العودة إلى تفاصيل المؤلَّف ما بعد الحداثة في الفكر الفلسفي المغربي: في أزمة التلقّّي والتوظيف

ما بعد الحداثة في الفكر الفلسفي المغربي: في أزمة التلقّّي والتوظيف

Postmodernism in Moroccan Philosophical Thought: On the Crisis of Reception and Application

نبيل فازيو *

Nabil Fazio *

الملخّص

تهدف الدراسة إلى فهم كيفية تلقّي الفكر الفلسفي المغربي لخطاب ما بعد الحداثة وإشكاليته الرئيسة، والتفكير في أثر رؤيته في توجيه تيارات هذا الفكر. ولا تتوخّى التأريخ لعملية التلقي، بل تقصد استشكال "مشروعية استضافة خطاب ما بعد الحداثة وأسئلته الكبرى" في سياق فكري له سماته وخصائصه التي تعقّد توظيف هذا الخطاب، وتحمل على التساؤل عن طبيعة علاقتنا الممكنة به. لذلك، تنطلق من بيان بعض أهم تجليات ذلك التوظيف، في مستوييه الفلسفي والمجتمعي، ثم تنتقل إلى تحليل التلقّي النقدي لهذا الخطاب مع مفكرين رفضوا إشكاليته واعتبروها برّانية عن السياق الفكري العربي والمغربي، وتقف أخيرًا على بعض محاولات تصحيح فهمنا لمفهوم ما بعد الحداثة، وتنتهي إلى التشديد على أن الأخير لا يمثل قطيعة نهائية مع التراث الحداثي، وإنما هو لحظة من لحظات تطور الحداثة نفسها، وأن مشروعية تلقّيه عندنا مرتبطة بتحقيق غايات المشروع الحداثي العربي نفسه.

Abstract

Abstract: This study analyses the reception and impact of postmodern discourse within Moroccan philosophical thought. It problematizes the legitimacy of inviting the discourse into the Moroccan intellectual context, marked by its own particularities that complicate the application of postmodern discourse. The study clarifies its philosophical and societal usage, then analyses aspects of the critical reception it has received by scholars who saw the preoccupation with postmodern discourse as nothing more than a sign of the alienation of Arab–Moroccan philosophical thought from its social and political reality. The study concludes by emphasizing the necessity of adjusting our understanding of this discourse and considering it a stage in the evolution of modernity itself, the legitimacy of which rests on the need to continue reflecting on the Arab modernist project.

الكلمات المفتاحية:
  • ما بعد الحداثة
  • الفكر العربي المعاصر
  • الكونية
  • الخصوصية
  • الفكر الفلسفي المغربي
Keywords:
  • Postmodernism
  • Arab Thought
  • Universality
  • Particularity
  • Moroccan Philosophical Thought

مقدمة

بصرف النظر عن مضمون مفهوم "ما بعد الحداثة" وزئبقيته التي انتبه إليها جلّ المهتمين به1، فإنّ حضوره في الفكر الفلسفي المغربي بات يطرح جملة من الأسئلة التي تجاوزت التفكير في مضمونه إلى مستوى التساؤل عن مشروعيته باعتباره خطابًا فلسفيًا "كونيًا"، ما انفك يكشف عن أزمة وعينا بانتمائنا إلى الحداثة وأفقها التاريخي، ويدعونا إلى الإسهام في نقدها وسردية نهايتها التي هيمنت على كثير من المجالات الثقافية الغربية المعاصرة. ويحمل ذاك الخطاب كثيرًا من الباحثين على الاعتداد بمنظوره الفلسفي التفكيكي للتحرّر من الأسئلة العتيقة، التي ما انفكت تستبدّ بالفكر الفلسفي المغربي، من قبيل مسألة الهوية، والحرية، والحقّ، والذات، والاختلاف... إلخ. لهذا الانشغال بخطاب ما بعد الحداثة أسباب تفسّره هي اقترانه، أولًا، بأزمة الوعي الغربي المعاصر التي تجلت في النقد الجذري للحداثة ولوضعية المجتمعات الغربية منذ تصاعد المجتمع الصناعي ومنظوره التشييئي والاستهلاكي للإنسان والعالم، ما حمل الفلاسفة على التساؤل عمّا تبقى من معنى للوجود الإنساني في ظلّ هذا المجتمع الذي تحدّر من المشروع الحداثي التنويري نفسه، وأتت "أمراضه" تعلن انحسار العقلانية الغربية وعجزها عن تحقيق وعودها الإنسانوية الكبرى، التي تأتي الحرية والسلم والعدالة على رأسها2. وأتى تلقّي الفكر الفلسفي المغربي لخطاب ما بعد الحداثة، ثانيًا، في سياقٍتضخّم فيه النقاش حول الغرب وعلاقتنا به؛ إذ بعد فترة غلب عليها التجاذب بين دعاة الحداثة المتحمسين لتوطينها في العالم العربي من خلال سيرورة التحديث من جهة، والقوى المحافظة التي لم ترَ في الحداثة الغربية إلا خطرًا يهدد الذات الإسلامية وتراثها من جهة أخرى، وجد المشتغلون بالفلسفة أنفسهم أمام نقدٍ يمارسه العقل الفلسفي الغربي ذاته على الحداثة ويجرّها إلى المساءلة، وهو ما ألفى خصومها فيه دليلًا قاطعًا على صحة موقفهم المبدئي الرافض لها، وعلى تهافت دعوة الحداثيين، ووجد هؤلاء أنفسهم ملزمين بالدفاع عن المشروع الحداثي من موقع الوضع التاريخي للعالم العربي الذي يسوّغ حديثهم عن الحاجة إلى الحداثة، ويستدعي التمييز بين سياق نشأة خطاب ما بعد الحداثة في الغرب، وسياق تلقّيه في الفكر العربي. لكنّ الانجذاب إلى ذلك الخطاب لم يكن معزولًا عن سعي المفكرين المغاربة، والعرب عمومًا، إلى تجديد مناهج فكرهم ورؤيتهم، وقد وجدوا في "الثورة" المنهجية التي حبلت بها فلسفات ما بعد الحداثة ضالّتهم في كثير من الأحيان، خاصة في مرحلةٍ شهدت التشكيك في صلاحية المنهج الماركسي المادي والبنيوي، وفتحت الباب واسعًا أمام التساؤل عن النموذج المنهجي الذي ينبغي الاهتداء به في التأسيس لفلسفة قادرة على فهم شرط الإنسان المعاصر. وقد ألقى هذا الهاجس بظلاله على الفكر الفلسفي المغربي الذي حاول إعمال المنظور المنهجي ما بعد الحداثي في مقاربة إشكالية التراث وفهم المجتمع وقضاياه.

  1. ديفيد هارفي، حالة ما بعد الحداثة: بحث في أصول التغيير الثقافي، ترجمة محمد شيّا (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2005)، ص 214؛ وحول مصطلح ما بعد الحداثة وتاريخه ينظر: الزواوي بغورة، ما بعد الحداثة والتنوير: موقف الأنطولوجيا التاريخية (بيروت: دار الطليعة، 2009)، ص.12
  2. Jurgan Habermas, Le discours philosophique de la modernité (Paris: Gallimard, 2011), p. 42.

يعني هذا القول، في جملة ما يعنيه، أنّ حضور خطاب ما بعد الحداثة في الفكر الفلسفي المغربي لم يقتصر على البحوث التي تناولت مضمونه وعرّفت بأبرز رموزه، وإنما اتخذ حضورُه ذاك صورةَ "مفعول" فكري تمايزت إزاءه مواقف المشتغلين بالفلسفة؛ بين من شدّد على كونيته وانخرط في التفكير في أسئلته والزجّ بها في مدارات الفكر الفلسفي المغربي، ومن اعتبره خطابًا خاصًا بالسياق الغربي الحديث ولا علاقة له بالوضع الحالي للفكر الفلسفي المغربي والعربي، وأن العناية به لا تشي إلا باستلاب الوعي الفلسفي عندنا وغربته عن واقعه وشرطه السياسي والاجتماعي والتاريخي. من هنا نتساءل: هل يمثل خطاب ما بعد الحداثة أفقًا للفكر الفلسفي في المغرب؟ وكيف تلقّى هذا الأخير إشكالية ذلك الخطاب؟ وهل يمكن فصل البعد المنهجي لفلسفة ما بعد الحداثة عن رؤيتها إلى الإنسان والعالم؟

أولا: في مسارات التلقّي العام لخطاب ما بعد الحداثة

قد لا يكون مهمًا، كثيرًا، تتبّع مراحل التلقّي العربي لخطاب ما بعد الحداثة في حيّزه الفلسفي، بقدر ما يهمّ تبيّن مفعول هذا الخطاب وأثره في تشكّل بعض المواقف التي ارتفعت به إلى مستوى الإشكالية الفلسفية. ويمكن القول إن خطاب ما بعد الحداثة ظلّ يتماهى، في ذهن جلّ المتفلسفة المغاربة، مع المقاربة الفرنسية لموضوعة نقد الحداثة الغربية، وما نجم عنها من حفر في تشّكلّاتها المفاهيمية والأيديولوجية، وتفكيك سردياتها الكبرى، على الرغم من اقترانه المبدئي بسياق النقد الألماني للحداثة3. فقد تعرّف هؤلاء إلى نقد ميشيل فوكو Michel Foucault (1984–1926)، وجون فرانسوا ليوتار (1998–1924)، وجاك دريدا Jaques Derrida (2004–1930)، وجان بودريار Jean Baudrillard (2007–1929) الذين يمثلون، بحسب يورغن هابرماس (1929–)، النقد الجذري الرافض للحداثة والمعلن عن فشل مشروعها الفلسفي، قبل أن ينفتح باحثون آخرون على خطاب هذا الفيلسوف الذي نبّه إلى منزلقات هذا الضرب من النقد، ورسّخ في الفكر الفلسفي المعاصر إمكانية النظر إلى لحظة ما بعد الحداثة بحسبانها مراجعة لانحراف العقل الحديث عن الأنوار ومبادئها الكبرى. ولئن كان بعض الدارسين قد ركّز على نقد الميتافيزيقا الغربية باعتبارها التربة التي فيها أينعت مفاهيم الفكر المعاصر الأساسية، على نحوٍ يوحي باكتمال الحداثة الغربية وبداية مرحلة جديدة في مسار التاريخ والفكر الغربَّيَين تمثّل لها لحظة "ما بعد" الحداثة، فإنّ المتحفظين على النقد الجذري للحداثة ما انفكّوا ينبهون إلى أنّ مفهوم "ما بعد الحداثة" لا يحيل في هذا السياق على أيّ قطيعة في مسار الحداثة، بقدر ما هو كناية على حالة أو وضعية اهتزت فيه أسس المجتمع الحديث بعد أن بلغت مبادئه ذراها؛ إنها حداثة مفرطة أو سائلة غدا فيها كل شيء منفلتًا من قبضة التعيين والتحديد4، وأمسى فيها الوضع البشري نفسه محلّ تشكيك ونقد. لذلك اتخذ خطاب ما بعد الحداثة، وفقًا لهذه القراءة، صورة تفكيرٍ قلقٍفي وضعية المجتمع الحديث وأمراضه. ويتضح أنّ الخلاف القائم بين الدارسين العرب بشأن إذا ما كانت عبارة "ما بعد" ذات معنى زمني تحقيبي أم أنها تحيل إلى تطور ذاتي لمسار

  1. Perry Anderson, Los origenes de la Postmodernidad (Barcelona: E, Anagrama, 2000), p. 112.
  2. زيجمونت باومان، الحداثة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016)، ص.22

