العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة كتاب: التسارع، نقد اجتماعي للزمن

مراجعة كتاب: التسارع، نقد اجتماعي للزمن

Book review: Accélération: Une critique sociale du temps by Hartmut Rosa

محمد العياري

Mohamed Arbi Ayari

الملخّص

عنوان الكتاب الأصلي: Beschleunigung: Die Veränderung der Zeitstrukturen in der Modern. عنوان الكتاب: Accélération: Une critique sociale du temps. المؤلف: هارتموت روزا. المترجم: ديدييه رينو Didier Renault . الناشر:La Découverte . سنة النشر:2010 . عدد الصفحات: 480.

Abstract

. La Découverte

Beschleunigung: Die Veränderung der Zeitstrukturen in عنوان الكتاب الأصلي: der Modern.. Accélération: Une critique sociale du temps

عنوان الكتاب: المؤلف:

هارتموت روزا. المترج م:

ديدييه رينو. الناشر:

سنة النشر: عدد الصفحات:

Researcher in Political Philosophy, Tunisia. activiste83@gmail.com

مقدمة

يُجادل هارتموت روزا في مشروعه

النقدي حول مجتمعات الحداثة المتأخرة، من خلال مفهوم "التسارع" بوصفه السمة الأبرز لهذه المجتمعات، انطلاقًا من الأطروحة التي تتمحور حول فكرة "أن الزمن في عصرنا هذا أصبح يكتسي طابعًا مضطربًا". في هذا السياق،

يشرح روزا دلالات "الشعور بالتسارع الهائل للزمن ولحركة التاريخ"، وتأثيره في السياق السوسيوسياسي للمجتمعات، وآثار التحُّولُات

البنيويّة والوظيفيّة التي لامست المؤسسات

السياسية والاجتماعية والثقافية للحداثة المتأخرة، وتغُّيُر علاقات الذات بالعالم وتمُثلُات الأفراد

للعلاقات الاجتماعية، ولطبيعة الأدوار والوظائف الممكنة ضمن نسق العالم المعيش أيضًا. يعرض روزا نتائج هذه التحُّولُات ومُخرجاتها، وسياقات

إعادة تشكيل وتعريف كلّ من الهوية والثقافة والمجتمع، ضمن ما يعتبره تجربة جديدة في أفق أطروحات التقدم والاستقلالية والحرية والعقلانية وغيرها من وعود الحداثة. في سياق بحث علاقات التسارع بجُملة

تلك التغيرات، واسترجاع سؤال الزمن ومشروع النقد الاجتماعي، انطلاقًا من التحيين النسقي لبردايمات التشيؤ والاغتراب والحرية وغير ذلك، يشرح روزا في كتاب

(((هو عالم اجتماع وفيلسوف ألماني معاصر من أبرز الأعلام في مجال علم الاجتماع النقدي. اكتسب شهرة واسعة من خلال دراساته المتعلقة بمفهوم التسارع الاجتماعي، وتأثيره العميق في

حياة الأفراد في المجتمعات الحديثة. من أبرز مؤلفاته: التسارع:

نقد اجتماعي للزمن.

(2) Hartmut Rosa, Accélération: Une critique sociale du temps , Didier Renault (trad.) (Paris: La Découverte, 2010), p. 28. (3) Ibid.

Beschleunigung: Die Veränderung der الصادر في Zeitstrukturen in der Modern

عام 2005، والذي ترجمه ديدييه رينو Didier Renault في عام 2010 إلى الفرنسية بعنوان:

Accélération: Une critique sociale du

temps عن دار  La Découverte في باريس، علاقات التدمير والاغتراب والباثولوجيات الاجتماعية Social Pathology التي تُؤوّل

من جهة أنطولوجيا أسئلة الحرية والاستقلالية سياقات بروز ممارسات جديدة كانت "الوضعية التقنية" عنوانها الأبرز. ويتعرّض في كتابه

لكيفية ظهور علاقات التدمير والاغتراب في ممارسات جديدة كانت "الوضعية التقنية"؛ وهي وضعية أنتجت تآكُلًا  للملامح التقليدية للذات، ولتمُّثلُاتها للاجتماعي والثقافي والسياسي؛ إذ لم نعد نتحدث عن الذات الفاعلة اجتماعًّيًا،

