العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة كتاب: فلسفات التعدُُّدية الثقافية لبول ماي

مراجعة كتاب: فلسفات التعدُُّدية الثقافية لبول ماي

Book Review: Philosophies of Multiculturalism by Paul May

جلة سماعين *

Djella Smaine *

الملخّص

عنوان الكتاب: فلسـفات التعـدُّدية الثـــقافـية. المؤلف: بول ماي. عنوان الكتاب في لغته الأصلية: Philosophies du multiculturalisme. المترجم: الزواوي بغورة. الناشر: بيروت/ وهران: دار الروافد الثقافية؛ ابن النديم للنشر والتوزيع. سنة النشر: 2024. عدد الصفحات: 328.

Abstract

Researcher and translator, assistant professor at the faculty of law, university of algiers 1. hid2sm@hotmail.com

Professor of political science, department of political science, university of Quebec in Montreal. may.paul@uqam.ca

عنوان الكتاب: المؤلف:

بول ماي.

. Philosophies du multiculturalisme عنوان الكتاب في لغته الأصلية:

المترج م: الناشر: والتوزيع. سنة النشر: عدد الصفحات:

فلسفات التعُّدُدية الثقافية.

الزواوي بغورة. بيروت/ وهران: دار الروافد الثقافية؛ ابن النديم للنشر

يُعطينا كتاب بول ماي عن فلسفات

التعُّدُدية الثقافية، الذي نقله إلى العربية الزواوي بغورة المهتمّ بمسائل الهوية والاعتراف والتعددية والخطاب وفلسفة الذات، عرضًا مستفيضًا عن المقاربات والنظريات والمشاريع الفكرية المختلفة المتعلّقة بالتعددية الثقافية في السياق المعاصر، بالقدر الذي يُثرينا فيه

بمصطلحاتٍ كثيرة ترتبط بهذا الحقل المعرفي: كالمواطنة المتمايزة، والاستحقاق، والهوية الحوارية، والهيئات الوسيطية، والخير الجمعاتي، وحجاب الجهل، والتسويات التحويلية... وغيرها. وقد لقي هذا العمل اهتمامًا واسعًا في

الأوساط الثقافية الفرنسية، ولا سيما أنه صادر عن "مطبوعات العلوم السياسية " Presses de Science Po في فرنسا في سلسلة مراجع Références، وهي مطبوعات أكاديمية ذات جودة.

أولا: هل "الحياد الليبرالي" كافٍ لتكريس التعددية الثقافية؟

تُمثّل التعددية الثقافية تحولًا جوهريًا في فهم

المجتمعات المعاصرة؛ إذ لا تقتصر على كونها نظرية أخلاقية أو سياسية، بل إنها تبرزُ فكرةً متجددةً للتعايش في عالم يزداد تعقيدًا. وقد جاءت الفلسفات المعنية بالتعددية الثقافية استجابةً للتحديات التي تثيرها موجات الهجرة والعولمة وصعود الثقافات الفرعية والنزعة العرقية وتراجع السرديات الوطنية وبروز الهويات الفردية وتراجع العدالة التوزيعية وتفشّي اللامساواة والتهجين وعودة زخم الهويات الدينية وتزايد المطالبة بالحقوق الثقافية والخصوصية والاعتراف؛ ما بات يفرض إيجاد إطار سياسي وفكري يفهم التنوع الثقافي ويديره داخل الدولة

الوطنية. ومن ثَّمَة، تتجلى التعددية الثقافية مبدأً

يوازن بين الحفاظ على الهويّات المتميّزة وبناء

مجتمع متماسك يتجاوز مجرد الاعتراف بالتنوّع

ليؤسّس لنموذج تشاركي يحتفي بالاختلاف من

دون أن يقوّض الوحدة الوطنية، ويعترف بالهوية

الفردية من دون أن يتخطّى المصالح الجماعية، بالقدر الذي يُعاد فيه تعريف مفاهيم المواطنة

والانتماء بما يستوعب تعقيدات الهويّات

المتعددة والمتداخلة ويضمن حقوقها. إن التعددية الثقافية صيغةٌ تدعو لإعادة تصور العلاقة بين الذات والآخر، متجاوزةً الثنائيات التقليدية وتقسيمات الأغلبية والأقلية، وهي خطوةٌ ضرورية نحو بناء مجتمعات أكثر انفتاحًا، شريطةَ ألا تكون

سياسات الاعتراف الثقافي ذريعةً تحجب التفاوت في العدالة التوزيعية الاقتصادية، ولا تكون مجرد سياسات سطحية للتسويات المقبولة بين الهويّات

المتصارعة. فتعزيز التنوع الثقافي يتطَّلَب معالجةً جذرية للتفاوتات الهيكلية التي تقوّض كرامة

المجموعات المهَّمَشة وإرادة فعلية لتمكينها

وإنصافها ودمجها في المجتمع الأوسع. ومن أجل فهمٍ عميق للتعددية الثقافية من زاوية فلسفية، يتعرّض ماي في كتابه هذا بالتحليل

والمناقشة الجدلية لتلك الفلسفات التي اهتمت بسياسات الاعتراف بالحقوق الفردية، محاولًا رصد الإجابات عن سؤالين أساسين: كيف يستجيب الأفراد لسياسات الاختلاف وسياسات المؤسّسات؟ وكيف تستجيب المؤسسات

للحقوق والمطالب الثقافية للأفراد والجماعات وتدير اختلافاتهم؟ أو كما قال نانسي فريزر Nancy Fraser: كيف نمُّرُ من منطق متمحور

حول إعادة التوزيع إلى منطق الاعتراف؟ ستقود عمليات البحث عن هذه التوازنات بين الأفراد والجماعات والدولة إلى مناقشة مستفيضة،

محورها الليبرالية السياسية، حول ما يسمى "الحياد الليبرالي " Neutralité Libérale إزاء الثقافات والهويّات. فالحياد الليبرالي اعتُبر، فترة طويلة، ضمن العديد من السياسات والفلسفات أنه نموذج مثالي يحمي حقوق الفرد ويحفظ التعددية. يتتبّع ماي في مقدمة كتابه أصول هذه الفلسفة

الليبرالية في الفكر الغربي، من خلال دراسة أعمال ثلاثة فلاسفة أساسيين: جون بودان Jean Bodin (1596–1530)، وتوماس هوبز Thomas Hobbes (1588–1679)، وجون لوك John Locke (1704–1632)، ويناقش أفكارهم حول السلطة المدنية والسلطة الدينية، وحول الفرد والحرية والتسامح؛ بمعنى مناقشة التعددية الثقافية في سياق الحداثة ونظرية التعاقدية الاجتماعية. ويتابع ماي بعدها سرد فلسفات التقليد الليبرالي وصولًا إلى إيمانويل كانط Immanuel Kant (1724–1804)، وجون ستيوارت مِل John Stuart Mill (1806–1873)، ممهّدًا الطريق لعرض أفكار الفلاسفة "النيوكانطيين " Neo– Kantianism المعاصرين، على رأسهم جون رولز John Rawls (1921–2002)، ويورغن هابرماس Jürgen Habermas –).1229(يعطينا ماي تحليلًا عميقًا ومناقشة مستفيضة لفلسفة العدالة التي وضعها رولز في كتابه المرجعي الذائع الصيت في نظرية العدالة A Theory of Justice حيث تُقارَب العدالة في هذا الطرح باعتبارها الفضيلة الأولى في المجتمع، وهي مفتاح أساسي في تجاوز الصراعات الدينية السياسية، وفي تجسيد الدولة الحيادية الراعية التي تؤدي دور الوسيط في إدارة الاختلافات