العقل الغربي، إنما هو راجع إلى تصورنا لطبيعة خطاب ما بعد الحداثة نفسه؛ فالذين يرون فيه إيذانًا ببداية مرحلة تاريخية وفكرية جديدة يعتبرونه إعلانًا عن موت الحداثة وانقضاء زمنيتها، واعترافًا جهيرًا بفشل المشروع الحداثي وانقلابًا جذريًا على مستوى قواعد إنتاج المعنى والحياة5؛ لذلك تبدو فيه "ما بعد"، في هذا الصدد، ذات دلالة تأريخية وتحقيبية ترسم الخطوط الفاصلة بين حقبتين متمايزتين في الأزمنة الحديثة. أما الذين اعتبروا ذاك الخطاب تعبيرًا عن مراجعة الحداثة لمسارها وتقويمًا له، فإنهم لا يُضفون على تلك العبارة معنى تاريخيًا، تعاقبيًا، بقدر ما يعتبرونها لحظة تعميق للحداثة وتعبيرًا عن التغيّرات الجذرية التي عاشتها، وما زالت تعيشها المجتمعات الغربية المتقدمة. وجد بعض المتفلسفة العرب في إشكالية ما بعد الحداثة مسألةً ينبغي الانخراط في تفكيكها والإسهام في الإجابة عنها. وألفوا في "النّفس الكوني" لنقد الحداثة ما يقيمون به الدليل على مشروعية اختيارهم، وسرعان ما انتبهوا إلى أنّ مسارات الحداثة فرضت على الإنسانية جمعاء وضعًا فلسفيًا – ميتافيزيقيًا – يحتّم على الجميع الانخراط فيه والانشغال بمصائره التي هي ليست، من منظور هذا الخطاب، غير مصير الإنسانية ومستقبلها نفسه. وسرعان ما أخذ البحث العربي في فلسفة فريدريش نيتشه (1900–1844) أو مارتن هايدغر (1976–1889) أو ليوتار أو دريدا أو بودريار، أو في موضوع من موضوعات الفنّ المعاصر أو الإبستيمولوجيا المعاصرة، ينزلق إلى تبنّي الموقف النقدي من الحداثة وعقلانيتها الذي يَصدر عنه هؤلاء، وإسقاطه على وضعية الفكر الفلسفي العربي حتى من دون مراعاة خصوصيته ولا التساؤل إذا ما كانت أسئلة وضعية ما بعد الحداثة أسئلةً يمكن أقلمتها مع وضعية العالم العربي، وهو ما قاد إلى بلورة نقدٍ للحداثة من داخل الدوائر الفلسفية العربية، يستلهم النقد المعاصر لنتائجها في صياغة مفهوم لها يتنكّب معاطبها التي عابها عليها خطابُ ما بعد الحداثة في الأوساط الفكرية الغربية. وتزامن ذلك مع اتساع دوائر البحث في الفلسفة الغربية المعاصرة وإقبال الباحثين العرب على نصوصها تحليلًا وترجمةً. ولعلّ ما حفّزهم على السير في هذا الدرب اقتران تلك الفلسفة بأزمة الوعي الغربي وما ترتّب عليه من مراجعات مستمرة لنموذج العقلانية الحداثية ورؤيتها الضمنية إلى الإنسان والعالم، واقتران ذلك كله بنقد المجتمع الحديث ومظاهر أزمته التي تتأصل، وفقًا لهذا النقد، في منظور ميتافيزيقي يضرب بجذوره في تاريخ الفكر الغربي نفسه؛ إذ أوحى لهم هذا النقد بإمكانية الانتظام في مسار مراجعة الحداثة والإسهام فيه من موقع كونيتها وكونية النقد الجذري الموَّجَه إليها. وعلى هذا النحو من النظر، غدت قراءة هايدغر للتراث الفلسفي الغربي مدخلًا إلى نقد مفهوم التراث عندنا، كما أوعزت تفكيكية دريدا إلى كثير من الباحثين العرب بإمكانية تفكيك عوالم النصّ الميتافيزيقي في السياق العربي الإسلامي، ومحو الحدود التي رسمتها عقلانية الميتافيزيقا بين دوائر الكتابة والمعنى، بل وجدوا في تشديده – كما في تشديد فوكو من قبل – على التفكير في المنسي والهامش وفي الوجه الخفي والمتوحش للحقيقة، ما يخرجون به من ضيق دراسة الخطاب الرسمي/ العقلاني إلى عوالم الهامش وأسئلته. وبناءً على ذلك، بدت أزمة التلقّي العربي للحداثة غيرَ منفصلة عن موجة نقدها في الغرب؛ بل سرعان ما طفق أنصار هذا الخطاب ينتهلون

  1. Jean François Lyotard, La condition postmoderne (Paris: Minuit, 1979), p. 9.

منه عناصر تصور "عربي" للحداثة يلحظ طابعها الكوني ويتيح للفكر العربي التموقع في جغرافيا المعاصَرة بعد أن نجحت التقنية، التي هي الوجه الآخر للميتافيزيقا، في توحيد العالم وفرض "وضع ميتافيزيقي" على الجميع في نظرهم. بيد أنّ هذه الخطوة لم تلقَ دائمًا الترحاب الذي توقّعه أصحابه عندما استبدهوا إمكانية استقدام إشكالية ما بعد الحداثة والزجّ بها في دوائر الفكر العربي وثقافته ووضعه الاجتماعي والسياسي، لما تتضمّنه من إسقاط للنقد المعاصر، الذي هو سليل تطوّر تاريخي طبيعي للحداثة نفسها، على واقع عربي لم يتشرّب بعد القدر اللازم من قيم الحداثة وعقلانيتها حتى يشرع فلاسفته في نقدها والدعوة إلى تجاوزها6. فحاجتنا إلى العقلانية السياسية، كما تجلّت في نظرية العقد الاجتماعي والنظريات المتناسلة منه، لا تزال قائمةً في ظل تغوّل الاستبداد وسطوته على الحياة السياسية في العالم العربي؛ والذات الأخلاقية المقتدرة لم تنفصل عندنا بعد عن مختلف أشكال الوصاية التي تحول دون بلوغها عتبة التنوير وتكرّس افتقارها إلى الشجاعة على استعمال العقل والتشريع الذاتي لوجودها، ولا يزال الوعي الديني عندنا في حاجة إلى نقد يعيد ترتيب صلة الإنسان بالمطلق ويرسم الحدود بين الديني والسياسي والأخلاقي في الوعي العربي المعاصر عامة، والمغربي خاصةً. لذلك يبدو استلهام المقاربات الحداثية للدين، كتلك التي صاغها باروخ سبينوزا Baroch Spinoz (1677–1632)، وإيمانويل كانط Emmanuel Kant (1804–1724)، وجورج فيلهلم فريدريش هيغل Georg Wilhelm Frédéric Hegel (1831–1770) وفردريك شلايرماخر Frédéric Schleiermacher (1834–1768)، حاجةً لها ما يسوّغها في السياق الثقافي والفكري العربي اليوم، بل يبدو – من هذا المنظور – الانكفاء إلى الفهم الروحاني، الذي نضج في رحم النقد ما بعد الحداثي لتلك المقاربات7، أشبهَ بدعوة إلى تكريس فهم تقليدي للدين لا يلحظ مقتضيات وضعه في منظومة المجتمعات الحديثة. ويمكن أن نعمّم النقد عينه ليشمل كثيرًا من مجالات الفكر الفلسفي، كالجماليات، وفلسفة العلوم، وفلسفة التاريخ، وفلسفة القانون والسياسة... إلخ؛ حيث اتضح أنّ الوضع الحضاري الذي يعيشه العالم العربي لا يأذن باستقدام النقد الجذري للحداثة وعقلانيتها وقيمها، وأننا لا نزال في حاجة إلى استيعاب مكتسبات الحداثة وتشرّب قيمها قبل أن نفكّر في نقدها أو الرّدة عليها ونقضها. وهكذا، تكون الدعوة إلى ما بعد الحداثة في السياق العربي الراهن دعوةً "فارغةً" ومبتورةً من مضمونها الواقعي، بل تغدو، بالنسبة إلى نقّادها، صدى لموجة نقد جذري أفرزه تقدّم الغرب ومراجعته لعقلانيته وأسس

  1. ينظر في هذا الصدد النقد الجذري الذي وجّهه بعض المفكرين العرب، مثل طيب تيزيني وصادق جلال العظم وعبد الوهاب المسيري إلى خطاب ما بعد الحداثة، حيث يتعلق الأمر بإدانة باسم انتماء هذا الخطاب إلى الأفق التاريخي والفكري الأوروبي – الغربي، وبالتشديد على صعوبة استقدامه إلى الأوساط الثقافية العربية، فالأمر يتعلق بإشكالية غربية منفصلة عن سياقنا العربي في نظر أصحاب هذا النقد. ينظر على سبيل المثال لا الحصر: عبد الوهاب المسيري وفتحي التريكي، الحداثة وما بعد الحداثة، سلسلة حوارات لقرن جديد (دمشق: دار الفكر، 2003)، ص 81 وما بعدها؛ وينظر نصوص لمفكرين عرب في هذا الموضوع: ما بعد الحداثة 1: تحديدات، إعداد وترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، دفاتر فلسفية 13 (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2007)، ص.60
  2. Martin Heidegger, Phénoménologie de la vie religieuse , Jean Greisch (trad.) (Paris: Gallimard, 2012), p. 84; Hans– Georg Gadamer, Les chemins de Heidegger , Jean Grondin (trad.) (Paris: Vrin, 2002), p. 39.

