Return to Article Details Islam and Liberal Citizenship: The Search for an Overlapping Consensus

الإسلام والمواطنة الليبرالية: بحثًًا عن إجماع متشابك

Book Review: Islam and Liberal Citizenship: The Search for an Overlapping Consensus by Andrew F. Marsh

شريف سعد عطية *

Sherif Saad Attia *

الملخّص

عنوان الكتاب: الإسلام والمواطَنة الليبرالية: بحثًا عن إجماع متشابك. عنوان الكتاب في لغته: Islam and Liberal Citizenship: The Search for an Overlapping Consensus المؤلف: أندرو ف. مارش Andrew F. Marsh. المترجمة: يمنى طريف الخولي. الناشر: بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع. سنة النشر: 2022. عدد الصفحات: 649.

Abstract

Islam and Liberal Citizenship: The Search for an عنوان الكتاب في لغته: Overlapping Consensus.

الكلمات المفتاحية:
  • المواطنة
  • الإسلام
  • الديمقراطية
  • الليبرالية
  • الفلسفة السياسية
Keywords:
  • Citizenship
  • Islam
  • Liberalism
  • Democracy
  • Political Philosophy

عنوان الكتاب:

المؤلف: المترجمة: يمنى طريف الخولي. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات: كلمات مفتاحية:

أندرو ف. مارش Andrew F. Marsh.

بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع.

المواطنة الليبرالية، الإجماع المتشابك، العقد، الدعوة، الموالاة.

مقدمة

يحاول أستاذ العلوم السياسية، المتخصص في الفلسفة السياسية والفكر السياسي الإسلامي في جامعة ماساتشوستس، أندرو ف. مارش، الإجابة عن سؤال: هل يمكن أن يكون المسلمون، الذين هاجروا وتوطنوا ديمقراطيات ليبرالية غربية، مواطنين صالحين فيها، من منطلقات نابعة من تقاليدهم الأخلاقية "الشمولية؟". بعبارة أخرى، هل أنّ للمواطنة تقاليد تتوافق مع الإسلام السنّي، وتنسجم مع الديمقراطية الليبرالية في الدول الغربية أيضًا؟ أجاب المؤلف عن هذا السؤال بالإيجاب، مشيرًا إلى أن بعض مقولات المواطنة الليبرالية تنسجم مع الآراء الإسلامية المحافظة والتراثية، وإن كان المسلمون في حاجة أحيانًا إلى الاستعانة بآراء أكثر حداثة. وقد أتى جوابه هذا في أثناء الجدل الدائر حول القضايا المتعلقة بالمسلمين في الدول الغربية؛ من قبيل ربط الهوية الإسلامية بالإرهاب، وادعاء أن الإسلام يشكّل خطرًا على استقرار الدول الغربية، وحجاب الفتيات المسلمات في المدارس الفرنسية، والرسوم الكاريكاتورية الدنماركية المسيئة للنبي محمد، والمحاكم العرفية في كندا، وغيرها من القضايا المثارة في هذا الصدد. الكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه، قَّدَمها الباحث في جامعة أكسفورد، وحصلت على جائزة أفضل الرسائل المتميزة من أكاديمية دراسات الدين في الولايات المتحدة الأميركية عام 20091. وقد ترجمته يمنى طريف الخولي، أستاذة فلسفة العلوم ومناهج البحث في جامعة القاهرة، التي تتركز اهتماماتها في قضايا الفكر الإسلامي والحوار بين الثقافات وفلسفة العلوم والفلسفة النسوية. وألحقت بالكتاب معجمًا للمصطلحات الواردة فيه. فجاء في ستمئةٍ وخمسين صفحة، وحاز جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي عام 20233. يتألف الكتاب من ثلاثة أبواب رئيسة. جاء الباب الأول في فصلين، بعنوان "النظرية السياسية التبريرية المقارنة: البحث عن إجماع متشابك انطلاقًا من 'الحدس الافتراضي'"، وقد قارن فيه المؤلف بين أخلاقيات مختلفة؛ باحثًا عن نقاط التوافق أو التقارب الأخلاقي بين الثقافات أو التقاليد المختلفة. وطرح في الباب الثاني بعنوان "الإسلام والمواطنة الليبرالية: أنماط من الخلاف الخلقي والتوفيق المُمَبدَأ"، في فصلين، أدلة على احتمال وجود خلاف فقهي وعقائدي إسلامي مع المواطنة الليبرالية، ثم تطرق إلى مجموعة محددة من القضايا الإسلامية التي تؤيد المواطنة الليبرالية وتتوافق معها. وأبرز في الباب الثالث بعنوان "إجازات إسلامية للمواطنة الليبرالية"، في أربعة فصول، وجود حجج إسلامية قوية وأصيلة لقبول المطالب الأساسية للمواطنة الليبرالية، مقتبسة من نصوص الفقه الإسلامي التراثي ومن الخطابات الإسلامية المعاصرة. وتعالج هذه الحجج القضايا التي تواجه المسلمين الذين يعيشون في دولة غير مسلمة، وتحديدًا في الدول الليبرالية الغربية، والتي تفضي إلى إجماع متشابك بينهما.