أو عن التفاعل في "وضعية وجهًا لوجه The

face–to–face Situation "، بل أصبح التفاعل

خاضعًا لقوة الروابط الضعيفة، تلك التي ترتبط

بأجزاء نائية في الشبكة الافتراضية وتخضع لعامل "الزمن اللامتحرك"، على العكس من روابطنا القوية مثل العائلة والأقرباء. وقد عمّقت هذه

التحولات شكل التناقض وطبيعته بين الذات التي تستهلك نفسها في الحاضر والديناميكية الجديدة للمجتمع التي تتمظهر في "تغيّر علاقاتنا بالعالم

بسبب تقنيات الرقمنة وعملياتها". يُترجمُ هذا

(4) Peter Berger & Thomas Luckmann, La construction sociale de la réalité (Paris: Armand Colin, 2012), p. 76. (5) Rosa, p. 30.

(((حول مفهوم "الروابط الضعيفة" التي صاغها عالم الاجتماع الأميركي مارك غرانوفيتر، ينظر:

Mark Granovetter, "The Strength of Weak Ties," American Journal of Sociology , vol. 78, no. 6 (1973), p. 1366. (7) Hartmut Rosa, Rendre le monde indisponible , Olivier Mannoni (trad.) (Paris: La Découverte, 2020), p. 92.

التغُّيُر في صلتنا بالزمن وخضوع الاجتماعي

للافتراضي، بمعنى بروز تحُّولُات في الخطاب

وتشكيلات المعرفة والسلطة والمحاكاة والواقع، والتي أصبحت تُكوّن عاصفة اتصالات أكثر من

كونها أنساقًا اجتماعية ثابتة ومُحدّدة بوضوح.

أولا: التسارع والنقد الاجتماعي للزمن: في إمكانية استئناف المشروع النقدي وأسئلة الحرية والهيمنة والاغتراب

يدفع روزا في كتاب التسارع: نقد اجتماعي للزمن إمكانية التفكير من زاوية الرابطة الافتراضية (التقنية) التي حلّت في بعض تمظهراتها محل الرابطة الاجتماعية. ويشرح، على امتداد الفصول الثلاثة عشر للكتاب، كيفية اشتغال أطروحة "التسارع" بما هي محاولة لرسم ملامح الأشكال التقنية الجديدة للحياة، وتعبير عن أن الزمن أصبح مقولة أساسية في نسيج الواقع الاجتماعي نفسه، وتأويل لكيفية بروز ثلاث قوى في زمن الحداثة المتأخرة، وهي "عقلنة الزمن وقوة الثقافة وقوة إضفاء الطابع الزمني على تعقيد الأنساق"، مُعبّرة عمّا يُعرف بالأبعاد أو المستويات الثلاثة

للتسارع، وهي التسارع التقني وثورة نظام الزمان والمكان وتسارع التغُّيُر الاجتماعي وتسارع

إيقاعات الحياة وتناقضات تجربة الزمن. يعمل التسارع – بوصفه مفهومًا معيارًّيًا – داخل

دائرة التجربة الإنسانية التي تتموضع بين

(((للمزيد حول أطروحة التسارع، ينظر: Accélération Rosa,.

(9) Antoine Chollet & Catherine Coquio, "Sociologie ou politique de l’accélération? Entretien avec Antoine Chollet," Accélérations , vol. 1, no. 16 (2016), pp. 59–65.

(1((عنوان الفصل الرابع، في: , p. 125 Accélération Rosa,. (((1 عنوان الفصل السادس، في: Ibid., p. 151.

مُقدّسَين، هما المجتمع والتقنية. ويشرح روزا

كيفية ترجمة هذه القداسة من خلال الوعي بالزمن، وبالكيفية التي يقع من خلالها استثمار هذا الزمن اجتماعًّيًا. وفي السياق نفسه، يرسم

خطوط التقاطع بين الاجتماعي والافتراضي، من خلال سيرورة التأثير المتزايد للتسارع التقني الذي غيّر من ملامح الهوية الفردية عبر إزاحتها

من وضعية الاجتماعي العيني إلى وضعية التخفّي أو الاختفاء، ويرسم الملامح الاجتماعية والثقافية والسياسية للحداثة المتأخرة، من خلال مفهوم "التسارع" باعتباره المدخل الفلسفي الأكثر تعبيرًا، من وجهة نظره، عن جُملة التحولات

