تفكيك الخلفيات الإبستيمولوجية والأيديولوجية لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي: مقاربة ناقدة
Deconstructing the Epistemological and Ideological Backgrounds of AI: A Critical Approach
الملخّص
يشهد عالمنا تطورًا تكنولوجيًا متسارعًا، ويبرز الذكاء الاصطناعي، لا سيما التوليدي Generative AI، بوصفه قوة تحويلية جذرية للمعرفة والمجتمع والثقافة. تتجاوز هذه الدراسة النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه تكنولوجيا متقدمة؛ إذ تنظر إليه على أنه "سلطة" معرفية واجتماعية قادرة على إحداث تغيير جذري في النظم المعرفية، والاجتماعية، والثقافية السائدة. وتُسلط الضوء على الخلفيات الإبستيمولوجية والأيديولوجية للذكاء الاصطناعي، وذلك للكشف عن التحديات التي يفرضها على مستويات ثلاثة: طبيعة المعرفة، والعلاقة بين الذات العارفة وموضوع المعرفة، والطرائق التي يُعيد فيها تشكيل المجتمعات والثقافات. تؤكد الدراسة التداخلَ العميق بين الجوانب المعرفية والأيديولوجية والتكنولوجية للذكاء الاصطناعي. وتخلص إلى أنه لا يمثل تكنولوجيا ذكية فحسب، بل ظاهرة واسعة ومتشابكة ثقافيًا، واجتماعيًا، وسياسيًا. ومن ثم يتعيّن وضعه في شبكة كلية من البشر، والاجتماع، والاقتصاد، والثقافة، وإنتاج المعنى، والسلطة، والتكنولوجيا.
Abstract
Abstract: The contemporary world is characterized by rapid technological evolution, with Artificial Intelligence (AI), particularly Generative AI, having emerged as a profoundly transformative force impacting knowledge, society, and culture. This study critically examines AI not merely as an advanced technology, but as a potent cognitive and social "authority" capable of driving radical change in prevailing knowledge systems, social structures, and cultural paradigms. The research delves into the epistemological and ideological foundations of AI to elucidate the challenges it poses across three critical dimensions: the fundamental nature of knowledge, the relationship between the knowing subject and the object of knowledge, and the ways in which AI reconfigures societal and cultural formations. A central contribution of this paper is its emphasis on the intricate interplay between the cognitive, ideological, and technological facets of AI. The study concludes that AI is far more than an intelligent technology: it is a pervasive, interconnected phenomenon with significant cultural, social, and political ramifications. Consequently, understanding AI requires that it be placed within a comprehensive framework that integrates human experience, societal organization, economic systems, cultural narratives, meaning production, and power structures.
- الذكاء الاصطناعي
- تكنولوجيا
- إبستيمولوجيا
- أيديولوجيا
- الخطاب
- Technology
- Artificial Intligence
- Epistemology
- Ideology
- Discourse
مقدمة
يشهد حاضرنا تطورًا هائلًا في التكنولوجيا بكل أشكالها لا سيما الرقمية منها، ويظهر الذكاء الاصطناعي بوصفه مج لًا تكنولوجيًا يَعدُنا بتغيرات جوهرية في معارفنا، ومجتمعاتنا، ومستقبلنا. فهناك مجموعة هائلة من الأدوات التكنولوجية التي تعمل بهذا الذكاء في مجال ما يُسمى الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ وهو الذي يركز على إنتاج محتوى معرفي وفكري، يماثل المحتوى الذي ينتجه الإنسان نفسه، بل يتفوق عليه في أحيان كثيرة. ويطمح الذكاء الاصطناعي إلى أن يكون فريدًا، ومعتمدًا على ذاته من خلال التعلم الآلي، أو التعلم العميق. إذًا، نحن نعيش حقًا في عصر متسارع من التكنولوجيا الرقمية، حيث أصبحت عمليات الحوسبة، وتجسيد البيانات، وتحويل مظاهر الحياة البشرية إلى بيانات، عمليات أساسية في حياتنا المعيشة. بل هناك حديث متزايد أيضًا بشأن احتمالات مثيرة ومخيفة، في الوقت نفسه، من تطوير نوع من "الذكاء الاصطناعي الفائق" الذي لم يكن يُطرح في السابق إلا داخل أدب الخيال العلمي. ولكن مع تزايد تطور التكنولوجيا الرقمية، لا سيما تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وانتشارها، أصبح لفهم تأثيراتها المحتملة وعواقبها، المعرفية (الإبستيمولوجية)، والاجتماعية (السوسيولوجية)، أهمية متزايدة. يتطور المشهد التكنولوجي بسرعة هائلة في الوقت الحاضر. ويظهر الذكاء الاصطناعي، بوصفه مج لًا تكنولوجيًا يطمح إلى إحداث تحولات هائلة في كل المجالات، لا سيما الاجتماعية منها؛ نظرًا إلى ما لديه من إمكانيات هائلة. وهناك من يزعم أن هذا الذكاء أصبح في كل مكان، فهو الذي يدير المشافي وشركات الطيران، والمحاكم، وهو السبب المباشر في الزيادة الملحوظة في معدلات الإنتاج، وهو كذلك الذي حقق هذا التقدم في مستويات الرفاهية المقدمة للإنسان. ولكن هل سيصبح العالم هشًا بسبب الذكاء الاصطناعي؟ لا يمكن أن نغفل هذا الكم الهائل من الكتابات التي سادت في الآونة الأخيرة، والتي تؤكد أهميته العملية بوصفه ثورة تكنولوجية رابعة1، لما يقدمه من حلول تتسم بالدقة والسرعة في سائر مجالات الحياة: الاقتصادية، والعسكرية، والطبية، والتعليمية، والخدمية. ولكن إذا كان الذكاء الاصطناعي يمثل "ثورة تكنولوجية"، فسوف تعمل على تغيير شكل العالم، وسياساته المستقبلية، واقتصاده، والأهم هو أن الذكاء الاصطناعي سوف يغير من مجتمعاتنا. فهل
هذا مدعاة لطرح سؤال يمثل الإشكالية التي تقاربها هذه الدراسة وهو: إذا كان الذكاء الاصطناعي يمثل "ثورة تكنولوجية" هائلة سوف تعمل على تغيير شكل العالم من حولنا، وتوجهاته المستقبلية على اختلافها: الثقافية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، فهل ثمة أبعاد إبستيمولوجية، وسوسيولوجية أيديولوجية محايثة في هذه التكنولوجيا؟ تتطلب مقاربة هذه الإشكالية قراءة ناقدة للذكاء الاصطناعي، بوصفه تكنولوجيا تحمل خطابًا أيديولوجيًا له تداعياته على سياقات مختلفة. تكمن مهمة هذه القراءة الناقدة في الكشف عن المغالطات التي روّج لها بعضهم مِمَن وضعوا في الحسبان الذكاء الاصطناعي بوصفه تكنولوجيا، والزعم أن هذه التكنولوجيا قادرة على معالجة المعلومات لأنها قادرة على فهم اللغة ورموزها، ومحاكاة آليات التفكير عند البشر كمعالجة اللغة العادية، والصور، والتفكير المنطقي. باختصار، يمكن أن تؤدي هذه التكنولوجيا سائر أنواع الوظائف التي يقوم بها البشر عادة وهم يفكرون. ومن جهة أخرى، تنظر هذه الدراسة إلى تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، على أنها بمنزلة "خطاب" له "سلطة" معرفية، وأيديولوجية، واجتماعية، وسياسية قادرة على إحداث تغيير جذري في صور المعرفة التقليدية، والنظم الاجتماعية والثقافية السائدة. أو بعبارة أخرى، تقارب الدراسة هذا الذكاء، بوصفه ظاهرة واسعة إلى حد بعيد، ومتشابكة اجتماعيًا. باختصار، إذا كان الذكاء الاصطناعي يتكون من عدة تكنولوجيات مختلفة، فإنه يتعين علينا وضعه في شبكة من البشر، والاجتماع، والاقتصاد، والثقافة، وإنتاج المعنى، والسلطة، والتكنولوجيا؛ ومن هنا جاءت أهمية هذه الدراسة التي تتقصى نقديًا خلفيات هذا الذكاء الإبستيمولوجية والأيديولوجية القابعة خلف تكنولوجيته، والتحديات الناشئة عن قدراتها الهائلة على طبيعة المعرفة ذاتها، والعلاقة بين الذات العارفة وموضوع المعرفة من جهة، والكيفية التي يشكّل بها مجتمع ما، أو ثقافة من الثقافات طرائق البحث في تكنولوجيا هذا الذكاء من جهة أخرى. وتقارب الدراسة كذلك التغيرات التي تطرأ على المجتمع والثقافة، من جراء هذه العلاقة المتداخلة بين المعرفي، والأيديولوجي، والتكنولوجي من جهة ثالثة.