  1. "Book Awards – Awards for Excellence in the Study of Religion – Past Winners 2009,"American Academy of Religion, accessed on 1/9/2025, at: https://acr.ps/1L9GPga "يمنى طريف الخولي"، جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي، 2023/12/12، شوهد في 2025/8/20، في: https://acr.ps/1L9GQ3F

نقطة الانطلاق

انطلق المؤلف في عمله من النظرية السياسية لفيلسوف الليبرالية، جون رولز John Rawls (1921–2002)، الذي يرى أن الديمقراطيات الليبرالية لا تشترط أن يؤمن المواطنون جميعًا بمعتقد شمولي واحد؛ بالدين نفسه أو النظرة إلى العالم عينها. بل إن أنظمة المعتقدات المختلفة التي يسميها رولز "المذاهب الشاملة"، مثل: الإسلام، والمسيحية، والنزعة الإنسانية العلمانية، يمكنها أن تتفق على دعم النظام السياسي نفسه، ويمكن أن يكون لكل مذهب منها أسبابه الخاصة. ويطلق رولز على هذا الاتفاق اسم الإجماع المتشابك. باختصار، ما دامت الدولة الليبرالية لا تشترط الاتفاق على الحقائق الدينية أو الفلسفية المطلقة، فلا يزال في إمكان الأشخاص الذين ينتمون إلى خلفيات فكرية مختلفة التعاون سياسيًا. وقد قارن المؤلف فكرة الإجماع المتشابك بأخلاقيات الخطاب Discourse Ethics، خصوصًا لدى يورغن هابرماس Jürgen Habermas 1929(–)، وسيلا بن حبيب Seyla Benhabib (1950–)، إذ يحاول هذا الإجماع إدراج المنطق الديني في دعم الليبرالية، بينما تنحو "أخلاقيات الخطاب" نحو تبرير المعايير الأخلاقية والسياسية، استنادًا إلى العقلانية الشاملة؛ أي إلى الحجج التي يمكن أن يقبلها أي شخص عاقل من حيث المبدأ، بغض النظر عن دينه أو نظرته إلى العالم. وقد مال مارش إلى دعم الإجماع المتشابك في مواجهة أخلاقيات الخطاب؛ لأن القواعد الدستورية الأساسية في المجتمعات الليبرالية لا يمكن تبريرها أو فرضها فقط من خلال حوار عقلاني محايد ومجرد كما هو الشأن في أخلاقيات الخطاب، بل يجب إفساح المجال للمبررات الدينية والثقافية المتنوعة مثل تلك المبررات التي يقدمها المسلمون من داخل تراثهم ضمن إطار الإجماع المتشابك. ومثال ذلك قول المفكر الماليزي، محمد هاشم كمالي، إن "حرية الدين، في سياقها الإسلامي، تعني عدم إجبار غير المسلمين على اعتناق الإسلام، وعدم منعهم من ممارسة شعائرهم الدينية"4. وتتسق حرية الدين مع حرية الضمير في الليبرالية على نحو يحقق إجماعًا متشابكًا، ويبرر مارش ذلك بثلاثة أسباب، هي: 1. المعايير الخلقية التي تدعمها القوانين تكون أكثر ثباتًا واستقرارًا، حال كونها موضع إيمان عميق لدى المواطنين، 2. المسلمون حاليّا شركاء في المواطنة، ومن ثم فهم شركاء أخلاقيون. وأحد سبل إبداء الاحترام والاعتراف بهم يتمثل في الاستماع إلى خطاباتهم الذاتية، والعمل على التوفيق بين معاييرهم ومبادئ الليبرالية، 3. التقاليد الثقافية والدينية تمثّل معتركات تتغير مع الوقت، وليست دائمًا محكمة الإغلاق (ص. 157)–156 واستعرض المؤلف كذلك انتقادات النزعة الشكوكية (التي ترى أنه لا يمكن تبرير وجود قيم أخلاقية عالمية)، والنزعة النسبوية (التي تدّعي أن جميع القيم مرهونة بالثقافة أو التقاليد)، والنزعة التاريخية (التي تزعم أن القيم نتاج سياق تاريخي) لفكرة الإجماع المتشابك. ولم يحاول دحض أيّ منها، بل أقر بأن التعددية حقيقة، وأن الإجماع الأخلاقي الكامل غير قابل للتحقق. وبناء على ذلك، فإن استكشاف القيم الليبرالية من داخل التقليد الديني الإسلامي ليس ممكنًا فحسب، بل هو ضروري أيضًا. وليس الهدف إثبات أن

