مسألة الخصوصية والأمن الرقمي في وسائط التواصل الاجتماعي
Privacy and Digital Security in Social Media
الملخّص
تهدف هذه الدراسة إلى البحث في مسألة حماية الخصوصية في وسائط التواصل الاجتماعي، والحفاظ على أمن البيانات الشخصية، في محاولة لتسليط الضوء على الخصوصية الرقمية بوصفها مسألة مركزية راهنة مستجدة في العصر الرقمي؛ إذ تثير هذه المسألة كثيرًًا من الإشكاليات المتعلقة بحدود حماية معطيات المستخدمين الشخصية في خدمات وسائط التواصل الاجتماعي والشركات الرقمية، وإمكانات اقتحامها ونشرها أو استغلالها أو العبث بها. وتكمن المشكلة في مدى أمانة هذه الوسائط والتزامها بحماية سرّّية البيانات الشخصية وسلامتها؛ فقد تطرّّقت الدراسة إلى تحديات ضمان الحق في الخصوصية والأمن في الوسائط الرقمية، وما يرتبط بها من سجالات سياسية وقيمية، ثم بيان حياد هذه الوسائط عن الدور المنوط بها في تأمين البيانات والمعلومات الشخصية وحمايتها، وتعزيز الحق في الخصوصية.
Abstract
Abstract: This study investigates privacy and data protection in social media, highlighting digital privacy as a central issue in the digital age. This matter raises many questions regarding the limits of personal data protection for social media users and digital companies and the potential for hacking, publication, exploitation or sabotage. The problem lies in the integrity of social media companies and their commitment to data confidentiality. The paper thus addresses the challenges of safeguarding the right to privacy and security in digital media and the related political and ethical debates. It goes on to examine how these media companies have relinquished their responsibility to secure and protect personal data and information and enforce the right to privacy.
- الخصوصية
- وسائط التواصل الاجتماعي
- مراقبة البيانات
- أمن البيانات
- الأمن الرقمي
- Privacy
- Social Media
- Surveillance
- Data Security
- Digital Security
الاجتماعي، والحفاظ على أمن البيانات الشخصية، في محاولة لتسليط الضوء على الخصوصية
الرقمية بوصفها مسألة مركزية راهنة مستجدة في العصر الرقمي؛ إذ تثير هذه المسألة كثيرًا
من الإشكاليات المتعلقة بحدود حماية معطيات المستخدمين الشخصية في خدمات وسائط
التواصل الاجتماعي والشركات الرقمية، وإمكانات اقتحامها ونشرها أو استغلالها أو العبث
بها. وتكمن المشكلة في مدى أمانة هذه الوسائط والتزامها بحماية سرّية البيانات الشخصية
وسلامتها؛ فقد تطرّقت الدراسة إلى تحديات ضمان الحق في الخصوصية والأمن في الوسائط
الرقمية، وما يرتبط بها من سجالات سياسية وقيمية، ثم بيان حياد هذه الوسائط عن الدور
المنوط بها في تأمين البيانات والمعلومات الشخصية وحمايتها، وتعزيز الحق في الخصوصية.
مراقبة البيانات.
مقدمة
لا شكّ في أن الفضاء العمومي الافتراضي الذي أفرزته التكنولوجيا الجديدة للإعلام والاتصال، وفي مقدمتها شبكات التواصل الاجتماعي، أصبح البديل الأمثل من الفضاء العمومي التقليدي. وهذا الانتقال من الواقعي إلى الافتراضي جعل الخطابات تتغير تلقيًا وتواصلًا.
ثمّ إنّ هذه التحولات الجديدة زادت سلطة الخطاب الافتراضي، وغيّرت أسس اشتغاله وإنتاج المعنى
فيه. فالتكنولوجيا لم تغيّر طبيعة الخطاب فحسب، بل تجاوزت ذلك إلى طبيعة المرسِل والمتلقي؛ إذ
انتقلت من حالة امتلاك هويات حقيقية إلى تأسيس هويات افتراضية. ليست وسائل التواصل الاجتماعي أداةً لنقل المعلومة فحسب، بل هي وسيطٌ لنَقْل عالمٍ نحن في حاجة إلى فهمه أيضًا. فقد أصبحت هذه الوسائل وسيطًا حتمًّيًا بين الإنسان والعالم. وتعني حتميّة
الوساطة ضرورة التأويل؛ إذ لا يوجد عالم يُعطى بطريقة مباشرة. ولذلك، فإنّه "ليس من المستغرب،
على نحو خاص، أنّنا نميل إلى فَهْم العالم من خلال وسائل الإعلام والتقنيات التي تُوفّرها لنا في أيّ وقت، وإلى حدّ بعيد ربما أكثر مما ندركه عادة. وتؤثر الطريقة التي نتواصل بها في الطريقة التي
نفهم بها ما يحيط بنا. يُضاف إلى ذلك أنّ وسائل الإعلام، بجميع أنواعها، تُمكّننا من التواصل،
ولكنّها أيضًا تحُّدُ هذا التواصل وتشكّله بطرائق عميقة جًّدًا"؛ بمعنى أن وسائل الإعلام تُعيد "رَسْم"
حدود عالمها الخاص، بحيث يجري تشكيله من الخارج بالمادة الإعلامية التي تتبلور في صورة المعلومة بأنواعها المختلفة. أما من الداخل، فيجري تضمين قيم المجتمعات وأنماطها الثقافية، أو سياساتها أو دياناتها)؛ إذ هي خطاب في حدّ ذاتها. وبناءً عليه، فإنّ الإعلام المعاصر لا يمكن أن
يُفهم فهمًا صحيحًا إّلا بعد فهمِ وسائله الافتراضية الجديدة نفسها، ووضعها في السياقَين النظري
والمعرفي، والأخلاقي أيضًا. وتُعدّ وسائط التواصل الاجتماعي من أكثر المواضيع تعقيدًا في مجال وسائل الإعلام وطبيعتها الوسائطية، ذلك أنّها تطرح العديد من الإشكاليات المعقّدة؛ مثل إشكالية فقدان المعنى واضمحلاله داخل التحولات الأساسية في نظام الخطاب الإعلامي، والتحول من الواقعي إلى الافتراضي، ومن المرئي إلى اللامرئي، ومن الكمي إلى النوعي، ومن الأنطولوجي إلى الميتافيزيقي، إضافةً إلى سؤال الخصوصية في البيئات الافتراضية. ولذلك، فإنّ مقاربة الخطاب الإعلامي الافتراضي فلسفًّيًا،
ووسائل التواصل الاجتماعي خصوصًا، قائمة على المراجعة الإبستيمولوجية والأنطولوجية لمفهومَي
الافتراضي والوسائطي، وغيرهما من المفاهيم التي يعمل بها العقل الإعلامي في تكوين المعلومة. إنّ ما تغيّر مع التكنولوجيات الحديثة ليس فكرة المكان فحسب، بل المكان نفسه أيضًا. وفي هذا
الإطار، جعلت وسائط التواصل الاجتماعي "الافتراضي" يزاحم "الواقعي"، وحوّلت الفضاء من مقام
العمومي إلى مقام الافتراضي. فهذه الوسائط هي بمنزلة امتدادات للجسد والعقل؛ لأنها تؤثر في
(1) Robert Hassan & Thomas Sutherland, Philosophy of Media, a Short History of Innovations from Socrates to Social Media (New York: Routledge, 2017), p. 44.
طريقة إدراك الناس، إذ تُعدّ أعضاءًافتراضية اصطناعية جعلت اللامرئي مرئيّا بطريقة افتراضية. لكن هل
أنّ هوياتنا ومعلوماتنا الخاصة محمية على نحو كافٍ داخل هذه المنصات؟ مع توسّع استخدام الإعلام الإلكتروني، بلغ الفضاء العمومي الرقمي ذروة التبلور، وبدأت التكنولوجيا
الرقمية في مضاعفة العمل على صناعة الفوري والمباشر، وأصبحت تكنولوجيا المعلومات تتخلل حياتنا الاجتماعية؛ من خلال استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، ومواقع التشبيك، والمدونات الإلكترونية. وعلى الرغم من الدور الريادي لهذه الوسائط داخل الفضاء الافتراضي، فإنّها تثير كثيرًا من
الجدل المتعلّق بأمن خصوصية البيانات الشخصية التي يشارك بها المستخدمون وحمايتها. إنّ المسألة المركزية في العصر الرقمي هي تحدي الخصوصية. وهذه المسألة الراهنة المستجدة تطرح كثيرًا من السجالات حول حدود حماية البيانات الشخصية بالنسبة إلى المشاركين وإمكاناتها، في
خدمات وسائط التواصل الاجتماعي والشركات الرقمية. ومن ثمّ، تأطير استخدامها والحفاظ عليها
آمنةً، أو نشرها، أو استغلالها، أو العبث بها، بل إنّ الأمر قد يصل إلى إسا ةء استعمالها وإلحاق الضرر بالهوية الرقمية، وحتى الواقعية؛ ذلك أنّ وجودنا الافتراضي لا ينفصل بأي حال عن وجودنا الواقعي. وبذلك، تؤدي هذه الفرضيات إلى إشكالية مركزية جذرية متمثّلة في السؤال الآتي: ما مدى توافر الأمن والسرية في البيئة الرقمية؟ وإلى أي حدّ يمكن ائتمان وسائط التواصل الاجتماعي والشركات المالكة لها على حماية خصوصية المعلومات الشخصية بالنسبة إلى المستخدمين وسلامتها؟ لقد أسهمت وسائط التواصل الاجتماعي، منذ ظهورها، في كسر الحواجز التقليدية للفضاء العمومي التي شكّلتها وسائل الإعلام التقليدية، وهو ما أحدث تحولات عميقة في مفهوم الفضاء العام. فقد أتاحت هذه الوسائط للأفراد إمكان التفاعل بحرية بخصوص القضايا التي تشغلهم؛ ما أدّى إلى العديد من التغييرات في مفاهيم الحوار والتواصل. وعلى الرغم ممّا توفره هذه الوسائط من حرية وديمقراطية،
فإنها تمثل أيضًا مج لًا محكمًا لمراقبة التفاعلات وضبط الحريات؛ إذ تطرح كثيرًا من الرهانات
والتحديات المرتبطة بحياة الأفراد الخاصة. وفي هذا المنحى، يمكن أن نطرح الإشكاليات التالية: • ما التحديات التي تواجه حماية الخصوصية والأمن الرقمي عبر وسائط التواصل الاجتماعي؟ وكيف نبني سياسات وتدابير أفضل لحماية خصوصية البيانات والمعلومات الشخصية؟ • ما المعايير والضوابط التي ينبغي أن تلتزم بها منصات التواصل الاجتماعي ووسائطها في الفضاء الرقمي؟ وما الذي يضمن أمن الأفراد وخصوصيتهم؟ • هل يتوافق هذا الواقع الإنساني/ الآلي، بتقدمه المزعوم، مع رغباتنا وطموحاتنا الأخلاقية؟ ثم ما المعيار الإيتيقي الذي يضمن حرية التعبير، ويضع في الوقت نفسه حدودًا تحول دون التعدي على خصوصية الآخرين؟ إنّ المحتويات الإعلامية التي تنتجها وسائط التواصل الاجتماعي ليست من قبيل المحتويات العرضية التي تنتهي بزوالها في حوادث الزمان والمكان، بل هي محتويات جوهرية تؤدي إلى تكوين مبادئ
ذات مواقع مختلفة الوعي، وتترك أثرًا عميقًا في حياتنا؛ نظرًا إلى ما توفّره لنا من خدمات رقمية كثيرة
جًّدًا؛ مثل الوصول الدقيق إلى المعلومات، وإبداء الرأي بحرية... إلخ، بحيث إننا لم نعُد نفكر في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في عالمنا وحياتنا اليومية فحسب، بل إنّ الأمر قد وصل إلى التفكير في قدرتها على تغيير تصوراتنا عن الحياة والموت والوجود. وتؤدي هذه القيمة وحيازة وسائط التواصل الاجتماعي وتأثيرها في ذاتيتنا الرقمية إلى طرح سؤال فلسفي جذري متعلق بتأثير هذه الوسائط في إنسانيتنا، والمآلات الأخلاقية التي يطرحها تحدي الخصوصية في البيئة الافتراضية.