وحلّ الصراعات. وفي جزءٍلاحق، يبرز لنا

المؤلف الاتجاهات النقدية التي رفضت فكرة رولز عن الليبرالية الحيادية، وعلى رأسها فلسفات الجمعاتيين والليبرتاريين أمثال: بريان باري Brian Barry (1936–2009)، وسوزان مولر أوكين Susan Moller Okin (2004–1946)، وصامويل فيليبس هنتنغتون Samuel Phillips Huntington (1927–2008)، وتود جتلين Todd Gitlin (2022–1943). وقبل أن يختار ماي أربع شخصيات أو نماذج فاعلة ضمن السجالات في هذا الموضوع، وهي: بيكو باريك Bhikhu Parekh، وتشارلز مارغريف تايلور

Charles Margrave Taylor، وويل كيمليكا Will Kymlicka، وجيمس تولّي James Tully،

نم لامًاااك لاصًااف اهنم ةدحاو لكل صصّخيو الكتاب، ويناقش "فلسفات التعددية الثقافية" عبر الإجابة عن سؤالَين مركزيَين: ما الأسباب التي تؤدي في رأي هؤلاء إلى تنفيذ سياسات تقدّر التنوع العرقي والثقافي؟ ولماذا يجب رفض سياسة إدماج أو استيعاب للمهاجرين؟ (ص. 17). يستعرض ماي قبل الشروع في ذلك كيف تطورت فكرة المساواة، بوصفها المبدأ الرئيس الذي أطّر فلسفة العدالة والتعددية الثقافية، وانتقلت من فرض مبدأ التشابه والبحث عن تساوي الحقوق بين الجماعات إلى التركيز على الاختلاف والاعتراف بالتمايزات الفردية والجماعية،

إما داخل مجال الدولة وإما خارجها، في استجابةٍ لمبدأ "العيش معًا". ومع ذلك، فالتحدي الذي يواجه هذه السياسات، هو علاقة الدولة بهذه التمايزات الثقافية والرمزية: أتختار الحياد الأكسيولوجي كما تطالب بذلك الديمقراطيات الغربية ومريدي رولز، أم أن هناك مخاطرَ تنجرّ

عن فكرة الحياد هذه من اختزالها النظامَ الأخلاقي

في المجال الخاص على نحوٍ يؤدي إلى تطهير

التجربة الجماعية وتفضيل الإخلاء السياسي

l’évidement du politique؟ (ص. 41)

ثانيًا: تصميم الكتاب ومضمونه

يعرض الكاتب، في الفصل الأول من عمله هذا، الانتقادات التي وجّهها باريك إلى الفلسفة الليبرالية وإلى رؤيتها "الواحدية" Moniste التي تَّتَسم بمحاولة تسطيح التنوع الثقافي وإذابة اختلافاته داخل قالب أيديولوجي ليبرالي واحد. يرى باريك أن هذا التصور ليس محدودًا فقط، بل هو قاصر عن استيعاب تعقيد التجربة الإنسانية المتنوعة. فالليبرالية ترى أن الوصول إلى الخير تحدّده قيمة معيارية واحدة، بدلًا من أن تستجيب لاختلاف الجماعات، فهي تفرض عليها الانصياع لآلياتها وقوانينها و"روحها"، وهو ما يدفع باريك إلى الدعوة إلى حوارٍ ما بين ثقافي، يعيد إدماج المطالب غير الليبرالية التي اعتُبرت في المجتمعات الغربية غير عقلانية وغير حداثية وتقليدية وجائرة، بقدر ما يحمل على عاتقه إعادة اكتشاف تعقيد الذات وعلاقتها بالهوية الحديثة، محاولًا إيجاد خيوط الربط بين إنتاج هذه الذات الفردية والبنية الجمعاتية التي تصقلها وتغنيها؛ فجاءت رؤيته الفلسفية للتعدد الثقافي متوازنةً بين المبادئ الفلسفية والحقائق الاجتماعية. يعتبر باريك أن الفلسفة الليبرالية فرضت تطبيقًا عالمًّيًا لفكرة مجردة أحادية، أنتجها تقليد فلسفي

تركه مونتسكيو Montesquieu (1755–1689)، –1668(Giambattista Vico وجيامباتيستا فيكو 1744)، ويوهان جوتفريد هردر Johann Gottfried Herder (1744–1803). وينتقد هذا المسار الفلسفي لأنه تطَّوَر ليصبح مشروعًا

سياسيًا استعماريًا بامتياز؛ فقد فُرض، ولا يزال،

نموذج الهوية الليبرالية وطريقة العيش الغربية على المجتمعات التي وُصفت بأنها "بدائية" و"متخلّفة". يشير باريك في هذا الصدد إلى الصلات العميقة بين الليبرالية والكولونيالية والإمبريالية، حيث يتشابك الفكر الليبرالي مع مشروع السيطرة الثقافية والاستعلاء الأخلاقي. وبهذا المعنى، فإن الأخلاقية الليبرالية تصبح صيغة "أحادية"، تفتقر إلى القدرة على احتضان التعددية الثقافية؛ وهو السبب الذي يجعلها عبارة عن رؤية "مفلسة" فلسفيًا، تفتقر إلى التجانس، وساذجة في تصوراتها

للفرد وعلاقته بالمجتمع. في المقابل، يدافع باريك عن إنسانٍ اجتماعي وأخلاقي متجذّر في بيئته، وينبعث من قوة العادات والقيم والتاريخ والثقافة. فالذات الفردية معَّقَدة وعميقة، ولا تنفصل عن البنية الجمعاتية التي تُنشئها وتُغنيها. وقد صاغ باريك مشروعه، وفق أفقٍ يتجاوز نقد الفلسفة الليبرالية، ليفتح بابًا ل "حوار ما بين الثقافات"، يدعو فيه إلى إعادة إدماج تلك المطالب الثقافية غير الليبرالية التي جرى إقصاؤها في المجتمعات الغربية؛ لأنها ببساطة "غير عقلانية" أو "غير حداثية". إضافة إلى ذلك، يوجه باريك نقده إلى بعض الفلاسفة الليبراليين المعاصرين أمثال: رولز وچوزيف راز Joseph Raz) 2022–1939(وكيمليكا؛ حيث يرى أن رؤيتهم لاستقلالية الفرد وحريته غير قادرة على استيعاب التعقيدات الثقافية التي يعيشها الإنسان. فهم يُخضعون الجماعات والمؤسسات لنموذج ليبرالي اختزالي، يرفض بوعي أو بغير وعي، الاعتراف بالمشاريع والمطالب الثقافية غير الليبرالية. بدلًا من ذلك، يدعو باريك إلى "حوار ثقافي متداخل"، يقوم على الفهم المتبادل والانتماء العميق إلى مجتمع متعدد الثقافات، بما في ذلك إعادة حضور الدين

في المجال العام. ففي عصر الاستهلاك والتنظيم المفرط الذي تعيشه مجتمعات اليوم، يمكن أن يكون إيمان المؤمنين رافعة لفعل الخير، وخلق التضامن، وإعطاء التجارب الجماعية معنى. ذلك لأن لدى البشر حاجة فطرية إلى التعالي وعدم القدرة على الاكتفاء بما هو موجود. إن مشروع باريك النقدي يسعى لبناء فهمٍ أكثر ذكاءً وشمولًا

للتحديات الثقافية، سواء كانت محلية أو عالمية، وإعطاء قيمة حقيقية لحقوق الجماعات العرقية والدينية ومعالجة قضايا الهجرة وتعقيدات الهوية في عصر العولمة. في المحصّلة، ينقلنا تحليل باريك إلى مشهدٍ فلسفي أكثر ثراءً وتعقيدًا، حيث تتصارع القوى

الثقافية والفكرية في إطار الحوار المفتوح بين الذات والآخر، وبين الليبرالية والتعددية الثقافية، من أجل بناء مجتمع إنساني أكثر شمولًا وعمقًا. ويبرز مفهوم "الحوار بين الثقافات" نافذةً على الوجود الإنساني في تعدديته وتعقيده، ومستشرفًا أفقًا وجودًّيًا يُعانق التنوّع في جوهره.