والانتقالات والتصدعات التي تطبع عالم الحداثة المتأخرة. ويُعيد مفهوم التسارع أيضًا استدعاء

السؤال الأنطولوجي حول التقنية وتناقضات الحداثة المتأخرة، ضمن محاولة جديدة لرسم تقاطعات الزمن بفضاء التجربة والتفاعل. تتموضع القيمة الاجتماعية للزمن بوصفها نقطة الارتكاز في مشروع روزا النقدي، في علاقة بمحاولات الكشف عمّا يمكن أن يكون عليه

الزمن بوصفه قيمة كميّة قابلة للقياس، وبما هو

"مسألة سياسية "؛ بالنظر إلى القوى التي يخدمها أو "الظواهر الإضافية والعارضة " التي يُسهم في بروزها. ويُشير إلى أثر التسارع

في النظام زمنًّيًا ومكانًّيًا، وكيفية إدراك هذا

النظام في الحياة الاجتماعية. لذلك، أصبح الزمن الحاضر يتحدد بالمدة الزمنية التي تتزامن كمًّّيًا مع مكان التجربة (الماضي) وُأفق الانتظار

(المستقبل). وفقًا لهذا المنظور، تحوّل الزمن

(12) Ibid., p. 412. (13) Ibid., p. 37.

(1((ينظر: Ibid.

في الحداثة المتأخرة إلى "نظام يصعُب التعايش

معه"؛ نظرًا إلى بروزه مسرحًا لعمليات

اجتماعية متعددة ومؤشرًا د لا على معانٍ قانونية

وسياسية وثقافية متداخلة، ومن خلال إنتاجه بوصفه ظاهرة سياسية واقتصادية بسبب التنظيم البيروقراطي للمجتمعات أيضًا. ويُحاجّ روزا في

هذا السياق بأهمية فهم الديناميكيات الجديدة لاشتغال مجتمعات الحداثة المتأخرة، وبضرورة تحيين فهمنا للعلاقة بين سياسة الزمن من جهة، والعلاقات الاجتماعية من جهة أخرى، حتى لا يظل "فهمنا للحداثة ولسيرورة التحديث قاصرًا [...] أمام التحولات البنيوية والأمثلة

الزمنية للمجتمع ولسيرورات التحديث". ويطرح تصُّوُرًا يقوم على استحضار فكرة الزمن

"بوصفها ظاهرة اجتماعية" للاستدلال على استحالة قيام سياسة للزمن مستقلة عن العلاقات الاجتماعية، وليشرح من خلالها كيفية توزيع السلطة السياسية في مجتمعات الحداثة المتأخرة استنادًا إلى استراتيجيات متعلقة بالزمن. ويساعد هذا التصُّوُر، في جزئه المُتعلّق بمحاولة فهم

كيفية اشتغال الأنساق الرئيسية والأنساق الفرعية (الدولة/ السياسة/ المجتمع)، على إدراك خصوصية العلاقة بين القيمة الاجتماعية للزمن، واستخلاص الدلالات الفلسفية للتسارع بوصفه حالة ديناميكيّة ثقافية واجتماعية

(((1 ينظر: أنطوني جيدنز، الطريق الثالث: تجديد الديمقراطية

الاجتماعية، ترجمة أحمد زايد ومحمد محيي الدين (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.)2010

(16) Hartmut Rosa, Aliénation et accélération: Vers une théorie critique de la modernité tardive , Thomas Chaumont (trad.) (Paris: La Découverte, 2012). p. 57. (17) Jonathan Martineau, Time , Capitalism and

ينظر:

Alienation: A Socio–Historical Inquiry into the Making of Modern Time , Historical Materialism Book Series (Leiden:

la Brill, 2015), p. 4.

وسياسية ومصدرًا من مصادر الاختفاء المبرمج لإحدى القيم الأساسية للحداثة وهي الوعد بالاستقلالية، التي يُفرد لها فصلين من كتابه؛ هما الفصلان الحادي عشر والثاني عشر من الكتاب. وضمن التأطير الأنطولوجي نفسه لعلاقة التسارع بمنطق التفاعل بين الأنساق داخل المجتمع، يشرح كيف تخلق الأدوات السياسية التي تخدم المشروع الاجتماعي والثقافي للحداثة المتأخرة، المحكومة بسطوة التقنية، حالةً يُكرّس فيها العلم نفسه بوصفه "لعبة زمن"