أولا: تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي
انشغل الباحثون بتطوير نظم "ذكية"، يمكنها اتخاذ قرارات بصفة مستقلة عن مبتكريها، استنادًا إلى الذكاء الاصطناعي القادر على تسريع عملية اتخاذ القرارات، وبطريقة دقيقة، وأكثر اتساقًا مقارنة بالبشر. أو بعبارة أخرى، أحرزت تكنولوجيا هذا الذكاء، مثل التعلم الآلي، والتعلم العميق، تقدمًا هائلًا في العقود القليلة الماضية، وبدا اهتمامٌ واضح من الشركات الرأسمالية العملاقة، والأفراد، بالخدمات التي تقدمها هذه التكنولوجيا في صورة مساعدين آليين، أو في صورة خدمات لوجستية، أو نظم مراقبة، وغيرها الكثير. ولكن تبقى مخاوف لا يمكن التغافل عنها، بل إن بعض الباحثين يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يحمل الكثير من الأسرار والخفايا، ويصعب فك رموزه، أو الكشف عن المنطق الموجه للمنظومة المعرفية والفكرية المحركة لهذه التكنولوجيا، لا سيما بعد أن غيرت
التكنولوجيا أذهاننا واتخذ هذا التغيير صورة الظاهرة العالمية2. فهل يمكن تأويل تكنولوجيا هذا الذكاء المعقدة، بكل ما تحمله كلمة تأويل من دلالات فلسفية؟ أو بعبارة أخرى، هل يمكن اللجوء إلى التأويل بالمعنى الفلسفي للكشف عن المنطق الموجه للمنظومة المعرفية والفكرية المحركة للذكاء الاصطناعي بوصفه تكنولوجيا؟3. حدث تحول في توازن القوى في العالم، ونجحت الأطراف الفاعلة في السياسة، والاجتماع، والإعلام، في توظيف تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لترسيخ نظام "القطب التكنولوجي الواحد"؛ وهو النظام الذي يمارس سلطة في مجالات بعينها كالرقمنة وتحويل الحياة الإنسانية إلى بيانات. ولا يشكّل هذا الذكاء تحديًا في المجال التكنولوجي فحسب، بل يمتد هذا التحدي إلى مجالات سياسية، واجتماعية، ودينية، وفلسفية أخرى، نتيجة طبيعته المعقدة التي يتحكم في تسريعها أو تحجيمها قوى أخرى، تبدو، في كثير من الأحيان، خفية عن الأنظار، أو مستترة بفعل مُتَعمد. فالذكاء الاصطناعي القادر على تشخيص الأمراض وعلاجها، هو ذاته القادر بفعل تكنولوجيته المتطورة، على خلق أمراض جديدة. وإذا كان قادرًا على توفير الأمن عند بعض الدول، فإنه هو ذاته الذي يساعد في صناعة أسلحة الدمار في دول أخرى، وهذا الذي يفسر، على سبيل المثال، فرض الولايات المتحدة الأميركية قيودًا على تصدير شرائح الدوائر المتكاملة إلى دول أخرى كالصين4. أصبح الذكاء الاصطناعي هدفًا استراتيجيًا لدول تسعى لبناء نظم حواسيب عملاقة وخوارزميات معقدة، لتعزيز وجودها في هذا العالم، وتحقيق الريادة في مجال تكنولوجيا هذا الذكاء، واستحداث صور من التجسس والخداع، والتحكم في مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي من خلال جمع البيانات والمعلومات الشخصية. وفي الوقت نفسه، سوف تجعل هذه الدول والشركات المالكة لهذه النظم التكنولوجية الذكية الدول الأخرى، التي تفتقر إلى رأس المال والخبرات العلمية، تابعة لها، أو ف رئان تجارب؛ ما يؤدي إلى تفاقم الهوة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وبطبيعة الحال المعرفية بين من يملك تكنولوجيا هذا النوع من الذكاء ومن يفتقر إليها.
ولهذا، يمثل الذكاء الاصطناعي "سلطة" جديدة قادرة على إحداث تغيير جذري في حياتنا المعيشة. فعندما ينجح مطورو تكنولوجيا هذا الذكاء في ابتكار نظم تحمل قدرة على التعلم الذاتي، وتحسين الأداء ذاتيًا، فإن هذا يمثل منعطفًا خطيرًا في مسار تطور تكنولوجيته. وهو الأمر الذي يتطلب قراءة ناقدة للأبعاد الإبستيمولوجية والأيديولوجية للذكاء الاصطناعي وتفكيكها، والوقوف على المفارقات الناتجة من هذه التكنولوجيا وتداعياتها على السياقات المختلفة. إن النظر إلى تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، بوصفها خطابًا، يحمل مضامينَ معرفية وأيديولوجية وسلطوية تكون خفية، في أغلب الأحيان، عن مستخدميها. وهذا من شأنه أن يكشف عن جوهر المنظومة المعرفية والأيديولوجية، التي توجه أفكار مصممي هذا الذكاء وتوجهاتهم. أو بعبارة أكثر تحديدًا، يكشف عن الخطاب الإبستيمولوجي والأيديولوجي لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، والتداعيات الاجتماعية والأخلاقية، من جراء تلك التطورات التي أحدثتها في حياتنا.
ثانيًا: نقد المفهوم التكنولوجي للذكاء الاصطناعي
من خصائص أي مفهوم أنه يشكّل أفكار الإنسان وتصوراته، وقيمه، نحو العالم، والواقع المعيش، والأهم تجاه نفسه، إضافة إلى أن كل مفهوم هو نتاج لمجموعة من العوامل المتداخلة والعلاقات المتشابكة، وأن العمل على سجن مفهوم محدد داخل إطار ما، أو مقولة من المقولات، من شأنه أن يعوق فهمنا الشامل للمفهوم وعلاقاته المتداخلة، ويشوه، في الوقت نفسه، الأفكار. وهذا الذي دفعنا إلى تحديد مفهوم "الذكاء الاصطناعي" بوصفه مفهومًا أوسع من كونه ينتمي إلى المجال التكنولوجي فحسب. ولا يمكن مقاربة هذا المفهوم من دون الكشف عن العلاقات المتداخلة بينه وبين الفضاءات المعرفية المختلفة التي أسهمت في تكوينه، وكذلك السياقات الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والدينية، والأيديولوجية، وثيقة الصلة به، سواء أكانت هذه الصلة مباشرة أم غير مباشرة، أو اتخذت شكلًا ضمنيًا أو صريحًا. تناولت الفلسفة العلاقة المتداخلة بين التكنولوجيا والمجتمع، عبر طرح أسئلة معقدة من قبيل: "مَنْ يُشكّل مَنْ؟": أتشكّل التكنولوجيا الإنسان وأفكاره، وتصوراته، ومجتمعه، أم العكس هو الصحيح، أعني أن الإنسان هو من يشكّل التكنولوجيا ويوجه مسارها، أم أن ثمة تداخلًا بينهما بحيث تختفي، في هذا التفاعل الفروق بينهما؟ يزعم بعض الفلاسفة أن التكنولوجيا تمثل أداة لتحسين العالم من حولنا على المستويات المادية، والاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية؛ فهي امتداد للأعضاء البشرية ووظائف الإنسان البدنية5. في حين يزعم آخرون أن التكنولوجيا عندما تتحالف مع المستويَين السياسي والعسكري