هذا الحوار، في جوهره الفلسفي، هو محاولةٌ لتجاوز حدود ال "نحن" وال "هم"، مؤسسًا لفضاء

معرفي وأخلاقي يتسع للتعددية من دون أن يفقد بوصلة القيم المشتركة. إنه يسعى لتأسيس عدالة كونية، تنبع من صميم التنوع خارج الإطار الضيق للتسامح ونحو رحابة الاعتراف الحقيقي بالآخر، وضمن مبدأ بينذاتي مفتوح ومتجدّد، يسمح بالنقد الذاتي، ويفتح المجال أمام الأكسيولوجية الغيرية. في هذا المشهد الفلسفي، تتجلى الثقافات مرايا للوجود، تعكس تعقيده وغناه، في حركة جدلية من النقد الذاتي والتطور المستمر. تتجسد هذه الرؤية الفلسفية في اقتراحات عملية، تمتد من الاعتراف بالحقوق الجماعية للأقليات الدينية إلى إنشاء منتديات للحوار بين الأديان

وتبني سياسات العمل الإيجابي، مشكّلة بذلك نسيجًا فلسفيًا متكاملًا يجمع بين العمق النظري

والتطبيق العملي في سياق التعددية الثقافية. يطلق باريك على هذا النموذج من الحوار العملي مصطلح "القيم العمومية الإجرائية " Valeurs

publiques opérationnelles، ويعرّفها على أنها

مزيج من الثقافة المدنية، وانعكاسات التاريخ، وقيم وتصورات العالم لبلد من البلدان (ص. 91). وتشكل هذه القيم العمومية الإجرائية إطارًا

للحوار الذي من خلاله تتكون القيم المشتركة بطريقة حوارية، وذلك بهدف الوصول إلى اتفاق حول المؤسسات والمبادئ والسياسات المقبولة للجميع. ويتطلب تحقيق هذا الحوار أمرين اثنين: الالتزام بالعقل وتحقيق العدل. ومع ذلك، لا يتجاهل ماي بعض الالتباسات الموجودة في فلسفة باريك؛ إذ إن محاولتها في تجاوز الثنائية التقليدية بين الليبرالية والتعددية الثقافية يكتنفها الغموض، كما أن مسعاها لتحقيق توازن دقيق بين التحرر من هيمنة الليبرالية الضيقة والحفاظ

على بعضٍ من مبادئها، كما طرح ذلك الفيلسوف جون رولز، يصنع لنا موقفًا ملتبسًا يتأرجح بين

ضرورة الاختيار بين الاعتراف بالتنوع الثقافي وبين الالتزام بقيم الليبرالية عند تضاربها مع القيم الأخرى. يضاف إلى ذلك أن باريك يجد صعوبة في بلورة رؤية متماسكة للديمقراطية التعددية وكيفية تحقيقها توازنًا عادلًا بين الأقلية والأغلبية، وبين فكرة الانتماء المشترك والتعدد الثقافي والديني في المجتمعات المعاصرة. وفي الفصل الثاني، ينتخب ماي شخصية فلسفية مهمة، اشتهرت بفلسفتها السياسية والاجتماعية

(((بيكو باريك، سياسة جديدة للهوية: المبادئ السياسية لعالم

يتسم بالاعتماد المتبادل، ترجمة حسن محمد فتحي (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2013)، ص.275

ورؤيتها عن الدولة والفرد والجماعة وغيرها من المواضيع المختلفة. يتعلق الأمر بتايلور الذي يصنّفه ماي ضمن فريق الجمعاتيّين

والمنتقدين للوضع الليبرالي ولمقام الفرد في العصر الحديث. عبّر تايلور بصراحة عن "بؤس

الحداثة" و"لا معيارية الإنسان المعاصر" وعن قصور الفلسفات والسياسات الليبرالية والعلمانية في فهم طبيعة الإنسان والوضع البشري. لذلك، حاول استعادة دور الجماعات الثقافية والدينية والعرقية لتجاوز بؤس العصر الحداثي الذي

استلب الفرد واختزله في قيمةٍ وبعدٍ واحدٍ. يُباشر تايلور مسعاه هذا من دون أن يدافع عن جمْعاتية متطرفة، بل يرى أن الجماعة تسهم في تنمية الفرد من دون أن تهيمن عليه. عمومًا، فقد صاغ ماي هذا

الفصل، بلغة تايلور، على نحوٍ جعله يتضمّن بحثًا فلسفًّيًا عن مفهوم الفرد، والجماعة، والمجتمع

وسياسات الاعتراف، ومستكشفًا تعريفات أخرى للعلمانية والليبرالية والمجال العام. فتايلور ينتقد فكرة "إنسان الجمهور" والذات المنعزلة،

(((يَفهم تايلور العلمنة والمجال العام من خلال البعد الثقافي،

بمعنى أن وجود تصور مشترك لدى الجماعات والأفراد يصوغ بينهم رابطة ما تقوم على الفعل المشترك. وهو يفهم العلمانية، من خلال تعريف آخر للزمن، وبإمكانية استمرارية شكل الحياة الديني في التجارب الحياتية للأفراد. أما المجال العام، فيجد فيه إمكانية لاستمرارية المجال الخاص والمجال الحميم، الذي صار يعرّف من خلال التبادل العام. غير أن تايلور يرى أن

العلمانية والمجال العام تحديدات (يضاف إليها الشأن الاقتصادي بوصفه واقعًا موضوعيًا) ظهرت وفق فاعلية فوق

موضعية وخارج المجال السياسي ومستقَّلَة عنه. ومع ذلك،

نعتقد أنه زعمٌ يحتاج إلى مناقشة نقدية؛ إذ إن" السياسي"

و"السلطوي" لطالما  كانا جوهرًا في تشكيل المجتمع الحديث

وإعادة تعريف الروابط داخله. لمزيدٍ من التفاصيل حول إعادة تعريف تايلور للمجالَين العام والخاص والعلمانية، ينظر

الفصلَين السادس والسابع، في: تشارلز تايلور، المتخيلات

الاجتماعية الحديثة، ترجمة الحارث النبهان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص –103

ويرفض تصوّر الفرد كيانًا مكتفيًا بذاته ومستقل

عن الجماعة والتاريخ. ففي الواقع، تتشكل الذات المعاصرة من مصادر متعدّدة وتستند إلى مشترك ثقافي عام؛ ما يستدعي الالتزام بتعددية أخلاقية وثقافية. ويدعو تايلور في هذا الصدد إلى

