جدلية السيادة والقانون: دراسة في نقد هارت للنظرية الأمرية لأوستن
The Dialectic of Sovereignty and Law: Hart’s Critique of Austin’s Command Theory
الملخّص
تركّّز الدراسة على نقد هربرت هارت لمفهوم السيادة كما قدّّمته نظرية جون أوستن القانونية، التي رأت أن القانون هو مجموعة أوامر صادرة عن صاحب السيادة، الذي لا يطيع أحدًًا ويطيعه الجميع في الوقت نفسه. وتبرز الحجج النظرية والقانونية التي جرى سََوْْقها لتفنيد هذه الأطروحة، وذلك، أو الًا ، من خلال بيان أن النظرية غير قادرة على الاستجابة لسمتين أساسيتين في مختلف الأنظمة القانونية، وهما استمرارية سلطة سنّّ القانون، وديمومة القوانين؛ إذ إن نظرية أوستن تخفق في تفسير استمرارية السلطة، وفي تبرير بقاء القانون بعد رحيل واضعه، وفي إثبات معيارية القانون نفسها. ثم، ثانيًًا، إظهار فشل التدليل على غياب أيّّ قيود قانونية على صاحب السيادة، بواقع تعقّّد الأنظمة القانونية من جهة، وإثبات تناقض القول بسيادة الشعب مع أسس النظرية نفسها من جهة أخرى. وأدى هذا إلى رفض هارت مبدأ السيادة واستبدل به نظرية القواعد القانونية الأولية والثانوية.
Abstract
Abstract: This study explores H. L. A. Hart’s critique of the concept of sovereignty as presented in John Austin’s legal theory. Austin’s theory posits that law is a command of the sovereign, who is the person habitually obeyed by the majority of a society, and who does not habitually obey any other person. The study highlights the theoretical and legal arguments put forward to refute this thesis. First, it demonstrates Austin’s inability to address two fundamental aspects present in various legal systems: the continuity of legislative authority and the persistence of laws. Austin’s theory fails to explain the continuity of the legal system and justify how law survives after the death of the sovereign, as well as to establish the normativity of law. Second, it demonstrates the difficulty of proving the absence of legal limitations on the sovereign due to the complexities inherent in legal systems. It also emphasizes the contradiction between popular sovereignty and the foundations of Austin’s theory. These issues led Hart to reject the principle of sovereignty entirely, replacing it with his theory of primary and secondary rules.
- القانون
- السيادة
- الوضعية القانونية
- هربرت هارت
- Law
- Sovereignty
- John Austin
- Legal Positivism
القانونية، التي رأت أن القانون هو مجموعة أوامر صادرة عن صاحب السيادة، الذي لا يطيع
أحدًا ويطيعه الجميع في الوقت نفسه. وتبرز الحجج النظرية والقانونية التي جرى سَوْقها
لتفنيد هذه الأطروحة، وذلك، أولًا، من خلال بيان أن النظرية غير قادرة على الاستجابة
لسمتين أساسيتين في مختلف الأنظمة القانونية، وهما استمرارية سلطة سنّ القانون، وديمومة
القوانين؛ إذ إن نظرية أوستن تخفق في تفسير استمرارية السلطة، وفي تبرير بقاء القانون بعد
رحيل واضعه، وفي إثبات معيارية القانون نفسها. ثم، ثانيًا، إظهار فشل التدليل على غياب
أيّ قيود قانونية على صاحب السيادة، بواقع تعقّد الأنظمة القانونية من جهة، وإثبات تناقض
القول بسيادة الشعب مع أسس النظرية نفسها من جهة أخرى. وأدى هذا إلى رفض هارت مبدأ
السيادة واستبدل به نظرية القواعد القانونية الأولية والثانوية.
مقدمة
يعُّدُ كتاب الفيلسوف الإنكليزي هربرت هارتمفهوم القانون أحد أكثر المؤلفات تأثيرًا
في فلسفة القانون المعاصرة؛ فقد أسهم على نحو جوهري في النقاشات الدائرة بشأن طبيعة القانون. وتكتسب رؤى هارت أهمية كبيرة ليس لفلاسفة القانون فحسب، بل أيضًا للفلاسفة السياسيين والأخلاقيين على حد سواء؛ نظرًا إلى تأثيرها العميق في فهم العلاقة بين القانون والسيادة. كان لجون أوستن إسهام كبير في تطوير النظرية القانونية بسعيه إلى دراسة القانون دراسة تحليلية ووصفية. فقد رسّخ تقليد الفصل بين القانون والأخلاق بتأكيده على وجوب فهم القانون كما هو قائم
فعليًا، لا كما ينبغي أن يكون، فضلًا عن تركيزه على الدراسة التحليلية للمفاهيم القانونية بما يتيح فهمًا
أوضح لبنية القانون وطبيعته. وألحّ على الطبيعة "الأمرية" للقانون معرّفًا إيّاه بأنه مجموعة من الأوامر
العامة الصادرة عن صاحب سيادة مطلقة، تُدعم بالتهديد بالعقاب، ويطيعها الخاضعون له. نسلّط الضوء، في هذه الدراسة، على نقد هارت مفهومَ السيادة لدى أوستن. يرى هارت أنّ مفهوم السيادة عند أوستن يتلخّص في أنّ "كل مجتمع بشري تتوافر فيه القوانين، وتوجد في نهاية المطاف
(((لا تزال المكتبة العربية تعاني نقصًا حادًا في البحوث والدراسات المعمّقة حول فكر هربرت هارت (1992–1907) القانوني،
رغم تأثيره الكبير في المدارس القانونية المعاصرة، ولم يُسلّط الضوء بعد على أطروحاته بطريقة وافية. فإذا استثنينا بعض ما ورد من
أفكاره بصورة عامة في الموسوعات والدراسات العامة التي تُعنى بالتأريخ للنظريات القانونية أو عرض أهم مدارسها، ينظر على
سبيل المثال: روبرت ألكسي، فلسفة القانون: مفهوم القانون وسريانه، ترجمة كامل السالك، ط 2 (بيروت: منشورات الحلبي
الحقوقية، 2013)، ص 186–184؛ ميشيل تروبير، فلسفة القانون، ترجمة جورج سعد (بيروت: دار الأنوار للنشر والتوزيع، 2004)،
ص 58–55؛ بينوا فريدمان وغي هاشر، فلسفة القانون، ترجمة محمد وطفة (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2002)، ص 86–78؛ لا نكاد نعثر إلا على دراسات معدودة، ينظر: محمد عبده أبو العلا، "جدل القانون والأخلاق في النظرية
القانونية الأنجلو–أمريكية: هارت ودووركين نموذجًا"، عالم الفكر، العدد 170 (أكتوبر [/ تشرين الأول]–ديسمبر[/ كانون الأول]
2016)؛ رابح بن غريب، "دراسة نقدية في فلسفة القانون عند أوستن"، الاستغراب، العدد 34 (2024)؛ علي العلامي كعبوش، "الوضعية القانونية بوصفها نظرية للقواعد عند هاربرت هارت"، مؤمنون بلا حدود، 2022/11/15، شوهد في 2024/4/24، في: https://bit.ly/4gasRwk؛ إضافة إلى المقدمة المهمة لمنير الكشو التي قدّم فيها أهم أفكار هارت. ينظر مقدمة ترجمة كتاب: رونالد
دوركيين، أخذ الحقوق على محمل الجدّ، ترجمة منير الكشو (تونس: منشورات المركز الوطني للترجمة – دار سيناترا، 2015)؛
ولا أدلّ على كل هذا من غياب ترجمة أي من كتبه إلى العربية باستثناء ترجمة أحد فصول كتبه، ينظر ترجمة الفصل السابع من
كتاب: إتش آل إيه هارت، "العقوبة والمسؤولية: مقالات في فلسفة القانون"، ترجمة فاطمة الغامدي، حكمة الرقمية، 2017/1/15، شوهد في 2025/8/12، في: https://acr.ps/1L9GQ0u
(2) H. L. A. Hart, The Concept of Law, 2 nd ed. (Oxford: Oxford University Press, 1994). (3) Matthew H. Kramer, "The Concept of Law and Political Philosophy," University of Cambridge Faculty of Law Research Paper No. 41/2014 , Oxford Handbook of Classics in Political Theory (July 2014), accessed on 8/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GQ3z
(((جون أوستن John Austin (1859–1790): فيلسوف قانوني إنكليزي أثر تأثيرًا كبيرًا في الفكر القانوني الأنكلوسكسوني، فقد
قدّم واحدة من أوائل النظريات الحديثة في الفقه القانوني. عارض أسس "القانون الطبيعي"، وهدف إلى تحويل القانون إلى علم
حقيقي. وللقيام بذلك، اعتقد أنه من الضروري تطهير القانون من جميع المفاهيم الأخلاقية، وتحديد المفاهيم القانونية الأساسية بمصطلحات تجريبية بحتة. وبالاعتماد اعتمادًا كبيرًا على فكر جيرمي بنثام، كان أوستن أول مفكر قانوني يعمل على تطوير نظرية
وضعية للقانون بصورة كاملة. ونلفت عناية القارئ أن أوستن ليس فيلسوف اللغة جون لانغشو أوستن John Langshaw Austin (1960–1911) واضع نظرية أفعال الكلام.
(5) Hart, The Concept of Law , pp. 23–24.