ثقافته، وهي تذهل عن "خصوصية" العالم العربي وطبيعة أسئلته التي يأتي في مقدمتها سؤال الحاجة إلى الحداثة وقيمها الأنوارية. ويزداد هذا النقد حدّةً كلما نظرنا إلى ما بعد الحداثة بحسبانها مرحلةً طبيعية من تقدّم التاريخ الغربي، حيث تبدو نتيجةً من نتائج تقدّم العقلانية الغربية وتجليًا من تجليات مراجعتها المستمرة التي فرضتها أزمة المجتمعات الغربية منذ نهاية القرن التاسع عشر8، ما يعني أنّ خطاب ما بعد الحداثة يبقى سليل تلك الأزمة وجوابًا عن أسئلتها، وهو بذلك غريب عن المجتمع العربي الذي لم يدرك بعدُ المستوى التاريخي عينه من التقدم الذي يعيشه المجتمع الغربي. فكل استقدام لإشكالية ما بعد الحداثة قد لا يكون غير تماهٍمع تاريخ آخر، وتكريسًا لغربة الذات العربية عن نفسها، لنكون أمام ما سمّاه فيصل دراج (1942–) "ما بعد الحداثة في عالم بلا حداثة"9. بيد أنّ هذا الموقف السلبي من خطاب ما بعد الحداثة لم يكن ليمنع مثقفين عربًا آخرين من الإفادة من النقد المعاصر للحداثة في صياغة تصورهم لها اليوم، على الرغم من انتصارهم لقيم العقل والعقلانية المتحدّرة من الحداثة والفكر الأنواري. وقد اعتبر بعضهم أنّ ذاك النقد يسلّط الضوء على أعطاب العقلانية الغربية، ويوسّع أمامنا الباب لتجنّب الوقوع فيها في تجربة توطين الحداثة وتحقيق الاستقلال "التاريخي للذات العربية"، بما يعنيه ذلك من ضرورة تجنّب النتائج المأساوية للعقلانية الغربية التي أفرغت الإنسان من كينونته الإنسانية وكرّست استلابه، من دون أن يقودهم ذلك إلى الكفر بالعقل الحداثي أو ادّعاء إبداله بنموذج آخر مغاير له. فتوطين الحداثة في الثقافة العربية يستلزم، وفقًا لهؤلاء، الوعي بمنزلقاتها والأخطار الثاوية في عقلانيتها التي كشف عنها النقد المعاصر للفكر والمجتمع الغربَّيَين، وتصويب نظرتها الضمنية على نحو يحول دون الوقوع في انحرافات عقلانيتها. ويستلهم هذا النقد، في جوهره، رؤية مدرسة فرانكفورت النقدية إلى الحداثة والمجتمع الحديث، ويرى دعاته أن "العقل المنبثق" – إذا جاز لنا استعارة تسمية محمد أركون لنموذج العقلانية النقدية الذي أفرزه النقد المعاصر للحداثة – يستوعب مكتسبات العقلانية الحداثية ومقتضيات نقدها، ويعبّد الطريق لتوطين التنوير وقيمه في الثقافة العربية الإسلامية في الآن ذاته. وتمثل هذه المواقف الثلاثة أبرز صنوف التلقّي المغربي لخطاب ما بعد الحداثة الذي جرى في ضوء الانشغال بسؤال الحداثة وموقفنا منها؛ فالمتحمسون له غالبًا ما ينتهون إلى إسقاط أسئلته وإشكالياته على الفكر الفلسفي العربي وواقعه، ولا يرون ضيرًا في الانخراط في التفكير في تلك الأسئلة من موقع كونيتها التي نظل، نحن أيضًا، مدعوين إلى الانخراط فيها وملزمين بذلك. ويمكن أن نمثّل لهذا التوجه بأعمال عبد الكبير الخطيبي (2009–1938) وعبد السلام بنعبد العالي (1945–) التي تنمّ عن وعي بالحاجة إلى ذلك الانخراط، وبحتمية "الوضع الميتافيزيقي" الذي فرضه الفكر المعاصر

  1. تيري إيغلتون، أوهام ما بعد الحداثة، ترجمة منى سلام (بيروت: أكاديمية الفنون، 1996)، ص 16؛ كريستوفر بتلر، ما بعد الحداثة: مقدمة قصيرة جدًا، ترجمة نيفين عبد الرؤوف (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2017)، ص.12
  2. فيصل دراج، "ما بعد الحداثة في عالم بلا حداثة"، مجلة الكرمل، العدد  51 (1997)، ص.6

على وعينا الفلسفي10. وفي مقابل ذلك، يمكن أن نميّز في موقف الحداثييّن المغاربة بين اتجاهَين؛ ينتصر أوّلهما للحداثة وقيمها ولا يرى في الترويج لنقدها إلا خدمةً لكلّ التيّارات اللاعقلانية التي لا تزال تسيطر على المجال الفكري العربي؛ إذ يتعلق الأمر بقراءة تنتصر للحداثة وتعتبرها الأفق الفكري والتاريخي الوحيد المتاح أمام الفكر العربي اليوم، وهي القراءة التي نجدها عند عبد الله العروي (1933–)، وتلقي بظلالها على موقفه الرافض لخطاب ما بعد الحداثة، حيث ينبّهنا إلى خطورة توظيف التيارات التقليدية لخطاب نقد العقلانية الحديثة كما يمكن أن نلفيه، مثلًا، عند طه عبد الرحمن (1944–). في حين لا يرى الموقف الثاني في الاستناد إلى النقد ما بعد الحداثي مشكلةً في حدّ ذاته، ويعتبر الإفادة من كشفه عن معاطب العقلانية الحديثة ومنزلقاتها جهدًا نقديًا ينبغي الإفادة منه في بناء تصورنا للعقل والعقلانية كما لموقفنا من الغرب وحداثته، وهذا هو الموقف الذي دافع عنه محمد عابد الجابري (2010–1937) في سياق تصوره للحداثة، بل قاد إلى مراجعة فهم الفكر المغربي لمفهوم ما بعد الحداثة نفسه وتصحيح كثير من مغالطاته، وهذا ما تجسّده مقاربة محمد سبيلا (2021–1942) لهذا الموضوع.

ثانيًا: في استضافة خطاب ما بعد الحداثة

لا يزعم المتحمسون لخطاب ما بعد الحداثة أنهم بصدد إسقاط مضمونه على سياق الفكر العربي من دون أيّ وعي بفرادته وخصوصيته؛ فالأمر عندهم ليس مسألة التعريف بهذا المضمون أو الترويج له، وإنما الأهم من ذلك بعده المنهجي الذي يمثّل أسس العقلانية المعاصرة. ويرون أنّ هذا الخطاب ليس مجرد مضامين فلسفية ومواقف تنتمي إلى تاريخ الفلسفة، وإنما هووليد "ثورة منهجية"، تمكّن معها – من جينيالوجية نيتشه، إلى تفكيكية دريدا، مرورًا بتأويلات هايدغر وغادامير وأركيولوجية فوكو – من بناء منظور معرفي مركّب للحقيقة، يتبرّم من الثابت والجوهري ويبحث عن المنسي واللامفكر فيه، ويهدم المطلق ويزجّ بالمعنى في سراديب النسبية والتوتر والقطيعة. لذلك تبدّى هذا المنظور في صورة نموذج مركّب للمعرفة، ينهل من أكثر من تخصص معرفي، ويمحو الفواصل القائمة بين مجالات المعنى والحقيقة. فلا غرابة أن يرى فيه كثيرٌ من المفكرين العرب منبعًا لمنظور منهجي نقدي قادر على تفكيك بنية العقل وآليات إنتاج المعنى في الثقافة العربية، كما هو الشأن بالنسبة إلى أركون الذي شدّد على ضرورة تطعيم الإسلاميات بمكتسبات النقد الفلسفي المعاصر في سياق ما سمّاه "العقل المنبثق"، الذي من شأن استيعاب درسه أن يحول دون سقوطنا في المعاطب عينها التي عابها نقّاد ما بعد الحداثة على العقلانية الحديثة ومساراتها، من دون أن يتخلّى، على الرغم من ذلك، عن مشروعية شعارات الأنوار وحاجتنا إلى استيعاب قيمها11. وينبغي لنا أن نسجّل، من باب الإنصاف، أنّ أبرز الجهود التي

  1. تمثل أعمال فتحي المسكيني، في تونس، هذا التوجه خير تمثيل. ينظر على سبيل المثال: فتحي المسكيني، الكوجيتو المجروح: أسئلة الهوية في الفلسفة المعاصرة (بيروت: دار الأمان؛ منشورات ضفاف؛ الجزائر: منشورات اختلاف، 2013)، ص 15؛ فتحي المسكيني، الهوية والزمان: تأويلات فينومينولوجية لمسألة "النحن" (بيروت: دار الطليعة، 2001)، ص.151
  2. Mohammed Arkoun, Quand l’islam s’éveillera (Paris: Albin Michel, 2018), p. 25.

بُذلت في توظيف خطاب ما بعد الحداثة أتت من الذين تجاوزوا حدود التعامل معه مضمونًا إلى مستوى الإفادة من منظوره المنهجي في مواجهة إشكالات الفكر المغربي والعربي. وهذا ما يمكن أن نتبيّنه من أعمال الخطيبي وبنعبد العالي.

1. الخطيبي والجذور التفكيكية للنقد المزدوج

عندما يتعلق الأمر بالخطيبي، فإنّ حضور البعد المنهجي لخطاب ما بعد الحداثة في الفكر الفلسفي المغربي يصير أوضح؛ فهو يُعمل تفكيكية دريدا في صياغة خطابه عن "المغرب الكبير" في مرحلة ما بعد الكولونيالية، وانطلاقًا من التفكير في الهوامش ومراجعة فهمنا لوضعية الفكر والمجتمع المغاربَّيَين12. وقد شكّل الانفتاح على "المنسي" و"المهمّش" و"المنبوذ" في الثقافة الإسلامية وتراثها الشعبي والعالم خير تعبير عن حضور هذه الرؤية، التي هي سليلةُ مسار نقد الميتافيزيقا كما صاغه نيتشه وهايدغر، ومحاولةٌ لتخليص الفكر الغربي نفسه من نزعته الاستعمارية على حدّ قول دريدا13؛ بل تبقى الرؤية تلك أفضل مدخل – في نظر الخطيبي – إلى تجاوز النزعات التقليدية، واللاهوتية [العقائدية] والعقلانية التقنية التي هيمنت على الفكر العربي. لكنّ الأهمّ، في سياقنا هذا، أنّ الخطيبي يصدُر عن وعي بالأزمة العميقة التي باتت تهزّ كيان العقلانية الغربية وتعيّن طبيعة الصلة التي ينبغي أن ننسجها بها. ف "الإبستيمية الغربية الحالية، يقول الخطيبي، توجد في أزمة من الداخل بواسطة قوى التجاوز واللاتمركز. وهذه الإبستيمية المتصدّعة تمثّل لنا نحن، حسب أنماط وأشكال متغيّرة ترتسم في صراعاتنا ونزاعاتنا. فلا يمكن والحالة هذه، إلا أن ننضم توًا إلى ما تحقّق كي نحاول تحويله وفق نقد مزدوج"14. ولئن كان هذا القول يأتي في سياق دعوة صاحبه إلى تجديد المنظور المعرفي العربي الذي ظل، في نظره، ضحية تبعيته لنموذج المعرفة الغربية وعقلانيتها الإقصائية كما تجلّت في المقاربة الاستشراقية، فإنه يشي، في الآن ذاته، باقتناعه بإمكانية الإفادة من وضعية الأزمة المعرفية التي ألمّت بالعقلانية الغربية ونموذجها المعرفي في بلورة نموذج أنسب، وأقدر، على تفهّم سياق العالم العربي وقضاياه، وهو النموذج الذي أتى مفهوم النقد المزدوج يعبّر عنه. صحيح أنّ الخطيبي ما انفكّ يشدّد على إمكانية – بل ضرورة – بناء "عالم من دون نماذج"، ومتحرّر من سطوتها، وأنّ هدفه لم يكن تشييد "نموذج فكري" "وحيد" و"نهائي" يدّعي الانفراد بالحقيقة ويحلّ محلّ النماذج العتيقة والمتهالكة (كالماركسية والبنيوية) التي ما عاد من الممكن الاكتفاء بها لفهم تحولات المجتمع العربي وأسئلته، وإنما رمى إلى تحرير الوعي العربي كما الغربي من سطوة فكرة النموذج نفسها، وترسيخ منظور "البين–بين" باعتباره رؤية تركيبية، من شأنها أن تجمع بين تخصصّات ومناهج متعددة، وأن تسعفنا بالوعي بانقلابات

  1. Abdelkébir Khatibi, Maghreb pluriel (Paris: Denoël; Rabat: SMER, 1983), p. 48.
  2. يقول عبد الكبير الخطيبي: "لقد اعتقدت دائمًا أنّ المسمى تفكيكًا إنما هو شكل راديكالي من أشكال تخليص الفكر الغربي من نزعته الاستعمارية"، ينظر: (Paris: Al Manar, 2008), p. 34 Derrida en effet Abdelkbir Khtibi,.
  3. عبد السلام بنعبد العالي، الخطيبي والفلسفة، ضمن أعمال ندوة: عبد الكبير الخطيبي: أي إرث ترك لنا؟ (الرباط: أكاديمية المملكة المغربية، 2019)، ص.21