تصبح سلطة هائلة لا يمكن إغفالها. وقد اعتمد العالم الغربي الحديث على ركائز ثلاث، حددت علاقة العقل الغربي بالطبيعة ومن ثم بالتكنولوجيا وهي: التنبؤ، والتفسير، والتحكم. فعندما يقوى العقل على التنبؤ بظاهرة ما والنتائج التي تترتب عليها، ويقدم تفسيرًا لهذه الظاهرة والنتائج التي تفترضها نظرية التفسير، فإنه يتوق إلى استحداث التكنولوجيا بوصفها وسيلة، ليس لتطبيق المعرفة العلمية الناتجة من عمليتَي التنبؤ والتفسير فحسب، بل كذلك يحدد الأهداف المنوط بالتكنولوجيا تحقيقها، ومنها التحكم بطريقة معينة في الطبيعة واستثمار ظواهرها6. قاربت العديد من المنظورات الفلسفية فلسفة التكنولوجيا، ويمكن اختصار هذه المنظورات في منظورَين اثنين فقط. يؤكد المنظور الفلسفي الأول أن التكنولوجيا تمثل سلطة مستقلة عن المجتمع، بيد أنها هي التي تشكّله عبر أفكار وتصورات مسبقة ومفاهيم تحمل، في بعض الأحيان، أشك لًا من التحيز الأيديولوجي؛ وهي الأفكار، والتصورات، والمفاهيم، التي تحدد العلاقات والأدوار المختلفة في المجتمع. وقد نظّر لهذا المنظور كل من جورج لوكاش György Lukács (971–18851)، ومارتن هايدغر Martin Heidegger (976–18891)، وهربرت ماركوز Herbert Marcuse (979–18981)، ولوي ألتوسير Louis Althusser (990–19181)، ويورغن هابرماس Jürgen Habermas 929(1–)7. ويدلل المنظور الفلسفي الثاني، الذي نشأ عن الدراسات التي تهتم بمجال العلوم والتكنولوجيا أو فلسفة التكنولوجيا، على أن التكنولوجيا هي، في الأساس، منتج بشري تشكله المصالح والقيم البشرية. ويؤكد هذا المنظور أن التكنولوجيا مُحَمَّلة بالقيمة والسلطة. فعلى سبيل المثال، لا يمكن الزعم أن القنبلة الذرية بوصفها تطبيقًا تكنولوجيًا للمعرفة العلمية النظرية تخلو من قيم، وأفكار، وتصورات سياسية. ولا يمكن أن نظن أن المباني الخرسانية والساحات الضخمة التي شُيدت في حرم العديد من الجامعات الأميركية في الولايات المتحدة، في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، بوصفها تكنولوجيا، تخلو من أفكار، وتصورات، أهمها السيطرة على المظاهرات الطلابية ونزع فتيلها8. التكنولوجيا، إذًا، بمنزلة منتج بشري مُحَمَّل بالقيم على اختلافها؛ ما يجعل الشركات الكبرى، والدول الرأسمالية، وأصحاب المصالح، تستحدث تكنولوجيات جديدة وفقًا للمستجدات التي تطرأ على مجتمعاتها، وقيمها، وأفكارها، وتصوراتها، واهتماماتها الاجتماعية من جهة، وتعمل على دمج مجموعة من القيم المؤدلجة، في بعض الأحيان، داخل التكنولوجيا عند تصميمها وتطويرها من جهة أخرى.
لا يمكن الاقتصار، عند مقاربة الذكاء الاصطناعي، على كونه تكنولوجيا تعمل آليًا، وتقدم لنا تحليلات دقيقة للبيانات، وتعزز قطاعات عديدة من الإنتاج، فضلًا عن قدرتها الهائلة في مجالات كالصحة، والتعليم، ومساعدة حكومات الدول لاتخاذ قرارات سياسية رشيدة اعتمادًا على بيانات معدة مسبقًا فحسب؛ فهذا الذكاء أكثر من مجرد تكنولوجيا. ويرى المختصون في هذا المجال أن برنامج الذكاء الاصطناعي هو برنامج تكنولوجي تطبيقي هدفه "ابتكار آلة تستطيع محاكاة سلوك الإنسان، ليس هذا فحسب، بل من شأن برنامج هذا الذكاء أن يجعلنا نعيد النظر في كثير من مفاهيمنا التي ربما نعتقد خطأ صحتها عندما نقارن المعلومات التي يمدنا بها هذا البرنامج بما لدينا من معلومات بطريقة أكثر ذكاءً مقارنة بمعالجة الإنسان نفسه لها. أو بعبارة أخرى، الهدف من هذا الذكاء، بوصفه تكنولوجيا، هو خلق آلة قادرة على التفكير، والتفاعل مع العالم بكائناته الحية وأشيائه الجامدة، والتصرف بذكاء"9. إن أي سلوك بشري إذا وُصف بدقة، وبلغة رياضية صورية موضوعية (رموز)، يمكن أن يحاكيه جهاز الحاسوب (الآلة/ التكنولوجيا). فإذا كانت برامج الحاسوب وأدمغة البشر تعالج المعلومة، بوصفها بنية رمزية تحمل دلالات، فإن فهم الطريقة التي تعمل بها برامج الحاسوب وأدمغة البشر سوف يجعلنا نفهم أكثر آليات التفكير الخاصة بنا نحن البشر، وكذلك آليات التفكير عند الحاسوب. فالحاسوب قادر على معالجة المعلومة، لأنه يفهم اللغة ورموزها، ومن ثمّ طرح الباحثون في مجال الذكاء الاصطناعي تساؤلات منها: إذا كان الحاسوب قادرًا على محاكاة آليات التفكير عند البشر كمعالجة اللغة العادية، والصور، والتفكير المنطقي، وإذا كانت أجهزة الحاسوب قادرة على محاكاة البشر، فهل يمكن أن تكون ذكية أيضًا، وتؤدي سائر أنواع الوظائف التي يقومون بها عادة وهم يفكرون، والتي تعدّ بوجه عام ذكية؟10. ثمة إرهاصات أدت مجتمعة إلى بزوغ الذكاء الاصطناعي بوصفه تكنولوجيا، منها ما كان منطقيًا رمزيًا، ومنها ما كان رياضيًا، ومنها ما أسهمت فيه علوم كالفيزياء، والهندسة، والعلوم المعرفية الإدراكية. فعلى سبيل المثال، أبدت أفكار السيبرانية أو نظرية التحكم الآلي دورًا مهمًا في بزوغ الذكاء الاصطناعي؛ وهي النظرية التي يقترن هدفها بمعالجة المعلومات والتحكم فيها. وقد اقترن بهذه النظرية مفهوم مهم كان له أثره في ترسيخ المفهوم التكنولوجي للذكاء الاصطناعي فيما بعد، هو مفهوم "التغذية المرتدة" الذي أكد أن الاتصال صيرورة معقدة، وأن عملية تلقي المعلومة واستخدامها هي أساس العيش في هذا العالم11.
ومن ثم كانت هناك محاولات في النصف الأول من القرن العشرين باستحداث عقل اصطناعي لمحاكاة الدماغ البشري، يكون قادرًا على التعلم الذاتي من خلال تكنولوجيا حاسوبية، ترتكز على التغذية المرتدة التي لم تكن أكثر من مجرد التنبؤ بسلوك مستقبلي ما من خلال أفعال الماضي12. وهو الأمر الذي جعل بعضهم يتجاوز الآلات الميكانيكية، وتلك التي تعمل بالطاقة، إلى الآلية المعلوماتية السيبرانية التي تدخل في علاقة مع الإنسان في حلقة دائرية يتفاعل بداخلها العقل البشري مع العقل الاصطناعي، والبيئة المحيطة، والسياقات الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والسياسية المختلفة. وبهذا، أصبح في هذه الحلقة الدائرية رموز، أو شفرات، أو خوارزميات معقدة، وشبكات، وفاعلون، ومساعدون آليون ذاتيو التنظيم، إضافة إلى وجود الإنسان بعالمه، وسياقاته المختلفة. ولا يمكن التغافل عن العلاقة بين الذكاء الاصطناعي، بوصفه تكنولوجيا لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية، ودخول المعسكرين الغربي والشرقي في حالة حرب باردة وتسارع نحو التسلح، وابتكار أشكال من التجسس، وفك شفرات العدو اعتمادًا على التكنولوجيا الذكية13 التي كانت تُصنف ضمن خانة "سري للغاية" حيث استخدمت هذه التكنولوجيا لأسباب دفاعية وأمنية لا سيما في الولايات المتحدة التي كانت تموّل بسخاء تطوير أجهزة الحاسوب الرقمية، وإعطاء تطوير الذكاء الاصطناعي الأولوية. ولهذا تمكّن الذكاء الاصطناعي من تمثيل العالم في صورة تكنولوجيا، غير أن هذه التكنولوجيا تنتج خوارزميات مشفرة تسمح بمشاركة بيانات معينة وحجب أخرى، بحيث تشكّل منظورنا عن أنفسنا، وعن العالم، وتحدد شكلًا بعينه للعلاقة التي تقوم بين الإنسان والآلة، من دون أن نضع في الحسبان الدور الذي تقوم به التكنولوجيا في تسويغ الفوارق بين المجتمعات والشعوب، فضلًا عن صور الاغتراب والتشيؤ التي يعانيها الإنسان المعاصر. تكشف، إذًا، الدراسات الفلسفية الراهنة، لا سيما في فلسفة العلم وفلسفة التكنولوجيا، التداخل بين الأيديولوجي، والتكنولوجي، والإبستيمولوجي، والمعلوماتي، الذي نتج منه عوالم جديدة وآليات لتفكيك المجتمعات وإدارتها معرفيًا، بهدف هيمنة سلطة ما اعتمادًا على خطابات أيديولوجية تسوّغ الحتمية التكنولوجية.