كامنةً ضمن مختلف الأشكال السياسية، سواء في الديمقراطية أو في الملكية المطلقة، تلك العلاقة البسيطة بين رعايا تعوّدوا تقديم الطاعة لصاحب سيادة لا يقدّم مثل هذه الطاعة لأٍّيٍ كان. هذا البناء
العمودي، المكوّن من صاحب السيادة والرعايا، يُعَدّ بحسب النظرية عنصرًا أساسًّيًا في أيّ مجتمع
يمتلك القانون، تمامًا كما يُعَدّ العمود الفقري جزءًا جوهرًّيًا من جسم الإنسان". يوضح هارت أن السيادة عند أوستن هي نمط من السلوك يتميز ب "عادة الطاعة" Habit of Obedience. ويلزم تحقق شرطين أساسيين في صاحب السيادة: الأول يطيعه عادةً الجميع، والثاني أنه لا يطيع أحدًا بالعادة. ومن هنا نفهم السيادة انطلاقًا من مفهوم "العادة". ويسعى هارت إلى تفكيك هذا التصور من خلال تحليل الأسس التي بُنيت عليها نظرية أوستن، موضحًا أنّ مفهوم "عادة الطاعة" ليس كافيًا لتفسير
التعقيدات الموجودة في الأنظمة القانونية الحديثة. لم يُشر أوستن إلى مفهوم السيادة إشارة عابرة ضمن نظريته "الأمرية"، بل ركّز عليه واعتبره بمنزلة
"الفكرة المجرّدة التي تدمج الأوامر المختلفة في نسق يشكّل قانونًا. ومن دون الدور التنظيمي الذي
تنهض به السيادة، فإنّ مختلف الأوامر ذات الصدقية التي يواجهها المرء في الحياة الاجتماعية ما كانت إلا لتخِّلِف نشازًا وصخبًا متنافرًا بين الالتزامات مهما كانت واضحة". يباشر هارت نقده عن طريق تفكيك ثلاثية "الأمر، والعقاب، وصاحب السيادة" Command, Sanction, and Sovereign لائًاااق هاياحض ددّهي حلّسم لجر نع لا ثم مدّقيف،": لإاو مكدوقن ينوطعأ نودقفتس حياتكم". وهذا التشبيه مماثل لصورة القانون في نظرية أوستن، هناك سيّد يصدر أوامر مدعومة بالتهديد
بالعقاب والناس يمتثلون. غير أنّ هارت يوضح أنّ هذه الصورة غير متطابقة مع ما يجري في الأنظمة القانونية، التي لا يواجه الأفراد فيها مجرد تهديد متكرّر اعتادوه، بل يواجهون إطارًا قانونيًا منظمًا
ومشروعًا، لا يمكن اختزاله في حالة إكراه مسلّح. يخلص هارت من هذا المثال إلى أنّ القانون ليس مجرّد ابتزاز ممنهج، وأنه لا يمكن تحديد طبيعة النظام القانوني بالاكتفاء بفكرة الإكراه وحدها. ولتوضيح ذلك أكثر، يعقد هارت مقارنة بين مثالين: أوامر مصلحة الضرائب وأوامر عصابة مسلّحة. في الحالتين، هناك أمر مدعوم بالتهديد (السجن في حالة الضرائب والموت في حالة العصابة)، وهناك تنازل عن المال نتيجة هذه الأوامر. مع ذلك، يشعر المواطن بأنّ دفع الضرائب للدولة فعل مشروع، بينما يعدّ دفع المال للعصابة استسلامًا لجريمة غير مشروعة. فما السرّ في هذا الاختلاف؟ لماذا نعتبر أوامر مصلحة
الضرائب قانونية ومشروعة، وأوامر العصابة غير قانونية وغير مشروعة؟ هنا يأتي دور النقد الذي يقدّمه هارت لنظرية أوستن، فلا يمكن تفسير هذه المشروعية ببساطة استنادًا إلى "العادة" فحسب، بل يتطلب الأمر فهم منظومة القواعد التي تمنح القانون شرعيته، وهو ما لا يتحقّق في سياق العصابة المسلّحة.
(6) Ibid., p. 50. (7) Pavlos Eleftheriadis, "Hart on Sovereignty," in: Reading H.L.A. Hart’s The Concept of Law , Luís Duarte d’Almeida, James Edwards & Andrea Dolcetti (eds.) (Oxford: Hart Publishing, 2013), p. 116. (8) H.L.A Hart, "Positivism and the Separation of Law and Morals," Harvard Law Review , vol. 71, no. 4 (February 1958), p. 603.
مضى هارت أبعد من انتقاد تفصيلي لبعض جوانب نظرية أوستن، ليُظهر أن المشكل يتعلق بجوهر
الفكرة نفسها. بالنسبة إلى هارت، فإن حصر القانون في إطار أوامر مدعومة بعادات الطاعة أمر غير
كافٍ لفهم طبيعة النظام القانوني. فالمسألة، إذًا، ليست في تصحيح بعض الثغرات لدى أوستن، بل في التشكيك الجذري في مفهوم السيادة كما تصوّره، وبالتبعية في نموذج تحليل القانون القائم على
الأوامر والإكراه. وقد رأى هارت أن طرح أوستن يصلح في حالة استبدادية يعرّف فيها القانون بالقوة فقط، من دون أيّ
اعتراف بمعايير أو مبادئ. ولهذا يسهم نقد هارت مفهومَ السيادة عند أوستن في تطوير فهمنا للأنظمة
القانونية الحديثة، لأنه يسعى إلى نقض الرأي الذي يرى في أوامر صاحب السيادة محددًا وحيدًا للقانون، ويؤكد أن قوة الدولة ليست مطلقة أو من غير حدود. كما يُبرز دور القواعد في بناء القانون
وتفسيره، بدلًا من حصره في القوة والتهديد. من هنا، لم يكن مفاجئًا أن غالبية المنظرين القانونيين المعاصرين "يتفقون مع أغلب ما طرحه هارت ويرفضون تفسير أوستن للسيادة والقانون"، حتى إن الاتجاه السائد اليوم لدى المنظّرين القانونيين التحليليين يذهب إلى أنّ السيادة غير ضرورية لقيام نظام قانوني، وهي في الأساس غير متوافقة معه. سعى هارت إلى تقديم نظرية السيادة في أقوى أشكالها الممكنة قبل أن ينتقدها ويُظهر قصورها. ولم
يكتفِ بدحض رؤية أوستن في حد ذاتها، بل حرص على مواجهة أيّ دفوع محتملة عنها؛ وذلك لأنه
صرّح بوضوح أن شاغله الرئيس هو مواجهة مثل هذه النظريات التي استغرب من استمرار جاذبيتها،
رغم ما يشوبها من عيوب واضحة. تتمحور إشكالية هذه الدراسة حول الكيفية التي نقد بها هارت مفهوم السيادة عند أوستن، وما يترتب على ذلك من انعكاسات على فهمنا المعاصر للسيادة. وتتفرع من هذه الإشكالية تساؤلات من أبرزها: أيتأسس الإلزام القانوني بالضرورة على القسر والتهديد أم على أسس أخرى؟ أتعني السيادة سيادة القانون، أم أن القانون أداة بيد السيادة؟ تبرز هذه الإشكالية بوضوح في سياق التحولات السياسية والقانونية العالمية، حيث يُطرح سؤال
ملحّ حول مدى خضوع الدولة نفسها للقانون، ومدى إلزامية القوانين للحكومة والمسؤولين الذين
يملكون السيادة. وإذا كانت قضية إلزامية القانون تثير جدلًا داخل حدود الدولة الواحدة، فإنّ المشهد يصبح أشد تعقيدًا عندما ننتقل إلى ساحة العلاقات الدولية، حيث تتشابك السيادة مع القوانين الدولية الملزمة. ومن هنا، تكتسب قرا ةء هارت النقدية لأطروحة أوستن أهمية وراهنيّة. ومن نافلة القول التأكيد
(9) Matthew H. Kramer, H.L.A. Hart the Nature of Law (Cambridge/ Medford: Polity Press, 2018), p. 59. (10) Pavlos Eleftheriadis, "Law and Sovereignty," Law and Philosophy , vol. 29, no. 5 (September 2010), p. 546. (11) Lars Vinx, "Carl Schmitt’s Defence of Sovereignty," in: David Dyzenhaus & Thomas Poole (eds.), Law, Liberty and State: Oakeshott, Hayek and Schmitt on the Rule of Law (Cambridge: Cambridge University Press, 2015), pp. 96–121. (12) Hart, The Concept of Law , p. 18.
أن هذه النقاشات وثيقة الصلة بالفكر العربي المعاصر، خصوصًا في ظل المتغيرات السياسية والقانونية
الراهنة، حيث تطرح إشكالية علاقة القانون بالسلطة وسيادة القانون بصورة ملحّة. يقوّض هارت نظرية أوستن عبر رصد ثغراتها، وتعقبها بالتساؤل. هل إطاره النظري قادر فعلًا على
تفسير حقيقة ما يوجد واقعيًا؟ وهل هذا الإطار النظري كفيل بفهم كيفية سير عمل الأجهزة القانونية
وعلاقاتها بالقوانين والمؤسسات؟ ومن خلال ذلك يصوغ تصوره ويستعرض موقفه من السيادة. سنعالج نقد هارت في مبحثين: أولًا، تحليل بنية نظرية السيادة الأوستينية ونقدها، من خلال معالجة الشرط الأول، المتمثل في طاعة الجميع لصاحب السيادة. ثم، ثانيًا، تفنيد هارت لأحكام هذه النظرية
من خلال تقويم الشرط الثاني المتمثل في أن صاحب السيادة لا يطيع أحدًا.
أولا: نقد هارت لبنية نظرية السيادة الأوستينية
يُجري هارت اختبارًا أساسيًا على النظرية بالتساؤل عمّا إذا كانت "عادة الطاعة"، التي يبني عليها أوستن
فكرة السيادة، يمكن أن تدعم سمتين بارزتين لمعظم الأنظمة القانونية؛ وهما "استمرارية سلطة سنّ القانون" بين سلسلة من المشرّعين المختلفين، و"ديمومة القوانين" فترة طويلة بعد موت كل من سنّها
ومن اعتادوا طاعته أيضًا. هاتان النقطتان هما بالنسبة إلى هارت أهم السمات البارزة لمعظم الأنظمة القانونية، ويبني اختباره على أساسهما. فنقطة استمرارية سلطة سنّ القانون Continuity of the Authority to Make Law تعني أن سلطة صياغة القوانين تستمر من دون انقطاع من مشرّع إلى آخر. أما نقطة ديمومة القوانين
Persistence of Laws فتعني قدرة القوانين على الاستمرار في الوجود بغض النظر عن بقاء واضع هذا القانون أو رحيله، وبصرف النظر كذلك عن بقاء من وُضع هذا القانون في عهدهم أو رحيلهم. يطبّق هارت الاختبار عن طريق تقديم مثال افتراضي بسيط هو نظام قانوني ملكي صاحب السيادة
فيه هو الملك ريكس. يموت هذا الملك فجأة، ويخلفه فوريًا الملك ريكس الثاني على العرش.
العنصر الأول الذي سيوضع على محك الاختبار هو استمرارية السلطة من ريكس الأول إلى
(13) Hart, The Concept of Law , p. 51.