أولا: هل يمكن ائتمان الشركات والوسائط الرقمية على المعطيات والبيانات الشخصية؟
إنّ الافتراضي ينافس الواقعي، بل يريد أن يكون أكثر واقعية، كأنّه "حياة ثانية". وفي هذا الإطار، توفّر مواقع التواصل الاجتماعي ومنصاته، وتطبيقات "الويب "2.0 Web 2.0، فضاءات تفاعلية وتواصلية للتعبير والتواصل الحر؛ فهي تتيح للمواطن الرقمي فرصًا واعدة للنقاشات والسجالات المتعلقة بقضايا
مختلفة. وبقدر ما يبدو هذا الفضاء الرقمي مجالَ انفتاحٍ وديمقراطيةٍ وخلاصٍ من ضغوطات العالم الواقعي، فإنّه أصبح، في الوقت ذاته، مج لًا لمراقبة الأفراد والجماعات من خلال اختراق الخصوصية الرقمية؛ ذلك أنّ البيئات الافتراضية وفّرت غطاءً لبعض الفئات للتستر خلف هويات افتراضية من أجل
التجسس على عوالم الآخرين الذاتية، واقتحام خصوصياتهم، وانتهاكها عبر تمظهرات مختلفة. وفي هذا السياق، توجد دوافع عديدة للقلق فيما يتعلق بخصوصية الأفراد المشاركين في خدمات الشبكات الاجتماعية. فمن جهة، يكشف العديد منهم عن قدر كبير من المعلومات الشخصية التي تصبح عرضة للسرقة أو الهجوم عبر الفيروسات الإلكترونية، وهو أمرٌ يعرّض المستخدمين لمشكلات
عديدة. ومن جهة أخرى، تحرص العديد من المواقع والشركات على استخراج كميات هائلة من البيانات الشخصية، وتبيعها لشركات ومؤسسات أخرى. فمعظم الشبكات الرقمية تعتمد على شبكات التعقّب للتجسس على مستخدميها، وغالبًا ما تتضمّن المعلومات التي يجري تجميعها وبيعها تفاصيل
شخصية ذات حساسية. ثمّ إنّ بناء الهوية الرقمية يخضع في حدّ ذاته للسياسات والقوانين التي يفرضها القائم على الشبكة؛ ما يجعل المستخدم نفسه مضطرًا إلى الإدلاء بكثير من المعلومات والبيانات
الشخصية الخاصة به. وإذا ما استُخدمت هذه البيانات من دون ضوابط، فإنها قد تؤدي إلى نتائج
سلبية وخطِرة لأنها تمسّ الخصوصية المعلوماتية. فإلى أيّ مدى تحرص وسائط التواصل الاجتماعي
والشركات التي تملكها على حماية أمن المستخدمين وخصوصيتهم؟ وهل يُساء دومًا استعمال
البيانات؟
(((حسين محمود هتيمي، العلاقات العامة وشبكات التواصل الاجتماعي (عمّان، الأردن: دار أسامة للنشر والتوزيع؛ نبلاء ناشرون
وموزعون، 2015)، ص.87
لقد أوجدت شبكات التواصل الاجتماعي فرصًا كبيرة ونوعية لحرية النشر لدى عموم المستخدمين؛ إذ أصبح كل فرد ناشرًا، مما أدى إلى "بروز طرق غير معهودة لبلوغ جماهير متنوعة وبمواصفات متعددة، وقدّمت إمكانات غير معتادة في تفاعل المتلقي مع المضامين المعلوماتية، بل إنّ المتلقي قد بات في ظلها يقوم بأدوار جعلته في قلب منظومة إنتاج القيمة تجميعًا وصياغةً وتخزينًا وتوزيعًا، على نطاق يتجاوز بكثير ما عهدنا من ذي قبل". وقد نجم عن ذلك تغيّر في طرائق الوصول إلى تدفق المعلومة واستهلاك المحتوى الرقمي. وفي هذا السياق، تبرز "قدرة مواقع الشبكات الاجتماعية الهائلة على ضمان مبدأ ديمقراطية الوصول والنفاذ إلى المعلومات، ثم في قدرتها على تجاوز احتكار المعلومة من لدن الدولة... ثم في إفساحها المجال واسعًا أمام الجماهير للإسهام في مناقشة قضايا الشأن العام"؛ ذلك أنها مكرسة لاحترام الحرية الشخصية بالنسبة إلى كل فرد، وهي لا تقوم في مجملها على الجبر أو الإلزام، بل على الانفتاح والاختيار، انطلاقًا من أنّ التعبير عن الرأي حقّ مكفول في حرية الإنسان وحقّ من حقوقه الطبيعية. ولذلك، "نرى العديد من الأفراد في الواقع منتمين إلى هذه المواقع، ويشغلون مساحة اجتماعية وهمية تضمن لهم حرية إبداء آرائهم". وعلى الرغم من هذه التطورات الكبيرة والفارقة التي عرفها المجتمع الشبكي، فإنّ المشكلة الأساسية التي لا تزال قائمة هي: كيف يمكن الحفاظ على خصوصية المستخدمين وضمان اشتراكهم الآمن في الوسائط الرقمية؟ لقد غزت شبكة الإنترنت Internet جميع جوانب حياتنا، وأصبح كل شيء متاحًا ومكشوفًا عبر مواقع الويب ومنصات التواصل الاجتماعي، "ولم تعد القدرة على التحكم في معلوماتنا وخصوصياتنا أمرًا ممكنًا"، في ظلّ التحولات الكبرى التي يشهدها هذا العصر الرقمي. ف "مع التوجه المستمر للأفراد نحو استخدام الإنترنت في كل التعاملات الحياتية؛ مثل التعاملات المصرفية والمالية، وعمليات التسوق الإلكتروني، يزداد التوجه نحو الإفصاح عن المعلومات والبيانات الشخصية"، من خلال الكشف عن البيانات الخاصة ولا سيما ما كان منها ذا حساسية بالغة التأثير، وهي بيانات غدت تملأ فضاءات العوالم الافتراضية، ويجري تداولها على نطاق واسع؛ ما يفتح مجالات لانتهاكات وتجاوزات تمسّ مسألة الخصوصية.
(((يحيى اليحياوي، "الشبكات الاجتماعية والمجال العام بالمغرب: مظاهر التحكّم والدمقرطة"، مركز الجزيرة للدراسات،
2015/11/8، ص 3، شوهد في 2025/8/20، في: https://acr.ps/1L9GPXN (((المرجع نفسه، ص.4 (((محمد حسين منصور، المسئولية الإلكترونية (الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة للنشر، 2003)، ص.237 (((يوسف هريمة، "الانفجار الرقمي ومخاطر الخصوصية الإنسانية"، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، (((توبي مندل [وآخرون]، دراسة استقصائية عالمية حول خصوصية الإنترنت وحرية التعبير، سلسلة اليونسكو بشأن حرية الإنترنت (باريس: منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، 2012)، ص.15
ومنذ القدم، دافع الإنسان عن خصوصيته بوسائل مختلفة: ب "الهمسات، وتحت جنح الظلام، وبالمغلفات، والأبواب المغلقة، والتصفحات السرية والمراسلات"، باعتبارها من الحقوق الثابتة اللصيقة بالإنسان. وتعني "الحياة الخاصة" كلّ ما يعمل الفرد على إخفائه، لأنه لا يرضى أن يطّلع عليه غيره. ويمكن تعريف الخصوصية بمعناها الضيق والمحدود بأنّها "حقّ الأفراد في التحكم أو التأثير في المعلومات المتعلقة بهم التي يمكن إفشاؤها". وعادةً ما تُعَرَّف الخصوصية بأنّها تحررٌ من كلّ
التدخلات غير المرغوب فيها، وغير المسموح بها في الأمور الخاصة، وهي تشمل بصفة عامة كل المعلومات الشخصية التي يعدّها الأفراد ذات أولوية خاصة، والتي لا يودّون أن يطّلع عليها غيرهم، والتي يهمهم جًّدًا أن تبقى محمية وسرية دائمًا. وغالبًا ما يأتي انتهاك الخصوصية "من النفاذ دون إذن إلى المعلومات التي لها طابع الخصوصية"،
والتي كان من المفروض أّلا تتعرض لأي نوع من السرقة أو التهديد أو سوء الاستغلال. وتنبع مخاوف فقدان الخصوصية في البيئة الرقمية من القلق بشأن فقدان السيطرة على معلوماتنا الشخصية. فعلى الرغم من الدور الذي تؤدّيه وسائط التواصل الاجتماعي في حياتنا الاجتماعية – بالنظر إلى أنها سمة مميزة لهذا العصر – فإنها تثير كثيرًا من المخاوف التي ترتبط بأمن البيانات الشخصية وخصوصيتها، وهي بيانات
تدلي بها الوسائط؛ ذلك أن الشركات التي تمتلك شبكات ومنصات خاصّة بالتواصل تجمع المعطيات
والمعلومات الخاصة بزبائنها، وتقدم "تلك المعلومات لخدمة طرف ثالث (المُعِْلن)، وهو ما يمثل انتهاكًا
صارخًا لخصوصية معلومات مستخدمي تلك المواقع". ثمّ إنّ "المواقع تبيع بيانات عن أعضائها
لشركات ومؤسسات أخرى"، لتمسّ بذلك مسائل أكثر خصوصية وحميمية جًّدًا. ولعلنا لا نبالغ إذا
أكدنا أنّ أغلب الوسائط والمواقع الرقمية تَعُدّ الربح المالي "أولوية الأولويات"، وأنها تتاجر من أجل ذلك بكمّ هائل من المعلومات والبيانات المجمعة، "تلك المعلومات التي يمكن وصفها بأنها رأس مال
هذه المواقع، وهو ما يحمل في طياته انتهاكًا لخصوصية مستخدمي تلك المواقع بشكل صارخ يدعو للذهول"؛ إذ تطالب العديد من الشركات الرقمية، فضلًا عن وسطاء البيانات، المستخدمين بمعلومات شخصية دقيقة، وأحيانًا ذات حساسة (مثلًا: البريد الإلكتروني، والصور الشخصية، ورخصة السياقة، والحسابات البنكية، وحسابات الضمان الاجتماعي، وغيرها من البيانات الخاصة).
(((جوليا أنغوين، سلطة شبكات التعقب عبر وسائل الاتصال والإنترنت: بحث عن الخصوصية والأمن والحرية في عالم رقابي
لا يستكين، ترجمة حسان البستاني (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2015)، ص.210 (((ميريانا ستانكوفيتش [وآخرون]، اتجاهات التكنولوجيات الناشئة: الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة لأغراض التنمية 4.0 (جنيف: منشورات ITU، الاتحاد الدولي للاتصالات، قطاع التنمية، 2021)، ص.38 ((1(رائد محمد فليح النمر، "حماية خصوصية مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي على ضوء التشريعات في مملكة البحرين"،
سلسلة كتاب أعمال المؤتمرات، عدد خاص بالملتقى الدولي المحكم حول: الخصوصية في مجتمع المعلوماتية، مركز جيل البحث العلمي، طرابلس – لبنان، السنة 7، العدد 26 (تموز/ يوليو 2019)، ص.101 (1((شيرين محمد كدواني، "ضوابط حماية الحق في الخصوصية عبر مواقع التواصل الاجتماعي"، مجلة البحوث الإعلامية، جامعة الأزهر، العدد 60، ج 2 (2022)، ص.928 ((1(أنغوين، ص.6 ((1(كدواني، ص.926
وعلى الرغم من أنّ المستخدمين يتطلّعون في عوالمهم الافتراضية إلى فضاءات آمنة خاصة بهم، فإّن "تصميم إعدادات الخصوصية على مواقع التواصل الاجتماعي يهتم بالجانب التجاري والربحي على حساب حماية المستخدم"؛ ما يجعلها رهينة للمصالح الاقتصادية والتوجهات السياسية الضيقة: "على سبيل المثال، بعض مواقع التواصل الاجتماعي التي قد يكون المستخدمين [كذا] قد وافقوا على ملكيتها لبياناتهم الشخصية، يمكن أن تقوم هذه الشبكات بعد ذلك بتقديم البيانات إلى الباحثين الأكاديميين وشركات التسويق والمؤسسات الأمنية وغيرها وفقًا لأغراض ربحية" ذات فوائد مالية كبيرة؛ ومن ثمّ، يجري تهديد الخصوصية عبر هذه الوسائط والمنصات. تتعدد مصادر تهديد الخصوصية الرقمية، وتأخذ تمظهرات مختلفة سواء كان ذلك من المستخدم، أو الوسائط الرقمية، أو الشركات التي تملك هذه الوسائط. وبصفة عامة، "تحدث انتهاكات الخصوصية على عدة مستويات من المراقبة الجسدية أثناء العمل، إلى تجميع البيانات الشبكية التي تجمعها حول جميع جوانب حياة الشخص". وعمومًا، يُعدّ موضوع أمن البيانات الشخصية وخصوصيتها،
في الوقت الحالي، من أكثر المواضيع جدلًا، كما يُعدّ موضوع اقتحام الخصوصية المعلوماتية من
الإشكاليات الرئيسة في فترة ما بعد الحداثة. ولا تتردد معظم الدول والحكومات في فرض الرقابة على المحتوى الرقمي لوسائط التواصل الاجتماعي، بدعوى الحفاظ على الأمن القومي؛ ولذلك نجدها لا تتوانَى في تأسيس شبكات تعقّب معززة لجمع أكبر قدر من البيانات الشخصية عن المستخدمين؛ إذ إننا نعيش في "عالم تعقّب غير مميز، حيث المؤسسات تخزن بيانات عن الأفراد بوتيرة غير مسبوقة". ثمّ إنّ غالبية أنشطة المستخدمين
الإلكترونية تخضع، بطرائق مختلفة، لرقابة الشركات التي تمتلك وسائط التواصل الاجتماعي، وفقًا للأجندات السياسية والأطر التي تحدّدها الدول في حماية أمنها السيبراني؛ ما يؤدي إلى مخاطر جسيمة لاختراق الخصوصية. وتشهد مواقع التواصل الاجتماعي، بأنواعها المختلفة، تهديدات وانتهاكات خطِرة تمسّ الخصوصية
الرقمية، فمواقع التواصل "أصبحت تشكّل خطرًا كبيرًا على أمن معلومات الأفراد بصفتهم أعضاءً
مشتركين فيها"؛ ذلك أنّ الشركات المالكة تجمع معلومات وبيانات تفصيلية عن عملائها وتخضعها
((1(المرجع نفسه، ص.928 ((1(النمر، ص.101
(16) Alice E. Marwick, The Private is Political, Networked Privacy and Social Media (New Haven/ London: Yale University Press, 2023), p. 143.
