المشكلة النظرية والعملية للتأويلية القانونية عند غادامير
The Theoretical and Practical Problem of Gadamer’s Legal Hermeneutics
الملخّص
حينما أقرّ جان غروندان Jean Grondin على منوال هانس جورج غادامير بأن التأويل فرض نفسه مبحثًا عالميًا، وكل الميادين المعرفية الأخرى هي شكل من أشكال التأويل، فلأنه أدرك أن التأويل هو إجراء منهجي قابل للتطبيق على عدة حقول ― العلم، والتاريخ، والدين، والقانون بالنظر في طبيعة القوانين والتشريعات والعلاقة الجدلية بين القاعدة العامّة وتطبيقاتها الخاصة ... إلخ. ولما كانت التأويلية القانونية هي موضوع دراستنا، فإنّ أعمال غادامير، وخصوصًا كتابه العمدة الحقيقة والمنهج، تنخرط في هذه العالمية: كيف قرأ غادامير فلسفة القانون في عصره؟ وماذا أضافت فلسفته التأويلية في هذا المضمار؟ وهل استطاع مجاوزة النزوع العلموي الذي هيمن على الممارسة التشريعية والقانونية ذاتها؟ وأخيرًا، نرى الروابط بين التأويلية القانونية والفلسفة العملية في إطار نظرية فلسفية عن الفعل البشري.
Abstract
Abstract: Jean Grondin, following Gadamer, emphasized the universality of hermeneutics as a method underlying all forms of knowledge: science, history, religion, and law. In this context, legal hermeneutics involves interpreting norms through the dialectic between general principles and specific applications. This study situates Gadamer’s thought within the legal–philosophical tradition, asking how his hermeneutics engaged with the legal theory of his time, whether it countered dominant scientistic approaches, and how it connects to a broader philosophy of human action.
- التأويل
- التاريخ
- التراث
- القانون
- التأويلية القانونية
- Interpretation
- Hermeneutics
- Tradition
- Law
- Applicable Law
عالميًا، وكل الميادين المعرفية الأخرى هي شكل من أشكال التأويل، فلأنه أدرك أن التأويل هو
إجراء منهجي قابل للتطبيق على عدة حقول – العلم، والتاريخ، والدين، والقانون بالنظر في
طبيعة القوانين والتشريعات والعلاقة الجدلية بين القاعدة العامّة وتطبيقاتها الخاصة... إلخ.
ولما كانت التأويلية القانونية هي موضوع دراستنا، فإنّ أعمال غادامير، وخصوصًا كتابه العمدة
الحقيقة والمنهج، تنخرط في هذه العالمية: كيف قرأ غادامير فلسفة القانون في عصره؟ وماذا
أضافت فلسفته التأويلية في هذا المضمار؟ وهل استطاع مجاوزة النزوع العلموي الذي هيمن
على الممارسة التشريعية والقانونية ذاتها؟ وأخيرًا، نرى الروابط بين التأويلية القانونية والفلسفة
العملية في إطار نظرية فلسفية عن الفعل البشري.
مقدمة
سعت التأويلية (الهيرمينوطيقا) لأن تكون علمًا دقيقًا، لا يختُّصُ بقراءة النصوص وفهمها
واستخلاص معانيها فحسب، بل كذلك بفهم نظام العالم كلّه، وفهم المقاصد البشرية التي تتجلّى في السلوكيات والأفعال؛ وإن كانت النصوص والأفعال لا تتعارض وإنّما تحقّق ما يمكن تسميته التبديل أو "كيَاسْمُوس" chiasmus أي: "نص الأفعال" وهو قصدية الفعل وقد تثَّبَتت في الكتابة
كما يأخذ به روح القانون، و"فعل النصوص" وهو البعد التداولي للنص أو ما يفعله فيما هو يعبّر عنه،
كما يدل عليه تطبيق القانون. هذا التداخل بين النصوص والأفعال مهٌّمٌ في اعتبار الكيفية التي تقارب
بها التأويلية القانون، وهو المبحث الذي يهمّنا في هذا الإطار، وعلى وجه التحديد عند الفيلسوف
الألماني هانس جورج غادامير (002–1900 2) الذي خلّد في كتابه العُمدة الحقيقة والمنهجأفكارًا
مهمّة عن التأويلية القانونية التي يتكتّل فيها التأويل بالفهم والتطبيق، وهي كلها المفاهيم – المفتاح
التي تشكّل المعجم الهيرمينوطيقي لديه. وبناءً عليه، فإنّ قراءتنا لتأويليته القانونية تقوم على قراءة
علائقية للمعجم التأويلي، وهو ما يتلخص في المصطلحات التالية: التأويل، والفهم، والتطبيق، والقانون، والتعقّل، ومصطلحات أخرى مساعدة أو مكمّلة لا تقلّ أهمية في إدراك البنيان الشامل
للتأويلية القانونية عند غادامير. وقبل الولوج في تلك القراءة العلائقية لمنظومة الأفكار التأويلية يتعيّن الإجابة عن الأسئلة التالية:
ما الهيرمينوطيقا؟ وما الحقول التي تشتغل بها؟ وما العلاقة التي تربطها بالحق والقانون؟ وكيف يُعالج
القانون تأويليّا المعطيات المادية (الأفعال) واللامادية (المقاصد)؟ تنخرط هذه الأسئلة في إشكالية
رئيسة وهي علاقة التأويل بالنص والفعل، وهما عنصران أساسيان في التأويلية القانونية، وطبيعة تلك العلاقة في ضوء نظرية الفهم التي منحها غادامير بعدًا جوهرًّيًا وحاسمًا. في نظر الفيلسوف الإيطالي،
جياني فاتيمو Gianni Vattimo (023–19362)، صارت التأويلية "لغة شائعة" koinè، من حيث إنّ معارف عديدة لجأت إليها لحلّ مشكلات معرفية خاصة بميادينها العلمية، وفي مقدّمتها مشكلة فهم الموضوعات المدروسة. تمدّ التأويلية بمفاتيح أساسية، من شأنها أن تفتح ما استغلق على استيعاب تلك الموضوعات. يذهب الفيلسوف الكنَدي، تلميذ غادامير وكاتب سيرته، غروندان، إلى فكرة
مماثلة، عندما يقول في محاضرة بجامعة مونتريال (كندا) بتاريخ 22 أيلول/ سبتمبر 004:2 "لقد فرض
التأويل نفسه مبحثًا حاسمًا وعالميّا من التفكير الفلسفي. يبدو أنّه آخر مبحثٍ يحمل هذا النوع من
العالمية الفلسفية، وكل الميادين المعرفية الأخرى يمكن عدّها شكلًا من أشكال التأويل". تتوزع الدراسة على أربعة مباحث رئيسة:.1 التأويلية (الوسائل والغايات) ونُعالج فيها المحطات التاريخية الأساسية في تطوّر الهيرمينوطيقا، والنقاش المحتدم حول التأويل بين البعد النظري
(العلم) والبعد الإجرائي (الفن)،.2 ثمّ نعالج أهمّ المصطلحات عند غادامير لنربطها لاحقًا بالمسألة
القانونية، والتي تتلخّص في الفهم عنصرًا لغوًّيًا، والفهم بوصفه تفاهمًا وحوارًا، وفكرة انصهار الآفاق
التي تُبرز العلاقة المتشابكة بين المؤِّوِل والنص، وأخيرًا فكرة التطبيق التي هي الجانب العملي من
الفهم،.3 ثمّ نتطرّق إلى التأويلية القانونية عند غادامير واستعمالاتها والوسائل التي تنظّمها، والتي
تنحصر عنده في التعقّل أو الحكمة العملية وفي الشبكة التأويلية المساعدة (الفهم، وانصهار الآفاق، والتطبيق)، ثمّ النظرة إلى القانون بين المشرّع (النظرة المعيارية) والمؤرّخ (النظرة
التاريخية) والطريقة التي يقوم بها كلّ واحدٍ منهما في مقاربته نظرًّيًا أو عملًّيًا،.4 نقارن هنا بين
الفيلسوف الألماني غادامير والفيلسوف الإيطالي إميليو بيتي Emilio Betti (968–18901) حول طبيعة التأويلية القانونية وطرائق معالجتها فلسفًّيًا، الطريقة الإبستيمولوجية بالنسبة إلى أحدهما،
والطريقة الفينومينولوجية بالنسبة إلى الآخر. ونهتدي في خاتمة الدراسة إلى مجموعة من النتائج التي تتّضح من هذا العرض.
أولا: التأويلية: الوسائل والغايات
إذا أخذنا برأي غروندان، فإنّ التأويل صار قابلًا للتطبيق في مجالات متنوعة:.1 "المجال الديني" بتفسير النصوص المقَّدَسة وتأويلها،.2 و"المجال القانوني" بتأويل المقاصد والأفعال وتشكيل الأحكام بناءً على صلتها بالمسموح به أو المحظور،.3 و"المجال النفسي" بتأويل سلوكيات الفرد
والولوج في قصديّته لفهم ما اختلّ في تصوّراته أو ما اعتلّ في نفسيته،.4 و"المجال العلمي" بتأويل
قوانين الطبيعة وضبط معانيها لتسخيرها في التقدّم التقني للإنسان... إلخ. ليس ثمّة مجال معرفي لم
يلجأ، بطريقة ما، إلى التأويل لدراسة موضوعاته وفهم قضاياه. لأنّ التأويل اتّخذ في هذه المساحة دلالة "الفن" بالمعنى التقني للكلمة الإغريقية technè؛ أي مجموعة من الأدوات والوسائل من أجل التوصّل بالغاية وهي الكشف عن الحقيقة. وبناءً عليه، يمكن عُّدُ الهيرمينوطيقا "فًّنًا في التأويل"،
بمعنى المعرفة التي تمُّدُ بالأدوات والإجراءات في الفهم والتطبيق. وإن كان البعض يتحدث عن الهيرمينوطيقا بصفتها "علمًا دقيقًا"، خصوصًا الفيلسوف الإيطالي بيتي المتخصّص في القانون، فإنّ
التأويل كان يتأرجح بين العلم والفن، وكان هذا يطرح مشكلة معرفية أساسية؛ هي العلاقة بين الحقيقة والمنهج، الموضوع الرئيس عند غادامير. يبتغي العلم بلوغ الحقيقة، ويقوم المنهج على مجموعة من الآليات المطَّبَقة في ميدانٍ معرفي معَّيَن.
إذا أخذنا التأويلية بوصفها "علمًا"، فإَّنَا نختزل الوسائل في الغايات وتكون الغاية هي بلوغ الحقيقة؛
وإذا اعتبرنا أنّ التأويلية هي "فن"، فإنّنا نختزل الغايات في الوسائل وتكون الوسيلة هي تطبيق القواعد وتحسين الإجراءات المنهجية. لا يمكن البتّ نهائيّا في الخيار الأمثل بين العلم والفن أو بين الغايات
والوسائل. لا شكّ في أنّ التأويلية تتبوّأ مقعدها من الخيارين، مع بقاء الأفضلية أو الأولوية لأحد
الحدّين (الحقيقة/ المنهج، والغاية/ الوسيلة، والعلم/ الفن... إلخ) بين يدي من يستخدم التأويلية، إذا أراد بها بلوغ الحقيقة باختزال المنهج أو العكس إعطاء المنهج المطَّبَق أهمية، بغض النظر عن الحقيقة
التي يمكن أن يصل إليها. في كل الأحوال، لا يمكن الفصل بين الغايات والوسائل التي تؤدّي إليها، ومن ثمّ وجب الجمع بين العلم والفن عندما يتعلّق الأمر بالتأويلية، ولأنّ التأويلية القانونية التي هي
موضوع دراستنا تتطلّب العناية بالمناهج المطَّبَقة من أجل الكشف عن حقيقة المقاصد والأفعال وبناء
أحكام عادلة على أساسها.