((1(قد تكون ترجمة مفهوم Persistence هي الصمود أو الثبات، لكن المعنى الأقرب إلى السياق هو الديمومة، فالعنصر الأساسي في المفهوم هو استمراريته في الزمن، وقد ساعدني على هذا الاختيار الترجمة الفرنسية للأصل الإنكليزي، التي اختار فيها ميشيل كيرتشوف، وهو المتخصص في فكر هارت، مفهوم La Permanence ترجمة للمفهوم نفسه. ينظر:
Herbert Lionel Adolphus Hart, Le concept de droit , Michel Van de Kerchove (trad.) 2 ème éd. (Bruxelles: Publications des Facultés universitaires Saint‑Louis, 2005), p. 80.
((1(تعني كلمة Rex الملك، وهي كلمة لاتينية تُستخدم قديمًا في الإمبراطورية البريطانية المَلكية، وعبارة Rex’s case في الأدبيات
القانونية تشير إلى نوع من القضايا تكون فيها الدولة، ممثلة عن الملك، طرفًا في القضية. وإذا كانت الملكة هي صاحبة السلطة
فتستخدم كلمة Regina. ينظر: ويل والوتشو، "الدستورانية"، ترجمة عبد الرحمن المشعل، موسوعة ستانفورد للفلسفة (ربيع 2018)، ص 4، شوهد في 2024/4/24، في: https://bit.ly/3xkcFaZ؛ إلا أننا سنحتفظ بعبارة "ريكس" باعتباره اسمًا للملك الذي يكرر هارت
تقديمه في مثاله الأساسي.
ريكس الثاني على نحو مباشر وفوري. والعنصر الثاني هو بقاء قانون (أي قانون) أ صدر في عهدُ ريكس الأول وديمومته، ولا يهمّ إن كان ريكس الثاني أقرّه أم لا أو لم يُعِد التأكيد عليه أو لا يعلم
بوجوده أصلًا، المهم هو هل سيظل هذا القانون قادرًا على الصمود مع ريكس الثاني وحتى بعده
أم لا؟ إنّ فهم الفرق بين الاستمرارية والديمومة ذو أهمية بالغة لفهم الاختبارين اللذَين أجراهما هارت، فقد يبدوان متداخلين أو يمثلان الشيء نفسه، لكنها يعنيان أمرين مختلفين ويطبّقان بطريقة مختلفة.
وما يحوز الاستمرارية هو السلطة القانونية التشريعية؛ أي سلطة سنّ القوانين. المستمر في المثال هو سلطة سنّ القانون بين ملكَين أو أكثر، والتساؤل المطروح هو: هل لصاحب السيادة (أي الملك المُشِّرّع) الحق في سنّ القوانين من دون انقطاع، بغض النظر عمّن يحوز السلطة؟ أما الديمومة فليست
معنيّة بمن يبقى في السلطة التشريعية، بل هي تحديدًا ديمومة القوانين، بصرف النظر عن الملك أو
الرعيّة الذين صيغت في عهدهم تلك القوانين؛ بمعنى أتبقى للقوانين قوّتها وأثرها، حتى لو مرّت عقود
طويلة ورحل كل من عاصر وقت صياغتها وتطبيقها أول مرة أم لا؟ هل تستطيع نظرية "الأمر" التي وضعها أوستن أن تستوعب، بحسب وجهة نظر هارت، هذه السمات البارزة للأنظمة القانونية؟
1. استمرارية سلطة سنّ القانون
تتعلق أول حجة يقدّمها هارت بتفنيد إمكانية فهم استمرارية السلطة التشريعية من سيادة إلى أخرى من خلال نظرية أوستن ومفاهيمه. يفترض هارت أن ريكس الأول حكم فترة طويلة جدًا، وهذا يعني أن العلاقة بينه وبين رعاياه صارت "علاقة 'شخصية'، وهنا، تحديدًا، تكمن المشكلة؛ نظرًا إلى أن الطاعة
ترجع مباشرة إلى شخص ريكس. فلا يوجد أحد يطاع بالضرورة عندما يموت ريكس الأول". يفترض هارت مجددًا أن ريكس مات بعد فترة حكم ناجحة تاركًا ابنه ريكس الثاني الذي بدأ بعد ذلك في إصدار الأوامر العامّة. يقول هارت: إنّ "وجود عادة عامة لطاعة ريكس الأول في حياته لا يعزّز
وحده احتمالية طاعة ريكس الثاني على نحو اعتيادي. ومن ثمّ، إذا لم يكن لدينا ما نستمر فيه غير
حقيقة طاعة ريكس الأول، فلن نقدر على وصف الأمر الأول لريكس الثاني، بمثل ما وصفنا به الأمر الأخير لريكس الأول؛ أنه صدر من شخص كان صاحب سيادة، ومن ثم، صار أمره قانونًا". يرى هارت أن أوستن لا يستطيع تفسير استمرارية السلطة التشريعية؛ لأنّ مفهوم "عادة الطاعة" وحده
غير كافٍ. ف "العادات" ظواهر تاريخية تحتاج إلى وقت طويل ل تتشكل وتترسخ، وتعتمد على تكرار الطاعة للمشرّع السابق فترة ممتدة حتى يعتاد الناس الأمر، فهي، إذًا، تعني نمطًا من السلوك الشخصي.
في مثال ريكس الأول، يجيب هارت عن هذا بأن الناس اعتادوا طاعته لأنه حكم طويلًا، ومع وفاته
(16) Eleftheriadis, "Hart on Sovereignty," p. 117. (17) Hart, The Concept of Law , p. 53.
واعتلاء ريكس الثاني العرش، لا تتوافر "عادة الطاعة" له فورًا؛ لأن الأمر يستغرق وقتًا، حتى تتراكم
الطاعة وتُعتبر عادة. حتى لو بدأ الناس في طاعته مباشرة، فلن يكون ذلك عادة بعد؛ لأن العادة تحتاج إلى تراكم زمني. لا توجد قواعد ولا حقوق ولا ألقاب تحدّد من يرث السلطة وفقًا لأوستن، بل هي حقائق مفادها أن ريكس الأول أصدر الأوامر، وجرت إطاعة أوامره عادة. وما يترتب على هذا أن أفكار أوستن حول السيادة و"الطاعة المعتادة" لا تأخذ في الاعتبار استمرارية الأنظمة القانونية، ومن الواضح أن "عادة الطاعة" للسيد الحالي لا يمكن أن تمنح المشرّع الجديد أيّ حق في وراثة القديم وإصدار الأوامر
بدلًا منه. لو اعتمدت السيادة على أن تكون هناك فقط "عادة الطاعة" لانقطعت، ولما كانت مستمرة؛ لأنّ هناك نقطة زمنية بين وفاة ريكس الأول وترسيخ ريكس الثاني عادة طاعته بين الناس، ومن ثم، فإن هذا الأخير لا يتمتع بالسيادة بعد إن طبّقنا نظرية أوستن. بل الأكثر من هذا، إن اكتفينا بها سنصل إلى
استنتاج مفاده أن النظام القانوني يبدو كأنه ينهار مع وفاة الحاكم، ليعاد بناؤه من جديد مع كل مشرّع
جديد، وهو ما لا يحدث في الواقع. في الحقيقة، عند وفاة ريكس الأول، يصبح ريكس الثاني صاحب سيادة ومشرّعًا له الحق نفسه في سنّ
القوانين عند تولّيه المنصب، من دون الحاجة إلى انتظار تشكّل عادة طاعة جديدة بينه وبين رعاياه. هذا الانتقال السلس الذي يحدث يبيّن، في نظر هارت، قصور نظرية أوستن عن تفسير الواقع القانوني
الحديث، وعجزها عن توضيح استمرارية سلطة سنّ القوانين من مشرع إلى آخر. لذلك، يقترح هارت بديلًا أكثر ملاءمة لفهم استمرارية الأنظمة القانونية. ففي حالة تولّي ريكس الثاني الحكم بعد وفاة ريكس الأول، لا يكفي أن يعتاد الناس طاعته، بل يجب أن توجد في المجتمع "ممارسة
اجتماعية عامة أكثر تعقيدًا من مجرد 'عادات الطاعة'. ينبغي أن يكون هناك اعتراف وقبول بقاعدةٍ تمنح المشرّع الجديد الحق في خلافة المشرّع السابق". هكذا، يقدّم هارت مفهوم "القاعدة الاجتماعية المقبولة"، التي تختلف عن طاعة أوامر صاحب السيادة. إنها قاعدة مقبولة ومستقرة في المجتمع، تفسر استمرارية السلطة التشريعية عبر أجيال المشرّعين،
وتوضح أن النظام القانوني لا يقوم فقط على الاعتياد، بل على قواعد مقبولة اجتماعيًا تحدد من يحق
له تولّي السلطة وإصدار القوانين. ومن أجل تدقيق فهم الاختلاف بين القاعدة والعادة، يطرح هارت تساؤلًا بسيطًا مفاده: ما الفرق بين أن نقول إن لدى جماعة معينة عادة الذهاب إلى السينما ليلة السبت، وأن نقول إن لديهم قاعدة تلزم الرجال بنزع القبّعات عند دخول الكنيسة؟ تَظهر العادات باعتبارها مجرد طرائق لحدوث الأشياء،
فالذهاب إلى السينما في ليلة ما هو أمر تقليدي أو شائع أو متعارف عليه، هناك نمط متكرر من السلوك
(18) Eleftheriadis, "Hart on Sovereignty," p. 118.
