الوضعية القانونية وإشكال الفصل والوصل بين القانون والأخلاق
Legal Positivism and the Problem of Separation and Connection between Law and Morality
الملخّص
تستعرض هذه الدراسة الحجج التي قدّمتها فلسفة الوضعية القانونية لدعم أطروحة الفصل بين الأخلاق والقانون التي دافع عنها منظّروها، وعلى وجه خاص هربرت هارت وهانز كلسن، وتقدم النقد الذي واجهته هذه الفلسفة من فقهاء وفلاسفة قانون أمثال لون فولر ورونالد دووركين وغوستاف ردبروخ، الذين دافعوا بدرجات متفاوتة عن صيغة من الوصل بين الأخلاق والقانون مؤكدين وجود افتراضات أخلاقية مضمرة أحيانًا ومعلنة أحيانًا أخرى في مساقات وضع القوانين وصناعة الأحكام القضائية لا يمكن إقصاؤها من مجال القانون من دون نفي مفهوم القانون ذاته. وتدافع الدراسة عن ضرورة تجاوز نظرية القانون الفصل التقليدي بين نظريتَي القانون الطبيعي والوضعية القانونية، وبين الالتزامات القانونية والواجبات الأخلاقية؛ حتى تكون قادرة على إيلاء مبدأ سيادة القانون دورًا مركزيًا، وحتى يمكنها المساعدة على حماية الحقوق وتحقيق العدالة في السياقات المؤلمة من الجور والاستبداد والعنف والقتل الجماعي والتهجير القسري، التي حفل بها التاريخ الحديث للإنسانية ويحفل بها حاضرنا في العديد من بلدان العالم.
Abstract
Abstract: The paper reviews the arguments presented by the philosophy of legal positivism to support the separation thesis between morality and law as defended by some theorists, in particular Hart and Kelsen. Then it presents the criticism that this philosophy faced from jurists and legal philosophers such as Fuller, Dworkin, and Radbruch, who pleaded for linking morals and law and emphasized the existence of moral assumptions in the concept of the law itself. The paper argues also that legal theory should go beyond the traditional separation between theories of natural law and theories of legal positivism and between legal obligations and moral duties so that it can give the principle of the rule of law a central role in protecting human rights and achieving justice in contexts of injustice, tyranny, violence, mass killings and forced displacement that abound in modern human history in many countries of the world.
- القانون
- الأخلاق
- الحقوق
- العدالة
- القانون الطبيعي
- الواجبات الأخلاقية
- Law
- Ethics
- Legal Positivism
- Natural Law
- Moral Duties
- Rights
- Justice
الفصل بين الأخلاق والقانون التي دافع عنها منظّروها، وعلى وجه خاص هربرت هارت وهانز
كلسن، وتقدم النقد الذي واجهته هذه الفلسفة من فقهاء وفلاسفة قانون أمثال لون فولر ورونالد
دووركين وغوستاف ردبروخ، الذين دافعوا بدرجات متفاوتة عن صيغة من الوصل بين الأخلاق
والقانون مؤكدين وجود افتراضات أخلاقية مضمرة أحيانًا ومعلنة أحيانًا أخرى في مساقات
وضع القوانين وصناعة الأحكام القضائية لا يمكن إقصاؤها من مجال القانون من دون نفي
مفهوم القانون ذاته. وتدافع الدراسة عن ضرورة تجاوز نظرية القانون الفصل التقليدي بين
نظريتَي القانون الطبيعي والوضعية القانونية، وبين الالتزامات القانونية والواجبات الأخلاقية؛
حتى تكون قادرة على إيلاء مبدأ سيادة القانون دورًا مركزيًا، وحتى يمكنها المساعدة على
حماية الحقوق وتحقيق العدالة في السياقات المؤلمة من الجور والاستبداد والعنف والقتل
الجماعي والتهجير القسري، التي حفل بها تاريخ الإنسانية الحديث ويحفل بها حاضرنا في
العديد من بلدان العالم.
الحقوق، العدالة.
مقدمة
ميّز عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر Max Weber)1920–1864( سيادة القوانين بوصفها
الصيغة الحديثة للمشروعية من الصيغتين الأخريين للسيادة المشروعة، وهما سيادة "الأمس الأبدي"، الذي تجسّده الأعراف ويجسّمها شخص البطريرك أو رجل الدين أو شيخ القبيلة، وسيادة ذوي
"الشخصيات الكاريزمية"، الذين يستمدون المشروعية ويحصلون على الولاء بفعل اقتناع الناس بقدراتهم على القيادة واستعدادهم للانصياع لأوامرهم. وتتميّز الصيغة الأولى من المشروعية بمعقولية مستقلة عن
الأفراد وعن ميولهم وفضائلهم ودوافعهم الخاصة سواء كانوا ينفذون القانون أو يخضعون له وتقتضي التسليم بقانونية الإجراءات المتّبعة وبحق من يعطون الأوامر والتوجيهات في ممارسة الهيمنة في الحدود التي رسمها لهم القانون والإجراءات التي يقتضيها تأويله وتفعيله وتطبيقه. وتوسّع فيبر، في دراسته علاقة
الاقتصاد والمجتمع، في توضيح معنى المشروعية القانونية والعقلانية مشدّدًا على أن الاختلاف بين القانون والعرف يكمن في أنّ ما يضمن نفاذ الثاني على نحو خارجي هو احتمال تعرّض من يخرقه إلى
استنكار اجتماعي عامّ وبارز، في حين أن ما يضمن نفاذ الأول على نحو خارجي هو احتمال تعرّض من
ينتهكه إلى قسر في شكل تهديد بعقاب تسلطه عليه مؤسسة اجتماعية استُحدثت للغرض تجبر الناس
على احترام النظام القانوني وتعاقبهم إن خرقوه. ولئن استندت ملاحظات فيبر حول الاختلاف بين القانون والعرف إلى الوقائع والمعاينات والاستقراءات السوسيولوجية، التي تؤكد أن القانون يستمد قوة نفاذه من وجود مؤسسات اجتماعية قادرة على فرض سريانه، سعت فلسفة الوضعية القانونية إلى تأسيس ذلك نظريًا، بالتشديد على العقلانية المتأصلة
في القانون التي تجعله كافيًا بذاته ليكون مُلزمًا ولا يحتاج إلى قوة المعتقدات أو سلطة مؤسسة
دينية، ولا إلى مشاعر أخلاقية راسخة، ولا إلى أعراف اجتماعية حتى يتوفر على قدرة على توجيه
الأفعال الفردية، من خلال ضربٍ من القوة المعيارية الداخلية الخاصة به. فالقوانين في رأي الوضعيين القانونيين، أمثال الفقيهَين الإنكليزي هربرت هارت Herbert Hart (1992–1907) والنمساوي هانز
كلسن Hans Kelsen (1973–1881)، تسري على الجميع لا بفعل أنها مسنودة من سلطة مخوّلة قادرة
على معاقبة من لا يمتثل لها فحسب، بل لأنها تتوفر فاضلًا عن ذلك على عنصر إلزامي أصيل فيها يحظى بقبول واسع بين الناس يجعلهم يستجيبون لما تطلبه منهم من دون حاجة إلى قوة قسرية أو دعم من أخلاق اجتماعية. وبفضل هذه المقاربة للقانون حق للوضعية القانونية، مثلما يقول عنها الفيلسوف الألماني إيريك فوجلان Erich Voegelin (1985–1901)، أن تزعم أنها "علمية" في عصر العلم، وأن يرمي أنصارها معارضيهم بالسذاجة، ذلك النعت الذي بات يخشاه الإنسان الحديث أكثر من أي شيء آخر، حتى غدت "إدانة المرء لالتزامه بنظريات القانون الطبيعي ضربًا من الذمّ الاجتماعي". غير أن سطوة الوضعية القانونية أخذت تخبو في بداية خمسينيات القرن العشرين، فقد أثار استبعادها للمعايير الأخلاقية من مجال القانون اعتراضًا ونقدًا شديدَين من عدد من فقهاء القانون وفلاسفته،
(((ماكس فيبر، العلم والسياسة بوصفهما حرفة، ترجمة جورج كتورة (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011)، ص.268–264 (((ماكس فيبر، مفاهيم أساسية في علم الاجتماع، ترجمة صلاح هلال (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2011)، ص.70–65
(3) Erich Voegelin, "Kelsen’s Pure Theory of Law," Political Science Quarterly , vol. 42, no. 2 (1927), pp. 268–269, 276.
على نحو خاص، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وإرساء محكمتَي طوكيو ونورنبارغ؛ لمحاكمة قادة الجيش والمسؤولين الكبار في الدولتين اليابانية والألمانية على مسؤوليتهم في الجرائم التي ارتُكبت في أثناء الحرب في ظل قوانين وطنية وضعية. وبرز ضمن الناقدين للوضعية القانونية على نحو خاص الأميركيان لون فولر (1978–1902) ورونالد دووركين Ronald Dworkin (2013–1931) والألماني غوستاف ردبروخ Gustav Radbruch (1949–1878). ففي مقال بعنوان "الوضعية والوفاء للقانون: رٌّدٌ
على الأستاذ هارت"، رفض فولر إبعاد هارت الأخلاق من مجال القانون، مؤكدًا أن مفهوم القانون لا يخلو في حد ذاته من افتراضات أخلاقية دنيا متأصلة فيه يقبل بها القانونيون من دون تحفّظ على طابعها الأخلاقي. ودافع، أيضًا، دووركين في سلسلة مقالات، صدر بعضها فترة السجال بين هارت وفولر، ثم في كتابه أخذ الحقوق على محمل الجد عام 1978، عن رأي مفاده أن الأحكام القضائية، التي تُعتبر جزءًا ممّا نسميه القانون الحيّ، لا تعتمد فقط على قواعد قانونية، مثلما تزعم الوضعية
القانونية، بل تدافع أيضًا عن مبادئ يستند بعضها إلى الأخلاق المتواضع عليها اجتماعيًا؛ ما يجعل
فكرة قانون خالص من كل الافتراضات الأخلاقية مجانبة للواقع. أما فقيه القانون الألماني ردبروخ فقد قدّم رؤية للقانون بديلة من الوضعية القانونية تروم التوفيق بين متطلبَي الأخلاق والقانونية. وسندافع في هذه الدراسة عن الرأي الذي يعتبر أنّ الوضعية القانونية، لئن حققت منجزًا مهمًا يتمثل في الدفاع عن استقلالية القانون وعلويته؛ ما يسّر بلورة فهم واقعي لمبدأ حكم القانون وتبيّن سبل تفعيله،
وكانت محقّة أيضًا في رفض اختزاله في الأعراف والأخلاق أو جعله مجرّد حصيلة لقرارات سياسية
متغيرة وفق إرادة الحكّام، فإنها أخطأت حينما اعتبرت أن كل حضور لقيم أو معتقدات أخلاقية في مجال القانون يسيء إلى عقلانيته ويخلّ بشرط صرامته المنطقية ورفضت كل تقييم أخلاقي للقوانين. وفي نظرنا، لا بدّ لنظرية في القانون من أن تتوخى مرونة تتجاوز من خلالها الفصل التقليدي بين نظريتَي القانون الطبيعي والوضعية القانونية وبين الالتزامات القانونية، من جهة، والواجبات الأخلاقية، من جهة أخرى؛ حتى تكون قادرة على إيلاء مبدأ سيادة القانون دورًا مركزيًا، وحتى يمكنها المساعدة على تحقيق العدالة القانونية في السياقات المؤلمة من الجور والاستبداد والعنف والقتل الجماعي والتهجير القسري التي حفل بها التاريخ الحديث للإنسانية ويحفل بها حاضرنا في العديد من بلدان العالم. ولبيان ذلك، سنعرض في مرحلة أولى أطروحة الفصل بين الأخلاق والقانون في النظريتين الوضعيتين الكبيرتين اللتين مثّلهما هربرت هارت وهانز كلسن، ثم نتوقف في القسم الثاني عند نقد فولر ودووركين للوضعية القانونية، وسنستعرض في القسم الثالث حيثيات الجدل الذي حصل في ألمانيا وخارجها، بعد الحرب العالمية الثانية وسقوط النازية، وأظهر محدودية النظرية الوضعية القانونية عندما واجهت مسائل من قبيل كيفية إنصاف ضحايا فترة من الاستبداد المتوحش الذي يتذرّع بالقانون مثلما هو حال النظام النازي، وسنتطرق إلى مساهمات كل من ردبروخ وفولر وهارت في هذا الجدل، وفي القسم
(4) Lon Fuller, "Positivism and Fidelity to Law: A Reply to Professor Hart," Harvard Law Review , vol. 71, no. 4 (1958), pp. 630–672.
(((ينظر: رونالد دووركين، أخذ الحقوق على محمل الجدّ، ترجمة وتقديم منير الكشو (تونس: المركز الوطني للترجمة،.)2015
الرابع ندافع عن الرأي الذي يعتبر أن الوضعية القانونية، رغم فقدانها البريق الذي كان لها قبل الحرب العالمية الثانية، لا تزال اتجاهًا مؤثرًا في نظرية القانون تتأكد أهميته في المسائل التي ينعدم فيها الوفاق
المجتمعي، ونكون فيها في حاجة إلى الحسم السياسي من خلال التشريع.
أولا: الوضعية القانونية وانفصال القانون عن الأخلاق
يمكن أن نلخص الأطروحة الأساسية للوضعية القانونية وفق ما يلي: يستمدّ القانون وجوده ومضمونه من الوقائع الاجتماعية وليس من مزاياه وخصاله، وقد عبّر عن ذلك جون أوستن مؤسّس المذهب حينما كتب:
"إن وجود القانون أمر ومزيّته أو عيبه أمر آخر. فأن يكون موجودًا أو غير موجود هو مبحث، وإن كان مستجيبًا لمعيار متواضع عليه أم غير مستجيب له، مبحث آخر. إن القانون الموجود فعلًا هو القانون رغم
أننا قد لا نرضى عنه أو أنه قد لا ينسجم مع القاعدة التي على أساسها نحدّد رفضنا أم قبولنا له". إنّ الوضعية القانونية نظرية في طبيعة القانون تتطلع إلى أن تكون وصفية وأن تقف عند حدود تدقيق المفاهيم الخاصة به وتحليلها. ووفق هذا التصور لا تكون لدراسة القانون في نظر الوضعية القانونية استتباعات على الكيفية التي بها يجري الفصل في النزاعات والقضايا أو تلك التي بها يقع تأويل النصوص القانونية وتكييفها على الحالات موضع النظر، أو أيضًا تلك التي يجري بها تنظيم المؤسسات ذات الصلة بالقانون وكيفية اشتغالها. وأكثر ما يمكن أن تساعد فيه نظرية القانون هو تبيّن الُّسُبل لمعالجة
حالات قضائية وقانونية، وأن تساعدنا في تحديد هويّة القانون وتمييزه من سواه، لكنها لا تفيدنا في معرفة كيفية وجوب تقييمه أو إصلاحه. وفي هذا السياق غالبًا ما تعدّ نظرية الوضعية القانونية تحليلية
امك نوناقلل قباطمو قيقد فيصوت ميدقت يف رصحني اهضرغ نإ ذإ؛ ةيريسفتو ةيفصوو نم لادًااب، لاعًااف وه تقديم تصور عما ينبغي له أن يكون. لذلك تعارض الوضعية القانونية نظرية القانون الطبيعي لما تعدّه إهم لًا للتمييز المنطقي بين الوصف والإلزام ولخلطها بين تحليل القانون ونقده. وفي رأي الوضعيّين
القانونيين يمكن تبديد الغموض الذي تسببه نظرية القانون الطبيعي من جراء خلطها بين القانون بوصفه واقعة وبين القانون في صورته المثالية، بالتمييز بين الالتزامات المقترنة بمضمون القانون وتلك المتعلقة بشكله. ومن حيث إنها هي أيضًا، مثل ما هو الأمر في نظرية القانون الطبيعي، ترى أن القانون يفرض على الأفراد التزامات وموجبات قانونية تكون الوضعية القانونية نظرية معيارية تروم تحديد ما ينبغي أن يكون القانون حتى يكون صحيحًا Valid، لا من حيث مضمونه بل من حيث صورته فحسب. يُعدّ تعريف جون أستن John Austin (1790–1859)، في كتابه: مقاطعة القانون محدّدة، القانون بأنه أمر يصدر عن صاحب السيادة مصحوبًا بتهديد بالعقاب في حال عدم الامتثال له، أوّل تجسيد
لفكرة الوضعيّة القانونية؛ إذ إنه يؤكد الطابع المدني للقوانين باستبعاده كل مصدر متعالٍلها. فالقانون
(6) John Austin, The Province of Law Determined , Wilfrid E. Rumble (ed.) (Cambridge: Cambridge University Press 1995), p. 157. (7) Brian Bix,"Legal Positivism," in: Martin P. Golding & William A. Edmundson (eds.), The Blackwell Guide to the Philosophy of Law and Legal Theory (Chichester: Blackwell Publishing ad Ltd, 2005), pp. 29–49. (8) Austin, pp. 11–12.