التأويلية هي في الوقت نفسه علم دقيق، يسعى لبلوغ حقيقة الظواهر التي يعمل على قراءتها وفهمها، ومنهج صارم يقوم على تطبيق الإجراءات المثلى للكشف عن بنية تلك الظواهر والعلاقات الكائنة بينها. ولما كانت التأويلية قد اتّخذت هذه الصيغة (العلم) أو تلك (الفن)، فإنّ هذا الإجراء يخضع لقراءة تاريخية في عملية تشُّكُلها، حيث قدّم غروندان أساسيات هذا التشكّل التاريخي في ثلاث محطات رئيسة:
1. الهيرمينوطيقا الكلاسيكية أو "تأويلية النص"
وهي تأويلية الوسائل باعتبارها معرفة مساعدة لمعارف أرفع شأنًا مثل العلوم الدينية، واللاهوتية، والقانونية التي تستعين بالتأويلية من أجل تفسير النصوص المقَّدَسة أو تأويل المقاصد البشرية؛ والوسيلة هي النحو، والمنطق، وعلم التأثيل أو الاشتقاق، والتفسير، وهي كلها في مقام الآلة أو "ُأرْغَانُونُ " Organon في الاستعمال الصحيح والسليم لقواعد اللغة والتفكير من استدلال، وترميز،
وحجاج، وبلاغة... إلخ، لذا كانت تكتسي هذه التأويلية دلالة معيارية.
2. الهيرمينوطيقا الحديثة أو "تأويلية المنهج"
تجلّت الهيرمينوطيقا الحديثة، على وجه الخصوص، عند فريدريش شلايرماخر Friedrich Schleiermacher (834–17681)، باستقلالها النسبي عن العلوم الدينية والقانونية وتشكيلها لمعرفة تقوم على شقّين: الشق النفسي في إدراك المقاصد، والشق الموضوعي في قراءة النصوص. ومع تأويلية المنهج، صار "الفهم" عاملًا أساسيّا وحاسمًا في إدراك الموضوعات واكتسب قيمة معرفية هائلة
وطّدها فلهلم دلتاي Wilhelm Dilthey (911–18331) في تأسيسه لعلوم الروح (العلوم الإنسانية والتاريخية) التي تقوم على ظاهرة الفهم، ومن ثمّ على فن التأويل الذي، علاوةً على الإجراءات
التطبيقية، يعمل على استجلاء الفهم الذاتي للروح وتجلّياته في التاريخ بمختلف الصنائع والروائع التي تنتجها العبقرية الفردية أو الجماعية.
3. الهيرمينوطيقا المعاصرة أو "تأويلية الحقيقة"
وهي مجاوزة البعد المعياري للمنهج نحو البعد الأنطولوجي للفهم. معنى ذلك أنّ هذا الأخير لا يُختزَل
في البعد النفسي، بالإحاطة بالموضوعات أو إدراك الذوات، ولا يُختزَل كذلك في تأويل النصوص،
بل اكتسب الفهم، خصوصًا مع مارتن هايدغر Martin Heidegger (976–18891) وغادامير، بعدًا
كونًّيًا أو عالميّا، وهو الوجود الإنساني في العالم. ومن ثمّ فإنّ الكشف عن الوجود الإنساني أو
تجلّيه للوعي هو مسألة "الحقيقة" التي يأخذها التأويليون المعاصرون في مدلولها الإغريقي العريق، بوصفها انكشافًا أو حرفًّيًا "إماطة اللثام" a–letheia؛ أي ما يمكن أن تكشف عنه الظاهرة الإنسانية،
ما إن يدركها الوعي. وبناء عليه، فإنّ التأويل في هذه المساحة الأنطولوجية (الوجودية) يتجاوز البعد الإبستيمولوجي والنفسي في الإحاطة النظرية بالأشياء أو تشكيل معرفة موضوعية بشأنها.
(((جان غروندان، التأويلية، ترجمة جورج كتوره، سلسلة نصوص (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 0172)، ص.12–9
نُدرك جلًّيًا، وبناءً على تحقيب مراحل تطوّر التأويلية، أنّ اكتشاف الحقيقة (البعد الأنطولوجي) تغلّب في الفكر المعاصر على معيارية المنهج (البعد الإبستيمولوجي)، وإن كان هذا لا يعني بالضرورة التخلّي النهائي عن المنهج، وإنّما تصحيح بعض الجوانب الإجرائية والمعيارية التي ينطوي عليها. إذا كان الأمر كذلك، فإنّ التأويل سيكون هو الاقتدار في الكشف عن فكرةٍ من أجل استيعابها وفهمها. ولأجل ذلك، فإنّ التأويل في أصوله الإغريقية واللاتينية يجري وفق مخطّط معكوس: في حين أن التأويل بالمعنى الإغريقي "هَرِْم" ينْيَا hermeneia معناه الذهاب من داخل النفس إلى خارجها بوساطة التعبير (عن أحوالها)، فإنّ التأويل بالمعنى اللاتيني "إنْتَربريتَاتيُو" interpretatio هو الذهاب من خارج النفس إلى داخلها لفهم المضامين الذهنية والقصدية، بالانتقال من العلامة (مثلًا احمرار الوجه وانتفاخ الأوداج) إلى ما تدلّ عليه أو المحتوى القصدي (الغضب). العلاقة بين المصطلحين هي عكسية، لكنها تؤدّي الوظيفة عينها وهي الكشف عن فكرة أو دلالة أو مغزى: "التعبير" هو الكشف عن مقاصد النفس؛ و"التأويل" هو الكشف عن مكامن النفس. هناك وظيفة متواطئة لأنّ المسمّى هو عينه وهو الكشف أو البيان أو الإيضاح، لكن في اسمين مختلفين، أحدهما يذهب من باطن النفس إلى ما تُبديه أو تظهر عليه (المدلول الإغريقي)، والآخر يذهب من ظاهر ما تُبديه أو تظهر عليه ليرى ما بَطُن في النفس (المدلول اللاتيني). فالتأويل بمفهومه العام هو القدرة على الكشف عن الفكرة في العبارة أو الانتقال من العبارة إلى الفكرة لاستيعابها وفهمها. وهنا يتدخّل الفهم عاملًا حاسمًا في بلورة مفهوم التأويل الذي يتوزّع على ثلاث خصائص جوهرية، وهي:.1 التعبير ويخص اللغة (النطق أو الكلام والإفصاح)،.2 التفسير وهو البيان والتوضيح،.3 الترجمة وهي الوساطة والاستبدال والتعويض. وسواء أتعلّق الأمر بالمدلول الإغريقي أم بالمدلول اللاتيني، فإنّ التأويل هو ترجمة العبارة إلى المعنى بأن نترجم ما تعبّر عنه النفس من أحوال إلى ما تدلّ عليه، كأن نترجم احمرار الوجه وانتفاخ الأوداج بالغضب أو نترجم اصفرار الوجه وارتعاد المفاصل بالخوف... إلخ.
ثانيًا: المعجم التأويلي عند غادامير: الحدود والعلاقات
يتّضح ممّا سبق عرضه أنّ التأويلية التي سعت لأن تكون علمًا دقيقًا ومنهجًا صارمًا تتركّب من حدود تمنحها الحصانة والرصانة، وعنيتُ بذلك التأويل، والترجمة، والفهم بصفتها وسائل منهجية؛ والنص، والخطاب، والفعل بصفتها موضوعات للدراسة. فما المصطلحات الرئيسة التي وظّفها غادامير في بناء النظرية التأويلية؟ وما المفاهيم الأساسية التي تشكّل التأويلية القانونية عنده؟ وهل أنّ ما ينطبق على الفنّ والتاريخ واللغة، وهي الموضوعات الرئيسة التي درسها في كتابه الحقيقة والمنهج، ينطبق كذلك على القانون؟ بمعنى آخر: هل أنّ استبعاد المنهج العلموي (بالمعنى الحصري للعلم الطبيعي)
(2) Guy Deniau, Qu’est–ce qu’interpréter? Collection chemins philosophiques (Paris: Vrin, 2015), pp. 8–9.
في دراسة الفن والتاريخ واللغة، من أجل اكتشاف الحقيقة في علوم الروح، هو الإجراء عينه في دراسة القانون ونظريات الحق عمومًا؟ إنّ قراءة متأنّية في نصوص غادامير كفيلة بالإجابة عن هذه
الأسئلة. ومن ثمّ، فإنّ المنطلق هو دراسة المعجم التأويلي أو الشبكة التأويلية لديه، لمعرفة إن كانت
المصطلحات التي درسها بدقّة وعناية تنطبق كذلك على القانون.
1. الفهم عنصر لغوي
"يعُدُّ الفهم أحد الأعمدة الأساسية في تأويلية غادامير. بل إنّ مُسَمَّى التأويلية هو "فلسفة الفهم
بدراسة أشكاله وشروط إمكانه، بمعنى فهم الإنسان لوجوده، والذي يتعدّى مجرّد "الإدراك"
الممكن حصره في قوالب نفسية أو إبستيمولوجية: "يُبرز عمل غادامير كيف أنّ التأويلية تتمتّع
بدلالة أنطولوجية، بمعنى آخر: إنها لا ترجع إلى التطوّر الإبستيمولوجي لبعض العلوم أو
المجالات المعرفية فحسب، بل تخصّ كذلك الجوهر الوجودي للإنسان، الذي تعتمل فيه كينونة
الفهم وفي الحياة البشرية كلها". نستخلص من ذلك أنّ الفهم يتخطّى المدلول النفسي في إدراك الأشياء ("فَهِمَ" بالمعنى النفسي معناه: أدْرَك، واستوعب، وقبَض في الذهن على المسألة... إلخ)
ليصير ما يُحيط بالإنسان أو ما يُدمجه في بيئة ما، ويتلخّص في الحوار والتواصل، أو ما يسمّيه
غادامير "العنصر اللغوي": "كل ظواهر الفهم والتفاهم أو عدم التفاهم التي تُشِكِّل موضوع ما نُسمّيه
الهيرمينوطيقا، تمثّل تجلّيًا لغويّا واضحًا". العلاقة بين الفهم واللغة هي علاقة عضوية ووظيفية،
يُمليها سياق التواصل بين البشر وإرادة فهم المقاصد والتفاهم حول الموضوعات أو الإشكالات
المطروحة بينهم: "ليس عبثًا أن تكون الإشكالية الخاصة بالفهم ومحاولة التضلّع بها كفٍّنٍ – وهو من اهتمام التأويلية – تنتمي في الأصل إلى النحو والخطابة. اللغة هي الوسط الذي يتحقّق فيه التفاهم بين الشركاء والاتفاق حول الشيء ذاته". بتعبير آخر: ليست اللغة مجرّد "وسيط" بين البشر من أجل التعبير والتواصل، بل هي كذلك
"الوسط" الذي يحيون فيه بمختلف تجلّياته الأنثروبولوجية من رموز، وأساطير، وعادات، وتقاليد، والتي تشكّل كلها "رؤية للعالم" Worldview تخصّ شرطهم الوجودي. معنى ذلك أنّ اللغة تتعدى
هنا مجرد الكلام أو ما يمكن تسميته "اللغة الموضوعة" أو المتّفق عليها والمقَّنَنة في قواعد نحوية
وبلاغية، نحو "اللغة المطبوعة" في مختلف مظاهر الحياة البشرية من تقاليد، وعلامات، وثقافات، والتي تقتضي فهم مضامينها. والعلّة في ذلك أنّ الفهم ينجم عنه التفاهم أو عدم التفاهم، لأنّ
(((في التصوّر الألماني "علوم الروح" Geisteswissenschaften هي ما يقابل "علوم المادة أو علوم الطبيعة"، ويُقصد بها العلوم
الإنسانية والدينية والتاريخية والاجتماعية... إلخ، التي تعالج تمظهر الروح أو الوعي في العالم. كانت هذه الصيغة شائعة في المثالية الألمانية، من شيلنغ وهيغل إلى دلتاي.