  1. Mohammad Hashim Kamali, Freedom of Expression in Islam (Cambridge: Islamic Texts Society, 1997), p. 87.

الليبرالية تنطبق على الجميع، بل إظهار إمكانية تبنيها من داخل العديد من الرؤى العالمية؛ أي بإشراك المواطنين المسلمين المتدينين في الحوار حول الإسلام والليبرالية باستخدام لغتهم الأخلاقية والعقائدية. وأشار المؤلف في ذلك إلى أن جون لوك John Locke) 1704–1632(وضع أسس الليبرالية، كما هو معروف، بناءً على النصوص المقدسة؛ إذ "يثبت تحليل أعماله كيف يمكن إيجاد مساحة نظرية داخل الدين لدعم الحجة المتعلقة بالسيادة الشعبية وحقوق الإنسان"5. وبعد ذلك، وضع المؤلف المبادئ التي يقوم عليها منهجه البحثي في التوافق بين الإسلام والليبرالية، التي هي مبادئ الحدس الافتراضي Conjecture التي قال بها رولز. واستهدف مارش من هذا المنهج البحثي إيجاد طرائق موثوقة لاستكشاف إمكانية تبرير القيم السياسية الليبرالية من داخل المصادر الأخلاقية الإسلامية، من دون تحريفها أو التلاعب بها. وهذه المبادئ هي: 1. مبدأ الأصول: أي البدء بالمصادر السائدة، أو التقليدية، أو الأكثر موثوقية في التقليد الإسلامي؛ لأن ذلك يبرهن على الاحترام والتواضع تجاه المسلمين المؤمنين. ثمّ إن هذه الحجة تكتسب شرعيتها من كونها مستقاة من مصادر موثوقة. وعلى الرغم من أن التفسيرات الأصولية محافظة، فإنها غالبًا ما تعكس أكثر الجهود صرامة وإخلاصًا لتفسير النصوص المقدسة. فحتى لو كانت التفسيرات الأكثر ليبرالية ممكنة، فإنه لا يمكن تجاهل التفسيرات الأصولية لأنها غير مناسبة. وإذا لم تستطع المصادر التقليدية دعم القيم الليبرالية، فمن الأفضل الانتقال من الآراء السائدة إلى آراء الأقلية وإلى الآراء الإصلاحية. وعلى سبيل المثال، يمكن البدء بالتقليديين، مثل الإمام أبي حامد الغزالي، ثم الحداثيين، مثل محمد رشيد رضا (1935–1865)، ثم الإصلاحيين الليبراليين، مثل فضل الرحمن (1988–1919). فلا يجوز، في رأي المؤلف، الاعتماد على المفكرين المسلمين الليبراليين وحدهم؛ لأن الأمر يتعلق بتجاوز التحديات الداخلية الصعبة لجعل هذا التوافق موثوقًا، 2. الشفافية: إظهار الوضوح بشأن ما يُستشهد به، ومدى أهميته، 3. التعاطف: محاولة فهم كيفية رؤية المسلمين قيمهم، وأولوياتهم، ومعتقداتهم، 4. التحفظ: التزام الحيادية والموضوعية، بحيث لا يؤدي الانجراف بدافع الحماسة نحو تحقيق الإجماع إلى التحريف (ص. 233)–225 تقوم الممارسة العملية لهذا المنهج البحثي على ثلاث مراحل، هي: "التشخيص" Diagnosis، و"التقييم" Evaluation، و"التركيب" Synthesis. وفي مرحلة التشخيص، يجري البحث عن الآراء المعارضة للقيم الليبرالية، وتوضيح نطاقها وأسبابها من داخل التقليد الإسلامي، ثم تعيين القيم الليبرالية المُراد لها أن تتوافق مع التقليد الإسلامي، ثم تحديد الآراء الموافقة للقيم الليبرالية. وفي مرحلة التقييم، يجري تحليل مدى اتفاق الآراء الليبرالية مع التقليد الإسلامي، من حيث كونه اتفاقًا حقيقيًا ومبدئيًا وليس مجرد اتفاق مؤقت. وفي مرحلة التركيب، تجري الاستعانة بمجموعة من المفكرين والمصادر؛ لإثبات إمكانية بناء نسخة معقولة وأصيلة من المواطنة الليبرالية من داخل التقليد الإسلامي. ولا يشترط أن تعبّر وجهة النظر هذه عن رأي عاِلم واحد أو مدرسة واحدة (ص. 237)–233