الكنسي Canon Law لا تكون له صفة القانون ما لم يأمر به صاحب السيادة، وما لم يحدّد العقوبات التي تنجم عن عدم إطاعته، وكذلك الأمر بالنسبة إلى القانون الإلهي والأخلاق والأعراف والقواعد
الضابطة لنشاط جمعيات أو شركات أو اتحادات أو نوادٍ أو كنائس، أو غيرها، فكلها تظل فاقدة لصفة القانون ما دامت لم تصدّق عليها السلطة العليا صاحبة السيادة التي تبسط نفوذها وولايتها على مجال جغرافي ما. وبهذا يكون القانون بالنسبة إلى الوضعية القانونية، سواء مع جيل المؤسسين الأوائل أمثال أوستن وجيريمي بنثام Jeremy Bentham (1832–1748) أو مع اللاحقين، أمثال كلسن وهارت، تعبيرًا عن إرادة إنسانية لتنظيم حياة البشر وتفاعلاتهم من خلال قواعد تكون بيّنة تصدرها جهة واحدة
مخوّلة لذلك بحكم امتلاكها السيادة؛ لتحمي الأفراد من استبداد السلطات الدينية والتقليدية، وكذلك
من القضاة وتأويلهم للقواعد العرفيّة وللسوابق القضائية للقانون المشترك Common Law وفق مفهوم
موسّع للفقه التأويلي. ويمتاز هذا التصور للقانون من غيره من التصورات الرائجة في عصر أوستن
بأنه يعتمد نموذجًا بسيطًا ويركز على الجزاء وعلى أهمية القوة والنفوذ القسري لمنح القانون صفة النفاذ
والسريان. ولأنه لا يزعم أيضًا التعبير عن وجهة نظر طرف معنيّ بالمنظومة القانونية ونمط اشتغالها، إن
هضفر وأ نوناقلل يقلخالاأ دييأتلا نع دعتبي وهف، لاثًاام ارئًاج مأ لادًاااع ناك. غير أن أوستن وبنثام، مثلما يشير هارت، اللذَين عرّفا القانون بوصفه أمرًا من صاحب السيادة،
وسّعا من نطاق مفهوم الأمر ليشمل القانون العرفي والقواعد التي يضعها القضاة لتسويغ أحكامهم في
الحالات التي لا توجد فيها قاعدة قانونية أو سابقة قضائية أي حكم سابق يمكن الاستناد إليه للبتّ في الحالة موضع النظر. وقد استندوا في ذلك إلى فكرة الأمر الضمني أو غير المباشر، وفق مبدأ أنّ كلّ ما يسمح به صاحب السيادة فهو يأمر به، ويعني ذلك أنّ القضاة بالنسبة إلى بنثام وأوستن لا يضعون القواعد ويستخدمون سلطتهم التقديرية إلا متى سمح صاحب السيادة لهم بذلك. ونظرًا إلى احتكاره
استخدام العنف الشرعي وقدرته على التهديد بالمعاقبة، يحوّل قواعدهم القانونية وأحكامهم القضائية
إلى قوانين نافذة وإلى سوابق قضائية تسري على الحالات اللاحقة المثيلة لتلك التي استُحدثت لغرضها. فالتلويح بالعقاب يميّز الأمر من الالتماس أو الطلب في حين أنّ صدوره عن صاحب السيادة
يميز الأمر القانوني من غيره من الأوامر التي يمكن أن تصدر عن أيّ طرف متمكّن من أسباب القوة
والنفوذ. شدّد كلسن، على غرار أوستن، على أن العقوبات هي في الوقت نفسه أمر جوهري في القانون وضروري لوجوده، لكنه ميّز رأي أوستن وصحّحه بتأكيد أن المعايير القانونية تظل في جوهرها
توجيهات للمسؤولين لفرض عقوبات في حال اتجه سلوك الناس صوب سُبل حدّدها القانون على
أنها مستوجبة للعقاب ومستحقة له. وما يمنح المسؤولين أهلية فرض تلك العقوبات هو أنها تتطابق مع
(((حول وظيفة القاضي في المنظومة القانونية للقانون الأنكلوسكسوني المشترك، ينظر:
"The Common Law and Civil Law Traditions," UC Berkeley School of Law, accessed on 5/12/2024, at: https://acr.ps/1L9zQZs (10) Herbert Hart "Legal Positivism," in: Paul Edwards (ed.), Cambridge Encyclopedia of Philosophy , vol. 5 (London: Collier–Macmillan Limited, 1967), pp. 237–239. (11) Hans Kelsen, Pure Theory of Law (New Jersey: The Law book, Exchange Ltd, 2005), p. 26.
قاعدة تكون ناتجة من قاعدة معيارية أشمل منها وتشكّل بالنسبة إليها مقدّمة معيارية أساسية، فالقاعدة التي تحجّر مثلًا قيادة العربة بسرعة تتجاوز 50 كيلومترًا في الساعة أو تلك التي تحجّر الكذب أو شهادة
الزور قاعدة فرعيّة تترتب على قاعدة أعمّ وأشمل هي بمنزلة المصدر لها يمكن أن تصاغ وفق مفردات
منطوق كلّي من قبيل "لا ينبغي إلحاق ضرر لا طائل منه بالآخرين"؛ أو تلك التي لا تجيز "استخدام الآخرين مجرّد أدوات لغرض شخصي"؛ أو يمكن أيضًا أن تكون وفق مفردات السلطة الأمريّة، من قبيل
"افعل ما يأمرك الله به مهما كان" أو "افعل وفق القواعد التي وضعتها الأغلبية البرلمانية". فالقاعدة لا تكون هنا صحيحة بسبب أنّ لها مضمونًا ما أو أنّ مضمونها مستنبط منطقيًا من قاعدة تكون أساسًا
لها فحسب، بل لأنها قبل كل شيء مستحدثة على نحو حدّدته قاعدة أساسية مفترضة. فبمجرد أن يؤكد الشخص قاعدة قانونية ما، مثل تلك التي تحجّر تجاوز حدّ من السرعة في الطرقات
العامة، يفترض صحّة معيار قانوني، وضمنيًا، يوافق على صحة العلاقة التأسيسية وصلاحيتها التي
تكون بين سلسلة القواعد المعيارية التي تربط بين القاعدة الجزئية والقاعدة العامة التي تكون بمنزلة الأساس لها، والتي تتأسس على قاعدة أو معيار أشمل منها وأرقى درجة إلى أن نصل، بحسب كلسن، إلى ما يسميه المعيار الأساسي، مثل ذلك الذي يكون في صيغة "ينبغي للمرء القيام بكل ما يسمح به الدستور الذي كان تاريخيًا الأوّل للبلاد". فعلى غرار أوستن الذي حمَل المعايير القانونية على معنى
الأمر الصادر عن صاحب السيادة، تَمثّل كلسن كامل منظومة المعايير في شكل صيغ من منطوق قانوني أساسي يُمنح بمقتضاه تخويل لموظّف عام بفرض عقوبات إنْ لم يُحترم الضابط القانوني الذي
جرى إقراره، مع اختلاف مهمّ، وهو أنّ أوستن عمل على تقديم توصيف للجوانب المعيارية للقانون
بمفردات خِبرية Empirical تامّة، في حين أصرّ كلسن دومًا على أنّ ما هو معياري لا يُختزل في ما هو
خبري أو يُرجع إليه. فالطابع الأمري للمعيار القانوني لا يستند، في نظر كلسن، إلى عنصر مادي
متمثل في التهديد بالعقاب فحسب، مثلما هو الحال لدى أوستن، بل لا يكون صحيحًا ويستوجب
العقاب لمن يخرقه، إلا لأنه وُضع طبق القواعد والإجراءات التي حدّدتها معايير قانونية سارية أعمّ
وأشمل منه وُضعت هي أيضًا في انسجام مع معايير شاملة وشكلية تضبط إجرائية إصدار القوانين.
ومن ثمّ، ليست المعايير القانونية، بالنسبة إلى فقيه القانون النمساوي صاحب كتاب النظرية الخالصة
في القانون (1934)، متساوية من حيث الدرجة والمكانة، مثلما هي لدى أوستن، بل متفاوتة في القيمة بما أنها تندرج ضمن منظومة مرتّبة تفاضلًّيًا يكون السابق منها من حيث الدرجة والشمولية مصدر
صلاحية اللاحق له بداية من المعيار الأول والأساسي، الذي يفترضه كل دستور، ثم الدستور باعتباره أساسًا ومصدرًا للنظام القانوني ثم المعاهدات الدولية والقوانين والأعراف التي تستمد صلاحيتها من
انسجامها معه ثم المراسيم الحكومية والأوامر الإدارية التي لا تكون نافذة إلا متى كانت منسجمة مع القوانين والأعراف التي أقرّها الدستور، والذي هو أعلى درجة منها.
(12) Ibid., pp. 99–198.
((1(ينظر الفصل 35، "البنية الهرمية للنظام القانوني"، في: "The Hierarchical Structure of the Legal Order," in: Kelsen. ((1(حول هرم كلسن، ينظر:
Emmanuel Picavet, Kelsen et Hart: La norme et la conduite (Paris: PUF, 2000), pp. 43–48; Eric Millard, "La hiérarchie des normes. Une critique sur un fondement empiriste," Revus , vol. 21, no. 1 (2013), pp. 163–199.
وبما أنّ كلسن يقيم مقاربته للقانون من خلال استقراء الوقائع القانونية، من حيث هي وقائع اجتماعية، ومن الممارسات الظاهرة للعيان في الأنظمة القانونية القائمة، فإنه يعتبر أن صحة المعايير القانونية لا تتأتى من عنصر أخلاقي خارج عن نظامها الداخلي بل من اندراجها في بناء هرمي ينحدر من المعيار الأساسي الذي يكون مفترضًا وغير منصوص عليه في أيّ منطوق قانوني، حتى لو كان قانونًا
أساسيًا مثل الدستور ويظلّ افتراضًا ضروريًا، في نظره، بالنسبة إلى كل من يعتبر الأنظمة القانونية
أنظمة معيارية. ومن حيث هو فقيه قانون وضعي لم يكن كلسن ليروم تأسيس القوة المعيارية للضوابط القانونية على مدى صحتها الأخلاقية، بل بجعل هذه متأتية من فكرة القانون ذاته، وهو ما يجعل نظريته خالصة ومجردة من كل الاعتبارات الأخلاقية. وبنى أيضًا فقيه القانون الإنكليزي هارت، صاحب كتاب مفهوم القانون)1960(، نظريته على قاعدة التصور الوضعي للقانون الذي صاغه أوستن، لكنه عارض نظرية الأمر الأوستينية وعمل على تجاوز ما بدت له جوانب قصور فيها. فعلى خلاف أوستن، الذي أرجع كل القوانين إلى أصل واحد ورئيس هو إرادة صاحب السيادة ورغباته التي صيغت في شكل أوامر، شدّد هارت على تنوّع القوانين؛
فالمنظومات القانونية لا تتكون من ضرب واحد من القوانين، بل تتوفر على ضربين أساسيين؛ فهناك قوانين موجّهة إلى المواطنين فحسب، وأخرى موجهة إليهم وإلى موظفي الدولة والمسؤولين فيها،
على نحو خاص، ترشدهم إلى كيفية التعرّف على القانون وتمييزه مما سواه من القواعد الأخلاقية
والعُرفية والمواضعاتية Conventional والاجتماعية، ونسخه وتطبيقه على الحالات الخاصة. لذلك تتضمن، في رأيه، الأنساق القانونية ضربَين من القواعد؛ واحد يضمّ تلك التي تفرض واجبات
والتزامات على عموم المواطنين، وآخر يضم تلك التي تسند إلى موظفي الدولة ومسؤوليها وإلى المواطنين مؤهلات وقدرات على الفعل والتدبّر وإنجاز مهمات ووظائف وتحقيق أغراض ما. فينبغي
أن نميّز، إذًا، بين القواعد القانونية من حيث هي قواعد أولية توجّه الأفعال وتقرّ حقوقًا وتفرض واجبات
على أفراد الجماعة، مثلما هو الحال عندما نتحدث عن مدوّنة القانون الجزائي التي تتضمن العقوبات
التي تنجر عن أفعال يجرّمها القانون، وجملة الأعراف السارية المتواضع عليها داخل كلّ جماعة بشرية
مهما كانت درجة تطورها؛ إذ تمنح حقوقًا وقدرات على الفعل للأفراد وتفرض واجبات والتزامات يترتب على مخالفتها تعرّض مرتكبها للعقاب المادي أو النبذ الاجتماعي. وهناك قواعد ثانوية لا يكون موضوعها السلوك والأفعال الفردية بل القواعد الأوّلية الضابطة للسلوك.
تمكّن هذه القواعد الثانوية من التعرّف على القاعدة القانونية وتمييزها من غيرها من القواعد السارية على
الأفعال الفردية وتضبط كذلك طريقة وضع القوانين وسنّها وسبل تعديلها ونسخها. فالمدوّنة الجزائية
التي تتضمن توصيفًا للأعمال التي يحجّرها القانون ويوصّفها جرائم أو انتهاكات لحقوق الغير وتضبط
الجزاء الذي يلحق بمرتكبها، تندرج ضمن القواعد الأوّلية، لكنّ مدونة الإجراءات الجزائية، التي تحدّد
مواصفات الفعل الذي يصنّف جُرمًّيًا وتضبط إجراءات التقاضي وشروط المحاكمة طبق القانون لمرتكب
الجُرم وحقوق الشاكي والمعتَدى عليه وحقّ المتهم في الدفاع عن نفسه، تندرج ضمن القواعد الثانوية.
. Herbert Hart, The Concept of Law (New York: Oxford Clarendon Press, 1961) (1(ينظر:(
فالعقد (إيجار، زواج، بيع وشراء... إلخ) مثلًا يمنح حقوقًا للأطراف المتعاقدة ويفرض عليها التزامات، أما شروط صحّته Validity التي تجعله وثيقة قانونية نافذة ومُلزمة للأطراف المتعاقدة فينبغي لنا أن نبحث
عنها في القوانين الثانوية مثل قانون الالتزامات والعقود، حينما يتعلق الأمر بالبيع أو الشراء أو الإيجار لحقوق عينية، أو قانون التجارة وإبرام الصفقات حينما يتعلق الأمر بالتجارة والتبادل للسلع أو قانون مدوّنة الأحوال الشخصية، عندما يتعلق الأمر بعقد زواج مثلًا. فإذا كانت القواعد الأوّلية تمنح حق الفعل أو تمنعه وتفرض التزامات على الفاعلين، فإنّ القواعد الثانوية تمنح أو تفوّض سلطة وأهلية ولا تفرض التزامات،
ومن ثمّ، لا تتضمن عقوبات. فعدم الامتثال للقاعدة الثانوية التي أسندت بمقتضاها أهليّة التدبّر يُبطل
المفاعيل القانونية المترتبة على الفعل، ولا تترتب عليه مسؤولية جزائية يحاسب عليها قانونيًا مثلما هو
الأمر بالنسبة إلى القواعد الأوليّة. ويؤاحذ هارت نظرية أوستن في القانون بتركيزها على الجوانب الخِبرية
القابلة للملاحظة وحصرها الاهتمام في ميل بعضهم لإطاعة أوامر غيرهم، واستعداد آخرين لإعطاء الأوامر وفرض عقوبات على كل مخالفة لها من دون تمييز بين طبيعة هذه الأوامر وسياقاتها التداولية. وقد انتقد هارت نزوع أوستن إلى اختزال القانون في الوقائع واستخدامه مفردات مثل اتجاهات وميول وتوقعات، وهو يعني أنه لا ينظر في القانون إّلا إلى جانبه الخِبري القابل للملاحظة الخارجية ما حجب عن ناظريه، في رأيه، جانبًا أساسيًا تقوم عليه الممارسة القانونية في المجتمعات الحديثة يتمثل في قبول
المواطنين وموظفي الدولة ومسؤوليها بالمعايير القانونية باعتبارها تمثّل أسبابًا معقولة للفعل ودوافع له. فإمكانية القبول العامّ من الشعب، بغضّ النظر عمّا إذا كان هذا القبول مسوّغًا أخلاقيًا أم لا، تميز النظام
القانوني من القوة المجرّدة والاعتباطية التي يفرضها قاطع الطريق ورئيس العصابة والحاكم المستبدّ على
أفراد عُزّل مكسوري الإرادة. وفي هذا السياق، يندرج نقد هارت لفقيه القانون الدنماركي ألف روس Alf Ross (1979–1899)، رائد الواقعية القانونية في البلدان الإسكندنافية، الذي اعتبر، على غرار أوستن، أنّ فاعلية القانون لا تنفصم عن القوة الخارجية القادرة على فرض الاحترام له وشعور الخوف والذنب الذي ينتاب الناس عند مخالفته. وعلامات هذه المشاعر الاحترام والخوف والإحساس بالذنب تكون قابلة للملاحظة الخارجية، مثلما يشير إلى ذلك هارت في مقالته الصادرة عام 1959 بعنوان "الواقعية الإسكندنافية"؛ إذ إنه يقول: "يَعتبر روس المنطوقات الصحيحة قانونًا (على غرار "هذه القاعدة صحيحة في القانون الدنماركي") بمنزلة منطوق واقعة خارجية تتوقع حصول سلوك وشعور قضائيّ. بيد أن
الاستخدام الرئيس لعبارة "صحيح قانونيًا" هو منطوق معياري داخلي من ضرب خاص. ويعود فشل روس
في تقديم شرح مقنع لصدور مثل هذه العبارة من فم قاضٍ، على نحو تكون فيه خاصيتها الداخلية بيّنة،
إلى فشل أعمّ في القبول باستخدامات غير وقائعية وغير توقعيّة للّغة لا تنفصل عن استخدام القواعد.