((1(أنغوين، ص.7 ((1(مفهوم الأمن السيبراني أوسع من أمن المعلومات، ويراد به تأمين البيانات والمعلومات التي تتداول عبر الشبكات والوسائط الداخلية والخارجية، وهو سلاح استراتيجي بيد الدول والحكومات. ((1(ليلى بن برغوث، "الخصوصية المعلوماتية على مواقع التواصل الاجتماعي في ظلّ التوجه الحتمي نحو المتاهة الافتراضية:
التحديات، الانتهاكات، الانعكاسات"، مجلة الإعلام والمجتمع، الجزائر، مج 5، العدد 2 (كانون الأول/ ديسمبر 2021)، ص 254، شوهد في 2025/8/25، في: https://acr.ps/1L9GPlX
للرقابة الإلكترونية. وهكذا، "تسعى بروتوكولات نقل البيانات والرقابة إلى نشر الإنترنت بصفته أنظمة ضبط لا أنظمة حرية". ولا تكون وسائط التواصل، وفقًا لهذه الرؤى، مسؤولة أو محايدة؛ ومن ثَمّ، أصبحت تشكّل خطرًا كبيرًا على خصوصيات المتفاعلين وحرياتهم الشخصية. فضلًا عن ذلك، تنتهك "إدارات شبكات التواصل الاجتماعي حقوق المستخدمين من خلال سياسة الخصوصية التي تتجاوز من خلالها المعايير الدولية لحرية الرأي والتعبير، وتمارس فيها سياسة ازدواجية المعايير"، انطلاقًا من عولمة المعلومات الخاصة والاتصالات أيضًا، إذ "جرى تصدير الفرد بوصفه مفهومًا غربيًا معولمًا، وبوصفه نموذجًا خامًا يُعاد تشكيله وفقًا للمواصفات
المحلية". وبذلك، تعمل وسائط الإعلام الرقمي على عولمة عمليات المراقبة، وتستفيد في غضون ذلك من جهل فئة واسعة من الذين يرتادون هذه الفضاءات. وكما تشير دانا بويد Dana Boyd، ف "إنّ المتلصص يلتقي بالمتسكع من خلال وسائل التواصل الاجتماعي"؛ ذلك أنّ أغلب المستخدمين ليسوا على دراية كافية بشروط معالجة بياناتهم الشخصية وأغراضها؛ "إذ تزداد مخاطر الخصوصية عندما يكون المستخدمون غير عالمين بمن يجمع معلوماتهم الشخصية، والأغراض التي تستخدم [فيها] تلك المعلومات". وبناءً عليه، يتضح أنّ حيازة البيانات من الوسائط الرقمية يُعدّ نهجًا خاطئًا لحماية الخصوصية؛ فهو يؤدي إلى فقدان الثقة بين المستخدمين والمؤسسات التي تخزن بياناتهم الخاصة. ونجد أنّ العديد من المستخدمين يدفعون حياتهم الشخصية ثمنًا لتدفّق المعلومات والمستجدات؛ إذ إنّ البيانات الشخصية المتصلة بالحياة الخاصة للفرد غالبًا ما يقدمها الفرد بنفسه. ويتوقف الأمر
هنا على مدى وعي المستخدمين بمخاطر انتهاك الخصوصية. ويكون هذا الوعي مُغََّيّبًا، في أغلب
الأحيان، بسبب ضعف تأطير المنصات والوسائط لهذه الفئة من الجمهور، "وهو ما أكّدته الدراسات الميدانية من نقص الوعي لدى المستخدمين، وعدم قراءتهم سياسة الخصوصية على تلك المواقع، التي تُعد بمثابة توقيعهم على اتفاقية فيما بينهم وبين الموقع على جمع معلوماتهم واستخدامها، وهو
(2((برامود كيه نايار، مقدمة إلى وسائل الإعلام الجديدة والثقافات الإلكترونية، ترجمة جلال الدين عز الدين علي (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2017)، ص.38 ((2(وحدة الأبحاث والمساعدة الفنية، "تقرير حول واقع حرية الرأي والتعبير عبر شبكات التواصل الاجتماعي بين الضوابط والقيود والانتهاكات والآثار"، مركز الميزان لحقوق الإنسان، كانون الثاني/ يناير 2020، ص 15، شوهد في 2025/8/25، في:
https://acr.ps/1L9GPnX (22) Olivier Leistert, From Protest to Surveillance, The Political Rationality of Mobile Media, Modalities of Neoliberalism (Frankfurt Main: Peter Lang, 2013), p. 121. (23) Zygmunt Bauman & David Lyon, Liquid Surveillance, a Conversation (Cambridge, UK/ Malden, USA: Polity Press, 2013), p. 42.
((2(كدواني، ص.906 (2((سوزان عدنان الأستاذ، "انتهاك حرمة الحياة الخاصة عبر الإنترنت (دراسة مقارنة)"، مجلة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، مج 29، العدد 3 (2013)، ص 435، شوهد في 2025/8/25، في: https://acr.ps/1L9GPxb
ما تتخذه إدارة تلك المواقع مبررًا لما تقوم به"، وإن كان ذلك، في واقع الأمر، دليلًا على عدم
موضوعيتها وانحيازها إلى المصالح الخاصة. بطبيعة الحال، توجد عواقب تتكبّدها الخصوصية حينما تتعمّد وسائط تواصل اجتماعي عديدة صياغة
إعدادات الخصوصية بكثير من الغموض والإطالة. وهكذا، يجد المستخدمون مشقّة في قراءتها وفهم شروطها. و"لسوء الحظ، يسهل على الشركات استغلال ذلك الغموض لمنفعتها". وربما يكون الأعضاء والمنتسبون إلى "الشبكات الاجتماعية ينعمون بجهلهم بالنتائج المترتبة على نشر معلوماتهم الشخصية على نطاق واسع، وبطبيعة الحال ينبغي على مقدّمي الخدمات إطلاعهم على كيفية تقييد الوصول إلى هذه البيانات"؛ مثل اعتماد التشفير، وإخفاء الهوية، وغير ذلك من الأساليب التي تُفضي إلى توفير الحماية ضدّ الوصول إلى المحتوى السري لاتصالاتهم. غير أنّ أغلب مواقع التواصل لا تولي هذا الأمر أهمية كبيرة؛ لذلك نجد أنّ "الكثير من المستخدمين لا يعرفون شيئًا عن إعدادات
الخصوصية وطرق تقييد ولوج النبَذ الخاصة والصور". ولهذه الأسباب، وغيرها، حادت كثير من
المواقع والوسائط عن أهداف وجودها الأساسية. إنّ التنقيب في البيانات الخاصة، وإن كان ذا قيمة كبيرة جًّدًا في السياقات المختلفة، خصوصًا التجارية
والعلمية منها، فإنه يُؤدّي إلى آثار خطِرة بالنسبة إلى الخصوصية؛ فهو يكشف عن معلومات خاصة
لم تكن لتظهر لولا عملية التنقيب في حد ذاتها. وهكذا، "يمثّل خطرًا كبيرًا على الخصوصية. ففي
حالة عدم وجود أنماط، فإن أجزاء البيانات الخام لا قيمة لها إلى حدّ بعيد. ولكن عندما يكشف التنقيب في البيانات نمطًا من السلوك الذي قد يكون غير ضار إذا لم يُكتشف، فإنّ المخاطر التي
تواجه الخصوصية تصبح واضحة على الفور". وهذا يعني أنّ الفضاء الرقمي، بما يشمله من مواقع وشبكات تواصلية، وإن كان "يقدم نفسه بشكل مثالي ويتّسم بالنقاوة الفكرية والأيديولوجية"،
فإنه يعاني فقدانَ الخصوصية من جرّاء سوء استخدام البيانات إلى حدّ بعيد. فثمة تداخل كبير بين
حماية البيانات والحفاظ على المعلومات ذات الطابع الشخصي أو السري. لذلك، "عندما تتحوّل
المعلومات الشخصية إلى أجزاء رقمية، فإنّ تعرضها لسوء الاستخدام، وخاصة على شبكة الإنترنت، أمر بديهي". ومن ثمّ، يظهر أن العالم الرقمي لا يوفر حماية شاملة لخصوصية الأفراد، وأنه يفتقر
إلى المرتكزات القيمية والأطر القانونية الناظمة للممارسة الإعلامية الحرة داخل شبكات التواصل الاجتماعي.
((2(كدواني، ص.926 ((2(أنغوين، ص.177 (2((ريموند واكس، الخصوصية: مقدمة قصيرة جدًا، ترجمة ياسر حسن (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2017)، ص.132 ((2(أنغوين، ص.169 ((3(واكس، ص.134 (3((بشرى جميل الراوي، "دور مواقع التواصل الاجتماعي في التغيير"، مجلة الباحث الإعلامي، كلية الإعلام، جامعة بغداد، العراق، العدد 18 (2012)، ص.103 ((3(واكس، ص.129
تفرض وسائط التواصل الرقمي قيودًا كثيرة على الحريات، بما في ذلك حرية التعبير. فعلى الرغم من كونها متنفسًا للمستخدمين، "ظهرت فجوة واضحة بين الضوابط التي ينظّمها القانون والتجاوزات
عبر هذه الشبكات وإجراءات الجهات المنفذة؛ ما أبرز الحاجة لحماية حرية الرأي والتعبير". لقد أظهر التطور الهائل في الشبكات مدى الحاجة إلى نظام يحمي المستخدم وخصوصياته وحريته، ولا سيّما حقّه في حرية الرأي والتعبير، وأبرز ضعف القوانين في ضبط التجاوزات المرتبطة بانسياب
المعلومات والحصول عليها ونشرها وتداولها والتحكم فيها، كما أظهر حرص شبكات التواصل الاجتماعي على تجميع كميات هائلة من البيانات والمعلومات، وانسياقها إلى تدفق الأخبار الجارف
بغية جَنْي الأرباح وتعزيز القوّة المالية، دونما مراعاةٍ للحق الرقمي في الخصوصية أو حرصٍ على
حماية الأفراد والمحافظة على استقلالهم الذاتي. إنّ الفضاء العمومي، كما يرى مارك فيري، يتكوّن في الواقع من مسائل خاصة، بيد أنّ الفضاء الرقمي
أفرز تمثلًا آخر يتعلق بانتهاك الحق في الخصوصية والحق في الحياة الخاصة، من خلال اقتحام الخصوصية الناشئ عن تداول المعلومات الخاصة والمتاجرة بالبيانات الشخصية. وهكذا، تصبح هذه المعلومات متاحة وشائعة بعد أن كانت محمية وسرية ومملوكة لصاحبها، ويجد المستخدم نفسه قيد المراقبة والتسلّط بدلًا من التمتّع بالحرية والانعتاق. وبناءً عليه، يتبيّن أنّ "حياتنا على الإنترنت تتطلب حماية تعادل قوانين حماية المستهلك التي يتمتع
بها في العالم المادي"، للحيلولة دون تفاقم الأذى الرقمي الناجم عن سوء استخدام المعلومات الخاصة وما يترتب عليه من إسا ةء وتشهير وابتزاز... إلخ، وغير ذلك من أشكال الاختراق. ومن ثمّ،
فإنّ الحق في ضمان الحرية الذاتية، الذي طالما نادت به وسائط التواصل والشركات المالكة لها، يتقوّض ويتهاوى أمام ما يمكن تسميته بظاهرة اللاأمن، التي تمتد إلى الهويات الخاصة داخل الفضاء
الرقمي.
ثانيًا: تكنولوجيا المراقبة عبر وسائط التواصل الاجتماعي: أمن المعلومات وسريتها
مع تطوّر التكنولوجيات الرقمية الحديثة وتعدّد الوسائط الإعلامية التفاعلية على شبكة الإنترنت،
"أصبحت المراقبة تحديًا أمامنظام نظري أكثر تجريدًا في عصر البيانات، سماه روجر كلارك سنة
1987 'مراقبة البيانات"'؛ إذ يجري اعتماد المراقبة بوصفها قوة دافعة للفرز الاجتماعي وتخصيص
((3(وحدة الأبحاث والمساعدة الفنية، "تقرير حول واقع حرية الرأي والتعبير عبر شبكات التواصل الاجتماعي بين الضوابط والقيود والانتهاكات والآثار"، ص.3 ((3(المرجع نفسه، ص.5 ((3(واكس، ص.132
(36) Olivier Aïm, Les Théories de la surveillance, du panoptique aux surveillance studies (Paris: Armand Colin, 2020), p. 12.
فرص الحياة ونماذج الأعمال في اقتصاد المعلومات. ويُعِرِّف روجر كلارك مراقبة البيانات بأنّها "الاستخدام المنهجي لأنظمة البيانات الشخصية في التحقيقات أو مراقبة تصرفات أو اتصالات شخص أو أكثر". وبذلك، يكون هدف المراقبة جمع المعلومات الخاصة والبيانات الشخصية والتحكم فيها بغرض تعقّب أصحابها والوصول إلى محتوى اتصالاتهم. فكيف تحدث المراقبة؟ وهل في إمكان نُظم الحماية والتشفير التي يعكف المبرمجون على تطويرها على نحو مستمر أن تحمينا من الانتهاكات الإلكترونية؟ في العصر الحديث، ظهرت حاجة ملحّة إلى جَمْع كثير من المعلومات والمعطيات ذات الطابع الخاص، وأصبحت "وسائل التواصل الاجتماعي تشكّل، الآن، أساس الحياة التجارية والسياسية والمدنية"؛ إذ صار الأشخاص هدفًا بالنسبة "إلى وسطاء البيانات الكبار الذين يبيعون معلومات لمواقع البحث عن أشخاص عبر الإنترنت"، وهو أمرٌ يجعل الحياة الخاصة عرضةً للمراقبة العامة والهيمنة الشاملة. تتأسس الرقابة على مقاصد انضباطية محضة يفرضها القانون وتؤطرها أنظمة التحكم؛ إذ "يجري جمع تفاصيل دقيقة عن حياتنا الشخصية وتخزينها واسترجاعها ومعالجتها، كل يوم، ضمن قواعد بيانات حاسوبية ضخمة تابعة للشركات الكبرى والدوائر الحكومية، هذا هو 'مجتمع المراقبة"'، وهو مجتمع يسعى لجعل الأفراد مرئيين باستمرار، بينما تظلّ السلطة غير مرئية. والنتيجة المقصودة هي أنّ الأشخاص المقيمين في خلاياهم يجعلون من تلك الخلايا مج لًا لسلوك منضبط يحدّدونه بأنفسهم، مع حرصهم الدائم على التصرف وفقًا لقواعد المؤسسة، بحيث قد يكونون مراقبين في أي لحظة، بمعنى أن يصبح الأفراد مراقبين لأنفسهم بأنفسهم باستمرار، وفقًا لطرح ميشيل فوكو؛ ذلك أنّ المراقبة شاملة، لكنها غير مؤكدة، ومن ثَمّ يدفع عدم اليقين الأفراد إلى مراقبة أنفسهم. وهذه الآليات تُعدّ، إلى حدّ ما، إحدى ميكانيزمات السلطة بالنسبة إلى نظام المراقبة التقليدي، ف "الدول عامة، تحتاج إلى جمع البيانات الشخصية حتى الحساسة منها، على الإنترنت، ووسائل الاتصال والأجهزة المختلفة، للقيام بمهامها كسلطة عامة، وكمسؤولة عن الاستقرار والأمن الاجتماعيين، في
(37) Daniel Trottier, Social Media as Surveillance, Rethinking Visibility in a Converging World (New York: Routledge, 2016), p. 7. (38) Leistert , p. 119.