(4) Chris Lawn & Niall Keane, The Gadamer Dictionary (New York: Continuum International Publishing, 2011), pp. 148–149. (5) Hans–Georg Gadamer, Langage et vérité , Jean–Claude Gens (trad.) (Paris: Gallimard, 1995), p. 146.
(((هانس جورج غادامير، الحقيقة والمنهج: الخطوط الأساسية لتأويليةٍ فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، مراجعة جورج كتوره (طرابلس، ليبيا: دار أويا للطباعة والنشر، 0072)، ص.506
الفهم مبني في أصله اللغوي على هذه الرابطة البشرية، وهي إرادة التوجّه نحو الآخر: بحسب
غادامير، الفهم في الألمانية معناه "الاتفاق المتبادل حول شيءٍ ما" وهو ما نجده في الفرنسية مع الكلمة Entente (التي تُقابلها Verstehen في الألمانية). ومنه يستخلص غادامير الأطروحة المثيرة للجدل: "الفهم هو قبل كل شيء تفاهم Einverständnis ". من شأن هذه الأطروحة أن توسّع
ظاهرة الفهم، من المنغلق النفسي في إدراك الموضوعات ذهنيّا نحو المنفتح الأنطولوجي في
إدراك وجودنا المشترك في العالم، حيث يمثّل الحوار وسيلةً لإدراك الذوات قصديّا والتوجّه إليها
رمزيّا للاتفاق حول شيءٍ ما.
2. الحوار والتفاهم
يتّضح ممّا سبق ذكره أنّ الفهم ليس مسارًا باطنيّا في الفهم الذاتي واقتناص موضوعات العالم
في قوالب ذهنية أو تصُّوُرات، بل إنّه مسار خارجي، يتيح الذهاب نحو العالم، إمّا بالتوصّل
بأشياء العالم على أساس الاستعمال والانتفاع، وإمّا بالتوصّل بالذوات في العالم على أساس
التعبير والتواصل. الإنسان هو كائن لغوي وعلاقته بالغير هي لغوية بامتياز، تقوم على جدل السؤال والجواب. هناك "استفهام" (سؤال) يقتضي التوجّه نحو الآخر ل "فهم" مقاصد الكلام
ومن ثمّ "التفاهم" حول موضوع الحديث (الجواب). غير أنّ جدل السؤال والجواب هو جدل
حيّ ومستمر، لا ينتهي بتقديم أجوبة يقينية في عالمٍ يخلو من اليقين التام والنهائي، بل هو حركة
حثيثة دائبة تعكس التفاعُل بين الأفراد ونبض العالم الذي ينتمون إليه. وهكذا، فإنّ جدل السؤال والجواب هو "عجلة" تحرّك "قاطرة العالم" نحو الأمام لتفادي السكون ودرء التعطّل: "فهم النص
أو الحدث هو فهمه كجواب عن سؤال. إنه العصب المركزي للتأويلية، وهو التطبيق، الذي يجد في هذا الجدل إنجازه الفعلي: لا يمكن أن أفهم شيئًا سوى عندما أنتبه إلى كوكبة الأسئلة التي
ينخرط فيها النص الذي أؤوّله". أًّيًا كانت طبيعة الحوار: بين القارئ والنص، أو بين المترجم والوثيقة، أو بين الأنا والآخر، أو
بين ال "نحن" والتراث، أو بين الحاضر والماضي؛ فإنّ الحوار يشكّل عالمًا حًّيًا وخاّلقًا ويعكس
البعد العالمي للتجربة التأويلية. فلأنّ هناك سوء الفهم أو عدم التفاهم، وُجد التأويل لتذليل هذه
العقبات. لا نؤوّل ما هو واضح بذاته. بل جُعِل التأويل لاستجلاء الغامض ودرء مطبّات الفهم
والتفاهم في عالمٍ يكتنفه الغموض في النيات، والالتباس في العلاقات، والاضطراب في التواصل. التأويل هو في مقام الإنارة التي تستجلي عتمة الوجود، وتكشف عن حقيقة الأشياء المراد فهمها، أي الاتفاق حولها. من هنا يدلّ الحوار على جدل السؤال والجواب والذي يشير إلى الكرّة أو
التكرار والمعاودة حتى تنكشف الأشياء للوعي وتتّضح وتتميّز: "التأويل، مثله مثل المحادثة، دائرة
(7) Jean Grondin, Introduction à Hans–Georg Gadamer (Paris: Cerf, 1999), p. 92. (8) Hans–Georg Gadamer, La philosophie herméneutique , Jean Grondin (trad.) (Paris: PUF, 1996), pp. 74, 80.
يقول في هذا السياق "الفهم، هو قبل كل شيء، الاتفاق حول شيءٍ."ٍما
(9) Grondin, p. 184.
مغلقة بجدل السؤال والجواب. إنه سلوك حياتي تاريخي أصيل تحقّق من خلال وسط اللغة، وفي وسعنا أن ندعوه حوارًا فيما يتعلّق بتأويل النصوص أيضًا. إنّ لغوية الفهم هي تجسيد للوعي
التاريخي الفاعل". لماذا يشدّد غادامير على "الاتفاق حول الشيء ذاته"؟ بالمعنى الفينومينولوجي للكلمة، "الشيء ذاته" die Sache selbst/ the thing itself هو الظاهرة التي يدركها الوعي ويجرّدها من خصائصها
الحسية والنفعية ليصل إلى ماهيتها، أي: يدركها كما هي وكما تنكشف بذاتها. ومن ثمّ، فإنّ
الاتفاق حول الشيء ذاته هو التركيز على الموضوع المراد الاتفاق بشأنه والذي يستغرق الذوات المتحاورة ويجعلها تنثني عن الخصومة والاعتبارات الذاتية التي تشوّه الموضوع وتشوّش على
فهمه الدقيق: "الحوار هو مسار في التفاهم. تقتضي كل محادثة حقيقية أن نتفاعل مع ما يقوله الآخر، وأن ننتبه إلى وجهات نظره وأن نضع أنفسنا في مكانه، لا لنفهمه هو في ذاته كفردية، بل لنفهم ما يقوله. ما يهمّ هو إدراك ما يحقّ له التفكير فيه، بحيث يتسنّى لنا الاتفاق حول الشيء
ذاته".
3. انصهار الآفاق
في مقاله النبيه، يطرح غروندان إمكانية أن تكون فكرة "انصهار الآفاق" عند غادامير بوصفها امتدادًا لما عُرف في العصر الوسيط ب "تطابق الأشياء والعقل" adæquatio rei et intelletus، من ابن سينا (–980 0371)، إلى توما الأكويني Thomas Aquinas (512274–.)12 في الواقع، إنّ الاتفاق حول الشيء ذاته يجد مسِّوِغه في فكرة انصهار الآفاق، لأنّ الاتفاق والتطابق يعبّران عن الانسجام والتكييف مثلما يقوم
الموسيقار بدَوْزنَة الآلات الموسيقية من أجل إيقاع عذْب ومنسجم، فيكون الإيقاع مطابقًا للنوتات
وموافقًا للآلات. توقّف غروندان عند الطابع الغامض لكلمة "انصهار" Verschmelzung/ Fusion، وإن كان المقابل الإنكليزي Conflation يُقال أساسًا في الموسيقى على المزج بين الأنغام. وإن اتّخذت
الكلمة مدلولًا سلبيًا، من حيث إنّ الانصهار Fusion قد يتحوّل إلى الالتباس Confusion بانتفاء الحدود
بين العناصر المعلومة، إّلا أنّ التصوّر الذي يدرجه غادامير يتحاشى المبهم والملتبس. ما يريد غادامير قوله بالمصطلح هو أنّ الأفق هو الذي يحدّد الاتفاق بين حدّين (المؤوّل والنص،
والحاضر والماضي... إلخ) أو عدّة حدود (شركاء الحوار) مثلما يبدو خَّطَا السكّة الحديدية المتوازيان كأنّهما يلتقيان في الأفق للعين النّاظرة. ليس المراد من الانصهار هو "الذوبان"،
وإنّما صدور شيءٍ آخر غير العنصرَين المنصهرَين، يحتفظ بهويتهما ويتجاوزهما في الوقت نفسه؛
ممّا يعطي فكرة غادامير الدلالة الجدلية لما يُسَمَّى "الرفع" Aufhebung / Sublation، والذي
وظّفه الفيلسوف الألماني فريدريش هيغل Friedrich Hegel 831–1770(1)، ليدلّ به على تناقضٍ في الحدود، وهو مجاوزة الشيء بالاحتفاظ به. يقول غادامير: "يحدث في عملية الفهم انصهار
(1((غادامير، ص 512. (ترجمة الباحث معَّدَلة نسبيّا) (((1 المرجع نفسه، ص 507. (ترجمة الباحث معَّدَلة نسبيًا)
حقيقي للآفاق؛ الشيء الذي يعني أنّه ما أن يتمّ إسقاط أفق تاريخي حتّى يتمّ تجاوزه في الوقت
نفسه. وإحداث هذا الانصهار على نحوٍ منتظم هو المهمّة التي ننسبها لما سمّيناه الوعي المتأثّر بالتاريخ". يمكن القول إنّ الإجراء الذي يستعمله غادامير، في وصف انصهار الآفاق، هو إجراء بلاغي في التبديل أو التوالُج ("كياسمُوس" chiasmus)، وهو يقوم على مخَّطَط ABBA، كما جاء في
مسرحية البخيلعند موليير Molière: "نأكل لنعيش BA) (، لا نعيش لنأكل AB) (". يعبّر غادامير
عن التداخل بين الحقائق أو انصهار الآفاق بهذه الصيغة: "الأفق هو ما نلج فيه تدريجيّا والذي
يتحرّك معنا". فهو ليس معطى ثابتًا، بل يتحرّك بحركة البنى الذهنية، والأفكار، والأحكام
الممكن صوغها عن حالة العالم. يمكن نعت ذلك تبديليّا أو كْيَاسمًّيًا ب "الحاوي – المحتوى"،
حيث "يحتويني" التراث بما طبعه في ذاتي من تقاليد وقيم (اللغة، والتربية، والانتماء الجغرافي، والتاريخي، والديني... إلخ) بقدر ما "أحتويه" بأن أكون استمراريةً له، وفي الوقت نفسه تجاوزًا له، من جرّاء المسافة الزمنية التي تفصلني عنه، لأنّني أحيا في عصرٍ يختلف في روحه عن ماضي
هذا التراث. في الأصل، كان "الفهم" بالمعنى اللاتيني cum / prehendere يدلّ على هذا الاحتواء أو الإحاطة، قبل أن "يتَنَفسَن" (إن صحّت الكلمة) ويصير إدراكًا عقليّا أو قبضًا لموضوعات العالم في الذهن
بصيرورتها تصوّرات. في نظر غادامير، الفهم هو اسم من أسماء انصهار الآفاق، لأنّ بصيغته في
الاحتواء يحقّق الفهم التداخل بين الماضي والحاضر، وبين المؤِّوِل والنص: "يكمن الفهم في مسار انصهار الآفاق التي يُفترض بأنّها موجودة بذاتها". يعمل الفهم على دمج الآفاق التي تتحرّك بحركة
الأفراد والرؤى والأفكار، وتعبّر عن مسارٍ جدلي حثيث وخّلا ق.