المجتمع المغربي وتشّكلّاته المتعدّدة والمتناقضة والمختلفة. لذلك، يتحرّك الخطيبي، مثلما هو الشأن بالنسبة إلى دريدا، بين أكثر من تخصّص معرفي، وينهل من أكثر من رؤية منهجية: من النقد السوسيولوجي والسيميولوجيا والأدب والتاريخ... إلخ، لتتخذ مقاربته شكل استراتيجية في الفهم متعددة المواقع، تتنكّب الدوائر المغلقة للمعنى، وتسعى لتفجير نصوصه من داخلها. ويوحي كل ذلك بقوة حضور منظور "ما بعد حداثي" على مستوى تصوره المنهجي، يتبرّم من أحادية المنهج، بمعناه التقليدي، وينفتح على المعرفة المركّبة التي تعكس الطابع التركيبي للفكر والمجتمع المعاصرَين. ويتعلق الأمر، إذًا، ب "بردايم" معرفي مركّب يسلّم بنسبية الحقيقة والمعنى وتاريخيتهما، ويمحو الفواصل والحدود العتيقة التي أقيمت بين مجالات المعرفة الإنسانية، ويُرسي دعائم فهم مغاير للإنسان وشروط وجوده15. يتّضح، إذًا، أنّ الخطيبي لم يكن في زمرة الباحثين العرب الذين اكتفوا بالتعريف بخطاب ما بعد الحداثة في المجال الفكري العربي، ولا ادّعى إمكانية إسقاط مقولاتها الكبرى على الواقع العربي. وظلّ يستحضر أسئلة المجتمع العربي في تعامله مع المرجعيات الفكرية المعاصرة، على الرغم من اتخاذه الكونية أفقًا لفكره. وبذلك يكون فكره نموذجًا لمحاولة استيعاب النفس التفكيكي لفكر ما بعد الحداثة، والمضي بعيدًا في إعماله في فهم أسئلة المجتمع العربي وتفكيك أسس فكره، بحثًا عمّا سمّاه "فكرًا مغايرًا" قادرًا على الانفلات من سطوة العقلانية الكلاسيكية وهيمنتها على الثقافة المعاصرة. فيقول في هذا المعرض: "عندما نحاور فكر الاختلاف الغربي (سواء فكر نيتشه أو هايدغر أو بلانشو أو جاك دريدا) فإننا لا نأخذ في اعتبارنا أسلوب التفكير فحسب، وإنما كذلك الاستراتيجية المتّبعة كي نجعلهما في خدمة نضالنا"16. ويتعلّق الأمر بفكر يسعى لتجاوز مضمون الفلسفة المعاصرة، ويركّز بالأحرى على منظورها المنهجي والاستراتيجي، ما يجعل من "الفكر المغاير" مهمّة لا تنتهي، "فالفكر، يقول الخطيبي، لا يعرف المعجزات، وفي ميدان الفكر ليس هناك إلا قطائع وانفصالات"17. وعندما يدعو هذا المفكر إلى تصفية الحساب مع أسس العلوم الاجتماعية ومسلّمات كتابتها، فإنه يشير بذلك إلى ضرورة استعادة الصلة المتينة بينها وبين الفلسفة، بما يعنيه ذلك من اعترافٍ بأن الممارسة تظلّ عمياء من دون رؤية فلسفية واضحة، ورفضٍ لنموذج العقلانية الضيّقة الذي استلهمته فلسفة العلم الوضعية. فقد كان دأب الأخيرة إفراغ المفهوم من مضمونه الحيوي واجتثاثه من سياقه التاريخي والاجتماعي، فضلًا عن أنها تجاهلت مشكلة اللاشعور18 تحت وطأة جاذبية مفهوم العقلانية العلمية نفسه، متناسيةً أنّ ثمة تفاعلًا حيويًا بين العلم والتاريخ والأيديولوجيا. ويدعو الخطيبي إلى تجنّب إغراء النماذج في بناء

  1. حول التلقي العربي للحداثة الغربية ينظر: محمد سبيلا، الحداثة وما بعد الحداثة، ط  2 (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2007)، ص 100؛ محمد سبيلا، في الشرط الفلسفي المعاصر (البيضاء: أفريقيا الشرق، 2008)، ص 69؛ فتحي التريكي وعبد الوهاب المسيري، الحداثة وما بعد الحداثة (بيروت: دار الفكر المعاصر،.)2020
  2. بنعبد العالي، ص.18
  3. المرجع نفسه.
  4. عبد الكريم الخطيبي، النقد المزدوج (الرباط: منشورات عكاظ، 2000)، ص.10

رؤيتنا المعرفية؛ إذ الأهم عنده ليس أن يكون المرء ماركسيًا أو سارتريًا أو هايدغريًا، وإنما التفكير بكيفية مغايرة في أسئلة الهوية والتراث والتاريخ، على نحو يلحظ طابعها المركّب والحيوي الذي ينضح بالتناقضات والتقابلات، وهو ما يجعله في تنطّع دائم من قبضة العقلانية الكلاسيكية ومنظورها الأحادي. ويحضر هذا المنظور المتوتر، على سبيل المثال، في تصوّره ل "المغرب"، حيث نقرأ له في هذا المعرض قوله: "حقًا، يكون الملاحظ غربيًا وشرقيًا في مسألة المغرب. لماذا؟ لأنّ وجود المغرب قائم بين الغرب والشرق، بين المغرب والمشرق، بين التاريخ وما قبل التاريخ، بين الميتافيزيقا وما يناقضها، بين العرب والبربر، بين الدين والسحر، بين القبيلة والإقطاعية من جهة، والرأسمالية من جهة أخرى، بين–بين "[...]19. وإذا كان فكر "البين–بين" يستدعي تجاوز الفهم التقليدي – الميتافيزيقي للهوية والاختلاف، فإنه يستدعي، كذلك، نقدًا مزدوجًا قادرًا على تغيير المواقع وخلق التوترات أكثر من سعيه لاتخاذ مواقف ثابتة. ويتردّد، في هذا النقد، صدى رؤية هايدغر للهوية وتصور دريدا لاستراتيجية التفكيك والتموقع داخل النصّ وخلخلة تمركزاته. غير أنّ الخطيبي يزجّ بالنقد ذاك في عوالم الإنسان المغربي وتاريخه وثقافته، "فهو [الإنسان المغربي] يحمل في أعماقه كلّ ماضيه قبل الإسلامي والإسلامي والبربري والعربي والغربي. أهم شيء إذن [والقول للخطيبي] هو ألا نغفل هذه الهوية المتعددة التي تكوّن هذا الكائن. ومن جهة أخرى يجب أن نفكر في الوحدة الممكنة بين هذه العناصر جميعًا. إلا أنها وحدة غير لاهوتية تترك لكل عنصر نصيبه من التميّز، وتتيح بالنسبة للمجموعة حرية الحركة"20. ليس النقد المزدوج، وفق هذا التصور، مجرّد استقدام لنموذج معيّن من النقد صِيغَ في تاريخ الفلسفة، ولا هو مجرد إسقاط لمقولات النقد المعاصر على الواقع العربي وتراثه، بقدر ما هو تحرك بين الميتافيزيقا الغربية والميتافيزيقا الإسلامية. وهكذا، نظر الخطيبي إلى علاقته بالفكر الغربي، ويبدو أنّ كثيرًا ممن ساروا على دربه من المدافعين عن إمكانية الإفادة من المنظور التفكيكي، الذي يرون فيه جوهر الفكر المعاصر21، ظلّوا مقتنعين بمشروعية الانتهال من هذا الفكر، خاصة على المستوى المنهجي. وإذا نظرنا إلى المسألة من هذا المنظور أدركنا أنّ الأهم ليس درجة الشغف الذي خلّفه فيلسوف كهايدغر عند الباحثين العرب منذ بدوي، وإنما الكيفية التي أثّرت بها استراتيجيته في مساءلة تاريخ الفلسفة وتأويل نصوصها الكبرى وتفكيك أزمة الإنسان الحديث في فكر الفلاسفة العرب22. أمّا التساؤل إذا ما كانت إشكالية هايدغر، على سبيل المثال، تعني "فعلًا " الحقل الفلسفي العربي هو

  1. عبد الكبير الخطيبي، "المغرب كقضية فلسفية"، أقلام، العدد  3 (نيسان/ أبريل 1978)، ص 5؛ ذكره: بنعبد العالي، الخطيبي والفلسفة، ص.19
  2. بنعبد العالي، الخطيبي والفلسفة، ص  20؛ Khatibi, p. 13.
  3. بتلر، ص.16
  4. بذلك نتجنب حكم مشير عون عن طبيعة حضور هايدغر في الفكر العربي، لأنّ ما يعنينا ليس حجم شغف الفلاسفة العرب بفكره، وإنما مفعول رؤيته الفلسفية في تحديد ملامح مقاربتهم لبعض أسئلتهم. هذا ما سنحاول إثباته من خلال الوقوف، ولو باختصار، على الكيفية التي أعمل بها بنعبد العالي والمسكيني هايدغر في مقاربة سؤالَي الهوية والتراث. ينظر في هذا المعرض: مشير باسيل عون، هايدغر والفكر العربي، ترجمة إيلي أنيس نجم (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.15

الآخر، فإن هذا الأمر يظلّ غير ذي قيمة من هذا المنظور، طالما أنّ أصحابه يبنونه على مسلّمة كونية تلك الإشكالية المتأصلة في وحدة الوضع الفلسفي الميتافيزيقي الذي فرضه نقد الحداثة في السياق الفلسفي المعاصر.

2. بنعبد العالي والنقد المعاصر للميتافيزيقا

يمثّل خطاب بنعبد العالي نموذجًا لفكر فلسفي حاول استضافة أسئلة الفكر المعاصر وذهب بعيدًا في التفكير فيها من موقع الوعي بكونيتها وضرورة الانخراط فيها، بل يمكن القول إنّه كان من الذين وطّنوا إشكالية نقد الميتافيزيقا، كما صاغها الفكر الفلسفي المعاصر، في جغرافيا الفكر الفلسفي العربي. ويثوي خلف انشغال بنعبد العالي بنقد الميتافيزيقا وعيُه بأن الأخيرة ليست مجرد فكرٍ مفارق لواقعه، ولا هي عبارة فارغة من المعنى كما قال عنها خصومها، بقدر ما هي رؤية إلى الذات، والآخر، والهوية، والاختلاف، والزمن، والتاريخ. لذلك لم تكن انعطافته23 على دراسة أسس الفكر الفلسفي الحديث مجرّد اختيار أكاديمي محض، بقدر ما أملاها عليه وعيه بأهمية إشكالية نقد الميتافيزيقا في هذا الفكر، وما يعنيه ذلك من إمكانيات الإفادة من درسه في صياغة فهم معقول لأسئلة شرطنا المعاصر. ويرمي بنعبد العالي، في أسس الفكر الفلسفي المعاصر، إلى تعقّب مسارات هذا الفكر انطلاقًا من إشكالية "مجاوزة الميتافيزيقا" وتفكيكها؛ حيث تتّخذ عنده المجاوزة صورة مشروع نقدي يرمي إلى مساءلة أسس الحداثة ومشروعية مبادئها الكبرى، وهو مشروع أسهم فيه فلاسفة كبار من أمثال كارل ماركس Karl Marx (1883–1818)، ونيتشه، وهايدغر، وفوكو، ودريدا. لذلك، اتخذ نقد الحداثة شكل بحثٍ مضنٍعن "خلاص" يتحقق فيه انعتاق الإنسان من ربقة العقلانية الحداثية ورؤيتها الميتافيزيقية إلى الإنسان والعالم. تبدو كتابات هؤلاء الفلاسفة، حسب بنعبد العالي، "محاولات لإقامة مجاوزة فعلية للميتافيزيقا لا تقتصر على اتهامها من 'الخارج' وإنما تسعى إلى الوقوف عند أصولها لخلخلة أزواجها وتقويض منطقها"24. والميتافيزيقا المقصودة، في هذا الصدد، هي ميتافيزيقا الحضور، التي شخّصها نيتشه في مقاربته الجينيالوجية انطلاقًا من بنيتها الأفلاطونية القائمة على قلب العالم، والتي عمل هايدغر على تقويضها في سياق حديثه عن مجاوزة الميتافيزيقا. ويعتقد بنعبد العالي، مسايرًا في ذلك هايدغر، أنّ ما يختصّ به الوجود في الحقبة الحديثة هو خضوعه للتقنية وهيمنة الأخيرة على تصورنا للعالم. ويكمن جوهر التقنية في الإنتاجية؛ فهي شكل من أشكال الممارسة قوامه ترييض [La mathématisation] العالم وإخضاع الطبيعة لمنطق الحساب وسطوة التمثّل. وتصدر هذه الممارسة عن إرادة معرفة تدفع الإنسان إلى استعقال الوجود وتحويله إلى رصيد وخزّان. لذلك شدّد هايدغر على أنّ التقنية شكّلت انقلابًا أنطولوجيًا اقترن بميتافيزيقا التمثّل والذاتية، وغيّر تصوّر