تسوياتٍ معقولة بين الأيديولوجيات المتنافسة، ويعتبر سياسات الاعتراف مشروعًا سياسيًا

ضروريًا لضمان التعددية الثقافية. إنه بذلك

يبلور فلسفة للاعتراف خارج المعتقد الليبرالي

الذي يعتبره غير محايدٍ لأنه يُكرّس مفهومًا للخير

العام، بل يفرضه، مشحونًا بقيمٍ خاصة تخدم مصالح الليبرالية أكثر مما تخدم التنوّع والقيم

والأيديولوجيات الأخرى. من زاويةٍ أخرى، يُطلعنا ماي كيف أعاد تايلور

تعريف اللّغة، وانتقل بها من حيّزها المجرد

والخارجي إلى تشكّلها من خلال الحوار ومن خلال العيش في "جماعة الخطاب"؛ لذلك تتمتّع اللّغة بدورها الجوهري في تشكيل الهوية. ومن خلال ربط تايلور بين ثلاثية لغة/ هوية/ أخلاق، يتوصّل إلى صناعة مفهومه عن "الذات المُسَيَّقة"

أي التي تنتمي إلى "سياقات الّدلّالات"، وتحدّد علاقة هذه الذات بالعالم. إن علاقة الفرد بالعالم يصنعها السياق الثقافي والبيئة التي يعيش فيها، وتشكّل الجماعة هنا إطارًا لسانًّيًا، ثقافًّيًا وأخلاقًّيًا

ومصدرًا لانخراط الفرد في التعدّد الثقافي. لذلك

يدعو تايلور إلى تجاوز لا معيارية الفرد الليبرالي إلى تجسيد "سياسات الاعتراف" حيث يصبح

الاعتراف اعترافًا بتجربةٍ جماعية، وبانتماءٍ مشترك. فالاعتراف الحقيقي أشمل من مبدأ التسامح، ويقوم على نقل سلطة القرار إلى المواطنين، حيث يحصل قبول تاٌّمٌ باختلافاتهم داخل الفضاء

العمومي. عمومًا، فإنّ التعريف التايلوري للذات

يختلف عن تعريفها الأحادي في الفلسفة الليبرالية

القائم على بعد ديكارتي –  كانطي، فتايلور ينتقد الدولة والسياسات الليبرالية التي تقوم على فكرة أن الليبرالية تتماهى مع الخير ومع العادل، وأنها محايدة وعلمية وعقلانية. علاوةً على ذلك، يرفض تايلور الفصل القائم في المجتمعات الحديثة بين المجالَين العام والخاص، ويعتبر هذا التقسيم حاجزًا مصطنعًا؛ فالمجتمع في حاجة إلى معايير مشتركة يتقاسمها الأفراد، وإلى ممارسات مشتركة تصنع "مخي لًا اجتماعًّيًا" يؤكد الانتماء الجماعي ويضع الشروط

الأولية لمجتمع مدني متعدد الديانات والطوائف. ومن المعلوم أن تايلور لا يدافع عن نزعة جمعاتية متطرّفة، تقوم على الهيمنة الكلية لقيم الجماعة

وقواعدها، بل يعتبر الجماعة مهمّة بالقدر الذي تساعد فيه على تنمية شخصية الفرد، من خلال إقراره بدور الحيّز الجمعاتي في إضفاء المعنى

على سلوكه وتشكيل قيمه. يدافع تايلور، مثله مثل باريك، عن مكانة الدين في الفضاء العمومي، ويعتبر الاختلافات الدينية بعدًا من أبعاد "التعددية الأخلاقية" التي يشترط أن تكون مكوّنًا من

مكوّنات الديمقراطية؛ إذْ يجب استثمار الدين

لمواجهة "عصر العلمنة" و"بؤس الحداثة"، بالقدر الذي يجب أن تسمح فيه سياسات الاعتراف بتقبّل رموز الأقليات وممارساتهم داخل الفضاء

العمومي. أما بقية الفصل الثالث الذي يحمل عنوان "الليبرالية الثقافية" لكيمليكا، فيعرض فيه ماي مشروع كيمليكا للتعددية الثقافية الذي يقوم على الموازنة بين النزعة الجمعاتية، التي تنادي بأسبقية الجماعة على الفرد، وبين الليبرالية المُفرطة التي تهمل دور "الاجتماعي" في بناء "الفرداني"؛ لذلك يمكن اعتبار مشروع كيمليكا تسويغًا

فلسفًّيًا يجعل الليبرالية تستجيب بصفة إيجابية

للاختلافات الثقافية: بمعنى كيف يمكن مقاربة الانتماء الثقافي وفق نظرية الليبرالية ونظرية العدالة؟ ومقاربته ما بين الديمقراطية الليبرالية والتعددية الثقافية؟ يشرع كيمليكا في هذه المهمة بوصفها، في نظره، تصحيحًا لبعض الأخطاء

الشائعة حول التقليد الليبرالي الذي لطالما  كانت فيه حقوق الأقليات مكوًّنًا شرعيًا من مكوّناته. يقدم لنا كيمليكا مفهوم "حقوق الجماعة"، لكنه على عكس باريك وتايلور يعطي اقتراحًا

وتصنيفات خاَّصَة للتعامل مع المجموعات المختلفة ومع مطالبها الهوياتية والثقافية. وفي هذا السياق، يقول إن سياسات الاعتراف يجب أن تفرّق بين "أقليّات ثقافية – عرقية" كوّنتها موجات

الهجرة ولها الحق في الحفاظ على تقاليدها، و"أقليّات وطنية" ارتبطت تاريخًّيًا بالدولة وهي

تمتلك دائرةً أوسع من الحقوق إلى درجة حقّها في استقلالية تسيير الحكم. واجتهد كيمليكا

لتقديم فلسفةٍ لإدارة التعددية، تتجاوز الصراع بين الجمعاتيين والليبراليين إلى اقتراح أدوات مؤسساتية، تعترف بحقوق الأفراد والمجموعات وتضمنها. وهذا ما دفعه للبحث عن تعريف جديد لمفهوم حرية الفرد، حيث اعتبرها ترتبط أساسًا

بمجموعة وطنية ما؛ فالحرية الليبرالية ليست كتلةً خاوية لا تحتوي قيمًا ومعايير اجتماعية.

وفي المقابل، ليست القيم والقواعد غايات اجتماعية ليس للفرد دورٌ في تحديدها؛ فالذات

أو "الأنا" لا تُحَدَّد كلية بالأدوار والسياقات الاجتماعية والجمعاتية. من هذا المنطلق، يرافع

كيمليكا عن نموذج دولةٍ تدافع عن مفاهيم الخير

(((ينظر: ويل كيمليكا، المواطنة متعدّدة الثقافات: نظرية

ليبرالية لحقوق الأقلَّيَات، ترجمة عبد النور خراقي (بيروت:

الجامعة الأميركية في بيروت، 2021)، ص.92

للجماعات المختلفة، وتضمن للمواطنين الموارد والإمكانيات نفسها للتحرك باستقلالية؛ وعن دورٍ للدولة يحافظ على ثقافة الأقليّات بما في

ذلك تعزيز حرية الأفراد. الملاحظ أن كيمليكا، من خلال هذا التوازن بين حرية الفرد وقواعد الجماعة، يقدّم فلسفةَ "فردانية التعددية الثقافية"؛ حيث نجده يحتفظ بما وضعه رولز حول مفاهيم الفردانية والحرية والاستقلالية، ويضيف إلى ذلك بعض جرعات الفكر الجمعاتي، وسنجده يدافع عن ليبيرالية تقوم على فردانية أخلاقية تعترف في الوقت ذاته بأهمية الجماعة للفرد، الذي تتجسّد