(3((بي دبليو سينجر وإيمرسون تي بروكينج، شبه حرب.. تسليح وسائل التواصل الاجتماعي، ترجمة هدى يحيى (القاهرة: آفاق للنشر والتوزيع، 2022)، ص.399 ((4(أنغوين، ص.175
(41) David Lyon, The Electronic Eye, The Rise of Surveillance Society (Minneapolis: University of Minneapolis, 1994), p. 3. (42) Jeremy Weissman, The Crowdsourced Panopticon: Conformity and Control on Social Media (Lanhan/ Maryland: Rowman & Littlefield, 2021), p. 96.
مواجهة أية تهديدات ومستجدات". والجدير بالذكر، أنّ الأساليب المنتهجة غالبًا ما تكون غير
واضحة وملتوية، ويمكن أن تتقلب في أي زمان أو مكان، وهو أمرٌ يشير إلى مدى التعسف في تطبيقها. إنّ ذلك يدعونا إلى طرح تساؤل مهمّ متعلق بردّات فعل المستخدمين عندما يعرفون أن معلوماتهم
وبياناتهم التي كانوا يظنون أنها تحظى بالسرية التامة أصبحت معلومة ومنشورة على أوسع نطاق. ويدعونا ذلك أيضًا إلى طرح السؤال الآتي: "كيف يجد الناس العاديون أنفسهم الآن، إلى حدّ غير مسبوق، 'تحت المراقبة' في روتين الحياة اليومية وفي العديد من النواحي"؟ يستمد الطابع الافتراضي لوسائل التواصل الاجتماعي قوّته من قيمة أساسية هي الحرية؛ لأنها القيمة التي
توسّع دائرة عيش الحياة الواقعية إلى حياة أخرى هي وجود ثانٍلكينونة وهوية متحررة، أي "تلك الحرية
المكتسبة من خلال الشعور بغياب العواقب؛ لأن المعاملة بالمثل لا تُحدّد إلا من خلال الوجود الافتراضي لأفكار أولئك الذين – على الرغم من جميع صفاتهم الأخرى – لا يسجلون انسحاب الأشخاص في الشبكة الموزعة فحسب، بل يسجلون أيضًا غياب المساءلة عن كلمات المرء و'تصرفاته"'. وتؤدي هذه الحرية الافتراضية إلى تخفيف الأعباء الاجتماعية والالتزامات الشخصية، وهو ما يعمّق
الطابع الافتراضي للحياة، مثلما يشير إليه التحول السريع والكثيف من الفضاء الافتراضي إلى ما وراء الفضاء الافتراضي؛ أي إلى الميتافيرس. وهكذا، "ينبغي لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي أّلا يشعروا بالقلق، بعد ذلك، بشأن جنسهم أو عرقهم أو مظهرهم، أو حتى موقفهم، لأنهم يستطيعون الهروب إلى عالم افتراضي، حيث تصبح كل هذه السمات قابلة للتغيير بلا نهاية". وبناءً على هذا
المعطى المتمثل في الحرية، أصبح في إمكان مستخدمي الشبكات الرقمية التنكّر من خلال هويات افتراضية مس تترة مخَّبَأة، وإخفاء هوياتهم الحقيقية؛ ومن ثَمّ الدفاع عن أفكارهم بحرية واستقلالية،
وممارسة النقد من دون قيد أو وصاية. فهل تشير شبكات التواصل الاجتماعي، بهذا المعنى، إلى تحرّر
المستخدمين كلًّيًا من سطوة السلطة و"مقص الرقابة"؟ لقد أنِشُِئت الإنترنت، في بداياتها، من خلال رؤية مثالية لمجتمع متاح وشامل، يتقاسم من خلاله الجميع "فرصًا كبرى للتأثير والانتقال عبر الحدود بلا قيود ولا رقابة إلا بشكل نسبي محدود". وقد
أوجد ظهور وسائط التواصل الاجتماعي توفّر تقنيات وخدمات رقمية ضمنت الوصول المتساوي إلى المعلومات وإبداء الرأي بكل حرية واستقلالية. وبعد ذلك بمراحل، تجاوز العالم الرقمي الحدود التنظيمية والقانونية، وأصبح الربح المادي هو الهاجس الأكبر لدى معظم الشركات التي تملك هذه الوسائط.
((4(النمر، ص.101
(44) Lyon, p. 4. (45) D. N. Rdowik , Reading the Figural, or Philosophy after the New Media (Durham/ London: Duke University Press, 2001), p. 41. (46) Hassan, p. 116.
((4(الراوي، ص.94
ومن أبرز الأمثلة الدالة على تأثير السياقات والأوضاع المحيطة بالتقانة في تصميم الشبكة العنكبوتية ما يشير إليه لورانس ليسيج؛ إذ يقول: "إنّ الهندسة الأولية للإنترنت كانت تميل إلى الانفتاح لا إلى التقنين، وإلى الحفاظ على سرية هوية المستخدمين وحريتهم لا كشف هوياتهم ونشاطهم، في كلمة إلى تأمين التواصل بينهم دون رقابة". وقد شجّع هذا التوجّه كثيرًا من المستخدمين على بناء هويات
افتراضية وإدارتها داخل البيئة الرقمية؛ ما أدى إلى ازدهار نوع جديد من التواصل والتفاعل، هو التفاعل الافتراضي. وعند رصد مخرجات التعرّض للرسائل الإعلامية الإلكترونية وتحوّل شكلها الافتراضي إلى محتوى
فعلي في الحياة الاجتماعية، نجد أنّ هذا المحتوى يعيد تمثيل القيم الإنسانية الأكثر تأثيرًا وطلبًا،
مثل الحريات الشخصية والجماعية، ضمن فضاءات مرنة؛ على غرار ما تتيحه وسائط التواصل الاجتماعي، "وهو سياق جرى فيه تصور الإنترنت على أنّه في المقام الأول أداة بحث أكاديمي وتشارك في الموارد حيث كان القائمون عليها يعلون من شأن الانفتاح والعلانية والحرية مما يضمن حماية حقوق المستخدمين ويوفر الحق في الحرية والأمن على الشبكة". ومن الأدلة الواضحة التي تؤكّد ذلك أنّ مستخدمي مواقع الويب ومنصات التواصل الاجتماعي يبادرون إلى تقديم معلوماتهم وبياناتهم
الشخصية إلى هذه المواقع طوعًا، من دون أدنى شرطٍ. ومع استمرار توليد البيانات، في ظل التطور التكنولوجي الهائل الذي شهده المجال الرقمي، فإن الإنترنت التي تميزت في مراحلها الأولى بعدم الانتظام شهدت بعد ذلك نزعة نحو الانتظام والمراقبة. والسبب وراء ذلك هو التغيّر المتسارع للسياق العام الذي يحف بالقرارات المتخذة في شأن تصميم
وسيلة التواصل هذه". ومن أبرز مظاهر هذا التحوّل غلبة المصالح التجارية على نشاط الشبكات.
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه الهندسة التي تحكم الطابع الأمني والرقابي، تتعامل بصرامة مع ما تراه حرّية
لا محدودة على مواقع التواصل الاجتماعي؛ فهي ترى أنّ الرقابة ضرورة قصوى لجملة من الاعتبارات أهمها أنها تحفظ المعاملات التجارية وتحدّ من ارتفاع الأذى الرقمي الناجم عن سوء الاستخدام. وهكذا، يتبين أنّ أولويتَي الأمن والتجارة شكّلتا دافعين رئيسين جعلا التقانة والشبكية تكرّسان الرقابة،
فضلًا عن أهمية العوامل السياسية التي عززت هذا التوجه؛ إذ تعتمد المجتمعات الصناعية الحديثة على التنقيب المكثف في البيانات للسيطرة على المعارضة السياسية، وخوفًا على مصالحها الأمنية أيضًا. وقد تصاعدت هذه المخاوف وتزايدت وتيرتها في التفاقم "إثر اعتداءات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، وظهور قرائن على أنّ الإنترنت استخدمت في التخطيط لتلك الاعتداءات"، وهو ما حَّفَز
(4((دارن بارني، المجتمع الشبكي، ترجمة أنور الجمعاوي، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.74 ((4(المرجع نفسه. ((5(المرجع نفسه، ص.75
الدول والحكومات على استثمارها بوصفها ذريعة للتعامل بصرامة مع الحرية اللامحدودة التي أفرزتها مواقع التواصل الاجتماعي، محِّقِقة في الوقت نفسه مكاسب سياسية استراتيجية. ودفع هذا العجز عن توفير الأمن الرقمي، وحماية المستخدمين من مخاطر الإنترنت، العديدَ من الدول الغربية إلى فرض هيمنتها على شبكات الاتصالات الرقمية؛ بحجة حماية البيانات الشخصية لمواطنيها والحفاظ على أمنها القومي، وهو ما جعل الرقابة ضرورية ومشروعة، "وكان ردّ الولايات المتحدة وسواها على الاعتداءات المزيد من التشريعات التي لا تقتصر على مجرد مضاعفة رقابة الدولة على وسائل التواصل الرقمية، بل تعدّته لتطلب من شركات التزويد بخدمات الإنترنت أن
تتولى بدورها مهمات الرقابة وتيسرها"، وهو ما يعني استخدامها بوصفها أنظمة ضبطٍ وتجسسٍ، الأمر الذي أدى إلى تكثيف عمليات المراقبة والرصد والتنصت على الحسابات الشخصية وفضاء المستخدمين الخاصة. وفي هذه الحالات، يظل استخدام التقانة محكومًا بتوجهات الدول السلطوية
ورهينًا لحساباتها النفعية. ولكنّ المراقبة لم تَعُد، في الوقت الراهن، وسيلةً تُبَرَّر لأسباب أمنيّة أو اجتماعية، بل أصبحت عملية
مؤتمتة التشغيل تُستخدم في إدارة السكان والأفراد. وبناءً عليه، فإنها تؤثر، على نحو مباشر أو غير
مباشر، في الخيارات والفرص ومواضيع البيانات والمعطيات، وهذا يؤول إلى أنّ المراقبة تكون غامضة دائمًا. وهكذا، فإنّ حماية خصوصية المستخدمين باتت اليوم على المحك؛ ما يدعونا إلى التوجس
بشأن خصوصياتنا. فأيّ حقّ في الخصوصية والأمن والسرية بقي متاحًا لنا في ظلّ تنامي نظام المراقبة
على مستوى شبكات الإنترنت ووسائط التواصل الرقمية؟
ثالثًا: تحديات حماية الخصوصية والأمن الرقمي عبر وسائط التواصل الاجتماعي
أدى ظهور وسائل التواصل الاجتماعي إلى زيادة حادة في كمية المعلومات الشخصية عبر الإنترنت، على أنّ جمهور هذه المعلومات ينمو بسرعة؛ ما يخلق أشك لًا جديدة من التعرض والرؤية (الانكشاف والمرئية) التي ليس في وسع الباحثين استيعابها. والأمر المحير بشأن هذه الرؤية هو "أنّ المستخدمين يشاركون بنشاط في إنشاء المعلومات الشخصية عن أنفسهم وتوزيعها". لقد انتهت، ببساطة، حياة هؤلاء في الواقع لتُعاش في الفضاء الافتراضي؛ ذلك أنهم يعرضون، على نحو مستمر، ذواتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، ويسهمون في تفعيل نشاطها من خلال الكشف الطوعي عن بياناتهم ومعلوماتهم الشخصية الخاصة بهم.
((5(المرجع نفسه، ص.76–75
(52) David Lyon, Surveillance as Social Sorting, Privacy, Risk, and Digital Discrimination (London/ New York: Routledge, 2005), p. 13. (53) Trottier, p. 21. (54) Ibid.
ثمّ إنّ وسائل التواصل الاجتماعي تعمل على تضخيم الأحكام المسبقة واختلال توازن القوى داخل
النظام الاجتماعي الأوسع. وفي هذا الصدد، يشير المتخصصون في قضايا الرقابة والخصوصية إلى أنّ "الغُفلية المطلقة أمر مستحيل التحقق، ذلك أنّ الانخراط في المجتمع الشبكي يعني بالضرورة أن تكون هويتك محددة، وأن تكون مراقبًا ومصنفًا باستمرار". وهنا، يواجه المستخدم خطر اقتحام
خصوصيته. إنّ تأطير وسائل التواصل الاجتماعي على أنها "مساكن" يثير أسئلة عديدة، منها مثلًا: من هم قاطنو فيسبوك؟ وكيف يتفاعلون مع بعضهم؟ وما أثر هذا التعايش في أسلوب مشاركتهم لحياتهم؟ إنّ ذلك يؤدي إلى زيادة متبادلة في ممارسات المراقبة الخاصة بها، بحيث يجد المستخدم نفسه محاصرًا،
بدلًا من أن يكون حرّا؛ ما يعني أنّ الإنسان أصبح رهينة لوسائط الإعلام الجديدة: "يوفر لك فيسبوك
طرقًا (من خلال استخدام إعدادات الخصوصية) للتحكم جزئيّا على الأقل فيما تراه ومن يرى العناصر
التي تنشرها على المخطط الزمني لحسابك (عرض جميع منشوراتك)، ولكن توجد استثناءات كثيرة. لذلك، أنصحك بشدة باتباع ممارسة بسيطة جًّدًا: إنْ كان شيء لا تحبذ أن يراه الجميع في العالم، فلا تنشره"، لأنه لا توجد أيّ ضمانات لحماية خصوصية المستخدمين في هذه المنصات. ما يميّز هذا الجمهور أنه يستخدم شبكات التواصل الاجتماعي ويتعرض لها في الوقت نفسه الذي
يسهم في بناء محتواها، مع امتلاك هامش معيّن من الحرية يزيد على ما توفره الوسائل التقليدية، وهو
ما يعبّر عنه زيغمونت باومان بقوله: "في الحداثة السائلة يجب أن تتدفق وسائط التواصل الاجتماعي
بحرية، من دون حواجز أو أسوار أو حدود أو نقاط تفتيش، ولا بدّ من إزالة الشبكات الكثيفة والضيقة من الروابط الاجتماعية". وقد وجد بعض الأفراد في هذه الوسائط ملاذًا للتعبير عن الذات بحرية من دون التعرض للمساءلة الإدارية في نشر ما يريدون. وعلى النقيض من ذلك يميل البعض إلى الابتعاد عنها بعدما أصبحوا يشعرون بتقلص الخصوصية، لأن تفاصيل حياتهم أصبحت متاحة للجميع على المواقع. وعلى النقيض من ذلك، يميل بعضهم إلى الابتعاد عنها بعد أن أصبحوا يشعرون بتراجع الخصوصية، لأن تفاصيل حياتهم أصبحت متاحة للجميع على المواقع؛ ذلك أنّ المشاركة في العالم الرقمي، وتقديم الذات على النحو المأمول في هذه البيئات الرقمية، يستلزمان عرض معلومات وبيانات شخصية كثيرة عن المستخدم، وهو ما يجعله عرضةً للعديد من المخاطر الناجمة عن مشاركته
(55) David Herbert & Stefan Fisher–Høyrem (eds.), S ocial Media and Social Order (Warsaw, Berlin: De Gruyter Poland, 2021), p. 7.
