العودة إلى تفاصيل المؤلَّف عالم ما بعد البانوبتيك ومعضلة الانعتاق: من المراقبة إلى مجتمعات الأتمتة

عالم ما بعد البانوبتيك ومعضلة الانعتاق: من المراقبة إلى مجتمعات الأتمتة

The Post–Panoptic Age and the Emancipation Dilemma: From Surveillance towards Automation Societies

أيوب دهقاني *

Ayoub Dehegani *

الملخّص

تفتح أنظمة الأتمتة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي آفاقًًا جديدة أمام دراسات المراقبة، لفهم ديناميتها في العصر الرقمي، مرورًًا بكاميرات المراقبة القادرة على التعرف إلى وجوه المارة، وصو الًا إلى الخوارزميات التي ترصد المشاعر. فقد تحوّّلت المراقبة من كونها مادية مكانية إلى كونها رمزية شبكية، وأصبحت، في آن واحد، قوة دافعة للتغير الاجتماعي وإشكالية جوهرية في قضايا الأ من، ومعضلة تنطوي على الانغماس المتزايد، كما تمثّّل أفقًًا للانعتاق. تستكشف هذه الدراسة تطور دراسات المراقبة، عبر فرز أدبياتها وعرض طروحاتها، انطلاقًًا من ثنائية التقدم العلمي/ التحول في النظم الاجتماعية. وتفترض أن مجتمعات المراقبة آيلة إلى الزوال كما اندثرت "مجتمعات السيادة" ثم "مجتمعات الانضباط"، لتتشكل عوضًًا عنها مجتمعات الأتمتة؛ وذلك بفعل تطور النموذج المعلوماتي الذي أنتج شبكة ذاتية التشغيل قائمة على نظام الفوضى والتعقيد اللامركزي.

Abstract

Abstract: From surveillance cameras that identify the faces of passersby to algorithms that monitor emotions, AI–driven automation systems open new horizons for surveillance studies as an emerging field of knowledge. This study investigates the dynamics of surveillance in the digital age, tracing its transformation from being spatial and physical to being symbolic and networked. Surveillance has become at once a driving force for social change and a fundamental question concerning security and privacy, a predicament marked by growing entanglement, and a horizon for resistance and emancipation. The paper thus explores the evolution of surveillance studies with a literature review and a presentation of key theoretical propositions, beginning from the dual framework of scientific progress and transformations in social systems. It posits that surveillance societies are destined to fade away, just as societies of sovereignty and discipline once disappeared, to be replaced by societies of automation. This will be driven by the development of the informational paradigm, which has generated a self–operating network grounded in a decentralized system of chaos and complexity.

الكلمات المفتاحية:
  • المراقبة الرقمية
  • الأتمتة
  • الذكاء الاصطناعي
  • البانوبتيكون
  • الانعتاق
Keywords:
  • Surveillance
  • Artificial Intelligence
  • Automation
  • Panopticon

مقدمة

اهتم توماس صموئيل كون بموضوع تاريخ العلم، الذي جعله مقدمة لكتابه المرجعي بنية الثورات العلمية، ودعا إلى تفادي النظر إلى تاريخ العلم باعتباره سردًا للأحداث فقط (تراكم معرفي)1؛ لأن ذلك سوف يحدث تغييرًا جوهريًا في التصور السائد لمسار تطوّر العلم، لنحصل على صورة مغايرة تمامًا، خاصة إذا تجنّبنا إسقاط مقاييس الحاضر على الماضي، أو توقّع أن يجيب تاريخ العلم عن أسئلة الماضي بأدوات الحاضر2. ربما ينطبق هذا أيضًا على موضوع تطور دراسات المراقبة، فعلى الرغم من حداثة هذا الحقل المعرفي، فقد شهد توسعًا مفرطًا في أطره النظرية والمفهومية3، وبقي معظمها مرتبطًا بأعمال الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو Michel Foucault الذي مثّل الشخصية النظرية البارزة لعلماء المراقبة. كما أن مصطلح البانوبتيكون4 ظل أيضًا، بوصفه مفهومًا ومضمونًا، الإطار النظري الرئيس لدراسات المراقبة. وإذا ما أسقطنا مقولة كون، أمكن القول إن هذا الحقل لا يزال يقارَب بعدسات بانوبتيكية أي عبر توقّع الإجابة عن أسئلة تخص الماضي بمعايير الحاضر، وهو ما يحول دون تحقيق قفزات معرفية. من جانب آخر، تمثل العلوم والمتغيرات التكنولوجية العناصر الأساسية في التحول الاجتماعي5، ومن ثمّ نموذج المراقبة وآلياته. غالبًا ما تتشكل النظم الاجتماعية وتتحول بفعل تطور العلوم والأفكار المرتبطة بها، فمع بروز الثورة الصناعية الأولى سيطرت أفكار الميكانيكا والحركة؛ فقد كان العالم منظمًا وفقًا لحركة الكتلة ونظريات الجاذبية، ثم تحوّل هذا النمط نظامًا اجتماعيًا مورست فيه الرقابة استنادًا إلى قاعدة بصرية بانوبتيكية. في القرن التاسع عشر، ومع تطور علم الطاقة والديناميكا الحرارية المرتبطة بالمحرك، حدث تحوّل آخر عُرف بالمجتمعات الصناعية التي أنتجت الانضباط، مورست من خلاله المراقبة باعتبارها سلطة تأديبية. وبعد ثورة المعلومات والاتصالات التي ارتبطت بتطور علوم الحاسوب، غدت المعلومات المفهوم العلمي السائد، وتبلورت المراقبة الشاملة باعتبارها جوهر النظام الاجتماعي. غير أن محدودية هذا النظام، إلى جانب الأفكار العلمية التي تطورت ضمن النموذج المعلوماتي، أفسحت المجال لظهور نظام جديد يستند إلى علوم التعقيد والتنظيم الآلي لشبكات المراقبة.

  1. Thomas S. Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions (Chicago: University of Chicago press, 1997). p. 1.
  2. Ronald N. Giere, Science without Laws (Chicago: University of Chicago Press, 1999), p. 36; ينظر أيضًا: عادل زقاع، "النقاش الرابع بين المقاربات النظرية للعلاقات الدولية"، أطروحة دكتوراه، جامعة باتنة، الجزائر، 2009، ص.22
  3. David Lyon et al., "Introducing Surveillance Studies," in: Kirstie Ball et al. (eds.), Routledge Handbook of Surveillance Studies (London/ New York: Routledge, 2012), p. 2.
  4. البانوبتيكون تصميم ابتكره جيريمي بنثام في القرن الثامن عشر، يقوم على مراقبة مستمرة عبر برج مركزي تحيط به الزنازين، حيث يجهل السجناء وقت مراقبتهم؛ ما يدفعهم إلى ضبط سلوكهم. أثّرت هذه الفكرة في هندسة السجون وطرحت مفاهيم أوسع للرقابة المجتمعية. ووسّع فوكو المفهوم ليصف آليات الرقابة الحديثة، حيث يلتزم الأفراد بالمعايير خوفًا من المراقبة؛ ما يعزز التنظيم الذاتي ويحافظ على الوضع القائم، أحيانًا على حساب الحرية. عناصر البانوبتيكون حاضرة اليوم في مؤسسات، كالمستشفيات والمدارس، وفي التكنولوجيا الحديثة، كالإنترنت وأنظمة المراقبة؛ ما يعكس استمرار أهميته.
  5. تمثّل توليفة المجتمع، العلم والابتكار، إحدى أهم القضايا في أبحاث التحول الاجتماعي ودراساته، التي انتشرت وزاد تأثيرها في السنوات الأخيرة، حيث أصبحت تهتم بفهم الترابط المتبادل بين العلم/ التكنولوجيا والمجتمع وتفسيره.

في هذا السياق، تثار إشكالية أساسية في الموضوع، تتعلق بتأثير الأتمتة6 باعتبارها نظام مراقبة ناشئًا، وقوة خفيّة غير مرئية، لا متماثلة على نحو جوهري في قضايا الأمن الفردي والجماعي؛ لذلك، فطبيعة النظام الاجتماعي وطريقة تشكله نتيجة متغيرات الأفكار والتقدم العلمي، توفر أدوات وآليات تمكّن من ممارسة فعل المراقبة؛ ما يعزز فاعليتها. ومن جهة أخرى، فإن التشبث بأدوات المراقبة الآلية، بوصفها نظامًا اجتماعيًا، سيزيد من شدة التحكم والسيطرة؛ ما يطرح معضلة الانعتاق الفردي والاجتماعي (مقاومة المراقبة)، وأيّ زيادة في استخدام التكنولوجيا تعني زيادة في الانغماس وارتفاعًا في درجة المراقبة والسيطرة، مع تراجع فرص التحرر من ممارساتها. فكيف أثّر التقدم العلمي بالتحوّل في شكل المراقبة وآلياتها ومقاصدها وآثارها في قضايا الأمن والخصوصية؟ تفترض الدراسة أنّ شكل المراقبة وأدواتها وغاياتها مرتبط تاريخيًا بالتقدم العلمي والأفكار المتعلقة به، والذي بموجبه تتشكل النظم الاجتماعية وتتغير7. فقد أنتج تطور علوم التحكم الآلي وتلاقي علوم الفيزياء والرياضيات وعلوم الحاسوب وغيرها، نموذجًا معرفيًا عابرًا للتخصصات (علوم التعقيد). وساهم في بروز مجتمع المعلومات، فغدت ممارسة فعل المراقبة تعتمد على التكنولوجيات المتقدمة مثل الروبوتات، والحوسبة الكمية، وأنظمة الشبكة ونظم القيادة والسيطرة وغيرها، ودمجها في أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تتولى عملية جمع مختلف المعلومات والبيانات (بما في ذلك البيولوجية)؛ أي ممارسة الفرز الاجتماعي والمراقبة بطريقة آلية. وسيؤدي هذا تدريجيًا إلى التحول نحو مجتمعات الأتمتة (نظام اجتماعي قيد التشكّل)، في عالم ما بعد صعود مجتمعات المراقبة وفق منظور ديفيد ليون. وسيتجاوز هذا النظام المراقبة التقليدية؛ إذ إنه يتولى عملية السيطرة والتوجيه والتحكم في الخيارات على نحو آلي أفقي من دون إشراف مركزي من الأعلى. ما يكتسب أهمية في هذا السياق، هو محاولة فرز أهم أدبيات دراسات المراقبة، وخصوصًا الطروحات المعتمدة على ما بعد البانوبتيكون التي انتشرت على نطاق واسع. ويطرح هذا الانتشار سؤ لًا حول مدى قدرة نموذج فوكو على التفسير؛ إذ إنه اختزل اهتمام الباحثين بالحقل في مجموعة محددة من سمات المراقبة، متجاهلًا سمات وعمليات رئيسة أخرى. فقد أشار توماس ماثيسن إلى فشل فوكو في إدراك صعود المشهد في المجتمعات ذات الوسائط الجماهيرية حيث تشاهد الكثرة القلة8

  1. الأتمتة أو التشغيل الآلي هي تقنية تُستخدم لتنفيذ العمليات من دون تدخل بشري، وتشمل مهمات بسيطة ومتكررة وأخرى معقدة. تتيح الأتمتة التركيز على مهمات أكثر أهمية؛ لذلك يجري الاعتماد عليها لتوفير الوقت والموارد وتقليل التكاليف.
  2. جاء نموذج بانوبتيكون بنثام وهندسته المعمارية، مثلًا، في سياق اجتماعي كان العنف الجسدي المرتبط بالقمع والتعذيب فكرًا سائدًا فيه، وبعد تطور العلوم والأفكار المرتبطة بالنهضة، والثورة الصناعية، والنموذج البيروقراطي وحقوق الإنسان، أصبح القضاء والسجن والتعذيب الروحي أو النفسي هي الأفكار السائدة، وتشكّل معها نظام اجتماعي جديد.
  3. ينظر: توماس ماثيسن، "مجتمع المشاهد: إعادة النظر في بانوبتيكون ميشيل فوكو"، الذي يجري الاستشهاد به كثيرًا في أدبيات ما بعد البانوبتيكية. يبدأ ماثيسن بالإشارة إلى ثلاثة عناصر أساسية في كتاب فوكو المراقبة والمعاقبةلاوًااأ،: يف لاوًااحت وكوف عبتت ي طبيعة العقوبة (من التعذيب إلى السجن). ثانيًا: تحول في محتوى العقوبة (من الجسد إلى الروح). ثالثًا: تغيير أوسع في النظام الاجتماعي.