ينخرط فيه عدد من الأشخاص. أما وجود قواعد تنصّ، مثلًا، على وجوب نزع قبّعات الرجال الذين
يودّون دخول الكنيسة، فهي تُعتبر معيارًا ملزمًا يحدد ما يجب فعله في ظروف معيّنة، ويدعمها شعور
عام بأنّ من يخالفها يُنتقد وُيلُام. لهذا، يستفيض هارت في بيان الفرق بين العادات أو مجرد أنماط
السلوك من ناحية، وبين القواعد من ناحية أخرى عبر تطرّقه إلى ثلاثة اختلافات بارزة: أ. الاختلاف الأول بيّن؛ ففي حالة وجود عادة لدى المجموعة يكفي أن يتقارب سلوكهم في
الواقع، والانحراف عن المسار العادي لا ينبغي أن يكون موضوعًا لأيّ نقد. أما حين توجد
القاعدة، فالانحرافات تعتبر بصورة عامة بمنزلة هفوات أو أخطاء قابلة للنقد. ب. يتجلى الاختلاف الثاني في حالة وجود القواعد، فلا يُكتفى بتوجيه النقد فقط، بل يُعتبر انتقاد
الانحراف مشروعًا ومبَّرَرًا، سواء من قبل أولئك الذين يوجهونه أو أولئك الذين يوَّجَه إليهم. ويؤكد
هذا أنّ وجود قاعدة معيّنة لدى جماعة ما يتوافق بالضرورة مع وجود أقلية داخل المجموعة نفسها
لا تكتفي بكسر تلك القاعدة بل ترفض النظر إليها باعتبارها معيارًا سواء لنفسها أو للآخرين. ج. يكمن الاختلاف الأخير فيما يسمّيه هارت ب "الجانب الداخلي" للقاعدة، وهو اللغة "المعيارية"
التي نعبّر بها عن الانتقاد؛ فالانحراف عن النمط الأول؛ أي عدم الذهاب إلى السينما ليالي
السبت، يعني أنك تفعل شيئًا غير معتاد، ولكنك لا تفعل بالضرورة شيئًا غير صحيح أو ينتهك بعض القواعد. بينما الانحراف عن النمط الثاني؛ أي عدم خلع رجل قبعته إذا ذهب إلى كنيسة هذا المجتمع، يعني أنه قد فعل شيئًا غير لائق أو غير صحيح أو غير مسموح به، وبهذا يكون انتهك قاعدة أو كسرها. والتعبير عن ذلك يتم بطريقة معيارية. ووفقًا لهارت، إذًا، لكي نفهم استمرار انتقال السلطة التشريعية بمرور الزمن، يجب علينا الاستغناء عن فكرة "عادة الطاعة" التي ركّز عليها أوستن، ليحلّ محلّها مفهوم "القبول" العام للقواعد. فما يقترحه هارت هو أنّه قبل أن يبدأ المشرّع الجديد في إصدار القوانين، هناك قاعدة راسخة متفق عليها تسمح
لهذا الشخص، بصفته واحدًا من مجموعة أو سلسلة من الأفراد المؤهّلين، بأن يتولى التشريع بطريقة محددة في وقت معيّن. وبذلك لا تنحصر الطاعة في شخص المشرّع السابق (مثل ريكس الأول)، بل
تستند إلى قاعدة معروفة للجميع تحدّد من له الحق في التشريع عند وفاة المشرّع القديم أو تغيّره. على
سبيل المثال، تقبل الجماعة مسبقًا أنّ الابن الأكبر للملك الراحل هو الذي يكتسب الحق في التشريع ما إن يتولى المنصب. نتيجة لذلك، يتبيّن أنّ الاعتماد على العادات وحدها، كما فعل أوستن، ليس كافيًا لتفسير الأنظمة
القانونية، خاصة فيما يتعلق باستمرار السلطة التشريعية. ونظرية أوستن تغفل أهمية القواعد في تحديد من يملك السلطة التشريعية بعد وفاة المشرّع السابق. إنّ ما يشرح هذه الاستمرارية حقًا هو وجود
قواعد واضحة تحدّد من يخلف المشرّع، ومن يمسك بزمام السلطة التشريعية عند تغيّر الظروف. هذه
(19) Ibid., pp. 55–57.
القواعد شبيهة بقواعد الألعاب الجماعية، حيث يمكن استبدال الحكَم بحكَم آخر من دون إحداث
خلل في اللعبة أو في خضوع اللاعبين للقواعد. لا يمكننا تفسير هذا الاستبدال والامتثال المستمر من خلال "اعتياد الطاعة" فقط، بل نحتاج أيضًا إلى قواعد متّفق عليها تمنح شخصًا معيّنًا سلطة اتخاذ
القرار في ظروف محددة. فمن دون هذه القواعد، لا يمكن أن تحافظ الأنظمة القانونية على استمرارية سلطة الحكم أو انتقالها بطريقة منظّمة.
2. ديمومة القوانين
يرى هارت أن من أوجه قصور نظرية أوستن أيضًا أنها غير قادرة على تفسير استمرار تأثير القوانين التي أقرّها المشرّعون السابقون حتى بعد رحيلهم بمدة طويلة. ويضرب مث لًا لذلك بمحاكمة امرأة بريطانية
عام 1944 لأنها قرأت الطالع، بناءً على قانون الشعوذة لعام 1735. يتساءل هارت: كيف يمكن
تفسير استمرار نفاذ قانون سابق بعد أن غدا صانعه ومن اعتادوا طاعته غير موجودين منذ زمن بعيد؟ ويجيب بأن ديمومة القوانين أمر شائع في كل الأنظمة القانونية. لكنّ الخلل كامن في نظرية أوستن التي لا تقدر على تفسير ذلك، فلا يمكن "تضييق نظرتنا إلى القوانين لتقتصر على فترة حياة صانعيها؛ لأنّ السمة التي يجب أن نشرحها هي قدرتها العنيدة على البقاء بعد صانعيها وأولئك الذين اعتادوا طاعتها". تفشل نظرية أوستن في فهم سير الأنظمة القانونية؛ لأنه لا وجود لأيّ علاقة ممكنة بين عادة الطاعة
وقوانين سبق أن رحل واضعوها ومن وُضعت في عهدهم منذ زمن طويل جدًا. لهذا، فإنّ هارت يشدد
على أنّ "المشكلة في نظرية أوستن مفادها أنّ العلاقة الشخصية التي افترض أنها في قلب القانون، لا يمكنها أن تصمد أمام تغيّر الأفراد. ما يعني، وفقًا لنظريته، أنه إذا ذهب صاحب السيادة فإن القانون
الذي صنعه سيذهب أيضًا". هناك مخرج يرى هارت إمكانية إنقاذه لنظرية أوستن، وهو أن يقرّ صاحب السيادة الجديد بأوامر صاحب
السيادة السابق وقوانينه أو يتبناها عمليًا. لكنّه يرفض ذلك، لأنه سيعني، على نحو غير منطقي، أن
القوانين القديمة لم تكن صالحة بذاتها، بل تحتاج إلى إعادة اعتمادها عند كل تطبيق، وهذا تصوّر غير
معقول. ويستدل على ذلك بإيراد كيفية عمل الأنظمة القانونية. فالمحاكم والجهات المسؤولة لا تميّز
بين القوانين الحديثة وتلك التي سُنّت في الماضي. جميع هذه القوانين معترف بها باعتبارها قوانين
ملزمة؛ لأنها صدرت عن مشرّعين كانوا ذوي سلطة مشروعة وفق قواعد مقبولة، سواء أكانوا ما يزالون
على قيد الحياة أم رحلوا. بهذا الفهم، لا تحتاج القوانين القديمة إلى إعادة اعتراف أو إقرار مستمر من صاحب السيادة الحالي كي تظل قانونية وسارية المفعول. لهذا يلحّ هارت على شرط "القبول"؛ لأنه
((2(قضية آر ضد دنكان R v Duncan، قضية في محكمة الاستئناف دارت عام 1944 حول إذا ما كانت المدعى عليها (هيلين دنكان) تستدعي "الأرواح الشريرة"، والتي ناقشت أيضًا إذا ما كانت الظاهرة الخارقة للطبيعة التي تتضمن "الإكتوبلازم Ectoplasm "
قد تكون مقبولة دليلًا أمام هيئة المحلفين. حُكم عليها بالسجن تسعة أشهر بموجب قانون الشعوذة لعام 1735:. ينظر Ibid., p. 122.
(21) Hart, The Concept of Law , p. 62. (22) Eleftheriadis, "Hart on Sovereignty," p. 122.
"ما لم يقبل المسؤولون بالنظام، وخاصة المحاكم، القاعدة القائلة بأن بعض العمليات التشريعية، سواء كانت ماضية أو حاليّة، هي ذات سلطة، فإن شيئًا أساسيًا لوضعها بصفتها قانونًا سيكون مفقودًا". ما جعل نظرية أوستن تخفق مجددًا في تفسير سمة الديمومة، كما فشلت في تفسير سمة الاستمرارية، هو أن نظريته القانونية قائمة على العادة. تقوم أطروحة هارت على أن تحلّ "القواعد الأساسية المقبولة" بدلًا من مفهوم "عادة الطاعة لشخص ذي سيادة". وتعد "القواعد الأساسية المقبولة" مصدرًا تفسيريًا
أكثر ثراء وقوة يمكّننا من فهم هذه الظواهر القانونية، ويحدّد الأشخاص الذين يضعون معايير المجتمع، سواء كانوا مجموعة أو سلسلة م تتابعة. وهذه القاعدة أو القواعد الأساسية هي ما يسميها هارت بالقواعد الثانوية، وهي التي تمكّن النظام القانوني من الحفاظ على استمراريته وديمومة قوانينه. ومن بين هذه القواعد تبرز قاعدة التعرّف Rule of Recognition التي تحدّد ما هو قانون وما ليس بقانون. ولتوضيح ذلك، نعود إلى المثال البسيط الذي قدّمه هارت. عندما يُصدر ريكس الأول قانونًا يحظر أو
يمنع شيئًا ما، يكون ذلك أشبه بقاعدة من الدرجة الأولى التي تنطبق على جميع الناس، سواء التزموا بها أم لم يلتزموا. وهناك نوعٌ آخر من القواعد، وهي التي تمنح ريكس الأول (ثم بالتبعية ريكس الثاني) سلطة وضع القواعد. فديمومة القوانين تعني أنّ القانون يستمر مدة طويلة بعد وفاة ريكس الأول، ووفاة جميع المواطنين الذين كانوا على قيد الحياة في عهده، ويبقى القانون قائمًا من دون حاجة إلى تجديد،
حتى يجري إبطاله. يعيب هارت على نظرية أوستن أنها بنَت أساس النظام القانوني على وجهة نظر غير واضحة، بل
مضِّلِلة. في الإمكان أن نعتبر نظريته قادرة على وصف بعض الحقائق المهمة في الأنظمة القانونية؛ حين تطيع غالبية المجموعة الاجتماعية، على نحو معتاد، الأوامر المدعومة بتهديدات من صاحب أو أصحاب السيادة، الذين لا يطيعون أحدًا بصفة معتادة. غير أن هذا الوصف لا يمكن أن يقدّم بوضوح أيّ تفسير لحقائق الوضع الاجتماعي الأشد تعقيدًا، إّلا حين تُقبل القواعد الثانوية وتُستخدم لتحديد
قواعد الالتزام الأولية. وتبعًا لذلك، فإن البديل الذي يقدّمه هارت، أو ما يستحق أن يطلق عليه أساس النظام القانوني في رأيه، هو القواعد الثانوية؛ أي قواعد إضافية ذات رتبة أعلى، تحدّد من يمكنه وضع القواعد. يرى هارت أن نظرية أوستن تنتهي إلى مآزق لا حلّ لها، والمخرج الوحيد الممكن هو اعتبار النظام القانوني قائمًا على القواعد. وتنقسم هذه القواعد إلى نوعين؛ نوع أول هو قواعد أولية Primary
Rules نجدها في كل المجتمعات، وهي التي تفرض واجبات مباشرة وتنظم أو تحظر أشك لًا معيّنة
من السلوك، وتحدّد ما يجب على الأشخاص فعله في المجتمع أو لا يجب. ونوع ثانٍ هو قواعد
(23) Ibid., p. 123.