((5(بارني، ص.192
(57) Trottier, p. 1. (58) Paul Signorelli, Change the World Using Social Media (Lanhan/ Maryland: Rowman & Littlefield, 2021), p. 26. (59) Bauman & Lyon, p. 26.
((6(النمر، ص.88
تفاصيل حياته الخاصة في كل جوانبها. وهكذا، يعيش المستخدم في خطر دائم على نحو تُخترق فيه معلوماته الشخصية أو تُستغل، خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ "المراقبة جزء من برنامج إداري تدبيري
لا يقتصر على جمع البيانات، بل إنه يشمل أيضًا طريقة إدارية (تسييرية) لاستخدام هذه البيانات في البرامج وخطط العمل على الخاضعين للمراقبة". وهنا يبرز إشكال مركزي يتمثل في التساؤل: "هل تُرغمنا التكنولوجيا على الاختيار بين الخصوصية والحرية؟"، وهل يساءُ دائمًا استخدام البيانات
داخل أنشطة شبكات التعقّب، بما فيها وسائط التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت؟ للإجابة عن هذه الإشكالية، ينبغي أن نتبيّن مفهوم هذه الحرية وتأويلها ضمن السياق الموِّلِد للدلالة
داخل أنظمة وسائل التواصل الاجتماعي التقنية، التي تُعدّ "الخوارزميات" من أهمّها. وفي هذا السياق،
يبرز السؤال الأساسي: أُّيُ حرية شخصية يمكن الحديث عنها داخل فضاء الخوارزميات التواصلية؟
وعندئذ، نتحدث عن تأويل افتراضي يستند إلى استخدام الخوارزميات في قرا ةء سلوك المتلقي والمستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي وفي فهم هذا السلوك أيضًا. ويتجلّى الوسيط الأكثر تأثيرًا
بين الرسائل الإعلامية في وسائل التواصل والمستخدمين في ظاهرة اللامرئي، التي تمثّل قاعدة أساسية في لعبة افتراضية للوساطة المكانية. ويتجلّى الوسيط الأكثر تأثيرًا بين الرسائل الإعلامية في وسائل
التواصل والمستخدمين في ظاهرة اللامرئي، التي تمثّل قاعدة أساسية في لعبة وساطة مكانية افتراضية. ويمكن الاستدلال على ذلك بمثال التعليقات على فيسبوك مثلًا؛ إذ يعتقد المعلّقون أنهم غير مرئيين؛ ما يمنحهم شعورًا بالحرية والاستقلالية. غير أنّ صانعي الخوارزميات الفيسبوكية يوظّفون هذا التصوّر
من أجل وضع استراتيجية اللعب الافتراضي. ف "في بعض سياقات للشبكات الاجتماعية المجهولة، يُعَُّدُ
الواقع الافتراضي مثل حياة ثانية Second Life؛ إذ يتعامل المرء مع أشخاص، على الأرجح، لا يعرفهم ولا يعرفونه". وبناءً عليه، يستثمر صانعو الخوارزميات الفيسبوكية لغة "اللامرئي الافتراضي" في
تكوين حرية المستخدم على نحوٍ يخدم أهدافًا تسويقية، وترويجية، وأيديولوجية أيضًا. إنّ اللامرئي لدى المتلقي هو مرئي لدى صانع محتوى وسيلة التواصل الاجتماعي؛ إذا ما تتبعنا قاعدة أن "اللامرئي هو مرئي على نحو افتراضي". فالتأويل الافتراضي لتعليقات المستخدمين اللامرئيين ينبني على فكرة أنّ هؤلاء يفكرون على نحو يُخَيَّل إليهم من خلاله أنهم متحررون ومستقلون، في حين
أنّ الأمر على وجه الدقة التقنية للخوارزميات متعلق بلعبة الاختفاء والظهور التي تعكسها ثنائية المرئي واللامرئي. يفترض المعلّقون على فيسبوك أنّهم يتمتعون بخصوصية مطلقة؛ أي هوية خارج الزمان والمكان، وكأنّ لسان أحدهم يقول: "أنا أعلق بحرية لأنك لا تراني، فأنا في مكان غير معروف وملامحي غير
(61) Leistert, p. 115.
((6(أنغوين، ص.49
(63) Tamara Wandel & Anthony Beavers, "Playing around with Identity," in: D. E. Wittkower (ed.), Facebook and Philosophy, What’s on Your Mind? (Chicago/ Illinois: Carus Publishing Company, 2010), p. 91. (64) Marcello Vitali Rosati, Corps et Virtuel, Itinéraires à Partir de Merleau–Ponty (Paris: L’Harmatton, 2009), p. 156.
محددة". غير أنّ فيسبوك يستغل هذا الاعتقاد الناشئ من إدراك عيني للمرئي واللامرئي في توسيع دائرة
المستخدمين، وتحويلهم إلى كتلة يسهل التحكم فيها وتشكيلها في أطر إنتاجية وتوليدية مختلفة. وحينئذ نتساءل: "هل أنّ فيسبوك وغوغل مجرد امتداد افتراضي لنظام سلطة يعتمد على أشكال جديدة من المراقبة التي تمتد إلى أكثر المناطق حميمية في فضائنا الشخصي؟". وتستند هذه المراقبة إلى الطابع الميتافيزيقي للفضاء الافتراضي؛ أي ما وراء اللامرئي نفسه، بوصفه واجهة افتراضية للمرئي. ففي مثال التعليقات على فيسبوك، يعلّق المستخدم انطلاقًا من قاعدة مفادها ما يلي: "أنا أعلق بحرية لأنك لا تراني، أنا في مكان غير معروف، المكان اللامرئي". وهنا تعود الميتافيزيقا لتصنع الحرية. ويظهر ذلك بجلاء أكبر في حسابات فيسبوك التي تُوفّي أصحابها؛ إذ يمكن التعليق على منشوراتهم أو الدخول في نقاش مع معلقين آخرين. وهكذا، يجري الحفاظ على الحياة الثانية على قيد التفاعل بينما تكون الحياة الواقعية قد انتهت. لقد شَّكَلت وسائط التواصل الاجتماعي حيزًا عموميّا شبكيّا للتعبير والتفكير الحر؛ فالمستخدم
يتمكّن من إنشاء "جسد افتراضي" يمنحه مج لًا أوسع للحوار والتفاعل. وفي هذا السياق، يعتقد كثيرون أنهم أحرار: "بحكم استعمالنا الحر للأجهزة [...]. فالسلطة تحاول عادةً إشعار فاعليها بالامتلاء الذي لا يترك ثغرة لاستعمال أشياء تتعارض معها أو تتلاعب بها"، وهي إذّاك تنصّب
الأجهزة والحدود التي تجعل الأفراد محور المراقبة؛ ذلك أنها توفر للمتعامل واجهة شكلية يعتقد من خلالها أنه حرّ في قوله، وفي فعل ما يشاء بشخصية وهمية على مواقع التواصل، من خلال فضاء
تفاعلٍأكبر مما يتيحه له الواقع، في حين أنه معرّض للمراقبة والرصد. وعلى سبيل المثال، تتحوّل
صفحة على فيسبوك إلى ملك شخصي مع عقد رقمي تعبّر عنه الموافقة على العقد الذي تضعه
شركة فيسبوك في بداية تسجيل حساب جديد، لكن الوهم بالتملك والامتلاك هو اللعبة الميتافيزيقية الأخطر في العالم المعاصر؛ إذ هو ابتكار الوهم بمزيد من التملك والحرية بناءً على ما لا يمكن أن
يوجد إلا افتراضًّيًا. والحقيقة أنّ وسائط التواصل الاجتماعي تعمل على تسجيل البيانات وتخزينها،
ومن ثمّ امتلاكها كلّها. وبهذا المعنى، ينخرط مستخدمو هذه الوسائط في عملية الاشتراك من دون
إدراك حقيقي لحقوقهم الرقمية. إنّ الواقع الافتراضي يتيح للمتفاعلين، عادةً، إمكانية إنشاء منظومة رقمية ذات إمكانات هائلة للنقد والمعارضة ومراوغة السلطة. وبناءً على ذلك، تثير المشاركة مخاوف بشأن الخصوصية والمراقبة
المرتبطة بإحدى المسائل الأساسية المتعلقة بالعمل عبر الإنترنت: قابلية ال تتبع [عبر الأثر"]. ويعتقد بعضهم أنّه في حال استخدامهم أسماء مستعارة وهويات غير حقيقية في وسائل التواصل
(65) Waddik Dojle & Mathew Fiaser, "Facebook, Surveillance and Power," in: Wittkower (ed.), p. 216.
(6((سامي محمد عبد العال، "فلسفة الجسد الافتراضي: تحولات العلاقة بين الجسد والسلطة"، مجلة مركز الخدمة للدراسات
البحثية واللغات، كلية الآداب، جامعة الزقازيق، شعبة الدراسات النفسية والاجتماعية (تشرين الأول/ أكتوبر 2014)، ص 44، شوهد
في 2025/8/25، في: https://acr.ps/1L9GPej (67) Engin Isin & Evelyn Ruppert, Being Digital Citizens (London/ New York: Rowman & Littlefield, 2020), p. 102.
الاجتماعي، فإنّهم يظلون افتراضيين ومخبوئين بعيدًا عن ال تتبع؛ وهذا هو المفهوم الشعبي لمعنى كلمة "افتراضي" في هذا السياق. وفي الحقيقة، لكلّ حركة افتراضية على الإنترنت أثرٌ مكاني يسمى
عنوان بروتوكول الإنترنت IP Address؛ أي هناك مكان يمكن العثور عليه بسهولة Localisation من خلال الأثر الذي يتركه الفاعل على مواقع التواصل وغيرها يقود إليه (محددات المكان الحقيقي، ورقم الهاتف المزوّد بخدمة الإنترنت، وغير ذلك)؛ ما يعني أنّ الأثر على الإنترنت لا يُمحى، وأنّ
تقفّيه أمر ممكن وسهل. وفي هذا السياق، تشير دراسة أجرتها مجلة نيتشر كوميونيكيشنز Nature Communication إلى أنّ "إخفاء الهوية لا يعني دائمًا الخصوصية [...] من السهل جدّا تتبعك حتى عندما تكون بياناتك مخفاة
الهوية". وممّا يزيد احتمالات ذلك حلول الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيات الإلكترونية التي تيسر
عملية تعقّب الأفراد وتمثل البيانات الشخصية الخاصة بهم. وتمتلك شبكات التواصل الاجتماعي أنظمة وآليات مراقبة على قدر كبير من التطور تمكّنها من تجميع معلومات تفصيلية دقيقة عن البيانات الشخصية المتصلة بالحياة الخاصة؛ فهي ترصد مواقعهم الجغرافية، وتضبط قائمة أصدقائهم، وتتابع أنشطتهم التواصلية الافتراضية. وعلى سبيل المثال، "يستطيع برنامج فيسبوك المتعلق بالتعرف على الوجه، الذي يُطلق عليه Deep Face، التعرف فعلًا على
الأفراد في الصور بدقة تقترب من 100 في المئة، ومن المرجح أن يتجاوز القدرات البشرية قريبًا". ومع تسارع تطور التقانات الحديثة في مجال الإنترنت وتقنيات الذكاء الاصطناعي، تصبح قدرة هذه الشبكات على التعقّب والتنقيب في البيانات السرية أكثر قوة ودقة، سواء فيما يتعلق بحياة المتعاملين الافتراضية أو الواقعية؛ ما يعني أنّ وسائط التواصل الاجتماعي أصبحت جزءًا من برنامج إداري لجمع
البيانات الضخمة، يوفر تأطيرًا أكثر إحكامًا للمواطنين من أجل مراقبة الجانب الخصوصي غير المعلن
من حياتهم ورصده. نستنتج أنّه لا توجد ضمانات واضحة خاصة بحماية الحقوق الرقمية للمستخدمين، خصوصًا حقوقهم
المتعلقة بالخصوصية وحقوقهم تجاه بياناتهم الشخصية، وهو ما ينعكس بطريقة سلبية على ثقة المستخدمين والعملاء. وقد أساءت العديد من وسائل التواصل الاجتماعي، على نحو متكرر، إلى ثقة المتفاعلين من خلال التلاعب بسياسات الخصوصية التي تتّبعها؛ كأن تتعمد التعقيد والغموض
في تصميم إعدادات الخصوصية وطرائق ولوج المعلومات الخاصة، إضافة إلى أنّ كثيرًا من المواقع
والشركات تغيّر، أو تعدّل، سياسات الخصوصية من دون إعلام مستخدميها، أو تكشف معلومات
خاصة وحساسة جًّدًا عنهم، أو تبيعها لوسطاء البيانات فيما يُعرف ب "تجارة المعلومات". وبذلك،
يدفع المستخدم ضريبة استفادته المجانية من الشبكات التواصلية، وهي إطار رقمي لا يزال يفتقر إلى الاتساق والوضوح، ل تتحول هذه الشبكات إلى أداة لاستهداف المستخدمين، بدلًا من حمايتهم.