(السينوبتيكية). ويُعزى هذا النقص إلى الحاجة إلى تطوير أطر تحليلية جديدة تتماشى أيضًا مع التحولات التكنولوجية، كما يرى كيفن هاغرتي9. لذلك، تسعى هذه الدراسة إلى تبّع تطور حقل المراقبة بوصفه إطارًا نظريًا وتحليليًا في محاولة لفهم الآليات التي مكّنت من الانتقال من حقبة البانوبتيكون إلى المراقبة وما بعدها، وكيفية تضاعف قوّتها وحجمها وتفرّعها وتعقّدها في الممارسات والعمليات بفعل التقدم التكنولوجي والتحوّل في النظم الاجتماعية. وقد يدفعنا هذا أيضًا إلى إعادة النظر في مفهوم المراقبة بوصفه حقلًا معرفيًا ناشئًا يتطوّر ويتوسّع أفقيًا من حيث الأنماط والمواضيع والغايات التي تؤديها، ويتعمق عموديًا عبر تعدد فواعلها؛ إذ إن ممارسته لم تعد حكرًا على السلطة، ولم تبق غايته محصورة في التحكم في الانضباطات أو جمع البيانات فحسب.

أولا: بانوبتيكون بنثام/ فوكو من السيادة إلى الانضباط

مثّل مصطلح البانوبتيكون نقطة انطلاق نظرية وجدلية مشتركة لدراسات المراقبة10. وعلى حد وصف غريغ إلمر، جرى تعريف البانوبتيكون، إلى حد بعيد، اعتمادًا على نص واحد، هو كتاب الانضباط والعقابلفوكو، وهو مفهوم مستمَدّ من أعمال المفكر الاجتماعي الإنكليزي جيريمي بنثام وتصميمه المعماري (–1748 1832). وعلى الرغم من محاولات العديد من علماء المراقبة، مثل ديفيد موراكامي وود وريتشارد إريكسون، الاستفادة من أعمال جيل دولوز وسيلة لتجاوز نموذج البانوبتيكون عند فوكو، فقد يظل هذا التحول إحدى أهم العمليات التفسيرية المرتبطة بمحاولات تطوير المفاهيم الأساسية في دراسات المراقبة11. إن مفهوم البانوبتيكون عند بنثام جاء في إطار أخلقة العقاب الذي مارسته السلطة باعتباره نوعًا من التحول الاجتماعي لحفظ قدرتها على التحكم في الانضباطات وإنتاج الذات الطيعة12. وطوّر فوكو هذه الأفكار وأخرجها من إطارها الضيّق (السجن/ المراقبة البصرية) إلى ما أسماه التجمعات الخرسانية أو بيئات التطويق (المدارس، والمصانع، والمستشفيات، والثكنات، والمؤسسات الاجتماعية) في فضاءات مغلقة وهندسة معمارية أوسع وأشمل من بانوبتيكون السجن13. وقد أنتج ذلك نظامًا اجتماعيًا جديدًا أطلق عليه فوكو تسمية المجتمعات التأديبية، حيث أصبحت المراقبة وأدواتها وأغراضها تختلف تمامًا عن الطابع البصري الذي ميّز نموذج بانوبتيكون عند بنثام14.

  1. Kevin D. Haggerty, "Tear Down the Walls: On Demolishing the Panopticon," in: David Lyon (ed.), Theorizing Surveillance the Panopticon and beyond (Devon, UK: Willan Publishing, 2006), p. 26.
  2. Ibid.
  3. Greg Elmer, "Panopticon Discipline Control," in: Ball et al. (eds.), p. 21.
  4. Haggerty, p. 23.
  5. حلل فوكو المشروع النموذجي لبيئات التطويق المنغلقة، ويظهر هذا المشروع في حالة المصنع تحديدًا: أن تجمع وتقسم في المكان، وأن تنظم في الزمان، وأن تؤلف قوة منتجة ضمن بعد المكان – الزمان. ما اكتشفه فوكو أيضًا هو عرضية هذا النموذج وسرعة زواله.
  6. Gilles Deleuze, "Postscript on the Societies of Control," in: Imre Szeman & Timothy Kaposy (eds.), Cultural Theory: An Anthology (UK: John Wiley & Sons, 2010), pp. 139–142.

ويرى جيلبرت كالويا، في دفاعه عن طروحات فوكو، في مقاله "مجتمع ما بعد البانوبتيك؟ إعادة تقييم فوكو في دراسات المراقبة"، أنّ فوكو، من خلال كتابه الشهير المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن Surveiller et punir: Naissance de la prison، قدّم بنية سجن بنثام نموذجًا للتحول في آليات الرقابة الاجتماعية15، والانتقال من مجتمعات السيادة إلى مجتمعات الانضباط. في هذا السياق، يجري التحول في إنشاء المعماريات الخاصة بالمراقبة وأدواتها، بناءً على قاعدة التحول في النظم الاجتماعية. صحيح أنّ معماريات المراقبة التأديبية، لا تشبه تمامًا معماريات المراقبة البصرية (بانوبتيكون) عند بنثام، إّلا أن تيبولوجية فوكو حول البانوبتيكون كانت واضحة؛ إذ إنها ارتبطت بفهم فيزيائية السلطة السياسية، من خلال استخدام آلية المراقبة. لذلك، وجب أّلا يُفهم البانوبتيكون عند فوكو على أنه بناء حلم، بل هو رسم تخطيطي لآلية القوة المختزلة إلى شكلها المثالي. في الواقع، إنه شكل من أشكال التكنولوجيا السياسية16. وعلى الرغم من شمولية طرح فوكو، برزت أطر نظرية في دراسات المراقبة دعت إلى تجاوز منظوره، بذريعة الحاجة إلى نظرية تتناول التحولات العالمية والتكنولوجية، وقد أطلق على هذا الاتجاه اسم ما بعد البانوبتيكية؛ بهدف فهم الدور الذي تؤديه أنظمة الرقابة في الاتجاهات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العصر الحالي17. وكما يرى هاغرتي، فحتى نظريات ما بعد البانوبتيك لم تخرج عن مظلة فوكو، أو ما أسماه هاغرتي "فوضى الرؤية". إن هذا الكمّ من المصطلحات والطروحات البانوبتيكية و/ أو ما بعد البانوبتيكية، من قبيل "البوليوبتكون" Polyopticon18 و"البانوبتيكون الإلكتروني"، و"سوبر بانوبتيكون"، ونيو– بانوبتيكون"، و"بان–أوبتكون"، و"بيداغوبتكون "، و"الفركتال بانوبتيكون "19 وغيرها، يحمل المبدأ نفسه في دراسات المراقبة والسياق الإتيمولوجي ذاته لبانوبتيك فوكو، وإن اختلفت في التفسير والتبرير بفعل التقدم التكنولوجي. مع ذلك، يصعب حصر دراسات المراقبة في إطار البانوبتيكية البصرية؛ فلا بد من تجاوز النظرة الأحادية والاعتقاد أن المراقبة والسيطرة تشّكلّان الذات الطيّعة للتحكم في الانضباطات الاجتماعية20، التي تعمل السلطة على تكريسها، وأنها تمارَس وتفَّسَر فقط وفق منظور بانوبتيكي أو ما بعد بانوبتيكي محض.

  1. Gilbert Caluya, "The Post–panoptic Society? Reassessing Foucault in Surveillance Studies," Social Identities , vol. 16, no. 5 (2010), pp. 622–623.
  2. ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، ترجمة علي مقلد (بيروت: منشورات مركز الإنماء القومي، 1990)، ص.214
  3. يقدّم أرماند ماتيلارت دراسة عنوانها "العولمة المراقبة: في أصول النظام الأمني" تتناول مسألة أجهزة المراقبة، من خلال تحليل المذاهب العسكرية، أو حتى مشروع إيكيلون Echelon. وتولّى تشريح مفاهيم قوى السيطرة في ديناميكية العولمة، وكيف أنه باسم الدفاع الافتراضي جرى فرض تعريف غامض للعدوّ، الذي سمح بجميع الانتهاكات، مثل المراقبة بالفيديو، والتسجيل، والرقائق، والبصمات الجينية.
  4. يقترح نيك غرومبريدج Nic Groombridge في دراسة له بعنوان "تلفزيون مكافحة الجريمة أم تلفزيون ثقافة الجريمة؟" (2003)، مصطلح البوليوبتكون Polyopticon أو أومنيكون Omnicon، ليصف الانتشار الهائل لكاميرات المراقبة والكاميرات التلفزيونية المغلقة والكاميرات الخفية والحشرات الإلكترونية الزاحفة أو الطائرة في الوسط الحضري؛ ما أتاح للجميع مشاهدة الجميع.
  5. Haggerty, p. 27.
  6. ينظر: سيد أحمد قوجيلي، "المجتمع البانوبتيكي: العين الإلكترونية وصعود تجمّعات المراقبة"، المستقبل العربي، العدد 425 (2014)، شوهد في 2025/8/26، في: https://2cm.es/KR7o

ثانيًا: ما بعد البانوبتيكون: دولوز ومجتمعات المراقبة

رغم أن مفهوم البانوبتيكون جرى التطرق إليه بطريقة مباشرة وغير مباشرة في عدد من مقالات فوكو وكتبه، فإنّ تطبيقه في دراسات المراقبة برز جليًا في مقال دولوز الموجز، "حاشية حول مجتمعات السيطرة" (1990)21، الذي اتخذ اتجاهًا مختلفًا في التفكير في كيفية العثور على الانضباط والسيطرة ومكانهما، محللًا إياهما، للمساهمة في نظريات المراقبة البانوبتيكية ذات الطابع الشبكي التكنولوجي22. في حين أنّ بعض علماء المراقبة، مثل هاغرتي وود، قدّموا تفسيرات موسّعة حددت نطاق كتابات فوكو الشاملة حول المراقبة23. لم تبق نظريات بنثام – فوكو حول البانوبتيكون ثابتة، بل تعرضت لسلسلة مستمرة من الأسئلة والانتقادات. ويشير بعض الباحثين إلى أنه أصبح في الإمكان نقل نظرية المراقبة بالكامل إلى الأماكن العامة في العصر الراهن (ما بعد البانوبتيكون)، وهم الذين يفترضون أن النظرية كانت جيدة ضمن الإطار التاريخي للقرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وتتجسد هذه النظرية اليوم في ترميز المعلومات الشخصية، الذي يتيح القدرة على التنبؤ بالسلوك وتوجيهه من دون الحاجة إلى المراقبة البصرية المباشرة. ويشير بعض الباحثين إلى مفهوم الفرز الشامل أو Superpanopticism، باعتباره نسخة أعيد صوغها من النظرية الأصلية24. إذًا، تخطى اتجاه ما بعد البانوبتيكون هذه الرؤية، متجاوزًا بذلك المنظور الذي يجسد الرقابة المادية الجسدية التي تقيد التجمع البانوبتيكي بسبب ماديته وبنيته الجامدة25، رغم محاولات الإصلاح التي حصلت في بدايات القرن العشرين (إصلاح التعليم والصناعة والسجون... إلخ). إّلا أنّ هذه الحقبة قد ولّت في تقدير دولوز، وتكمن المسألة في محاولة إدارة أزمة التصويب الذاتي التي أحدثتها، إلى أن تتشكّل وتثبت قوى جديدة تحلّ محلّ المجتمعات التأديبية26، ويعلن بذلك عن وفاتها وميلاد مجتمعات السيطرة المحكومة بالتكنولوجيا الرقمية. وبهذا، أصبحت المراقبة

  1. يفكك دولوز طروحات فوكو للمجتمعات التأديبية، ويرى أن هذه المجتمعات بدأت في تنظيم مساحات واسعة من التجمعات المغلقة. ويتم الانتقال من بيئة مغلقة إلى أخرى، ولكل منها قوانينها الخاصة، الأسرة ثم المدرسة ثم الثكنات ثم المصنع، ومن وقت إلى آخر المستشفى، وربما السجن، المثال الأبرز للبيئة المغلقة والسجن هو النموذج القياسي.
  2. Deleuze, p. 6.
  3. Elmer, pp. 22–23.
  4. Diana R. Gordon, "The Electronic Panopticon: A Case Study of the Development of the National Criminal Records System", Politics and Society , vol. 15, no. 4 (1987), pp. 254–255.
  5. يذكّر أوليفييه أن بعض الروايات الأدبية غذّت نظرية المراقبة منذ القرن الثامن عشر، مثل رواية "جيفانتيا" لشارل فرانسوا تيفين دي لاروش (1760). وقد شهد القرن العشرون العصر الذهبي لهذا الأدب، مع أعمال رمزية مثل رواية "نحن" ليفغيني إيفانوفيتش زامياتين (1920)، ورواية "عالم جديد شجاع" لألدوس هكسلي (1931)، ورواية "المحاكمة" (1933) لفرانز كافكا، ورواية "1984" (1949) لجورج أورويل. ويستشهد أيضًا بمبادئ الإدارة العلمية لفريدريك تايلور (1911)، وهي "نظرية المراقبة في العمل"، وأعمال ماكس فيبر في "الاقتصاد والمجتمع" (1921)، عبر التدخّل المثالي للسلطة العقلانية التي تجسّدها البيروقراطية.
  6. Deleuze, p. 2.