((2(نميل إلى اختيار منير الكشو في ترجمته لمفهوم Rule of Recognition بقاعدة التعرّف، بدلًا من الترجمات السابقة التي عرّبتها
بقاعدة التمييز أو قاعدة الاعتراف. ينظر: دوركيين، ص.12
(25) Eleftheriadis, "Hart on Sovereignty," p. 124.
ثانوية Secondary Rules تضبط إجراءات سنّ القوانين، وتتعلق بكيفية إنشاء القواعد الأولية وتعديلها وتفسيرها، وهي من "تمنح صلاحيات، محدودة أو لا محدودة، لأشخاص مؤهّلين للتشريع بطرائق معيّنة من خلال الامتثال لإجراءات معيّنة".
ثانيًا: تفنيد هارت أحكام نظرية السيادة الأوستينية
بعد أن أوضح هارت قصور نظرية أوستن في تفسير بنية الأنظمة القانونية، مؤكدًا أنها لا تنسجم مع بعض الخصائص المألوفة والجوهرية في الواقع القانوني، ينتقل إلى تفكيك الأحكام التي تقوم عليها هذه النظرية، خصوصًا فكرة أن صاحب السيادة لا يطيع أحدًا وليس مقَّيَدًا قانونيًا. عدّ الباحثون
هذا التفكيك، تحديدًا، أحد أهم إسهامات هارت في تيار سيادة القانون؛ من خلال فتح المجال ليصير صاحب السيادة "مقيّدًا قانونيًا"، مع إزالة حشو الأطروحة المنطقية والفقهية المرتبطة بهوبز، القائلة بأن
فكرة سيادة القانون مستحيلة وغير متماسكة. ترتبط هذه النقطة، تحديدًا، بالجزء الثاني من تعريف السيادة المتعلق بأن صاحب السيادة لا يطيع أحدًا؛ إذ إن أوستن يفترض أنّ إثبات قانونية أي تشريع يوجب علينا " تبّعه" إلى مشرّع "سيادي" تكون
سلطته غير مقيدة قانونًا، أو لا يطيع أيّ شخص آخر على نحو معتاد. عارض هارت هذا التعريف، وكشف بالأمثلة الواقعية عدم كفاية "السيادة" لتكون أساس القانون. وتوصّل
أيضًا إلى أنّ لدى أوستن رأيين في "صاحب" السيادة، سنعالجهما على نحو منفصل؛ الرأي الأول، وإن لم يقل به أوستن نفسه، منسجم مع أسس نظريته. والرأي الثاني قدّمه ليحلّ مأزقًا نظريًا أوصلته
إليه مقدماته. وهما رأيان متناقضان وجدهما هارت ضمن النظرية، ووجّه سهام نقده لكليهما؛ مثبتًا
فشلهما معًا في تفسير عمل الأنظمة القانونية، ومبرهِنًا كذلك على غياب الاتّساق في النظرية.
1. لا قيود قانونية على صاحب السيادة
اعتقد أوستن أن السيادة يجب أن تكون مطلقة وغير مقيدة، وأكد أن فكرة السيادة المقَّيَدة قانونًا هي
فكرة متناقضة وغير منطقية. ويرى أن السلطة التشريعية العليا يجب أن تكون مطلقة بالضرورة، بحيث يمكنها سنّ أيّ قانون أو إلغاؤه، بغضّ النظر عن مضمونه. ويعني هذا، وفقًا لأوستن، أنه توجد دائمًا
"سيادة مطلقة تقف وراء أي سلطة تشريعية، حتى إن بدت محدودة قانونًا". يؤكد هارت أن جوهر نظرية أوستن يكمن في الاعتقاد في أن كل مجتمع فيه قانون، هناك صاحب سيادة يتمتع بسلطة مطلقة وغير مقيدة قانونًا. ويعني ذلك أنه، حتى إن بدت الأنظمة القانونية أو السياسية كأنها تفرض قيودًا على السلطات، فإن البحث العميق يكشف عن سيادة مطلقة كامنة خلف
(26) Hart, The Concept of Law , pp. 77–78. (27) Jeremy Waldron, "Hart and the Principles of Legality," in: Matthew H. Kramer (ed.), The Legacy of H.L.A. Hart: Legal, Political, and Moral Philosophy (Oxford: Oxford University Press, 2008), p. 82. (28) Leslie Green, "The Concept of Law Revisited," Michigan Law Review , vol. 94, no. 6 (1996), p. 1704.
هذه المظاهر؛ أي إن النظرية لا تقتصر على الإشارة إلى وجود مجتمعات لا تخضع السيادة فيها لأي حدود قانونية، بل هي تشدّد على أن وجود القانون في كل مكان يعني وجود مثل هذه السيادة المطلقة. رأى أوستن أن جميع القوانين هي أوامر صادرة عن صاحب سيادة، سواء كان شخصًا واحدًا أو مجموعة من الأشخاص. ومن ثم، فالقول إن السيادة يمكن أن تُقَيَّد بموجب القانون، تشترط شخصًا ذا سيادة
يقِّيِد نفسه بنفسه؛ أي أن يصدر أوامر لنفسه ويخضع لها. ولا يستطيع أحدٌ تقييد نفسه بنفسه، إّلا في
سياق مجازي، لذلك، يشبّه أوستن فكرة السيادة المقَّيَدة بفكرة "الدائرة المربّعة"؛ أي إنها مفهوم
متناقض في حد ذاته. وجادل بأن "اللامحدودية القانونية لامتيازات صاحب السيادة هي مسألة ضرورة مفاهيمية في كل نظام قانوني [...] نفوذ صاحب السيادة لا يخضع أبدًا لأي قيود قانونية". بمعنى آخر، يعتقد أوستن أن السيادة المطلقة هي شرط أساسي لوجود القانون نفسه. وينبّهنا هارت إلى أن أوستن يتحدث عن غياب القيود القانونية فقط على صاحب السيادة، وليس عن
غياب القيود بصورة عامة؛ أي إن صاحب السيادة قد يخضع لقيود سياسية أو أخلاقية أو اجتماعية تحدّ من سلطته عمليًا، فعلى سبيل المثال قد يذعن صاحب السيادة، في أثناء ممارسة السلطة التشريعية
للرأي العام، إما لأنه يعتقد أنه ملزَم أخلاقيًا باحترامه، أو خوفًا من عواقب الاستهزاء به. ربما تؤثّر عوامل
مختلفة فيه باعتبارها "حدودًا" لسلطته، لكنها ليست حدودًا قانونية، بمعنى أنها لا تستند إلى قوانين ملزمة. ويستغرب هارت من هذا التمييز، خاصة أن جيرمي بنثام، الذي يُعتبر من أساتذة أوستن، أقرّ
بأن "السلطة التشريعية العليا يمكن أن تخضع لقيود قانونية بموجب الدستور [...] أما أوستن، فيرى أن أيّ قيود مفروضة على السلطة التشريعية العليا لا يمكن أن تكون لها قوة القانون، بل هي مجرد رقابة سياسية أو أخلاقية". يخبرنا هارت بأن نظرية أوستن قد تبدو مغرية؛ لأنها تعطينا إجابة مُرضية وبسيطة عن سؤالين مركزيين؛ فنحدّد أولًا من خلال الأوامر العامة لصاحب السيادة قانون أي مجتمع، ونميّزه من العديد من القواعد
أو المبادئ أو المعايير الأخرى التي تحكم حياة أفراده أيضًا، سواء كانت أخلاقية أو عرفية فقط. ويمكننا ثانيًا تحديد إذا ما كنّا أمام نظام قانوني مستقل أو أمام جزء ثانوي من نظام أوسع. وتكون النظرية
بهاتين الإجابتين "مقبولة ظاهريًا عند تطبيقها على نظام الحكومة البريطاني، الذي يمكن أن يقال عنه إنّ البرلمان فيه يملك السلطة العليا وغير مقَّيَد دستوريًا. إلا أنها تواجه صعوبات واضحة عند تطبيقها على
أغلب الديمقراطيات الدستورية الأخرى، كالتي يجدها المرء في الولايات المتحدة الأميركية، وكندا،
((2(والوتشو، ص.5
(30) Kramer, H.L.A. Hart the Nature of Law , p. 56.
((3(جيرمي بنثام (1832–1748) فيلسوف وقانوني إنكليزي يعدّ مؤسس المذهب النفعي الحديث. ارتكزت رؤيته على مبدأ تعظيم
المنفعة وتحقيق أقصى قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس، وقد أثّر بفكره في مجالات الأخلاق والقانون والإصلاح الاجتماعي.
(32) Hart, "Positivism and the Separation of Law and Morals," p. 599. (33) Hart, The Concept of Law , p. 67.