  1. اشتغل بنعبد العالي، بداية، على الفلسفة السياسية عند الفارابي، قبل أن ينصرف إلى الاهتمام بإشكالية الفكر الفلسفي الغربي المعاصر. ينظر: عبد السلام بنعبد العالي، الفلسفة السياسية عند الفارابي (بيروت: دار الطليعة،.)1999
  2. عبد السلام بنعبد العالي، أسس الفكر الفلسفي المعاصر (الدار البيضاء: منشورات توبقال، 1998)، ص.19

الإنسان للوجود، والحقيقة، والإنسان والزمان، الأمر الذي جعل من التقنية قدرًا أنطولوجيا بالنسبة إلى الإنسان الحديث25. بيد أنّ الأهمّ، بالنسبة إلى بنعبد العالي، هو اقتران التقنية بنفي الاختلاف وفرض منطق التشابه والوحدة على الوجود والوعي معًا؛ حيث يحشر الإنسان نفسه في هذه الوحدة والانسجام، "ويمتدّ الموجود في غياب الاختلاف، ذلك الغياب الذي لا يضمن ويضبط إلا عن طريق الفعالية والتنظيم الذي يستجيب لمبدأ الإنتاجية. ورغم أنّ هذا المبدأ يظهر أنه يؤدي إلى نظام تراتبي، إلا أنه يقوم، أساسًا، على غياب التراتب، حيث إنّ مرمى الإنتاج ليس إلا الفراغ الموحد"26. بذلك، تكون التقنية والميتافيزيقا محوًا للاختلاف وسيادةً لمنطق الوحدة والمطابقة والتشابه. إنها "ما تبقّى لنا من الهيغلية" (على حدّ قول فوكو)، وترجمة للمكيدة التي نصبتها لنا الأخيرة، والتي لم تكن، في نظر بنعبد العالي، غير مكيدة الوجود نفسه27. وهكذا، تتحدّد مهمّة الفكر، بعد هيغل، في مساءلة هذه الرؤية الضيّقة إلى الوجود والعالم، والسعي لزحزحة بنيانها بحثًا عن آثار الاختلاف المكبوتة في تشّكلّاتها التاريخية. يختزل مفهوم مجاوزة الميتافيزيقا هذه المهمّة التي تحضر28، على الرغم من ارتباطها المبدئي بفلسفة هايدغر، في خطاب بنعبد العالي باعتباره عنوانًا لمشروع فكري نقدي يسعى لإخراج العقل والمجتمع الغربي من أزمته. وتتجاور، في أسس الفكر الفلسفي المعاصر، جينيالوجية نيتشه مع مجاوزة هايدغر، وأركيولوجية فوكو مع تفكيكية دريدا، كما انعكست روح هذه المقاربات في قراءته لكل تلك الفلسفات نفسها؛ "ذلك أنّ تلك المجاوزة تعني، في نهاية الأمر، إقامة عالم مرايا ونظائر، وعالم يسكن فيه الآخر الذات، والمشتق الأصل، والعمق السطح، والباطن الظاهر، والاختلاف الهوية. إنه عالم تتخلخل فيه الأزواج الميتافيزيقية"29. وبناء عليه، سعى بنعبد العالي لإقامة ما سمّاه "تاريخًا مضادًا" من أجل "الوقوف عند المحاولات التي سعى فيها التاريخ إلى محاكمة الفلسفة لإرساء أسس تاريخ يقلب تاريخ الميتافيزيقا، بل ويقلب التاريخ الميتافيزيقي ذاته"30. إننا أمام كتابة جينيالوجية عن الجينيالوجية، وتفكيكية عن التفكيك، وهذا ما يجعل من مقاربته لنهاية الميتافيزيقا خطابًا من درجة ثانية، يمارس الفعل نفسه الذي يفكّر فيه، كما يسهم، مع الذين يتّخذ منهم موضوعًا لاشتغاله، في المجاوزة عينها التي يعتبرها هؤلاء محور فلسفتهم. يصدر بنبعد العالي عن مسلّمة وضعها فوكو مفادها أن عصرنا هذا محاولة للإفلات من قبضة هيغل. فكل تفكير في أسس الفكر الفلسفي المعاصر ينبغي أن يرجع إلى تصوّر هذا الفيلسوف للفلسفة

  1. Martin Heidegger, Essais et conférences (Paris: Gallimard, 1958), p. 37.
  2. بنعبد العالي، أسس الفكر الفلسفي المعاصر، ص.8
  3. نقرأ لبنعبد العالي قوله "هذه المكيدة الهيجيلية ربما لم تكن إلا مكيدة التاريخ الميتافيزيقي بأكمله، بل مكيدة الوجود الذي يفرض علينا أن نعيش على الحقائق، وأن نتكلّم اللغة، ونستخدم المفاهيم ونخلق الوحدات ونركن إلى التراث، ونستشعر نوعًا من الدوام والاستمرار، ونطمئن إلى التشابه والانسجام، ونركن إلى التطابق والوحدة"، في: المرجع نفسه، ص.156
  4. Habermas, p. 42.
  5. بنعبد العالي، أسس الفكر الفلسفي المعاصر، ص.20
  6. المرجع نفسه.

ومهمتها الممكنة؛ فهو أرسى دعائم تصوّر ميتافيزيقي للوجود والزمان في ظلّ اقتناعه بأن الفلسفة أدركت لحظة اكتمالها في نسقه بعد أن صارت فيه معرفة مطلقة31. تنتصب أسماء نيتشه وهايدغر وفوكو ودريدا بوصفهم علاماتٍ على دروب شقّها الفكر الفلسفي المعاصر في رحلة انفلاته من قبضة الهيغيلية. لذلك، يمكن النظر إليها بوصفها مسارات تتقاطع في ما بينها لإنجاز مهمّة واحدة؛ مجاوزة الميتافيزيقا. ومن النافل القول إنّ ما يعني بنعبد العالي من هذه المجاوزة ليس التأريخ لها فحسب، وإنما إظهار أهميتها باعتبارها خطوةً ضروريةً لخلخلة بنى العقل الميتافيزيقي القائم على وحدة الحقيقة وطابعها المطلق. ففي خضمّ هذه المجاوزة، استطاع الفكر الفلسفي الغربي المعاصر أن يعيد النظر في المفاهيم الأساسية المنتظمة للوعي؛ في مفهوم الهوية، والحقيقة، والإنسان، والتاريخ... إلخ. ولم يعد ينظر إلى الهوية باعتبارها ترجمة أمينة للمطابقة، بعد أن قادت جهود الفلاسفة، منذ هيغل ونيتشه، إلى الكشف عن التناقض الذي يسكن هذا المفهوم. وقد أتى تصور هايدغر للهوية ليكرّس وعي الفكر الفلسفي الغربي المعاصر بمدى اقترانها بالاختلاف، بعد أن أسّس لهذا الاختلاف أنطولوجيًا. وتعدّ مجاوزة الميتافيزيقا "استراتيجية لا نهاية لها" في نظر بنعبد العالي32؛ فهي أشبه بمشروع مفتوح لم يكتمل بعد، يكون فيه ما أنجزه الفلاسفة، منذ نيتشه إلى دريدا، خطوات تقودنا إلى تحقيق الغرض البعيد لهذه الاستراتيجية؛ تفكيك الميتافيزيقا والتحرّر من

  1. بذلك يكون اكتمال الفلسفة منطلق التفكير في مجاوزتها، وما حديث ماركس عن قلب الفلسفة وتشديده على أنّ اكتمالها لا يتحقّق على نحو نظري، لأنه لا يجد ذاته إلا في العمل، سوى محاولة للدفع بالاكتمال الهيغلي للفلسفة صوب تجلياته الاجتماعية والسياسية كما هو واضح من تصور ماركس للبراكسيس. غير أن الحل الماركسي لمجاوزة الفلسفة من خلال الزجّ بها في خانة الأيديولوجيا يبدو عقيمًا، طالما أنه سليل الرؤية الفلسفية/ الميتافيزيقية عينها التي حاول تجاوزها، ويسجل بنعبد العالي أن "التفرقة ذاتها بين النظر والممارسة تفرقةٌ تمّت داخل الفكر الفلسفي. لذا فإن مجاوزة الفلسفة لا يمكن أن تتمّ كتتويج تلقائي لتحويل الوضع الذي ساعد على نشأتها". لذلك حاول نيتشه التبرم من منطق تاريخ الفكر الفلسفي نفسه، منبّهًا إلى أنّ هدم الميتافيزيقا يتطلب إدراك أنها تراتبٌ معيّن للقيم، يستلزم الرجوع إلى الوراء في "محاولة لاسترجاع الاختفاء الذي كان وراء كل انكشاف، والغياب الذي كان خلف كلّ حضور". فقد أدرك نيتشه أنّ حفره في تاريخ الحقيقة يقود، حتمًا، إلى هدم بنيانها، بما يعنيه ذلك من وعي بوجود حاجة ملحّة إلى نسف أسس الميتافيزيقا، التي هي عينها أسس الفكر الغربي برمّته، ليعبّد بذلك الطريق أمام مشروع مجاوزتها كما صاغه هايدغر في سياق تقويض الميتافيزيقا. مثل موضوع "نهاية الميتافيزيقا" الوجه الآخر لتصوّر هذا الفيلسوف لما سمّاه بداية الفكر [التفكير]، وهو كناية على فكر جديد قادر على تجاوز منطق المطابقة الحاكم للميتافيزيقا، بما يعنيه ذلك من استذكار للمعنى الأصيل للوجود من حيث هو اختلاف طمرته الميتافيزيقا. تبرز أهمية هايدغر في تاريخ نقد الميتافيزيقا في هذه النقطة تحديدًا؛ فقد كشف عن تجذّر هذه الأخيرة في رؤية إلى العالم تقوم على فكرة المطابقة والحقيقة المطلقة والواحدة، تتمسّك بالتقنية من حيث هي إنتاجيةٌ قادرة على توحيد العالم وتحويله إلى موضوع وفق منطق الاستهلاك والتشابه. فلا مكان للاختلاف في هذا التصوّر، وإذا كان ثمة مدخل لتقويض الميتافيزيقا فإنه يكمن في تفكيك هذا البنيان المتراص من فكر المطابقة والهوية، وخلخلة رؤيته إلى الزمان والوجود. وعلى هذا النحو من النظر، اعتبر فوكو في حفرياته الميتافيزيقا فكرًا يفصل بين النظر والعمل ويدّعي امتلاك الحقيقة، وحاول الوقوف على القواعد التي تتحكم في لعبة الحقيقة، كما حاول دريدا تفكيك ميتافيزيقا الحضور من مدخل تفكيك النص الميتافيزيقي، وهو بذلك لا يختلف عن هايدغر في اقتناعه بأنّ مفهوم الزمان كحاضر مطلق يبقى أساسًا من أسس الميتافيزيقا. سيخضع دريدا نصوص نيتشه وهايدغر وفوكو نفسها للتفكيك، وسرعان ما سيقتنع بأن الميتافيزيقا كانت في جوهرها فكرًا يعمل على محو المباينة والاختلاف، لذلك سينحت مفهوم La Différance الذي سيتخذ، في متنه، شكل عملية توليد مستمرة للاختلافات والفروق داخل نسيج النص الميتافيزيقي نفسه. نفهم، في ظل هذا المعطى، لماذا شغل دريدا حيزًا كبيرًا في كتابات بنعبد العالي المسكونة بسؤال الكتابة؛ فإلى إصراره على مواجهة الميتافيزيقا على مسرح النص والكتابة، فإن دريدا جعل من محو الحدود بين مجالات إنتاج المعنى أحد أهم مقومات استراتيجيته، باعتبار الكتابة سابقة لكلّ أنماط القول وصنوف التعبير، بل يمكننا التموقع داخل النص من خلخلة تمركزات الميتافيزيقا وتوليد الغياب والمباينة داخل سيرورة إنتاج المعنى وحضوره.
  2. بنعبد العالي، أسس الفكر الفلسفي المعاصر، ص.156