الإلكترونية هي القاعدة، وبرز نقاش نظري حول مدى إمكانية التخلّي عن النموذج التأديبي لفائدة نموذج التحكم27. يُعتبر عمل رون بوين نقطة الانطلاق الرئيسة لما بعد البانوبتيكون. ويدعو بوين إلى إزاحة البانوبتيكون، ورغم أنه لا ينكر فائدتها بوصفها أداة مقارنة لفهم تطور المراقبة، فإنه يرى أنها لا تقدم الكثير لفهم الممارسات المعاصرة. ويُعدّ هذا الفهم ضروريًا عند تحليل نموّ نظرية ما بعد البانوبتيكون وصلاحيتها في تقييم أنظمة المراقبة28. إضافة إلى طروحات دولوز حول مجتمعات السيطرة، نجد مجموعة ليون المحررة لكتاب نظرية المراقبة: البانوبتيكون وما وراءه29، وكتاب المراقبة العالمية والشرطة لإيليا زريق ومارك سالتر30، باعتبارهما اتجاهًا فكريًا جديدًا سعى لفهم الدور الذي تؤديه أنظمة الرقابة في الاتجاهات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العصر الرقمي. وحاولت مجموعة من علماء المراقبة، على غرار هاغرتي وود وليون، تطوير أطر نظرية بديلة للبانوبتيكون31، باعتباره نموذجًا أساسيًا للمراقبة في المجتمعات الغربية الحديثة، وشاركوا في البحث عن أماكن وسياقات جديدة لإجراء التحليل32. ويحدد أيضًا دولوز وفيليكس غوتاري أماكن جديدة للمراقبة في بيئة متغيرة ماديًا وتكنولوجيًا33. بينما يركّز هاغرتي وإريكسون، على نحو خاص، على مجموعات جديدة من البشر وعلى التكنولوجيا التي تمارس أشك لًا متنوعة من المراقبة. في فرع ماركسي جديد من نظرية المراقبة34، رسمت شوشانا زوبوف ملامح إطار نظري آخر، عبرت عنه في كتابها رأسمالية المراقبة؛ إذ تفسر أن المراقبة غيرت هياكل السلطة في اقتصاد المعلومات35. ومن هذا المنطلق، يتحدى هذا التيار وحدات التحليل في أعمال بنثام – فوكو، بحجة الحاجة إلى تطوير أدوات تحليلية جديدة، مؤسسين بذلك لتيار ما بعد البانوبتيكي في نظرية المراقبة. عزز ذلك أيضًا النقاش حول حدود التحكم الشامل بوصفه نموذجًا للمراقبة في المجتمعات الرقمية وإدارته بفعل التطورات التكنولوجية السريعة، وخصوصًا ظهور قواعد البيانات المحوسبة. وقد دفع هذا

  1. Maša Galič et al., "Bentham, Deleuze and beyond: An Overview of Surveillance Theories from the Panopticon to Participation," Philosophy & Technology , vol. 30, no. 1 (May 2016), pp. 20–21.
  2. Roy Boyne, "Post–panopticism," Economy and Society , vol. 29, no. 2 (2000), p. 286.
  3. Lyon (ed.), Theorizing Surveillance the Panopticon and beyond.
  4. Elia Zureik & M. Salter (eds.), Global Surveillance and Policing (Devon, UK: Willan Publishing, 2005).
  5. David Murakami Wood, "Beyond the Panopticon? Foucault and Surveillance Studies," in: Jeremy Crampton & Stuart Elden (eds.), Space, Knowledge and Power: Foucault and Geography (Aldershot: Ashgate Publishing Limited, 2007), pp. 245–263.
  6. Caluya, pp. 624–630.
  7. Kevin D. Haggerty & Richard V. Ericson, "The Surveillant Assemblage," British Journal of Sociology , vol. 51, no. 4 (December 2000), p. 606.
  8. Christian Fuchs, "Political Economy and Surveillance Theory," Critical Sociology , vol. 39, no. 5 (2013), pp. 671–672.‏
  9. Shoshana Zuboff, The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power (London: Profile Books, 2019).

إلى إعادة التفكير في الاستعارة الشاملة للمراقبة، فقد صاغ مارك بوستر مصطلح Superpanopticon لفهم التحكم اليوم باعتباره شكلًا متضخمًا أو سجلًا أعلى للمراقبة البانوبتيكية36. بينما اقترحت ديانا جوردون مصطلح البانوبتيكون الإلكتروني الذي يجسد على نحو أفضل طبيعة الموقع المعاصر للمراقبة وآلياتها37. لكن حتى هؤلاء يتفقون مع الاتجاه العام في الأدبيات، الذي يميل إلى تقديم المزيد من الأمثلة على المراقبة الكاملة أو الزاحفة، في حين يقدمون القليل مما هو جديد من الناحية النظرية38. وإلى جانب ذلك، يتساءل ستيفن مان وآخرون عما إذا كان النموذج الشامل لا يزال مفيدًا في سياق نظرية المراقبة الحديثة، بالنظر إلى التحولات الجوهرية في الطرائق التي تجمع بها المجتمعات المعلومات اليوم وتوظّفها. ويجادل مان بأن النموذج الشامل لا يمكن أن يفسر جميع الأنماط اللامركزية وغير الهرمية لعامل المراقبة اليوم، في عصر تمكّن فيه التكنولوجيا الجميع من مشاهدة بعضهم. ويطلق على هذا الوضع اسم المراقبة الفرعية Sousveillance؛ إذ تأتي المراقبة من الأسفل بنفس التأثير الذي تأتي به من الأعلى، وربما تفضي إلى تكوّن نمط جديد من المقاومة ضد التحكّم الشامل39. ويقترح هاغرتي وإريكسون، مستندَين إلى عمل دولوز وغوتاري40، مفهوم تجمعات المراقبة لوصف التشكيلة المعقدة من الآلات والإجراءات لاستخراج المعلومات وفرزها وتسليمها. ما يختلف عن التجميع الشامل هنا هو البنية الآلية التي جرى تصميمها لمعالجة كائنات البيانات في الشبكات الرقمية بدلًا من التعامل مع الأجسام المادية في فضاءات ضيقة41. ويضيفان أننا نشهد تسوية رايزوماتيكية Rhizomatic42 للتسلسل الهرمي للمراقبة؛ أي إنّ أنظمة المراقبة المتميزة والمنفصلة سابقًا قد تجمعت وتقاربت معًا، هذا التجمع المراقب الناتج من ذلك يعمل عن طريق تجريد الأجساد البشرية من بيئاتها الإقليمية وفصلها إلى سلسلة من التدفقات المنفصلة، ثم تجري إعادة تجميع هذه التدفقات في مواقع مختلفة حيث تتضاعف البيانات المنفصلة والافتراضية43. وفي سياق تطور دراسات المراقبة، يصف ليون المراقبة المعاصرة بأنها الاهتمام المركز والمنهجي والروتيني بالتفاصيل الشخصية لأغراض التأثير أو الإدارة أو الحماية أو الكشف. وفي تأسيسه للمراقبة

  1. Mark Poster, The Mode of Information: Poststructuralism and Social Context (Chicago: University of Chicago Press, 1990), pp. 85–87.
  2. Gordon, pp. 483–484.
  3. Haggerty & Ericson, p. 607.
  4. Steve Mann et al., "Sousveillance: Inventing and Using Wearable Computing Devices for Data Collection in Surveillance Environments," Surveillance & Society , vol. 1, no. 3 (2003), pp. 332–333.
  5. Gilles Deleuze, Mille plateaux: Capitalisme et schizophrenie (Paris: Presses Universitaires de France, 1980).
  6. William Bogard, "Simulation and Post–panopticism," in: Ball et al. (eds.), p. 30.
  7. جذمور Rhizome مفهوم وضعه دولوز وغوتاري يعبّر عن بنية تتطور باستمرار، في جميع الاتجاهات الأفقية، وخالية من المستويات. استمد المصطلح من علم النبات وهو نوع من النباتات يتميز بالنمو السريع المتشابك، ويخرج من الأرض وينتشر انتشارًا شبكيًا، منفصلًا ومتجاورًا، ولكنه مترابط تحت الأرض.
  8. Haggerty & Ericson, pp. 614–615.

بوصفها قضية اجتماعية عامة، يرى أنّها تؤدي ثلاث وظائف رئيسة تشمل الحفاظ على السيطرة، وهو الغرض التاريخي الذي يسعى إليه أرباب العمل والشرطة والحكومة، والمراقبة المتبادلة التي يسعى إليها الأقران في الشبكات الاجتماعية، والفرز الاجتماعي الذي تسعى إليه الشركات في التسويق وإدارة العملاء. وبفضل انتشار التقنيات الرقمية في كل مكان، أصبحت أهداف الفرز الاجتماعي وأساليبه، التي تصنف البيانات الشخصية، الأكثر بروزًا في دراسات المراقبة44. وبالعودة إلى أعمال أوليفييه أيم، وبالتحديد في كتابه نظريات المراقبة: من البانوبتيكون إلى دراسات المراقبة، يكتب معبّرًا عن واقع المراقبة المعاصرة: "لكي تتم مراقبتك، عليك أن تُرى، ولكي تُرى، عليك أن تكون مرئيًا". إن تنفيذ هذا الأمر أشد تعقيدًا ممّا يبدو؛ لأن اقتصاد الرؤية هذا ترتبط قوّته بالقدرة على الرؤية، وجعل الناس يرون، وقد توسعت السيطرة على الرؤية إلى حد بعيد مع التكنولوجيا الرقمية45. إن الزيادة في حجم ممارسات المراقبة وتعقيدها تجعل من الصعب تقريبًا تطوير نظرية شاملة للمراقبة بوصفها مفهومًا أو ظاهرة موحدة، كما هو الحال في نظريات فوكو أو دولوز؛ فالمراقبة بوصفها ظاهرة تفرعت من البانوبتيكون إلى شبكات المراقبة الرقمية وتجمعاتها، والمراقبة الفرعية وغيرها؛ أي إنها أصبحت تتسم بمفاهيم أو مخططات مراقبة معيّنة مدروسة في سياقات أو دراسات حالة محددة. وعلى الرغم من ذلك، فإن التحوّل في التحليل من المجتمعات التأديبية إلى مجتمعات المراقبة على سبيل المثال لا يزال حديث العهد نسبيًا. وسيكون من التعسف إغفال تحليل فوكو؛ لأن آليات المراقبة الاجتماعية تغيرت بفعل التقدم التكنولوجي46. يمكن القول إن دراسات المراقبة غدت مج لًا معرفيًا سريع التطور، سواء على مستوى الإطار النظري أو التحليل العملي، بحيث بات من الصعب لجم الطروحات والأفكار المرتبطة بها، بعد أن امتد حضورها إلى ميادين معرفية وعلمية متعددة تتجاوز العلوم الاجتماعية لتشمل البيئة والطب والبيولوجيا والعلوم الطبيعية وغيرها. وقد ازدادت صعوبة الإحاطة بالمجال مع تنوّع الممارسات والعمليات المرتبطة بأنماط المراقبة في التعامل مع البيانات، والتسارع اللافت في الوصول إلى المعلومات، فقد حلّت الأنظمة المحوسبة والشبكية بدلًا من البيروقراطيات التقليدية، على نحو جعل المراقبة تنتقل إلى الطور الرقمي47.

ثالثًا: النظم الاجتماعية وأنماط المراقبة

منذ بزوغ الحداثة وبروز مجتمعات السيادة، تسارع إيقاع التحولات الفكرية والمجتمعية، وقد انعكس ذلك بصورة جذرية على أنماط المراقبة وممارساتها. وكان للتقدم العلمي والأفكار المرتبطة به الدور

  1. Victoria Wang & John V. Tucker, "Surveillance and Identity: Conceptual Framework and Formal Models," Journal of Cybersecurity , vol. 3, no. 3 (2017), p. 148; Lyon et al., "Introducing Surveillance Studies, pp. 4–5.
  2. Olivier Aïm, Les théories de la surveillance: Du panoptique aux Surveillance Studies (Paris: Armand Colin, 2020), p. 14.
  3. Galič et al., p. 26.
  4. David Lyon, "Surveillance Studies: Understanding Visibility, Mobility and the Phenetic Fix," Surveillance & Society , vol. 1, no. 1 (2002), pp. 1–2.