  1. Nader Hashemi, Islam, Secularism, and Liberal Democracy: Toward a Democratic Theory for Muslim Societies (Oxford: Oxford University Press, 2009), p. 17.

الاعتراضات الإسلامية على المواطنة الليبرالية

تناول المؤلف الاعتراض العقائدي الإسلامي على المواطنة الليبرالية من ثلاثة جوانب، هي: 1. الإقامة في دولة غير مسلمة، 2. الولاء لدولة غير مسلمة، 3. التضامن مع غير المسلمين. ففيما يتعلق بالإقامة في دولة غير مسلمة، قسّم الفقهاء العالم إلى "دار الإسلام" و"دار الحرب". ووُضعت هذه التصنيفات في عصر كان يُنظر فيه إلى الإسلام على أنه حضارة ذات سيادة سياسية، حيث ارتبط الولاء السياسي ارتباطًا مباشرًا بالحكم الديني. ويعضد هذا الرأي الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فضلًا عن فتاوى العديد من الفقهاء، منهم: الإمام مالك بن أنس، وأبو العباس الونشريسي، ومحمد بن أحمد السرخسي، وأحمد بن تيمية، وسيد قطب، ويوسف القرضاوي. ومن الحجج التي ساقوها لرفض الإقامة في دولة غير مسلمة: 1. الخضوع لقوانين غير المسلمين، 2. غلبة غير المسلمين على المسلمين، 3. تقوية شوكة غير المسلمين، 4. موالاة غير المسلمين، 5. الإقامة في بيئة معصية، 6. البعد عن الفضيلة والأخلاق. وفيما يتعلق بالولاء للدولة غير المسلمة، وضع الفقهاء مجموعة من المبادئ الشرعية الإسلامية التقليدية التي تثني المسلمين عن الولاء للدول غير الإسلامية، هي: 1. لا يجوز للمسلمين قتال مسلمين آخرين نيابة عن غير المسلمين، مهما كان السبب، 2. تُعتبر الحروب الهادفة إلى توسيع الحكم الإسلامي جهادًا مشروعًا، 3. قد يُطلب من جميع المسلمين، بمن فيهم المقيمون في الخارج، الانضمام إلى جهاد مشروع إذا دعتهم جهة مختصة، 4. على المسلمين عدم دعم أجندات أو قوانين غير إسلامية، 5. لا يجوز للمسلم أن يضحّي بحياته لأي سبب سوى الأسباب الدينية المحددة، والدفاع عن مجتمع غير مسلم ليس من هذه الأسباب. وتؤكد ذلك أيضًا العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة. ولم يقتصر الفقهاء على تحريم الولاء للدولة غير المسلمة، بل إنهم أدخلوا ذلك في باب الردة. ورأوا أنه إذا أرغم المسلمون على الالتحاق بالجيش، فعليهم أن يستسلموا للتعذيب بدلًا من قتال إخوانهم المسلمين. ولا يجوز التضامن مع غير المسلمين؛ لأنه يعزز قوة غير المسلمين ويدعمهم. وثمة آيات قرآنية كثيرة تحمل هذا المعنى، وتتضمن ثلاثة مبادئ، هي: 1. وضع المرء ثقته في غير المسلمين يأخذ شكلًا من أشكال إنكار الله ووعوده، 2. التحالف والتضامن مع غير المسلمين يُعدّان خيانة للمسلمين وللمجتمع الإسلامي، 3. غير المسلمين بطبيعتهم غير أهلٍللثقة؛ ومن ثم، فإنهم سيسعون لتقويض العقيدة الإسلامية.