استقلاليته كذلك في حرية اختيار انتمائه، بقدر ما يكون فيه "الإحياء الإثني في الأساس مسألة تتعلق بمعرفة الذات والتعبير عن الذات". إذًا

نحن أمام تعريفٍ جديد للعدالة، حيث الولوج إلى الثقافة هو أمرٌ لدى الأفراد الحق فيه. إن

موقف كيمليكا من التعدد والاختلاف هو موقف إيجابي، فهو يعتبرهما ثراءً وقوةً للدولة. وعلى الرغم من "التوسّط" الإيجابي لكيمليكا

بين حقوق الفرد وحقوق الجماعة، فإن موقفه النظري هذا تعترضه الكثير من الصعوبات، حيث يمكن باسم حفظ "ثقافة الأقليّات" فرض

إكراهات وإجراءات تحُّدُ من حرية الفرد، كما قد يُدفَع الأفراد في سياقات أخرى إلى إخفاء هويّتهم الجماعية مع أنهم قد اختاروها؛ في الوقت الذي يمكن فيه كذلك أن تتضاعف مطالب الحقوق إلى جماعات جديدة، فرعية كانت أو صغيرة. وفيما يخصّ التفاعل بين الأقلية والأغلبية، يقدّم

كيمليكا مقترحات تقوم على نمطَين لحقوق المجموعات: حماية خارجية تتوافق مع مبادئ الليبرالية، وتقييد داخلي. ثمّ إنه وضع تصنيفًا

(((المرجع نفسه، ص.120

لحقوق الجماعات، تخضع فيه مشروعية المطالب إلى سياقٍسوسيوتاريخي مرّت به

كل جماعة. فهناك، في المقام الأول، حقوق "الأقليّات الوطنية"، تليها "حقوق تقنية متعددّة"

تمنحها الدولة لبقية الأقليّات الثقافية بناءً على

معطيات علمية وتقنية، وفي الأخير "حقوق الفئات المحرومة" التي تحتاج إلى عدالة في توزيع الثروة ومساواة في الفرص. لا يتردّد ماي في نهاية هذا الفصل في نقد هذه التصنيفات للحقوق؛ إذ يعتبرها تصنيفات "سلطوية"، و"غير نافعة"، ويعتبر نظرة كيمليكا للثقافة نظرة أداتية وتصنيفاته غير قادرة على التعامل مع أقليّات لا تنتمي إلى هذه

التصنيفات، بما في ذلك خطر تدخّل سياسات الدولة في تحديد اختيارات الأفراد الأخلاقية (ص. 172)–165 يتناول الفصل الرابع فلسفة جيمس تولّي حول الدستورانية ما بعد الكولونيالية. فالفيلسوف الكندي، من خلال بحوثه التطبيقية حول كندا والولايات المتحدة الأميركية وأميركا اللاتينية، يعطي في نموذجه الفلسفي الأقليّات الأصلية

هامشًا من الاستقلالية في تقرير مصالحها، وهو يرفض سياسة إدارة الاختلاف من أعلى (سياسة فوقية). ويتعمّق ماي في تحليل أفكار تولّي من خلال دراسة أعماله وعرضها في ثلاثة محاور ضمن هذا الفصل: 1. فلسفة تولّي النقدية حول الدستورانية الحديثة. 2. "الدستورانية المشتركة" التي تتعامل مع مسألة الاعتراف بالمجموعات الاجتماعية. 3. انتقادات ماي لنموذج تولّي في إدارة التعدد الثقافي.

يعتبر تولّي أن الدستورانية الحديثة تعاملت وفق نموذج الدولة – الأمّة الذي يعمل على تشابه المجموعات الاجتماعية وتناسقها، وترى في الاختلافات العرقية والدينية تهديدًا لسيادة الدولة ووحدتها. وفي نظره، فقد أجهضت هذه الدستورانية مطالبَ الاعتراف، وهي كذلك

دستورانية تمحورت إما حول نزعاتٍليبرالية وجمعاتية وقومية، أو أنها فرضت تصوّرًا للوحدة

على المجتمعات السياسية ذا طبيعة ذكورية وإمبريالية وأوروبوية مركزية. ونتيجة ذلك، أضحى هذا النموذج من الدستورانية قاصرًا

في التعامل مع قضايا التعدد الإثني؛ فالدساتير المكتوبة لا تفرض في حقيقة الأمر سوى نموذجٍ وهيكل واحد للمجتمع، وهي تعمل على اختزال المجتمع البشري والممارسات

السياسية فيه في أنماطٍمحصورة كالأمّة، والأحزاب السياسية، والحركات الاجتماعية. يقدّم تولّي، مستلهمًا منهجية كوانتان سكينر

Quintin Skinner ومدرسة كامبريدج، قراءةً جديدة في الفلسفة السياسية، يعرض فيها نقده للفكر الليبرالي ولجون لوك الذي استخدمت أفكاره لتبرير الممارسات الكولونيالية في أميركا وبقية المناطق على وجه المعمورة. إذًا، يتّجه مسعى تولّي إلى نقد لغة السياسة الموروثة من عصر الأنوار، والممارسات الدستورانية التي ألغت قوانين الجماعات الأصلية، كما  كان الحال في أميركا وكندا، لصالح قانون ليبرالي وهوية أوروبية. لذلك، فهو يرى أن سياسات الاعتراف بالجماعات الأصلية يجب أن تُترجم إلى منحها الحَّقَ الكامل في ممارسة تقاليدها والحفاظ على قوانينها الخاصة، بل يذهب إلى حدّ منح بعض المجموعات الاستقلالية في تسيير شؤونها وفق الحكم الفيديرالي. كما يدعو

تولّي إلى تكريس نموذج مواطنة منفتحٍ، يكون أكثر تمثيلية وأكثر تشاركية، والأهمّ أن يكون ذلك عبارة عن تفاوضية Pratiques négociées. ويكون المرور إلى هذه الأهداف في التمثيل والاعتراف في تبنّي "دستورانية مشتركة"

تقوم على Constitutionnalisme Commun

ثلاثة تعاقدات: الاعتراف المتبادل، والقبول، والاستمرارية. وليست في هذه الحالة مسألة تحديد هوية الجماعات وتعريفها مقتصرة على النخب السياسية والأكاديمية، أو موجّهة من فوق

نحو الأسفل Top–Down، بل يقررّها مجموع

الأفراد في الجماعات الفرعية من خلال تفاعلٍ حواري؛ فالهوية ليست معطى خارجًّيًا، بل هي

بناء داخلي. ولبلوغ هذا التعبير الهويّاتي، تحفظ المساواة الديمقراطية هذا الحق. يقدّم ماي في آخر هذا الفصل نقدًا لمقترح تولّي، مبرزًا التحديات التي تواجهه في التعامل مع التعدد الثقافي والعرقي، وفي تعامله مع الأقليّات ما بعد الكولونيالية، فعلى الرغم من