الرئيس في التحولات الاجتماعية. يفهم من ذلك أن تفسير نهاية مجتمعات السيادة وميلاد مجتمعات التأديب التي طرحها فوكو كانت في حقيقة الأمر نتيجة حتمية للتقدم العلمي48، والقوانين العلمية التي ساهمت في اختراع الآلة "العجلة المسننة" أو "الميكانزم"، ثم ما أفرزته الثورة الصناعية الثانية عام 1760، والاختراعات الواسعة بداية من المحرك البخاري، واكتشاف الكهرباء، وثورة الاتصالات السلكية واللاسلكية، لتأتي بعدها علوم التحكم الآلي Cybernetics التي أنتجت الحاسوب وتقنية المعلومات، والإنترنت ودخول الحاسوب في معظم مناحي التصنيع والاتصالات والمراقبة (الثورة الصناعية الثالثة)49. ونتيجة للتحول الرقمي والتقنيات الجديدة، مثل الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي وإنترنت الأشياء والحوسبة الكمية التي أنتجتها الثورة الصناعية الرابعة، أصبحت المراقبة أشد تعقيدًا بسبب الاعتماد على الأنظمة المستقلة Autonomes System50، ل تتشكل مرحلة جديدة يمكن وصفها بأتمتة المراقبة Surveillance Automation. ويمكن تحقيب هذه التحولات الاجتماعية المرتبطة بالتقدم والثورات العلمية والتكنولوجية، ومن ثمّ نموذج المراقبة وآلياتها، وطرحها في أربع مراحل متلاحقة.

1. مجتمع الساعة

بدأت هذه المرحلة مع الثورة العلمية الأولى في القرن السابع عشر، وعُرفت بمجتمع الساعة The Clockwork Society، أو الكون الآلي، وسيطرت خلالها أفكار الميكانيكا. فقد كان العالم منظمًا وفقًا لحركة الكتلة ونظريات الجاذبية، أما التكنولوجيا المرتبطة بهذه الأفكار فهي آلية اشتغال الساعة، التي تحولت إلى نظام اجتماعي. توحي استعارة الساعة بعالم من الانسجام والنظام والقدرة على التنبؤ بالحركة التي تنبع من دافع واحد وتنتقل على نحو مثالي، من خلال عجلات مسننة (سلسلة التروس)، باعتبارها آلية أساسية51. وأحدث هذا نسقًا اجتماعيًا جديدًا مقاومًا للفوضى، أكثر انضباطًا والتزامًا بالوقت Punctual، فأصبح كل شيء يتم إعداده مسبقًا وفق رزنامة ومواعيد محددة، وساهم هذا في بروز الهياكل الهرمية ذات الطابع البيروقراطي التنظيمي52، الذي مورست من خلاله المراقبة على نحو بانوبتيكي بصري. أدى ابتكار الساعة الميكانيكية وآلية عملها المستقل Automatic دورًا محوريًا في إعادة تشكيل الحياة الاجتماعية، وأصبح يُنظر إلى الكون على أنه نظام ميكانيكي بالكامل يتألف من عمليات متحركة ضمن

  1. Martin Hilbert, "Digital Technology and Social Change: The Digital Transformation of Society from a Historical Perspective," Dialogues in Clinical Neuroscience , vol. 22, no. 2 (2020), pp. 190–191.
  2. تعود أولى الثورات التكنولوجية إلى العصور القديمة، عندما كان تحويل المواد هو القوة الدافعة في عملية التدمير الخلاق بحسب نظرية جوزيف شومبيتر. وعمل البردايم الثاني للتحديث المجتمعي على تحويل الطاقة (الثورات الصناعية)، بما في ذلك الطاقة المائية والبخارية والكهربائية والاحتراق. ويركز البردايم الحالي على تحويل المعلومات والبيانات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.
  3. Mohsen Soori et al., "AI–Based Decision Support Systems in Industry 4.0, A Review," Journal of Economy and Technology (2024), p. 4.
  4. Antoine Bousquet, "Chaoplexic Warfare or the Future of Military Organization," International Affairs , vol. 84, no. 5 (2008), p. 920.
  5. Boyne, p. 286.

مجموعة كاملة ومنتظمة من قوانين الطبيعة. وتمثلت الأفكار الأساسية لهذه الآلية في قوانين الحركة كما صاغها إسحاق نيوتن ومفاهيم الجاذبية والكتلة، وقابلية الزمن للانعكاس، والاعتقاد أنّ الكون كٌّلٌ يمكن فهمه من خلال تحليل أجزائه المنفردة53؛ أي استعارة العالم باعتباره آلة تعمل وفق آلية Mechanism فرضت تقسيم الوقت إلى وحدات ثابتة ومنتظمة يمكنها تحقيق تزامن أكبر بين الأنشطة الاجتماعية. وكان لآلية الساعة نفسها تأثير ثقافي بعيد المدى، ودور رئيس في تنظيم المجتمعات الصناعية الناشئة فيما بعد54.

2. مجتمع محركات الطاقة

في القرن التاسع عشر، ومع تطور علم الطاقة والديناميكا الحرارية المرتبطة بالمحرك، عرفت مرحلة مجتمع المحركات The Motorization Society، وحَّلَ المحرك محلّ الساعة (بوصفه نظامًا اجتماعيًا)، وفسر العالم والكون على أنهما يتألفان من عمليات نشطة تخضع لديناميكا حرارية (التقدم الصناعي وتطور وسائل المواصلات)55. وأحدث تطور تكنولوجيا الديناميكا واكتشاف المحرك الكهربائي، ثورة في الرؤية العلمية للعالم من خلال اكتشاف قابلية تحويل جميع أشكال الطاقة (الكيميائية، والكهربائية، والحركية وغيرها)56. أصبح المحرك تقنية حيوية في التصنيع وتشغيل المصانع المتزايدة، ولم يقتصر استخدامه على وسائل الإنتاج، بل كان إيذانًا بثورة لا تقل أهمية في مجال النقل والانتشار السريع للسكك الحديدية وبعدها الطائرات؛ ما أتاح بنية تحتية موسّعة للنقل، ساهمت في تحفيز التنمية الاقتصادية والتحوّل الاجتماعي. كان المحرك، إذًا، رمزًا قويًا لقوة دفع التحديث وقطع المسافات وتنقّل البضائع والأجسام والأفكار؛ فقد مكّن من أتمتة العمليات التي كانت تنَّفَذ يدويًا في السابق57. ودخل العالم مرحلة الثورة الصناعية الثانية واتسع نطاق الميكنة مع تطور العلوم الفيزيائية والكيميائية وثورة الاتصالات السلكية واللاسلكية، واكتشاف النفط والغاز بوصفهما مصدرَين للطاقة. أسهم هذا في الدفع نحو تغيير شكل المراقبة وآلياتها التي كانت إيذانًا بنهاية مجتمعات السيادة وميلاد مجتمعات التأديب.

  1. رأى جيل دولوز أن استعارة الآلة البسيطة كانت أكثر ملاءمة لعصر ما قبل التأديب. وكان يعتقد أن مفهومَي الأنتروبيا والتخريب هما أداتان تحليليتان أفضل لفحص رأسمالية القرن التاسع عشر. ويسلط هذا المنظور الضوء على الانتقال من أنظمة ميكانيكية أبسط إلى آلات ديناميكية حرارية أشد تعقيدًا، والتي أدخلت ديناميكيات وتحديات جديدة في البنى المجتمعية.
  2. Antoine Bousquet, "The Scientific Way of Warfare: Order and Chaos on the Battlefields of Modernity," PhD. Thesis, London School of Economics and Political Science, 2007, pp. 49–50.
  3. Bousquet, "Chaoplexic Warfare or the Future of Military Organization," p. 921.
  4. اكتفت آليات الساعة بنقل الحركة على طول مسار محدد مسبقًا، في حين أن المحركات الحرارية تولد طاقتها الخاصة والحركة. يجب النظر إلى العمل الميكانيكي الناتج على أنه نتيجة لعملية تحوّل حقيقية، وليس باعتباره نقلًا للحركة فقط. وقد أثّر هذا التمييز في تحوّل البحث العلمي إلى دراسة عمليات التحويل هذه؛ ما أدى إلى اكتشاف القوانين الطبيعية الأساسية للطاقة، ومن ثم، تأسيس علم الديناميكا الحرارية وعلم الطاقة.
  5. Bousquet, "The Scientific Way of Warfare: Order and Chaos on the Battlefields of Modernity," pp. 72–73.

3. مجتمع السبيرنطيقا

أعقبت الديناميكا الحرارية حقبة ثالثة، هي مرحلة المجتمع السيبراني Cybernetics Society58التي ارتبطت بعلوم التحكّم الآلي، وأصبحت المعلومات هي المفهوم العلمي السائد وليس الطاقة أو الكتلة. وارتبطت هذه المرحلة بتطور علوم الحاسوب وعلم التحكّم الآلي، بحيث يُنظر إلى العالم على أنه عمليات إعلامية. وتطورت التكنولوجيا البصرية كما يقول أنطوان بوسكيه عبر التحوّل من "المراقبة القاتلة" إلى "العين القاتلة". ويعني هذا أنّ كل التكنولوجيات البصرية المتطورة، من أقمار اصطناعية ونظم استطلاع وطائرات دون طيار59 ووسائط تواصل اجتماعي وتطبيقات إلكترونية، أصبحت جوهر النظام الاجتماعي. يهتم علم التحكم الآلي خصوصًا بتنظيم الأنظمة من خلال التغذية الراجعة للمعلومات، وعلى عكس نظامَي الساعة والمحرك، أصبحت المراقبة تتم وفق منظور القيادة والسيطرة والتحكم، عبر إنشاء معماريات كبيرة للقيادة والتحكم ونشر تقنيات الحوسبة والاتصالات60. ومع تطور الحاسوب بوصفه أداة لحلّ الشفرات والحوسبة الكمّية، غدا التقنية المهيمنة والنموذج التجريدي لفهم العالم من خلال معالجة المعلومات. وأدى هذا إلى ظهور قدرة شبه كاملة على التنبؤ والتحكم المركزي، الأمر الذي مهّد الطريق للمرحلة السيبرانية من خلال انتشار الحواسيب وتقنيات التحكم الآلي، وإنشاء بنى تحتية واسعة للقيادة والسيطرة61. بهذا المعنى أسهمت هذه التحولات في تراجع مجتمعات التأديب التقليدية وميلاد مجتمعات المراقبة، بوصفها طورًا جديدًا وفريدًا لا يمكن مقارنته بالنموذج البانوبتيكي السابق.

4. مجتمع الأتمتة

يمكن تسمية هذه المرحلة أيضًا بمجتمع "ما بعد السيبرنيطيقا" Post–Cybernetics Society. وقد جاءت نتيجة انتكاسة نظام المرحلة السابقة، بسبب طبيعته الهرمية التي تميل إلى التشويش؛ فالمعلومات لا تتدفق دائمًا على نحو صحيح، ونظام المعالجة واتخاذ القرار محدود وربما لا يكون "ستاتيكيًا" دائمًا، كما أن الهوس بالمعلومات ينتج أحيانًا تمثيلات غير دقيقة ربما تنتهي بالتضليل. وقد برز هذا النظام الجديد نتيجة للأفكار العلمية التي جرى تطويرها داخل النموذج المعلوماتي، وسمّي أيضًا ب "الكايوبلكسك"62؛ أي نظام الشوّاش أو التعقيد والفوضى اللامركزي Decentralized Chaoplexic Regime، وتجمع كلمة Chaoplexity بين مفاهيم التعقيد والفوضى التي تظهر من خلال تقارب الدراسات العلمية

  1. علم التحكم الآلي (السيبرنتيكا) هو مجال يجمع بين العديد من التخصصات مثل الهندسة وعلم الأحياء وعلم الحاسوب. ويركز هذا العلم على دراسة الأنظمة التي تتضمن حلقات التغذية الراجعة، حيث تؤثر المخرجات في المدخلات على نحو مستمر.
  2. Antoine Bousquet, The Eye of War: Military Perception from the Telescope to the Drone (Minneapolis, London: University of Minnesota Press, 2018), p. 108.
  3. Ibid, p. 5.
  4. Bousquet, "Chaoplexic Warfare or the Future of Military Organization," p. 922.
  5. الكايوبلكسك Chaoplexic نظام الشوّاش أو الفوضى والتعقيد، هو مصطلح مركب من كلمتين: Chaos التي تعني الفوضى، و Complexity التي تعني التعقيد، ويستخدم اختصارًا لتجميع نظريات الشوّاش والفوضى وعلم النظم المعقدة. ويعتبر جون هورغان أوّل من صاغ هذا المصطلح في كتابه نهاية العلمالصادر عام 1996، الذي افترض أنّ العلم وصل إلى حدود أدواته في فهم الكون.