ثالثًا: نقد الذكاء الاصطناعي بوصفه خطابًا
بعيدًا عن المقاربات اللسانية والبلاغية للخطاب، بوصفه مجموعة من الجمل المُشيدة على قواعد نحوية، أو صرفية، أو وحدات محددة، تقارب هذه الدراسةُ الخطابَ، بوصفه نشاطًا معرفيًا يتفاعل مع المعارف التي ينتجها البشر من جهة، والسياقات الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والتكنولوجية، من جهة أخرى. ويتشكّل خطاب ما وفق غايات محددة سلفًا من لدن سلطة معرفية ما؛ حيث تستعين باللغة (الطبيعية والرمزية) من أجل تحقيق تلك الغايات والأهداف. وهو الأمر الذي يجعل الخطاب
يمارس شكلًا / أشك لًا من السلطة على ذوات بعينها؛ ومن هنا تبزغ العلاقة المتداخلة بين الخطاب بوصفه نشاطًا معرفيًا والسلطة؛ وهي العلاقة التي أسس لها إبستيمولوجيًا الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو14. ولا يمكن تجاهل حقيقة أن جُل الممارسات الاجتماعية لها جانب خطابي، ولا يمكن استثناء الذكاء الاصطناعي من ذلك. فخطابه يشكّل المعاني السائدة في المجتمعات من خلال الصحافيين وخطابات التسويق، والخيال العلمي. أو بعبارة أخرى، يشكّل هذا طرائق فهمنا للأشياء، وإضفاء المعاني عليها. فهذا الخطاب يتحكم بنظامه الرمزي في الكيفية التي نتعرف بها إلى العالم، والآخر، وذواتنا من جهة، وإلى الطريقة التي تبدو منطقية عندما نتحدث بها عن موضوع ما من جهة أخرى15. ويتغذى خطاب الذكاء الاصطناعي على المعرفة (البيانات)، ويستخدم هذا الخطاب خوارزميات في إدارة معرفة بعينها ومعالجتها، لنشرها على نطاق واسع داخل المجتمع، تمهيدًا لتنظيم سلوك الإنسان وتوجيه طرائق تفكيره. ومن ثمّ يمكن أن نستعين بتعريف فوكو للآلة التي هي "مركب غير متجانس من الخطابات، والمؤسسات، والأشكال المعمارية، والقرارات التنظيمية، والقوانين، والتدابير الإدارية، والعبارات العلمية، والقضايا الفلسفية، والأخلاقية، والإنسانية، فالآلة نفسها هي نظام من العلاقات التي تؤسس بين هذه العناصر"16. وتعمل الآلة وفقًا لوجهة نظر فوكو، بوصفها وسيلة لتبرير ممارسة ما، أو إخفائها. تتحكم الخوارزميات رقميًا في المعرفة، وتمارس البعد السلطوي على معارف ومجتمعات وشعوب أخرى، وتنتج صورًا مقولبة لا سيما في أشكال التمييز المحوسبة، والتصنيفات الاجتماعية والثقافية التي يؤسس لها خطاب الذكاء الاصطناعي؛ ما يجعلنا نستنتج أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تكنولوجيا، بل تمثّل الحواسيب، والخوارزميات، والروبوتات، ممارسات اجتماعية تخلق معاني ودلالات وأفكارًا. باختصار، تمثل الحواسيب والخوارزميات والروبوتات خطابًا. تؤكد الباحثة الناقدة في مجال الإنترنت، صفية يوماجا نوبل، في كتابها خوارزميات القمع: كيف تعمل محركات البحث، إحياء العنصرية؛ فالخوارزميات المدفوعة بخطاب الذكاء الاصطناعي لا تعكس بنية المجتمع الأميركي على حقيقته، الذي يمارس تمييزًا ضد النساء الملونات من أصل أفريقي17،
بل يلجأ هذا الخطاب إلى تأويلات مُشيدّة اجتماعيًا وثقافيًا، من إنتاج عقلنا الجمعي18. ومن أمثلة ذلك، الفضيحة الفيروسية المقترنة بأحد مطوري البرمجيات الذي نشر على وسائل التواصل الاجتماعي: إن خوارزمية التعرف إلى الصور المطبقة في برنامج "غوغل" للصور وصفته هو وصديقه الأسود ب "الغوريلا"، ثم أصلح غوغل هذه المشكلة فقط بحجب فئات "الغوريلا" تمامًا عن خوارزمية التعرف إلى الصور. وعلى نحو ذلك أيضًا، صدّرت شركة "فيسبوك" أخبارًا حينما وصف ذكاؤها الاصطناعي فيديو لرجال سود ب "الرئيسيات"، وأظهرت أداة الرؤية الحاسوبية لشركة "أمازون" أعضاء مؤتمر الكونغرس السود على أنهم مجرمون19. صحيح أنه يمكن تعديل الخوارزمية بمجرد اكتشاف التحيّز أو تصويبها، غير أن هذا لا يكفي؛ إذ لا يمكن تغيير صور التحيّز والقمع الخوارزمي من دون تغيير اجتماعي وثقافي شامل من جهة، وتغيير في السلوك الفردي للآلاف من المبرمجين الذين يسمحون للعنصرية أن تبقى تحت سطح الخوارزميات من جهة أخرى. يروّج خطاب تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لنفسه على أنه محايد وعالمي، غير أنه يعمل على إقصاء المختلف أو يهمشه، ويعزز نظمًا اجتماعية واقتصادية قمعية تروّج لأشكال من التمييز والتحيّز. فعلى سبيل المثال، وظّفت شركة أمازون هذا النوع من الذكاء في اختيار أفضل المواهب للالتحاق بالشركة، وذلك من خلال مراجعة السير الذاتية للمتقدمين مراجعة آلية. كانت المهمة التي كُلّف بها الذكاء الاصطناعي هي اختيار المرشحين وفقًا لمقاييس محددة سلفًا من لدن المبرمجين. وهذا الأمر الذي جعله يختار بعض المرشحين الذين يمكن أن تمضي الشركة قدمًا في توظيفهم. إلا أن تقييماته كانت بعيدة عن الحياد. فقد عمل مبرمجو برنامج الذكاء الاصطناعي التابع لشركة أمازون على تغذية النظام بمصطلحات وكلمات تعكس تحيّزًا ذكوريًا؛ ما جعل نموذج التعلم الآلي ينتهي إلى أن النساء لا يصلحن لتولي الوظائف في شركة أمازون ومن ثمّ استبعدن من الترشيح20. إن نزوع الخوارزميات إلى التحيّز ناتج من تحيّز مجتمعي في الأساس. فالخوارزميات المتحيزة، وغير العادلة، تعكس مجتمعًا متحيّزًا وغير عادل، غير أنها، في الوقت نفسه، تساعد في تفاقم هذا التحيّز وترسّخه. ولهذا، ليس بمستغرب من أن "التحيّزات" والصور المقولبة قد أدمجت في نماذج الذكاء الاصطناعي. فعلى سبيل المثال، تنتشر الأصوات الأنثوية في نظم الذكاء الاصطناعي مثل "سيري" Siri من شركة "آبل"، و"أليكسا" Alexa من شركة أمازون، و"كورتانا" Cortana من شركة "مايكروسوفت"، أو في أي نظام من نظم تحديد المواقع "جي بي إس"، هذا إضافة إلى الألعاب الإلكترونية التي تعكس تحيّزًا