والمكسيك وألمانيا، فمن الواضح جدًا أن سلطات الحكومة فيها مقَّيَدة بموجب الدستور"، وهذا
دفع هارت إلى اعتبار نظرية أوستن متعارضة مع فهمنا العادي للقانون، بل رآها تشِّوِه طبيعة القانون في
العديد من الدول الحديثة التي لا يمكن أن يشكك أحد في أنها قائمة على القانون، حيث توجد دساتير وقوانين تحدد بوضوح مختلف السلطات وتقيّدها وتمنعها من تجاوز حدود معيّنة. ولا يوجد شخص
أو جهة تتمتع بسلطة مطلقة خارج نطاق القانون. لهذا، سلّط هارت الضوء على بعض مصادر الارتباك في نظرية أوستن، ومنها فكرة أنّ أيّ قيود قانونية على سلطة صاحب السيادة يجب أن تنشأ عن واجبات قانونية. ويرى هارت أن هذه الفكرة قد تؤدي إلى سوء فهم كبير؛ لأنها تفترض أن فرض أيّ قيود قانونية يعني فرض واجبات قانونية على صاحب السيادة. ومع ذلك، حتى إذا قبلنا بصحة هذه الفكرة، فإنها لا تستبعد إمكانية وجود قيود قانونية على صاحب السيادة. فقد لاحظ بنثام أنه "يمكن تفعيل الواجبات القانونية التي تقع على عاتق هيئة سيادية من خلال آليات مثل المراجعة القضائية. وتصبح إمكانية فرض قيود قانونية على نفوذ صاحب السيادة أشد وضوحًا عندما ندرك أن هذه القيود لا تفرض واجبات قانونية، بل تحجب سلطات قانونية
محددة". على سبيل المثال، يمكن أن يقيّد الدستور المكتوب اختصاص السلطة التشريعية من
خلال استبعاد بعض الأمور تمامًا عن نطاق اختصاصها التشريعي. اضطلع هارت، أولًا، بإثبات أنّ القيود القانونية على السلطة التشريعية فكرة متماسكة تمامًا، وليست متناقضة أو غير منطقية. ولهذا، يعود مجددًا إلى العالم البسيط للملك ريكس، الذي يمثل المشرّع
الأعلى في مجتمعه. ويدعونا إلى أن نتخيل مجتمعًا بسيطًا توجد فيه قاعدة مقبولة على نحو عام من المحاكم والمسؤولين والمواطنين. هذه القاعدة المقبولة، سواء أكانت منصوصًا عليها في دستور مكتوب أم لا، إذا نصّت على أنّ "أيّ قانون يصدره ريكس لن يكون صالحًا إذا استبعد السكان
الأصليين من الإقليم، أو أمر بسجنهم من دون محاكمة، فإن أيّ تشريع يتعارض مع هذه القاعدة سيُعتبر باطل ". من منظور هارت، فإنه على عكس الرأي العام الذي قد يذعن له صاحب السيادة أو يتجاهله، لن يؤثر ذلك في شرعية قوانينه. أما تجاهل القيود المحدّدة فيجعل تشريعاته باطلة. ويعني ذلك أن الدستور الذي يقيّد فعلًا سلطات الهيئة التشريعية العليا في النظام لا يفعل ذلك بفرض واجبات قانونية على
الهيئة التشريعية، بل "يفرض موانع قانونية Legal Disabilities. لا تعني 'القيود' هنا وجود الواجب بل تعني غياب السلطة القانونية"؛ أي إن القيود لا تعني وجود واجبات قانونية، بل تعني غياب سلطات قانونية معيّنة.
((3(والوتشو، ص.5
(35) Kramer, H.L.A. Hart the Nature of Law , p. 56. (36) Hart, The Concept of Law , pp. 68–69. (37) Ibid., p. 69.
يميّز هارت بدقّة بين فرض واجب قانوني قابل للتنفيذ يفرض على المشرّع التشريع بطريقة معينة، وهو
ما يمكن أن يتعارض مع فكرة السلطة العليا، وحجب السلطة القانونية عن التشريع بطرائق معينة. في حالة ريكس، تكون صلاحياته في التشريع خاضعة لقيود قانونية بالتأكيد، إلا أنه باستثناء مجال هذه القيود يظل النظام القانوني في مجتمعه مستقلًا، وتظل تشريعاته قوانين سارية ضمن نطاق صلاحياته. يعني هذا أن كل ما يشرّعه ريكس يُعتبر قانونًا يجري به العمل، باستثناء ما عطّلته القيود القانونية،
ومنعت التشريع ضمنه. ويرى هارت أن التفرقة بين الواجبات والموانع، في حد ذاتها، لا تُعتبر حلًا كافيًا لتفادي عيوب نظرية
أوستن. فحتى عند وجود قيود قانونية، يظل من الصعب تفسير هذه القيود بالاعتماد على مفهوم "عادة الطاعة" وحده. فقد يَخضع ريكس لهذه القيود من دون أن يحاول تجاوزها، وفي الوقت نفسه، قد يطيع
شخصًا آخر. ويفترض هارت، ليوضح هذه الفكرة أكثر، وجود ملك إقليم مجاور يدعى تيرانوس Tyrannus. وغياب قيود قانونية على سلطة ريكس في التشريع لا ينفي وحده، مثلًا، حقيقة أنه قد يطيع عادةً أوامر تيرانوس، بل إن أوامر ريكس وتشريعاته لن تفقد مكانتها ووضعها بوصفها قوانين حتى لو كانت مطابقة لأوامر الملك المجاور، ولن يظهر نظام ريكس القانوني على الإطلاق بأنه جزء تابع لنظام آخر. يعني هذا أن إقامة النظام القانوني، بالاعتماد فقط على أوامر صاحب السيادة وعلى انضباطه للقيود القانونية، قد تُسقط النظرية بأسرها. فربما تكون أوامر صاحب السيادة محاكاة لقوانين فرضها عليه حاكم مجاور؛ ما ينفي عنه السيادة الحقيقية، فضلًا عن أن تكون مطلقة. من خلال هذا التحليل، يستخلص هارت خمس نقاط يحجبها مفهوم السيادة الأوستيني، الذي يُلزمنا
بإرجاع أي قانون إلى مشرّعٍ"صاحب سيادة لامحدود السلطة" سواء بمعنى أن سلطته غير مقيدة قانونًا،
أو بمعنى أنه شخص لا يطيع غيره عادةً. وهذه النقاط بالنسبة إلى هارت حيوية لفهم أساس النظام القانوني. ويمكننا أن نلخّصها كما يلي: أ. القيود القانونية على السلطة التشريعية ليست واجبات مفروضة على المشرّع: يبيّن هارت أن
القيود القانونية لا تُلزم المشرّع بأداء واجب معيّن أو طاعة مشرّع أعلى منه. بل إن هذه القيود تأتي
على شكل موانع تَرِد في القواعد القانونية التي تمنح المشرّع سلطاته وتؤهله للتشريع؛ ما يعني
أن المشرّع يمارس سلطاته ضمن حدود معينة تحددها القواعد القانونية، وليس بسبب واجبات
قانونية مفروضة عليه لطاعة شخص أو سلطة أخرى. ب. شروط صحة التشريع تعتمد على القواعد القائمة والقيود المحَّدَدة فيها: لنثبت أن تشريعًا ما هو قانون صحيح ونافذ، يتعين أن نبيّن أنّ من وضعه مشرّع مؤهل للتشريع وبموجب قواعد قانونية
(38) Green, p. 1705. (39) Hart, The Concept of Law , pp. 70–71.
قائمة، وفي القواعد التي تحدّد صلاحيات المشرّع لا توجد أيّ قيود تؤثر في هذا التشريع بالتحديد؛
أي إن صحة التشريع لا تعتمد على إرادة المشرّع أو سلطته فحسب، بل تعتمد أيضًا على الامتثال
للقواعد القانونية والقيود المحددة فيها. فهذه القواعد هي التي تمنح التشريع صفته القانونية. ج. استقلالية النظام القانوني لا تعني وجود سلطة غير مقيدة داخل الدولة: لإثبات استقلالية النظام القانوني يكفي، في نظر هارت، أن نبيّن أن القواعد التي تؤهل المشرّع لا تمنح سلطة عليا
لجهات أجنبية خارجية أو لمن لديهم سلطة على أقاليم أخرى. ولا تعني الاستقلالية أو عدم الخضوع لسلطة أجنبية أبدًا أن يتمتع المشرّع بسلطة غير مقيدة داخل أراضيه، بل يمكن أن توجد
قيود قانونية داخلية تنظّم عمله وتحدّد نطاق سلطاته. د. التمييز بين السلطة التشريعية العليا والسلطة غير المحدودة قانونًا: يجب أن نميز بين سلطة تشريعية لا محدودة قانونًا Legally Unlimited Legislative Authority، وسلطة تشريعية، رغم كونها محدودة، هي السلطة العليا في النظام. فإن كان ريكس هو أعلى سلطة تشريعية في قانون البلد، فهذا يعني أن في إمكانه إلغاء تشريعات غيره، حتى إن كانت تشريعاته مقيدة بدستور. ه. دلالة عدم الطاعة المعتادة للآخرين ليست دليلًا قاطعًا على السيادة المطلقة: تتمثل الأهمية الوحيدة لواقع عدم امتثال المشرّع لأوامر الآخرين على نحو معتاد في أنه دليل على أن سلطته
التشريعية غير خاضعة لسلطة الآخرين، سواء بموجب قاعدة دستورية أو قانونية، رغم بُعد هذا