فهذا المنطوق الداخلي "هذه قاعدة صحيحة" من حيث هو متميز من المنطوق الخارجي والتوقّعي
(16) Austin, pp. 21–26; Hart & Green, The Concept of Law , pp. 81–82. (17) Hart, The Concept of Law , pp. 13, 8–55.
((1(للاطلاع على تقديم لأهم تصورات المدرسة الواقعية في القانون، ينظر تقديم فهد الزميع للترجمة العربية لكتاب روسكو
باوند، في: روسكو باوند، مدخل إلى فلسفةالقانون، ترجمة صلاح دباغ، مراجعة أحمد مسلم، تقديم فهد الزميع، ط 2 (بيروت: مركز نهوض للدراسات والبحوث، 2023)، ص.76–64
"في إنكلترا سيتبعون هذه القاعدة"، يكون مناسبًا حين يتضمن النظام القانوني قواعد، مثلما هو الحال في
سائر الأنظمة القانونية، لا أوليّة فحسب، تشكّل ضوابطَ قانونية للفعل، بل أيضًا قواعد للتعرّف أو مقياسًا
عاًّمًا لتمييز القواعد الأولية للنظام القانوني من خلال بعض العلامات. لذلك، حين يعترف قاضٍ بصحة أحكام قانونية ما فهو يحدّدها بوصفها قواعد أوليّة مستخدمة في هذا الغرض لقاعدة تعرّف Recognition
لم يقع التنصيص عليها، من قبيل "إنّ ما تسنّه الملكة في البرلمان هو الضابط القانوني للسلوك". ويطلق هارت على المجتمعات التي تتوفر على قواعد أولية، مثل الأعراف والتقاليد، تضبط السلوك الفردي وتفرض على الأفراد واجبات والتزامات في حين تفتقر إلى قواعد ثانوية تحدد القواعد الأولية ومجال نفاذها وكيفية التعرّف عليها ونسخها بأخرى تنضاف إلى القواعد الأولية، اسم مجتمعات ما قبل
قانونية. أما المجتمعات القانونية فهي التي يكون فيها القانون اتحادًا بين القواعد الأولية والقواعد الثانوية. وهذه القواعد الثانوية ضرورية حتى تستمر القواعد الأولية في الاضطلاع بوظائفها الاجتماعية وتبرهن على فاعلية في توجيه السلوك الفردي. فالجماعات السكانية المتماسكة والصغيرة الحجم والمنغلقة على نفسها يمكنها أن تحافظ على كيانها وديمومتها بالاعتماد على قواعد أولية فحسب ضابطة للسلوك، غير أنّ نظام قواعدها سيظل جامدًا ومتكلّسًا لا يقدر على مسايرة الواقع عندما يتغير، ولا على معالجة حالات عدم اليقين ويعجز عن التنسيق بين الأفعال الفردية، ولا على جعل توقعات الأفراد مستقرة ويوفر لهم الأمان القانوني الذي يمكّنهم من توقّع المستقبل. وتمكّن القواعد الثانوية من رسم الطريق لمعالجة هذه المشاكل والصعوبات التي تعترض القواعد الأولية ومن اتخاذ التدابير اللازمة قانونًا؛ للتغلّب عليها، مثل نسخ القواعد الأولية عن طريق التشريع أو اعتماد فقه قضاء تأويلي في حالات التقاضي. فقاعدة التعرّف كما يقدّمها هارت: "تحدّد سمة أو جملة سمات يُعدّ توفرها
في قاعدة ما مقترحة إشارة إيجابية وحاسمة بأن الأمر يتعلق بقاعدة من زمرة القواعد التي ستُسند بالضغط الاجتماعي الذي تحدثه". ومثل ما هو الأمر لدى كلسن يحدّد النظام القانوني، لدى هارت الدور الأساسي الذي تؤديه قاعدة التعرّف؛ إذ يتعيّن على كل معيار يضبط ما يستطيع وما لا يستطيع
الفرد القيام به أن يتأسس على منطوق معياري أكثر شمولًا منه يمنحه التسويغ والصحة. ويتعين على فلسفة القانون أن تجد الجواب عن سؤالين: يتعلق الأول بمعرفة السبب الذي يفرض على الناس الامتثال لمعايير القانون الوضعي، بتعبير كلسن، أو قواعده، بتعبير هارت. ويتعلق الثاني
(19) Herbert Hart, "The Scandinavian Realism," The Cambridge Law Journal , vol. 17, no. 2 (1959), pp. 233–240.
لا تكون قاعدة التعرّف على القانون بالضرورة منصوصًا عليها في أي مدونة قانونية وتقتضي معرفتها ضربًا من التأويل؛ ما يعني أنه
لا يمكن اكتناه معناها بيسر من خلال مقاربة خِبرية. ويبدو أن إقحام هذا البعد قد جعل هارت، مثل ما هو الأمر بالنسبة إلى كلسن أيضًا، ينحو أكثر نحو اعتماد مقاربة هرمينوطيقية من دون أن يمنعه ذلك من تأكيد الصبغة الوصفية لنظريته. وقد اجتهد الباحثون،
الذين اشتغلوا ضمن هذا التقليد الوضعي، في تحديد المدى الذي يجوز فيه توصيف نظرية الوضعية القانونية بنظرية وصفية محايدة أخلاقيًا وخالصة من كل تقييم، عدا ذاك الذي يجيزه الجانب الشكلاني للقانون.
(20) Hart, The Concept of Law , pp. 92–93. (21) Ibid., pp. 5–92. (22) Ibid., p. 94.
بالبحث عن سبل تجنّبنا اللجوء إلى أمر واقع لتسويغ صحة المعايير أو القواعد الوضعية. في ما يتعلق بالسؤال الأوّل، يكون الجواب عامة كما يلي: نكون مجبرين على الامتثال للمعايير الوضعية لأن صاحب السيادة سواء كان ملكًا أو برلمانًا يريد ذلك ويأمر به. وهو جواب مثيل لذلك الذي نقدّمه حين يتعلق الأمر بإلزامية المعايير الأخلاقية. إننا ملزمون بالامتثال لها لأنّ الله أو الضمير أو العقل العملي يأمروننا بذلك. غير أن العيب في مثل هذا الجواب، كما يشير إلى ذلك كلسن، هو أننا حينئذ نسوّغ المعيار من خلال واقعة (أمر الله أو الملك أو البرلمان أو العقل... إلخ) في حين أنه لا يجوز منطقيًا
ذلك؛ إذ إنه ينبغي أن يسوّغ في رأيه كل معيار من خلال معيار آخر وليس من خلال واقعة. فرغم أن
القضيتين، "ينبغي أن أمتثل لأن 'ز' يأمرني بذلك"، و"ينبغي أن أمتثل لأنّ علَيّ أن أمتثل ل 'ز'"، تحملان
نفس المضمون من الناحية المادية فإنهما تختلفان من الجهة الشكلية؛ لأنّ الأولى تفترض منطقيًا
الثانية التي تتضمن إجابة عن سؤال الصحّة Validity، ومن ثم، تمنحنا تسويغًا. فبالنسبة إلى كلسن وإلى الوضعيين عمومًا، لا يمكن أن يسوّغ المعيار بواقعة، بل بمعيار آخر يكون منطقيًا متقدّمًا عليه؛
فمثلًا حين تقوم ثورة تلغي نظامًا قانونيًا قائمًا نكون أمام واقعة تتمثل في ثورة أطاحت وضعًا قانونيًا،
لكنّ هذا الوضع القانوني يمكنه أن يواصل ادّعاء الصحة؛ لأنه لم يقع إلغاؤُه وفق معايير قانونية تمامًا مثلما أنّ النظام القانوني الذي أقامته ثورة ما يمكنه أن يدّعي الصحّة القانونية؛ لأنّ النظام القديم لم يقع تركيزه من البداية وفق إجرائيات قانونية. ويكمن المشكل بالنسبة إلى كلسن في أننا لا نستطيع أن نسوّغ قانونيًا صحّة نقطة الانطلاق التي تصلح أساسًا للنظام القانوني التي يستمد من خلالها سريانه وفاعليته
ما يجعلها مشوبة بضرب من الاعتباطية: "إن المعيار الأساسي هو نقطة الانطلاق المُفترضة للإجرائية أي إجرائية إحداث القانون الوضعي". حيال هذه الصعوبة، تجنّب كلسن اللجوء إلى واقعة مثل فاعلية القانون وقدرته على توجيه السلوك؛ لأنّ ذلك يقود إلى جعل الخوف من مكروه أو شرّ يحلّ بإنزال العقاب محِّدِدًا لإطاعة القوانين،
ويستند بدلًا من ذلك إلى المنطق المعياري ليؤكد أنّ نقطة البداية لا يمكن أن تكون إّلا معيارًا، أي مبدأ أساسيًا يتم من خلاله تسويغ صحة معيار من معايير القانون الوضعي. وهو ما يفترض ضرورة
(23) Kelsen, pp. 8–12.
((2(يميز كلسن نظريته في المعيار الأساسي من قاعدة هارت في التعرف على القانون، فوفق قاعدة التعرّف لا تكون قاعدة القانون
الوضعي الأولية صحيحة إلا متى اعترف بها الأفراد الخاضعون لها وتصرف كل منهم طبقًا لها. هذا القبول والاعتراف حاصل فعل
حتى إن لم يكن من الممكن إثباته، فهو يُعدّ من باب القبول الضمني أو المُضمر. وفي نظر كلسن، تفترض نظرية قاعدة التعرف على
نحو واعٍ أو غير واعٍ المثل الأعلى للحرية الفردية باعتبارها تحديدًا ذاتيًا، والذي يكون هنا بمنزلة معيار للفعل يقتضي من الفرد أّلا
يأتي من الأفعال إلا تلك التي يريدها حقًا. وهذه الفكرة هي، في نظر كلسن، المعيار الأساسي الذي تفترضه نظرية هارت في قاعدة
التعرّف على القانون والاعتراف به. والاختلاف بين نظريته في المعيار الأساسي للنظام القانوني، مثلما تدافع عنه نظريته الخالصة في
القانون ونظرية قاعدة التعرف بيّنٌ وواضح في رأيه؛ إذ لا تكون وفق هذا قاعدة التعرف على القانون والاعتراف به ذات معنى
إلا بالنسبة إلى ذوات حرة ومستقلة بنفسها لا تخضع إّلا إلى مشيئتها؛ ما يجعل هذه القاعدة لا تنطبق إلا على المجتمعات التي
يسميها هارت قانونية تتوفر منظومتها القانونية على قواعد ثانوية إلى جانب قواعد أولية، وتعترف للفرد بالحرية في الاعتراف بالقانون أو عدم الاعتراف به؛ أي إنها مجتمعات ليبرالية. وينبّه كلسن إلى أن ذلك يجعل نظرية هارت قائمة في الأخير على حكم قيمة
ولا تنطبق على كل الأنظمة القانونية، ينظر الهامش 83 في: Kelsen, p. 218.
(25) Ibid., p. 199.
التمييز بين القانون مُعتبرًا من جهة الفاعلية والقانون مُعتبرًا من جهة المعيارية. فاعتبار القانون من
جهة الفاعلية يجعل مضمونه خاضعًا لعوامل حسّية وخبرية، ومن ثمّ، يندرج ضمن نظام الوقائع؛ أي ما هو كائن، في حين أنّ الثاني؛ أي القانون مُعتبرًا من جهة المعيارية، يجعل الإطاعة محدّدة
بما ينبغي أن يكون عليه السلوك. وبعد أن حيّد كلسن فرضية استنتاج صحة المعيار القانوني من
نظام الوقائع، ليؤكد، على غرار كانط وهيوم، عدم إمكانية تأسيس معايير الفعل على الوقائع الداخلية والخارجية، يعود إلى السؤال حول المعيار الأساسي الذي ينبغي له أن يكون القاعدة الخلفية لكل البناء الهرمي للقانون، ليؤكد أنه لا يمكن أن يكون إّلا مفترضًا؛ وذلك نظرًا إلى أنّ كل معيار جزئي
لا يكون صحيحًا إّلا متى كان متأسسًا على معيار أرقى منه، مثلما أسلفنا، وأنّ هذا الأخير لا يكون
صحيحًا إّلا متى أُسند بمعيار آخر أرقى منه هو أيضًا. ونكون بهذا أمام تأسيس نسبي فحسب؛ لأنّ كل معيار يقوم بدور التأسيس لمعيار آخر يكون في حاجة إلى تأسيس يستمده من معيار آخر أشمل منه، وأنّ كل تأسيس منطقي ومعقول للمعايير القانونية يقتضي تصوّرها منضوية جميعها ضمن منظومة واحدة من المعايير متكاملة ومتماسكة ترتبط برمّتها بمعيار وحيد ومؤسّس ذي صحّة مطلقة. فصحة كل منظومة قانونية تظل مقيدة بالمعيار الأساسي الخاص بها؛ ما يفسح المجال لتعددية المنظومات القانونية وفقًا لتعدد المعايير الأساسية التي تقوم عليها كل واحدة منها. وسواء اعتمدنا المقاربة الوضعية لكلسن القائمة على البناء الهرمي للنظام القانوني أو مقاربة هارت التي تقوم على التمييز بين القواعد الأولية والقواعد الثانوية، ننتهي إلى النتيجة نفسها، وهي: أولًا، إقصاء الأعراف الاجتماعية من دائرة القانون ما لم تقع صياغتها وفق شروط المعايير الشكلية للقانون وإدماجها فيه. وثانيًا، إبعاد الأخلاق والأحكام القيمية من كل نظر موضوعي وعقلاني في المنظومات القانونية.
فالقانون الوضعي سواء كان مدنًّيًا، ومتعلقًا بالأشخاص وعلاقاتهم ببعضهم وبالأشياء العينية، أو جزائيًا،
((2(نشير ههنا إلى أننا نترجم معيارية Normativism ومعيار Norm مثل ما هو متداول وشائع وليس سننية وسنّة Norm مثلما فعل
محمد حمودة، ينظر: محمد حمودة، فلسفة القانون، ط 2 (تونس: مجمع الأطرش للكتاب المختص، 2024)، ص 245–243. تطرح المعيارية الكلسينية صعوبات كبيرة أمام قراء كلسن، وتصعّب فهم جانب مهمّ من فكره القانوني. ويبدو لنا أن كلسن، مثلما بيّن
ستانلي بولسن أحد شرّاحه الأميركيين، قد نحا طريقًا وسطًا بين النظريتين المتعارضتين في تقليد فقهي يرمي بجذوره إلى العصر
الإغريقي، وهما نظرية القانون الطبيعي وتأسيسها العقلاني والأخلاقي للقانون ونظرية الوضعية القانونية وتصورها الوقائعي للقانون؛ حيث لا ترى فيه إلا وقائع ومواضعات واتفاقات وقرارات مسنودة بقوّة مادية. وفي نظر بولسن تكمن جدّة نظرية كلسن في جمعها
بين أطروحتَي الفصل بين الأخلاق والقانون التي تقول بها الوضعية القانونية من جهة والمعيارية التي تقول بها نظرية القانون
الطبيعي. وتكون بهذا، في رأي بولسن، شقّت طريقًا وسطًا بين النظريتين القديمتين محتفظة من الوضعية القانونية بالفصل بين
الأخلاق والقانون ومن نظرية القانون الطبيعي بفكرة المعيارية في الوقت الذي تخلّت فيه عن الوقائعية، المميزة للوضعية القانونية،
وعن أطروحة أخلاق القانون، المتأصلة في نظريات القانون الطبيعي. ينظر ستانلي بولسن في مقدمة كتاب:
Stanley Paulson & Bonnie Paulson (eds.), Normativity and Norms, Critical Perspectives on Kelsian Themes (Oxford: Clarendon Press, 1998), p. XXXII. (27) Kelsen, p. 193.