جنوسيًا واضحًا21. نخلص إلى نتيجة مؤداها أن اختيارات شركات التكنولوجيا تصاميم ذات صلة بالجنوسة توجه تصوّر المستخدم وخياله نحو مفاهيم مقولبة، بخصوص التقسيم الجنوسي والجنساني للعمل، من خلال تحديد مهمات معينة على أنها مهمات أنثوية، تعكس كيف يعمل خطاب الذكاء الاصطناعي المتحيّز على نشر الاختلافات بين الجنسين في خوارزمياته، إضافة إلى برمجة الصور المقولبة. ويعمل خطاب الذكاء الاصطناعي بوصفه وسيلة من وسائل المراقبة والتتبع لخدمة السلطة؛ ذلك أن هدف المراقبة والتتبع هو خضوع الذات المرَاقَبة للسلطة، فتصبح تابعة لها، بمفهوم فوكو، الذي عالج هذه الإشكالية في كتابه المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، معالجة دقيقة، من خلال ما أسماه "العين الراصدة" التي تراقب، وتتّبع، وترصد باستمرار22. يعمل الذكاء الاصطناعي في بعض الأحيان آليةً من آليات المراقبة، والتتّبع، والتحكم، والتصنيف، بطرائق تحوّل مجموعة كبيرة من البيانات إلى معرفة، وتطبيقها بصورة تجعل عملية التحكم تبدو عقلانية؛ إذ تقوم نظم التعلم الآلي القائمة على البيانات في إدارة الخوارزميات بتتّبع المستخدمين وتنظمهم وفقًا لغاياتها، وأهدافها. أو بعبارة أخرى، تحوّل نظمُ التعلم الآلي المُستخدمَ إلى موضوع للمعرفة، وللرؤية، باختصار إلى موضوع للمراقبة. والمثال الواضح على ذلك هو المنصات الرقمية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لمراقبة مستخدمي المنصات، عندما تحوّل مظاهر حياتهم الشخصية إلى بيانات؛ ما يجعلها متاحة بسهولة لعمليات هذا الذكاء. لا شك في أن ثمة تداخلًا بين المنصات الرقمية، والخوارزميات، والذكاء الاصطناعي، والرأسمالية الرقمية؛ ذلك أن هذا الذكاء يُستخدم في تحسين وسائل الترويج لمنتجات الشركات الرأسمالية الكبرى، وطرائق توصيلها، وأداء العمال، وتنظيمهم؛ إذ تعمل الإدارة الخوارزمية على استخدام خوارزميات معينة لخفض التكاليف، وتقليل العمالة، وزيادة الأرباح. وتعمل في الوقت نفسه على جعل العمال مجرد آلات؛ ما يأذن بغياب القيم الإنسانية. ويُظهر تقرير "الإدارة بوساطة الروبوتات" " Managed by Bots "23، الذي نشرته Worker Info Exchange – وهي منظمة غير حكومية تُعنى بحقوق العمال الرقميين – كيف يستفيد أرباب العمل في اقتصاد المنصات من تحويل مظاهر الحياة البشرية إلى بيانات، من أجل تعتيم استراتيجياتهم الإدارية. تُسلّم سلطة اتخاذ القرار بشأن فرص
العمال ومكافآتهم، وظروفهم في الإدارة الخوارزمية، إلى نظم مميكنة. ونتيجة لتعريف عمال المنصة في الممارسة الفعلية، على أنهم يعملون لحسابهم الخاص، فإنهم يتحملون المخاطر كلها على عاتقهم. فإذا فشل عامل المنصة لأي سبب من الأسباب في تحقيق المستوى الأدنى الذي يفرضه النظام تلقائيًا، أو إذا كان ثمة سبب بشري – مثل سوء فهم مع العميل – فإن هذا يؤثر سلبيًا في النتائج، ويمكن إنهاء وظيفته عبر خوارزمية المنصة التي تطرده "من دون أي فرصة لتفسير القرار له أو الطعن فيه"24. أصبح عدد كبير من أرباب العمل يستخدمون نظم الذكاء الاصطناعي بطرائق تمنحهم سلطة مركزية وسيطرة على العمال الرقميين. ويخفي، إذًا، استخدام هذا الذكاء لإحكام السيطرة على مستخدمي المنصات والعمال، خطابًا ما في صندوق التكنولوجيا الأسود الذي توجهه خوارزميات تؤدي دور السلطة. وهكذا يصبح خطاب الذكاء الاصطناعي أداة قوية في يد السلطة، عندما تتنصل من مسؤولياتها وتحمّلها للآلة أو التكنولوجيا. وعندما يروّج هذا الخطاب لتبرئة الفاعلين من أصحاب السلطة، عندئذٍ يصبح هذا الذكاء أداة أيديولوجية.
رابعًا: نقد الذكاء الاصطناعي بوصفه أيديولوجيا
الإشكالية المراد إثارتها هنا هي: إذا كان هدف خطاب تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي هو ممارسة سلطة على المستخدمين للمنصات والعمال، فهل يمكن أن تنشأ علاقة بين هذه التكنولوجيا والأيديولوجيا؟ أو بعبارة أخرى، هل يمكن أن نزعم أن هذا الذكاء، بوصفه تكنولوجيا، له وجه أيديولوجي خفي عن الأنظار؟ لا يمكن التغاضي عن التطور الذي تشهده التكنولوجيا في مجتمعاتنا المعاصرة، والرسوخ الذي باتت تشكّله في المجتمعات، بحيث غدا من الصعب أو شبه المستحيل تغييره. غير أن التكنولوجيا لها تبعاتها؛ فقد تجلب أشك لًا من الحداثة، وتقدم حلولًا وجيهة لمشكلات اجتماعية، وفي الوقت نفسه قد تؤدي إلى عدة أخطار، أو آثار جانبية مقصودة عندما تكون مُحملّة بأيديولوجيا مسبقة. لا بد عند مقاربة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، بوصفها أيديولوجيا، أن نؤكد أن هذه التكنولوجيا تمثل سلطة كما ذُكر أنفًا، لأنها قد تُستغل لخدمة شركات، وحكومات، ودول، لا سيما عندما تحمل برامج هذا الذكاء نفسها أيديولوجيات25 تُوظّف لخدمة تلك السلطة. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يمنح الذكاء الاصطناعي دولة/ دولًا ميزة تنافسية في النواحي الاقتصادية والحروب مقارنة
بدولة/ دول أخرى لا تولي تطوير هذا الذكاء وبرامجه مزيدًا من الاهتمام؛ ما جعل الباحثين يشددون على ما يُسمّى "الذكاء الاصطناعي المسؤول" Responsible AI26، وهو المفهوم الذي ظهر نتيجة النقاشات الفلسفية النابعة من القلق من جراء التقدم المتسارع الذي يشهده "التعلم الآلي". فقد دارت النقاشات حول سؤال: أيُوجه اللوم الأخلاقي إلى مصمم البرامج، أم إلى الذكاء الاصطناعي نفسه بوصفه تكنولوجيا؟ عندما نفهم الذكاء الاصطناعي على أنه مقود بأيديولوجيا ما، ومُوجّه من لدن سلطة ما اعتمادًا على وجهة نظر محددة عن العالم، لا بد من أن يرسخ في أذهاننا أنه متفوّق ولا مفر منه، وأنه بمنزلة "حلّ" شامل لجُلّ مشكلات المجتمع. وتكمن الأيديولوجيا في العلاقة الوثيقة بين الأفكار التي تملكها سلطة ما وطرائق توظفيها، لتعزيز مصالح معينة على حساب مصالح أخرى. وهذا الذي يجعل الذكاء الاصطناعي يندرج ضمن العديد من المظاهر التي يمكن تسييسها وأدلجتها. ولهذا ثمة علاقة ارتباط وثيقة بين تحويل مظاهر الحياة البشرية إلى بيانات، والتعلم الآلي، والميكنة، وبين الأيديولوجيا. فللأيديولوجيا دور مهم في تعزيز أساطير وخطابات معينة، تتعلق بهذا الذكاء، وترسم رؤية معينة للمجتمع، وتحدد الدور الذي يجب أن تقوم به التكنولوجيا الرقمية فيه. ولهذا تتطلب مقاربته البحث عن الأيديولوجيا التي تقود عملية تطوير التكنولوجيا وتطبيقها. وتدّعي تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي أنها قادرة على حلّ المشكلات التي تواجه العالم في الوقت الراهن، والمشكلات التي سوف تُستجَد، وأن مستقبلًا مزدهرًا ينتظرنا وسط التحول الحضاري الذي نشهده27. يفسر كالوم تشيس، وهو كاتب متخصص في مجال الذكاء الاصطناعي، في كتابه النجاة من خطر الذكاء الاصطناعي، أنه "لأسباب تاريخية مختلفة إضافة إلى التمويل العسكري، جمع وادي السيليكون مزيجًا فريدًا من الأكاديميين، والمستثمرين الرأسماليين، ومبرمجي الحاسوب ورجال الأعمال"28. وإضافة إلى ذلك، ثمة باحة تُعدّ موطنًا لعدد غير مسبوق من الشركات الرقمية العملاقة، مثل غوغل،