كما وصفها مارتن هايدغر Martin Heidegger 976–1889(1). ولتفسير هذه الحالة (لعبة الزمن)، والتوقف عند تقاطعات عالم التجربة اليومية (ديالكتيك التمثيل) مع عالم الإنسان والطبيعة بوصفه عالم سطوة التقنية (ديالكتيك العمل)، والاشتباك مع سؤال الحرية وعلاقته بالزمن بصفته صورة جديدة من صور الاغتراب، يستعيد روزا مقاربة هايدغر لجدلية العلاقة بين الذات والعالم، وبين الأشياء والموضوعات من زاوية الانشغال الأنطولوجي بتحولات المنطق الأساسي للعصور الحديثة؛ حتى يشرح أزمة الإنسان الحديث وتناقضات الثقافة والأداتية المُفرطة والهوس بالأزمنة التقنية الجديدة.

(1((ينظر:

Thijs Lijster, Robin Celikates & Hartmut Rosa, "Beyond the Echo–chamber: An Interview with Hartmut Rosa on Resonance and Alienation," Journal for Contemporary Philosophy , vol. 39 no. 1 (2019), pp. 64–78.

(1((للمزيد حول ديالكتيك العمل وديالكتيك التمثيل الواردين في رسائل "يينا" Jena (محاضرات جامعة يينا Universität Jena) لفريدريش هيغل (الشاب) Friedrich Hegel (831–17701)،

Jean Marc Ferry, Habermas: L’éthique de communication (Paris: PUF, 1987), p. 341.

ثانيًا: نحو تصُّوُر جديد للعلاقة بالزمن: فينومينولوجيا الزمن وإشكاليات الحداثة المتأخرة

يُوظّف روزا التناظر بين مسألة التقنية والعمليات

الاجتماعية التي يقوم التسارع فيها وأثناءها بدور المُحدّد لطبيعة العلاقات القائمة ونوعيتها

ومداها، وهي تُمظهر مجتمعات الحداثة المتأخرة في "شكل من التنظيم السياسي داخل الزمن" لفائدة مشروع الإنقاذ الأنطولوجي لعلاقتنا بالزمن. وفي هذا المستوى، تبدو مسألة السلطة بما هي سؤال حول الهيمنة والتحُّكُم – في حالة الحداثة المتأخرة – غير قادرة، من وجهة نظر روزا، على إمكانية ممارستها لوظيفتها وللشرط الاجتماعي لاستمرارها؛ ذلك أن التسارع "لم يعد يُختبر بوصفه قوّة مُحرّرة، بل بوصفه ضغطًا

استعبادًّيًا". ويشرح روزا جدليّة التسارع

والتحولات البنيوية التي تمرّ بها المؤسسات

السياسية للحداثة المتأخرة؛ إذ إنّ "مفارقة الزمن السياسي تعود إلى التطور المتباين لآفاقها الزمنية التأسيسية والعلاقة بين الموارد الزمنية والحاجة إلى الزمن"؛ ويعني ذلك أن الحاجة إلى الزمن والموارد الزمنية قد فرضت استهلاكًا لزمن الحاضر وطلبًا مُتزايدًا على الزمن نفسه: "أصبح

يُرهق علاقتنا بالعالم أكثر فأكثر، إلى درجة أنه

أصبح يُعبّر عن علاقة إشكالية بهذا العالم".

وتدل هذه الحاجة المتزايدة من جهة النظرية النقدية، على ظهور التسارع بوصفه باثولوجيا

(20) Rosa, Accélération, p. 307. (21) Rosa Hartmut, Resonance: A Sociology of Our Relationship to the World (Cambridge: Polity Press, 2019), p. 8. (22) Rosa, Accélération , p. 319. (23) Rosa, Resonance , p. 36.

اجتماعية Social Pathology ينضاف إلى جُملة

"أمراض" المجتمع الحديث الذي أصبح يتميّز

بكونه "ليس مُنظمًا ومُنسقًا وفق قواعد معيارية

تفسيرية، بل وفق قواعد معيارية صامتة ذات طبيعة زمنية تبرُز في أشكال التحديد الزمني والأجندات

والحدود الزمنية". وفي الوقت الذي تحمل فيه النظرية النقدية للتسارع على عاتقها "تفسير تحُّولُات أنظمة الإنتاج والاستهلاك في الحداثة

منذ بداياتها إلى حدود الحداثة الكلاسيكية ثم الحداثة المتأخرة"، فإنّ تصُّوُرَ شكل الحياة

المُمكنة والمجتمع الجيّد والتحليل النقدي

للقوانين والقوى التي تحكم طريقة وكيفية اشتغال مجتمعات الحداثة المتأخرة، يفرض كلّه تعريفًا وتحديدًا لوضعية الاغتراب والتشيؤ انطلاقًا من الداخل؛ أي من خلال تفكيك جدليّة

العلاقة بين هذه الوضعيات، وبين المستويات الأنثروبولوجية والنقدية والتحديثية للمجتمع.