المتباينة Interdisciplinary Science وتداخلها في النظم الطبيعية63، مثل علم الزلازل ودراسة النظم البيولوجية وعلم الأحياء أو الأنظمة المفتوحة Negentropy64. اكتشف العلماء، عند نمذجة الأنظمة المعقدة، أن الحاسوب لا يملك القدرة على التنبؤ؛ لأن هذه الأنظمة غير خطّية ولا تعمل على نحو متوقع (مثل الطقس أو الأسواق المالية)، وتُظهر غالبًا سلوكًا غير متوقّع، الأمر الذي يصعّب على أجهزة الحاسوب التنبؤ بدقة بهذه الأنظمة باستخدام النماذج التقليدية65. وقد أدركت علوم التعقيد أنّ الأنظمة عندما تنظم نفسها ذاتيًا من دون إشراف من الأعلى إلى الأسفل، تكون قادرة على تطوير أنواع جديدة غير متوقعة من السلوك التكيّفي66. وفي سياق المراقبة، يرتبط هذا التحوّل باهتمام متزايد بالقوة اللامركزية، حيث تصبح الشبكة هي التكنولوجيا الرئيسة؛ أي إن هذه اللامركزية التعقيدية المستندة إلى مفاهيم العلوم الجديدة للفوضى والتعقيد67، تشكّل الأساس لإنشاء أحدث أنظمة المراقبة وتطوير معماريات جديدة قادرة على التنظيم الذاتي والتكيف الديناميكي. بعبارة أخرى، تعتمد فوضى التعقيد، على دراسة الظواهر غير الخطّية للتنظيم الذاتي لاقتراح لامركزية جذرية للمراقبة، من خلال اعتماد شكل الشبكة الأفقية بدلًا من الهرمية. ويعتقد بوسكيه أنّ هناك جاذبية ما (نظام اجتماعي قيد التشكل) تجعل تطبيق الأنظمة اللامركزية والأفقية القابلة للتكيّف أمرًا ممكنًا68.

رابعًا: أتمتة المراقبة

صاغ عالم الاجتماع غاري ماركس مصطلح مجتمع المراقبة أول مرة عام 1985 للتحذير من احتمال ظهور "ديستوبيا أورويلية"69، من خلال تكنولوجيا الحاسوب المتنامية بسرعة. ومن ثمّ، افترض أنّ أصل مجتمع

  1. Ibid, pp. 923–924.
  2. نيوجينتروب، مفهوم في الفيزياء والفلسفة والأحياء يشير إلى النظام الذي يتجه نحو النظام والترتيب والتنظيم، ويعني على وجه الخصوص زيادة الترتيب والتنظيم والتعقيد في الأنظمة المفتوحة، بما في ذلك الأنظمة الحيّة. وهو على عكس انحدارية الطاقة التي تشير إلى النظام الذي يتجه نحو الفوضى والانحلال والتشتت. كما أن الأنتروبيا (الاعتلاج – القصور) هي مقياس لكمّية الطاقة المهدرة في نظام ما. وإذا ما خسر نظام ما الكثير من الطاقة، فسوف ينزلق إلى الفوضى.
  3. Raymond Thietart & Bérnard Forgues, "Complexity Science and Organization," in: Peter Allen et al. (eds.), The Sage Handbook of Complexity and Management (London: SAGE Publications, 2011), p. 58.
  4. Elizabeth M. Mcmillan, "The New Sciences of Chaos and Complexity and Organisational Change: A Case Study of the Open University," PhD. Thesis, The Open University, UK, 2000, p. 30.
  5. تستكشف نظرية الفوضى أن التغييرات الصغيرة في الظروف الأولية يمكن أن تؤدي إلى نتائج مختلفة إلى حد بعيد. وتساعد هذه النظرية في فهم الأنظمة التي تبدو مضطربة، وتحكمها أنماط أساسية وقوانين حتمية. ويبحث علم التعقيد في أن التفاعلات داخل النظام المعلوماتي أو الشبكة تؤدي إلى سلوكيات ناشئة لا يمكن التنبؤ بها من خلال تحليل المكونات الفردية وحدها. ويؤكد مفاهيم مثل التنظيم الذاتي والتكيف والتعقيد الديناميكي. في سياق المراقبة والنماذج المعلوماتية، يمكن أن توفر هذه النظريات رؤية مفيدة حول كيفية تدفق المعلومات وتطورها داخل الأنظمة المعقدة. على سبيل المثال، فهم كيفية تحليل البيانات من أنظمة المراقبة للتنبؤ بالسلوكيات وإدارتها لعدد كبير من السكان.
  6. Bousquet, "Chaoplexic Warfare or the Future of Military Organization," pp. 925–926.
  7. تشير الديستوبيا Dystopia إلى أدب "المدينة الفاسدة"، عكس مفهوم اليوتوبيا أو "المدينة الفاضلة". وتقدّم تصورًا مستقبليًا يتنبأ بأن تطور المجتمعات الإنسانية سيقود إلى أوضاع سيئة، حيث يفقد الإنسان حريته وإرادته بفعل خيارات تبدو في البداية جيدة، لكنها تتحول لاحقًا إلى كوابيس لا يمكن الفرد أن يتجاوزها. من أشهر الروايات الفلسفية التي جسدت هذا النوع من الأدب: رواية جورج أورويل 1984"" ورواية ألدوس هكسلي "عالم جديد شجاع". لم تكن هذه الروايات أعم لًا خيالية فحسب، بل كانت ناجحة في استشراف المستقبل، خصوصًا من خلال تناولها تأثيرات تطور العلوم والتكنولوجيا في المجتمعات الإنسانية.

المراقبة يكمن في رغبة الحكومات في مراقبة مواطنيها والتحكّم فيهم، مع تحسين فاعليتها من خلال تكنولوجيا المعلومات، كما صوّرتها رواية جورج أورويل الشهيرة. وتشير المراقبة، تحديدًا، إلى إنفاذ أحادي الاتجاه من الحكومة نحو المواطن، وهو نوع من الرقابة يُنظر إليه عادةً على أنه غير مرغوب فيه70. تميزت مرحلة السيبرنيطيقا/ التحكّم الآلي بقدرة محدودة للمشغّل البشري على تصفية المعلومات وترتيب أولوياتها بناءً على قوالب نمطية غير ذات صلة أو متحيزة أحيانًا؛ ما يؤدي إلى تضخيم عدد النتائج الإيجابية أو السلبية الخاطئة التي يتعرف إليها المشغل، ويؤثر في فاعلية النظام. ومع ذلك، فإنّ دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة المراقبة يتيح تحسين دقة المعالجة وتقليل الأخطاء الناتجة من التحيّز البشري. وهناك إمكانية وجود نظام مراقبة مؤتمت بالكامل يعمل فيه الحاسوب على تصفية المعلومات ومعالجتها واتخاذ الإجراءات اللازمة71. وهكذا، انتقلت ممارسة المراقبة من مرحلة التحكّم الآلي نحو التشغيل الآلي أو ما يسمى اصطلاحًا بالأتمتة/ الأتمتة الذكية72. إذًا، هناك تأثير متزايد لنظام علمي جديد حفّزته اكتشافات نظرية الفوضى وعلم التعقيد المنضوية حول شخصية الشبكة ذات التنظيم الذاتي الناشئ73. وقد أتاح تلاقي التكنولوجيات الجديدة المتقدمة، مثل أنظمة الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence, AI، والروبوتات لتصنيع الأجزاء الإضافية، وتكنولوجيا النانو والحوسبة الكمّية، والطاقة الموجّهة، وغيرها من تكنولوجيات الثورة الصناعية الرابعة 4IR، فرصًا واسعة وجديدة لتطبيقات المراقبة74 مع إمكانيات كبيرة لتطوير أنظمة أكثر دقة وتعقيدًا. ساعد هذا، أيضًا، في انتشار الرؤية الحاسوبية والذكاء الاصطناعي والربط بين الأنظمة والعمليات، ووفر أرضية لتطوير المراقبة الذكية بالفيديو، التي تُعتبر مج لًا بحثيًا جديدًا، يستكشف الأساليب التحليلية والتطبيقات والخدمات وبنى الشبكات المتعلقة بالمراقبة الذكية. وعزز توسيع استخدام Datafication75أو تحويل العمل الاجتماعي إلى بيانات كمية عبر الإنترنت يمكن رصدها وتحسينها، وتسهيل ال بّع في

  1. Ohya Takehiro, "Surveillance Society," in: Mortimer Sellers & Stephan Kirste (eds.), Encyclopedia of the Philosophy of Law and Social Philosophy (Dordrecht: Springer Netherlands, 2023), p. 3405.
  2. Sean Erwin, "Living by Algorithm: Smart Surveillance and the Society of Control," Humanities and Technology Review , vol. 34, no. 1 (2015), pp. 48–49.
  3. جرَتْ صياغة مصطلح الأتمتة في مجال صناعة السيارات عام 1946 لوصف الاستخدام المتزايد للأجهزة والضوابط الآلية في خطوط الإنتاج الميكانيكية. ويعود أصل الكلمة إلى دي إس هاردر، مدير الهندسة في شركة فورد للسيارات. يُستخدم المصطلح على نطاق واسع في سياق التصنيع، ولكنه يطبق أيضًا خارج التصنيع فيما يتعلق بمجموعة متنوعة من الأنظمة التي يوجد فيها استبدال كبير للعمل الميكانيكي أو الكهربائي أو المحوسب بالجهد البشري.
  4. Thietart & Forgues, p. 55.
  5. Tate Nurkin, "AI and Technological Convergence: Catalysts for Abounding National Security Risks in the Post– COVID–19 World," in: Michael Raska & Richard A. Bitzinger (eds.), The AI Wave in Defence Innovation: Assessing Military Artificial Intelligence Strategies, Capabilities, and Trajectories (London/ New York: Routledge, 2023), pp. 45–47.
  6. Datafication: اتجاه تكنولوجي يحوّل العديد من جوانب حياتنا إلى بيانات يتم نقلها لاحقًا إلى معلومات تتحقق بوصفها شكلًا جديدًا من القيمة؛ أي تحويل العمل والأنشطة الاجتماعية إلى بيانات كمية عبر الإنترنت؛ ما يسمح بال تتبع في الوقت الفعلي والتحليل التنبؤي. صاغ هذا المصطلح كينيث كوكير وفيكتور ماير–شونبرغر Kenneth Cukier & Viktor Mayer–Schönberger عام.2013

الوقت الفعلي والتحليل التنبؤي76. فمثلًا، يتم التوجّه نحو إنشاء المدن الذكية ذات البنية التحتية القادرة على الاستفادة من البيانات التي جرى إنشاؤها بوساطة أجهزة إنترنت الأشياء Internet of Things, IoT، للتحليلات الآلية، لتحسين نوعية حياة المواطنين وإدارة البيئات الحضرية77. على الرغم من المزايا المذهلة التي تقدّمها هذه التقنيات الذكية، فإنّ آثارها الأخلاقية لا تزال محلّ جدال واسع بين الحقوقيين والمتخصصين في المراقبة؛ يلاحظ، مثلًا، كيف يجري استخدام التقنيات المدمجة في منصات الهاتف المحمول مثل iPhone X أو تطبيقات تتيحها الشركات مثل Alexa Smart Home Amazon Echo و Google Home، لمراقبة الحركات الدقيقة للمستخدم و تبّعها، غالبًا ما تجمع بيانات الأوامر الصوتية وترسلها إلى خوادم مركزية قادرة على معالجة المعلومات الشخصية والاحتفاظ بها من دون موافقة صريحة78.

خامسًا: الذكاء الاصطناعي التوليدي وميلاد المجتمعات الخوارزمية

يقول ريد هوفمان79: "يجب أن يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي على أنه محرّك بخاري للعقل أو ثورة صناعية معرفية (الثورة الصناعية الخامسة)، تعد بتغيير حياتنا المهنية والشخصية على نحو عميق80؛ إذ يعيد دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي Machine Learning, ML81، والذكاء الاصطناعي التوليدي Generative Artificial Intelligence, GAI في أنظمة الشبكة تشكيل المشهد المتعلق بدراسات المراقبة؛ وسيؤدي هذا إلى تسهيل العمليات المستقلة وتوسيعها بدقة وسرعة غير مسبوقتين، ومن ثمّ أتمتة المراقبة. على سبيل المثال يجري تطوير آلات مؤتمتة بالكامل واعية ذاتيًا، أبرزها روبوتات الأمن الآلي المستقلة Autonomous Security Robots باعتبارها حًّلا مرنًا وفعّلًا من حيث التكلفة لمتطلبات الأمن والمراقبة82.