و"آبل"، و"ميتا"، و"إنتل"، وهي الشركات التي تمثل في جوهرها النخبة التي تؤسس نظريًا وتطبيقيًا لأيديولوجيا وادي السيليكون الذي يُستخدم فيه الذكاء الاصطناعي لتنفيذها ومتابعة تداعياتها على المجتمعات. وتعمل هذه الأيديولوجيا على إنشاء مجموعة من العاملين الرقميين المتميزين لخدمة أفكار الكيانات الرقمية التي تضع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي أولًا، بوصفها قوة حتمية لا مفر منها في ظل التغير الرقمي التقدمي الهائل، كما أنها تعمل على تقديم حلول للتحديات الكبرى التي تواجه البشرية، بما في ذلك خطر الموت والانقراض29. في كتاب الإنسان ذو البعد الواحد، حذّر الفيلسوف الألماني هربرت ماركوز من مجتمع قائم على عقلانية تكنولوجية خالصة. وهو هذا النوع من المجتمعات الذي نشيّده عندما يُسمح للقدرات التكنولوجية بتحديد الأهداف الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، التي يتعين أن تسود مجتمعاتنا. تمامًا كما حذر ماركوز من أن المجتمع الصناعي المتقدم، الذي كان يشهد نموه في عصره، قد ولّد "احتياجات زائفة" على أنها احتياجات رئيسة لا مفر منها، وأنها قادرة على تقديم حلول معينة بوصفها حلولًا عقلانية ووجيهة، ببساطة لمجرد أن عملية تطبيقها تكنولوجيًا ممكنة30. يقارب ماركوز في كتابه بعض الآثار الاجتماعية للتكنولوجيا الحديثة، من خلال العلاقة بين البشر والتكنولوجيا. ويبين كيف أسهمت العقلانية التكنولوجية، بوصفها جزءًا لا يتجزأ من تطور الرأسمالية الصناعية، في إنتاج مجتمع قائم على منطق بارد وأناني. وهو يعدّ التكنولوجيا عملية اجتماعية، ومن ثم تعدّ نظم الذكاء الاصطناعي، والخوارزميات، ونماذج التعلم الآلي، جزءًا واحدًا فقط من "التكنولوجيا" ككل، والتي تضم أيضًا العناصر الاجتماعية، والثقافية، والسياسية. تُبتكر التكنولوجيا في سياق اجتماعي، ولا تختلف في ذلك تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. وقد أكد أن التكنولوجيا جزء لا يتجزأ من المجتمع، والعكس صحيح، ليس بالاعتماد على الأشخاص "الذين يخترعون أو يهتمون بالآلات، والمبرمجين، والمطورين، والمشغولين بالذكاء الاصطناعي [فحسب]، بل أيضًا بالاعتماد على الجماعات الاجتماعية التي هي مُوجهة، ومَنْ يستخدمها"31. أو بعبارة أخرى، يدلل ماركوز على أن التكنولوجيا لا تتعلق بالأدوات فحسب، بل بالسبل التي تشكل التنظيم الاجتماعي وتقوم بدور في العلاقات الاجتماعية. ويمكن أن تتجلى التكنولوجيا في أنماط التفكير والسلوك التي تسود في المجتمع، وقد تكون، بالتبعية، وسيلة للهيمنة والسيطرة. وفي سياق الذكاء الاصطناعي، تستلزم مثل هذه الوجهة من النظر القول إنه، بوصفه تكنولوجيا، يشكّل المجتمع ويتشكّل به32. غدت، إذًا، العقلانية التكنولوجية من خلال هذا التضخيم، والتفاعل المتبادل بين الأبعاد المادية والتكنولوجية من جهة، والأيديولوجية من جهة أخرى، راسخة في المجتمعات الرأسمالية الصناعية، بوصفها
"أسلوبًا سائدًا للفكر"، وتضع معايير الحكم على القيم، والأفكار، وتعزز المواقف تجاه تطبيقات الذكاء الاصطناعي. باختصار، غدت العقلانية التكنولوجية على نطاق أوسع، دليلًا للحياة الاجتماعية وموجهًا لها. تتمتع نظم الذكاء الاصطناعي بقدرة هائلة وخطيرة على إضفاء طابع عقلاني على التكنولوجيا وتقديم إمكانيات تفوق ما يقدمه الإنسان، بل الأخطر من ذلك هو سعي نظم هذا الذكاء لطبعنة هذه العقلانية فتتحول تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي إلى أيديولوجيا طبعانية لا يمكن إيقافها. وإضافة إلى ذلك، يُطالب الناس في المجتمعات المحكومة بالعقلانية التكنولوجية بما يتعين عليهم فعله والتفكير فيه، من خلال توظيف هذا الذكاء في القيام بدور في هذا الترويج لمثل هذه العقلانية، بدفع الذوات المستهدفة عبر الإنترنت بوساطة خوارزميات نحو أفكار معينة عن الاستهلاك، فضلًا عن المراقبة بهدف جني الأرباح. ويزعم مروّجو أيديولوجيا هذا النوع من الذكاء والعقلانية التكنولوجية أنهم ملتزمون بمجموعة من الأدوات التي تُستخدم لحلّ المشكلات التي تواجه البشر. وهو زعم كما يؤكد جاثان سادوفسكي، أستاذ تكنولوجيا المعلومات في جامعة موناش بأستراليا، يعكس غطرسة وسذاجة كبيرتين، واستخفافًا بأي سبل أخرى لحلّ المشكلات؛ ما ينتفي معه الاستقلال الحقيقي للإنسان33. تتمثل خطورة هذه العقلانية التكنولوجية الموجهة بالذكاء الاصطناعي في غياب التفكير الناقد، بل الاعتقاد أن التفكير الناقد يغدو، وفقًا لهذه العقلانية، تفكيرًا عاجزًا اجتماعيًا. وهكذا، كلما تأثرت حياتنا وأذهاننا أكثر بالعقلانية التكنولوجية الموجهة بالذكاء الاصطناعي، قلّت المساحة المتاحة للعقلانية النقدية التي تشكك في الوضع القائم، أو تعارضه. ومن المخاطر الواضحة للعقلانية التكنولوجية الأيديولوجية أنها تظهر كما لو كانت "غير أيديولوجية"، حيث صورت التكنولوجيا (الذكاء الاصطناعي) بوصفه قوة من قوى الطبيعة، وعُدّ عباقرة التكنولوجيا والشركات العملاقة أناسًا خيرين يسعون لإنقاذ العالم. وبهذا المعنى، تُعدّ العقلانية التكنولوجية الأيديولوجية صورة من صور النزعة التسلطية، حيث تمارس التحايل على الناس، وتعمل على تشويه القيم الأخلاقية لصالح الخبراء الذين "يهندسون طريقهم إلى اليوتوبيا"، بينما "يمكن تجاهل كل القيم الإنسانية أو التقليل من قيمتها، أو إعادة صياغتها كإحداثيات تقنية"34. يمكن، إذًا، أن يكون الذكاء الاصطناعي، كما نُوقش أنفًا، حاملًا للأيديولوجيا مع ما تنطوي عليه خوارزمياته من ممارسات وظواهر تسهم في تعزيز وتشكيل مفاهيم تتعلق بما يُعدّ صحيحًا، ومهمًا، ومُفضّلًا في المجتمع. ثمّ إنه، اعتمادًا على جمع البيانات، والخوارزميات، واتخاذ القرارات، سوف يكون نشطًا في إظهار هويات اجتماعية معينة، وأدوار، وعلاقات، وتراتبيات هرمية. فعلى سبيل المثال، حللت مجموعة من الباحثين أداة ذكاء اصطناعي تُسمّى كومباس COMPAS، مُصممة لقياس مدى معاودة الذين ارتكبوا جرائم جنائية من قبل ارتكابهم جرائم أخرى، واكتشف الباحثون