قبضة هيغل والرؤية العقلانية الضيقة إلى العالم. ويمكن أن نتفهم هذا الموقف إذا أخذنا في الاعتبار أّن المجاوزة لم تكن تعني إبدال فكر ميتافيزيقي بفكر مناقض له، فهي ليست تفنيدًا للميتافيزيقا ولا إلغاءً لها. فالمجاوزة هي نتيجة اتصال متواصل بالميتافيزيقا واستيعاب لتراثها يخلق المسافات ويعرّي الاختلافات والتناقضات الثاوية في تاريخيتها المنسية. وهي لا تتحقق إلا داخل الميتافيزيقا نفسها، وفي خلخلةٍ وتفكيكٍلمنطق المطابقة والوحدة والتشابه. ويؤكد بنعبد العالي أنّ "المجاوزة لا تتمّ، ولا يمكن أن تتمّ بمعزل عن التاريخ الميتافيزيقي، وأنّ توليد الاختلاف وخلق الفوارق لا يتمّ بعيدًا عن التطابق والهوية. فلا معنى لاستراتيجية الهدم إلا مقابل استراتيجية البناء، ولا موت بدون حياة، ولا تعدد بدون وحدة، ولا اختلاف من غير تطابق". ويعني هذا القول أنّ "الفصل لا بد وأن يفترض التقريب والمصالحة، وكلاهما يدخل في باب تحديد الاختلاف"، كما يعني ذلك أنّ "المجاوزة لا بد وأن تفترض الميتافيزيقا، وكل حقيقة لا بد وأن تفترض اللاحقيقة، وكل انكشاف لا بد وأن يفترض الاختفاء"33. في هذا الجوّ من التناقض والتجاذب بين المعنى واللامعنى، والحضور والغياب، والذهاب والمجيء في سراديب النص والتيه في ثنايا كتابته، تنجز الفلسفة المعاصرة مهمّة نقد الميتافيزيقا. وتجد هذه المهمة لنفسها موطئ قدم في مختلف مجالات الفكر الفلسفي المعاصر، وتضرب بجذورها في التحليل النفسي، والنقد الثقافي، والنقد التاريخي، والفكر الاجتماعي، والفكر السياسي34... إلخ. وهنا، يُخرج بنعبد العالي الميتافيزيقا من معناها الفلسفي الحصري، ويُخرج معها النصّ الميتافيزيقي من دوائره الفلسفية التي ما انفك يتمركز عليها طوال تاريخه، لتصير، من منظوره، فكرًا يتجسد في مختلف مكونات الثقافة والوعي35. وينبغي لنا أن ننتبه إلى أنّ هذه النقطة هي التي تفسّر إقبال كثير من المفكّرين العرب على خطاب النقد الفلسفي للعقل الحداثي، حيث بيّن عمله ذاك أن الميتافيزيقا ليست مجرّد مفهوم أو عبارة فارغة من المعنى، وإنما هي ضرب من ضروب الوعي ونحو من أنحاء الوجود، تحمل في طيّاتها وعيًا معيّنًا بالتاريخ والذات، وتحدّد علاقة الإنسان بالعالم وبالآخرين. لذلك سرعان ما غدت الميتافيزيقا محددًا من محددات الثقافة لأنها حاضرة في كلّ مكان؛ في تصوّرنا للمجتمع والعيش المشترك، كما في السياسة واقتصاديات السلطة، والتاريخ وتدبيرنا للحقيقة. كان الاستناد إلى النقد المعاصر للميتافيزيقا، إذًا، خطوة في طريق تفكيك التصور المغلق للهوية، بما يعنيه ذلك من ترسيخ الوعي بتاريخية الحداثة ومفاهيمها عن الإنسان والزمان والحقيقة، وبخصوصية زمنية ما بعد الحداثة ورؤيتها إلى الإنسان. ويصدر هذا الموقف عن مسلّمة "كونية

  1. المرجع نفسه.
  2. Luc Ferry, Apprendre à vivre: Traité de philosophie à l’usage des jeunes générations (Paris: Flammarion, 2009), p. 243.
  3. يقول في هذا المعرض؛ "تتمتع الميتافيزيقا إذن بنوع من الصلابة والترسيخ؛ إنها منقوشة على الأحجار، موشومةٌ على الأجساد التي تحفظ آثار التاريخ، ما دامت هي مولد الرغبات. ففيها تنعقد عراها ثم تختفي بغتةً، بل فيها تنحلّ لتدخل في صراع تتلاشى بعده في أثر بعضها، ويوالى خصامها على هذا النحو بلا كلل. ولأنّ الأمر كذلك فهناك صراع بين الإرادات وتدرج القيم واختلاف للمعاني ونظام للحقيقة"، ينظر: بنعبد العالي، أسس الفكر الفلسفي المعاصر، ص.158

وضعية ما بعد الحداثة". والظاهر من مقاربة بنعبد العالي أنّه أرجع الكونية تلك إلى التقنية ومفعولها في توحيد العالم وفرض وضع ميتافيزيقي على الإنسان المعاصر. وهو بذلك يشارك دعاة النقد المعاصر للحداثة منطلقاتهم ومبادئهم النقدية. وقد انفرد بنعبد العالي عن أضرابه هؤلاء بالتركيز على الحيّز الميتافيزيقي لخطاب ما بعد الحداثة، معتبرًا أنه يمثّل "أسس الفكر الفلسفي المعاصر". وحاول أيضًا مدّ الفكر الفلسفي العربي برؤية انفصالية إلى تاريخ الأفكار من شأنها أن تُخرجه من تصوره التقليدي للمنهج ومنظوره التراكمي، لضخّ نفس الفكر المنهجي المعاصر في تصورنا للمنهج الذي لم نفلح بعد في الحسم في سؤاله. غير أنّ الجهود التفكيكية لبنعبد العالي، كما للخطيبي من قبل، اختارت لنفسها التحرك في عالم النص والكتابة، ولم تجد طريقها إلى النقد الثقافي الذي من شأنه أن يضخّ نفسها التفكيكي في شرايين الثقافة المغربية والعربية، هذا إضافة إلى أن مسلّمة كونية "وضعية نهاية الميتافيزيقا" ظلت تحيل، في هذا الخطاب، إلى الميتافيزيقا الغربية في الدرجة الأولى ومن دون التساؤل عن مشروعية الحديث عن "ميتافيزيقا إسلامية" لها نظامها المعرفي والتاريخي الخاص الذي يستلزم منظورًا فريدًا لفهمه وتفكيكه. صحيح أن "النقد المزدوج" – كما صاغه الخطيبي – ظلّ يرمي إلى تفكيك الميتافيزيقا الغربية والإسلامية معًا، بيد أن فكرة التفكيك نفسها بقيت عنده متأصلة في المنظور الغربي للنقد والتفكيك وموت الحقيقة وهيمنة النص والكتابة. ونسجّل، في الأخير، أنّ صورة الأزمة التي يرسمها هذا الخطاب عن العقل والعقلانية الغربية الحديثة من شأنها أن تصير نبعًا لا ينضب لكل التيارات الناقمة على الحداثة والتحديث في العالم العربي، وخاصة منها تلك التي تستند إلى رؤية ضيقة إلى الذات الإسلامية وتاريخها. ولا تهتم كذلك، كثيرًا، بصلة وضعية ما بعد الحداثة بالعولمة وتيّارها الجارف36 الذي يتلفّع فيه واقع القوة والهيمنة المفروض على الشعوب، وتدمير سيادة الدولة الوطنية، بغطاء موت الحقيقة وضرورة تقبّل فكرة موت الإنسان ونهاية التاريخ، تحت وطأة تصاعد نموذج الإنسان المستهلك والعالم المنهمر والسائل37. وليس الغرض من هذه الملاحظة نقض خطاب ما بعد الحداثة، وإنما التنبيه إلى المنزلقات التي قد يقود إليها تبنّي إشكاليته في سياق فكري ووضع سياسي واجتماعي مختلف عن سياق نشأته في الغرب الحديث، وهذا ما فطن إليه نقّاد هذا الخطاب من المفكرين المغاربة المدافعين عن الحداثة والمؤمنين بالحاجة إليها اليوم.

ثالثًا: "ما بعد الحداثة" وسؤال "الحداثة" في الفكر الفلسفي المغربي

يصعب فصل تلقّي الفكر الفلسفي المغربي لخطاب ما بعد الحداثة عن اهتمام أبرز أعلامه بسؤال الحداثة والتحديث. وما كان في مقدور مفكّر مثل العروي أو الجابري أن يذهل عن أهمية السؤال ذاك، نظرًا إلى صلته الوثيقة بمشروعَيهما الفكريَين اللذين سعيا من خلالهما لتوطين منظور الحداثة

  1. هارفي، ص.69
  2. باومان، ص.25

في الفكر العربي باعتبار ذلك شرطًا للخروج من وضعية التأخر التاريخي التي هيمنت على تفكيرهما معًا. لذلك أتى موقفهما من خطاب ما بعد الحداثة، في صيغته النقدية الراديكالية خاصة، يجسّد تصورهما للحداثة وعلاقتنا الممكنة بها في سياق ثقافي واجتماعي وسياسي مأزوم. فالعروي، المؤمن بنموذجية الحداثة وكونيتها التي تحيل عنده إلى "المتاح للبشرية جمعاء"، لم يرَ في الدفاع عن خطاب ما بعد الحداثة إلا دعوة فارغة وتوظيفًا لنقد – له سياقه الخاص – في تكريس تخوّفنا من الحداثة، وما ترتب عليه من إمعان في التمسك بالتقليد ومنظوره التراثي المنافي للحداثة. ويمكن أن نعتبر موقف طه عبد الرحمن من الحداثة وعقلانيتها نموذجًا د لًا على هذا الضرب من التوظيف. أما الجابري، وهو الذي ما انفكّ يشكّك في "كونية الحداثة" وأحادية نموذجيتها، فإنّه كان أكثر انفتاحًا على النقد المعاصر، اعتقادًا منه أنّ المعاطب التي عرّاها هذا النقد تبقى في جملة المحاذير التي ينبغي الوعي بها ونحن في سياق التأسيس للحداثة والدفاع عن قيمها وعقلانيتها في السياق الثقافي العربي. ويبدو أن تصور سبيلا يبقى استمراريةً لهذه القراءة؛ إذ عمل فيه على تصحيح مغالطات مفهوم ما بعد الحداثة وبيّن صلته القوية بالمشروع الحداثي وصعوبة التعامل معه باعتباره ردّة على مبادئه التأسيسية الكبرى. وفي ما يلي بيان ذلك.