ثالثًا: مستويات التسارع والتأصيل الأنطولوجي لشروط إمكان نظرية نقدية

يلجأ روزا إلى البحث في الطبيعة الأنثروبولوجية والنقدية والتحديثية لمستويات التسارع، مُستفيدًا

من أعمال تشارلز تايلور Charles Taylor حول "تشُّكُل الهوية الحديثة"؛ من أجل شرح الوقائع الاجتماعية ومناحي ارتباطها بالمرجعية الثقافية للمجتمعات. وفي هذا الإطار، تُمثّل فكرة الأزمة الثقافية داخل المجتمعات المعاصرة

(24) Ibid., p. 57. (25) Ibid., p. 71.

(2((ينظر: تشارلز تايلور، منابع الذات: تكوين الهوية الحديثة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،

(المجتمعات النفعية)، نقطة الانطلاق في إعادة النظر في العقل باعتباره "هو الذي يحكم" ويُحدّد ماهية العلاقات الممكنة مع العالم. ومن خلال الاستدارة النقدية نحو البنية الثقافية لمجتمعات الحداثة المتأخرة، وإشكالية التسارع وهيمنة التفسير الزمني لقضية السياسة والهوية، تكون أطروحة تايلور بمنزلة "تشخيص علاجي للحاضر". وفي هذا المستوى، يُقرأ التسارع بوصفه عملية ثقافية – سلوكية ضمن دائرة المنطق الثقافي للممارسات اليومية المُعَبَّر عنها

بواسطة أشكال التفاعل، ومن خلال عمليات التحيين اليومي للهوية وتقديم الذات بوساطة التقنية والأبعاد الزمنية للسياسة والثقافة. إن هذه الاستعادة المزدوجة لإشكالية الثقافة والسياسة داخل مجتمعات الحداثة المتأخرة، تدلّ على راهنية البحث في الطاقة التحريرية للعلم وكيفية انفصاله عن براءته الأيديولوجية وفق يورغن هابرماس Jürgen Habermas، و"ضياع العقل العلمي في التقنية؛ ما جعل الخطاب الأداتي يغوص في أغوار بوتقة مغلقة ودوغمائية مُكبّلة بالمصادرات العلمية "،

كما تعني هذه الاستعادة استمرارية المشروع النقدي لمُخرجات الحداثة في حالتها/ وضعيتها المتأخرة وعند نقاط تمفصل الزمن الذي أصبح المُحدّد لعلاقتنا بالأشياء، والاغتراب بما هو تعبير أنطولوجي عن الصراع بين الرغبة في التحرر من جهة، ومحاولة "عزل أنطولوجيا

((2(المرجع نفسه، ص.187 ((2(المرجع نفسه.

(29) Pierre Burgelin, "Martin Heidegger: Qu’appelle–t– on pensé?" Revue d’histoire et de philosophie religieuse , vol. 40, no. 1 (1959), pp. 93–94.

العلاقات الاجتماعية عن أشكال الإنتاج" من جهة أخرى. وتنفتح هذه المحاولة على اختبار القدرة على إمكانية التعويل على "نشاط" التحرر في إطار توفير شرط "استقلالية الإنسان التي تتطوّر دائمًا على أساس تجربةٍ وموقفٍ تجاه

العالم الذي يتشكّل على المستويات العاطفية والوجودية والمادية والبدنية والاجتماعية والاقتصادية". واختبارًا لهذه الإمكانية، يُقدم

روزا نقدًا إيتيقًّيًا للرأسمالية عبر طرح السؤال

حول العلاقة بين التسارع الاجتماعي والاغتراب في صوره المتصلة بالعلاقة مع الفضاء والأشياء والأفعال الإنسانية والزمن والذات والآخرين. وقد تبلور هذا النقد الإيتيقي للاغتراب ضمن مشروع النظرية النقدية، وأضاف روزا من خلاله فكرة البنية الجديدة للزمن وشرح كيفية تمُّدّد الاغتراب بفعل التسارع. وهو يُؤصّل،