تأكيده مرارًا وتكرارًا الطبيعة المرنة لمفهوم الثقافة، فإن تأويله [أي تولّي] لدور الثقافة في الحكم الذاتي الجماعي يكشف عن ميل إلى إعادة تشيئ الهويات الثقافية؛ ذلك أنه اعتبر من المشروع الحفاظ على ممارسات معينة للشعوب الأصلية باسم استدامة التقاليد الثقافية (ص. 202) أما الفصل الخامس فهو نقد لفلسفات التعددية الثقافية التي تناولتها الفصول السابقة، ويختار ماي لمباشرة ذلك النقد مجموعة من الفلاسفة الآخرين الذين اتّخذوا موقفًا معارضًا لسياسات

الاعتراف، أو طرحوا على نحوٍ مباشر في كتابتهم أفكارًا تتعارض وأفكار الفلاسفة الذين تناولهم هذا الكتاب. وأول من اختاره ماي من بين هؤلاء

النقاد هو بريان بيري الذي نقد فلسفات التعددية الثقافية في كتابه المرجعي الثقافة والمساواة: نقد مساواتي للتعددية الثقافية. غير أن فلاسفة التعددية الثقافية لم ينتظروا كثيرًا لتوجيه النقد إلى

بيري، فأصدروا كتابًا جماعًّيًا عنوانه: إعادة النظر

في التعددية الثقافية: كتاب "الثقافة والمساوة" ونقّادها. يدافع بيري عن الليبرالية وعمّا تقترحه في قضايا المساواة، منطلقًا من أفكار رولز، ويوجّه نقده إلى فلاسفة التعددية الثقافية، معتبرًا أفكارهم ردّة

فعلٍمشابهة لتلك التي أبداها جوزيف دي مايستر Joseph de Maistre (1821–1753)، وجاك دو بونالد Jacques de Bonald (1840–1754)، على راونلاأ ةفسلف.لامًاااك لاصًااف نايارب صصّخ دقو ينتقد فيه فلسفة كيمليكا، وللمفارقة، يعدّ هذا الأخير من المدافعين الكبار عن الليبرالية. غير أن موقف بيري هو أن كيمليكا عمل على "تسييس هوية المجموعات". وفي شقّ آخر، لا يوافق بيري على فكرة تايلور حول "عدم استجابة الليبرالية للاختلاف"، فيرفض فكرة "حقوق الجماعات" التي يعتبرها تهديدًا للمساواة ولحرية الفرد، خصوصًا مع وجود ثقافات تقليدية وفرعية تُجحف في حقوق النساء والأطفال. ثمّ إن "خيار الانسحاب" من الجماعة الذي قدّمه دعاة التعددية الثقافية، باعتباره حًّلا تُقدِم عليه هذه الفئات، غير ممكن ومتاح لها بسبب الخوف وقلّة الإمكانيات. وبخصوص نموذج المواطنة الذي يجب أن يسود في الدولة، يرفض بيري فكرة مواطنة مختلفة (مواطنات) التي هي في نظره غير مساواتية وغير

عادلة، وتشجّع على أنماطٍ من القومية العرقية. إجم لًا، نلاحظ أن نقد بيري ينطلق من الربط بين الثقافة والمساواة، وبين الاعتراف وإعادة التوزيع،

فلا المشكلة، ولا الحلّ، يكمُنان في الثقافة، بل

يتعلّق الأمر بمنح الجميع المساواة في الفرص. ربما قد تكون هذه الفرص موجودة، ولكن قد يختار الناس التخلي عنها، إما بسبب الأذواق الشخصية، أو القناعات الحميمية، أو المعتقدات الدينية (ص. 217) كذلك اختار ماي من نقاد التعددية الثقافية سوزان أوكين Susan Okin (2004–1946) التي تنطلق

من نزعةٍ نسوية، تعطي فيها المرأة الحَّقَ في تحديد خياراتها الهوياتية بعيدًا عن إكراهات الجماعة والتقاليد، والتي في نظرها يحدّدها مجموعة من الذكور كبار السن وذوي المكانة. من هذا المعنى، يكون ما دعا إليه كيمليكا وتايلور وتولّي من حقوق الجماعات ينطوي على إجحافات للمرأة ويقيّد استقلاليتها. إضافةً إلى ذلك، تنتقد

أوكن النزعة الجوهرانية للثقافة التي وقع فيها هؤلاء من حيث تماهي الانتماء إلى الجماعة بتعريف الهوية، بل الهوية كما تعرّفها أوكن هي

بناء اجتماعي وسيرورة، وتتساءل: ما الأسباب التي تدفع إلى الحفاظ على الأصول التقليدية أمام موجات الحداثة، خصوصًا إذا كانت هذه التقاليد، على حدّ تعبير إريك هوبسباوم Eric Hobsbawm (2012–1917)، "مخترعة" وفرضتها سياقات سياسية واقتصادية معيّنة؟ عمومًا، ترى

أوكين أن سياسات الاعتراف وتأكيد حقوق الجماعات وبعض الثقافات غير عادلة بالنسبة إلى المرأة، خصوصًا لدى تلك المجموعات التي لها قواعد ومعايير خاصة تجاه تعليم الإناث،

(((يرى باريك أن بريان بيري على الرغم من حديثه المتكرر عن الثقافة، فإنه لا يقدم تحليلًا منظًَّمًا لها. وهو غالبًا ما يساويها

بالعادات، ويعتقد أنها ترتكز على سلطة الموروثات والتقاليد، من دون أن يُدرك أن الثقافة تتضمن كذلك حججًا تتعلق بها.

ينظر: باريك، ص.203

والزواج، والطلاق، والميراث، ومشاركة المرأة في المجال العام. وهي تطالب مقابل ذلك باحترام القوانين المدنية، وأن تُشِرِّع الدولة قوانينها من

دون أن تتدخّل هذه القوانين من أجل حماية القواعد التقليدية. للرد على ما تقدّمت به أوكين في مقترحها النسوي، يتناول ماي الانتقادات التي وجّهتها

بعض الشخصيات الفكرية النسوية، على رأسهن أفكار الفيلسوفة الأميركية من أصل لبناني، عزيزة الهبري Azizah Hibri، التي أكّدت أن أوكن لم تفهم جيّدًا حساسية الأقليّات، وأنها تسعى

لفرض نموذج عالمي مُعلمن على المجتمعات ما بعد الكولونيالية ومجتمعات العالم الثالث. كما تنتقد الهبري تلك الطروحات النمطية التي تعتبر الثقافتين الدينية والتقليدية أبوية وسلطوية، وتردّ على ذلك بأمثلة من الإسلام، من كتاب الله والسنّة النبوية الشريفة، حيث كُرّمت المرأة

وأُعطيت مكانة وحصانة لا تقدّمها الصيغ

الليبرالية. في موقعٍ ثانٍ، يتطرّق ماي إلى النقد

الذي وجّهته الباحثة الكندية المتخصّصة في

نظرية المواطنة والتعددية الثقافية، أيلات شاشار Ayelet Shachar، والتي حاولت التوفيق بين حقوق الجماعة وحقوق المرأة وإبراز الِصلِات الإيجابية بينهما، موجّهة في ذلك الانتقادات

إلى الأمثلة التي اختارتها أوكن للدّفاع عن فكرتها حول أبوية القوانين الجمعاتية، التقليدية والدينية. وفيما يخصّ النقد المحافظ لفلسفات التعددية الثقافية وسياساتها، يعرض لنا ماي أطروحات شخصية أكاديمية أميركية مرموقة، أثارت العديد من الجدل في الأوساط العالمية. نتكلّم هنا عن هنتنغتون المشهور بأطروحته حول "صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي".