1. العروي وعبد الرحمن: في الكشف عن منزلقات خطاب ما بعد الحداثة

لم ينشغل العروي كثيرًا بخطاب ما بعد الحداثة، غير أنّه ما انفكّ ينبّه إلى مفعوله السلبي في الوعي العربي المعاصر وموقفنا من الحداثة، بل ذهب إلى حدّ اعتبار الترويج لنقده عائقًا من عوائق التحديث. ونقرأ له قوله في سياق حديثه عن معوقات التحديث: "[إنّ] العائق الأول، كما تبيّن، فكري. وهو المعارضة الغبية الجاهلة أو التفنيد الماكر. القول إنّ الحداثة كانت مروقًا، تنطّعًا، جهالة، ندم عليها أصحابها فلزمت التوبة على القائمين عليها والقائلين بها والداعين إليها. هذا عائق لا سبيل إلى استئصاله، فأمره موكول إلى الحداثة ذاتها، إما تقهره، وإما يتلفها. وإذا كان التلف فكلنا خاسرون"38. وينمّ هذا القول، أولًا، عن اقتناع صاحبه بحتمية الحداثة التي تمثّل، وحدها، سبيل النجاة بالنسبة إلى العالم العربي، وضياعها يعني ضياع الجميع في نظره. ويسلّم القول ذاك، ثانيًا، بقدرة الحداثة على تجاوز الدعوة الراديكالية الرافضة لها، وهذا ما يعني أن هذا النقد هو نتيجة طبيعية لمسار تقدّم الحداثة نفسه؛ فالأمر لا يتعلّق بانقلاب عليها وقطيعة مع منطقها، وإنما بتعميق لها ولنتائجها؛ إنها مراجعة ذاتية أنجزها العقل الحديث لنفسه، ولا ينبغي تصويرها، في الوعي العربي الذي لم يستوعب بعدُ منطق الحداثة، في صورة تنكّرٍ أو كفرٍ بها وتسفيهٍلها. إنّ ما يزعج العروي في النقد الجذري للحداثة هو إمكانية أن يوظّفه خصومها في الثقافة العربية اليوم في نسف مشروع التحديث وتكريس موقف عدمي من الحداثة على مختلف المستويات. فباسم نقد العقل الحديث، والكشف عن أحاديته وانغلاقه و"ألينته" (استلابه) للإنسان، وتهديده المستمر لشرطنا الإنساني ووضعنا في العالم... إلخ، يجري الترويج لعقم الحداثة والتنكّر لقيمها الإنسانية وتقديمها، إلى الوعي العربي، في صورة خطر داهم يتهدد وجودنا برمّته. وليست المشكلة الأساسية، في هذا السياق، مع مضمون خطاب ما بعد الحداثة،

  1. عبد الله العروي، عوائق التحديث (الرباط: منشورات اتحاد كتاب المغرب، 2007)، ص.23

الذي يعكس لحظةً من لحظات تطور الثقافة الغربية كما يتجلى بوضوح في الفنّ والأدب المعاصر39، وإنما مع توظيف خصومها له في العالم العربي الإسلامي. وما كان صدفة أن يكون أولئك من أبرز المهتمين بهذا الضرب من النقد الجذري للحداثة ومشروعها التنويري40. يمكن أن نمثّل لهذا الضرب من التوظيف بفكر طه عبد الرحمن وخطابه الفلسفي؛ فموقفه الناقض للحداثة، الذي استوحى فيه كثيرًا من معالم خطاب ما بعد الحداثة، ما كان يرمي إلا إلى نسف مشروعيتها في الوعي العربي المعاصر، وإظهار تهافت "نموذجها الغربي" في سعي منه لتأسيس ما اعتبره "حداثةً إسلاميةً" ذات نفس أخلاقي تعيد بناء فهمنا للإنسان والسياسة والعالم على أنقاض مبادئ الحداثة الغربية وقيم الأنوار. فكما أنّ كثيرًا من نقّاد الحداثة المعاصرين ذهبوا إلى إظهار ضيق عقلانيتها وانغلاقها، وشدّدوا على ما كان لمشروع الهيمنة على الطبيعة وترييضها من نتائج سلبية على تصور الإنسان لذاته والعالم، وعلى اقتران العقلانية الحديثة بفكرة النقد التي سرعان ما اتخذت من الأخلاق والقيم الدينية والجمالية موضوعًا لها، فكذلك اعتبر عبد الرحمن أن الحداثة الغربية أفقرت الإنسان من كينونته وفصلته عن كل ما هو جوهري في وجوده. والحداثة عنده تقوم على مسلّمات ثلاث، يمكن أن نُرجع إليها أسباب أزمتها، هي: اعتقادها أنّ العقل يعقل كل شيء أولًا، وأنّ الإنسان يسود الطبيعة ثانيًا، وأن كل شيء يقبل النقد ثالثًا41. ولا يتردّد عبد الرحمن في اعتبار هذه المسلّمات آفات قادت إلى تكريس أزمة الإنسان في المجتمعات الغربية، ف "الحداثة قد ورّثت أهل الغرب ضعفًا روحيًا فاحشًا على قدر هذه القوة المادية الساحقة"42. وما يعنيه في الحداثة ليس طابعها المادي، فحسب، الذي حوّل الإنسان إلى آلة أو بهيمة ضالة (على حدّ توصيف هايدغر)، وإنما بالأحرى انفصالها التام عن الدين وأخلاقياته؛ فقد سلّمت الحداثة بإمكانية الانفصال عن الدين، كما سلّمت بضرورة الفصل بين العقل والعلم، وبمحو القدسية أيضًا. وتكون، وفق هذا المنظور، انفص لًا تامًا عن الدين؛ فالسياسة في الحداثة قامت على عقد اجتماعي رام تأسيس إرادة عامة تكون هي منبع المشروعية السياسية، في حين أن الحداثة الدينية ما كانت غير محاولةٍ لنسف سلطة الدين وأولويته43، والحداثة الأخلاقية نفسها كانت تكريسًا لعبودية الإنسان للعقل... إلخ44. ويكمن خلف هذا التصور تسليمٌ ضمني بأن الحداثة كانت نزوعًا إلى القدسية عن العالم وفقًا لما انتهى إليه تحليل ماكس فيبر Max Weber (1920–1864) لعلاقة الحداثة بالعقلنة والبيروقراطية. ويستند عبد الرحمن إلى الطابع

  1. آرثر سي دانتو، بعد نهاية الفن: الفن المعاصر وحدود التاريخ، ترجمة هادية العرقي (البحرين: هيئة البحرين للثقافة والآثار، 2021)، ص.35
  2. ينبغي التفكير، بجدّية، في ما الذي يدفع الإسلاميين، مثلًا، إلى الاهتمام الكثير بباومان وفكرته عن الحداثة السائلة.
  3. طه عبد الرحمن، روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، ط  3 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2013)، ص 46
  4. المرجع نفسه، ص.57
  5. ينظر نقده لما سمّاه "القراءات الحداثة المقلّدة"، في: المرجع نفسه، ص 177. حول البعد الديني لفكر عبد الرحمن ينظر مقاربة نقدية في: رشيد الحاج صالح، "نقد فلسفة طه عبد الرحمن الائتمانية: تداخل السياسة والدين والأخلاق والحداثة"،، تبيّن مج 13، العدد 50 (خريف 2024)، ص.119
  6. عبد الرحمن، ص.48

المادي للحداثة الغربية، وفصلها بين الدين والحياة العامة، لتسفيه مكتسباتها (ما يسمّيه التطبيق الغربي للحداثة) وتعبيد الطريق أمام نموذج جديد لتطبيق "روح الحداثة" تكون "الحداثة الإسلامية" عنوانه الأعمّ. وعلاوة على ذلك، ينهل هذا الموقف من رؤية "أخلاقية صوفية" تقع على الطرف النقيض من المبادئ المؤسسة للحداثة، من قبيل عقلانيتها النقدية، ونفسها التاريخي التقدمي، وتسليمها بمركزية الإنسان والفعل الأخلاقي والسياسي؛ إذ يُرجع إلى تلك المبادئ وتطبيقاتها الغربية المآل المأساوي للمجتمعات الحديثة ووضعية الإنسان فيها. لا مرية في أن نقد عبد الرحمن الأخلاقي للحداثة ليس بالشيء الجديد على نقادها في العالمَين الغربي والعربي، فهو ينهل من وعي مأساوي بواقع المجتمعات الغربية إبان مطلع القرن العشرين واندلاع الحربين العالميتين، وهو يتأصل في حديث بعض فلاسفة الحضارة، منذ أوزفالد شبنغلر Oswald Arnold Spengler (1936–1880)، عن أفول الغرب ونهاية سردية انتصاره الحضاري، وفي تمسّك آخرين بالاختيار الأخلاقي – الديني لمواجهة وضعية المجتمع الغربي الممزّق، كما في الصورة الحالكة التي رسمها نقاد العقلانية الحداثية عن استلاب الإنسان الحديث في عالم انهارت كل قيمه ومعاييره، منذ حديث نيتشه عن العدمية إلى نقد مدرسة فرانكفورت للمجتمع الغربي الذي انتهى، مع المتأخرين من فلاسفتها، إلى اعتبار تشخيص أمراضه المهمة الأولى والرئيس لفلسفتهم الاجتماعية والسياسية45. يرى عبد الرحمن أنّ "ماهية الإنسان ماهية أخلاقية"، وهو ما يعني عنده رفضًا جذريًا للمنظور المادي والاقتصادي للحداثة الغربية، لكنه يجد في موقفه هذا منطلقًا لتأويل أخلاقي لكونية الحداثة يجعل منها إبداعًا إنسانيًا لا يحتكره الغرب من دون غيره من الأمم والحضارات. غير أنه سرعان ما ينتهي إلى صهر الكونية في خصوصية "تجربة/ حداثة" إسلامية ذات نفس صوفي فاقع، يُعلي من شأن الديني ويعتبر الاتصال به أساس الأخلاق والسياسة. وهذه مقاربةٌ لا تختلف عن النقد اللاهوتي للحداثة الذي عرفه الفكر الفلسفي والديني الألماني منذ نهاية القرن التاسع عشر46؛ لذلك رأى فيها خصومها تكريسًا لوعي ديني شقي ينشّط قوى اللاعقل الثاوية في الذات والتراث ويعلن فشل العقل الفلسفي أمام واقع لا ينفكّ ينفلت من قبضته، وتنسف كلّ جهد لتوطين وعي إيجابي بالحداثة ومكتسباتها في الثقافة العربية الإسلامية. ورأى فيها أنصارها أيضًا منظورًا مختلفًا للذات يتيح لها تحقيق استقلالها والانخراط الفعال في الحداثة من موقع التجربة الإسلامية والحاجة إلى الإبداع الذي يُحيي في الوعي الإسلامي صلتَه بالديني والمطلق من جديد، وينأى به عمّا سمّاه "ضيق العلمانية". بيد أنّ الثابت، في الأحوال جميعها، أنّ فكر عبد الرحمن يمثل نموذجًا للتوظيف العربي للنقد المعاصر للحداثة في السياق الثقافي العربي الإسلامي؛ إذ إنّه يستند إلى نقد العقل، كما تبلور في خطاب الفلاسفة المعاصرين، لإثبات منظوره الصوفي المتبرم من النموذج الغربي للعقلانية، بما يترتب عليه من رفض

  1. Louis Carré, Axel Honneth: Le droit de la reconnaissance (Paris: Michalon, 2013), p. 33; Charles Taylor, Les sources du moi: La formation de l’identité moderne (Paris: Seuil, 1998), p. 768.
  2. Theodore Kisiel & Thomas Sheehan (eds.), Becoming Heidegger: On the Trail of His Early Occasional Writings, 1910–1927 (Evanston, IL: Northwestern University Press, 2007), p. 14.