من خلال هذا النقد مجالات الاغتراب وفق القراءة الماركسية لعلاقات الإنتاج (الاغتراب عن العالم، وعن الآخرين، واغتراب الذات عن نفسها)، لمجالات أخرى للاغتراب تنطلق من زاويتين رئيسَتين. فالزاوية الأولى تتعلّق بإعادة

بناء النظرية النقدية "من وجهة نظر موحدة للأمراض الاجتماعية في الوقت الذي أصبح فيه الزمن يتسارع ويُمارس ضغطًا متزايدًا على

(30) Karl Marx, "Critique de l’économie politique," Maurice Husson (trad.), Marxist Internet Archives , accessed on 22/9/2024, at: https://acr.ps/1L9zOMJ (31) Rosa, Résonance , pp. 36–39. (32) Hartmut Rosa, Aliénation et accélération: Vers une théorie critique de la modernité tardive , Thomas Chaumont (trad.) (Paris: La Découverte, 2012), pp. 114–

(33) Hartmut Rosa, "On Defining the Good Life: Liberal Freedom and Capitalist Necessity," Constellations , vol. 5, no. 2 (1998), pp. 201–214.

حياتنا العادية". أما الزاوية الثانية من النقاش، فتهتم بما أصبح يعنيه الاغتراب من حيث الدلالات والمجالات انطلاقًا من تأثير التسارع الذي يشمل علاقات الإنتاج في زمن الحداثة المتأخرة. وبذلك، تنضاف مجالات أخرى إلى الاغتراب، وهي تهم الفضاء والزمن والأفعال الإنسانية. ويشتغل روزا بمجالات الاغتراب وفق الرؤية الماركسية، غير أنه يُدمج البعد

الزمني في علاقة ببروز التسارع وتغلغله ضمن علاقة الذات بنفسها، وبالعالم، وبالآخرين، من دون "طرح السؤال حول منطق التغيير الزمني إنْ كان ذا طبيعة اقتصادية أم لا". ولا يعني عدم طرح السؤال حول جدلية الاقتصاد والزمن، نفيًا

لطابع الزمن الاقتصادي في الحداثة المتأخرة، غير أن استنفاد الإجابة في طبيعتها الاقتصادية، قد يُعيد استحضار مسألة قيمة الزمن في

علاقاتها بالبنية الثقافية للمجتمعات والأفراد؛ ومن ثمّ اختزال التسارع في دوائر علاقات

الإنتاج فحسب من منظور ماركسي. وفي الوقت الذي يعمل فيه الاغتراب وفق أطروحة روزا، بوصفه مؤشرًا د لا على تحولات في الأنماط

الاجتماعية لعلاقات الإنتاج، و"زيادة في وتيرة التغيير الاجتماعي، أي ما يخص أنماط الترابط الاجتماعي وأشكال الممارسة الاجتماعية"، خضعت القوى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية – المعرفية لتحّولّات وظيفية تُعبّر (من

جهة الدلالات الفلسفية، ومن جهة أنطولوجيا الزمن) عن إشكاليات ذات طابع عملي، أثّرت في مجتمعات الحداثة المتأخرة وشروط الحياة الجيّدة.

(34) Fabian. (35) Rosa, Aliénation , p. 115. (36) Fabian.

ويجد سؤال السياسة راهنيته في ظل أزمات الحداثة المتأخرة من خلال هيمنة التسارع وجدلية العلاقة بين السياسة والزمن. ونتيجةً لهذه التحولات، أصبح "التسارع الاجتماعي قوّة توتاليتارية داخلية

في الحداثة المتأخرة والمجتمعات الحديثة". وضمن هذا التحُّوُل المعياري للسياسة بسبب

هيمنة التسارع، يستعيد روزا فحص شروط الحياة الجيّدة ورهاناتها واختبار المداخل النظرية