((6(أنغوين، ص.41
(69) Weissman, p. 91.
علاوةً على ذلك، نادرًا ما يأخذ العلماء والتقنيون وصانعو السياسات هذه الخصائص في الاعتبار في
أثناء تقييم الخصوصية وحماية حريات المستخدمين وأمنهم في الفضاء الرقمي، وهو ما يجعل الأمن الرقمي أمرًا بالغ الأهمية لحماية البيانات الشخصية والحفاظ على سرية الحياة الخاصة. أما السرية،
فهي "تشجّع الخصوصية والحرية، ويُفسح الكشف المجال للرقابة والتقنين". ولذلك، ينبغي
أن تطور الشبكات والتقنيات الرقمية استراتيجيات ناجعة وذات فاعلية لضمان حقوق المستخدمين وتعزيز الأمن الرقمي. ويشير تبنّي الأفراد والجماعات لوسائط التواصل الاجتماعي، على نحو سريع، إلى أنّ هذه الوسائط أصبحت تكتسح الحياة الاجتماعية أكثر فأكثر، بيد أنها تفتقر إلى معايير واضحة وشفافة لتأطير المجال الرقمي وحوكمته وتنظيمه. وقد أسهم ذلك في بروز طلب متزايد على حقوق الخصوصية، وحماية حقوق المستخدمين عمومًا، فضلًا عن إعادة صَوغ القضايا المتعلقة بأخلاقيات التواصل في الفضاء الرقمي. وفي العديد من النواحي، أصبح ما كان يُعتقد ذات يوم أنه استثناء هو القاعدة، حيث تستخدم الوكالات
المتخصصة جًّدًا وسائل متطورة، على نحو متزايد، لجمع البيانات الشخصية بطريقة روتينية، وهو أمرٌ
يجعل الجميع أهدافًا محتملة للمراقبة والاستبداد، وربما في موضع شكّ. وبذلك، يتحول النقاش من أهمية العمل على حماية خصوصية المستخدم في عصر وسائط التواصل الاجتماعي إلى ضرورة دراسة المعايير التي تفرضها وسائط الإعلام الجديدة، فتصبح القيمة نفسها هي مركز الجدل، بدلًا من الإشكاليات المتعلقة بها؛ ما يؤدّي إلى ضرورة تقييم الأفعال الافتراضية أخلاقًّيًا،
بدلًا من الأفعال الواقعية. فما السبيل إلى أخلقة الفضاء الرقمي؛ أي وضع ضوابط وقواعد أخلاقية للتعامل مع التقنيات ووسائط التواصل الاجتماعي؟
رابعًا: أخلاقيات التواصل في وسائط التواصل الاجتماعي
يشهد التاريخ المعاصر تحوّلًا جذريًا في منظومة القيم الإنسانية، إذ لم يعد العالم يعادل تلك القيمة التي
منحها له الإنسان، كما أشار فريدريش نيتشه؛ ف "لقد غيّر الافتراضي من علاقتنا بالفضاء، والتطورات
الآتية في هذا المجال تتجاوز الخيال"، نتيجةً للتحولات الجذرية التي طرأت على العلاقة بين الأنا والآخر في العالم الافتراضي. غيّرت الإنترنت والعصر الرقمي جذريًا من أنماط حياتنا، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها. ف "في
العالم الافتراضي لم تعد الخصوصية بالقدر الكبير من الاحترام والاهتمام الذي هي عليه في العالم
((7(بارني، ص.69
(71) Lyon, The Electronic Eye, p. 4.
(7((إلزا غودار، أنا أوسيلفي إذن أنا موجود: تحولات الأنا في العصر الافتراضيُ، ترجمة وتقديم سعيد بنكراد (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي للكتاب، 2019)، ص.32 ((7(المرجع نفسه، ص.31
الحقيقي". ومع انتشار وسائط التواصل الاجتماعي، وكثافة استخدام الأفراد لها، ارتفعت مخاطر الأنشطة الإلكترونية في هذه الفضاءات، مثل الإسا ةء بقصد تشويه السمعة، والابتزاز المادي، وإرسال الرسائل المسيئة، والتنصت والمراقبة، وغير ذلك من أنواع انتهاك الحياة الشخصية؛ بسبب غياب "المسافة" المناسبة بين الأفراد، وبسبب مغريات هذه البيئات، واندماجهم فيها إلى حدّ مشاركة الخصوصيات في عبثية لا جدوى فيها. وبدلًا من أن توفر منصات التواصل الاجتماعي هامشًا أوسع من حرية الاختيار، ما زال العديد من المستخدمين "يرون في المجتمع الشبكي عاملًا يحدّ من استقلاليتهم، ويرون في القوى العالمية
عاملَ تهديدٍ لخصوصياتهم، كما يرى هؤلاء أنّ قدرتهم على تحديد شروط تواجدهم تتراجع لأن أطرافًا أحكمت قبضتها على مصيرهم"، أضف إلى ذلك قضايا الرقابة والاعتماد المفرط على التقانات التي ظلّ توزيعها أبعد ما يكون من العدالة، والأنكى من هذا كلّه أنّ التكنولوجيا نزعت قيمنا وأحالتنا إلى "كائنات عارية"؛ بسبب شدّة تهديداتها للخصوصية وفقًا لتعبير مارك دوغان في مؤَّلَفه الإنسان العاري: دكتاتورية العالم الرقمي الخفية L’Homme nu. La dictature invisible du numérique؛ فقد شهد التواصل الرقمي، في سياق تدفق الثروة وسيطرة السلطة، انزلاقات قيمية كثيرة أكثر فداحة وفجاجة. إنّ المنعطف الرقمي الذي يشهده العالم يفرض علينا طرح علامات استفهام كبرى إزاء هذا الوضع الجديد وما يرافقه من تراجع مُقلق في منظومة القيم، "بدءًا من القرصنة وإتلاف المعلومات وسرقتها،
ووصولًا إلى الجرائم الإلكترونية التي تتطور مع التطور التكنولوجي في البيئة الافتراضية مهددة المصلحة العامة، والأخلاق والآداب العامة". ومن ثمّ، يصعب تحديد القيم الإيتيقية التي تؤطر
حياتنا الافتراضية على نحو مطّرد، سواء كان ذلك على الصعيد العاطفي أو الاجتماعي، والتي تحمينا من الابتذال والسذاجة والتفاهة. ويرتبط استخدام شبكات التواصل الاجتماعي بطرائق غير أخلاقية ارتباطًا جدليّا بانهيار المنظومة القيمية
والأخلاقية للمجتمع، "أليس هذا التناقض الفاضح بين تواصل إنساني مرغوب ولكنه مفقود، وبين وفرة إعلامية شكلانية جعلت الإنسان أكثر غربة، بل أكثر اغترابًا وأقل تواصلًا. هنا مكمن الخطر الذي كان
قد تنبأ به عالم المستقبليات والسوسيولوجي الأمريكي ألفين توفلر A. Toffler ". ولذلك، ظهرت حاجة إلى ضرورة ترشيد الأخلاق السائلة وتنظيمها؛ أي الأخلاق الافتراضية التي تُدار عبر الفضاء الرقمي من خلال وسائط التواصل الاجتماعي.
(7((عدي عدنان البلداوي، الشخصية بين العالم الحقيقي والعالم الافتراضي (بغداد: مؤسسة البلداوي للطباعة، 2020)، ص.80 ((7(بارني، ص.182 (7((مي العبد الله [وآخرون]، المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية لوسائل الإعلام والاتصال (بيروت: دار النهضة العربية، 2023)، ص.180 (7((جان مارك فيري، فلسفة التواصل، ترجمة عمر مهيبل (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون؛ الجزائر: منشورات الاختلاف؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006)، ص.19
إنّ الفضاء الافتراضي يعمل على خلخلة النسق القيمي داخل المجتمع بطرائق متنوعة، وهو، وإن كان – لا محالة – سيخفق في تحديد كينونتنا الوجودية، فإنّه عاجز عن بلورة إيتيقا قادرة على حمايتنا من التجاوزات التي تمُّسُ البيئات الرقمية. لذا، لا بدّ من "أخلاق افتراضية وظيفتها هي تأمّل آثار
التطورات التقنية العلمية على الروابط الإنسانية وعلى العلاقة مع الذات، وهذا هو موضوع الثورة الأخيرة، الثورة الأخلاقية"، التي يُعَوَّل عليها اليوم لإعادة ربط الصلة بين أطراف هذا العالم المتقطع
الأوصال، وهو عالم فقدَ كل مرجعياته، وخضع لنفوذ الآلة وسطوتها، وانقطعت صلته بالعمق والكثافة الوجودَّيَين. إن استخدامات مواقع التواصل الرقمية وتقنياتها، تكون أحيانًا على نحو عشوائي، وأحيانًا أخرى بطريقة غير مسؤولة وغير معيارية، ومنفلتة من الضوابط الأخلاقية. "ويتمثل سوء استخدام مواقع التواصل الاجتماعي بطبيعة المحتوى الذي يتم نشره، والذي قد يخالف القيم والمعايير المجتمعية، وقد يخالف الضوابط والقوانين التي تنص عليها سياسة الاستخدام لهذه المواقع". وقد نجم عن ذلك عواقب هائلة متعلقة بأمن مستخدمي هذه المواقع والشبكات، مع ما يواجهونه عبر تلك المنصات من مخاطر ذات صلة بالتعدي على الخصوصية. ومن ثمّ، يجب أن تُشارك الاهتمامات ضمن هذه المواقع وفقًا لمجموعة "من القيم والمعايير الأخلاقية
التي يستند لها أفراد المجتمع المحلي والعالمي أثناء تعاملهم مع بعضهم البعض على مواقع التواصل الاجتماعي". ومن أبرز هذه القيم الالتزام بالمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية في صناعة المحتوى الإعلامي الرقمي، خصوصًا مع غياب قواعد أخلاقية واضحة لتنظيم المشاركة في هذه البيئات الرقمية
وتأطيرها لدى أغلب المنصات والمواقع. وبذلك، تهدف أخلاقيات التعامل مع وسائط التواصل الاجتماعي إلى وضع معايير وأنظمة أخلاقية ضابطة للمحتوى تحمي المستخدمين من انتهاكات الخصوصية واستغلال بياناتهم الشخصية، وتؤدّي إلى تنظيم سلوكياتهم الرقمية، وذلك بتوعيتهم بأهمية تحرّي صحة المعلومة ودقتها وحياديّتها، واحترام خصوصية الآخر من خلال تجنب التنمر
الإلكتروني، والقذف أو التشهير، أو تشويه سمعة الأشخاص، واحترام الرأي المخالف، والحفاظ على الكرامة الإنسانية، فضلًا عن تجنّب اختراق حسابات الآخرين على مواقع التواصل أو انتحال هويتهم. وعلى الرغم من الإيجابيات التي تقدمها مواقع التواصل الاجتماعي، فإنّ بعضها تحوّل إلى فضاءات
رقمية للجرائم الإلكترونية؛ نتيجةً لعدم التزام فئة من المستخدمين بالمسؤولية والانضباط الأخلاقي. وإذا توافرت هذه المعايير الأخلاقية، فإنها ستسهم في تهيئة بيئة رقمية أكثر أمانًا وأفضل بالنسبة إلى جميع المستخدمين.
((7(غودار، ص.30 ((7(مي العبد الله [وآخرون]، ص.180 ((8(المرجع نفسه. (8((علي سيد إسماعيل، مواقع التواصل الاجتماعي بين التصرفات المرفوضة والأخلاقيات المفروضة (الإسكندرية: دار التعليم الجامعي، 2020)، ص.21
إنّ دراسة الأخلاق في البيئات الافتراضية تقتضي البحث عن المعيار الذي نحكم من خلاله بأخلاقية أو لاأخلاقية بعض الاستخدامات الرقمية. وفي هذا السياق، يتساءل توماس متزنغر، أستاذ الفلسفة بجامعة ماينز الألمانية، عن الحاجة إلى مدونة أخلاقيات لكي تحكم استخدامات الواقع الافتراضي. ويُعد هذا
التساؤل في حدّ ذاته إشكالية؛ إذ يؤدي إلى وقوع اختلالات في تفسير ما يُتداول من محتويات عبر
الفضاءات الرقمية من نصوص وصور... إلخ، وهو ما يفرض أخلقة التقنية بالأخلاق الإنسانية عمومًا. في هذا السياق، تبرز مسألة معقدة تتمثل في أنّ معيار الحكم على ما هو أخلاقي ولاأخلاقي غير دقيق نسبًّيًا. فما يراه مستخدم على أنه أخلاقي قد يتنافى مع أخلاق مواطن رقمي آخر، وهذا الأمر يجعل من
الصعب إيجاد معيار موحّد. ويُضاف إلى ذلك أنّ المنظومة القيمية الأخلاقية في الفضاء الافتراضي
تتأثر بتوجهات الدول السياسية والاقتصادية؛ ومن ثمّ يصعب الاتفاق على أخلاق عالمية رقمية موحدة
من جرّاء تباين السياسات والثقافات والأديان والعادات... إلخ. وفي هذا الإطار، يرى المتخصصون
أنّ أخلاقيات الحوار والنقاش التي دعا إليها الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، وهي مبنيّة على قيم
المواطنة من أجل أخلقة الفضاء العمومي، تُعدّ من أفضل الأطروحات الفكرية لأخلقة المجتمعات الرقمية والفضاءات الافتراضية. وفي هذا الإطار، يرى هابرماس أنّ نتائج الإنترنت ومواقع التواصل الرقمي وآثارها في الأفراد تختلف باختلاف المجتمعات التي يعيشون فيها والأنظمة التي تحكمهم. ويقول في هذا السياق: "إنّ دور الإنترنت يختلف باختلاف السياق السياسي والديمقراطي الذي يوجد به [...] فالإنترنت يمكن أن تُقِوِّض دور الأنظمة الاستبدادية في المراقبة تقريبًا على الشعوب، أما في
سياق الأنظمة الليبرالية، فإن الإنترنت التي تعجّ بالملايين من غرف المحادثة المبعثرة، لا تؤدي إلا إلى
بعثرة التداول العام، وإلى موضوعات عامة معزولة ومبعثرة". وهكذا، يوضح هابرماس أنّ اختلاف تأثير الإنترنت يتوقف على اختلاف السياقات التي يوجد بها. ومن خلال المنظور الهابرماسي، فإنّ التواصل التقني الراهن قد عمّق هوة الانفصال بين أفراد المجتمع،
وأسهم في تفكيك العلاقات الاجتماعية في المجتمعات الحديثة. لذلك، سعى هابرماس لتفعيل نموذج تواصلي بإحياء نوع من التفاعل بين الذوات المختلفة؛ للانفلات من مقاصد التحديث الغربي، ومن تقوقع الفرد حول نفسه، وما يترتب على ذلك من وحدة واغتراب إزاء الحياة المعاصرة التي اتخذت من الأداتية ميزة لها. ومن هذا المنطلق، يرى هابرماس أن العقل الأداتي، من خلال تكريسه لمظاهر التقنية والتقدم الصناعي، يكون قد أسهم، بقدر كبير، في القضاء على إنسانية الإنسان، وإحداث شرخ كبير في المعنى الحقيقي للتواصل؛ ما يجعله يشكّل خطرًا كبيرًا على الإنسانية. وبناءً عليه، فكّر
هابرماس في حلول لهذا التأزم مقترحًا "العقل التواصلي" الذي يرى أنه الحل الأمثل في مواجهة هيمنة
العقل الأداتي التقني ومركزيته.
