة، التي تُبنى على تصور العيش المشترك وتتميز بالتنوع الثقافي والسياسي للمجموعات التي تنتمي إليها. فهي هوية تراكمية وذاتية، لا تفرض من الخارج، وتبتعد عن الإكراه والقسر. إنها هوية منفتحة وحوارية، تمنح الأفراد حرية اختيار ذواتهم3. يمثل هذا الفصل، إجم لًا، مرافعة لمصلحة الهوية المرنة؛ إذ يُظهر المؤلف دعمه لهذه الهوية الحيوية والنشطة.

  1. "لم نعد اليوم ورثة. فالقطائع الاجتماعية، سواء بين الأجيال أو بين الثقافات، قد أغرقت العالم في مزيد من الحيرة وعدم اليقين. وكل فاعل من العاملين في المجتمع يجد نفسه مرغمًا على أن يبدع هويته الخاصة عن طريق تركيب تلفيقي [...] لقد أصبحنا الآن صناع أشكال وجودنا، مع ما نتمتع به من هوامش يزداد اتساعها أو يقلّ". ينظر: دافيد لوبروتون، علامات هوية "وشوم وثقوب وأمارات جسدية أخرى"، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي (الرياض: دار صفحة سبعة للنشر والتوزيع، 2021)، ص.21

خاتمة

تتمثل أهمية هذا الكتاب في محاولة المؤلف بناء نمذجة للهويات المنتشرة في مجال المغرب الكبير والشرق الأوسط، إضافة إلى حرصه على تناول موضوع الهوية انطلاقًا من مرجعية أنثروبولوجية، الأمر الذي يبرره وقوفه عند التعامل وتحليل ممارسات اشتهرت بكونها هامشية، وهذا ما يبدو في تحليله لبعض تمظهرات الهوية في اللباس والجسد والشعر والوشم... إلخ؛ فقد ركز على تناول الهويات الجماعية، وقدم تصنيفات لها (أحادية، شمولية، مفروضة، مكتسبة، انتقائية... إلخ)، إضافة إلى مرافعته المتعلّقة بالهويات المرنة. يدخل هذا الكتاب ضمن الإطار العام للاهتمامات العلمية للباحث، لهذا يمكن القول إنه بمنزلة نسخة ذات طابع مدرسي أو ديداكتيكي لثمرة اشتغاله وانشغاله بقضايا الهوية الجماعية والتباساتها، وهذا ما أكده بالقول "بدأت في سنة 9821 بدراسة الاستعمال السياسي للهويات القبلية [...] وبدءًا من سنة 9981 وسّعت حقل دراساتي ليشمل الإنتاجات الأيديولوجية للمثقفين الوطنيين، ثم ما أنتجه المثقفون المدافعون عن الهوية الأمازيغية"4. إضافة إلى ذلك، تكتسي الأسئلة التي طرحها المؤلف أهمية كبيرة، خاصة أن إشكالية الهوية تُعدّ من القضايا الملحّة التي تؤرق مجتمعات المغرب الكبير والشرق الأوسط والعالم عمومًا. وقد أصبح هذا الإشكال أكثر وضوحًا في سياق مشكلات الهجرة؛ إذ إنّ كل هوية لا تبدأ في الدفاع عن نفسها إّلا عندما تشعر بأنها مهددة أو معرضة للسخرية بوجود الآخر المختلف، سواء من حيث اللغة أو الدين أو العرق (ص. 22) لذلك، يقترح المؤلف دعم الهوية المرنة التي لا تقبل حصر الناس داخل أطر قبلية ومعايير صلبة يجب عليهم احترامها. وفي هذا السياق، يمكن الاستشهاد بتصور فتحي المسكيني الذي يميز أيضًا بين الانتماء الحيوي والانتماء الهووي5، فالحيوي هو ذلك الانتماء الذي لا يطالبك بأن تكون (أ) ولا شيء غير (أ)، ويؤكد المسكيني كذلك أنه إذ قمنا بتربية أطفالنا على أن يكونوا مسلمين مثلًا، ولا شيء غير مسلمين فنحن نهيئ جيلًا قد يشكل خطرًا بنيويًا على عدة مستويات، لأن ذلك لا يؤهلهم للهجرة نحو الإنسانية. إن الحيوي إذًا هو انتماء صحي لا يلغي فردانية الأفراد واختلافاتهم، ففي المجتمعات الحديثة والديمقراطية نجد أن اختلافات الأفراد أساس لاندماجه داخل المجتمع؛ لذلك دائمًا ما يحظى الإبداع والاختلاف بالاعتبار والتقدير ويكتسي أهمية بالغة في هذه المجتمعات. إن التفكير في واقع المجتمعات المعاصرة، وهو يتسم بالتعقيد والتشابك، خصوصًا فيما يتعلق بتعدد الهويات، وما قد ينجم عن ذلك من صراع أو أزمة أو تنافس أو رفض لمبدأ التعددية، يبرز أهمية موقف رشيق الذي يكمن في الانتصار أو الدفاع عما سماه "الهوية المرنة"؛ لأن الهوية كما أشرنا إلى ذلك سلفًا هي بناء وليست معطى جاهزًا. لهذا، "ليس هناك أبدًا هوية محصلة أو محققة ينتهى

  1. حسن رشيق، ديناميات الهويات الجماعية بالمغرب، ترجمة
  2. حسن الطالب (أكادير: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة ابن زهر، 2008)، ص.4 فتحي المسكيني، الهوية والحرية: نحو أنوار جديدة (بيروت: جداول للنشر والتوزيع، 2011)، ص.239

إليها"6؛ إذ يتمتع الفرد باستقلالية تشكيل هويته، حتى لو لم يكن الأمر على نحوٍ مطلق كليّا، لأنه يمتلك عقلانية مبدعة بالأساس، ولا يعد مجرد "دمية" خاضعة لمختلف ضروب الحتميات. رحبًا.

المراجع

رشيق، حسن. ديناميات الهويات الجماعية بالمغرب. ترجمة حسن الطالب. أكادير: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة ابن زهر،.2008

______. "المعرفة المشتركة في حياة الناس اليوميّة: اللباس والتديّن". عمران. مج 1، العدد  2 (صيف ______. مديح الهويات المرنة. ترجمة حسن الطالب. الدار البيضاء: منشورات ملتقى الطرق،.2021 لوبروتون، دافيد. علامات هوية "وشوم وثقوب وأمارات جسدية أخرى". ترجمة عبد السلام بنعبد العالي. الرياض: دار صفحة سبعة للنشر والتوزيع،.2021

المسكيني، فتحي. الهوية والحرية: نحو أنوار جديدة. بيروت: جداول للنشر والتوزيع،.2011

دريدا، جاك. واحدية لغة الآخر. ترجمة محمد موهوب. مراكش: المطبعة والوراقة الوطنية،.2021 يمكن القول إن الدفاع عن الهوية المرنة يعني أيضًا القبول بمبدأ الاختلاف والتعددية؛ ومن ثمّ تجاوز أي انغلاق أو تحجر، ومن ثمّ البحث عن سبل العيش المشترك بصفته هدفًا أو أفقًا إنسانيّا

References