التي تُؤمّن الحرية الجديدة. ولا يقتصر مفهوم

التوتاليتارية في مشروعه النقدي على مدلوله السياسي، بل إنّه يشمل السؤال عن قواعد اللعب الجديدة وإشكالية السياسة بين ما يجب أن تكون عليه طبيعة القرار السياسي من جهة، وتأثير الزمن في صناعة القرار وإمكانية الإجابة عن سؤال هو: "ماذا يجب أن يكون عليه الإنسان حتى يكون النظام السياسي قابلًا للعيش". ضمن محاولة الإجابة عن هذا السؤال، يسترجع روزا مسألة الثقافة باعتبارها أحد أضلع ثالوث ما يطلق عليه مستويات التسارع. فإضافة إلى التسارع التقني وتسارع وتيرة الحياة الاجتماعية، تعيش مجتمعات الحداثة المتأخرة على وقع تسارع في التغيير الاجتماعي؛ إذ أصبحت هذه المجتمعات تخضع لضغط الحاضر وفقًا لهيرمان لوبه Gegenwartsschrumpfung Hermann Hoppe؛ ما يعني إعادة تموضع الثقافة وتحولاتها في سيرورة التحديث وضغط الحاضر اللذين يشملان مجتمعات الحداثة

(37) Rosa, Aliénation , p. 84.

ينظر ((3:(

John Lucas, Principles of Politics (New York: Clarendom Press; Oxford: Oxford University Press, 1985). (39) Hermann Lubbe, Employment and Transfert of Technology (London: Springer Verlag, 1986).

المتأخرة. ومن خلال عملية الضغط التي يُمارسها

زمن الحاضر على تجربة التفاعل بين الماضي والمستقبل باعتباره الأفق الزمني لتلك التجربة، يُدمَجُ التسارع في مشروع الإنتاج الاقتصادي

ومؤشرات الاستهلاك للتقنية ومخرجاتها. فإذا كان "التسارع ينطلق من فعل وتأثير الاقتصاد والتقنية، فإنه قد أصبح ذا بعد ثقافي لارتباطه بالإنتاج والاستهلاك"، كما تجد قوى التسارع في الثقافة أحد تمظهراتها الاجتماعية. ويُعرّف روزا حالة

التغيير الاجتماعي، الذي ينطبع بمسألة الثقافة والعلاقة بين الاقتصاد وتكُّوُن أنماط جديدة من

الثقافة، بأنها "وضعية الحاجات ذات الخصوصية الثقافية"، وهي الوضعية التي يُشير إلى تماثُلها

من حيث الدلالات، مع أطروحة ماكس فيبر حول الاقتصاد الرأسمالي والأخلاق البروتستانتية، أو المنظومة الثقافية التي تشكّلت ضمن التقاطع بين الاقتصاد والدين في زمن صعود الرأسمالية. وبذلك، تكون الثقافة بنية فوقية للاقتصاد ومحركاته التقنية ومستوياته ذات الصلة بالتسارع.

خاتمة

يوفر مفهوم التسارع ضمن المشروع النقدي لهارتموت روزا، إمكانية استئناف النقاش المتعلق بالمفاهيم الأساسية للحداثة ووعودها؛ مثل الحرية، وغيرها من مطالب العقلانية والأنوار. غير أن هذه الوعود، تتعرّض في مستوياتها

التفاعلية – بمعنى إمكانية تحُّوُلها من الممكن إلى

الضروري – لعوائق وتعثرات ربما كان من أهمها انزياح العقلانية عن إحداثياتها السوسيوفلسفية وتحُّوُلها إلى إشكالية تشُّقُ مجتمعات الحداثة

المتأخرة. وفي إطار تتُّبُع ملامح هذا المشروع

(40) Rosa, Accélération , p. 215. (41) Ibid., p. 216.

النقدي، فإن الكشف عن دلالات مفهوم التسارع السوسيوفلسفية يساهم في فهم جُملة التغيرات

الطارئة على الذات، والهوية، وملامح العالم الاجتماعي، وإمكانية شرح عملية التفاعل الاجتماعي في زمن الحداثة المتأخرة أيضًا. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم التسارع بوصفه تكثيفًا لأزمة الزمن، وس ببًا لغياب الاجتماعي

وإحلال الافتراضي بديلًا منه. لكنّ هذا الغياب لا يجمع كلّ مُبرّراته الأنطولوجية في علاقة

بنظريات المعرفة الجديدة، كما أن إمكانية نقد هذا المشروع/ المفهوم تجد جذورها في الإرث النقدي لمدرسة فرانكفورت؛ حيث لا يُكوّن