((8(أسماء حسين محمد ملكاوي، "أخلاقيات التواصل في العصر الرقمي: تطبيق نظرية الأخلاق التواصلية عند هابرماس"، رسالة دكتوراه، الجامعة الأردنية، 2013، ص.127 ((8(سحنون سعاد وعمور عبد السلام، "التواصل التكنولوجي والاجتماعي برؤية نقدية: هابرماس وباومان أنموذجان"، مجلة
الإنسان والمجال، معهد العلوم الإنسانية والاجتماعية، الجزائر، مج 9، العدد 1 (2023)، ص.323–322
ولأننا نعيش هذا التفكك بسبب طغيان التكنولوجيا الرقمية، يرى عالم الاجتماع البولندي باومان أنّ العالم الرقمي قد أفرز العديد من السلبيات، أبرزها فقدان الخصوصية، بحيث أصبح التواصل الافتراضي مج لًا ل "هتك الأسرار والبوح بها طواعية على شبكات التواصل الاجتماعي لإحداث التفاعل الذي لا يبدو أنّه إيجابيّا بقدر ما يحمله من خطورة"؛ وذلك مقابل شهرة زائفة أو كسب مادي
مؤقت. فبعد أن كانت الحياة الخاصة تُعدّ من أهم المقدسات البشرية، أصبحت من بين المجالات العامة، وهو ما يسميه باومان "الشر الناعم". والمشكلة أنّ كلّ ما يُنشر للعامة يبقى مسجلًا دائمًا، وأنه
لا توجد أي إمكانية لتداركه أو محوه أو إزالته، وهو ما يتعارض مع حقّ أساسي من حقوق الخصوصية؛
حقّ المستخدم في المحو والنسيان إنْ أراد إلغاء اشتراكه أو محو بياناته. إنّ موت الخصوصية يمثّل انسيابًا للقيم الصلبة التي كانت سائدة قبل بروز العالم الرقمي. ويرجع باومان
أهم أسباب تراجع الخصوصية في الفضاء العمومي الافتراضي إلى تغيّر الذوق العام من جرّاء تدفق
المضامين كمّيًا عبر وسائط التواصل الاجتماعي؛ ما أدى إلى تغيير منظور الأفراد لمفهوم المشاركة
والحياة الخاصة. ويؤكد باومان في هذا الصدد أنّ "تآكل الخصوصية هو نتاج التغير الذي حدث في رؤية الناس لما يجب أن يكون عاًّمًا وما يجب أن يكون خاًّصًا". ويرى أنّ الحل المتعلق بتدارك
إخفاقات هذا التواصل الرقمي – وما آل إليه من هشاشة وميوعة في العلاقات الاجتماعية – يكمن في النقد من أجل ترشيد نظام الأفكار السائدة. وبناءً على ذلك، حاول هابرماس وباومان إخضاع المجتمع
الشبكي الرقمي للتأمل النقدي بُغية أخلقة المجال العمومي الافتراضي، وتقويم أنماط التواصل عبر
شبكات التواصل الاجتماعي؛ حتى يتحرر الإنسان من الاغتراب والفردانية ومن سيطرة الآلة، ويسترجع خصوصيته وإنسانيته عمومًا.
خاتمة
لقد تحوّل استخدام الوسائط الإعلامية الحديثة، بما فيها وسائط التواصل الاجتماعي، إلى استعراض
للحياة الخاصة؛ إذ أصبح كلّ ما هو خاص متاحًا للمشاركة الجماعية. ومع انتشار التطبيقات التواصلية
الرقمية الجديدة، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مج لًا خصبًا لمشاركة حياة علنية فيما هو عامّ
على نحو كلّي؛ ما أدى إلى تراجع قيمي وآثار عميقة في إنسانيتنا. يكشف استخدام الإنترنت ووسائط التواصل الاجتماعي كثيرًا من المعلومات عن حياتنا الخاصة وعلاقاتنا
الاجتماعية؛ إذ تعمل المنصات الرقمية على تجميع معلومات وبيانات تفصيلية عن مستخدميها وعملائها، ثم تبيعها لوسطاء البيانات، وهو ما يتيح الاطلاع على معلوماتهم الشخصية وإسا ةء استخدامها. وبذلك، تُصبح الهويات الرقمية عرضة للسرقة عبر بروتوكولات نقل البيانات؛ فيترتب على ذلك مخاطر جسيمة تتعلق بخصوصية الأفراد وأمن معلوماتهم. وحين يُختزل الإنسان في تركيبات من الأرقام، فإنّ هذا الأمر
سيكون له ردات فعل كثيرة تتعلق بالخصوصية والحياة الشخصية السرّية.
((8(المرجع نفسه، ص.327 ((8(المرجع نفسه، ص.44
ومع تطوّر التكنولوجيات الرقمية، تعاظمت الحاجة إلى حماية المعلومات المتداولة عبر شبكة
الإنترنت والوسائط الرقمية من الانتهاكات والاختراقات التي تهددها؛ فمعظم مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي يخضعون للتعقّب، ويتعرّضون للتسلل إلى ملفاتهم الشخصية، والتجسس على
أنشطتهم الإلكترونية. وهذا يحيل إلى أنّ الشبكات الاجتماعية أصبحت ملاذًا لاختراق الخصوصية. فعلى الرغم من شعور المستخدمين بأنّ هوياتهم الرقمية محمية ومحفوظة داخل وسائط التواصل الاجتماعي، فإنّ بياناتهم الخاصة ومعلوماتهم الشخصية على التطبيقات والمواقع تنتشر، ويجري التحكم فيها بوساطة أنظمة المراقبة التي تجمع المعلومات وتخزنها لمعرفة الأوقات التي يجري فيها الالتزام بالقواعد؛ ومن ثمّ الحفاظ عليها، والأوقات التي يجري فيها انتهاكها، والنفاذ إليها والتحكم فيها والعبث بها. ومع ارتفاع استخلاص البيانات الشخصية وتحليلها لإثراء عمل الخوارزميات، تراجع الحق في الخصوصية، ووصل إلى مستويات دنيا. وفي هذه التوترات التي تراوح بين السيطرة والحرية، نجد أنّ الخصوصية في المواقع كان ينبغي أن ترتبط بسرية الحياة الخاصة للمستخدمين، لكن الواقع يبيّن
سرقتها والاعتداء عليها. وهكذا، "في عالم حيث كل شيء مراقب تقريبًا، يسهل الشعور بأن الخصوصية هي أمر ميؤوس
منه". فعلى الرغم من كل شيء، نستنتج أنّ الخصوصية المثالية غير ممكنة في البيئات الافتراضية، وأننا في حاجة إلى ضمان نطاق رقمي آمن للمستخدمين. لقد أضعفت وسائل التواصل الاجتماعي ثقة مستخدميها بتركيزها على الربح المادي، وهو أمرٌ أفرز
كثيرًا من الجوانب السلبية، وفي مقدمتها إسا ةء توظيف البيانات الشخصية الخاصة، واستغلالها على
نحو غير مشروع يضر بحقوق المستخدمين. ولا تأخذ أغلب هذه الوسائط في اعتباراتها احترام خيار المستخدمين تجاه بياناتهم في أثناء بناء سياسات الخصوصية. وإنّ ما يزيد ذلك تعقيدًا ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تُسهّل، أكثر من أي وقت مضى، الهجمات السيبرانية وانتهاك خصوصية
المستهلك وأمن بياناته؛ مثل القرصنة الإلكترونية، وما يتعلق بها من تزييفٍ للهويات الرقمية، وانتحالٍ للشخصيات، وغير ذلك من أنواع انتهاك الخصوصية. وتختلف أنماط انتهاك الخصوصية والتعدي عليها باختلاف الغرض الذي يراد به الحصول على البيانات الشخصية؛ مثل نشرها للانتقام أو الابتزاز، أو استغلالها من أجل الربح المادي (تجارة بيع المعلومات)، أو العبث بها لمجرد استعراض المجرمين الرقميين (الهاكرز Hackers) لقدراتهم. وقد دفع ذلك العديد من الدول والحكومات إلى مراجعة سياسات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، واتخاذ إجراءات صارمة متعلقة بتقييد وصول الأطفال والمراهقين إلى بعض المواقع والمنصات، أو حظر بعض التطبيقات، بسبب مخاطرها على الخصوصية والأمن القومي.
((8(أنغوين، ص.71
بناءً على ذلك، لا بدّ من ضوابط مُلزِمَة في العالم الرقمي لتأطير عمل التقنيات والشبكات في مجال
التواصل الاجتماعي، ولا بدّ كذلك من ضبط المحتوى المنشور والمُشارك عبر الإنترنت والشبكات
الرقمية. وينبغي أن يستند عمل هذه الوسائط إلى معايير قانونية وأخلاقية دقيقة وشاملة؛ لضمان الأمن الهوياتي الرقمي، وتوفير بيئة أكثر أمانًا تُعزز حقوق المستخدمين وحرياتهم في مجالَي الأمان والخصوصية.
نتائج الدراسة وتوصياتها
لا يمكن الحديث عن الخصوصية في وسائط التواصل الاجتماعي إلا بتحقيق أمان المستخدمين رقمًّيًا.
وفي هذا الإطار، ينبغي أن يحترم مقدّمو الخدمات الرقمية حقوق المستخدم من ناحية التحكم في بياناته والحفاظ على خصوصيته، وذلك من خلال حماية البيانات وتأمينها ضدّ التهديدات السيبرانية، والالتزام بسريتها. ويجب، أيضًا، ضمان حقّ المستخدم في معرفة أغراض جمع البيانات واستخدامها، مع احترام خياراته في التعامل مع المواقع الرقمية؛ مثل الانسحاب من الاشتراك، أو محو البيانات، أو رفض التعديلات التي تُضاف إلى سياسات الخصوصية. ومن ثمّ، فإنّ التحدي الأكبر الذي يواجه القائمين على الخدمات الرقمية يتمثل في اتخاذ الشروط والتدابير التالية: 1. الموازنة بين المراقبة الأمنية وحماية الخصوصية، وهو دور يتطلب مسؤولية مشتركة من جميع الأطراف. ويشمل هذا الأمر الشبكات الاجتماعية، والشركات المالكة لها، ووسطاء البيانات، والمستخدمين، استنادًا إلى معايير حقوق الإنسان وسيادة القانون؛ للحد من انتهاكات حقوق المستخدم الرقمية المحتملة. 2. ينبغي أن تكون مراقبة وسائط التواصل الاجتماعي للمحتوى الرقمي الذي يوفّره المستخدمون مقننة وبطريقة أخلاقية ومسؤولة. وهذا يستلزم "أن تُهندس شبكة الإنترنت بطريقة تؤمّن الثقة بين الأطراف
كافة، وتكون هندسة الشبكة قائمة على المعاملات الآمنة والمحافظة على الخصوصية". 3. يجب توعية المستخدمين بمخاطر عَرض الذات واستعراض الحياة الخاصة والتهاون في نشر البيانات الشخصية على شبكات التواصل الاجتماعي ومواقعه؛ إذ إن معظم المستخدمين يفتقرون إلى الوعي الرقمي المطلوب. 4. يجب على الشركات والشبكات الرقمية أن تستثمر في الخصوصية لجذب عدد أكبر من العملاء. فالمستخدم يميل إلى التعامل مع المواقع الآمنة؛ لذلك ينبغي أن تركز هذه الوسائط على استثمار هذا الجانب بوصفه ميزة تنافسية، لبناء سياسات وتدابير أفضل بالنسبة إلى خصوصية البيانات وسرية المعلومات ذات الطابع الشخصي الخاص، وأن تحافظ عليها آمنةً من الهجمات السيبرانية، وأن تلتزم بسريتها.