4. مفهوم التطبيق
الفهم هو كذلك اسم من أسماء التطبيق. والعلّة في ذلك يشرحها غادامير في القسم الثاني من الحقيقة والمنهج. كان اللاهوتي يوهان رامباخ Johann Rambach (5–1693173) قد حدّد التأويلية في ثلاثة إجراءات، عندما كانت في ذلك الوقت مجرّد أداة مساعدة في دعْم النصوص
المقَّدَسة والقانونية، وهي تتلخّص في "النظر العقلي" intellectio بتسليط الضوء على المقاطع الغامضة من النص، و"التفسير" explicatio بشرح مفردات النص وبيان دلالتها، وأخيرًا "التطبيق"
applicatio بإسقاط مضامين النص على عصر القارئ بأن يحتكم إليها ويسير وفقها. يثير غادامير الانتباه إلى السياق الذي وردت فيها الإجراءات الثلاثة وهي استعمال مفردة "دقّة أو لطافة"
(((1 المرجع نفسه، ص.417 (((1 المرجع نفسه، ص.415 (((1 المرجع نفسه، ص.4167–41
subtilitas ليُبرز طابع النباهة والحنكة في تناول موضوعات التراث، وأنّ المسألة ليست
مجرّد إجراءات منهجية جافّة. عندما نتأمّل جيّدًا، نرى أنّ "النظري – التفسيري – التطبيقي" يوافق
"الفهم – التأويل – السياق". لا يضع غادامير فاصلًا بين الحدود الثلاثة: "نحن مجبرون على إدراج التطبيق والفهم والتأويل في سيرورة موَّحَدة". هناك إذًا وحدة معنوية تجمع بينها: "فالتأويل ليس واقعة ثانوية لاحقة تُكِمِّل
الفهم؛ بل إنّ الفهم بالأحرى هو تأويل دائمًا، ومن هنا فإنّ التأويل هو الفهم بشكله الصريح [...].
فنحن نعُّدُ التطبيق، كما الفهم والتأويل بالضبط، عنصرًا مكمّلًا للعملية التأويلية". مفاد ذلك هو أنّ
العملية التأويلية تتركّب من حدود ثلاثة تقول الشيء ذاته في دوائر تأويلية متراكزة ومترابطة. الفهم هو المستبطن من التأويل، والتأويل هو المستظهر من الفهم. يعُدُّ التطبيق "رفعًا" (جمعًا وتجاوزًا في
الوقت نفسه) بين ظاهر الفهم (التأويل)، وباطن التأويل (الفهم)، من حيث إنّه يمثّل سياق الترجمة، أي: ترجمة الكل (النص) في سياق الجزء (المؤوّل). غير أنّ هذه الترجمة، وإن لم تكن خيانة، فهي
"توتّر أساسي بين النص الثابت من جهة – القانون أو الإنجيل مثلًا – والمعنى الذي يتمّ التوصّل إليه
من خلال تطبيقه على لحظة التأويل العينية". هذا التوتّر بين الثابت (النص) والمتحِّوِل (سياق التأويل) هو الذي يجعل العملية التأويلية جدلية
وحيّة؛ أي إشكالية ومستعصية. والعلّة في ذلك بسيطة، وهي أنّ تطبيق الأحكام القانونية أو المواعظ
الدينية لا يتمّ من دون أن يُحدث توتّرًا في السياق وهو سياق الإكراه/ المقاومة أو النص الثابت/ الواقع
المتحوّل. وهنا تُطرح بصريح العبارة مشكلة الفهم الراهن المختلف عن فهم النص في لحظة انكشافه
للوعي البشري. ما يقترحه غادامير هو إذًا الوعي التاريخي بهذا الفاصل بين ماضي النص وتأويلات الحاضر التي ينجم عنها فهم مغاير لمضامينه؛ لأنّ هذا الفهم هو في الحاضر، "هنا والآن"، ولأنّ الفهم هو التطبيق، والتطبيق هو دائمًا في السياق الراهن.
ثالثًا: التأويلية القانونية: الرهانات والاستعمالات
نلج الآن في التأويلية القانونية عند غادامير انطلاقًا من مشكلة التطبيق، وبإعادة استثمار المعجم التأويلي الذي تناولناه بالدرس والتحليل من قبل (الفهم، والحوار، وانصهار الآفاق، والتطبيق). الأطروحة الرئيسة التي يضعها على محكّ المناقشة الفلسفية هي الكيفية التي نطبّق بها الأحكام الكلّية
على القضايا الجزئية. يكمن عصب المشكلة التأويلية في هذه العلاقة الجدلية، والمتوتّرة في جوهرها، بين القاعدة العامّة والسياقات المحلّية. يضع غادامير في هذا الفاصل دور الحُكم Urteil/ Judgment
الذي يسعى لأن يوفّق بين الكلّي والجزئي.
(1((بمعنى الدقّة النظرية subtilitas intelligendi، والدقّة التفسيرية subtilitas explicandi، والدقّة التطبيقية subtilitas applicandi. (1((غادامير، ص.418 (((1 المرجع نفسه، ص.419–418 (1((المرجع نفسه، ص.420–419
ليس الحكم في التأويلية القانونية سوى الوجه الآخر للفاهمة Verständnis/ Understanding كما انبرت من نظرية المعرفة في العصر الحديث، خصوصًا مع إيمانويل كانط Immanuel Kant
(804–17241)، حيث تمثّل الفاهمة وساطة بين العقل الخالص (الكلّي = العلم) والموضوعات الحسية (الجزئي = المعرفة). فهي في مقام "الغربال"، تنقل الانطباعات الحسية إلى العقل بعد أن قامت بتنقيتها من شوائب الحسّ. ومن ثمّ فإنّ العقل لا يتوصّل بالأشياء مباشرةً، بل بوساطة هذه الملَكة التي
هي الفاهمة (الفهم البشري). يقوم الحكم في التأويلية القانونية بالمهمات عينها، وهي الوساطة بين القاعدة الكلّية والوقائع الجزئية، بأن يزن الوقائع الجزئية بميزان التعقّل phrônesis/ prudentia الذي هو الحكمة العملية والمعرفة بالغايات. دور التعقّل، أو إقحام العقل في الممارسة العملية، هو مفيد لاستيعاب الطريقة التي تُطَبَّق بها الأحكام (القواعد، والقوانين... إلخ).
1. التعقّل والاستعداد
ما يقابل التعقّل أو الحكمة العملية هو الحكمة النظرية (صُوفيَا sophia)، وكان أرسطو Aristotle
(842–332 ق. م.) قد ميّز بين الحكمتين، ليدلّ بالحكمة النظرية على التأمّل الخالص، وبالحكمة
العملية على المهارة في أداء الوظائف التقنية. لاستبعاد ما يسمّيه غادامير"تَوْضِيع" المعطيات
Objectivation، أي تحويلها إلى موضوعات مستقلّة عن الذوات، فإنّه يلجأ إلى التعقّل ليبرز أنّ الذات تندمج في الموضوع بوساطة المهارة التقنية التي هي "فضيلة" من الفضائل تُكتسَب
بالتمرّس. معنى ذلك أنّ التعقّل هو "ممارسة أخلاقية" تنطبق كذلك على التأويلية القانونية. غير
أنّ التأويلية القانونية، وإن كانت تسير وفق هذا التعقّل في إصدار الأحكام وبلورة القواعد، فإنّها تواجه مشكلة تطبيقية وهي البعد "التقني" لتلك الأحكام والقواعد، والذي هو بعد "الصناعة" (صناعة القوانين) القائم على مجموعة من التقنيات والإجراءات مثل الضبط، والتحرّي، والتدقيق،
والتوثيق... إلخ. غير أنّ غادامير ينفي أن يكون القانون إجراءً نهائيّا ومغلقًا، بل هو إجراء لا يتوقّف عن التشكّل
والتعديل مقارنةً بالحالات الخاصة التي تتحوّل في السياق: "تكمّل الحالة الفردية معرفتنا بالقانون
والأخلاق أيضًا، بل إنّها تحدّدهما على نحوٍ مثمر أيضًا. والقاضي لا يطبّق القانون عينًّيًا فقط، بل إنّه
يسهم من خلال إصداره الحكم في تطوير القانون ('القاضي صانع القانون'). وعلى نحوٍ ما تطوّر
القانون، وتطوّرت الأخلاق باستمرار من خلال وفرة الحالات الفردية". إنّ المشكلة التي تُطرَح
أخلاقًّيًا وقانونًّيًا هي الفارق بين العلم والفن الذي سبق لنا أن أشرنا إليه في بداية الدراسة. يأتي التعقّل
(1(("التعقل (في الإغريقية: العقل، الحصافة)، حكمة عملية أو معرفة خاصة بالنهايات القصوى للحياة. ينظر:
Simon Blackburn, Oxford Dictionary of Philosophy , 2 nd ed. (Oxford: Oxford University Press, 2005), p. 276. (20) Jean–Louis Labarrière, "Phronēsis," in: Barbara Cassin (ed.), Dictionary of Untranslatables. A Philosophical Lexicon , Steven Rendall et al. (trans.), Translation edited by Emily Apter, Jacques Lezra & Michael Wood (Princeton/ Oxford: Princeton University Press, 2014), p. 778.