الدليل عن أن يكون قاطعًا كما رأينا في مثال تيرانوس. وبالمثل، يرى هارت أن الأهمية الوحيدة لواقع طاعة المشرّع، على نحو معتاد، لشخص آخر تكمن في أنها تقدّم دليلًا على أن سلطته
التشريعية تابعة لسلطة الآخرين، استنادًا إلى القواعد المرعية. أما إذا انتقلنا من مثال ريكس ونظرنا إلى الدول الحديثة، فإننا نجد العديد من الأنظمة القانونية تفرض قيودًا قانونية على السلطات التشريعية العليا في ممارسة صلاحياتها. وعلى الرغم من ذلك، يتّفق المحامون والمنظّرون القانونيون على أن التشريعات الصادرة ضمن نطاق هذه الصلاحيات المحدّدة تعدّ قوانين ملزمة وشرعية. يقدّم هارت عدة أمثلة من دساتير الولايات المتحدة أو أستراليا. في هذه الدول، يمنع الدستور المكتوب السلطة التشريعية من سنّ قوانين في مجالات معينة، ويحدّ من قدرتها على تعديل بعض الحقوق الفردية من خلال الإجراءات التشريعية العادية. على سبيل المثال، إذا حاولت السلطة التشريعية تغيير التقسيم الفدرالي للسلطات أو المساس بالحقوق الفردية المحمية، فإن هذا يُعتبر تجاوزًا للصلاحيات
الدستورية. في مثل هذه الحالات، يمكن المحاكم أن تعلن بطلان هذه التشريعات لأنها تتعارض مع الدستور. ومن أبرز القيود القانونية على السلطات التشريعية التعديل الخامس لدستور الولايات المتحدة، الذي ينص على أنه لا يجوز حرمان أي شخص من "الحياة أو الحرية أو الملكية من دون الإجراءات القانونية
الواجبة". إذا أصدر الكونغرس قوانين أساسية وُجِد أنها تتعارض مع هذا التعديل، أو مع قيود دستورية أخرى، يمكن أن تحكم المحاكم ببطلان هذه القوانين. يتوقف هارت مطوّلًا عند ادعاء أوستن بأنّ وجود القانون يفترض بالضرورة وجود سيادة غير قابلة للتقييد
القانوني، حتى إن بدت السلطات السيادية مقيدة قانونًا في الواجهة. ويتطلب ذلك الغوص عميقًا من أجل البحث عن هذه السيادة المطلقة التي تكمن خلف السلطات التشريعية المقيدة والمحدودة قانونًا. يدفع هذا هارت إلى أن يستعرض إمكانيات تعديل الدستور التي قد تتخفى ضمنها هذه "السيادة المطلقة". ففي بعض الأنظمة يمكن أن تعمل الهيئة التشريعية على الالتفاف حول القيود القانونية المفروضة عليها، وتتملص منها من خلال إجراءات تعديل الدستور. وهذا الأمر ليس ممكنًا دائمًا، فبعض القيود الدستورية تكون محصّنة وغير قابلة للتعديل بسهولة، أو تتطلب إجراءات خاصة ومعقدة. وتحتوي معظم الدساتير على آليات محددة لتعديلها، وقد تكون معقدة وتتطلب مشاركة جهات متعددة. في بعض الحالات، تتمتع هيئة خاصة بصلاحية تعديل الدستور، وليس الهيئة التشريعية العادية. في حالات أخرى، يمكن أعضاء الهيئة التشريعية تعديل الدستور، من خلال إجراءات خاصة تختلف عن تلك المستخدمة في سنّ القوانين العادية. ساق هارت أمثلة من دول مثل الولايات المتحدة وسويسرا وجنوب أفريقيا، حيث توجد طرائق مختلفة ومتعددة لتعديل الدستور. ويشير هذا التنوع في الآليات إلى أن عملية تعديل الدستور غالبًا ما تكون
منفصلة عن الصلاحيات العادية للسلطة التشريعية. ومن خلال دراسة هذه الأنظمة القانونية المختلفة، يستنتج هارت أن ربط السيادة بالسلطة التشريعية يصبح مشكلة عويصة؛ لأنه من الواضح أن عملية تعديل الدستور تقع خارج نطاق صلاحيات هذه السلطة وحدها؛ ما يعني أنها ليست هي صاحبة السيادة المطلقة. يشير هارت إلى أن أوستن نفسه قد تنبّه لهذه الثغرة، وحاول تقديم تفسير لحلّها. لكنّ هذا التفسير، في
نظر هارت، يبتعد عن النظرية الأصلية التي قدّمها أوستن حول السيادة المطلقة غير المقيدة.
2. إعادة تحديد "موضع" السيادة
تواجه نظرية أوستن، الرافضة لأي تقييد قانوني لصاحب السيادة، صعوبات في تفسير التنوع الموجود في الأنظمة القانونية الحديثة على نحو متسق. وينبّه هارت إلى أن أوستن نفسه لم يطابق مطابقة
مباشرة بين صاحب السيادة والهيئة التشريعية، حتى في إنكلترا. كان هذا رأيه، بالرغم من أنّ الملكة في البرلمان، وفقًا للمبدأ المقبول عمومًا، لا تخضع لأي قيود قانونية على سلطتها التشريعية، ويُستشهد بها نموذجًا ل "الهيئة التشريعية ذات السيادة"، على عكس الكونغرس الأميركي أو الهيئات التشريعية
الأخرى المقيّدة بدستور صارم.
(40) Ibid., p. 72.
لجأ أوستن، ليتهرب من الثغرة الواضحة التي بدت جليّة في نظريته، إلى مفهوم السيادة الشعبية Popular
Sovereignty، الذي يفترض أن السلطة السيادية تكمن في الشعب في نهاية المطاف. وبذلك، يمكن أن تقَّيَد الأجهزة الحكومية، مثل البرلمان والرئاسة والقضاء، بموجب القانون الدستوري، بينما يبقى
الشعب هو صاحب السيادة غير المقَّيَدة. وفقًا لهذا التصور، فالناخبون هم أصحاب السيادة
الفعليون، في حين يُعدّ المنتَخبون أمناء على السلطة الممنوحة لهم. يرى هارت أن هذا التحول في تعريف السيادة يقِّلِص الفرق بين الأنظمة القانونية التي تكون فيها الهيئة التشريعية خالية من القيود القانونية وتلك التي تخضع لهذه القيود، إلى مجرد اختلاف في كيفية ممارسة الناخبين لسلطاتهم السيادية. وهكذا حين يصير "صاحب" السيادة هو جمهور الناخبين تتمكّن النظرية من تقديم تفسير يخلّصها من مأزق مقدماتها. لكنّ المشكلة تكمن في أن هذا التعريف يتعارض مع النظرية البسيطة للقانون باعتباره أوامر صادرة عن صاحب سيادة تطيعه عادةً الرعايا. يُحدث تعريف الشعب باعتباره صاحب سيادة تعقيدًا كبيرًا في النظرية، إن لم يكن تحولًا جذريًا فيها.
ويتطلب هذا، في نظر هارت، أن نعطي معنى جديدًا ومختلفًا كليًا للمفاهيم الأساسية، مثل "عادة
الطاعة". فصاحب السيادة "الأوستني" يُفترض فيه أن يكون فردًا محدّدًا أو مجموعة من الأفراد الذين
تشِّكِل أوامرهم القانون عند الغالبية من الناس. لكن عندما نعِّرِف الآمرين بأنهم الناس أنفسهم، فإنه
لا محالة سنواجه النتيجة المتناقضة التي حدّدها هارت: الآمرون يأمرون الآمرين. باختصار، نحن ننزلق إلى اللامنطقية. وهذا "التوسع" في فهم صاحب السيادة جعل هارت يشير إلى أن الناخبين إن صاروا أصحاب سيادة، فإن "العلاقة الهرمية بين الطاعة والقيادة ستختفي". وعلى الرغم من هذا التجاوز الكبير للمفاهيم، فإن هارت يؤكد أن المخطط البسيط لعادات الطاعة والأوامر لا يكفي لتحقيق هذا الغرض. فإذا تخيّلنا مجموعة اجتماعية من البالغين العقلاء، يشكلون
"الجزء الأكبر" من الشعب، ويحق للجميع التصويت، وحاولنا أن نعامل الناخبين باعتبارهم أصحاب السيادة ونطبّق عليهم تعريفات النظرية الأصلية، سنجد أنفسنا نقول إن "الجزء الأكبر" من المجتمع
هنا يطيع نفسه عادةً؛ أي إننا أمام مجتمع تطيع فيه الأغلبية الأوامر التي تصدرها الأغلبية أو الجميع، وبالتأكيد ليس لدينا هنا "أوامر" بالمعنى الأصلي (أي التعبير عن النية بأن يتصرف الآخرون بطرائق معينة)، وحتى "الطاعة" ليست بمعناها كذلك. إضافةً إلى ذلك، يجادل هارت بأن محاولة التمييز بين الأفراد "بصفتهم الخاصة" و"بصفتهم الرسمية" لا تنقذ النظرية، حتى لو كنا مستعدين للقول إن الأفراد بصفتهم الرسمية يشكّلون شخصًا آخر. فالقول
إن مجموعة من الأشخاص أصدروا أمرًا أو انتخبوا ممثلًا لهم "بصفتهم الرسمية"، وليس "باعتبارهم
أفرادًا"، لا يدلّ إّلا على امتلاكهم صلاحيات منحتها إياهم قواعد معينة، تحدّد ما يجب عليهم القيام
((4(والوتشو، ص.6–5 ((4(المرجع نفسه، ص.6
(43) Eleftheriadis, "Hart on Sovereignty," p. 127.