((8(بارني، ص.75
5. ينبغي لمقِّدِمي الخدمات الرقمية احترام حقّ المستخدمين في السيطرة الذاتية على ملفاتهم وبياناتهم الشخصية؛ مثل الحق في أن يكونوا مجهولين، والحق في استخدام التشفير، وصياغة قوانين عامة لحماية بياناتهم الخاصة. 6. ينبغي اتخاذ إجراءات صارمة تجاه التهديدات السيبرانية التي تستهدف الهويات الرقمية، إضافة إلى تعزيز الوعي بالمخاطر المتمثّلة في الاستخدام السيئ لتكنولوجيا المعلومات والتقنيات الحديثة. وفي هذا الإطار "ينبغي على المؤسسات في مجال الأمن السيبراني تبنّي معايير سلوكية تتوافق مع القيم الإنسانية. وتشمل هذه المعايير تحقيق الشفافية والمسؤولية الاجتماعية؛ ما يسهم في بناء ثقة أكبر بين مقدمي الخدمات والمستخدمين". 7. ينبغي الاهتمام بإدراج مبادئ الأمن السيبراني والأخلاقيات الرقمية في سياسات الخصوصية بالنسبة إلى المواقع والتطبيقات؛ لزيادة وعي المستخدمين بالمخاطر المرتبطة باستخدام التكنولوجيا على نحو سيّئ. 8. ينبغي الاهتمام بتدارس إشكاليات أخلاقيات التعامل مع التقانات الحديثة في مجال استخدامات الإنترنت والوسائط الرقمية الجديدة؛ للحدّ من الانتهاكات والممارسات السلبية، ومعرفة سُبل معالجتها. يُعوّل، في الوقت الراهن، على دور التفكير الفلسفي، وخصوصًا الإيتيقا، بوصفها مبحثًا خاًّصًا، في
إنتاج فلسفة نقدية تحررية تعمل على إعادة بناء مقتضيات أخلاقيات التواصل الافتراضي من خلال تعزيز حضور العقل النقدي في الفضاءات الافتراضية؛ وذلك من خلال الاشتغال بوسائط التواصل الاجتماعي باعتبارها مادة فلسفية. فالتطورات التقنية لتلك الوسائط ليست تطورات شكلية بلا معنى، بل هي انعكاس لمنظورات فكرية نظرية تَسِمُ الوسيلة الإعلامية بتوجهاتها ومبادئها وأبعادها. وفي هذا
السياق، يهدف دور الفلسفة إلى إعادة الإنسان إلى مركز الخطاب الإعلامي من خلال الإيتيقا؛ لأخلقة العالم الافتراضي، وإعطاء معنى جديد لإنسانيتنا. إنّ التفكير الفلسفي في وسائط التواصل الاجتماعي يعني التفكير داخل الوسيط الإعلامي وليس له؛ أي إنه يكون بفهم الخلفية النظرية والأخلاقية التي يستند إليها ابتكار الوسائط الرقمية. ومن ثمّ، ينبغي
إدراك تأثيرها في المعلومة ذاتها باعتبارها منتجًا إعلامًّيًا ذا معنى، لكنه معنى مغمور تحت ثقل تلقّيها
المباشر. ولذلك، فإننا في حاجة إلى عملية تأويل للخطاب الإعلامي في شكله الافتراضي، وهو عمل مركّب يبدأ بمحاولة فهم طريقة تفكير الوسيلة الإعلامية نفسها، ثم تأويل الصورة الملتبسة للمعنى داخل الوسائط والشبكات الرقمية. وتفكر الفلسفة في وسائط الإعلام الرقمية الجديدة، وعلى وجه الخصوص وسائط التواصل الاجتماعي، من خلال ما يُنسى في العملية التواصلية والتفاعلية؛ أي من خلال الفجوة التي تقع بين وعي مستخدم
(8((علاء عبد الخالق حسين [وآخرون]، الأمن السيبراني: المبادئ والممارسات لضمان سلامة المعلومات (بغداد: دار السرد للطباعة والنشر والتوزيع، 2024)، ص.77
وسائط الاجتماعي والمحتوى الرقمي الذي يُبرمَج وفقًا لخوارزميات مصممة من أجل تفهمنا على نحو
تستطيع من خلاله التحكم في سلوكنا وأفكارنا. لذلك، تسعى الفلسفة لفهم هذا العقل الإعلامي والطريقة التي يشتغل بها، والوصول إلى المنابع العميقة التي يتدفق منها المعنى داخل المعلومة، مع الأخذ في الاعتبار أنّ المعلومة نفسها ليست صناعة تقنية خالصة، وأنها حالة من حالات تشكّل المعنى عبر الوسائط الإعلامية الرقمية. وفي ظلّ التطور التقاني الهائل، يمكن الحديث عن "مزاجية المعلومة"، وهذا يعني أن العقل الإعلامي الرقمي يُكَوَّن أساسًا من قدرته على فهمنا على نحو مجالات أكثر شمولية؛ من خلال
الذاكرة التي يبنيها استخدامنا للويب والشبكات التواصلية الاجتماعية والتفاعل معها. ويزداد حضور الفلسفة اليوم في المجال الإعلامي الرقمي كثافةً بسبب توسّع الهوة بين قوة التأثير التي
تمارسها وسائط التواصل، وضعف المعنى المحصل لدى المتلقي. ويتجلى ذلك في انسياق شريحة كبيرة من رواد هذه المنصات والشبكات الرقمية إلى المواضيع السطحيّة التي لا فائدة فيها. وتسعى
الفلسفة للحدّ من هذه الهوة؛ لأن التراجع في الوعي والذوق العام يمثل وضعًا غير طبيعي بالنسبة إلى
الإنسان؛ بوصفه كائنًا متعدد الأبعاد. وقد نبّه إلى ذلك جون بودريار في كتابه: "المظاهر والمحاكاة"
عندما قال: "نحن في عالم تتزايد فيه المعلومة ويتناقص فيه المعنى". وبناءً على ذلك، فإننا أمام
ظاهرة هشاشة المعنى وفقدانه داخل المعلومة؛ أي امّحاء الدلالة في الشكل. وهذا يؤدي إلى التباس
صورة الحياة نفسها في خطاب وسائل التواصل الاجتماعي، وهو أمرٌ يخدم الوسيلة ولا يخدم الحياة،
ويخدم الوسائط الرقمية ولا يخدم المستخدم. إنّ دور الفلسفة يكمن، إذًا، في تعديل وجهة المعنى وتصحيح المسارات التي تتخذها الدلالة في المعلومة من الوسائط الإعلامية إلى الجمهور، بوصف
الفلسفة نفسها قوّةَ فهمٍ وإدراكٍ.
References
المراجع
العربية
الأستاذ، سوزان عدنان. "انتهاك حرمة الحياة الخاصة عبر الإنترنت (دراسة مقارنة)". مجلة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية. مج 29، العدد 3.)2013(إسماعيل، علي سيد. مواقع التواصل الاجتماعي بين التصرفات المرفوضة والأخلاقيات المفروضة. الإسكندرية: دار التعليم الجامعي،.2020 أنغوين، جوليا. سلطة شبكات التعقب عبر وسائل الاتصال والإنترنت: بحث عن الخصوصية والأمن والحرية في عالم رقابي لا يستكين. ترجمة حسان البستاني. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،
بارني، دارن. المجتمع الشبكي. ترجمة أنور الجمعاوي. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015
(89) Jean Boudrillard, Simulacres et Simulation (Paris: Galilée, 1981), p. 119.
البلداوي، عدي عدنان. الشخصية بين العالم الحقيقي والعالم الافتراضي. بغداد: مؤسسة البلداوي للطباعة،.2020 بن برغوث، ليلى. "الخصوصية المعلوماتية على مواقع التواصل الاجتماعي في ظل التوجه الحتمي نحو المتاهة الافتراضية: التحديات، الانتهاكات، الانعكاسات". مجلة الإعلام والمجتمع. مج 5، العدد 2 (كانون الأول/ ديسمبر.)2021 حسين، علاء عبد الخالق [وآخرون]. الأمن السيبراني: المبادئ والممارسات لضمان سلامة المعلومات. بغداد: دار السرد للطباعة والنشر والتوزيع،.2024 الراوي، بشرى جميل. "دور مواقع التواصل الاجتماعي في التغيير". مجلة الباحث الإعلامي. جامعة بغداد. كلية الإعلام. العدد 18.)2012(ستانكوفيتش، ميريانا [وآخرون]. اتجاهات التكنولوجيات الناشئة: الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة لأغراض التنمية 4.0. جنيف: منشورات الاتحاد الدولي للاتصالات، قطاع التنمية،.2021 سعاد، سحنون وعمور عبد السلام. "التواصل التكنولوجي والاجتماعي برؤية نقدية: هابرماس وباومان أنموذجان". مجلة الإنسان والمجال. معهد العلوم الإنسانية والاجتماعية. الجزائر. مج 9، العدد 1
سينجر، بي دبليو وإيمرسون تي بروكينج. شبه حرب.. تسليح وسائل التواصل الاجتماعي. ترجمة هدى يحيى. القاهرة: آفاق للنشر والتوزيع،.2022 العبد الله، مي [وآخرون]. المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية لوسائل الإعلام والاتصال. بيروت: دار النهضة العربية،.2023 عبد العال، سامي محمد. "فلسفة الجسد الافتراضي: تحولات العلاقة بين الجسد والسلطة". مجلة مركز الخدمة للدراسات البحثية واللغات. كلية الآداب. جامعة الزقازيق. شعبة الدراسات النفسية والاجتماعية (تشرين الأول/ أكتوبر.)2014 غودار، إلزا. أنا أوسيلفي إذن أنا موجود: تحولات الأنا في العصر الافتراضيُ. ترجمة وتقديم سعيد بنكراد. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي للكتاب،.2019 فيري، جان مارك. فلسفة التواصل. ترجمة عمر مهيبل. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون؛ الجزائر: منشورات الاختلاف؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2006 كدواني، شيرين محمد. "ضوابط حماية الحق في الخصوصية عبر مواقع التواصل الاجتماعي". مجلة البحوث الإعلامية. جامعة الأزهر. مج 2، العدد 60.)2022(
كيه نايار، برامود. مقدمة إلى وسائل الإعلام الجديدة والثقافات الإلكترونية. ترجمة جلال الدين عز الدين علي. القاهرة: مؤسسة هنداوي،.2017 ملكاوي، أسماء حسين محمد. "أخلاقيات التواصل في العصر الرقمي: تطبيق نظرية الأخلاق التواصلية عند هابرماس". رسالة دكتوراه. الجامعة الأردنية..2013 مندل، توبي [وآخرون]. دراسة استقصائية عالمية حول خصوصية الإنترنت وحرية التعبير. سلسلة اليونسكو بشأن حرية الإنترنت. باريس: منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)،.2012 منصور، محمد حسين. المسئولية الإلكترونية. الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة للنشر،.2003 النمر، رائد محمد فليح. "حماية خصوصية مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي على ضوء التشريعات في مملكة البحرين". سلسلة كتاب أعمال المؤتمرات. عدد خاص بالملتقى الدولي المحكم حول: الخصوصية في مجتمع المعلوماتية، مركز جيل البحث العلمي، طرابلس – لبنان. السنة 7، العدد 26 (تموز/ يوليو.)2019 هتيمي، حسين محمود. العلاقات العامة وشبكات التواصل الاجتماعي. عمّان، الأردن: دار أسامة
للنشر والتوزيع؛ نبلاء ناشرون وموزعون، 2015. هريمة، يوسف. "الانفجار الرقمي ومخاطر الخصوصية الإنسانية". مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث..2023/9/26 واكس، ريموند. الخصوصية: مقدمة قصيرة جدًا. ترجمة ياسر حسن. القاهرة: مؤسسة هنداوي،.2017 وحدة الأبحاث والمساعدة الفنية. "تقرير حول واقع حرية الرأي والتعبير عبر شبكات التواصل الاجتماعي بين الضوابط والقيود والانتهاكات والآثار". مركز الميزان لحقوق الإنسان. كانون الثاني/ يناير.2020 اليحياوي، يحيى. "الشبكات الاجتماعية والمجال العام بالمغرب: مظاهر التحكم والدمقرطة". مركز الجزيرة للدراسات..2015
الأجنبية
Aïm, Olivier. Les Théories de la surveillance, du panoptique aux surveillance studies. Paris: Armand Colin, 2020. Bauman, Zygmunt & David Lyon. Liquid Surveillance, a Conversation. UK: Cambridge; Malden, USA: Polity Press, 2013. Boudrillard, Jean. Simulacres et Simulation. Paris: Galilée, 1981. Hassan, Robert & Thomas Sutherland. Philosophy of Media, a Short History of Innovations from Socrates to Social Media. New York: Routledge, 2017. Herbert, David, & Stefan Fisher–Høyrem (eds.). S ocial Media and Social Order. Berlin, Warsaw: De Gruyter Poland, 2021.
Isin, Engin & Evelyn Ruppert. Being Digital Citizens. London/ New York: Rowman & Littlefield, 2020. Leistert, Olivier. From Protest to Surveillance, The Political Rationality of Mobile Media, Modalities of Neoliberalism. Frankfurt Main: Peter Lang, 2013. Lyon, David. The Electronic Eye, The Rise of Surveillance Society. Minneapolis: University of Minneapolis, 1994. _______. Surveillance as Social Sorting, Privacy, Risk, and Digital Discrimination. London/ New York: Routledge, 2005. Marwick, Alice E. The Private is Political, Networked Privacy and Social Media. New Haven/ London: Yale University Press, 2023. Rosati, Marcello Vitali. Corps et Virtuel, Itinéraires à Partir de Merleau–Ponty. Paris: L’Harmatton, 2009. Trottier, Daniel. Social media as Surveillance, Rethinking Visibility in a Converging World. New York: Routledge, 2016. Signorelli, Paul. Change the World Using Social Media. Lanhan/ Maryland: Rowman & Littlefield, 2021. Weissman, Jeremy. The Crowdsourced Panopticon: Conformity and Control on Social Media. Lanhan/ Maryland: Rowman & Littlefield, 2021. Wittkower, D. E. (ed.). Facebook and Philosophy, What’s on Your Mind? Chicago/ Illinois: Carus Publishing Company, 2010.
مراجع إضافية
باومان، زيجمونت وديفيد ليون. المراقبة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2017 بايكر، ستيفن. الرقميون أنت مراقب 24/24. بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر،.2011 حسن، أبو النور حمدي أبو النور. يورجين هابرماس: الأخلاق والتواصل. بيروت: التنوير للطباعة والنشر والتوزيع،.2012 المصدّر، حيدر إبراهيم. الدعاية على الشبكات الاجتماعية: قراءة في أدوات السيطرة والتضليل. غزة: وزارة الثقافة،.2020
Foucault, Michel. Surveillance et Punir, Naissance de la Prison. Paris: Gallimard, 1975. Rdowik , D. N. Reading the Figural, or Philosophy after the New Media. Durham/ London: Duke University Press, 2001. Taylor, Charles. Modern Social Imaginaries. Durham/ London: Duke University Press,