الإجازات الإسلامية على المواطنة الليبرالية

ردّ المؤلف على هذه الاعتراضات المثارة على المواطنة الليبرالية في جوانبها الثلاثة: 1. الإقامة في دولة غير مسلمة، 2. الولاء لدولة غير مسلمة، 3. التضامن مع غير المسلمين. وفيما يتعلق بالإقامة في دولة غير مسلمة، ركز على تفسير العلماء القدماء للآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ فذكر أنه على الرغم من أن هجرة النبي محمد بما تنطوي عليها من إقامة قد انتهت، فإنها ظلت مُستَحبةً. وهذا الرأي شائعٌ بين المالكية

وغير المالكية، وتؤيده عدة آيات قرآنية وأحاديث نبوية. وحتى لو لم تعد الهجرة واجبة، فقد يظل المسلمون مُلزَمين بإنشاء هياكل قانونية إسلامية حتى في البلاد غير المسلمة. وألقى أيضًا الضوء على مصطلح "إظهار الدين"، فأشار إلى أن الفقهاء اختلفوا في تفسيره. فمنهم من قال إنه حرية العبادة والأخلاق الشخصية، ومنهم من رأى أنه إقامة حكم إسلامي (ص 410–408). وما دام لا يوجد موقف عام أو جامد بشأن ما يقتضيه "إظهار الدين"، فمن الممكن إيجاد آراء إسلامية تتوافق مع المعايير الليبرالية. علاوة على ذلك، فإنه توقف بإزاء الإقامة بهدف الدعوة إلى نشر الإسلام عند أئمة مرموقين من أمثال ابن تيمية، وعلي أحمد الندوي، ويوسف القرضاوي، وطارق رمضان، وأحمد كوتي، وغيرهم. وخلص إلى آراء في نشر الدعوة الإسلامية تتوافق مع معايير المواطنة الليبرالية. أما فيما يتعلق بالولاء لدولة غير مسلمة، فقد رأى المؤلف أن في إمكان المواطنين المسلمين في الدول الليبرالية أن يكونوا مواطنين صالحين، إذا تبنوا ثلاثة مواقف محددة، هي: 1. القتال إلى جانب دولة مسلمة ضد دولة غير مسلمة ينبغي أّلا يكون دافعه إّلا الدفاع عن النفس، أو صد العدوان، 2. إذا نشب صراع بين دولة غير مسلمة – يعيش في كنفها مواطنون مسلمون – ودولة مسلمة، فعليهم الالتزام بعدم الانخراط في أي نشاط يسهم في مساعدة الدولة المسلمة. وهذا أمرٌ مقبول في المجتمع الليبرالي، حتى لو كان ذلك لأسباب دينية، ولكنه يحتاج إلى إعادة تفسير للشريعة الإسلامية التقليدية، 3. إذا تعرضت الدولة غير المسلمة التي يعيش المسلمون فيها لعدوان من دولة غير مسلمة، فعلى المسلمين أن ينخرطوا في الدفاع عنها؛ لأن ذلك لا يؤدي إلى وجود أي تعارض بين عقيدتهم ومبادئ المواطنة الليبرالية (ص. 442)–441 وفي هذا الصدد، سلّط المؤلف الضوء على مفهوم "العقد الإسلامي"؛ ذلك أن حصول المسلم على إذن بالإقامة في دولة غير مسلمة هو في حد ذاته "عقد" أمان يجب الالتزام به على نحو أخلاقي وعملي. واستشهد في ذلك بفتاوى السرخسي، ويحيى بن شرف النووي، وموفق الدين بن قدامة، وطارق رمضان، والقرضاوي، والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث. ومن ثمّ، فقد عارض الرأي القائل إن الهدف من القتال من جانب دولة مسلمة ضد دولة غير مسلمة هو التوسع أو نشر الإسلام أو تغيير حكومة لا يعاني المسلمون في ظلها أي اضطهاد؛ لأنه مخالف للعقيدة الإسلامية التقليدية، ويحتاج إلى إعادة تفسير من الفقهاء المعاصرين، وتبنى في ذلك رأي أحد الفقهاء الحداثيين المسلمين، وهو شيرمان جاكسون Sherman Jackson، الذي رأى أن الآيات التي تحث على الجهاد نزلت في مواقف تاريخية محددة، ولا تمثل أوامر كونية. وبناءً عليه، فإن الأصل في العلاقات هو السلام، على أن تُحمى الحرية الدينية. وذلك خلافًا لفتوى سيد قطب الذي اعتقد أن الآيات القرآنية التي تدعو إلى السلام مؤقتة وليست قاعدة دائمة، وأن تخلّي البعض عن هذا التفسير وتبنيهم هذا الموقف الانهزامي هو نتيجةٌ للتأثر بالقيم الليبرالية الحديثة. وبناءً على ذلك، أيّد مارش الدفاع عن الدولة غير المسلمة، مستعينًا في ذلك بآراء فقهاء معاصرين، مثل: القرضاوي، ومحمد رشيد رضا. وعلى الرغم من أنه رأى أن هاتين الفتويَين تستهدفان في المقام الأول مصلحة المسلمين، وأنه لا علاقة لهما بدولة المواطنة ولا بعدالة الحرب، فإن فتوى رشيد رضا قد تحمل من الآراء ما يجعلها تتوافق