  1. Catarina Fontes et al., "AI–powered Public Surveillance Systems: Why We (Might) Need them and How We Want Them," Technology in Society , vol. 71 (2022), pp. 2–3.
  2. Vijeikis, Romas et al., "Towards Automated Surveillance: A Review of Intelligent Video Surveillance," in: Kohei Arai (ed.), Intelligent Computing: Proceedings of the 2021 Computing Conference , vol. 3 (Switzerland: Springer International Publishing, 2021), p. 785.
  3. Yong Jin Park & Mo Jones–Jang, "Surveillance, Security, and AI as Technological Acceptance," AI & SOCIETY , vol. 38, no. 6 (2023), p. 2668.
  4. رجل أعمال ومدير تنفيذي، أدى دورًا مهمًا في بناء العديد من شركات التكنولوجيا الرائدة، بما في ذلك LinkedIn و PayPal. وبوصفه مستثمرًا، كان له دور فعال في نجاح الشركات الشهيرة مثل Facebook و Airbnb وساعد الشركات الناشئة السريعة النمو مثل Aurora و Convoy.
  5. Lareina Yee, "Gen AI: A Cognitive Industrial Revolution," McKinsey & Company, 7/6/2024, accessed on 23/6/2024, at: https://acr.ps/1L9GPTR
  6. تعلم الآلة هو فرع من فروع الذكاء الاصطناعي وعلوم الحاسوب، يركز على استخدام البيانات والخوارزميات لتمكين الذكاء الاصطناعي من محاكاة الطريقة التي يتعلم بها البشر، وتحسين دقتها تدريجيًا.
  7. Abhinav Chandrayan, "Autonomous Security Robot: The Future of Security and Surveillance for Organizations?," Robotics Tomorrow , 20/11/2020, accessed on, 26/6/2024, at: https://acr.ps/1L9GPFi

إضافةً إلى أنظمة المراقبة المتكاملة من كاميرات الدوائر التلفزيونية المغلقة Closed–Circuit Television, CCTV، ذاتية التشغيل المدمجة في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي83، هناك تقنية التعرّف إلى الوجه Facial Recognition Technology, FRT المستخدمة للتحقق من الهويات عن بعد وفي الوقت الفعلي، والتي جرى اختبارها وتنفيذها على نطاق واسع، مثل شركة HooYu Identify للتأهيل والتحقق من الهوية من خلال مزيج من البصمات الرقمية، والبيانات الوصفية ووثائق الهوية والقياسات الحيوية84. ويجري دمج أجهزة الرصد والاستشعار، ونظم المعلومات، ونظم القيادة والسيطرة85، ونظم التنصّت والتقاط البصمة الصوتية86، والحوسبة السحابية87، في شبكة مركزية تشتغل آليًا. ويعني هذا أنّ المراقبة وجمع البيانات وتخزينها ومعالجتها وترميزها، وعملية اتخاذ القرار، تتم بطريقة آلية ذاتية أفقية من دون إشراف من الأعلى88. ترتكز المناقشات الحالية في دراسات المراقبة على تأثير التقنيات الناشئة في تطوير آليات المراقبة، حيث يجري استخدام الذكاء الاصطناعي والمحاكاة، لتحليل كميات هائلة من البيانات للكشف عن الأنماط والحالات الشاذة؛ ما يسهم في الكشف المبكر عن التهديدات المحتملة وتحسين جودة عمليات اتخاذ القرار89. وعلى الرغم من الفوائد التي يتيحها الاعتماد على التقنيات الرقمية، مثل تطبيقات الأجهزة المحمولة ومراقبة وسائل التواصل الاجتماعي و تبّع جهات الاتصال الرقمية، خاصة في مجال الصحة العامة لرصد الأمراض المعدية والسيطرة عليها90، واستخدام الأنظمة المستقلة للمراقبة في مختلف المجالات، من المراقبة البيئية إلى الأمن وإنفاذ القانون، فإنها تثير أيضًا مخاوف

  1. Nihal Ferhane et al., "Data Driven Decision Making with Intelligent CCTV," in: Mostafa Ezziyyani et al. (eds), International Conference on Advanced Intelligent Systems for Sustainable Development (AI2SD’2023) (Switzerland: Springer Nature, 2023), p. 166.
  2. Luca Montag et al., The Rise and Rise of Biometrics Mass Surveillance in the EU. A legal Analysis of Biometrics Mass Surveillance Practices in Germany (Brussels: European Digital Rights (EDRi); Edinburgh: Edinburgh International Justice Initiative (EIJI), 2021), p. 47.
  3. أنظمة القيادة والسيطرة، مثل عمليات الشبكة المركزية NCO ونظم المعلومات، مثل نظام C5ISR أي القيادة والتحكم والاتصال والكمبيوتر والمراقبة ونظم القتال والاستعلام والاستطلاع Command, Control, Communications, Computers, Combat Systems, Intelligence, Surveillance، هي أنظمة تحكّم آلي تعمل على دمج واسع لأجهزة المراقبة والاستشعار والأقمار الصناعية والطائرات وغيرها من الوسائل القتالية لاستخدامها في المجال العسكري.
  4. تُعرف أيضًا باسم نظام التعرف إلى المتحدث، وهو تقنية ناشئة غير متصلة تعتمد على الخصائص البيولوجية لصوت المتحدث. يتعرف إلى هوية المتحدث من خلال الصوت ويُستخدم على نطاق واسع في مجالات الجيش والأمن العام والعدالة والمالية والتجارة وإنترنت الأشياء.
  5. ترتبط الحوسبة السحابية والمراقبة ارتباطًا وثيقًا بالمشهد الرقمي اليوم، حيث توفر الحوسبة السحابية البنية التحتية مثل الخوادم، والتخزين، وقواعد البيانات، والشبكات، والبرمجيات، والتحليلات عبر الإنترنت ومعالجة كميات هائلة من البيانات وتحليلها، وهو أمر ضروري لأنظمة المراقبة الحديثة.
  6. Mayalen Etcheverry, "Curiosity–driven AI for Science: Automated Discovery of Self–Organized Structures," PhD. Thesis, Université de Bordeaux, 2023, p. 21.
  7. Ardabili Babak Rahimi et al., "Understanding Policy and Technical Aspects of AI–enabled Smart Video Surveillance to Address Public Safety," Computational Urban Science , vol. 3, no. 1 (2023), p. 17.
  8. Wang & Tucker, p. 148.

كبيرة تتعلق بالخصوصية. ويُعدّ التوازن بين الأمن والخصوصية موضوعًا مثيرًا في هذه المناقشات. وأصبحت التقنيات التي تولّد البيانات وتنقلها جزءًا لا يتجزأ من الحياة الطبيعية في المجتمع، وباتت ضرورية لإجراء الأنشطة اليومية. غير أن مسألة الخصوصية لا تزال مصدر قلق كبير؛ إذ يخضع الأفراد للمراقبة في كلّ زمان ومكان91.

سادسًا: معضلة الانعتاق

إنّ ما بعد البانوبتيكون هو مستوى جديد للغاية يتجاوز البانوبتيكون، وهو ليس تقنية السلطة التي جرى تحديدها مع فوكو في أدبيات المراقبة. وفقًا لهذا، فإنّ سلطة المراقبة لم تعد مكانيّة، بل هي نموذج لسلطة شبكية تتجاوز الحدود الجغرافية92. إنّ البانوبتيكون القائم على ادعاء السيادة الإقليمية للدولة الحديثة التي كانت تستند إلى فكرة المساحات المغلقة (المدارس، والمستشفيات، والسجون... إلخ) قد انتهى93. ولم تعد سلطة المراقبة حكرًا على الحكومات، بل أصبحت الشركات الخاصة، من خلال تقنياتها، تمتلك أيضًا سلطة مراقبة كبيرة، وتهيمن على المشهد العالمي94، الذي أصبح شبكة متكاملة من الحوسبة الصامتة والدقيقة، فيما تشير إليه زوبوف برأسمالية المراقبة. هذه الشبكة التي تسيطر على سلوكيات المستخدمين، لا تنحصر في القطاع الاقتصادي، بل تمتد إلى هندسة الروابط الاجتماعية وتشكيل مجتمعات جديدة، ونشر أفكار معيّنة وتعديل توجهات الأفراد وسلوكياتهم. وأصبحت السوق العالمية تعتمد على المستهلك ليتعرف إلى المنتوجات والسلع المطلوبة، وما يصدر من أصوات ورسائل أو طلبات طعام وشراء منتجات وحتى تحركات يُعتبر ضمن المواد التي تملكها هذه الشركات. إنها ثروة بيانات المستخدمين التي باتت سوقًا تجارية مربحة تمتلكها هذه الشركات95.

1. المراقبة والإغواء

يعتقد روي بوين في دراسته "ما بعد البانوبتيكية" أن إعادة الإنتاج الاجتماعي أصبحت تلقائية96، وأن المجتمع قد اتخذ بفاعلية خصائص آلة فون نيومان97. ويتصور زيغمونت باومان Zygmunt Bauman أن المبدأ الرائد للنظام الاجتماعي قد انتقل من البانوبتيكية إلى الإغواء، آليةً للمراقبة والسيطرة. وتجدر الإشارة إلى أن السيطرة هنا ليست مرادفًا للمراقبة، بل هي أشد وطأة؛ لأنها تحمل دلالة التوجيه والانقياد

  1. Fontes et al., p. 3.
  2. William Bogard, "Surveillance Assemblages and Lines of Flight," in: Lyon (ed.), p. 97.
  3. Efe Baştürk, "Global Politics of Post–Panoptic Surveillance in the Context of Post–Structuralist Theory," SİYASAL: Journal of Political Sciences , vol. 27, no. 1 (2018), p. 48.
  4. Ayse Ceyhan, "Surveillance as Biopower ," in: Ball et al., p. 38.
  5. Zuboff, p. 191.
  6. Boyne, p. 113.
  7. آلة فون نيومان هي معمارية ومجموعة من القواعد وضعها العالم الرياضي جون فون نيومان ومعاونوه عام 1954، لا تزال تُستخدم في تصميم الحاسبات. تمكّن نيومان من جعل الحاسوب قادرًا على تخزين برامج عديدة وتنفيذها. وقد سُمّيت فكرته بمبدأ تخزين البرامج.

الطوعي بوعي وإدراك أو من دونهما98، عبر استخدام آليات الإغراء التي تتيحها الفضاءات الرقمية وتطبيقاتها؛ إن شركة أمازون، مثلًا، أو أليكسا تتيح تطبيق Amazon Echo، مع حزمة من الأجهزة التي تثبت في المنزل، تمكّن المستخدم من الاستفادة من خدمات عديدة، مثل مراقبة المنزل، وفتح الأبواب والنوافذ وقفلها، وتعديل الإنارة وتكييف درجة الحرارة، وتشغيل الموسيقى والتلفاز، وتتصل بك إذا كنت خارج المنزل لإخبارك بوجود خطب ما، أو لتذكّرك بشراء مستلزمات وغيرها من الأنشطة؛ أي إنك مراقَب وموَّجَه داخل منزلك وخارجه. وتتيح شركات السيارات ذاتية القيادة تأجيرها، يكفي أن تطلبها لتأتي وحدها إلى منزلك وتنقلك إلى وجهتك. غير أنك لن تستطيع تجاوز السرعة المسموح بها، أو عبور الإشارات الحمراء؛ فمثل هذه المخالفات أصبحت تنتمي إلى الماضي99. إنّ الهدف من المراقبة الآلية هو التقاط كلّي للمعلومة، فهناك حاجة دائمة ومستمرة إلى بيانات أكثر وأفضل، إذا أخطأت أو فشلت في التنبّؤ (أي المراقبة الآلية)، فهذا يعني أنّ المعلومة غير كاملة أو غير دقيقة. يحتاج النظام الآلي إلى معرفة كل شيء بتفاصيله الدقيقة، وهذه حتمية انتشار الأنظمة التفاعلية التي تحتاج إلى معرفة كل شيء عنّا. لم تعد المراقبة تقتصر على معلوماتنا الشخصية والعائلية أو شبكة علاقاتنا الاجتماعية، بل امتدّت لتشمل أيضًا مشاعرنا وأحلامنا وأفكارنا وقناعاتنا. وتكمن المفارقة هنا في أننا كنّا نتحفظ عن الإجابات ونتوجس عندما يسألنا أعوان المراقبة في المطارات أو في محطات القطار عن بعض معلوماتنا. أما في سياق المراقبة الآليّة وأنظمتها التفاعلية، فإننا ندلي بكل تفاصيل حياتنا مدفوعين بحماسة خفيّة بوعي أو من دونه. فالقوة الخفيّة الرمزية التأديبية الدائمة للمراقبة الجديدة هي إقناع للجماهير بأهمية الخضوع لضرورة تقديم المعلومة الشاملة والتقاطها باسم الأمن والرفاهية ومسمّيات أخرى، إنه استعمار للبيانات عبر آليّة الإغواء التي أنتجتها الشبكة100.