(((2 غادامير، ص.94
في المنزلة الوسطى بين المنزلتين (بين النظري والعملي) ويتجاوز العلم والفن معًا، لأنّه استعداد أو فضيلة في أداء المهمات والقيام بالوظائف. فهو فيما وراء العلم الذي غايته في ذاته praxis، وفيما وراء الفن الذي غايته في غيره poiēsis
بإنتاج شيءٍ خارج الذات. لكن، أين نضع القانون في هذا الفاصل بين العلم والفن؟ وهل صناعة القانون هي مرادف لصناعة الآلة أو الشيء مثلما نصنع الكرسي أو المبراة؟ أليس القانون هو ما "يُقِوِّم" فعل الإنسان (مثلما الأخلاق هي ما "يتمّم" سلوك هذا الإنسان)، بمعنى أنه محايثٌ
له وإن كان يأتي من خارج الضمير الذي بين جنبيه؟ لا يستهدف غادامير القانون في حدّ ذاته
كإجراءٍ في تقويم الفعل البشري، بقدر ما يرى النتائج وهي تأويل القاعدة، وفهم السياق، وتطبيق الأحكام. والعلّة في ذلك هي أنّ غادامير يسلك دروب أرسطو في جعل التعقّل هو الاستعداد في أداء المهمات والمعرفة بالغايات القصوى. فلا مجال، إذًا، للمقارنة بين "صناعة القاضي للقانون" و"صناعة النجار للكرسي". ليست العلّة الصورية والغائية هي عينها، من حيث إنّ وجه الشبه بين الكرسي والقانون لا يستقيم، ولأنّ الغاية من استعمال الكرسي للجلوس عليه ليست عينها القانون المطَّبَق على الفعل البشري. يكتسي القانون طابعًا أخلاقيًا، أي ما له "غايته في ذاته". وإنّ تطبيقه على الفعل البشري لا يكون على
شاكلة "طريقة استعمال" الآلة أو الأداة. عندما نريد استخدام الآلة، فإنّ التعليمات الموَّجَهة هي عينها
ما ينبغي فعله، لكن التطبيق في القانون هو فهم سياق الحالات الخاصّة أو الفردية ليكون تطبيقه
مُنْصفًا، بمعنى أنّه يراعي كل الشروط التي تنطبق فيها القواعد العامّة على تلك الحالات الفردية:
"والحقيقة القائلة بأنّ التأويلية الفيلولوجية، والقانونية، واللاهوتية تنتمي في الأصل إلى بعضها بعضًا هي حقيقة استندت إلى عِّدِ التطبيق عنصرًا مكِّمِلًا للفهم". عندما نفهم السياق فإنّا نطبّق الإجراءات؛
وتطبيق الإجراءات يزيد من فهمنا للسّياق المدروس. وهذه "الزيادة" في الفهم هي ما يجعل الأحكام
ملائمة (أي عادلة) لسياقات تطبيقاتها. وعندما يقول غادامير: "فالقانون لا يوجد من أجل أن يُفهَم
تاريخيًا، بل أن يُنزل بشرعيته القانونية إلى الواقع العيني وذلك من خلال تأويله"، فهل يريد القول
بذلك إنّ القانون هو إجراء "معياري" ولا تهمّ التطبيقات السابقة للقانون في سياقات مختلفة؟ أليس
دور المشرّع هو أن يطّلع على المعطيات السابقة التي طُِّبِق فيها القانون لكي يفهم الحالة الفردية التي
يدرسها؟
2. المشرع والمؤرخ
يجيب غادامير بأنّ الفارق يخضع لتقسيم في العمل. فوجب التمييز بين "المشرّع أو القانوني" و"مؤرخ
القانون"، أو ما يسمّيه الفارق بين الاهتمام الدوغمائي والاهتمام التاريخي بالقانون. ويقدّم الجدول
(1) الفارق بين الوظيفتين.
(((2 المرجع نفسه، ص.419 (((2 المرجع نفسه، ص.420
الجدول (1) القانون بين المشرع والمؤرخ
| القانون | عند المشرع | عند المؤرخ |
|---|---|---|
| الوضعية | دوغمائية ومعيارية | تاريخية وتطوّرية |
| الشرط | أقلمة مع الشروط الآنية والذاتية للحقوق | الموضوعية التاريخية |
| المعنى | بناءً على الحالات الفردية: المنهج الفرداني Methodological individualism | بناءً على المجال العام: المنهج الكّلا ني أو الهُلسْتي Holism |
| الفهم | التطبيق الحاضر للقانون بغضّ النظر عن تطبيقاته السابقة | وساطة بين التطبيق الأصلي للقانون وتطبيقه الحاضر |
| التاريخ | وسيلة من أجل تطبيق أمثل للقانون | منطلق من أجل تحسين مستمر للقانون |
المصدر: من إعداد الباحث.
إذا كان المشرّع يدرك معنى القانون على أساس الحالات الفردية التي يُطَبَّق عليها، فإنّ مؤرّخ القانون
لا ينطلق من الحالات الفردية للإقرار بمعنى القانون. فهو يدرس معنى القانون في المجال الذي ينطبق عليه وهو مجال الأفعال والحقوق البشرية. وهذا يعني أنّ رؤيته للقانون هي رؤية كّلا نية أو "هُلستية" Holistic وليست فردانية. ولا يهمّه كذلك المعنى الأصلي عندما طُِّبِق القانون أوّل مرّة،
وإنّما مراحل تطوّر القانون وتطبيقاته المتوالية. يمكن القول مجازًّيًا إنّه لا ينظر فقط إلى القانون
ك "نقطة" ظهرت في تاريخ التشريع، بل كذلك إلى "الخط" المستمر لتطبيقات القانون. وبما أنّ الخطّ هو سلسلة متوالية من النقاط، فإنّ المؤرّخ ينظر في معنى القانون كما ظهر أوّل مرّة وتعديلاته الممكنة
في الزمن تبعًا للحالات الفردية التي يُطَبَّق عليها. هموم المشرّع هي في الدرجة الأولى "آنيّة" أو في الحاضر. فهو يرى مدى انطباق الحالات الراهنة
مع المعنى الأصلي للقانون. ما هو بالنسبة إلى المؤرّخ مجرّد "واقعة" Fact؛ أي جملة المعلومات
والمؤشّرات، هو بالنسبة إلى المشرّع عبارة عن "حقيقة" Truth عندما يتحقّق منه ويُصدّق عليه، لأنّ
غاية القانون هي "حقيقة" ما جرى بالفعل ليكون الحُكم عادلًا، وليست "واقع" المجريات والروايات
المسوقة فحسب. ويرى المؤرخ الحالات الفردية المتواترة في تاريخ القانون على أنّها وقائع يستغرقها معنى القانون نفسه، في حين ينظر المشرّع إلى الحالات الفردية على أنّها تجلّيات القانون المطَّبَق أي
حقيقة التشريع نفسه. غير أنّ ما "يتواتر" في الزمن (التعاقبي) "يتوتّر" مع المعنى الأصلي (السكوني) ويجعل تطبيق القانون عبارة عن مشكلة تأويلية وأخلاقية. لا يفقد المشرّع الغاية القصوى التي جُعل
من أجلها القانون وهو التطبيق، إّلا أنّ التطبيق ليس شيئًا بديهًّيًا مثل المقاس المناسب للحذاء. هناك
(((2 الهلستية هي أسبقية الكل على الأجزاء أو الفرديات المتعيّنة. ينظر: 170 Blackburn, p..
حالات فردية تجعل القانون في امتحانٍ تطبيقي صعب، ومن ثمّ إعادة النظر في القانون نفسه وليس
تطبيقه عنوةً على شاكلة "سرير بروكرست" Procrustean Bed. لا يمكن تشويه الحالات الفردية ليصحّ القانون أو التنكّر لتطوّر السلوكيات بتطبيق القاعدة عينها.
على القانون أن تكون له وجهة "سيادية" لا "سلطوية" إذا عنينا بالسيادة أنّه يسود بالروح السلسة التي ينفخها في الحالات التي يُطَبَّق عليها، ولا يتسلّط بأن يُطَبَّق عنوةً أو ميكانيكيّا: "فتأويل إرادة قانونٍ
ما أو وعدٍ إلهي هو ليس شكلًا من أشكال الهيمنة، إنّما هو من الواضح شكل من أشكال الخدمة. فهي تأويلات – تتضمّن التطبيق طبعًا – في خدمة ما يُعدّ شيئًا مشروعًا". جُعل القانون ليسدي
خدمةً (الأمن، والنظام، والعدل... إلخ)، ومن ثمّ فهو قابل للتطور تبعًا لترقّي العقليات. هذا ما يتفق
عليه المشرع والمؤرخ، وإن كان الأول يبقى في دائرة التشريع؛ لأنّ همّه هو التطبيق الراهن للقانون،
ويجمع الثاني بين التشريع والتاريخ بأن يرى تطوّر القانون في الزمن: "على المؤرّخ أن يشرع بالتأمّل
نفسه الذي يشرع به المتخصّص بالقانون". لكن في حين تحتّم "معيارية القانون" على المشرّع النظر في الحاضر أنه استمرارية للماضي أو الروح
الفاعلة للقانون في مختلف الأزمنة والسياقات، فإنّ "تاريخية القانون" تحتّم على المؤرّخ النظر في
الحاضر على أنه إمكانية في إعادة تأويل القانون الأصلي؛ ومن ثمّ إمكانية تعديله وتحسينه. غير أنّ
الاختلاف في الطبيعة (بين المعياري والتاريخي) لا يعني التمايز في الدرجة، من حيث إنّ المشرع والمؤرخ يسعيان كلاهما إلى تأويل القانون بالمعنى العملي للكلمة، مثلما يقوم الموسيقار بتأويل السيمفونية، وذلك بدَوْزنَة الآلات التي تُصدر أنغامًا منسجمة. ما يروم به المشرع والمؤرخ هو أن
تنسجم الحالات الفردية الراهنة مع القانون الأصلي، وما لا ينسجم يُصَحَّح أو يُعَدَّل مثلما يُصِحِّح
الموسيقار النوتات التي تفلت من الانسجام العام للنّغم. يتصَّرَف مؤرّخ القانون وفق التاريخ الوقائعي
للتشريع ليرى مسار تطوّره، بينما يتحوّل المشرّع إلى "مؤرخ الحاضر" بأن يحصر القانون في الزمن
الذي يهمّه وهو الأفعال الراهنة وما تعنيه بالنسبة إلى المشرع: ف "القاضي يسعى إلى أن يكون منسجمًا
مع 'الفكرة القانونية' بأن يتوسّط بينها وبين الحاضر [...]. لذلك، فإنّ توجّهه ليس كتوجّه المؤرّخ،
إنّما هو يتوجّه نحو تاريخه الخاص هو، أعني راهنه هو. وبهذا فهو يستطيع أن يقارب على الدوام،
بوصفه مؤرخًا، تلك المسائل التي يصل ضمنيّا إلى قرار بصددها بوصفه قاضيًا". ندرك أنّ التأويلية القانونية عند غادامير تسعى لأن تقرّب بين المهمات عبر كلمة – مفتاح هي
"الوساطة"، بأن يكون المشرّع وسيطًا بين القانون الأصلي وتطبيقه الحاضر (استمرارية معيارية)،
(2((في الأسطورة الإغريقية، "بروكرست" Procrustes هو أحد قطّاع الطرق الذي كان يضع ضحاياه على سرير. إنْ كانت الضحية
قصيرة، مدّد أرجلها وأذرعها، وإنْ كانت تتجاوز أبعاد السرير، فإنّه يبتر الأرجل أو السيقان. ينظر:
J. A. Coleman, The Dictionary of Mythology (London: Arcturus, 2007), p. 846.
(2((غادامير، ص.423–422 (((2 المرجع نفسه، ص.442 (2((المرجع نفسه، ص.443
وبأن يكون المؤرّخ وسيطًا بين القانون الأصلي وتحّولّاته في حاضر السياقات والتعُّيُنات الفردية
(استمرارية تاريخية تتخلّلها تعديلات ومراجعات). غرض غادامير هو البحث عن "ملتقى الطرق" التأويلية بين المشرع والمؤرخ وكذلك الفيلولوجي واللاهوتي: "والحقيقة هي أنّ الفهم التاريخي يدلّ ضمنًا ودائمًا على أنّ التراث الذي يصل إلينا يتكلّم في الحاضر، فيجب أن يُفهَم في هذه الوساطة، أو
في الحقيقة بوصفه هو هذه الوساطة. إذًا، ليست التأويلية القانونية حالة خاصّة، إنّما هي على العكس
قادرة على إحياء المشكلة بكل اتساعها، لتعيد بذلك تأسيس الوحدة الشكلية للتأويلية، التي يلتقي فيها المتخصّص بالقانون واللاهوتي بالفيلولوجي". فمن أجل وحدة علوم الروح أو العلوم الإنسانية،
ناضلت تأويلية غادامير؛ وهي وحدة أنطولوجية وتاريخية في اعتمال التراث في الحاضر، وليست وحدة منهجية في الإجراءات المعرفية عينها فحسب.