مشكلة في خوارزميتها. تمثّل الاكتشاف في أن الخوارزمية المستخدمة تبين أن المدانين من السود أكثر خطرًا، ومن ثمّ فإن فرصتهم في أن يعاودوا ارتكاب الجرائم، مرة أخرى أو مرات، أكبر مقارنة بالمدانين من البيض. كان النمط العام هو أنه، حتى عند التحكم في مجموعة من المتغيرات المعنية الأخرى، كان المدانون من السود أكثر عرضة للتشويه على أنهم أكثر خطرًا بنسبة 54 في المئة، في حين صنفت الخوارزمية المدانين من البيض خطأ على أنهم أقل خطورة بنسبة 63 في المئة. المشكلة مع مثل هذه الأخطاء، من منظور العدالة الجنائية، هي أنها ربما تؤدي إلى صدور أحكام ظالمة قاسية على مجموعات معينة، أو مخففة على مجموعات أخرى إلى حد بعيد35. تكمن رسالة الذكاء الاصطناعي، بوصفه تكنولوجيا، في إعادة إنتاج الأيديولوجيا بسرعة غير مسبوقة، وعلى نطاق غير مسبوق. فضلًا عن ذلك، تضيف هذه التكنولوجيا شكلًا من أشكال المنطقية والعقلانية إلى القرارات التي تقدمها، لا سيما في المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية؛ ما يزيد من خطر تبسيط التصنيفات الاجتماعية المقولبة التي تتسم بالجمود. أضف إلى ذلك أن هذه الأيديولوجيا تعزز الحلول الواضحة على حساب سبل متعددة الوجوه ومعقولة للتعامل مع المجالات الرمادية الواسعة، التي تمتد عبر المجالات الاجتماعية التي تتطلع إلى إحكام السيطرة عليها والتحكم فيها. ومع ذلك، يأتي الخطر الأكبر من عملية تطبيق حلول الذكاء الاصطناعي في المجتمع، ومن قدرة التكنولوجيا الصلبة والرياضيات الذكية على التظاهر على نحوٍ ناجح بأنها لا تقبل الشك، لا سيما عندما تنتهي من عملية التطبيق. فعندما نواجه نظامًا يتخذ القرارات نيابة عنا، قد نُظهر بعض المقاومة والتردد في البداية. ومع ذلك، وفي الأعم الأغلب، سرعان ما تتفوق علينا المصلحة العملية التي تتخذ القرارات نيابة عنا، بحيث تكون موضوعًا مزعجًا للناقد. يكتب بيتر بلوم، أستاذ الإدارة في جامعة إسيكس بالمملكة المتحدة: يظهر الذكاء الاصطناعي على أنه "راوٍ للحقيقة" قادر على تقديم رؤاه المتحيزة على أنها حقائق محسوبة. وبالنتيجة، فهو يتبع تقليدًا يمنح الأيديولوجيا غطاءً علميًا. يظهر اليوم ما يمكن أن نطلق عليه "الهيمنة الذكية"؛ أي إعادة إنتاج طائش للخطابات البشرية السائدة لنشر هذه القيم واستخدامها لأغراض ترتبط بالتنظيم الاجتماعي ومعاقبة الإنسان36. نخلص إلى أن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، بوصفها أيديولوجيا أكثر من كونها مجموعة من الخوارزميات، قد صُممت بوساطة نخبة متخصصة صغيرة في المجال التكنولوجي، لا لكي تحلّ هذه التكنولوجيا محلّ الأفراد فحسب، بل لكي تحلّ محلّ الكثير من البشر في نهاية المطاف، لا أن تكملهم. بل الأكثر من ذلك أن هذه التكنولوجيا تصبح في كثير من الأحيان وسائل للقمع والاستغلال، من خلال سلسلة من الصور والاستعارات التي تستمد قوتها من الهالة الدعائية التي يمارسها القائمون على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الذين يروّجون للعقل المحوسب، أو المُعالج بوساطة المعلومات
وميكنة الدماغ. وبعبارة أخرى، يتمتع هذا الذكاء، مثل التكنولوجيات الأخرى، بسلطة أيديولوجية معينة، وتساعد هالة الموضوعية الآلية في تقديم صور من الفهم هي حقًا صور أيديولوجية، وسياسية، وطبيعية، وموضوعية. فضلًا عن ذلك، يملك السلطة لكي يقدم نفسه على أنه "المستقبل"، في حين أن ثمة العديد من صور المستقبل الممكنة، سواء أكانت بالتكنولوجيا أم من دونها.
خاتمة
أثارت هذه الدراسة سؤال: ما الخلفيات المرجعية الإبستيمولوجية والأيديولوجية المحايثة في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي؟ وقد تطلبت الإجابة عنه قراءة الذكاء الاصطناعي، بوصفه تكنولوجيا، قراءة فلسفية سوسيولوجية ناقدة، والوقوف على المفارقات الناتجة من هذه التكنولوجيا، وتداعياتها على السياقات الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية المختلفة. وهذا الذي جعلنا نطرح المغالطات التي روّج لها بعضهم ممَن وضعوا في الحسبان مفهوم الذكاء الاصطناعي، بعدّه مفهومًا تكنولوجيًا فحسب، من دون التطرق إلى مفاهيم أخرى له كالمفهوم الأيديولوجي. وقد تبيّن أن إثارة هذا السؤال جعلتنا نؤكد أن التغيرات التي حدثت في فهمنا للتطورات التي جدّت في مجال الذكاء الاصطناعي، بوصفه تكنولوجيا وأيديولوجيا في الوقت نفسه، وما يقترن بهذه التطورات من إنجازات في مجالات معرفية أخرى وتطبيقات تكنولوجية هائلة، أعادت النظر في فهمنا للخلفيات الإبستيمولوجية، والأنطولوجية، والسوسيولوجية، التي أسست عليها تكنولوجيا هذا الذكاء منظومتها المعرفية، التي تعمل على توجيه طرائق تفكيرنا على المستويَين المعرفي التنظيري والعملي التطبيقي. وهذا من شأنه أن يثير عدة أسئلة فلسفية. واتضح من خلال هذه الدراسة أن النظرة التراتبية الهرمية، التي يروّج لها خطاب الذكاء الاصطناعي، كانت ولا تزال تطالبنا بالانحناء أمام تكنولوجيا هذا الذكاء؛ لأنها هي صاحبة الأمر والنهي. وعلينا أن نتقبل نتائجها، بوصفها حقيقة غير قابلة للنقاش، لتفوقها على البشر. إن اللجوء إلى مقاربة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على منظور نقدي مستمد من العلوم الإنسانية والاجتماعية، لاختبار السبل التي طُورت بها نظمه وانتشرت، وكذلك الكشف عن السبل التي يؤثر من خلالها في المجتمعات، جعلنا ننطرق إلى قضايا التحيّز في هذا الذكاء والتمييز، والتبعية الاقتصادية والتفاوت. وهو الأمر الذي يجعلنا نستنتج أن الذكاء الاصطناعي من هذا المنظور ليس تكنولوجيا، ولا علمًا حاسوبيًا يُطور في المختبرات فحسب، بل هو ظاهرة متشابكة، إنه تَجُمُّع Assemblage يضم البشر، والسياسة، والاقتصاد، والثقافة، وصناعة المعنى، والسلطة. وباختصار، أصبح هذا النوع من الذكاء واقعًا اجتماعيًا، وسياسيًا، له تداعياته على الأفراد، والسياسة، والسلطة. ركزت الدراسات النقدية المعاصرة في العلوم الإنسانية والاجتماعية المنصبّة على دراسة التداعيات الاجتماعية، والثقافية، والسياسية على المجتمعات، على التقاطعات بين المجتمع والتكنولوجيا الرقمية، وذلك اعتمادًا على تحليل الخطاب الرقمي، والنصوص المحوسبة، وشبكات التواصل الرقمية بهدف مقاربة القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية المثارة نتيجة عملية التقاطع تلك مقاربة
نقدية. فعلى سبيل المثال، تتناول مثل هذه الدراسات وضع الثقافات الفرعية على شبكة الإنترنت؛ والتي انتشرت مؤخرًا في المناطق الحدودية بين المشاركة الثقافية الشعبية والسياسية، وكيف أن تقديم منظور اجتماعي نقدي لتفكيك العلاقات المتداخلة بين السلطة وحالات القرصنة الرقمية غدا أمرًا ضروريًا في العصر الرقمي الذي نعيش بين جنباته. وقد غدا التمييز بين الواقع الذي تمثله شبكة الإنترنت، والواقع غير المتصل بالشبكة نفسها أمرًا مهمًا؛ إذ مع تطور وسائل الاتصالات، وزيادة التعويل على الحواسيب الذكية، وعلى شبكات الإنترنت، بدأت الشبكات الاجتماعية الثقافية والسياسية تقع أسيرة في قبضة شبكات الاتصال الرقمية، وغدت المنصات الرقمية شائعة، والمفاهيم الاجتماعية والثقافية مفاهيم تكنولوجية، والوصول إليها ممكنًا في كل لحظة وحين. وباختصار، غدت الشبكات التكنولوجية هي الشبكات السائدة، وقد نتج من ثقافة الإعلام الهجين تفاعل بين شبكة الإنترنت