2. المراقبة والانغماس

يتحدث مايكل بيترز في مقاله "أنطولوجيات المنصة وأزمة الذكاء الاصطناعي والقدرة على اختراق البشر: خوارزمية تعرفني أفضل مما أعرف نفسي"، عن البصمة الرقمية، وهي أثر البيانات الذي ينشئه أيّ شخص عند استخدام الإنترنت، بما في ذلك المواقع التي زارها، ورسائل البريد الإلكتروني المرسلة والمستقبلة، والتسجيل في الخدمات عبر الإنترنت، والسفر، والمقالات التي يقرؤها، والسلع التي يشتريها، وأثر البيانات التي يتركها خلفه من دون قصد. ويقول إن هناك قدرة متزايدة على ال بّع والمراقبة، ويستمر في تقديم أمثلة عن إمكانية أن يعرف هاتفك إذا ما كنت مكتئبًا أم لا، واستخدام

  1. وفقًا لتحليل باومان، لم يعد النموذج البانوبتيكي مناسبًا للحفاظ على النظام الاجتماعي في المجتمعات الحديثة. كان هذا النموذج فعّلًا في سياق مجتمعات العمل والتلقين التي تعتمد على الانضباط، ولكنه غير ملائم للمجتمعات الحالية التي تشكّلها ثقافة الاستهلاك والبحث عن المتعة. ويوضح باومان أن الناس اليوم يجري تشكيلهم بوصفهم باحثين عن الإثارة وجامعي التجارب، وليس بوصفهم منتجين أو جنودًا. فالرغبة المستمرة في التجارب الجديدة والقدرة على التكيّف مع التحفيزات المتزايدة أصبحت سمة أساسية في المجتمع الحديث، ما يتطلب مرونة وحركة دائمة بدلًا من الثبات والسيطرة الكاملة، كما كان الحال في المجتمعات السابقة.
  2. Mark Andrejevic, "Automating Surveillance," Surveillance & Society , vol. 17, no. 2 (2019), p. 9.
  3. Ibid., p. 11.

الخوارزميات بالفعل للحكم على شخصيتك، وتحديد إذا ما كانت علاقتك في ورطة بناءً على الرسم البياني الاجتماعي الجماعي الخاص بك101. نشأ ارتباط عضوي/ وظيفي بين الشبكة وتطبيقاتها التي تديرها الشركات، وبين الأفراد ومؤسسات المجتمع على اختلاف فئاتها وأبنيتها، بحيث لم يعد ممكنًا فكّه؛ فالجميع يعتمدون في نشاطاتهم ووظائفهم على تطبيقات تعمل بخوارزميات قائمة على الفرز الاجتماعي الشامل، غالبًا ما تكون متحيّزة. وتقول زبوف في هذا السياق: "تعلّم فيسبوك كيف يعض بشدة على الاحتياجات النفسية للشباب؛ ما يخلق تحديات جديدة للعمليات التنموية التي تبني الهوية الفردية والاستقلالية الشخصية. آثار هذه التحديات واضحة في الدراسات التي توثّق الخسائر العاطفية في وسائل التواصل الاجتماعي لدى الشباب"102. إضافة إلى ما سبق، جرى تصميم أنظمة المراقبة المعاصرة بهدف التنبّؤ بالسلوكيات الفردية والجماعية وكذلك استشراف الاتجاهات الاجتماعية، وذلك من خلال مضاعفة البيانات المرتبطة بالأفراد وتحليلها. وتولّد الخوارزميات تقييمًا للسلوكيات المستقبلية المحتملة لذلك الشخص، بحيث لم تعد تقنيات المراقبة المعاصرة موجّهة تحديدًا إلى ضبط السلوك وفق منطق مجتمعات الانضباط، بل إلى تصنيفه ضمن فئات قابلة للتنبّؤ. ومن خلال هذا التنبؤ، يمكنها معرفة التوجهات والتهديدات والاحتياجات المستقبلية103. وفّرت تقنيات الأتمتة والذكاء الاصطناعي شبكة آلية غير ممركزة تمتلك من خلالها الشركات الخاصة والكيانات الحكومية ملفات تعريف شاملة تغطي كل جانب من جوانب الحياة المهنية والشخصية والاجتماعية. وتُطَبَّق هذه الملفات على الهواتف والمركبات وأماكن العمل والمدن، وغيرها104. إنّ الإمكانيات التكنولوجية للوسائط الرقمية تجعل جمع البيانات الشامل يقود إلى تعزيز التحكّم. وهذا التحكّم ليس ماديًا بالمفهوم الضيّق، بل يتجاوز ما يمكن تخيّله في الآثار المدمرة. إنه انغماس مريب يصعب معه التأمّل في مآلاته. هذا الانغماس الذي غذّته الخدمات الرقمية الهائلة والمغرية التي تقدّمها الكيانات الرقمية، أدى إلى تضاعف كثافة المشاركة والانخراط المفرط في الوسائط الرقمية. أصبحنا لا نفكر بل نطلب خدمة التفكير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فنكل إليها محاكاة مشاكلنا واحتياجاتنا، بدلًا من أن نبحث عن الحلول بأنفسنا. وحتى المشاعر والعواطف أصبحت ممكنة مع

  1. Michael A. Peters, "Platform Ontologies, the AI Crisis and the Ability to Hack Humans 'an Algorithm Knows Me Better Than I Know Myself '," Educational Philosophy and Theory , vol. 52, no. 6 (2020), pp. 594–595.
  2. Zuboff, p. 35.
  3. Erwin, p. 37.
  4. Narina Thakur et al., "Artificial Intelligence Techniques in Smart Cities Surveillance Using UAVs: A Survey. Machine Intelligence and Data Analytics for Sustainable Future Smart Cities," in: Uttam Ghosh et al. (eds.), Machine Intelligence and Data Analytics for Sustainable Future Smart Cities. Studies in Computational Intelligence , vol. 971 (Switzerland: Springer, 2021), p. 335.

الآلة التي يسميها بعضهم بالذكاء الاصطناعي العاطفي105؛ لتوليد تفاعلات أكثر جدوى بين الإنسان والآلة. إنه وهم المراقبة الشاملة الذي يدفع إلى الاعتماد على العلاقات التكنولوجية بدلًا من العلاقات الاجتماعية.

3. مجتمعات الأتمتة والانكشاف

يُستخدم مصطلح الأتمتة عادةً في مجالات تقنية محددة، فالعلاقات الإنسانية الاجتماعية وتفاعلاتها ليست ميكانيكية أو قائمة على خوارزميات رياضية، إنها ظواهر غير خطية. وبالعودة إلى مفهوم "الكايوبلكسك" بوصفه نظامًا جرى تطويره داخل النموذج المعلوماتي، هناك قدرة على تطوير أنواع جديدة غير متوقعة من السلوك التكيفي106، يمكن أن تفهم الآلة هذه التفاعلات الاجتماعية غير الخطية وتحاكيها وتتعامل معها وفق الحالة، وهذا ما يفسر قابلية أنظمة الذكاء الاصطناعي وقدرتها على التعامل مع الظواهر الاجتماعية والتفاعل معها. سيساهم هذا في زيادة مستوى الانغماس الاجتماعي والاعتماد على الأنظمة الذكية، والتحول التدريجي من مجتمع المراقبة إلى مجتمع الأتمتة، فالمراقبة هنا ستصبح متغيرًا تابعًا ونتيجة حتمية للأتمتة107. في المقابل، ومع بروز مجتمعات الأتمتة (التي تعتمد على الآلة في كل جوانب حياتها) أخذت العلاقات الاجتماعية وتفاعلاتها بين الأفراد في الانحسار، في حين ازداد التفاعل بين الإنسان والآلة. وقد أصبح تأثير الوسائط المتعددة وأنظمة الذكاء الاصطناعي في الأبعاد الشخصية والنفسية جليًا، كما يتضح في ظاهرة "النوموفوبيا"108. وبناء عليه، يمكن رؤية علاقات وتفاعلات اجتماعية بين الأنظمة الآلية والمجتمع، وبين التطبيقات الذكية والأفراد حيث تُبنى علاقات اجتماعية في واقع افتراضي مع الآلة109. سيعزز هذا تمييع المراقبة (الكل يُراقِب والكلّ مُراقَب) أو المراقبة السائلة كما يصفها باومان، ويعني هذا أن مجتمعات الأتمتة هي مجتمعات الانكشاف؛ انكشاف أفقي للخصوصية الفردية والمجتمعية، وستفقد معها المراقبة قوّتها بوصفها فعلًا وممارسة فوقية، وآلية بيد السلطة والشركات الاقتصادية.

  1. يشير الذكاء الاصطناعي العاطفي إلى قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على اكتشاف المشاعر البشرية والاستجابة لها. تُعرف هذه التكنولوجيا أيضًا باسم الحوسبة العاطفية. تتضمن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل المشاعر البشرية من خلال تعابير الوجه ولغة الجسد.
  2. Antoine Bousquet & Simon Curtis, "Beyond Models and Metaphors: Complexity Theory, Systems Thinking and International Relations," Cambridge Review of International Affairs , vol. 24, no. 1 (March 2011), p. 43.
  3. John Naughton, "The Goal Is to Automate Us: Welcome to The Age of Surveillance Capitalism," The Guardian , 20/1/2019, accessed on 10/3/2024, at: https://acr.ps/1L9GPQg
  4. تعني النوموفوبيا Nomophobia الخوف غير المنطقي من عدم وجود هاتف محمول. تمت صياغة هذا المصطلح عام 2009 في المملكة المتحدة وهو مشتق من No–Mobile–Phone–Phobia. ويتسبب الاعتماد على الجهاز الإلكتروني في شعور غير مبرر لدى المستخدم الذي لا يملك الجهاز، إما لأنه تركه في المنزل وإما لأن بطاريته قد نفدت وإما لأنه خارج نطاق التغطية. وفي هذا السياق، وجدت دراسة أجرتها مؤسسة YouGov Real Time عام 2019 أن 44 في المئة من البريطانيين الذين شملهم الاستطلاع يشعرون بالقلق إذا لم يتمكنوا من استخدام هواتفهم المحمولة ليبقوا على اتصال.
  5. Andrejevic, p. 9.

خاتمة

ليس من الصعب إدراك التقدم الذي أحدثته الأتمتة في استراتيجيات الرصد والمراقبة المعاصرة. وهذا التقدم المتسارع في الابتكارات والتكنولوجيات الناشئة يحمل بوادر تحوّل اجتماعي جديد، حيث يتشكّل نظام يتجاوز مجتمع المراقبة نحو مجتمع الأتمتة. وبالعودة إلى تيبولوجيا فوكو حول البانوبتيكون ونموذجه القائم على سلطة الانضباط المعتمدة على العقاب، نجد أن نموذج الأتمتة/ الآلي يعتمد على الاستباق. ففي حين كان هدف الأول التحكم في الانضباطيات وإنتاج الذات الطيّعة، يمارس الثاني المراقبة بوصفها فعلًا مستمرًا ودائمًا؛ أي المراقبة من أجل التنبؤ وجمع أكبر للبيانات، شامل وعابر للمساحات والحواجز؛ فالأول داخلي فئوي مادي انتقائي، يعتمد على فهم فيزيائية السلطة لفعل المراقبة. أما الثاني، فهو رمزي شامل متعدد الفواعل (الكيانات الحكومية، الشركات، الأفراد... إلخ). هنا يمكن القول إن فك الارتباط مع تيبولوجيا فوكو حول البانوبتيكون أصبح ممكنًا في دراسات المراقبة، أو قطع رأس الملك على حد تعبير هاغرتي، فمن غير الممكن النظر إلى الماضي بأدوات الحاضر كما يعتقد كون؛ لأن نموذج الأتمتة الآلي في المراقبة لا يشبه تمامًا نموذج المراقبة البانوبتيكية، فقد أصبحت هذه الأخيرة استعارة غير مجدية في دراسات المراقبة، وجبت معها مواكبة التحولات الاجتماعية والتكنولوجية لفهم أشكال المراقبة المعاصرة القائمة على الشبكة الآلية. من منظور آخر، يمكن القول إن نموذج مجتمع المراقبة والعين الإلكترونية الذي صاغه ليون لا يزال صالحًا لتفسير المراقبة المعاصرة وأشكالها. ويرتبط هذا التفسير بالمرحلة السيبرنطيقية (التحكم الآلي) التي جرى التطرق إلى مضمونها سابقًا. ومع ذلك، يمكن رؤية مرحلة ما بعد المجتمع السيبرنطيقي (مجتمعات الأتمتة)؛ فكما تجاوز الاتجاه ما بعد البانوبتيكي المنظور الذي يكرس الرقابة المادية القائمة على التأديب والانضباط (البانوبتيكية)، يمكن الانتقال من مجتمع المراقبة (ما بعد البانوبتيك) إلى مجتمع الأتمتة، أو القول كما قال دولوز منتقدًا نموذج فوكو: "إن هذه الحقبة انتهت عاجلًا أم آجلًا "، والمسألة تكمن فقط في محاولة إدارة أزمة التصويب الذاتي ضمن النموذج القائم. تختلف مجتمعات الأتمتة، إذًا، جوهريًا عن مجتمعات المراقبة، خاصة إذا ما جرى إسقاط علوم التحكم الآلي على علوم التعقيد والحوسبة الكمّية (الفيزياء، والرياضيات، والحاسوب) والأنظمة ذاتية التشغيل القائمة على دراسة الظواهر اللاخطية. فالأول (التحكم الآلي)، هرمي البنية، وتمثيلاته غير دقيقة، وبشري القيادة والتحكم، أما الثاني فهو ذو بنية أفقية، وشبكي، وذاتي التشغيل، وتكيفي قادر على المحاكاة والتعلم. هذا ليس اختزلًا تبسيطيًا لمشهد المراقبة، إنه واقع فرضه التقدم العلمي وتكنولوجياته الناشئة. لست في حاجة اليوم إلى الذهاب إلى المفتي لتسأله عن حكم شرعي ما؛ إذ يمكنك أن تطلب الفتوى من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي ستجيبك بموضوعية، وربما بدقة تفوق فتوى الإمام نفسه. لكن احذر، فأنت مراقب وبياناتك مخزنة والنظام يعرف من أنت وتوجهاتك الفكرية والدينية، ومستواك التعليمي، بل يعرف حتى ما تريد فعله مستقبلًا من خلال أسئلتك وتفاعلك مع الآلة (الشبكة).