((2(يرفض كلسن أن تكون هناك معايير أخلاقية مطلقة يمكن أن تشكل الأساس المشترك بين كل الأنظمة القانونية؛ فحتى لو اعتبرنا الِّسِلم، مثلًا، قيمة أخلاقية مطلقة أو قيمة مشتركة بين كل الأنظمة القانونية الوضعية، فإنّ تأمين الِّسِلم وإحلاله داخل الجماعة
القانونية لا يمكنه أن يُعدّ قيمة أخلاقية جوهرية مشتركة بين كل المنظومات القانونية، وهو ليس الحدّ الأدنى الأخلاقي المشترك بينها
جميعًا، ينظر: Ibid., p. 37.
ومتعلقًا بالأفعال التي يجرّمها، يختلف عن القانون الأخلاقي في أنه نتيجة لسياق مداولة وقرار صادر عن
سلطة مخوّلة بوضعه أو فُوّض لها أمر وضعه. في حين أن القانون الأخلاقي هو قاعدة من قواعد يُتّفق
على أنها جزء من الأخلاق المشتركة، أو الشعبية، بتعبير كانط، تكون بمنزلة تشريع ينبع من العقل العملي وفق التصور الكانطي، أو موضوع مواضعة تعترف جماعة ما بعقلانيته لتوافقه مع مبدأ تراه أساسيًا، كأن
يكون مبدأ المنفعة الذي يجعل الغاية الأخلاقية للفعل تحقيق "أكبر سعادة لأكبر عدد"، كما يقول المذهب المنفعي، أو لضرورته للحفاظ على تماسك الجماعة وديمومة نمط حياتها عبر الأجيال. ورغم وجود مواقف وآراء لدى إيمانويل كانط (1804–1724) تجعل بعضهم يشير إلى قرابة فلسفته في القانون من فلسفة الوضعية القانونية، يظل هناك اختلاف جوهري بينهما في مسألة صلة القانون بالأخلاق. فكانط يبدو من جهة قريبًا من الوضعية القانونية في تمييزه بين القانون والأخلاق، وفي
تأكيده أنّ سريان القانون يتعلق بالتوافق الخارجي بين الإرادة الحرة لكل شخص، من حيث هو حكَمٌ
حرّ، مع إرادة الشخص الآخر بما هو أيضًا حكم حرّ؛ وفي ربطه أيضًا القانون بملكة القسر، لكن كانط
كان، من جهة أخرى، على منوال كلسن وهارت، منشغلًا بتحديد الشروط التي تجعل من نظام قَسرٍ قانوني مقبولًا من المواطنين ولا تكون إطاعتهم له مجرّد خضوع يمليه الخوف من شرّ العقاب. والحلّ
الذي ارتآه يقوم على توضيح العلاقة بين القانون الوضعي والقانون الطبيعي، إذ إنه يقول: "يمكننا إذًا تصوّر شرع خارجي لا يتضمن شيئًا غير القوانين الوضعية، عندها ينبغي أن يسبقه قانون طبيعي
لتأسيس سلطة الشارع (أي التخويل له بإجبار الآخرين بحكم مشيئته فحسب"). وفق هذا الرأي لكانط لا يستطيع نظام قانوني ما أن يكتسب صحّة، لا تكون ذاتية فحسب يقوم فيها الإجبار على سلطة
تحكّميّة تفرض إرادتها أمرًا واقعًا، إّلا متى استندت قوانينه إلى معيار أو قاعدة غير وضعية وهو القانون
الطبيعي. بناءً عليه، يكون القانون الوضعي الوجه الخارجي للأمر الأخلاقي المطلق، مثلما يقول كانط
في بداية الجزء الأول من كتاب ميتافيزيقا الأخلاق، فالقانون يفرض على الذوات الفاعلة العاقلة واجبات صارمة Strict Duties وتقييدية تتبدى في سلوك قابل للمعاينة في حين يكون الوجه الأخلاقي للأمر القطعي هو ذاك الداخلي والمتعلق بالنيّة الثاوية وراء الفعل، التي إما أن تجعل الفعل يستهدف
الواجب الأخلاقي في ذاته ولذاته وإما أن تجعل إطاعته وسيلة لغاية أخرى، مثل تجنّب العقاب أو
الظهور بوجه أخلاقي أمام الآخرين طمعًا في الحظوة وسموّ المكانة الاجتماعية. فالفعل القانوني
الممتثل للواجب، وفق كانط، ليس بالضرورة أخلاقيًا إذا غابت عنه النيّة الطيّبة التي ترفع الإرادة إلى
مستوى العقل العملي وتحوّلها إلى إرادة خيّرة. غير أن الوضعيين القانونيين (كلسن وهارت) لا يشاطرون كانط رأيه في أنّ الواجب القانوني هو الوجه الخارجي للأمر الأخلاقي القطعي؛ ولئن حدّد القانون للذوات العاقلة "ما ينبغي" Ought لها فعله،
((2(للاطلاع على تحليل جيد لهذه الفكرة ينظر: Ibid., pp. 171–173.
(30) Immanuel Kant, The Metaphysics of Morals , Mary Gregor (trans. & ed.) (Cambridge: Cambridge University Press, 1999), p. 51. (31) Ibid., p. 46.
((3(حول هذه النقطة ينظر: منير الكشو، "من وجهة أخلاق الفعل إلى وجهة أخلاق الفاعل: جدل النتائجية والآدابية وأخلاق
الفضيلة في الفلسفة الأخلاقية المعاصرة"، تبيّن، مج 12، العدد 47 (شتاء 2024)، ص.152–119
فإنّ هذا ال "ينبغي" لا يستمدّ مشروعيته من تعاليم العقل الخالص العملي أو توصياته وأوامره، مثلما هو الأمر لدى كانط، بل من واقعة Fact وهي القانون الذي جرى إقراره وفق الإجرائيات التي حددتها المعايير الأساسية، في رأي كلسن، أو القواعد الثانوية المعمول بها، في نظر هارت، ومن فاعليته أي من صفاته المعيارية التي تجعل الناس يرونه واجبًا Duty مُلزمًا لهم، ومن ثمّ، يكونون مستعدين لإطاعته باعتبار أن السلطة التي سنّته مخوّلة لذلك وقادرة على توفير أسباب تفعيله وفرض احترامه من خلال عمل القضاة وموظفي الدولة ومسؤوليها. ويبدو الموقف الكانطي حول علاقة القانون بالأخلاق مرتبكًا أيضًا يتجاذبه اتجاهان؛ الأول، يؤكد أسبقية القانون الطبيعي العقلاني، ومن ثمّ، الأخلاقي كما يجسّده الأمر الأخلاقي القطعي، على القانون الوضعي. والثاني، يؤكد عكس ذلك. وبالنسبة إلى الوضعيين القانونيين، أمثال كلسن، ينبغي التركيز على المقاطع من كتابات كانط التي يؤكد فيها أسبقية القانون الوضعي والتخلّي عن النزعة الأخلاقوية التي يجسدها المثال الأعلى الأخلاقي للقانون لدى كانط، والاحتفاظ بالوجهة الوضعية القانونية لديه وتفنيد أخلاقويته. ففي رأيهم، ينبغي استبعاد معايير العادل والحقّ أخلاقًا من مجال الشرعية القانونية ومن حقل نظرية القانون وفقهه. فبنثام وأوستن وكلسن وهارت يعتبرون أنّ دراسة القانون غير معنيّة بالبحث عن منظومة قانونية مثالية بل بالقانون، فقط، من حيث هو واقعة وموضوع محايد أخلاقيًا وسياسيًا وقيميًا ينتج معياريته من لدنه ولا يستمدّها من مصدر خارجي أخلاقي أو ديني أو اجتماعي. فينبغي أن تقتصر دراسته على المعايير الشكلية التي تجعل منه قانونًا لغرض تحديد البنية المميزة للنظام الذي يندرج فيه وتحليل المفاهيم الأساسية المتواترة فيه، مثل الحقّ والواجب والالتزام والملكية والشخصية القانونية... إلخ. وقد حرص هؤلاء الفقهاء على تمييز فقه القانون التحليلي هذا، كما يسمونه، من الدراسة التقييمية والنقدية للقانون؛ إذ إن الوضعية القانونية ترى أنّ القرارات القانونية الصحيحة Valid هي فقط تلك التي تحددها قواعد قانونية سابقة أو معايير عليا أو أساسية، وأنّ على المحاكم أن تضع قراراتها من خلال الاستنتاج المنطقي والربط الصحيح بين جملة من منطوقات تتعلق بقواعد قانونية وجملة أخرى من المنطوقات تتعلق بوقائع الحالة موضوع النظر. لذلك، لا يكون هناك مجال في نظرهم لتدخّل التقييم الأخلاقي للقوانين، سواء خلال مسار وضعها وسنّها أو خلال مسار تفعيلها في الأحكام القضائية وفي عمليات التقاضي. وقد سمّى
(33) Kelsen, pp. 67–69; Hart, The Concept of Law , p. 172.
((3(ينظر: الفصل الثاني في: Kelsen؛ وحول المنحى الوضعي القانوني في فكر كانط، ينظر:
Jeremy Waldron, "Kant`s Legal Positivism," Harvard Law Review , vol. 109, no. 7 (1996), pp. 1535–1566;
وفي إطار الدفاع عن الفلسفة الوضعية القانونية لكانط، ينظر الفصل الثالث في:
Jeremy Waldron, The Dignity of Legislation (Cambridge: Cambridge University Press, 1999);
حول مواضع الالتباس والتردد في فكر كانط، ينظر:
Ridha Chennoufi, Droit et méthode chez Hans Kelsen (Tunis: Publications de la Faculté des Sciences Humaines et Sociales, 1995), pp. 146–148.
هارت هذه الفكرة، التي يراها أساسية في الوضعية القانونية، أطروحة الفصل بين الأخلاق والقانون. غير أنّ هذا الاستبعاد للمعايير الأخلاقية من مجال القانون من قبل الوضعية القانونية كان، كما أسلفنا، موضوع اعتراض فقهاء وفلاسفة قانون ونقدهم، وتحديدًا فولر ودووركين وردبروخ، الذين دافعوا بدرجات متفاوتة عن صيغ من الوصل بين الأخلاق والقانون.
ثانيًا: الوضعية القانونية والصلة الضرورية بين الأخلاق والقانون
1. فولر والأخلاق الدنيا المضمرة في القانون
عرض فقيه القانون الأميركي فولر في كتابه أخلاقية القانون (1964)، ما عدّه مبادئ ملازمة لأي منظومة قانونية من دونها، أو بافتقادها أحدها، لا يحقّ لمجتمع ما أن يدّعي امتلاك نظام قانوني قادر على توجيه سلوك الناس. هذه المبادئ التي هي بمنزلة شروط إمكان القانون، في رأيه، هي: الشمولية والوضوح والانسجام والعلانية والاستباقية وقابلية الإنجاز والاستقرار في الزمن والتطابق بين القواعد وأفعال المسؤولين في الدولة. وقد ذكر أنّ مبادئه تشكّل "الأخلاق الداخلية للقانون" التي يسلّم بها ضمنيًا
الفقهاء، ومن ثمّ، تؤسس لرابط وصل بين مجالَي القانون والأخلاق. فلئن اتفق مع الوضعية في أن النظام
القانوني لا يقوم على قواعد اجتماعية عُرفية أو أخلاقية واستبعد أيضًا فرضية قانون أعلى من القانون الوضعي يمدّه بالصحة والشرعية مثل القانون الطبيعي، أكّد في المقابل وجود ضرب من الأخلاق المحايثة للقانون لا تنفصل عن مفهومه ويسلّم كل الفقهاء بها، وهو معنى عنوان الفصل الثاني من كتابه السالف الذكر الأخلاق التي تجعل القانون ممكنًا. وسنستعرض هذه المبادئ بصورة عامّة. أ. الشمولية: تعني أنّ أيّ مدوّنة قوانين لا تُعدّ نظامًا قانونيًا إّلا متى اشتغلت من خلال معايير عامّة
وشاملة. ويميز فقه القانون المعاصر من جهة بين مفاهيم الأمر أو التعليم أو الإيعاز التي تتميز بطابعها الخاص والجزئي حيث يكون المنطوق موجّهًا إلى شخص أو مجموعة أشخاص محدّدين
أو من الممكن تحديدهم، وتستهدف حالة خاصة في الزمان والمكان وتكون ظرفية وتقتضي تنفيذًا آنًّيًا للفعل المأمور به في حيز زمني محدّد، مثل ما هو الحال بالنسبة إلى أمر القائد العسكري لأحد
جنوده. ومن جهة أخرى، القاعدة التي تتسم بالشمولية والتجريد والدوام، فمن حيث هي شاملة تتوجه القاعدة إلى جمع غير محدّد من الأنفار، ومن حيث هي مجرّدة تنطبق على حالات محدّدة
من دون تنصيص على واقع بعينه في الزمان والمكان، ومن حيث هي دائمة لا تنتهي صلاحيتها
بإنجاز الفعل الموعز به، فالقانون الذي يحجّر القتل مثلًا يسري على كامل الضرب من السلوك
وليس على حالة مخصوصة منه. ولئن انطبق على كل حالة على حدة، فلأنها حالة لا حدثًا قائمًا
بذاته لا يخضع لأيّ معيار شامل. وتكون معظم القواعد القانونية العامة بهذا المعنى الأول
(35) Hart, "Positivism and the Separation of Law and Morals," p. 172.
ينظر ((3:(
"The Morality that Makes Law Possible," in: Lon Fuller, The Morality of Law (New Haven: Yale University Press, 1964). (37) Ibid. (38) Hart, The Concept of Law , pp. 20–22.
(أي بمعنى عدم ارتباط صلاحيتها بحالة محددة بعينها) عامة أيضًا بالمعنى الثاني؛ أي إنّها تكون موَّجَهة
إلى فئة من الأشخاص وليس إلى فرد بعينه أو إلى المجتمع برمّته، مثلما هو حال العديد من القواعد
القانونية. فالقانون الذي يحظر القتل، مثلًا، يروم تنظيم سلوك الجميع على قدم المساواة لا أفرادًا
بعينهم. فكل قاعدة عامة من قواعد النظام القانوني، إذًا، تنطبق على نوع معيّن من السلوك وليس
فقط على حالة منه، ومعظم هذه القواعد موجّهة إلى فئات عامة من الناس وليس إلى أفراد. وبالنسبة
إلى فولر، كما هو الأمر بالنسبة إلى رولز أيضًا، تحول هذه الصفة المميزة للقواعد القانونية من دون استخدام القانون لاستهداف أشخاص، وهي الأساس أيضًا لمبدأ مساواة الجميع أمام القانون وللقاعدة التي تنص على أنّ "الحالات المثيلة ينبغي أن تُعامل بالمثل"، أو قاعدة "توازي الإجراءات". ب. العلانية في إصدار القانون: لا يمكن أيّ نظام من القوانين العامة أن يوجّه السلوك البشري
إذا كانت مضامين قواعده ومعاييره غير معلنة كلّها لعامة من يخضعون له. وباعتباره آلية لتنظيم السلوك البشري، وليس مجموعة من الصيغ المجرّدة التي لا تحدث أثرًا في نظام الأشياء، ينبغي
للنظام القانوني أن يجعل أوامره ونواهيه يسيرة النفاذ والعلم والإدراك من قِبَل من تنطبق عليهم.