وهنتنغتون معروف بمواقفه وعنصريته تجاه المهاجرين والثقافات المغايرة للثقافة الغربية، وقد ذهب في أطروحته إلى أن صعود الحضارة الإسلامية يهدّد "الغرب"، وأن السماح بتطوّر

ديموغرافي للمسلمين في الدول الغربية يؤثّر في القيم الغربية. إن موقف هنتنغتون من مسألة التعددية الثقافية مزدوج؛ فهو يدافع عن تعددية ثقافية خارج "الغرب"، ويدعو لأن تنغلق كلّ حضارة على هويّتها (بالطبع من أجل أن يبرّر

صراعها الحضاري). وفي المقابل، يرفض سياسات التعددية الثقافية داخل هذا "الغرب" ويعتبرها ضد–غربية، وتطبيقها سيعمل تدريجًّيًا

على استبدال الثقافة الأنكلوبروتستانتية لصالح ثقافات فرعية أخرى. يشدّد هنتنغتون على أن الإجراءات والتشريعات الخاصة بإدارة التعدد الثقافي والعرقي ستُبعدان الولايات المتحدة عن أصولها الأوروبية؛ لذلك يرفض أن تكون الولايات المتحدة "أمة متعدّدة الثقافات"

تدير مجموعاتٍ ثقافية أخرى وتدمجها في إطارٍ جامع باعتبارها من الغرب. يخصصّ ماي عدّة صفحات لنقد هنتنغتون – الذي قد نال من النقد الأكاديمي والشعبي على المستوى العالمي ما فيه الكفاية – خصوصًا تعريفاته الاختزالية للثقافة والحضارة، مبرزًا الكليشيهات والأقوال غير العلمية التي ذكرها هنتنغتون عن المسلمين والحضارة الإسلامية. ويتساءل ماي، كما تساءل العديد من قبله، هل تشكّل الحضارة فعلًا وحدة من وحدات تحليل العلاقات الدولية؟ وفي آخر هذا الفصل، يعرض لنا ماي النقد الذي تقدّم به المفكّر اليساري تود جيتلين Todd Gitlin ضدّ فلاسفة التعددية الثقافية واليسار الأكاديمي العالمي، معتبرًا أن التركيز على سياسات الاعتراف

والعدد الثقافي يؤدّي إلى "انفجار" المعسكر

التقدمي اليساري، الذي انتقل في اعتقاده، نتيجة تحّولّات اقتصادية وبروز التفاوت الاجتماعي،

من المطالبات بإعادة التوزيع العادل إلى الترويج للتعددية الثقافية. يبيّن ماي، في خاتمة كتابه، أننا أمام نظريات متنوّعة

حول التعددية الثقافية، تنطلق من إشكاليّات نظرية

تتفَّحَص ممارسات جماعية وفردية في الواقع،

وتسعى لفهم تعقيدات الأنا وتفاعل الهويّات في عصر الحداثة. وأخيرًا، وفيما يتعلق بسؤال ماي

الذي أثاره وهو: هل ماتت التعددية الثقافية؟ يجيب أن العديد من الدول، والدول الغربية خاصّة مثل كندا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، شهدت تراجعًا في سياسات الاعتراف والسياسات الثقافية باسم الهويّات الوطنية والاندماج والمواطنة المتجانسة والقيم الليبرالية. ومع ذلك، يؤكّد ماي أن كل الدول والحكومات في حاجة إلى سياسات التعددية الثقافية بسبب عوامل عدّة، وعلى رأسها موجات الهجرة والتطوّر الهائل في وسائل الاتصال

والمواصلات. من هذا المنظور، ستبقى دراسة هؤلاء الكتّاب الذين نظّروا لأسس التعددية الثقافية لا غنى عنها. في المجمل، سيجد القارئ في هذا الكتاب عرضًا مستفيضًا ومناقشة أكاديمية وفلسفية جادّة حول موضوع التعددية الثقافية، كما سيلاحظ مقدار الجهد الذي بذله الكاتب في تلخيص

هذه الفلسفات المتنوّعة وجمعها في عددٍ من

الصفحات، فاضلًا عن غنى المحتوى وعمق أفكاره، حيث استعمل الكاتب قرابة 400 مرجع متخصص، ما زاد من أهمية الكتاب وجودته وعمقه. وقد اجتهد المترجم في وضع فهارس للمصطلحات والأعلام، ووضع شروحات وتعليقات وتوضيحات لبعض المفاهيم

والمعاني. والأهم أنه عكف على ترجمة الهوامش والحواشي والمراجع المستخدمة، بما في ذلك الإشارة إلى الترجمات إلى العربية المتوافرة لهذه المراجع عن التعددية الثقافية، جمعها المترجم وعرضها في الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب وهي 39 مرجعًا.

ثالثًا: حاجة الفكر العربي إلى نقاش جدّي وأصيل حول فلسفة التعددية الثقافية

تكتسي ترجمة هذا الكتاب إلى العربية ميزة أساسية لا تقل أهمية عن فلسفة التعددية الثقافية ذاتها، خاصة مع افتقار المكتبة العربية لأعمال وترجمات تتسم بالأهمية والأثر ذاتهما؛ ذلك لأن هذه الفلسفات تتّصل أساسًا بالتأمل في حياة

الأفراد وتجاربهم الاجتماعية، وإرادتهم "للعيش معًا"، كما تتعلق بسياسات الحكومات التي تعمل على الحفاظ على هذا التعايش ودعمه. وهذا المعطى صار أكثر إلحاحًا في السياق العربي

الذي يواجه مشكلات العنف، سواء العادي منه أو المتطرف، ومظاهر التصدّعات الاجتماعية وفقدان قيم الحوار والتسامح وبروز مطالب الأقليات وتصاعد المواجهة بين الدولة الوطنية والمجتمع وتراجع الحقوق والحريات، وهو

(((نقول هذا من دون إغفال ترجمة بعض المصادر والمراجع الخاصة ببعض هؤلاء الفلاسفة أصدرتها بعض مراكز البحث والمعرفة في العالم العربي مثل: سلسلة "عالم المعرفة" التي يُصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت،

والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في قطر، وكذلك المركز القومي للترجمة بمصر والمنظمة العربية للترجمة

ببيروت. يضاف إلى هذه الإصدارات مجلة الَّتفَاهُم (حملت في

السابق اسم الَّتَسامح)، وهي مجلة فصلية تركّز على الفكر

الإسلامي وقضايا الاختلاف والتعدّد والتعايش، تصدرها وزارة

الأوقاف والشؤون الدينية في مسقط بسلطنة عمان. وهناك أيضًا

بعض الإنتاج العربي الذي ناقش فلسفة تايلور ورولز.