3. الشرط التأويلي للقانون
يشبّه غادامير الوحدة الأنطولوجية والتاريخية التي يشير إليها ب "نقطة التلاشي" Vanishing Point في
المشهد الطبيعي أو اللوحة الزيتية، حيث تتّجه الخطوط المتوازية نحو مسْقَطٍ واحد يشي بانسجام
مشترك. الوحدة القانونية هي أنّ القانون ينطبق على الجميع بغِّضِ النظر عن تطبيقاته السابقة أو تعديلاته الراهنة. مفهوم "التطبيق" هو الذي يُحِقِّق هذه الوحدة من حيث إنّه المفهوم–المفتاح الذي
يتجَّسَد في مختلف المجالات التأويلية: الفيلولوجية، واللاهوتية، والقانونية؛ وفي مختلف الحالات
القضائية: "إنّ عمل التأويل هو تجسيد القانون في كل قضية معَّيَنة؛ بمعنى أنّ عمله هو التطبيق".
ولا يأتي هذا التطبيق آليّا مثلما نُطِبِّق تعليمات معَّيَنة من أجل استعمال محَّدَد، وإنّما يأتي في سياق
معطيات مفتوحة على الإمكان "يتعَدَّل" بموجبها القانون لكي "يَعْدِل". يفسّر هذا الأمر قُدرة النقاش
العمومي (المحامي، والمستشار، والمجالس القضائية... إلخ) على النظر إلى القانون نظرة انزياح مقارنة بالصورة المقَّدَسة والصلبة التي يتمَّيَز بها: "وهذا هو السبب من وراء وجود ثقة قانونية في الدولة
التي يحكمها القانون؛ بمعنى أنّه من الممكن مبدئًّيًا معرفة الحالة تحديدًا. فكلّ محامٍ، وكل مستشارٍ
قانوني في إمكانه، من حيث المبدأ، أن يقدّم النصيحة الصائبة؛ أي إنّه يستطيع أن يتنبّأ بدقّة بقرار
القاضي على أساس القوانين الموجودة". يتراءى وجه الوحدة كذلك في أنّ المهمات مشتركة وإن كانت الأهداف مختلفة. بهذا المعنى يشبّه
غادامير مهمّة المؤرخ في تناول الشهادات التاريخية بالشهادات التي يُنصت إليها القاضي، مع فارقٍ
(2((المرجع نفسه، ص.444 (3((يستثني غادامير بعض الحالات القصوى مثل الاستبداد: "وهكذا فإنّ الشرط الأساس لإمكانية قيام التأويلية القانونية هو أّن
القانون ملزم لجميع أعضاء المجتمع بالطريقة نفسها. وإن لم يكن ذلك كذلك – كما في حالة دولة استبدادية، حيث تكون إرادة الحاكم المستبد فوق القانون – فلن تقوم للتأويلية قائمة "ما دام الحاكم المستبدّ بمقدوره أن يفسّر كلماته بطريقة تُبطل قواعد التأويل
العامّة". لأنّ القانون في هذه الحالة لا يؤَّوَل بطريقة يتمّ فيها إصدار قرار حول القضية طبقًا للمعنى الصحيح للقانون". ينظر: المرجع
نفسه. (((3 المرجع نفسه، ص.445 (((3 المرجع نفسه.
أساس يتمثّل في أنّ المؤرّخ يقرأ شهادات ماضية يسعى للتحقّق من صدقيتها بالجمع، والمقارنة، والتوثيق، في حين يستمع القاضي إلى شهادات حاضرة ليبني حُكمًا مُنصفًا: "إنّ المؤرّخ يقارب نصوصه بالطريقة التي يقارب بها قاضي التحقيق شهوده. ولكن مجرّد إقامة الوقائع، المستنبطة
من شهود محمّلين بأحكام مسبقة، لا يجعل من المرء مؤرّخًا. إنّ ما يجعله مؤرّخًا هو فهمه لدلالة ما يجده. فشهادة التاريخ، إذًا، مثل الشهادة التي يدلى بها أمام المحكمة. وليس مصادفةً أن تستخدم الألمانية الكلمة نفسها لكلتيهما وهي Zeugnis، شهادة. وفي كلا الحالين تساعد الشهادة على إقامة الوقائع. ولكن الوقائع ليست موضوعات البحث الحقيقية؛ إنها مجرّد مواد أمام مهَّمَة القاضي
ومهمّة المؤرّخ، بمعنى إصدار قرار بالنسبة للقاضي، وبالنسبة للمؤرّخ إقامة دلالة تاريخية لحادثة ما ضمن كلية وعيه التاريخي الذاتي". إذا ترجمنا ذلك بصيغة أخرى نقول: إنّ وحدة المهمات في الوصول إلى الحقيقة القضائية لتسويغ الحُكم أو معنى التاريخ الثاوي في الأحداث المتواترة أو ما سَّمَاه غادامير "الاتفاق حول الشيء ذاته" بوصفه ظاهرة معطاة للوعي، هي ممكنة في إطار الاختلاف بين الواقعة والحقيقة، أو بين الأحداث التاريخية وما يمكن أن تعنيه بالنسبة إلى المؤرخ، والأفعال البشرية في أدائها المضبوط (بالاستعانة بالدلائل، والقرائن، والشهود... إلخ) بالنسبة إلى القاضي.
رابعًا: التأويلية القانونية على المحك: النقاش بين غادامير وبيتي
إنّ الشرط التأويلي للقانون هو وحدة المهمات التي تروم الفهم الدقيق للوضعيات فيما وراء الاختلاف في الأهداف ("المعيارية" بالنسبة إلى المشرع أو القاضي، و"التاريخية" بالنسبة إلى مؤرّخ القانون)، ممّا يضع التأويلية القانونية في الأفق العالمي نفسه الذي تنتهي إليه التأويليّات الأخرى: الفيلولوجية،
واللاهوتية، والعلمية... إلخ. يشكّل الفهم القاسم المشترك بين مختلف أشكال التأويل، إذا كان المراد به ليس ما ذهب إليه شلايرماخر وهو "التكهّن" بأن نضع أنفسنا في مكان الآخر لكي ندرك قصديته، وإنّما الاقتدار على إعادة تشكيل الروح الخّلا ق الذي تجسّد في مختلف الصنائع والروائع والمعبّر بها، على منوال هيغل ودلتاي، ب "الروح الموضوعي". ويكون ذلك تأويلًّيًا (بالمعنى
(((3 هذه الكلمة الألمانية مزدوجة الدلالة، تدلّ على الأشخاص وعلى الأشياء، أي: من جهة "الشهود" بما يدلون بها من روايات
يتُّمُ التحُّقُق منها والمقارنة بينها؛ ومن جهة أخرى "الدلائل أو القرائن" وهي مجموع العلامات والمؤشرات التي هي في مقام البصمة
مقارنةً بالفعل. يُفِسِّر هذا الأمر اعتماد قاضي التحقيق على دلائل الشرطة القضائية (أدوات، وأغراض شخصية... إلخ) في بناء
الحكم. غير أنّ الدلائل وحدها لا تكفي إذا كان المَّتَهم مثلًا في حوزته "العُذر" alibi مثل عدم تطابق التوقيت مع حصول الجنحة
أو الجناية. كذلك، ينتفي العذر إذا كانت بعض التحاليل العلمية تُثبت العكس، مثل استعمال الحمض النووي DNA لإثبات تلك
الجنحة أو الجناية. (((3 المرجع نفسه، ص.455 (3((في المثالية الألمانية، خصوصًا عند هيغل، هناك ثلاثة أنواع من الروح، هي: "الروح الذاتي" وهم الأفراد أو الذوات المتعيّنة،
و"الروح الموضوعي" وهو الشيئية، أو ما يتجَّسَد في التاريخ من العبقرية الصنائعية، و"الروح المطلق" الذي يحصره هيغل في الفن،
والدين، والفلسفة، والدولة. ينظر: مدخل "الروح Spirit " في: ميخائيل إنوود، معجم مصطلحات هيجل، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام (القاهرة: المشروع القومي للترجمة، 0002)، ص.514–512
اللاتيني المدروس سابقًا) بالانتقال "من المظاهر المعَّبَر عنها إلى الباطن الروحي الذي أوجدها"؛
ويكون قانونًّيًا ببلوغ روح القانون الذي هو العنصر المثالي للنظام القضائي، وليس الولوج في نفسية
المشرّع أو واضع الأحكام وصانع القوانين.
1. قانون التأويل: شكل التمثّل
.تُطرَح المشكلة هنا على مستوى الفارق بين الاعتبار الذاتي والاعتبار الموضوعي للتأويلية القانونية
ومن ثمّ، فإنّ الاحتكام إلى "قانون التأويل" أمر مهمّ لفهم "تأويلية القانون"، وكان هذا من اهتمام بيتي
الذي حَّدَد قانون التأويل في أربعة إجراءات تتوزّع على عنصرين أساسين وهما الذاتي والموضوعي. ويبيّن الجدول (2) هذا التقسيم والتوزيع. الجدول (2) قانون التأويل بين الموضوعي والذاتي
| قااانون التأويل | |||
|---|---|---|---|
| ااالاعتبار الموضوعي | الاعتبار الذاتي | ||
| استقلال الموضوع (1) | مبدأ الانسجام (2) | راهنية الفهم (3) | توافق الفهم (4) |
| أشكال التمثّل تبعًا للروح المتجِّسِد في الموضوعات | تأويل الموضوع بوصفه كًُّلا يَّتَضح باتفسير الأجزاء وعكسه | الاهتمام الذاتي بالموضوع | التجانُس العبقري بين المؤوّل والموضوع |
| المعنى الأصلي للنص | انسجام الموضوع | إثراء المعنى | راهنية الفهم |
| وحدة المعنى هي مسوّغ الفهم | البعد الأخلاقي للتأويل | ||
مسوّغ الفهم
المصدر: من إعداد الباحث.
لفهم الجدول يتعيّن النظر في المخطّط العام لتأويليّة بيتي التي هي ثلاثية التركيب:
"الذات – الموضوع – شكل التمثّل". تُعدّ العلاقة بين الذات والموضوع مركز نظرية المعرفة منذ العصر الحديث، أي نمط إدراك الذات لموضوعات العالم، ثم انتقلت العلاقة نحو مجال التأويل لتخصّ علاقة المؤِّوِل بالنص. استنسخ بيتي إذًا المخَّطَط المعرفي في المخَّطَط التأويلي:
نقل المخَّطَط الإبستيمولوجي "العقل – الفهم – الحس" إلى المخطط التأويلي "الذات – شكل التمثّل (المعنى) – الموضوع". مثلما أنّ الفهم (أو الفاهمة) يمثّل حلقة وسطى بين العقل المحض والانطباعات الحسية الملتقَطة من العالم ومن ثمّ ترجمتها إلى تصُّوُرات خالصة في العقل البشري،
(36) Jean Grondin, "L’herméneutique comme science rigoureuse selon Emilio Betti," Archives de philosophie , no. 53 (1990), p. 184.