مع الليبرالية، بقوله إن تلك المشاركة ربما تجعل المسلمين يتساوون في الحقوق والواجبات مع غيرهم من المسلمين، وهو ما يعني اعترافه (ولو ضمنيًا) بدولة المواطنة الليبرالية. وعلى الرغم من ذلك، فإن المؤلف يلفت الانتباه كذلك إلى حق المسلم في الاعتراض بدافع الضمير. فإذا فرضت دولة ليبرالية عليه القيام بأفعال تتعارض مع معتقداته الراسخة – مثل الانخراط في حرب ضد مسلمين آخرين – فإن المبادئ الأخلاقية في الإسلام والنظرية الليبرالية للديمقراطية تؤكدان مشروعية الامتناع. ويجسد ذلك قيمة أساسية في الفكر الليبرالي، هي حرية الضمير، ويفتح مج لًا للاختلاف الجزئي ضمن إطار الالتزام العام بالمواطنة. وعلى هذا الأساس، نادى مارش بالاعتراف بغير المسلمين بصفتهم مشاركين كاملين في المجتمع المدني والسياسي، بغض النظر عن اختلاف المعتقدات. ويمثل هذا اعترافًا عامًا وقانونيًا بالتعددية الأخلاقية. وتقوم هذه التعددية الأخلاقية على أمرين، هما: 1. شرعية الاختلاف الديني، 2. تحقيق العدالة لجميع البشر، مسلمين وغير مسلمين على حد سواء. ولذلك، انتقد مارش في الإسلام المساواة، والتسامح مع أهل الكتاب، والخلاف الفقهي بين المذاهب؛ لأن هذه المبادئ لا تقوم على أساس سياسي، بل ديني. بيد أنه رأى في قيمة "الدعوة"، المتمثلة في الحكمة والصبر، والحوار القائم على الاحترام وعدم الإكراه، أساسًا وإن كان لاهوتيًا، إلا أنه يتفق مع ما تدعو إليه الليبرالية (ص. 550)–494 وفيما يتعلق بالتضامن مع غير المسلمين، رأى مارش ضرورة تأييد المسلمين لرفاه المجتمع غير المسلم، ومشاركتهم في حكومات غير مسلمة بالانضمام إلى الجمعيات والأحزاب السياسية، والتصويت في الانتخابات، والترشح للمناصب. واستعان في ذلك بقصة النبي يوسف، حينما قَبِل تعيينه في منصب وزير لفرعون مصر الوثني تحقيقًا للعدالة في دولة غير مسلمة، والتي أتى على ذكرها محمد المختار الشنقيطي، ومحمد الشيرازي البيضاوي، وأبو الحسن الماوردي. واستشهد مارش أيضًا برأي رشيد رضا وعبد الله بن بيه بشأن فكرة "الموالاة" لغير المسلمين من جهة أنها تتعلق بالخيانة في زمن الحرب، وليست تحريمًا عاًّمًا. وبناءً على ذلك، أثبت المؤلف وجود تصورات إسلامية متوافقة مع التصورات الليبرالية لمتطلبات المواطنة فيما يتعلق بشروط الإقامة مع غير المسلمين، والولاء لهم، والتضامن معهم، فضلًا عن الاعتراف بالاختلاف الديني والمساهمة في المصالح الاجتماعية لغير المسلمين؛ أي "ليس ثمة تنافر بين أن يكون المرء مسلمًا ورعًا وأن يعيش في مجتمع [ليبرالي] حديث".