وفي رأي فولر لا بد من أن يضمن النظام القانوني مبدأ النشر والعلانية الذي من دونه يفقد فاعليته في توجيه سلوك الناس وتنظيم الأفعال والتنسيق بينها. فوجود منظومة من القوانين والقرارات
الحُكميّة المنشورة والعلانية يمكّن الفواعل القانونية من اختيار مسارات السلوك المناسبة لهم
عند تدبير أفعالهم فيحجمون عن تلك التي يحجّرها القانون؛ ما يوفّر إمكانيات أكبر للتنسيق
الاجتماعي التلقائي بين الأفعال ويقلّل من ركون النظام القانوني إلى أساليب القسر وإنزال
العقاب. فمبدأ النشر على نطاق واسع لا يمثل شرطًا ضروريًا لسيادة القانون فحسب، بل لأيّ
حُكم يعامل البشر بوصفهم كائنات حرّة وعاقلة ذات كرامة أيضًا. ج. اللارجعية: تعني بمعناها البسيط أنّ القوانين حال إصدارها ونشرها تنطبق على الحالات القادمة وليس على الحالات السابقة أو الراهنة. والامتثال لهذا المبدأ ليس أمرًا أساسيّا لاشتغال المنظومة
القانونية على نحو فعال فحسب، بل لوجودها أيضًا. فالحديث عن حوكمة السلوك وتوجيهه من خلال قواعد ستصدر في قادم الأيام كلامٌ لا معنى له في نظر فولر. فلو كانت قوانين مجتمع
ما ذات أثر رجعي برمّتها، لن يكون هناك في أيّ وقت من الأوقات قوانين تحدد العواقب القانونية
المترتبة على سلوك جرى اتخاذه في وقت محدّد باعتبار أنّ مثل تلك القوانين لن تصدر وتُنشر
إّلا في وقت لاحق وستكون حين إنجاز الفعل قوانين افتراضية ورغم ذلك فاعلة. وهو ما يخالف قواعد العقل؛ ما جعل فولر ينعت القوانين ذات المفعول الرجعي بأنها فظيعة رغم أنه يقرّ بضرورتها
أحيانًا لتصحيح بعض القرارات القانونية الخاطئة أو الجائرة مثلما سنرى ذلك فيما بعد.
(3((جون رولز، نظرية في العدالة، ترجمة ليلى الطويل (دمشق: منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، 2011)، ص.299
(40) Fuller, The Morality of Law , p. 53 (41) Ibid.
سنعود في القسم الثالث من هذه الدراسة إلى مسألة القوانين ذات الأثر الرجعي في حالات ما يسمى بالعدالة الانتقالية حين لا تسمح القوانين القائمة بإنصاف ضحايا أعمال قمعية لنظام استبدادي حصلت في الماضي.
فنظام قانوني يعمل بالكامل من خلال القوانين الرجعية سيكون غير فعّال؛ لأنّ غياب قواعد
مستقبلية يؤدي إلى انعدام قواعد تمكّن المسؤولين المخوّلين من النظام القانوني من تنفيذ
مهماتهم المفترضة. وحينئذ سيفتقد المواطنون التوجيه القانوني لأعمالهم وستنعدم الأسس القانونية التي تُفوّض بمقتضاها الصلاحيات الضرورية للمسؤولين في إدارات الدولة لإنجاز
مهماتهم. فاضلًا عن هذا، مثلما يلاحظ جون رولز John Rawls (2002–1921)، يخلّ وجود قوانين ذات مفعول رجعي بقاعدة أساسية، وهي: "ما من ذنب دون قانون" lege Nullum crimen sine التي تتأتّى من فكرة نظام قانوني. د. وضوح القوانين: من دون وضوح المحتوى والمطلوب يفشل النظام القانوني وقواعده كليّا أو
جزئًّيًا في تحقيق الغرض الأساسي المنوط به، وهو توجيهه السلوك صوب اتجاه ما وإبعاده عن
مسارات أخرى. فإحدى أهمّ الصفات المميّزة لدولة القانون أنها ترسل إلى الناس إشارات بيّنة
حول ما تطلبه منهم، وحول ما يجوز فعله وما لا يجوز. حينما لا تحرّر القوانين والتراتيب الإدارية
والأحكام القضائية وغيرها من النصوص القانونية، على نحو جليّ وقابل للفهم والاستيعاب،
لن يقدر الناس على اتّباع تعليمات المنظومة القانونية السارية. ولئن لم يكن من المطلوب من النصوص القانونية أن تكون مصوغة ومحررة في لغة يسيرة لأفهام عامة الناس ممّن لم يتلقّوا
تكوينًا في القانون ولا يمتلك الثقافة القانونية لإدراك تفاصيلها وسبل تكييفها على الحالات
الخاصة، فإن محكّ اختبار مدى دقة اللغة التي حُرّرت بها ووضوحها يظل هو مدى قدرة الخبراء
في القانون على فهمها ومدى رضاهم عن مقروئيتها وقابليتها للفهم. وكلما زاد غموض النص والتباس معناه اتسع هامش اللجوء إلى التأويل وكبرت السلطة التقديرية للقضاة وموظفي الدولة في تطبيق تلك النصوص. ه. عدم تناقض القوانين: يؤكد هذا المبدأ سمة أساسية في القانون وهي خاصية الاتساق المنطقي. ومدى توافر هذه الخاصية في المنظومة القانونية يجعلها تنجح أو تفشل في تحقيق مبدأ سيادة القانون، فأن يوجد، مثلًا، في بلد ما قانون يحجر بيع المشروبات الكحولية لبعض السكان، وقانون آخر يجيز لهم ذلك وينظم أوقات بيعها لسائر لمواطنين، هو مثال على التناقض داخل النظام القانوني.
((4(رولز، ص.300
(43) Fuller, The Morality of Law , pp. 63–64.
(4((مثال على ذلك ما ورد في مجلة الالتزامات والعقود التونسية من تحجير لبعض عقود البيع والشراء على أساس التفريق الديني، مثل تحجير بيع المشروبات الكحولية للمسلمين وإجازته لغيرهم من السكان وصدور قانون آخر عام 1998 يتعلق بتنظيم تجارة
المشروبات الكحولية الموجهة لكل السكان من دون نسخ بيّن لما ورد في مجلة الالتزامات والعقود. ويعتبر تقرير لجنة الحريات
الفردية والمساواة الصادر في 1 جوان [حزيران/ يونيو] 2018 في تونس أن "العديد من هذه الأحكام قد وقع نسخه ضمنيًا. فتحجير
ما حجر الشارع بيعه بين المسلمين يتعارض مع قانون 18 فيفري [شباط/ فبراير] 1998 المتعلق بتنظيم تعاطي تجارة المشروبات الكحولية المعدّة للحمل"، ينظر: الجمهورية التونسية، رئاسة الجمهورية، تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، تونس، 1 جوان [حزيران/ يونيو] 2018، شوهد في
2024/12/6، في: https://2h.ae/MJYd
و. عدم طلب المُحال: يعني أنه لا يكفي أن تكون القوانين واضحة واستباقية ومنشورة وعلانية وخالية من الالتباسات التي تفسح المجال لتأويلات متضاربة حتى تكون معقولة وصحيحة؛ إذ إن مضامين هذه القوانين يمكن أن تطلب من الناس ما لا طاقة لهم بفعله. والجدير بالملاحظة أن المبدأ ذاته قد صاغه رولز في قاعدة "ما ينبغي يفترض الاستطاعة" التي تمكّن، في رأيه، من تمييز الخصائص الثلاث التالية للأنظمة القانونية. تتمثل الخاصية الأولى في أن يكون من اليسير توقّع أنّ الناس يستطيعون القيام بالفعل الذي يأمر به القانون والإحجام عنه عندما ينهى عنه، فنظام قانوني موجّه إلى
كائنات عاقلة لتنظيم سلوكياتهم لا بد من أن يهتم بما يستطيعون وما لا يستطيعون إتيانه، ولا يمكن أن يفرض عليهم واجب فعل ما لا يُستطاع. والثانية، أن هذه الفكرة تفترض إضمار حسن النيّة في
المشرّع؛ إذ إنه يجب على المشرّعين والقضاة وغيرهم من المسؤولين في النظام القانوني أن يكونوا
مؤمنين حقًا بأنّ طاعة القوانين التي يضعونها ممكنة، وأنّ كل توجيه أو إيعاز يصدر عنها قابل للتنفيذ. ولا يكفي، في رأي رولز، أن يتصرف المسؤولون في مختلف دوائر القرار عن حسن نيّة فحسب،
بل ينبغي أيضًا أن تُضمر الفواعل القانونية الخاضعة لأوامرهم وتعليماتهم حسن النيّة فيهم. والثالثة،
أن هذه القاعدة تقتضي أن يعترف النظام القانوني بأنّ استحالة الإنجاز حجّة مقبولة لدفع تهمة خرق
القانون عن النفس أو على الأقل تمتّع المتهم بالظروف المخفّفة للعقاب. فنكران وجاهة هذه الحجة
سيضع على الحرية وِزرًا لا يُحتمل، في نظره، حين لا يكون موجب العقاب محصورًا في الأفعال
التي تقع ضمن دائرة ما يقدر المرء عليه. ز. استقرار القوانين في الزمن: لم يكن غرض فولر من وراء هذا المبدأ تأكيد أن نظام القوانين الجيّد
هو ذاك الذي يظل ثابتًا عبر الزمن بل كان التشديد على ضرورة وضع قيود على الوتيرة التي بها تتغير القواعد القانونية وعلى حجم ذلك التغيير حتى يتسنى للقانون القيام بوظائفه. فإذا كانت التغييرات التي تطرأ على القوانين متلاحقة وواسعة النطاق ستنهار قدرته على توجيه سلوك الناس الخاضعين لأوامره. ويشير فولر إلى أنّ المشاكل الناجمة عن التغييرات المفرطة التكرار والعميقة في القانون تشبه تلك الناجمة عن كثرة التشريعات التي تطبّق بأثر رجعي. ح. التطابق بين أفعال المسؤولين والموظفين والصيغ القانونية السارية: يستلزم أي تحقيق مُرضٍ لهذا
المبدأ الموضوعية والنزاهة من المسؤولين؛ ما يقتضي الكفاءة في الفهم والتفسير للقانون وتكييفه على الحالات الخاصة. وإن لم يفلح المسؤولون القانونيون في استيعاب معنى القواعد والنصوص القانونية جيّدًا، فلن يقدروا على جعلها ذات تأثير مستمر. فالعوامل المختلفة التي تؤدي إلى
((4(المثال الذي يورده فولر على هذا الضرب من القوانين هو ما تضمنته المدونة القانونية التي أصدرها ريكس، وهو ملك يتخيل فولر وجوده، من مواد توصّف جرائم إتيان بعض الأفعال في حضرة الملك، من قبيل السعال والعطس والفواق والإغماء أو التظاهر
بالسقوط، يعاقب عليها بالسجن عشر سنوات. وتضمنت أيضًا مواد أخرى تصنّف خيانة عدم فهم أو عدم الإيمان أو اعتناق نظرية
تطور الأنواع الداروينية. ينظر: , p. 36 The Morality of Law Fuller,.
((4(رولز، ص.300–299
(47) Fuller, The Morality of Law , p. 80.
الابتعاد عن الحياد، مثل تغليب المصلحة الذاتية والتحيزات والجهل والاندفاع لا تتناسب مع اقتضاء الدقة والتجرّد والموضوعية والبحث عن القرارات الصائبة قانونيًا وإجرائيًا. يعتبر فولر أنّ الامتثال لهذه المبادئ أو الضوابط الثمانية يملي على القاضي والمشرّع التقيّد بضرب
من الأخلاق الضمنية أو الداخلية للقانون، وفي نظر دووركين، لا توفر هذه المبادئ إلا حضورًا باهتًا للأخلاق في مجال القانون، فاضلًا عن أنها لا تطابق واقع الممارسة الفعلية للقانون التي تشهد بتداخل قويّ بين الأخلاق والقانون يتجاوز المدى الذي حدده فولر.
2. دووركين والصلة القوية بين الأخلاق والقانون
لئن كان من الجيّد، في نظر دووركين، أن تدفعنا مفاهيم القانون ولغته إلى التقيّد في صناعة القوانين
بمبادئ أخلاقية دنيا وداخلية، فإنّ ذلك لا يعدّ ذلك كافيًا، في نظره، لبلوغ مطلب قوانين وأحكام
قضائية عادلة لا صحيحة فحسب. فالطاغية الذي يخطّط لاستعباد أقلية من المجتمع يمكنه الالتزام بهذه الاشتراطات الأخلاقية الدنيا النابعة من الأخلاق الضمنية للقانون، وأن يجعل قوانينه واضحة وقابلة للتطبيق وذات أثر مستقبلي لا رجعي، وغيرها من المبادئ، غير أنه عند قيامه بذلك لا يكون في إمكانه الالتزام بمبادئ أخلاقية مثل النزاهة واللياقة؛ لأنّ هذه الأخيرة خلافًا للصيغة الشكلية للقانون، التي توفرها الأخلاق الضمنية للقانونية مثلما صاغها فولر، لا تقدّم له أيّ تعليل أخلاقي لفعله. ويعيد دووركين بناء حجة فولر حول الأخلاق الضمنية للقانون على النحو التالي: أ. أن يكون القانون صحيحًا، فذلك هو الشرط المسبق لوجود القانون الجيّد، فلا يمكن أن يكون لنا
قانون جيّد من دون أن نلتزم بما تمليه الأخلاق الضمنية علينا. ب. الأخلاق الضمنية تقتضي النشر والعلانية وهو ما يقيّد إرادة المستبد الذي يخشى الإخبار عن
الأعمال الشريرة التي ينوي إنجازها من خلال التشريع. ج. تقتضي الأخلاق الضمنية قدرًا من الدقة يعسر على المرء ضمانه حين ينوي سنّ قوانين جائرة. د. تفترض الأخلاق الضمنية نظرة للإنسان باعتباره "فاعلًا مسؤولًا "، وسيتجنب كل مشرّع تسوّل
له نفسه سنّ قوانين ظالمة الاصطدام ب "كرامة الإنسان من حيث هو فاعل مسؤول". وتبدو نية
فولر هنا، وفق دووركين، تأكيد أن وضع قوانين سيئة يقتضي أيضًا الالتزام بما عدّه مبادئ أخلاقية والتقيّد بإطارها. غير أن مقاربة مثل هذه لن تؤدي، في رأيه، إلى استتباعات مهمة على صعيد
الممارسة، وستكون مضلّلة؛ لأن الابتزاز والإبادة الجماعية يمكنهما أن يرتديا أيضًا عباءة القانون ويتوافقا مع الأخلاق الضمنية الملازمة له التي يتحدث عنها فولر؛ إذ يقول دووركين: "إذا حوّلنا
(48) Ibid., p. 82. (49) Ronald Dworkin, "Philosophy, Morality, and Law, Observations Prompted by Professor Fuller’s Novel Claim," University of Pennsylvania Law Review , vol. 113, no. 5 (1965), pp. 668–690.
'القواعد' إلى 'أوامر' في المبادئ الثمانية (لفولر)، سيفشل المبتز المحتمل لو أهمل أيًا منها تمامًا
كما فعل الملك ريكس، ولا يمكن أي إبادة جماعية أن تنجح من دون اتباع المبدأ الأخلاقي الذي ينصّ على أنه ينبغي معاملة الحالات المثيلة بالمثل". ولا يرى فولر، في نظر دووركين، أي صلة ضرورية بين الأخلاق الضمنية للقانون والأخلاق الجوهرية المتواضع عليها اجتماعيًا؛ فأخلاق القانون لديه تستحق أن تُدعى أخلاقًا خاصة بالقانون ولها صفة الأخلاق
من دون أن تكون متصلة بالأخلاق الجوهرية أو فرعًا منها. ويعتبر دووركين فكّ الارتباط، الذي نشهده لدى فولر، بين الأخلاق الجوهرية والقانون بمنزلة رسالة طمأنة للوضعيين؛ إذ لا يتعارض جوهريًا مع الموقف الوضعي الكلاسيكي القائل إنّ القانون والأخلاق منفصلان مفهومًّيًا. وفي نظره، ظلّ فولر تحت
تأثير سحر أطروحة الفصل الوضعية بين الأخلاق والقانون، ولم يجرؤ على القطع معها. فالقبول بمعنى نحيل للقانون الطبيعي وباشتراطات أخلاقية دنيا يراها متضمنة في فكرة القانون ذاتها لا يُخرج فقه القانون من الردب الذي وضعته فيه الوضعية القانونية؛ إذ يشبه موقف فولر هنا موقف من يقول إن قواعد النحو تمتلك صفة أخلاقية في احترامها قول الحقيقة لا الكذب. ومثلما لا تمنع قواعد النحو الكذب والمغالطة، فالمبادئ الأخلاقية المفترضة لفكرة القانون لا تمنع سنّ قوانين جائرة لا تليق بالبشر. مقابل ذلك، يقدّم دووركين نقدًا للوضعية القانونية يعتمد أسسًا أخلاقية مضمرة هي الأخرى في القانون لكنها ذات صلة قوية بالأخلاق الجوهرية، وليست نحيلة وخاصة بالقانون مثل تلك التي قدّمها فولر.