به لجعل الانتخاب أو القانون صحيحًا. وبالرجوع إلى مثل هذه القواعد فقط، يمكننا تعريف شيء
ما على أنه عملية انتخاب أو صُنع قانون صادر عن هذه المجموعة. يعتمد هذا التمييز المقترح على وجود قواعد تمنح السلطة وتحدّد الإجراءات، وهو يتعارض مع نظرية أوستن التي تتجاهل دور القواعد في منح السلطة وترِّكِز على الأوامر والتهديد بالعقاب. وهذه القواعد لا يمكن أن تصَّنَف أوامر، ولا يتطلب الامتثال لها طاعة بالمعنى التقليدي، بل تمنح الأفراد
والمؤسسات قدرات معيارية لتحقيق نتائج معينة، مثل سنّ القوانين أو إجراء الانتخابات أو تكوين العقود وتوريث الممتلكات. يضاف إلى هذا أنّ القواعد التي تحدّد إجراءات الهيئة الناخبة أو الناخبين هي نفسها التي يطيع بموجبها المجتمع، بصفته أفرادًا، نفسه باعتباره هيئة انتخابية. ولا تشير جملة "نفسه باعتباره هيئة انتخابية" إلى شخص يمكن تعريفه بمعزل عن القواعد. ويمكن القول إن القواعد تحدد الشروط التي بموجبها يطاع الأشخاص المنتخبون عادة. وهنا نعود إلى "شكل من أشكال النظرية التي تُسند السيادة إلى السلطة التشريعية لا إلى الناخبين. بحيث تبقى جميع الإشكاليات الناشئة عن خضوع هذه الهيئة التشريعية لقيود قانونية تحدّ من سلطاتها من دون حل". ويخلص هارت إلى أن محاولة أوستن إنقاذ نظريته بإسناد السيادة إلى الشعب، واعتباره صاحب السيادة الذي لا يطيع أحدًا، لا تفضي إلى حلّ المأزق، بل تدور في حلقة مفرغة، تنتهي إلى إعادة إنتاج التناقضات ذاتها. القانون، في نظر هارت، ليس أوامر مدعومة بالتهديد، بل هو نظام من القواعد. ولتوضيح طبيعتها، يبيّن
أنّها ليست أمرًا يُفرض بالقوة، بل هي معيار سلوكي ملزم يحظى بقبول الأشخاص المعنيين، ويستمد
شرعيته من أهليّة واضعه. "فلا يمكن أن تكون القاعدة إجبارية فقط لأن شخصًا يمتلك قوة مادية أرادها
أن تكون كذلك، إذ لا بد أن يكون ذاك الشخص مؤهلًا لوضعها حتى تغدو قاعدة قانونية. وهذه الأهلية تمنحها له قاعدة أخرى من قبل على صفة تجعلها ملزمة للمعنيين بها". وهذا ما يميّز القانون من
أوامر قاطع طريق. لا تتميز الأنظمة القانونية بامتلاكها قواعد أولية فحسب، كما في المجتمعات البدائية، بل تتميز أيضًا بالقواعد الثانوية التي تُمنح، في نظر هارت، السلطة في صناعة القواعد الأولية وتعديلها وإلغائها، وكذلك معالجة الخروقات. وتوجد على رأس القواعد الثانوية قاعدة التعرّف، إضافةً إلى قواعد التغيير
وقواعد الحكم القضائي. فقاعدة التعرّف تحدّد معايير صلاحية القواعد وتضع المقياس الذي يميّز
القاعدة القانونية من غيرها، ما يُكسبها قوة الإلزام والنفاذ، وهي ما يحدّد رسميًا المعايير التي تنتمي إلى
النظام القانوني وتوجّه سلوك أفراد المجتمع. بينما تمنح قواعد التغيير Rules of Change المشرّعين
(44) Kramer, "The Concept of Law and Political Philosophy," p. 18. (45) Hart, The Concept of Law , p. 77.
((4(دوركيين، ص.71–70
سلطة إنشاء القواعد الأولية وتعديلها وإزالتها. وتمنح قواعد الحُكم القضائي Rules of Adjudication
للقضاة نفوذ تحديد كيفيات انتهاك القواعد الأوليّة، وتتيح لهم إصدار الأحكام عند انتهاكها. وحين
يطيع المجتمع القواعد الأولية ويتقيّد المسؤولون بقواعد التغيير والحُكم القضائي، ويُجمِع الكل على
قاعدة التعرّف، نكون آنذاك أمام منظومة قانونية. هكذا رأى هارت أن إدخال القواعد الثانوية إلى المجتمع، لا يقلّ أهمية عن اختراع العجلة. فهذه الخطوة ليست تحسينًا مهمًا فقط، إنها انتقال جوهري من حالة "ما قبل القانون" إلى نظام قانوني
متكامل وقابل للتطور. تكمن مساهمة هارت النوعية في طرحه نظرية عامة للقواعد لا تستند إلى القوة المادية لواضعها أو إلى وجود هذه القواعد ضمن نظام قانوني مغلق فحسب، بل تعترف بقبول المجتمع لهذه القواعد وبممارسته لها؛ إذ إن فحص هارت لمختلف أشكال وضع القواعد، مع مراعاة التمييز بين القواعد الأولية والثانوية، يؤدي إلى الكشف عن مصدرَين محتملَين لسلطة القاعدة: إما أن تصبح القاعدة ملزمة لمجموعة من
الأشخاص؛ لأنهم يقبلون بها ويعتبرونها نموذجًا سلوكيًا ملزمًا ومبررًا لالتزامهم بها ولانتقاد سلوك من
يخالفها. وإما أن تصبح القاعدة ملزمة على نحو مختلف تمامًا، وذلك عندما تُسنّ وفقًا لقاعدة ثانوية
تنصّ صراحة على أن القواعد الموضوعة على هذا النحو تكون ملزمة، وهذا ما يمنحها صفة الصحّة
.Validity
يميّز هارت بين القواعد المُلزِمة بالتصديق عليها (القبول المجتمعي) وتلك المُلزِمة بالصحة (وضعها
وفق إجراءات معتمدة) للتأكيد على أمرين أساسين؛ فهو يثبت من جهة استقلالية القانون باعتباره نظامًا من القواعد، لا أوامر فقط. فهو يضيف عنصرًا أساسيًا آخر، هو البعد المجتمعي وقبول الفاعلين
القانونيين، لا الاكتفاء بتصوّره باعتباره سلطة تفرض أوامرها بالقوة.
خاتمة
أسهم أوستن في تطوير النظرية القانونية بترسيخه الفصل بين القانون والأخلاق، وتركيزه على دراسة المفاهيم القانونية وتحليلها لفهم طبيعته. ورأى أن القانون مجموعة من الأوامر العامة الصادرة عن صاحب سيادة، تدعمها التهديدات بالعقاب. وعلى الرغم من أن أفكار أوستن ساعدت في توضيح بعض الجوانب الأساسية لطبيعة القانون، فإن نظريته أظهرت قصورًا في تفسير تعقيدات الأنظمة
القانونية الحديثة. أثّر نقد هارت الموجّه إلى أوستن تأثيرًا كبيرًا في تطوير الوضعية القانونية والفكر القانوني الحديث.
وأسهمت أفكاره في أن يحظى بمكانة مرموقة، خاصة أنها عمّقت فهمنا لطبيعة القانون، وأسهمت في
تجاوز عيوب أطروحات سابقيه. فقد أظهر أنّ أطروحة أوستن، القائمة على "عادة الطاعة" والأوامر
(47) Hart, The Concept of Law , p. 42.
((4(دوركيين، ص.71
المدعومة بالتهديد، تعجز عن تفسير كيفية انتقال السلطة التشريعية بسلاسة من مشرّع إلى آخر،
واستمرار نفاذ القوانين بعد وفاة واضعيها أو تغيّر من اعتادوا طاعتها، فضلًا عن أنه لم يتمكن من فهم
القيود القانونية المفروضة على السلطات التشريعية نفسها. فبينما يركّز أوستن على العادات والامتثال القسري، يشدّد هارت على ضرورة وجود قواعد مقبولة اجتماعيًا تمنح الشرعية للمشرّعين الجدد،
وتضفي على القوانين قدرة على البقاء حتى بعد زوال صانعها، وتحدّ، في الوقت ذاته، من حرية صاحب السيادة المطلقة. يتضمن النظام القانوني، في رأي هارت، قواعد أولية تحدد الأفعال والسلوكيات المطلوبة، وقواعد ثانوية تمنح السلطات وتحدد إجراءات سن القوانين وتعديلها. وقد ميّز بينهما ليوضح أن النظام
القانوني يحتاج إلى قواعد تنظّم عملية إنشاء القوانين وتعديلها وتفسيرها، وبهذا يمكن أن يتطوّر
القانون باستمرار، وأن يعمل بفاعلية من دون الاعتماد على سلطة مطلقة واحدة. ويمكننا القول إن القواعد الثانوية، وعلى رأسها قاعدة التعرّف، إضافة إلى قواعد التغيير وقواعد الحكم القضائي، تؤدي
في نظرية هارت دورًا مشابهًا للسيادة في نظرية أوستن. سلطت الدراسة الضوء على بعض الجوانب المهمّة التي أسهم بها هارت في تطوير الفلسفة القانونية،
وذلك عن طريق تحليل النقد الذي وجّهه إلى مفهوم السيادة كما قدّمه أوستن. وأظهرت أن الدفاع
عن السيادة المطلقة لا يقتصر على التناقض مع الواقع، بل يقود أيضًا النظرية نفسها إلى الوقوع في اللامنطقية وانعدام الاتساق.
References
المراجع
العربية
أبو العلا، محمد عبده. "جدل القانون والأخلاق في النظرية القانونية الأنجلو–أمريكية: هارت ودووركين نموذجًا". عالم الفكر. العدد 170 (أكتوبر [/ تشرين الأول]–ديسمبر[/ كانون الأول].)2016 ألكسي، روبرت. فلسفة القانون: مفهوم القانون وسريانه. ترجمة كامل السالك. ط 2. بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية،.2013 بن غريب، رابح. "دراسة نقدية في فلسفة القانون عند أوستن". الاستغراب. العدد).2024(34 تروبير، ميشيل. فلسفة القانون. ترجمة جورج سعد. بيروت: دار الأنوار للنشر والتوزيع،.2004 دوركيين، رونالد. أخذ الحقوق على محمل الجدّ. ترجمة منير الكشو. تونس: منشورات المركز الوطني للترجمة – دار سيناترا،.2015 فريدمان، بينوا وغي هاشر. فلسفة القانون. ترجمة محمد وطفة. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.2002
الأجنبية
Almeida, Luís Duarte d’, James Edwards & Andrea Dolcetti (eds.). Reading H. L. A. Hart’s The Concept of Law. Oxford: Hart Publishing, 2013. Dyzenhaus, David & Thomas Poole (eds.). Law, Liberty and State: Oakeshott, Hayek and Schmitt on the Rule of Law. Cambridge: Cambridge University Press, 2015. Eleftheriadis, Pavlos. "Law and Sovereignty." Law and Philosophy. vol. 29, no. 5 (September 2010). Green, Leslie. "The Concept of Law Revisited." Michigan Law Review. vol. 94, no. 6
Hart, H. L. A. "Positivism and the Separation of Law and Morals." Harvard Law Review. vol. 71, no. 4 (February 1958). _________. The Concept of Law. 2 nd ed. Oxford: Oxford University Press, 1994. _________. Le concept de droit. Michel Van de Kerchove (trad.). 2 ème éd. Bruxelles: Publications des Facultés universitaires Saint Louis, 2005. Kramer, Matthew H. (ed.). The Legacy of H. L. A. Hart: Legal, Political, and Moral Philosophy. Oxford: Oxford University Press, 2008. ________. "The Concept of Law and Political Philosophy." University of Cambridge Faculty of Law Research Paper No. 41/2014, Oxford Handbook of Classics in Political Theory (July 2014). at: https://acr.ps/1L9GQ3z _________. H. L. A. Hart: The Nature of Law. Cambridge/ Medford: Polity Press, 2018.