خاتمة

يُعتبر استنتاج المؤلف بشأن إمكانية التقارب الأخلاقي الجوهري بين الإسلام والليبرالية دقيقًا ورصينًا. فهو لا يعلن عن انسجامٍتاٍّمٍ بينهما، ولا يستسلم للرأي القائل إن الصراع أمر لا مفر منه. بل يقدّم إطارًا للتقارب بينهما، مبنيّا على الرؤى التالية: إن الأخلاق الإسلامية ديناميكية وتعددية. إنها تحتوي على تنوع في الأدوات والتقاليد التفسيرية، على نحو يكفي لدعم القراءات الإصلاحية

  1. علي راتساني، التعددية الثقافية: مقدمة قصيرة جًّدًا، ترجمة لبنى عماد تركي، مراجعة هاني فتحي سليمان (المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2013)، ص.135

التي تتوافق مع المثُل الليبرالية. فالإقامة مع غير المسلمين، والولاء لهم، والتضامن معهم، ليست قيمًا غريبة عن الإسلام. إنها موجودة في نصوصه المقدسة، وإن كانت على نحوٍ مختلف في كثير من الأحيان. ولئن كان الفقه الإسلامي التقليدي يمثّل تحديًا للقضايا المتعلقة بالنوع الاجتماعي والردة وحرية التعبير، فإنه يمكن إعادة تقييم هذه القيم من خلال مناهج الاجتهاد والمقاصد والاستدلال السياقي. ومن الممكن تبني قيم ليبرالية بصدق وعمق داخل الإسلام، لا تعتمد على التنازلات العلمانية، بل تنبع من الإطار الأخلاقي للدين؛ إذ لا ينبغي افتراض أن الدين والليبرالية دائمًا في حالة تعارض. وبهذا، يمكن القول إن المؤلف نجح في الوصول إلى إجماع متشابك بين التقليد الإسلامي والليبرالية. على أن ذلك لا يمنع من توجيه النقد إلى هذا العمل، في عدد من المسائل؛ فعلى الرغم من أن المؤلف اعتمد على مفهوم الإجماع المتشابك عند جون رولز، وهو مفهوم يفيد أن الجماعات الدينية أو الأخلاقية المختلفة يمكن أن تلتقي على المبادئ السياسية نفسها، ويصبح لكل منها دوافعها ومبرراتها الخاصة، فإن هذا التوظيف ظل منقوصًا ومحدودًا في معالجته. فقد انصبّ تركيز المؤلف على بيان الكيفية التي يمكن أن يتكيف المسلمون من خلالها مع المنظومة الليبرالية السائدة؛ أي كيف يُعاد تأويل التعاليم الإسلامية أو تكييفها، بحيث تتوافق مع متطلبات المواطنة الليبرالية. ولم يُبرز في المقابل ما الذي يمكن أن تقدمه الرؤية الإسلامية من إضافات أو تحديات أو تصويبات لليبرالية ذاتها؛ ذلك أن الإجماع المتشابك، كما صاغه رولز، ليس مسارًا ذا اتجاه واحد، بل يفترض نوعًا من التلاقي الذي يثري المجال السياسي المشترك عبر مساهمات متبادلة من مختلف الأطر الأخلاقية والدينية. ومن هذا المنطلق، فإن الاقتصار على جانب "تكيّف المسلمين" يُضيّق أفق النقاش؛ لأنه لا يضع الليبرالية موضع المساءلة أو النقد، ولا يستكشف احتمالات أن تكون هناك مساهمة إسلامية في إثراء مفهوم العدالة أو المواطنة أو المصلحة العامة، بل قد يُفهم من هذا الطرح أن الإسلام ينبغي له أن يُذعن كليّا لشروط الليبرالية، من دون أن يُطرح في المقابل أُّيُ مطلب شرعي أو أخلاقي من الإسلام تجاهها. علاوة على ذلك، اعتمد مارش على آراء مجموعة من المثقفين المسلمين البارزين في الغرب أو ذوي التوجهات الإصلاحية من أمثال طارق رمضان، ومحمد حسين فضل الله. غير أن هذا الخيار البحثي، وإن كان يتيح مادة فكرية غنية تعكس تفاعلًا نقديًا مع قضايا المواطنة والدولة الحديثة، فإنه يثير ثلاث إشكاليات، هي: أولًا، إن هذه النماذج الفكرية تمثّل اجتهادات نخبوية خاصة، ولا تعبر بالضرورة عن الرأي الفقهي السائد في العالم الإسلامي، الذي يشكّل المرجعية الفعلية للمجتمعات المسلمة في أغلب الأحيان. ومن ثمّ، فإن هذه النماذج الفكرية غالبًا ما تكون محل نزاعٍواعتراضٍ من علماء الدين والمؤسسات الفقهية الكبرى (كالأزهر، أو المجامع الفقهية). ثانيًا، هناك إشكال منهجي في الخلط بين "الرأي الفقهي"، و"الرأي الفكري". فالمفكرون الذين استند إليهم مارش، مثل طارق رمضان، مثقفون وليسوا فقهاء بالمعنى الدقيق الذي يلتزم بالتأصيل الأصولي والاجتهادي. وتجاهل هذا التمايز يجعل النتائج التي يصل إليها المؤلف متأثرة بطابع "الخطاب الثقافي" أكثر من "الاجتهاد الفقهي" الذي يحكم فعليًا ممارسات المسلمين في حياتهم اليومية.