مفهوم التسارع كلّ الملامح السوسيوفلسفية لتحولات العلاقة بين الذات والأشياء. فمن جهة، يُعدّ التسارع – وفقًا لروزا – ميزة رئيسة

من مُميّزات التواصل الوحيدة أو أشكاله، إلا أنه

يمكن أن يكون نتاجًا لعقلانية أحادية، أو عقلانية

ممكنة من مجموعة عقلانيات متعددة. ربما تتيح القراءات المتعددة لمفهوم التسارع، وتطويعه لفائدة حَسْم صراعات اللاعدالة واللاتكافؤ،

توسيعَ مجالات استعماله نقدًّيًا، وتنزيله عملًّيًا

في خط المواجهة الأول ضد الهيمنة والسيطرة ومحاولات الإخضاع. وربما تبدو هذه المفاهيم مشحونة بمفردات المعجم السياسي الفلسفي، لكنها تشمل في الوقت نفسه الجانب المتعلق بالبحث الفلسفي؛ الهادف إلى الكشف عن ميكانيزمات الهيمنة والإخضاع التي أصبحت تشتغل تقنًّيًا وتنساب إلى ثنايا الاجتماعي انطلاقًا

من ضيق زمن الاجتماعي نفسه، والطلب على إعادة تشكيل الهوية؛ استنادًا إلى ثقافة، أو ثقافات جديدة، تجد في دلالات زمن التجربة، وفي أفق التفاعل، صورةً من صور الحرية التي تتقاطع عند حدود الافتراضي والواقعي.

References

المراجع

العربية

تايلور، تشارلز. منابع الذات: تكوين الهوية الحديثة. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2014 جيدنز، أنتوني. الطريق الثالث: تجديد الديمقراطية الاجتماعية. ترجمة أحمد زايد ومحمد محيي الدين. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.2010

الأجنبية

Berger, Peter & Thomas Luckmann. La construction sociale de la réalité. Paris: Armand Colin, 2012. Burgelin, Pierre. "Martin Heidegger. Qu’appelle–t–on pensé?" Revue d’histoire et de philosophie religieuse. vol. 40, no. 1 (1959). Chollet, Antoine & Catherine Coquio. "Sociologie ou politique de l’accélération? Entretien avec Antoine Chollet." Accélérations. vol. 1, no. 16 (2016). Ferry, Jean Marc. Habermas: L’éthique de la communication. Paris: PUF, 1987. Granovetter, Mark. "The Strength of Weak Ties." American Journal of Sociology. vol. 78, no. 6 (1973). Hartmut, Rosa. Resonance: A Sociology of Our Relationship to the World. Cambridge: Polity Press, 2019. Lijster, Thijs, Robin Celikates & Hartmut Rosa. "Beyond the Echo–chamber: An Interview with Hartmut Rosa on Resonance and Alienation." Journal for Contemporary Philosophy. vol. 39, no. 1 (2019). Martineau, Jonathan. Time , Capitalism and Alienation: A Socio–Historical Inquiry into the Making of Modern time. Historical Materialism Book Series. Leiden: Brill, 2015. Rosa, Hartmut. "On Defining the Good Life: Liberal Freedom and Capitalist Necessity." Constellations. vol. 5, no. 2 (1998). Rosa, Hartmut. Accélération: Une critique sociale du temps. Didier Renault (trad.). Paris: La Découverte, 2010. Rosa, Hartmut. Aliénation et accélération: Vers une théorie critique de la modernité tardive. Thomas Chaumont (trad.). Paris: La Découverte, 2012. Rosa, Hartmut. Aliénation et accélération: Vers une théorie critique de la modernité tardive. Thomas Chaumont (trad.). Paris: La Découverte, 2012. Rosa, Hartmut. Rendre le monde indisponible. Olivier Mannoni (trad.). Paris: La Découverte, 2020.

مراجع إضافية

كرانغ، مايك. الجغرافيات الافتراضية: أجسام وفضاء وعلاقات. ترجمة عدنان حسن. دمشق: منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب،.2011 نيكولاس جين [وآخرون]. مستقبل النظرية الاجتماعية. ترجمة يسري عبد الحميد رسلان. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2017 هابرماس، يورغن. بعد ماركس. ترجمة محمد ميلاد. دمشق: دار الحوار،.2002 هوسرل، إدموند. أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية. ترجمة إسماعيل المصدق. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2008