ويتطرق صاحب كتاب أخذ الحقوق على محمل الجّد إلى وجهين أساسيين في الوضعية القانونية يجدهما لدى هارت على نحو خاص؛ الأول، هو ما يسميه منوال القواعد؛ إذ تعتبر الوضعية أن القانون يتكون أساسًا من قواعد، وأن دور القاضي ينحصر في تطبيقها، وذلك في الحالات التي تتوافر فيها القاعدة المطابقة للحالة موضع النظر. أما الوجه الثاني فيتمثل في السلطة التقديرية للقاضي؛ ففي الحالات التي تنعدم فيها القاعدة، ينبغي للقاضي أن يفتش في الحالات السابقة والأحكام التي صدرت بشأنها مستخدمًا سلطته التقديرية أو أن يستحدث القاعدة المناسبة ويطبّقها على الحالة موضع
النظر. وفي رأي دووركين، يفتح غياب القاعدة القانونية مج لًا للقاضي لاعتماد ضوابط ومعايير غير قانونية، لا تعترف الوضعية بها، يكون بعضها مبادئ سياسية أو أخلاقية تنتمي إلى الأخلاق الاجتماعية المواضعتيّة Conventional أو إلى القانون المشترك. وباعتبار أنّ سلطة التقدير لا تكون غير مقيّدة، ينبغي للقضاة البتّ في الحالات الصعبة التي لا تنضوي
تحت قاعدة قانونية واضحة ومعلومة، باعتماد ضوابط ومعايير يمكن الدفاع عنها علانية عقلانيًا.
(50) Ibid. (51) Fuller, The Morality of Law , p. 168. (52) Dworkin, pp. 668–690.
((5(ينظر: دووركين. ((5(حول علاقة القانون بالأخلاق بين هارت ودووركين، ينظر: محمد عبده أبو العلا، "جدل القانون والأخلاق في النظرية القانونية
الأنجلو–أمريكية: هارت ودووركين نموذجًا"، عالم الفكر، العدد 170 (تشرين الأول/ أكتوبر – كانون الأول/ ديسمبر.)2016
ولئن لم تكن هذه الضوابط قواعد قانونية، فإنه يمكن أن تعتبر مبادئ أو ضوابط توفر أسبابًا معقولة
وتسويغات مقبولة لقرارات يتخذها القاضي أو الشارع وتغدو لها صفة القانون الساري. وهو ما يعني، أولًا، أن المبادئ الأخلاقية التي يعتمدها القاضي في الحالات الصعبة تكون لها أحيانًا صفة القانون. لذلك، يرفض دووركين اختزال هارت القوانين في القواعد. ثانيًا، إذا كانت هذه المبادئ تضطلع
بدور القانون فليس لأنها تستجيب لقاعدة التعرّف Recognition لهارت باعتبار أنها تفتقد أيّ مصدر
مؤسساتي، ولم تُحدثها أيّ هيئة أو مؤسسة اجتماعية وقانونية. وهو ما يعني أنّ صفتها القانونية
تتأتى من مضمونها، وتحديدًا هنا من قيمتها وجدارتها الأخلاقية. وإذا اعتبرنا أنها مُلزمة، بفعل أنها تعبّر
عن صفتَي الإنصاف والعدل، فينبغي حينئذ التخلي عن أطروحة الفصل التي ترفض أن تكون صفة القانونية متأسسة على صفة الأخلاقية. ومن ضمن دراسته لجملة من الحالات الصعبة التي نظرت فيها المحاكم العليا في الولايات المتحدة وأصدرت قرارات قضائية في شأنها، يذكر دووركين قضية "ريغز ضد بالمر" التي تمثلت في قيام وارث بقتل مورّثه الذي حرّر لصالحه وصيّة تنقل له بمقتضاها،
بعد مماته، كل تركته. وقد ورد في نص الحكم أن الوارث لئن استحق التركة بناءً على وصيّة صحيحة،
وفقًا لإجراءات كتابة الوصايا وأحكام نقل التركات، ولانعدام أيّ مانع قانوني وإجرائي أيضًا يحول
دون نقل التركة له، فذلك لأنّ جميع العقود والمعاملات تخضع في تنفيذها لأحكام وسياسات عامة وفقًا للقانون المشترك Common Law الذي لا يسمح بأن يستفيد شخص من غٍّشٍ مارسه أو أن يجني ربحًا من خطأ ارتكبه أو أن يحصل على ممتلكات من جريمة اقترفها. هذا المبدأ الذي كرسته الأحكام
والسياسات العامة وفقًا للقانون المشترك هو جزء من الأخلاق المتواضع عليها اجتماعيًا؛ ما يعني أن
الأخلاق تضع حدودًا للسلطة التقديرية للقضاة، وأن الافتراضات الأخلاقية حاضرة في المبادئ التي تحلّ أحيانًا محلّ القواعد. وينبغي لنا أن نميز في نظر دووركين بين ضربين من المشاكل يجد القضاة والمشرّعون أنفسهم حيالها؛
الأول، ذو طبيعة تقنية يوجد، في شأنه، اتفاق عام على نوع المواد القانونية المناسبة أو الحجج المقدمة أو الوقائع التي يمكن التعلّل بها لحسم الخلاف بين الأطراف المتنازعة؛ والثاني، يتعلق بأمور ذات طابع تقني وسياسي، ولها صلة بالأخلاق الاتفاقية والاجتماعية أحيانًا. والمثال على ذلك حينما لا يكون خلاف القانونين في الفهم السليم للنص القانوني وإن كان ساري المفعول ومناسبًا للنازلة موضوع
النظر، بل في تحقيق العدل أو عدم تحقيقه. وعادة، تكون مسائل مختلطة وملتسبة من هذا القبيل مستعصية على المعالجة القانونية؛ إما لطابعها السياسي وإما لخلفياتها السياسية والأخلاقية المختلف فيها. ومع تراجع سطوة الاتجاه الوضعي القانوني اتجه فقه القانون صوب معالجة تأخذ في الحسبان وجود قضايا متشعبة تتداخل فيها شواغل القانون بشواغل السياسة والأخلاق.
((5(دووركين، ص.85–82 ((5(المرجع نفسه، ص.134–129 ((5(المرجع نفسه، ص.75 (5((حول هذه النقطة، ينظر: عبد السلام الكيكلي، "نظرية المبادئ في مواجهة نظرية القواعد: قراءة في كتاب أخذ الحقوق على
محمل الجدّ"، مجلة ألباب، العدد 8 (شتاء 2016)، ص.237–227
فالسؤال المتعلق بالواجب الأخلاقي الذي يفرض على المرء إطاعة القاعدة القانونية بات يفرض نفسه بقوة ولم تعد شروط الصحّة الشكلية كافية، مثلما تزعم الوضعية القانونية، ولم تعد أحكام القضاء
والقانون تحظى بقبول الناس ورضاهم؛ إذ إن الضابط القانوني يمكن أن يستجيب لشروط الصحة الشكلية، مثل التطابق مع القواعد الثانوية لهارت أو شروط التراتبية والاتساق لكلسن، وأن يظل الناس مع ذلك يشعرون بالضيم والحيف كلما أطاعوه. لذلك يرى دووركين ضرورة التخلي عن المقاربة الوضعية وعن وهم الصرامة التقنية والفكرية المحايدة تجاه القيم والإقرار بوجود مسائل من طبيعة أخلاقية وجوانب قيمية متضمنة في عملية صنع القانون، وفي أشكال تفعيله وتطبيقه على النوازل. ولم يقم القانونيون، في رأيه، بالعمل الضروري للبحث في مبادئ القانون وربط فكرته بتلك القضايا الأخلاقية التي تفرض نفسها باستمرار على الشارع والقاضي عند سنّ القانون أو صناعة الحكم القضائي. فالقاضي في المادة الجزائية، مثلًا، يعالج على نحو متواتر مسألة الذنب ويحكم وينزل عقوبات بالجناة وفق ما تقتضيه مواد القانون، عملًا بقاعدة لا جريمة من دون وجود نص تشريعي محدث لها، غير أننا لا نكاد نعثر، في رأي دووركين، على تفكير لدى القانونيين في مفهوم الذنب وفق المدوّنة القانونية أو في لغة الاستعمال اليومي لدى عامة الناس. فرجال القانون يختلفون في
مفهوم الذنب؛ لأنهم يستخدمون ببساطة في شأنه مفهومًا من طبيعة غير قانونية، يختلف فيه الناس.
فالقانوني يعتبر أنّ معاقبة شخص من دون ذنب اقترفه مخالفة لمبدأ القانون، لكنه يتجنب طرح الأسئلة التي من شأنها أن تضع المبدأ ذاته محلّ شك. فهل يمكن مثلًا أن نعتبر إنسانًا مذنبًا، في حال ارتكابه
إثمًا بسبب ظروف لم يكن في إمكانه توقّع حصولها؟ الجواب عن سؤال مثل هذا يقتضي، في نظر
لا بنذلل يقلخالاأ ىنعملل لايًاالحت، نيكروود بسحف اينقت اينوناق لايًاالحت. لذلك، يعتبر أنّ سعي
الوضعية القانونية لعزل مجال القانون عن المجالات المجاورة له والمتداخلة معه مثل مجال الأخلاق والسياسة وثقافة المجتمع والمواقف والتصورات التي تحملها وتؤثر في صناعة الأحكام القضائية وفي بناء الحجج في المداولات والمرافعات العامة، مجافيًا للواقع؛ إذ لا يمكن أن تكون لغة القانون مجرّدة
وتتوخى الموضوعية على شاكلة لغة علوم الطبيعة.
ثالثًا: ردبروخ والجدل حول جواز اتصاف القوانين النازية بالقانون
أكّد فولر، في معرض ردّه على أطروحة الفصل بين الأخلاق والقانون التي دافع عنها هارت، عدم صحة القوانين التي صدرت في فترة الحكم النازي؛ لإخلالها بالأخلاق الضمنية للقانون. ويشهد بذلك وجود قوانين سرّية، كتلك التي تجيز استهداف أشخاص بسبب لونهم أو عرقهم أو دينهم، أو تلك التي
تفرض على الأولياء إبلاغ السلطات عن أطفالهم الذين يعانون إعاقة، حتى تتكفل بالتخلص منهم في
((5(ينظر مقدمة المترجم لكتاب: دووركين، ص.20–18 ((6(المرجع نفسه، ص.47–46 (6((ينظر: نوفل الحاج لطيف، "مراجعة كتاب: أخذ الحقوق على محمل الجدّ"، مراجعات، المركز العربي للأبحاث ودراسة
السياسات، 2016/1/13، شوهد في 2024/12/6، في: https://acr.ps/1L9zR6S
(62) Lon Fuller, "Positivism and Fidelity to Law: A Reply to Professor Hart," Harvard Law Review , vol. 71, no. 4 (1958), pp. 630–672.
إطار برنامج الحزب النازي لتحسين نسل العرق الآري، أو تعلّق الأمر باستغلال التباس في القانون حول إذا ما كان يخصّ المجال العام أو الخاص، مثل ذلك الذي يمنع انتقاد المؤسسة العسكرية وقائد
القوات المسلحة، والذي بمقتضاه حُكِم على أناس بالإعدام بسبب وشاية أحد أقاربهم بهم، أو تعلّق بمسارات تطبيق القانون مثل حادثة "تطهير روهم" Röhm Purge، حيث جرت تصفية جسدية لأعضاء في الحزب النازي خارج إطار القانون، ثم أصدر هتلر بعد ذلك قانونًا يصدّق على العملية وأصدرت المحكمة العليا قرارًا لاحقًا يقضي بشرعيتها باعتبارها تطبيقًا لقانون أصدره الفوهرر بأثر رجعي. وقد أيّد فولر موقف فقيه القانون الألماني ردبروخ وفقهاء القانون والقضاة الألمان بعد سقوط النازية في رفض شرعية القوانين النازية ومساندة محاكمة المذنبين فترة الحكم النازي، في حين رفض هارت موقف ردبروخ والقضاة الألمان في القول ببطلان القوانين النازية معتبرًا أنها كانت صحيحة بصرف
النظر عن موقفه الأخلاقي حيالها، ومعتبرًا رأي فولر وفقهاء القانون الألمان رأيًا أخلاقيًا مجرّدًا من صفة
القانون. إثر عام 1945، بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، واجهت المحاكم الألمانية مشكلة إعادة بناء أركان حكم القانون وإنصاف ضحايا المظالم التي ارتُكبت في فترة الحكم النازي. ومن وجهة النظر الفقهية، أعادت هذه المواجهة مع الماضي طرح المشكل المتعلق بالصلة بين القانون والأخلاق. فهل يتعين أن نعتبر قانونًا كل القواعد القانونية التي كانت صحيحة شكليًا وفق مفردات النظام القانوني
النازي، بصرف النظر عن بطلانها الأخلاقي؟ أم أنه ينبغي رفض إضفاء صفة القانون عليها والقول إنها كانت "شريرة إلى حدّ لم تَعُد فيه قوانين"؟ وفي التعامل مع هذه المسائل، اعتمدت المحاكم في
((6(حول وضع مؤسسات القانون والقضاء أثناء الحكم النازي، ينظر:
Ingo Muller, "The German Legal System From 1933 to 1945," in: Ingo Muller, Hitler Justice: The Court of the Third Reich , D. L. Schneider (trans.) (Cambridge, Mass: Harvard University Press, 1992) pp. 27–35;
ينظر:
"Une violence congénitale," in: Philippe Burrin, Fascisme, nazisme, autoritarisme (Paris: Seuil, 2000), chap. 8;
حول حادثة روهم واستخدام النظام النازي لقوانين ذات أثر رجعي ينظر:
Fuller, "Positivism and Fidelity to Law: A Reply to Professor Hart," p. 650.
يتعلق الأمر هنا بتصفية كتيبة SA، وهي منظمة شبه عسكرية تابعة للحزب النازي يقودها ضابط سابق في الجيش الألماني انضم إلى الحزب النازي يُدعى أرنست روهم Ernest Röhm (1934–1887)، ساهمت بدور فاعل إلى جانب كتيبة أخرى هي ال S.S يقودها
هنريك هيملر Heinrich Himmler (1900–1845) في صعود الحزب النازي الألماني إلى الحكم عام 1933. وقد قرر هتلر صيف عام 1934 التخلص من كتيبة SA ومن قائدها لعصيانه أوامره وتطلعه إلى دور قيادي في الحزب، ينظر:
Joseph Peter Stern, Hitler, le Fuhrer et le people (Paris: Flammarion, 1995), pp. 205–214.
((6(يكتسي هذا الجدل أهمية خاصة في مجال فلسفة العدالة الانتقالية باعتباره يتعلق بمدى شرعية القوانين الدولية المحدثة لمحكمتَي نورنمبارغ وطوكيو إثر الحرب العالمية لمحاكمة قادة الجيش والمسؤولين الكبار على الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها
الدولتان الألمانية واليابانية في أثناء الحرب. حول أهمية النقاش بين هارت وفولر بالنسبة إلى النظرية المعيارية في العدالة الانتقالية، ينظر:
Ruti Teitel, Transitional Justice (Oxford: Oxford University Press, 2000), pp. 12–14; Martin Krygier, "The Hart–Fuller Debate, Transitional Societies and the Rule of Law," in: Peter Cane (ed.), The Hart–Fuller Debate in the Twenty–First Century (Oxford: Hart Publishing Ltd, 2010), pp. 107–134.