المتصلة وغير المتصلة، بوصفه تفاعلًا يعكس ثقافة العصر وروحه؛ ما يقضي بضرورة استحداث دراسات اجتماعية وثقافية نقدية جديدة، لا سيما مع بزوغ قضايا جديدة نتيجة هذا الهجين، وما يترتب عليها من آثار اجتماعية، وسياسية، وثقافية، وهوياتية37. إن عملية تحويل سائر مظاهر حياتنا الاجتماعية والثقافية إلى بيانات تمثل تحديًا كبيرًا أمام العلوم الاجتماعية والإنسانية، لكي تقدم تحليلًا نقديًا لهذه العملية، والبحث عن المحركات والدوافع التي توجه هذه البيانات في البحوث المحوسبة. والهدف هو فهم المشهدَين الثقافي والاجتماعي الذي نعيش فيه. وتتطلب عملية الفهم هذه تطوير علم بيانات نقدي، يضم نظريات تأويلية وأخلاقية مستمدة من العلوم الاجتماعية والإنسانية، تكون قادرة على مواجهة التطورات المتسارعة في التكنولوجيا الرقمية والتنبؤ بها في المستقبل. واتضح أن الذكاء الاصطناعي حامل للأيديولوجيات؛ وهذا يعني أنه يقوم بدور كبير في تعزيز الأفكار بشأن ما يُعدّ صحيحًا، ومهمّا، وله الأولوية في المجتمع، وأيضًا العكس، ومن ثم يشكّل أيديولوجياتنا، وإدراكنا الخاص للواقع الاجتماعي وفقًا لتكنولوجيا هذا الذكاء ومخرجاتها. وفي النهاية لا يشك إلا مكابر في أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من بنية المجتمع، وأن أيّ محاولة لإقصائه عن المجتمع وتجريده من سلطته في تشكيل وعي المجتمع، هي محاولة يائسة، وغير منطقية. فقد أصبح هذا الذكاء يشيّد أفكارًا بعينها ترتبط – على نحوٍ ما – بعلاقات السلطة في المجتمع، ويعمل
على أن تغدو نتائجه التي يتوصل إليها، وحلوله التي يقدمها، وفرضياته التي يقترحها، حقائق معطاة على المجتمع الانصياع لها، والسير على هداها. أو بعبارة أخرى، إن التقدم التكنولوجي المتمثل في الذكاء الاصطناعي يمثل قوة ذاتية لديها خطاب قادر على حلّ مشكلاتنا وإنقاذنا جميعًا. وتتمثل مهمة التحليل النقدي لهذا الذكاء في تفريغ شبكاته المكونة من البشر والآلات والأفكار؛ من أجل تحليل حقيقي للتبعات الاجتماعية والسياسية المترتبة على هذا الذكاء الذي يُوجّه بالأيديولوجيا. باختصار، ليس الذكاء الاصطناعي مجهولًا بالنسبة إلينا نحن البشر أو غامضًا، فهو آلة مُشيدة يمكن تفكيكها. وأهمية المقاربة النقدية له هي تفكيك التشابكات من حيث السلطة، والهيمنة، والاستغلال؛ أي تجريده من هالته البراقة، وتسميته باسمه الحقيقي، وطرد أشباحه من آلته، وخوارزمياته، وبرمجياته، ومواجهتها.
References
المراجع
العربية
عبد الرازق، غزة. الأسس المفاهيمية والتقنية للذكاء الاصطناعي وتطوره: من نماذج الحوسبية إلى التعلم الآلي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2024
فوكو، ميشيل. المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن. ترجمة علي مقلد. مراجعة مطاع صفدي. بيروت: مركز الإنماء العربي،.1990
ماركوز، هربرت. الإنسان ذو البعد الواحد. ترجمة جورج طرابيشي. بيروت: منشورات دار الآداب، موجات جديدة في فلسفة التكنولوجيا. جان كير برج أولسن وإيفان سلنجر وسورين ريس (محررون.) ترجمة شوقي جلال. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2018
الأجنبية
Althusser, Louis. On the Reproduction of Capitalism: Ideology and Ideological State
Apparatuses. New York: Verso, 2014.
Bremmer, Ian & Mustafa Suleyman. "The AI Power Paradox: Can States Learn to
Govern Artificial Intelligence–Before It’s Too Late?" Foreign Affairs. vol. 201. no. 5
(September–October 2023).
Browne, Jude et al. (eds). Feminist AI Critical Perspectives on Data, Algorithms and
Intelligent Machines. Oxford: Oxford University Press, 2023.
Chace, Calum. Surviving AI: The Promise and Peril of Artificial Intelligence. London:
Three CS Publishing, 2015.
Chakraborty, Utpal et al. (eds). Artificial Intelligence and the Fourth Industrial
Revolution. Singapore: Jenny Stanford Publishing Pte, 2022.
Dietrich, Eric et al. Great Philosophical Objections to Artificial Intelligence: The
History and Legacy of the AI Wars. London: Bloomsbury Publishing, 2021.
Foucault, Michel. Power/ Knowledge: Selected Interviews and Other Writings. Colin
Gordon (ed.). New York: Pantheon, 1980.
Greenfeld, Susan. Mind Change: How Digital Technologies are Leaving their Mark on
our Brains. New York: Random House, 2015.
Lindgren, Simon. Hybrid Media Culture Sensing Place in a World of Flows. London:
Routledge, 2014.
Lindgren, Simon (ed.). The Handbook of Critical Studies of Artificial Intelligence.
Cheltenham: Edward Elgar, 2023.
Lindgren, Simon & Jonny Holmström. "A Social Science Perspective on Artificial
Intelligence: Building Blocks for a Research Agenda." Journal of Digital Social
Research. vol. 1, no. 1 (2019).
Marcuse, Herbert. Technology, War and Fascism: Collected Papers of Herbert Marcuse.
vol. 1. London: Routledge, 1998.
Noble, Safiya Umoja. Algorithms of Oppression: How Search Engines Reinforce
Racism. New York: New York University Press, 2018.
Sadowski, Jathan. Too Smart: How Digital Capitalism is Extracting Data, Controlling
our Lives, and Taking over the World. Cambridge: MIT Press, 2020.
Samek, Wojciech et al. (eds.). Explainable AI: Interpreting, Explaining and Visualizing
Deep Learning. Switzerland: Springer, 2019.
Santoni de Sio, Filippo & Giulio Mecacci. "Four Responsibility Gaps with Artificial
Intelligence: Why they Matter and How to Address them." Philosophy & Technology.
vol. 34 (2021).
Sutko, D. M. "Theorizing Femininity in Artificial Intelligence: A Framework for
Undoing Technology’s Gender Troubles." Cultural Studies. vol. 34, no. 4 (2020).
Wang, Clarice et al., "Bias: Friend or Foe? User Acceptance of Gender Stereotypes in
Automated Career Recommendations." UMBC Student Collection. New York: Coronal
University (2021).
Wetherell, M., S. Taylor & S. Yates (eds.). Discourse, Theory and Practice. London:
Sage publications, 2001.
Winner, Langdon. "Do Artifacts Have Politics?" Daedalus. vol. 109, no. 1 (Winter