في سياق آخر، لا تقدم دراسات المراقبة يد العون لفهم تعقيدات الأشكال الجديدة والمختلفة للمراقبة فحسب، بل تساعد أيضًا في فهم ديناميات القوة المتغيرة في المجتمع. وليست المراقبة أداة في يد الشركات لجمع بيانات المستخدمين بوصفهم زبائن لمعرفة السوق وتحقيق أرباح تجارية أكثر، ولا هي عصا الحكومات للسيطرة التعسفية على مواطنيها، بل هي ظاهرة واسعة الانتشار لدى الكيانات الحكومية والمؤسسات الخاصة والأشخاص لتأمين سلامتهم أو ممتلكاتهم ولتعزيز كفا ةء أعمالهم110. لذلك، يمكن تحديد ثلاثة تصورات رئيسة للمراقبة في مجتمعات الأتمتة، هي: أولًا، آلية التشغيل بفعل تطور العلوم المرتبطة بالنموذج المعلوماتي والابتكارات التي أحدثتها ثورة التكنولوجيات الناشئة؛ ثانيًا، البيئة والانتشار بمعنى وجود بنية تحتية ديناميكية للمراقبة الآلية، تكمن فاعليتها في التنبؤ وحضورها في كل مكان؛ وثالثًا، غياب الإطار المحدد لفعل المراقبة111؛ أي عدم وجود حدود فاصلة بين المراقبة التي تمارسها السلطة أو الحكومات، والمراقبة التي تنفذها الشركات الخاصة ذات الطابع الاقتصادي والتجاري (المراقبة نموذج اقتصادي للمنصات والخدمات عبر الإنترنت)، والمراقبة التي يمارسها الأفراد عفويًا أو تنظيميًا؛ ما يؤدي إلى طمس الخطوط الفاصلة بين مختلف أشكال المراقبة. ترى وجهة نظر أخرى أنّ فهم أشكال المراقبة وديناميتها المعاصرة يتطلب فهمًا للعمليات الداخلية للأنظمة التقنية باعتبارها ضرورية لقرا ةء آثارها، عبر تخطي الخط الفاصل بين التخصصات وهدم الثنائية المفهومية للتكنولوجيا والمجتمع وفوبيا معالجة الظواهر التقنية لدى باحثي العلوم الاجتماعية، نظرًا إلى خصوصيتها المادية والعملية. فالعلوم التي تنكفئ على ذاتها انتهت أو أصبحت عقيمة، كما يرى جون هورغان John Horgan في كتابه نهاية العلم. وأصبح من الضروري، إذًا، بناء جسور بين المعرفة التقنية ونظيرتها في العلوم الاجتماعية لفهم الأنماط المتغيرة للمراقبة المعاصرة.

References

المراجع

العربية

زقاع، عادل. "النقاش الرابع بين المقاربات النظرية للعلاقات الدولية". أطروحة دكتوراه. جامعة باتنة. الجزائر..2009

فوكو، ميشيل. المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن. ترجمة علي مقلد. بيروت: منشورات مركز الإنماء القومي،.1990

قوجيلي، سيد أحمد. "المجتمع البانوبتيكي: العين الإلكترونية وصعود تجمّعات المراقبة". المستقبل العربي. العدد  425 (2014:). في https://2cm.es/KR7o

  1. David Murakami Wood & Kirstie Ball (eds.), "A Report on the Surveillance Society," Surveillance Studies Network (2006), p. 7.
  2. Andrejevic, pp. 10–11.

الأجنبية

Aïm, Olivier. Les théories de la surveillance: Du panoptique aux Surveillance Studies.

Paris: Armand Colin, 2020.

Allen, Peter et al. (eds.). The Sage Handbook of Complexity and Management. London:

SAGE Publications, 2011.

Andrejevic, Mark. "Automating Surveillance." Surveillance & Society. vol. 17, no. 2

Arai, Kohei (ed.). Intelligent Computing: Proceedings of the 2021 Computing

Conference. vol. 3. Switzerland: Springer International Publishing, 2021.

Ball, Kirstie et al. (eds.). Routledge Handbook of Surveillance Studies. London/ New York:

Routledge, 2012.

Baştürk, Efe. "Global Politics of Post–Panoptic Surveillance in the Context of Post–

Structuralist Theory." S İ YASAL: Journal of Political Sciences. vol. 27, no. 1 (2018).

Bousquet, Antoine & Simon Curtis. "Beyond Models and Metaphors: Complexity

Theory, Systems Thinking and International Relations." Cambridge Review of

International Affairs. vol. 24, no. 1 (March 2011).

Bousquet, Antoine. "The Scientific Way of Warfare: Order and Chaos on the Battlefields

of Modernity." PhD. Thesis. London School of Economics and Political Science. 2007.

________. "Chaoplexic Warfare or the Future of Military Organization." International

Affairs. vol. 84, no. 5 (2008).

________. The Eye of War: Military Perception from the Telescope to the Drone.

Minneapolis. London: University of Minnesota Press, 2018.

Boyne, Roy. "Post–panopticism." Economy and Society. vol. 29, no. 2 (2000).

Caluya, Gilbert. "The Post–panoptic Society? Reassessing Foucault in Surveillance

Studies." Social Identities. vol. 16, no. 5 (2010).

Chandrayan, Abhinav. "Autonomous Security Robot: The Future of Security

and Surveillance for Organizations?" Robotics Tomorrow. 20/11/2020. at:

https://acr.ps/1L9GPFi

Crampton, Jeremy & Stuart Elden (eds.). Space, Knowledge and Power: Foucault and

Geography. Aldershot: Ashgate Publishing Limited, 2007.

Deleuze, Gilles. Mille plateaux: Capitalisme et schizophrenie. Paris: Presses

Universitaires de France, 1980.

Erwin, Sean. "Living by Algorithm: Smart Surveillance and the Society of Control."

Humanities and Technology Review. vol. 34, no. 1 (2015).

Etcheverry, Mayalen. "Curiosity–driven AI for Science: Automated Discovery of Self–

Organized Structures." PhD. Thesis. Université de Bordeaux. 2023.

Ezziyyani, Mostafa et al. (eds.). International Conference on Advanced Intelligent

Systems for Sustainable Development (AI2SD’2023). Switzerland: Springer Nature,

Fontes, Catarina et al., "AI–powered Public Surveillance Systems: Why We (Might)

Need them and How We Want Them." Technology in Society. vol. 71 (2022).

Fuchs, Christian. "Political Economy and Surveillance Theory." Critical Sociology.

vol. 39, no. 5 (2013).

Galič, Maša et al. "Bentham, Deleuze and beyond: An Overview of Surveillance

Theories from the Panopticon to Participation." Philosophy & Technology. vol. 30,

no. 1 (May 2016).

Ghosh, Uttam et al. (eds.). Machine Intelligence and Data Analytics for Sustainable

Future Smart Cities. Studies in Computational Intelligence. vol. 971. Switzerland:

Springer, 2021.

Giere, Ronald N. Science without Laws. Chicago: University of Chicago Press, 1999.

Gordon, Diana R. "The Electronic Panopticon: A Case Study of the Development of the

National Criminal Records System." Politics and Society. vol. 15, no. 4 (1987).

Haggerty, Kevin D. & Richard V. Ericson. "The Surveillant Assemblage." British

Journal of Sociology. vol. 51, no. 4 (December 2000).

Hilbert, Martin. "Digital Technology and Social Change: The Digital Transformation

of Society from a Historical Perspective." Dialogues in Clinical Neuroscience. vol. 22,

no. 2 (2020).

Kuhn, Thomas S. The Structure of Scientific Revolutions. Chicago: University of

Chicago press, 1997.

Lyon, David. "Surveillance Studies: Understanding Visibility, Mobility and the Phenetic

Fix." Surveillance & Society. vol. 1, no. 1 (2002).

Lyon, David (ed.). Theorizing Surveillance the Panopticon and beyond. Devon, UK:

Willan Publishing, 2006.

Mann, Steve et al. "Sousveillance: Inventing and Using Wearable Computing Devices

for Data Collection in Surveillance Environments." Surveillance & Society. vol. 1, no. 3

Mcmillan, Elizabeth M. "The New Sciences of Chaos and Complexity and Organisational

Change: A Case Study of the Open University." PhD. Thesis. The Open University. UK.

Montag, Luca et al. The Rise and Rise of Biometrics Mass Surveillance in the EU.

A legal Analysis of Biometrics Mass Surveillance Practices in Germany. Brussels:

European Digital Rights (EDRi); Edinburgh: Edinburgh International Justice Initiative

(EIJI), 2021.

Park, Yong Jin & Mo Jones–Jang. "Surveillance, Security, and AI as Technological

Acceptance." AI & SOCIETY. vol. 38, no. 6 (2023).

Peters, Michael A. "Platform Ontologies, the AI Crisis and the Ability to Hack Humans

'an Algorithm Knows Me Better Than I Know Myself'." Educational Philosophy and

Theory. vol. 52, no. 6 (2020).

Poster, Mark. The Mode of Information: Poststructuralism and Social Context. Chicago:

University of Chicago Press, 1990.

Rahimi, Ardabili Babak et al. "Understanding Policy and Technical Aspects of

AI–enabled Smart Video Surveillance to Address Public Safety." Computational Urban

Science. vol. 3, no. 1 (2023).

Raska, Michael & Richard A. Bitzinger (eds.). The AI Wave in Defence Innovation:

Assessing Military Artificial Intelligence Strategies, Capabilities, and Trajectories.

London/ New York: Routledge, 2023.

Sellers, Mortimer & Stephan Kirste (eds.). Encyclopedia of the Philosophy of Law and

Social Philosophy. Dordrecht: Springer Netherlands, 2023.

Soori, Mohsen et al. "AI–Based Decision Support Systems in Industry 4.0, A Review."

Journal of Economy and Technology (2024).

Szeman, Imre & Timothy Kaposy (eds.). Cultural Theory: An Anthology. UK: John

Wiley & Sons, 2010.

Wang, Victoria & John V. Tucker. "Surveillance and Identity: Conceptual Framework

and Formal Models." Journal of Cybersecurity. vol. 3, no. 3 (2017).

Wood, David Murakami & Kirstie Ball (eds.). "A Report on the Surveillance Society."

Surveillance Studies Network (2006).

Yee, Lareina. "Gen AI: A Cognitive Industrial Revolution." McKinsey & Company.

7/6/2024. at: https://acr.ps/1L9GPTR

Zuboff, Shoshana. The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future

at the New Frontier of Power. London: Profile Books, 2019.

Zureik, Elia & M. Salter (eds.). Global Surveillance and Policing. Devon, UK: Willan

Publishing, 2005.