ألمانيا الغربية، بعيد الحرب، على مبادئ العدالة الجوهرية مثلما صاغها ردبروخ. ففي عام 1952، مثلًا، صدر قرار من محكمة العدل الفدرالية الألمانية يتعلق بانخراط مسؤولين في الدولة في عمليات تهجير لليهود الألمان يستند في تأكيد صفتها الجُرمية إلى رأي ردبروخ الذي اعتبر أنّ القانون يفقد صفته تشريعًا قانونيًا حينما يبلغ تناقضه مع العدالة "حًّدًا لا يُحتمل". ومفاد استدلال المحكمة يتمثل
فيما يلي: لا يمكن قوانين، يُفترض منها أن تعمل على تحقيق العدالة، أن تتنكر للمساواة على نحو مقصود وتدوس أبسط الضوابط الإنسانية التي تشترك فيها جميع الشعوب المتحضّرة، وأن تدّعي في الوقت نفسه صفة القانون. لذلك، انتهت المحكمة إلى اعتبار كل الأفعال التي ارتُكبت على أساس هذه القوانين باطلة وإلى نزع الشرعية عن كل التدابير التي اعتدت، على نحو فاضح وصارخ، على المقوّمات الأساسية للعدل والكرامة الإنسانية. وعلى خلاف ما تبنّاه ردبروخ في كتاباته السابقة لصعود النازية من مواقف تندرج ضمن الرؤية التقليدية للوضعية القانونية، دافع في مقالته لعام 1946 عن ضرورة منح الأولوية لقيمة العدالة؛ إذ إنه ينبغي في نظره أن يحقق القانون أغراضًا ثلاثة بها يكون قوامه: وهي اليقين Certainty والغائية Purposiveness والعدالة Justice. ففي كتاباته الأولى؛ أي قبل 1945 وتحديدًا في فترة جمهورية فايمر (1933–1919) التي كان فيها ردبروخ، فاضلًا عن صفته فقيه قانون، ناشطًا سياسيًا يساريًا
في صفوف حزب الديمقراطية الاشتراكية ووزيرًا للعدل، بدا مغِّلِبًا لمقتضى اليقين الذي يوفّره
القانون على مطلب عدالته لاستحالة الجواب القاطع في شأن ما هو عدل، ولضرورة تفضيل مقتضى القانونية على مقتضى الحقيقة؛ لأن الامتثال التام للقانون يحقق مطلب اليقين، ومن ثمّ، يوفّر الأمان القانوني. فبإنفاذ القانون الوضعي، مهما كان مضمونه، يضمن القضاة حماية الأمن والنظام العام باعتبارهما المهمة الأولى للقانون. أما في كتاباته بعد الحرب العالمية الثانية فبات يرى ضرورة تغليب قيمة العدالة على قيمتَي اليقين والغائية، في بعض الظروف. والصيغة الجديدة التي أصبح ردبروخ يتبناها هي التالية: يكون الأحسن تفضيل القانون المُسنّ جيّدًا والمسنود من سلطة الدولة، حتى لو لم يكن عادلًا ولا يفلح في خدمة
((6(من تلخيص لقرار المحكمة، ينظر:
Frank Haldeman, "Gustav Radbruch vs. Hans Kelsen: A Debate on Nazi Law," Ratio Juris , vol. 18, no. 2 (June 2005), pp. 162–170, 178. (66) Gustav Radbruch, "Statutory Lawlessness and Supra–Statutory Law," Bonnie Paulson & Stanley Paulson (trans.), Oxford Journal of Legal Studies , vol. 26, no. 1 (Spring 2006), pp. 1–11.
((6(للاطلاع على سيرة الفقيه ردبروخ، ينظر:
Le Bouëdec Nathalie, Gustav Radbruch: Juriste de gauche sous la République de Weimar (Québec: l`Université Laval,
((6(يقتبس في هذا ردبروخ قول الشاعر الألماني يوهان غوته Johann Goethe (1832–1749): "من الأحسن أن تشكو الظلم من أن يكون العالم دون قانون"، ينظر: Haldelmanm, pp. 78–162, 164.
(69) Edwin Patterson (ed.), The Legal Philosophy of Lask, Rudburch (Cambridge, Mass: Harvard University Press, 1950), pp. 107–111.
مصلحة الشعب، إن لم يبلغ تضاربه مع العدالة حًّدًا يصبح فيه "قانونًا زائفًا". ولئن أقرّ باستحالة الفصل
الحادّ بين التشريعات الظالمة وتلك التي تكون صحيحة رغم ما يعتورها من مثالب، فإنه يقول بإمكانية الفصل بقدر من الوضوح بين حالتين؛ الأولى، ينعدم فيها السعي لإقامة العدالة وتكون المساواة، التي هي جوهرها من حيث إنها الأساس لمبدأ معاملة الحالات المثيلة بالمثل وتساوي الناس أمام القانون، منتهكة عن قصد عند سنّ القانون. وفي حالة مثل هذه لا يكون القانون معيبًا Flawed فحسب، بل
فاقدًا تمامًا لمقوّمات القانون. والثانية حالة تكون فيها القوانين، رغم ما يشوبها من عيوب، صحيحة
عمومًا، ولا تتنكر تمامًا للعدالة والمساواة. وفي حالة مثل هذه تظل القوانين رغم نقائصها منظومة
ومؤسسة تستمد معنى وجودها من خدمة مقتضى العدل. بناءً على ذلك، حين تبلغ القوانين الوضعية حًّدًا من الظلم يصبح فيه التناقض بينها وبين العدالة
لا يُحتمل تفقد صفة القانون. وبهذا، يكون ردبروخ متوافقًا مع أطروحة فولر حول الأخلاق الضمنية
للقانون ورافضًا للتصوّر المثالي الشكلاني والمجرّد من كل التزام قيمي أخلاقي، الذي اعتنقه مؤسّسو
فلسفة الوضعية القانونية، وخصوصًا كلسن، في الفترة التي سبقت صعود النازية في ألمانيا، بل إنه حمّل في نص أصدره عام 1946 الوضعية القانونية مسؤولية توفير المناخ الفكري المناسب لوضع
السلطات النازية يدها على القضاء وفرض الانقياد الكامل للقضاة الألمان لرغباتها، إذ إنه يقول: "إن القانون صحيح لأنه قانون، وهو قانون إذا كانت له القدرة على فرض نفسه في عموم الحالات. إن هذه النظرة إلى طبيعة القانون وصلاحيته (نسمّيها النظرية الوضعية) جعلت الفقيه والشعب عاجزين عن
الدفاع عن أنفسهم ضدّ القوانين، مهما كانت تعسفية أو قاسية أو إجرامية. وفي النهاية، تعادل النظرية الوضعية القانون بالقوة، فلا يوجد قانون إلا حيث توجد قوة". وقد كان رأي ردبروخ الداعي إلى معالجة ماضي الحقبة النازية باعتماد تشريعات جديدة تكون ذات أثر رجعي وتفعيل القضاء مناطَ الجدل الذي دار عام 1958 بين هربرت هارت وفولر. وكان منطلقه رواية حالة قضائية حصلت في ألمانيا بعد الحرب أصدرت في شأنها محكمة استئناف ألمانية حكمًا.
وتتلخص القضية، التي عُرفت في الجدل القضائي والقانوني اللاحق بقضية المُخبرة الحانقة، في أن
امرأة رغبت في فترة الحكم النازي في التخلص من زوجها، الذي سُرّح من الخدمة العسكرية في
أثناء الحرب وعاد إلى بيته، فوشت به للسلطات النازية زاعمة أنه أسرّ لها بأقوال مهينة للفوهرر هتلر.
وحُكم عليه إثر ذلك بالإعدام، لكنّ السلطات اختارت عدم تنفيذ الحكم وإرساله من جديد إلى إحدى
جبهات القتال. وقد قضت محكمة الاستئناف الألمانية بعد نهاية الحرب بإدانة تلك السيدة وسجنها. وكان مدار النقاش بين فولر وهارت هو مسألة العلاقة بين صحة القوانين وبطلانها الأخلاقي في ظل منظومة قانونية جائرة. وفي نظر هارت، يكمن عيب رأي ردبروخ، القائل إن بعض القوانين تفتقد صفة
. Radbruch, "Statutory Lawlessness and Supra–Statutory Law." (7(ينظر:((71) Gustav Radbruch, "Five Munities of Legal Philosophy," in: Joel Feinberg & Hayman Gros (eds.), Philosophy of Law , 4 th ed. (California: Wadsworth Publishing Company, 1991), p. 103. (72) David Dyzenhauss, "The Grudge Informer Case Revisited," New York Law Review , vol. 83, no. 4 (2008), pp. 1000–1034.
القانون بسبب فسادها الأخلاقي، في أنه يطمس المشكلة. فالحل الذي قدّمه ردبروخ يخفي عنا، في رأي هارت، حقيقة مفادها أنّ إدانة المجرمين النازيين تطرح على فقه القانون معضلة أخلاقية؛ إذ إنها تضعه أمام اختيار بين أمرين كلاهما شرّ، وهما شرّ المعاقبة من خلال قوانين ذات أثر رجعي، وشرّ ترك
الشخص، الذي ارتكب عملًا مدانًا أخلاقيًا، من دون عقاب. وفي نظر هارت، يسمح التصور الواسع
للقانون، الذي لا يقصي القوانين الباطلة أخلاقًا من مجال القانون، بتمييز القوانين غير الصحيحة من الباطلة أخلاقيًا، وله أيضًا فضل الصراحة؛ إذ إنه يعلن من دون مواربة أنّ علينا الاختيار، في ظروف
قصوى، بين شرّ وما هو أشد شًّرًا منه. ويرى أن المقاربة الوضعية للقانون تحفّز الجدل والنقد الأخلاقي، فالجواب السليم لوجود قوانين فاسدة وجائرة يكون في الاعتراف بأنّ "القوانين هي قوانين رغم أنها بالغة الشريّة حتى تُطاع". هذا
التمييز بين صحة القوانين من جهة وطاعتها من جهة أخرى هو ما لا يوافقه فولر، الذي يسجّل تحفّظه
حياله على النحو التالي: "يبدو أنّ المسلّمة الأساسية للوضعية، التي تقول إن القانون ينبغي أن يُفصل
على نحو قاطع عن الأخلاق، تنفي إمكان أيّ جسر بين واجب طاعة القوانين وأي واجبات أخلاقية
أخرى. فلا يستطيع أي مبدأ وسيط تقدير ما يطلبه كل منها من الضمير؛ لأنها توجد في عوالم منفصلة تمامًا عن بعضها"؛ لذلك اعتبر أن صياغة هارت لمعضلة الاختيار في فترة بعد النازية بين واجب
طاعة القانون وواجب التدبير الأخلاقي للأفعال خالية من المعنى لأن هناك ارتباطًا، في الواقع، بين نظام القانون ونظام الخير، أي الأخلاق. فالقوانين تتضمن تصورًا وفهمًا ما للتطلعات الأخلاقية المتأصّلة في
صميم القانون، والتي اعتبرها متطلبات الأخلاق الضمنية للقانون. وبناءً على هذه الوجهة المناهضة
لأطروحة الفصل بين القانون والأخلاق، اقترب فولر من مقاربة ردبروخ لكيفية إقامة العدالة في ألمانيا بعد الحرب عبر إعادة تأهيل النظرية الكلاسيكية في القانون الطبيعي في حدّها الأدنى في صيغة أخلاق ضمنيّة للقانون، ومن ثمّ، انحاز إلى الموقف الداعي إلى تجريد القوانين النازية الجائرة من صفتها
القانونية؛ إذ إنه كتب: "بالنسبة إليّ لا أجد شيئًا صادمًا في القول إن دكتاتورية تزيّن نفسها ببهرج قانوني
قد تبتعد كثيرًا عن نظام الأخلاق، وعن الأخلاق الضمنية للقانون نفسه، إلى الحد الذي يجعلها تتوقف
عن كونها نظامًا قانونيًا".
(73) Herbert Hart, "Positivism and the Separation of Law and Morals," Harvard Law Review , vol. 71, no. 4 (1958), pp. 593–629. (74) Herbert Hart, The Concept of Law , 2 nd ed. (New York: Oxford University Press, 1994), p. 212. (75) Hart, "Positivism and the Separation of Law and Morals," p. 620.
هذا الرأي لهارت يفصل بين صحة القانون وواجب طاعته، فأن يكون القانون صحيحًا لا يعني أن طاعته واجبة، وهو موقف يبدو غير
منسجم مع الرأي الذي دافع عنه بعد ذلك في كتابه مفهوم القانونالصادر في طبعته الأولى عام 1961، حيث اعترض على ربط أوستن طاعة القانون بالقوة وجعل الطاعة متأتية من صحة القانون ذاته. للاطلاع على نقاش مهم لهذه النقطة في فكر هارت، ينظر:
Thomas Mertens, "Radbruch and Hart on the Grudge Informer: A Reconsideration," Ratio Juris , vol. 15, no. 2 (2002), pp. 186–205. (76) Fuller, "Positivism and the Separation of Law and Morals," p. 656. (77) Ibid., p. 645. (78) Ibid., p. 660.
ينبغي الإشارة، أيضًا، فيما يتعلق بضرورة معاقبة المذنبين النازيين، إلى أن هارت وفولر يتفقان على ضرورة اعتماد تشريعات ذات أثر رجعي (مع فارق أن هارت يعتبر ذلك شًّرًا لا بدّ منه)، غير
أنهما يختلفان حول السؤال المتعلق بموقف المحاكم الألمانية إنْ لم تبادر السلطات التشريعية إلى إصدار قوانين، فحيال حالات ما عُرف بالمُخبر الحانق، مثل تلك التي ذكرناها، يبدو أنّ هارت يميل إلى الرأي القائل إنه في العموم سيكون من الأسوأ إدانة المُخبر الحانق من دون قوانين ذات أثر رجعي من جعله يبقى من دون عقاب. في حين أن موقف فولر متسق مع فلسفته في القانون؛ إذ إنه اعتبر القوانين النازية باطلة وعلى المحاكم أن تنظر في الحالات التي تمثل أمامها على أساس أن إدانة المحاكم السابقة لهؤلاء المتهمين لا أساس لها من الصحة. فقد رفض تأويل القوانين النازية وفق مبادئ التأويل القانوني النازي الشائعة حينئذ بين القضاة، واعتبر أن اعتماد تقنيات التأويل نفسها اليوم مخلّ أخلاقيًا. ويكمن الخلاف الأساسي بين وجهتَي نظر هارت وفولر في مرجعية تصوّر كل
منهما للقانون، فهارت يفكر من خلال أطروحة الفصل التي تعرّف صحة القانون استنادًا إلى مقاييس
شكلية خالصة ومنفصلة تمامًا عن مضمونه؛ ما يجعل القوانين النازية صحيحة لأنها مطابقة للقواعد الثانوية السارية في ذلك الوقت، وتحكم عمل المسؤولين في الدولة وطريقة سنّهم القوانين وتطبيقها ونسخها. أما فولر، فاتساقًا مع فلسفته في القانون التي بلورها لاحقًا في كتابه أخلاقية القانون، عارض ذلك وجرّد القوانين النازية من صفة القانونية، وهو ما يجعله يساند مسار نزع النازية Denazification
من القوانين والمؤسسات، وإنصاف ضحايا الحكم النازي الذي انخرطت فيه مؤسّسات القانون في ألمانيا الغربية بعد الحرب.
رابعًا: الوضعية القانونية ومراد القطع مع القانون الطبيعي
نعود، في هذا القسم الأخير من الدراسة، إلى الأطروحة التي قدّمناها في البداية، التي تقترح معالجة لعلاقة الأخلاق بالقانون تتوخى طريقًا وسطًا بين نظرية القانون الطبيعي والنظرية الوضعية، حتى لا يجرد القانون من ضمنيات أخلاقية ضرورية للوصل بينه وبين القيم المتواضَع عليها مجتمعيًا، ولا يتحوّل
إلى مجرد معالجة تقنية شكلية للقضايا المتنازع فيها. وتعترف هذه الأطروحة أيضًا بوجاهة المقاربة الوضعية القانونية في المسائل التي هي موضوع خلاف مجتمعي، ولا يمكن الفصل فيها باستدعاء القانون الطبيعي، ومن ثمّ، تقتضي قرارًا سياسيًا تتخذه سلطة تشريعية ذات تمثيلية ديمقراطية، إثر حوار
مجتمعي ومداولات عامة. لذلك، نروم هنا الدفاع عن أفكار ثلاث؛ تتمثل الأولى في الرأي الذي يعتبر أن نظرية وضعية في القانون لا يمكنها اجتناب القيام بتنازلات لمصلحة القانون الطبيعي، ولا تستطيع تجسيد نزوعها نحو الكونية والكلّية إلا إذا حصرت هذه التنازلات في الحد الأدنى من دون أن تخفيها حتى يمكن أن تكون موضوع نقد وجدال. وليس بالخفيّ وجود مثل هذه التنازلات لدى فلاسفة
الوضعية القانونية المعروفين. فهارت يسميها أحيانًا حقائق أولية أو نوافل، وأحيانًا أخرى، الخصائص البيّنة للكائنات الإنسانية أو المضمون الأدنى للقانون الطبيعي. من بين هذه النوافل نجد العطوبية
(79) Fuller, "Positivism and the Separation of Law and Morals," p. 655.