الأمر الذي يجعل الفكر العربي في حاجة إلى إعادة إنتاج وتطوير منطلقات نظرية وفلسفات تقترب من إشكالية التعددية الثقافية وروح العيش المشترك، مستندة إلى خصوصية تجربة الدول العربية التي ظلّت متوِّجِسة من موضوع الأقليّات

ولم تحسم سياساتها فيه "خوفًا" من تداعيات ذلك على الوحدة والسيادة، وكذلك على السلطة. فبدلًا من أن تُشرِك سياسات الأنظمة هذه الأقليات في مشروعٍ وطني نهضوي ديمقراطي، وتصنع له الأطر السياسية والاقتصادية والتشريعية لذلك، تركتها تواجه ثنائية الصراع بين الأغلبية والأقلية، وبين الحق السياسي والحق الثقافي. ومع أن هذا الكتاب يقتصر على تناول تجارب الاختلاف والتعدد في الفلسفات "الغربية"، وهي مجتمعات بات واقعها من واقعنا بفعل عمليات العولمة وموجات الهجرة وتداخل الثقافات وتشابك المصائر وتنامي أهمية الأقليّات، فيمكنه

مع ذلك أن يشكّل دليلًا للقارئ العربي حول فلسفات التعددية الثقافية، لا سيما أن الفكر العربي وواقع العالم العربي قد أصبحا في أشدّ الحاجة إلى بلورة فلسفات وسياسات ومشاريع ورؤى تغرس قيم الحوار والتعايش، وتدير الاختلاف في رحم الوحدة، وتصنع جسور التواصل مع بقية الحضارات والثقافات والمجتمعات. فالكتابة والبحث أو الترجمة في مواضيع التعدد والاختلاف لم تعد "ترفًا فكريًا" ولا بعدًا أبستمولوجيًا نقدًّيًا،

أو مناقشة تذوب في الحقل الفلسفي الغربي، بل باتت – في اعتقادنا – مهمّةً تصبو لإعادة مفْهمَة

مقاربتنا لشؤون حيواتنا، وطرائق تفكيرنا، وسبل اجتماعنا، وأنماط تفاعلنا واستجابتنا للأوضاع الوطنية والدولية. وعلى الرغم من نُبل هذا المسعى

وإلحاحية هذه المهمة، يبقى ما أُلّف وترجم من مقالات وكتب باللغة العربية، تختص بمسائل

التعددية الثقافية (وحتى فلسفة المواطنة والمساواة والعدالة)، قليلًا جًّدًا. كذلك، لم يتعامل هذا الإنتاج الفكري في مجمله مع مسائل التعددية الثقافية: اللغوية والدينية والإثنية إلا من خلال البعد السوسيولوجي والسياسي والديني، بينما تغيب إلى حٍّدٍ ما الكتابات الأكاديمية حول فلسفات التعددية الثقافية كما هي متجلية في مشهدها الفلسفي العالمي، وتغيب مناقشة ما يمكن أن تمنحه تلك الفلسفات والنظريات من تفسيرات ومنهجيات لمقاربة قضايا المجتمعات والدول في الفضاء العربي الإسلامي، من دون أن يعني ذلك دعوةً لإسقاط –  كما درَجت بعض مناهج الباحثين والمفكرين – مقولات غربية على خصوصيات عربية؛ فهذه الخصوصيات أثبتت أنها "تتمرّد" على

أيّ قوالب فكرية جاهزة لا تفهم منطق اشتغالها، ولا تحترم مكوّناتها الخاصّة وروحها الممتدّة

على مدى قرون. لكن يمكن التأكيد أن كتاب ماي فيه من المسائل والمواضيع ما يهمّ الأكاديميين المتخصّصين في حقول الفلسفة، والعلوم السياسية والعلاقات الدولية، والعلوم الاجتماعية والتاريخ وغير ذلك من المعارف الإنسانية. وتدخل محتويات الكتاب ضمن اهتمامات أصحاب السياسية ومدبّري الشأن العام، وغيرهم من المثقفين والفاعلين في الشؤون الثقافية. فالكتاب يعرض نقاشًا نظرًّيًا جدًّّيًا عمّا يتّصل بقضايا الهوية

وإدارة التعدد وتعزيز روح المواطنة، وبعث الحوار وإرساء التعايش والتسامح، وإشكاليات الحرية، وعدالة التوزيع، والمساواة وفلسفة الفرد والجماعة. والأهمّ من كل ذلك، يمكن اعتبار الكتاب مناقشة في فلسفة الليبرالية وطريقة مقاربتها لهذه القضايا التي باتت تتحرك في عصر معولم وواقع ليبرالي بقدر ما يختزن التنوعات والاختلافات والتقاطعات والتفاعلات، يجمع التناقضات والصدامات. ومن

هنا، لا تكون التعددية الثقافية مجرّد خيار، بل هي

ضرورة وجودية تعكس حقيقة الطبيعة البشرية المعقّدة والمتنوعة. وفي النهاية، يتجلّى الإنسان بوصفه حارسًا للتنُّوُع، وهو مدعٌّوٌ للحفاظ على روح الضيافة تجاه الاختلاف، فمن خلال هذه الضيافة الفكرية والروحية، تُفتح أبواب الإمكانيات اللانهائية للتطور الإنساني، وتُرسم لوحة الحضارة بألوان متناغمة من التنوع والوحدة. ومع ذلك، يجب الانتباه إلى أن التعددية الثقافية ليست مجرد فكرة بسيطة متجانسة، فهي تشمل مجموعة متنوعة من التعبيرات والتجارب عبر مجتمعات مختلفة، فلا ينبغي أن تُقَدَّم بوصفها "سياسة هوية" أو "سياسة ثقافية" خيّرة وعادلة ومتسامحة من دون

أن تلتفت إلى الواقع المعيش للأفراد والجماعات وتنظر في أوضاعهم الاجتماعية التي يعتريها الفقر والقمع وعدم المساواة والاستغلال والاستبداد والعنصرية. ويقول السوسيولوجي الفرنسي ميشيل ويفيوكا: "لا يمكن أن يكون لسياسة

المراجع

العربية

باريك، بيكو. سياسة جديدة للهوية: المبادئ السياسية لعالم يتسم بالاعتماد المتبادل. ترجمة حسن محمد فتحي. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2013 تايلور، تشارلز. المتخيلات الاجتماعية الحديثة. ترجمة الحارث النبهان. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 كيمليكا، ويل. المواطنة متعدّدة الثقافات: نظرية ليبرالية لحقوق الأقلَّيَات. ترجمة عبد النور خراقي. بيروت: الجامعة الأميركية في بيروت،.2021

الأجنبية

Wieviorka, Michel. "Le multiculturalisme est–il la réponse?" Cahiers Internationaux de

التعددية الثقافية تأثير حقيقي إلا إذا كانت قادرة على الجمع بين الاعتبار الاجتماعي والاعتبار الثقافي، فما الذي يمكن أن تعنيه الاعترافات الثقافية لشعوبٍ تتعرض لاستغلال اقتصادي كبير، أو تُركت في أحياء بائسة ومستبعدة بصفة جماعية من سوق العمل؟ إذا اقتصر التعدد الثقافي على سياسة الاعتراف الثقافي من دون أن يهتم بمكافحة التمييز العرقي والاجتماعي، فإنه يُخاطر بتجاهل مسائل حاسمة". وبناءً عليه،

ليست التعددية الثقافية فلسفةً أكاديميةً ولا خطابًا سياسيًا، بل هي – أو يجدر بها أن تكون – ضرورة

وجودية في عصرٍ يتزايد فيه، في آنٍ واحد، التعقيد والتباين، والتسطيح والتجانس، والفقر والغنى، والصلابة والنعومة (بمعنى تداخل الهويات الصلبة والهويات الناعمة)؛ ما يفتح آفاقًا جديدة لفهم الإنسانية في غموضها وتجلّيها وفي فرادتها وشموليّتها.

(7) Michel Wieviorka, "Le multiculturalisme est–il la réponse?" Cahiers Internationaux de Sociologie , vol. 105, no. 45 (1998), p. 257.

References

Sociologie. vol. 105, no. 45 (1998).