إضافة إلى ما سبق، انصبّ اهتمام المؤلف على مسألة مواطنة المسلمين في الدول غير المسلمة ذات المرجعية الليبرالية الغربية؛ أي بوصفهم أقلية دينية تسعى لإثبات شرعيتها السياسية. وعلى الرغم من أهمية هذه القضية، فإن الاقتصار عليها يُفضي إلى إغفال جانب آخر لا يقل أهمية، هو مواطنة المسلمين في الدول الليبرالية أو شبه الليبرالية ذات الأغلبية المسلمة؛ مثل مصر، وتركيا، وتونس، وإندونيسيا، وماليزيا. فذلك يكشف الجانب عن وجوه أخرى للتوتر بين الإسلام والليبرالية، ليس من موقع الدفاع عن المسلمين بصفتهم أقلية، بل من موقعهم بصفتهم

المراجع

العربية

سليمان. المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي،.2013

الأجنبية

أغلبية تبحث الأسس الفلسفية والسياسية للدولة الحديثة.

يُعدّ مؤَّلَف مارش مساهمة ذات أهمية بالغة في مجالَي الفلسفة السياسية والفكر الإسلامي. فهذا المؤَّلَف ليس عملًا أكاديمًّيًا تقليدًّيًا، بل هو إضافة نوعية ومؤثرة في هذين المجالين. إنه حوار فكري وأخلاقي متوازن بين الإسلام والليبرالية يتسم بالعمق الفلسفي، والانفتاح الثقافي، والاحترام المتبادل؛ ما يجعله مرجعًا مهًّمًا في العديد من التخصصات من حيث فهم العلاقة بين الدين والسياسة في العصر الحديث.

References

راتساني، علي. التعددية الثقافية: مقدمة قصيرة جًّدًا. ترجمة لبنى عماد تركي. مراجعة هاني فتحي

Hashemi, Nader. Islam, Secularism, and Liberal Democracy: Toward a Democratic

Theory for Muslim Societies. Oxford: Oxford University Press, 2009.

Kamali, Mohammad Hashim. Freedom of Expression in Islam. Cambridge: Islamic

Texts Society, 1997.