ومحدودية الموارد الإنسانية والإيثار المحدود والحق الطبيعي في الحرية. ونجد هذه التنازلات للقانون الطبيعي لدى كلسن في أثناء عرضه للنظرية الخالصة في القانون، حين يقرّ بمحدودية القانون
الوضعي في توجيه السلوك الإنساني، ويكتب مثلًا أن قدرة القانون الوضعي على تنظيم السلوك البشري محدودة تقنيًا؛ ما يعني أن التسليم بفكرة الطبيعة البشرية كافتراض للقانون تكون مبرّرة هنا،
أو عندما يقول إن "أفعال القسر التي تقوم بدور العقاب تشعر بها الفواعل القانونية السلبية بمنزلة الشرور". أما فولر فقد كان واضحًا، واعتبر أن رفض المزاعم الكونية للقاعدة القانونية يجرّدها من
المضامين الأخلاقية ويفقد القانون مقوّماته الأساسية. لذلك، يستغرب أن تصبح معاداة الكونية سمة
مميزة لعصره حين يكتب: "'أن تُرفض قاعدة' لا يمكن أن يكون أحد حَكمًا في قضية هو خصم فيها
nemo iudex in sua causa لأنها متأتية من القانون الطبيعي، يخبرنا الكثير عن عصرنا الذي باتت فيه كل إحالة إلى طبيعة الإنسان أو إلى طبيعة الأشياء تُعتبر مجرّد قناع تتخفى وراءه تفضيلات ذاتية".
ونعتقد أن الفلسفة الوضعية بصفة عامة، لا الوضعية القانونية فقط، قد فقدت الألق والتأثير اللذين كانا لها في العصر الذي كتب فيه إريك فوجلان شهادته، وكذلك فولر الذي كتب ملاحظته حول مدى سطوة الوضعية وتأثيرها الفكري في زمنه. وعلى خلاف ما ذهبت إليه الوضعية القانونية وفلسفات الظنّ والاشتباه بالميتافيزيقا، فيما بعد، من رفض لأفكار القانون الطبيعي والحق الطبيعي بسبب ما بدا لهم أن خلفيات فلسفية مشبوهة تتضمنها، نعتقد أن هذه الأفكار كانت مهمة، ولا تزال، في تيسير التحولات السياسية الكبرى التي عرفها العصر الحديث، وفي إعادة صياغة معالم العقد الاجتماعي وبناء منظومة القانون العقلاني والدفاع عن كونية حقوق الإنسان. أما الفكرة الثانية، فتنتصر للوضعية القانونية إلى حٍّدٍ ما، فيُحسب لها أنها جلبت الانتباه إلى قصور
القانون الطبيعي في المسائل الخلافية التي تنقسم آراء المجتمع فيها ويصبح كل طرف يبني استدلالاته على قناعات أساسية لا يشاطره الآخرون إياها، بالضرورة. عند ذلك، تبرز أهمية التشريع والقرار السياسي الذي ينبغي له أن يُتخذ، في نظر الفيلسوف الوضعي القانوني المعاصر جيريمي والدرون Jeremy Waldron، على أساس الديمقراطية وضمن مؤسسات تمثيلية إثر حوار مجتمعي ومداولات عامّة. ويسوق والدرون مثال الوصيّة التي تنقسم في شأنها آراء أعضاء جماعة ما. هل يحق للمُورّث
إقصاء أحد أبنائه، الذي لا يزال على قيد الحياة، من التمتّع بأملاكه بعد مماته؟ الذين ينتصرون إلى حرية المُورّث وحقه في التوصية وتقرير مصير أملاكه بعد موته يجيبون بأن له الحق؛ إذ إن الأمر يتعلق
بملكيته التي ينبغي أن تُنقل وفق مشيئته، في حين يعترض آخرون على ذاك الرأي مؤكدين أنه بعد وفاة المُورّث يصبح احترام تفضيله أقل أهمية من ضمان حياة جيدة لذريّته. ويرى والدرون أن هذا الضرب
من المسائل سياسي بامتياز، ليس لأن المواطنين يختلفون فيه فحسب، بل لأن المختلفين في مزايا
(80) Herbert Hart, The Concept of Law (New York: Oxford University Press, 1961), pp. 188–189, 195. (81) Hans Kelsen, Théorie pure du droit , Charles Eisenmann (trad.), 2 nd ed. (Paris: Dalloz, 1962), p. 59.
ورد ذكره لدى:
Drieu Godefridi, "État de droit, liberté et démocratie," Politique et Sociétés , vol. 23, no. 1 (2004), p. 144. (82) Fuller, The Morality of Law , p. 101.
الوصيّة يؤمنون بأن الجماعة في حاجة إلى أن تصل إلى حلّ لهذه القضية الخلافية. فهذا الضرب من
القضايا ليس من قبيل ذاك الذي يمكن أن نتفق على أنه لا ضرر في الاختلاف فيه مثلما حين يتعلق الأمر بآراء ووجهات نظر متعددة بشأن أي مسألة عامة. إنّ الأمر يتعلق هنا بقرار ينبغي للجماعة أن تتخذه، يكون موقفها الرسمي حول حقوق أصحاب الملكية وما يقدرون على فعله بها وما لا يقدرون. وباعتبار أن الموضوع حول الموقف الرسمي والنهائي خلافي، نحتاج، في نظر والدرون، إلى عملية سياسية لتحديده. وحين نصل، في الختام، إلى قرار سياسي في شكل تشريع قانوني ينبغي له حينئذ أن يُعتبر قانون الجماعة بأسرها الذي اتفقت حوله. وتتعلق الفكرة الثالثة بالنقاش المحتدم اليوم بين أنصار الدستورانية، الآخذين من القانون الطبيعي، والذين يدافعون عن علوية الدستور على بقية التشريعات ويجعلونه فوق إرادة الشعب التي تعبّر عن
نفسها من خلال ممثليها المنتخبين في السلطة التشريعية، ويوكلون أمر حمايته إلى هيئات قضائية مثل المحاكم الدستورية وليس إلى المجالس التشريعية، وأنصار مبدأ الأغلبية الذين يعترضون على سعي الدستورانية، في رأيهم، إلى سلب الديمقراطية روحها وتهميش السلطة التشريعية، وجعل أمر إقرار القوانين أو إسقاطها متوقفًا على إرادة هيئة من القضاة ليست لهم شرعية انتخابية. وجسّد هذا
الخلاف بين النزعتين، على نحو خاص، الخلاف بين جون رولز نصير الدستورانية الأميركية وعالم السياسة الأميركي المعروف روبرت دال. وهو يعكس في جانب ما الخلاف القديم بين أنصار القانون الطبيعي، أو صيغة محدثة منه؛ أي الدستورانيين، وأنصار القانون الوضعي الذين ينتصرون عمومًا للسلطة التشريعية وحقها في حسم الخلافات سياسيًا.
خاتمة
سعت هذه الدراسة إلى أن تبيّن أن الفلسفة الوضعية القانونية التي مثّلت، ولا تزال، الاتجاه الغالب في
فقه القانون المنتشر بين القانونيين إلى حدّ غدت فيه مثيلة لما وسمه الفيلسوف الفرنسي جان توسان ديسانتي Jean–Toussaint Desanti (2002–1914) بالفلسفة الصامتة للعلماء أو فيلسوف فرنسي آخر، لويس ألتوسر Louis Althusser (1990–1918)، بالفلسفة العفوية للعلماء، وعملت على إقصاء الاعتبارات الأخلاقية والسياسية من مجال دراسة القانون متأسّية بمبدأ الحياد الأكسيولوجي الذي
جعله ماكس فيبر شرط موضوعية المعرفة العلمية. وقد عرضنا في القسم الأول من الدراسة الأسباب والحجج التي قدّمتهما النظريتان الكبيرتان الوضعيتان لدعم أطروحة الفصل بين الأخلاق والقانون، وللدفاع عن استقلال القانون والعقلانية المعيارية التي تميزه من غيره من الظواهر والمؤسسات الاجتماعية الموجهة للسلوك الفردي. وفي القسمين الثاني والثالث، عملنا على إبراز الصعوبات التي واجهتها الفلسفة الوضعية في تخليص القانون على المستويَين التشريعي والقضائي من تدخّل
(83) Waldron, The Dignity of Legislation , pp. 36–37.
((8(حول رولز، ينظر الفقرة 44 في: "الديمقراطية الدستورية مقابل الديمقراطية الإجرائية"، في: جون رولز، العدالة كإنصاف، إعادة
صياغة، ترجمة حيدر الحاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص 314–309؛ بالنسبة إلى دال، ينظر:
Robert Dahl, How Democratic Is the American Constitution? (New Haven, CT/ London: Yale University Press, 2001).
الأحكام القيمية أو تسربها، ومن ثم، الافتراضات الأخلاقية المضمرة أو المعلنة في صياغة النصوص القانونية. ولئن اختلف الفيلسوفان الناقدان للوضعية فولر ودووركين وردبروخ حول طبيعة الحضور للقيم والافتراضات الأخلاقية في مجال القانون وحول درجات الفصل والوصل بين القانون والأخلاق المتواضع عليها اجتماعيًا، فإنهما اتفقا على أن صيغة ما من الوصل بينهما ضرورية؛ إما لأجل صحّة
القوانين والأحكام القضائية، بالنسبة إلى فولر، وإما لحماية الحقوق والتصدّي للاستبداد وتحقيق العدالة بمعناها الأخلاقي الواسع وليس القانوني فحسب، بالنسبة إلى دووركين. أما فقيه القانون ردبروخ الذي خصصنا له القسم الثالث من الدراسة فقد تأثّر نقده للوضعية القانونية، التي كان قريبًا منها في المرحلة الأولى من حياته الأكاديمية والسياسية، بما حصل، في ألمانيا في فترة
حكم النازية، من توظيف للقضاء وللقانون وتنكيل للشعب وقمعه وإخضاعه لإرادة السلطة السياسية، في ظل سيادة تصور وضعي للقانون بين القضاة والفقهاء يقصي منه الاعتبارات الأخلاقية. لذلك، عمل ردبروخ والقضاة وفقهاء القانون الألمان بعد الحرب على إعادة تأهيل نظرية القانون الطبيعي وترسيخ الالتزامات الأخلاقية للقانون في عمل الأجهزة التشريعية والقضائية. وفي الجزء الأخير، حاولنا أن نبيّن
وجاهة أطروحتنا في توخّي سبيل ثالثة بين الوضعية القانونية والموقف الداعي لاعتماد صيغة قوية من حضور الأخلاق في القانون ترتكز على فكرة القانون الطبيعي. وذلك لاعتبارات ثلاثة: الأول، يتمثل في أن الوضعيين أنفسهم (كلسن وهارت) يقرّون بحاجة القانون الوضعي إلى صيغة من الحدّ الأدنى
للقانون الطبيعي حتى يكون فاعلًا. والثاني، أن بعض القضايا الخلافية جدًا تقتضي معالجة سياسية وقرارات تشريعية؛ لأن الناس يختلفون أحيانًا فيما هو أخلاقي أو لاأخلاقي. وثالثًا، الجدال حول مدى علوية الدستور على التشريعات التي تصدر عن سلطة تشريعية منتخبة وممثلة للإرادة الشعبية الذي يعيد اليوم إلى الواجهة الجدل بين الوضعية القانونية ونظرية القانون الطبيعي.
References
المراجع
العربية
أبو العلا، محمد عبده. "جدل القانون والأخلاق في النظرية القانونية الأنجلو–أمريكية: هارت ودووركين نموذجا". عالم الفكر. العدد 170 (تشرين الأول/ أكتوبر–كانون الأول/ ديسمبر.)2016 حمودة، محمد. فلسفة القانون. ط 2. تونس: مجمع الأطرش للكتاب المختص،.2024 دووركين، رونالد. أخذ الحقوق على محمل الجدّ. ترجمة وتقديم منير الكشو. تونس: المركز الوطني للترجمة،.2015 رولز، جون. نظرية في العدالة. ترجمة ليلى الطويل. دمشق: منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب،
________. العدالة كإنصاف: إعادة صياغة. ترجمة حيدر الحاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2009
فيبر، ماكس. العلم والسياسة بوصفهما حرفة. ترجمة جورج كتورة. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،
________. مفاهيم أساسية في علم الاجتماع. ترجمة صلاح هلال. القاهرة: المركز القومي للترجمة،
الكشو، منير. "من وجهة أخلاق الفعل إلى وجهة أخلاق الفاعل: جدل النتائجية والآدابية وأخلاق الفضيلة في الفلسفة الأخلاقية المعاصرة". تبيّن. مج 12، العدد 47 (شتاء.)2024 الكيكلي، عبد السلام. "نظرية المبادئ في مواجهة نظرية القواعد". مجلة ألباب. العدد 8 (شتاء.)2016 لطيف، نوفل الحاج. "مراجعة كتاب: أخذ الحقوق على محمل الجدّ". مراجعات. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2016/1/13:. في https://acr.ps/1L9zR6S
الأجنبية
Austin, John. The Province of Law Determined. Wilfrid E. Rumble (ed.). Cambridge: Cambridge University Press, 1995. Burrin, Philippe. Fascisme, nazisme, autoritarisme. Paris: Seuil, 2000. Cane, Peter (ed.). The Hart–Fuller Debate in the Twenty–First Century. Oxford: Hart Publishing Ltd, 2010. Chennoufi, Ridha. Droit et méthode chez Hans Kelsen. Tunis: Publications de la Faculté des Sciences Humaines et Sociales, 1995. Dahl, Robert. How Democratic Is the American Constitution? New Haven, CT/ London: Yale University Press, 2001. Dworkin, Ronald. "Philosophy, Morality, and Law, Observations Prompted by Professor Fuller’s Novel Claim." University of Pennsylvania Law Review. vol. 113, no. 5 (1965). Dyzenhauss, David. "The Grudge Informer Case Revisited." New York Law Review. vol. 83, no. 4 (2008). Edwards, Paul (ed.). Cambridge Encyclopedia of Philosophy. vol. 5. London: Collier– Macmillan Limited, 1967. Feinberg, Joel & Hayman Gros (eds.). Philosophy of Law. 4 th ed. California: Wadsworth Publishing Company, 1991. Fuller, Lon. "Positivism and Fidelity to Law: A Reply to Professor Hart." Harvard Law Review. vol. 71, no. 4 (1958). ________. The Morality of Law. New Haven, CT/ London: Yale University Press, 1964. Godefridi, Drieu. "État de droit, liberté et démocratie." Politique et Sociétés. vol. 23, no. 1 (2004). Golding, Martin P. & William A. Edmundson (eds.). The Blackwell Guide to the Philosophy of Law and Legal Theory. Chichester: Blackwell Publishing Ltd, 2005.
Haldeman, Frank. "Gustav Radbruch vs. Hans Kelsen: A Debate on Nazi Law." Ratio Juris. vol. 18, no. 2 (June 2005). Hart, Herbert. "Positivism and the Separation of Law and Morals." Harvard Law Review. vol. 71, no. 4 (1958). ________. "The Scandinavian Realism." The Cambridge Law Journal. vol. 17, no. 2
________. The Concept of Law. 2 nd ed. New York: Oxford University Press, 1994. ________. The Concept of Law. New York: Oxford University Press, 1961. Kant, Immanuel. The Metaphysics of Morals. Mary Gregor (trans. & ed.). Cambridge: Cambridge University Press, 1999. Kelsen, Hans. Pure Theory of Law. New Jersey: The Lawbook Exchange Ltd, 2005. ________. Théorie pure du droit. Charles Eisenmann (trad.). 2 nd ed. Paris: Dalloz, 1962. Mertens, Thomas. "Radbruch and Hart on the Grudge Informer: A Reconsideration." Ratio Juris. vol. 15, no. 2 (2002). Millard, Eric. "La hiérarchie des normes. Une critique sur un fondement empiriste." Revus. vol. 21, no. 1 (2013). Patterson, Edwin (ed.). The Legal Philosophy of Lask, Rudburch. Cambridge, Mass: Harvard University Press, 1950. Paulson, Stanley & Bonnie Paulson (eds.). Normativity and Norms, Critical Perspectives on Kelsian Themes. Oxford: Clarendon Press, 1998. Picavet, Emmanuel. Kelsen et Hart: La norme et la conduite. Paris: PUF, 2000. Radbruch, Gustav. "Statutory Lawlessness and Supra–Statutory Law." Bonnie Paulson & Stanley Paulson (trans.). Oxford Journal of Legal Studies. vol. 26, no. 1 (Spring
Stern, Joseph Peter. Hitler, le Fuhrer et le peuple. Paris: Flammarion, 1995. Teitel, Ruti. Transitional Justice. Oxford: Oxford University Press, 2000. "The Common Law and Civil Law Traditions." UC Berkeley School of Law. at: https://linksshortcut.com/ZXany Voegelin, Erich. "Kelsen’s Pure Theory of Law." Political Science Quarterly. vol. 42, no. 2 (1927). Waldron, Jeremy. "Kant’s Legal Positivism." Harvard Law Review. vol. 109, no. 7
________. The Dignity of Legislation. Cambridge: Cambridge University Press, 1999.