(((3 الذات – الموضوع – شكل التمثّل.
فإنّ شكل التمثّل Representative Form هو حلقة وسطى بين القارئ/ المؤوّل والنص، وهو
"الأشكال الحاملة للمعنى". مغزى العبارة هو أنّ أشكال الفكر تمثّل أشكال الحس بعدّة معانٍ في "التمثيل" (تقوم أشكال الفكر مقام أشكال الحس)، و"المثيل" (أشكال الفكر هي عينها أشكال الحس وقد تجرّدت عن سربالها الحِّسِي لتصبح تصُّوُرات وكيانات لامادية)، و"المتمِّثِل" (تتمَّثَل أشكال
الفكر الأشكال الحِّسِية التي صدرت عنها)، و"المثال" (أشكال الفكر هي مثال أشكال الحس بالصيغة
الأفلاطونية في الأفكار المستقَّلَة عن العالم الحسّي). غير أنّ شكل التمثّل عند بيتي لا يأخذ هنا بالتصُّوُر الأفلاطوني وإن كان بينهما رابط لطيف، بل هو
أقرب إلى التصُّوُر الهيغلي في "الروح الموضوعي" وهو مُجمل تعُّيُنات الروح في التاريخ وتجُّسُده
في الصنائع والروائع والبدائع التي تعكس عمل الفهم البشري. بهذا المعنى لا ننتقل من المادّي إلى اللامادّي الذي هو عكسه ومثاله المفارق فحسب، بل ننتقل كذلك من اللامادّي من تصُّوُرات
وأفكار ومخَّطَطات العقل إلى المادّي من صنائع وأبنية وتشُّكلُات تاريخية، هي كلها "تشييء" Reification لتلك الكيانات اللامادية. يمكن الحديث عن تبديل أو كيَاسْمُوس بين "رَوْحنَة الأشياء
الحسية" و"جَسْدنَة الكيانات الروحية" تكون فيها نقطة التماسّ هي الفهم الغائر لمحتوى ما يُدرَك.
ومن ثَّمَ فإنّ الفهم هو شكل في التمثّل (أو "صورة روحانية") يتجَّلَى في كل فعلٍ تأويلي، سواء
أتعلّق الأمر بإدراكٍحسّي وترجمة مضامينه إلى أفكار ورموز أم بإدراكٍعقلي في استيعاب مضامين
النص أو التراث. وأشكال الإدراك ليست نفسية بإرادة الولوج في ذهن الآخر، بل هي معرفية وتأويلية بالنظر في معنى ما يُقال وقيمة القول ذاته. وهذا شأن النصوص اللاهوتية والقانونية التي لا يُقصد بها إدراك نفسية
"مَنْ قَالَ أو حكَم أو قضَى"، وإنما بنية القول نفسه وقيمة الأقوال والأحكام والمقتضيات.وبناء عليه،
فإنّ الفهم هو التوجّه نحو الروح الذي يتجَّسَد في الصنائع (الأحكام، والأقوال، والأشياء)، والروائع
(الفنون، والأبنية، والنصوص)، وليس هذا الروح نفْسًا نلج في قصديتها لنتكهّن ما تريد قوله أو فعله،
بل هو "شكل تمثّلي" ندرك مغزى ما يريد قوله عبر ما يخلّفه من آثار (إبداعات، ومنتجات). ومن ثم، لفضّ الاعتباطية في التأويل (الَّنَفسنَة)، فإنّ بيتي يعوّل على قانونٍ في التأويل يقيم توازنًا بين الذاتي
(إضفاء المعنى والتوافق في الفهم) والموضوعي (استقلالية الموضوع وانسجام معناه). لا شكّ في أنّ المراد من التأويل هو التوافق مع الموضوع (ينظر: الجدول 2، توافق الفهم 4) واستقلاليته (ينظر: الجدول 2، توافق الفهم 1)؛ أي الجمع بين الذاتي والموضوعي، غير أنّ صيغة التوافق غير معطاة
(3((يقول بيتي: "في كل مكانٍ، نحن إزاء أشكال حسية يتحَّدَث من خلالها روح بشري إلى روحنا، وتتشَّكَل ملكتنا التأويلية في
الفعل من أجل الكشف عن معنى تلك الأشكال. كل شيء، من الكلمة المنفلتة إلى الوثيقة الصامتة والبقايا الأثرية البكماء؛ ومن جذاذة الورقة المكتوبة إلى الرمز الملغز والفني؛ ومن العبارة الصريحة إلى التعبير المجازي أو الموسيقي؛ ومن التصريح العادي إلى السلوك الشخصي؛ ومن تعابير وجوهنا إلى أشكال سلوكنا وطبعنا، وكل ما يقفز إلى انتباه روحنا من روح آخر، إنما يستدعي إحساسنا وعقلنا لكي يُفهَم". ينظر:
Emilio Betti, Hermeneutics as a General Methodology of the Sciences of the Spirit (New York: Routledge, 2021), p. 4. (39) Grondin, "L’herméneutique comme science rigoureuse," p. 184.
مسبقًا، ممّا يجعل التأويل مفتوحًا على التقييم المستمر، ولا توجد قاعدة حول التطابق التام بين
المؤوّل وموضوع التأويل (النص أو اللوحة الفنية).
2. قيمة التأويل: تبايُن في الآراء
يحدّد بيتي التأويل في ثلاثة أشكال: تأويل معرفي (تاريخي، ومورفولوجي، وفيلولوجي)، وتأويل تمثّلي (ترجمي، وموسيقي، ودرامي)، وتأويل معياري (قضائي، ونفسي، ولاهوتي). وبينما يميل بيتي إلى عزل معنى النص (البعد الموضوعي) عن الدلالة الممكن إضفاؤها عليه (البعد الذاتي)، فإنّ غادامير يأخذ بالتداخل بينهما تحت مسَّمَى "انصهار الآفاق" المشار إليه
سابقًا: أفق النص وأفق المؤِّوِل. علاوةً على ذلك، فإنّ التأويلية القانونية عند بيتي هي معيارية،
تكون فيها قيمة القانون هي تطبيقه، وتطبيقه هو الأخذ بالمعنى الحرفي للنص فيما وراء الدلالة الممكن إسنادها إليه: "إنّ مدار اهتمام التأويلية القانونية هو معنى القوانين وليس دلالتها". على العكس من ذلك، يشدّد غادامير في التأويلية القانونية على "تاريخية" العمل القانوني، وليس معياريّته فحسب، وينتقد فكرة عزل المعرفي عن الجمالي والتطبيقي بقوله: ف "عندما نضع في
اعتبارنا أنّ عملية ترجمة النصوص إلى لغة أجنبية [المعرفي]، أو محاكاة هذه النصوص [التمثّلي]، أو حتّى قراءتها جهارًا [التطبيقي]، تتضمّن الإنجاز التفسيري نفسه في التأويل الفلسفي، بحيث
يكون هذان الشيئان شيئًا واحدًا، فإنّنا لا نستطيع حينئذٍ تجنّب النتيجة القائلة إنّ ذلك التمييز بين
التأويل المعرفي، والمعياري، والإنتاجي هو تمييز ليس له شرعية أساسًا، فهذه الأنواع الثلاثة
تكوّن ظاهرة موَّحَدة واحدة". ثم ينتقد كذلك فكرة الفاصل بين الذاتي والموضوعي التي جعلها بيتي في صُلب قانون التأويل
عمومًا: "إنّ تفكيرنا يمنعنا من تقسيم المشكلة التأويلية على وفق ذاتية المؤِّوِل وموضوعية المعنى الذي
يُفهَم. فهذا التقسيم ينطلق من تناقض زائف لا يمكن حُّلُه حتى لو أدركنا جدلية الذاتي والموضوعي.
فالتمييز بين وظيفة معيارية ووظيفة معرفية هو بمثابة إقامة انفصال داخل كتلة واحدة". مسوّغ
ذلك هو أنّ منطلق بيتي "إبستيمولوجي" يضع فارقًا بين الذات والموضوع، في حين أنّ منطلق غادامير "فينومينولوجي" يؤمن بتضايُف الذات والموضوع وإنّ العملية المعرفية والتأويلية لا تستقيم
بعزلهما عن بعضهما. كذلك، يوجّه غادامير نقدًا يراه مشروعًا عن "التجانس العبقري" الوارد في
"توافق الفهم" (ينظر: الجدول 2، توافق الفهم 4) عند بيتي، والذي يقضي بأنّ المؤِّوِل يلج في قصدية
المبدع (كاتب النص أو صانع القانون أو خالق الأثر الفنّي) لكي يفهم محتوى ما أبدعه. فهو يفهم محتوى ما أبدعه في نتيجة الإبداع نفسه الذي تتجسّد فيه عبقريته، وليس في نفسَّيَته أو ذهنه، أي
(40) J. Grondin, Introduction to Philosophical Hermeneutics (London: Yale University Press, 1994), p. 127. (41) Ralf Poscher, "Hermeneutics, Jurisprudence and Law," in: Jeff Malpas & Hans–Helmuth Gander, The Routledge Companion to Hermeneutics (London/ New York: Routledge, 2015), p. 461.
(((4 غادامير، ص.422–421 (((4 المرجع نفسه، ص.422
ما يسمّيه غادامير "الاتفاق حول الشيء نفسه" الذي يتمركز في القاسم المشترك بين المبدع والمؤِّوِل
وهو النص أو الأثر الفِّنِي أو القانون. ول نئ كان بيتي يستبعد فكرة التكهّن التي أخذ بها شلايرماخر بحديثه عن "شكل التمثّل"، فإنّ "التجانس
العبقري" هو في نظر غادامير اسم من أسماء "التكهّن"، ينزاح عن "الشيء ذاته" ليلج في قصدية
المبدع، ويُنفسِن من ثمّ العملية التأويلية. ليس غريبًا أن تكون مناقشة غادامير لأفكار بيتي في كتابه
الحقيقة والمنهجيعقبها مباشرةً الحديث عن أرسطو تحت عنوان "أهمية أرسطو تأويلًّيًا"؛ إذ رأى فيه
غروندان منعطفًا عملًّيًا لدى غادامير عبر مفهوم "التعقّل"، أي اندماج الذات في الموضوع بوساطة
المهارة العملية. وعندما يلجأ غادامير إلى أرسطو، فهو يريد تبيان أنّ البعد المعياري للقانون ليس تطبيقه الحرفي وإنّما إمكانية تعديله وتحسينه تبعًا لسياقات التطبيق تحت مسَّمَى "تصويب القانون"
epieikeia: "ويعبّر أرسطو عن هذه الحالة بمنتهى الوضوح عندما يحلّل العدالة: إنّ العدالة تصحيح
للقانون". تأتي هذه العملية في التصحيح أو التصويب من جرّاء التوتّر الكائن بين طبيعة القانون
الكلّية أو العامّة وجزئية الحالات السياقية، علاوةً على الطابع المنفلت للأفعال التي هي قصدية وغير
متوَّقَعة، والتي تتطلّب دائمًا المواكبة تفاديًا ل "سرير بروكرست" الذي هو إجراء قطعي واستبدادي.
يقول غادامير: "إنّ القانون ناقص، ليس لأنّه هو نفسه ناقص، بل بسبب أنّ الواقع الإنساني ناقص بالضرورة مقارنةً بعالم القانون المنَّظَم، ومن هنا لا يجوز تطبيق القانون تطبيقًا ساذجًا". وبناءً عليه، فإنّ القانون يتحرّك مع الموضوعات التي يُطَبَّق عليها تمامًا مثلما يتحرّك الأفق مع الكائنات
التاريخية التي تتطوّر وترتقي. ويستند غادامير، في هذه الحالة، إلى أرسطو القائل بأنّ القانون الكامل
لا ينطبق إّلا على الآلهة، بينما القانون الطبيعي والقانون التشريعي يرتبطان بكائنٍ ناقص، ومتحِّوِل،
ومتطِّوِر، ممّا يجعل العلاقة بين القانون وموضوعات تطبيقه هي عينها العلاقة بين الضرورة الطبيعية
والحرية البشرية. القانون ناقص لأنّ ثمّة حرية هي إزاحة مستمرة للقواعد. وإن كان غادامير يسلّم بالطابع
الثابت لبعض القوانين (قانون المرور مثلًا) لتفادي التعُّطُل أو الحوادث الخطيرة، فإنّ القانون يصطدم عمومًا بالطابع المنفلت للفعل البشري الذي هو قصدي ومتحِّوِل، ولأنّه يتميّز بطفرات غير متوَّقَعة، وهذا
شأن الأفعال الإجرامية التي يتعذّر فيها الولوج في قصدية الجاني، ومن ثمّ إيجاد العقوبة الملائمة. قد
يكون الحكم بالإعدام حكمًا أقصى يراد به العبرة أو التخويف، إّلا أنّ البعد الناقص للقانون كما يذهب
غادامير يجعل القضاء على الإجرام عملًا مستحيلًا؛ ليس بموجب الطبيعة الناقصة للبشر فحسب، وإنّما أيضًا بحكم أنّ الفعل البشري نفسه هو فعل قصدي وملغز، تحكمه طفرات ومنازع مبهمة.
خاتمة
نخلص إلى أنّ التأويلية القانونية هي إقليم منظّم ومنتظم من القارّة الواسعة للتأويلية التي تضمّ كذلك أقاليم التأويلية الجمالية، والتأويلية التاريخية، والتأويلية اللغوية. وإذا استعدنا بعض النقاط المهمّة من
هذه الدراسة، نخلص إلى النتائج التالية:
(((4 المرجع نفسه، ص.431 (4((المرجع نفسه.
.1 التأويلية القانونية هي على صورة التأويلية العامّة، تتأرجح بين العلم والفن، أي بين قواعد الممارسة
القانونية والقضائية، والممارسة عينها في الحالات التي تُطَبَّق عليها. لا يمكن للقانون أن يكون نظريّا
محضًا؛ أي مجرّد أوامر قطعية ولا أن يُطَبَّق عملًّيًا في حرفيّته الصارمة، بل هناك انزياحات يمليها
السياق عينه. ومن ثَّمَ فإنّ المهارة في تطبيق القانون هي مهَّمَة تحت مسَّمَى "التعقّل" أو الحكمة
العملية، بإنزال الأمور منازلها، والاعتدال في المزاج، والعدل في التنفيذ، بالعدول عن الإساءة والانتهاك (الاستبداد)..2 مطلب التأويلية القانونية هو الفهم، والذي يعني: الفهم الذاتي في إدراك طبيعة القانون، والفهم الموضوعي في الطريقة التي يُطَبَّق بها هذا القانون على الحالات الخاصّة. وليس الفهم هنا مجرّد
الإحاطة بنفسية الفاعل (هذا ما يفعله القاضي في الأحكام الجنائية عندما يريد فهم كيف أقدم الجاني على فعله)، بل هو كذلك إدراكٌ لكُلية الفاعل الزائدة على بعده النفساني (وهذا ما يقوم به القاضي بالنظر في درجة الجنحة أو الجناية ليقوم بأقلمة الحُكم، أي إنه ينظر في مجمل حياة الفاعل: النشأة،
والتربية، والوضعية، والمشكلات الحياتية، ومبرّرات الجنحة أو الجناية... إلخ)..3 الحديث عن الفهم في التأويلية القانونية هو الحديث عن الحوار، ما دام الفهم عنصرًا لغويّا، ولأنّ
العنصر اللغوي يتراءى أيضًا في العملية القضائية نفسها، والتي تقوم على أحكام القانون، وموقف المدّعي العام، ونظر القاضي في المسألة، ودفاع المحامي... إلخ. ثَّمَة حوار ينشأ في هذه العملية
تتوزّع بموجبه الأدوار، وتُمتحن الادعاءات، وتوزن الأحكام، من أجل محاكمة مكتملة في الأداء، ومنصفة في النتائج. يمكن القول إنّ الآفاق تتفاوت في هذه العملية، لكنها سرعان ما تتكيّف وتتلاءم،
لإنزال كل موقف في منزله المناسب له، وهذا عين الحكمة العملية أو "التعقّل" phronēsis..4 بهذا المفهوم يضع غادامير التأويلية القانونية في منظومة الفهم التي هي التطبيق، الذي ينعته بمصطلح "الدقّة" subtilitas أو اللطافة التطبيقية، التي تعني أنّ ما يُطَبَّق لا يُطَبَّق بحرفيّته وصرامته، بل
توجد دائمًا فجوات، وجوانب من الانزياح والتكييف، تجعل القانون قاعدة سلسة، يراعي السياقات،
ويأخذ في الحسبان الظروف والملابسات، ويجعل غايته هي العدل والإنصاف. وإن كان التوُّتُر بين القانون وموضوعاته شيئًا يحصل في الغالب، فإنّ الفهم، والحوار، والتكييف، هي الأدوات التي
يسخّرها القانون من أجل بلوغ غايته وهي العدل والإنصاف. 5. هذه الغاية من القانون بوصفها أفق التأويلية القانونية هي التي تُحِدِّد الفارق بين الواقعة والحقيقة. عندما يضع القاضي في أفق أحكامه "حقيقة" ما جرى ليكون الحكم عادلًا ومنصفًا، فإنّ مجال القانون في عمومه يرى كذلك الوقائع التشريعية التي حصلت على مرّ العصور. ليس المراد منها المحاكاة أو
الاستنساخ، وإنّما فهم أمثل للقواعد ولروح القوانين. وهذا ما يفعله المؤرّخ على مستوى الأزمنة الطويلة
(الماضي البعيد)، وما يفعله المشرّع على مستوى الأزمنة القصيرة (الماضي القريب والحاضر). 6. العلّة في التمييز بين الوقائعي والحقيقي هي أنّ الوقائع عديدة وقابلة للدراسة، والمقارنة، والفرز،
والتمييز، بينما الحقيقة واحدة، وهي حقيقة ما حصل بالفعل في فترةٍ ما، وليكون الحكم مبنًّيًا على
أساس متين تُصِدِّقه الأدلّة، والقرائن، والشهادات... إلخ. وهذا مبتغى القانون، وهو الحقيقة في انكشافها التام، بعزل كل ما يشوّهها من وقائع مزَّيَفة، أو شهادات كاذبة، أو أدلّة غير مناسبة. الغرض
هو عدم أخذ الحدث على أنّه الحقيقة ما لم يكن وجه المطابقة قد تمّ إثباته والتصديق عليه. لذا، ندرك
حرص القضاة على استقراء عناصر القضية في أدق وقائعها (بل في أتفه تفاصيلها أيضًا) بحثًا عمّا
يكشف عن الحقيقة ويعطي الحكم القضائي الشرعية والصدقية والعدالة..7 إنّ التأويلية القانونية عند غادامير هي توكيد على هذه الحقيقة التي تنبري من الوقائع المعقّدة والشائكة. وهذا يفسّر اهتمامه بما ينكشف في الفعل البشري من حقائق هي نتيجة الفهم، والتفاهم، والحوار أكثر
من اعتداده بالإجراءات المنهجية التي تختزل الذات من أجل موضوعية الوقائع. يتجاوز غادامير هذه الإبستيمولوجيا نحو أنطولوجيا الحقيقة التي تأخذ بالوجود الشامل للإنسان، ونحو فينومينولوجيا الوعي التأويلي التي تأخذ بتضايف الذات والموضوع، أي وحدتهما العلائقية؛ خلافًا لبيتي الذي لم يخرج عن المخطّط الحديث لنظرية المعرفة وهو عزل الذات العارفة عن موضوع المعرفة، ولنظرية التأويل وهو المسافة الإبستيمولوجية بين المؤِّوِل والنص. يذهب غادامير نحو تداخل أفق المؤِّوِل وأفق النص،
لأنّ فهم القاعدة أو القانون هو فهمه من الداخل، كعنصر لغوي، وحواري، وتفاعلي يكشف عن حقيقة الإنسان، كائنًا حًُّرًا أمام الضرورة الطبيعية وإكراهات الاجتماع البشري، ومن ثمّ تأتي أهمية التكييف
والتعديل أو "تصويب القانون" كما يذهب غادامير على منوال أرسطو.
References
المراجع
العربية
إنوود، ميخائيل. معجم مصطلحات هيجل، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام. القاهرة: المشروع القومي للترجمة،.2000 غادامير، هانس جورج. الحقيقة والمنهج: الخطوط الأساسية لتأويليةٍ فلسفية. ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح. مراجعة جورج كتوره. طرابلس، ليبيا: دار أويا للطباعة والنشر،.2007 غروندان، جان. التأويلية. ترجمة جورج كتوره. سلسلة نصوص. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2017 مصطفى، عادل. فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادمر. القاهرة: مؤسسة هنداوي،.2018
الأجنبية
Betti, Emilio. Hermeneutics as a General Methodology of the Sciences of the Spirit. New York: Routledge, 2021. Blackburn, Simon. Oxford Dictionary of Philosophy. 2 nd ed. Oxford: Oxford University Press, 2005.
Cassin, Barbara (ed.). Dictionary of Untranslatables. A Philosophical Lexicon. Steven Rendall et al. (trans.). Translation edited by Emily Apter, Jacques Lezra & Michael Wood. Princeton/ Oxford: Princeton University Press, 2014. Coleman, J. A. The Dictionary of Mythology. London: Arcturus, 2007. Deniau, Guy. Qu’est–ce qu’interpréter? Collection Chemins philosophiques. Paris: Vrin, 2015. Gadamer , Hans–Georg. Langage et vérité. Jean–Claude Gens (trad.). Paris: Gallimard,
_______. La philosophie herméneutique. Jean Grondin (trad.). Paris: PUF, 1996. Grondin, Jean. "L’herméneutique comme science rigoureuse selon Emilio Betti." Archives de philosophie. no. 53 (1990). _______. Introduction to Philosophical Hermeneutics. London: Yale University Press,
_______. Introduction à Hans–Georg Gadamer. Paris: Cerf, 1999. Jones, Lindsay (ed.). Encyclopedia of Religion. 2 nd ed. New York: MacMillan/Thomson,
Lawn, Chris & Keane Niall. The Gadamer Dictionary. New York: Continuum International Publishing, 2011. Malpas, Jeff & Hans–Helmuth Gander (eds.). The Routledge Companion to Hermeneutics. London/ New York: Routledge, 2015.