للتصور الحديث للسياسة والدولة والحرية والأخلاق، ويرتدّ ذلك كلّه إلى تبعية للمطلق يفقد فيها الإنسان قدرته على المبادرة والفعل. وما كان الرجل في حاجة إلى كتابة نصّ روح الحداثة، الذي يمكن اعتباره بيانًا في ذمّ الحداثة الغربية وتسفيه مكتسباتها، حتى يصدع برفضه للحداثة الغربية، طالما أنه أرسى دعائم موقفه منها في سياق مشروعه الفلسفي الذي اختار له عنوان فقه الفلسفة. وذهب عبد الرحمن في هذا المشروع، الذي يبذل فيه جهدًا كبيرًا في بناء منظور فلسفي يبعث في الوعي العربي الإسلامي روح الإبداع ويحرّره من أرباق التقليد بحسب اعتقاده47، إلى ربط الفلسفة بالترجمة، معتبرًا أنّ سبب جمود تاريخنا الفلسفي راجع، أساسًا، إلى أعطاب الترجمة وأخطائها، وأن عدم الوعي بالنّفس الإبداعي للترجمة ليس له إلا أن يكرس حالة الجمود نفسها في سياقنا المعاصر. غير أنّه سرعان ما يصهر الإبداع في دائرةٍ جد ضيقة تنسف كونيته وتحصره في دوائر المجال التداولي وخصوصيته الدينية واللغوية والعقائدية؛ ذلك أنّ الإبداع انقلب، عنده، إلى انغماس في الخصوصية التي تتعيّن وفقًا لمقتضيات المجال التداولي كما يتحدّد بالعقيدة واللغة، وفي ضوئه تتّضح أهمية الترجمة في فعل التفلسف48. وتحلّ اللغة49، في حالة عبد الرحمن، محلّ التاريخ، ويفقد المفهوم واقعيته لينصهر في تناغمه المنطقي الصوري النابع من مبدأ اللزوم المنطقي، ليتخذ القول الفلسفي عنده شكل فكر منطقي صوري ضعيف الصلة بالواقع الاجتماعي والشرط السياسي. لذلك، لم يتردّد البعض في اعتبار فكره الفلسفي صدى للمنعطف اللغوي الذي شهدته الفلسفة المعاصرة. بذلك، يرمي فصل "روح" الحداثة عن "واقعها" إلى نسف كونية قيم الحداثة الغربية. ويجد هذا الموقف منطلقاته الفلسفية في تصور عبد الرحمن للفلسفة نفسها باعتبارها قدرة على الإبداع افتقر إليها الفكر الفلسفي العربي طوال تاريخه. ولا شكّ في أنّ دفاعه عن الإبداع يبقى دعوةً لها ما يبررها، خاصّة في ظلّ الجوّ الثقافي والسياسي العام الذي تشكّل فيه وعيه الفلسفي؛ وهو جوٌ غلب عليه وعيٌ مأساوي بالهزيمة والانحطاط، وحمل المفكرين المسلمين والعرب على التفكير في أسبابه وسبل الخروج منه50. غير أنه لا يتساءل، مثلًا، عمّن يحق له تعيين محددات المجال التداولي الذي يعتبر الوعي به شرط الترجمة المبدعة والخلاّقة لروح التفلسف، ولا عن مفعول المحددات التي اختارها في توجيه القول الفلسفي وتحديد طبيعته، ولا حتى عن الحدود المتصورة بين الخصوصية والكونية التي يرسمها المجال التداولي لفعلَي الترجمة والتفلسف. ما يهمّه هو تأسيس حداثة إسلامية يكون فيها الإنسان المسلم فع لًا في العالم المعاصر لا مجرد منفعل به، وهو من هذه الجهة ينتصر للخصوصية الإسلامية في صيغتها الصوفية الدينية باسم تهافت المشروع الحداثي وضيق أفقه، ودرءًا للشرور التي جلبها للإنسان والإنسانية.

  1. طه عبد الرحمن، فقه الفلسفة: المفهوم والتأثيل، ط  2 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2005)، ص.11
  2. المرجع نفسه، ص.216
  3. Taha Aderrahmane, Langage et Philosophie (Rabat: Publications de la faculté des lettres et des sciences humaines, 1979), p. 5.
  4. طه عبد الرحمن، الفيلسوف ابن ساعته (الرباط: مركز مغارب، 2025)، ص.13

يمعن عبد الرحمن في نقد المشروع الحداثي، وما انفك يرمي المدافعين عنه بالمقلّدة، وينفي عنهم القدرة على التأسيس لمشروع فلسفي أو حضاري قادر على الاهتداء إلى روح الحداثة، ويعيب عليهم انبهارهم بالنموذج الغربي الحديث وذهولهم عن "آفاته" التي كشف عنها المفكّرون الغربيون المعاصرون أنفسهم. أما العروي، فظلّ، ولا يزال، مؤمنًا بأن الحداثة تمثّل السقف الفكري الذي ينبغي أن نتطلع إليه على الرغم من كل ما قيل عن عيوبها، وبصرف النظر عن الانتقادات الكثيرة التي يمكن توجيهها إلى نموذجها الغربي. وما يعيبه على الفكر الفلسفي العربي هو عدم إسهامه في ترسيخ منظور الحداثة وعقلانيتها، وانفصاله المزمن عن التاريخ ودروسه. وهذا ما يتضح، على سبيل المثال لا الحصر، في دفاعه عن نظرية الدولة في صيغتها الهيغلية التي تمثل أفقًا – بل سقفًا – بالنسبة إلى فكرنا السياسي على الرغم من كل الانتقادات التي وُجّهت إليها منذ ماركس واللاحقين عليه؛ إذ هي نظرية ترسّخ عقلانية الدولة والحرية والأخلاق، وتنبّه الوعي العربي إلى الحاجة إلى دولة مؤسسات قوية بعيدًا عن المنظور الطوباوي المغرق في المثالية السياسية. بذلك، تكون الحداثة السياسية حاجةً قائمة اليوم بالنسبة إلى العالم العربي، ولا مجال إلى نقض ما تحبل به من تصور للمواطن والحرية والسلطة ولعلاقة الدين بالدولة... إلخ، وهذا عينه ما يرفضه عبد الرحمن باسم تناقضات الحداثة السياسية والأزمة السياسية التي ترتبت عليها في السياق الغربي المعاصر. غير أنّه يؤسس رفضه ذاك على منظور ديني ينسف فكرة التعاقد وعقلانية الدولة، ويعيد بناء المجال السياسي برمّته على التبعية للدين والمطلق51. وبدلًا من الاكتفاء بشيطنة الحداثة الغربية ورسم صورة حالكة عن قيمها ومكتسباتها، يجب الوعي بحاجة الوعي العربي إليها من أجل فهم وضعية التأخر التاريخي وسبل الانعتاق منه. وفي هذا الإطار، يغدو الترويج غير النقدي للنقد المعاصر للحداثة عائقًا من عوائق التحديث في العالم العربي. وضدًا على ذلك، يحاول العروي إثبات حاجتنا إلى استيعاب مكتسبات الحداثة من أجل تحقيق ما سمّاه ثورة ثقافية تُخرج الوعي العربي من ماضويته وتمكّنه من الانخراط في مجريات العالم المعاصر. فهو، من هذا المنظور، مؤمن بكونية الحداثة وإمكانية الانتظام فيها متى تحقق استيعاب قيمها وعقلانيتها في مختلف مستوياتها؛ الفكرية، والسياسية، والأخلاقية، والاجتماعية... إلخ. لذلك، حاول تصحيح الصورة التي رسخت في الذهن العربي عن الغرب، خاصة بُعيد مرحلة التحرّر، التي وظّفت فيها مختلف الخطابات الناقدة للحداثة في الغرب. ومن المعلوم أنّ هذا المفكر ميّز في الغرب بين صورتَين؛ "غرب الظاهر" و"غرب الحلم"؛ "الغرب المتوحش" و"الغرب التائب"52؛ "غرب الإمبريالية" و"غرب النزعة الإنسانية"53؛ ذلك الغرب المرتبط بثقافة يمكنها أن تفيد الجميع، طالما أنّ الغرض من كل ثقافة هو "الإسهام في الرفع من مستوى الإنسان" على حدّ تعبيره54، في خطوة ترمي إلى إثبات كونية الغرب

  1. عبد الرحمن، روح الحداثة، ص.50
  2. عبد الله العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1999)، ص.85
  3. عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006)، ص.21
  4. المرجع نفسه، ص.115

وثقافته التي باتت اليوم في حكم المتاح للبشرية جمعاء في نظره55؛ إذ "إنّ التعرّف على حقيقة كونية هو في واقع الأمر طريق التصالح مع الذات"56. بذلك، يكون الانخراط في الكونية شرطًا للخروج من وضعية التأخر التاريخي، وتحررًا من قبضة النزعات السلفية وتأويلها الضيّق للتراث والمضمون القومي للثقافة العربية57. ولعل ما يميّز تصور العروي للكونية أنه ظل يربطها بالحداثة نفسها، ما يعني أنّ عقلانيتها لا تشكّل عائقًا كما يزعم أنصار نقدها الراديكالي.

2. الجابري وسبيلا: في تصحيح معنى ما بعد الحداثة

اعترض الجابري على هذا الاختيار على الرغم من وعيه بحاجتنا الملحّة إلى الحداثة، معتبرًا أّن الفارق كبير بين الدعوة إلى الانخراط في الحداثة باسم كونيتها، التي تجعل منها أمرًا متاحًا للبشرية جمعاء، والتنبيه إلى أنّ تلقّي العرب للحداثة اتّخذ شكل عملية جراحية قيصرية لاستنبات جذورها في الوجدان العربي. ولا يصدر هذا المفكر عن حنين إلى التقليد أو كفر بالحداثة، وإنما غرضه تجنّب الأسئلة المزيفة التي تجعلنا نذهل عن طبيعة علاقتنا بالحداثة الغربية58. ومهما كنا متحمسين لهذه الحداثة ومؤمنين بحاجتنا إلى مكتسباتها، فإنّ هذا لا ينبغي أن ينسينا "وجهها الآخر" على حدّ تعبير الجابري، والمتمثل في ارتباطها بفكرة التفوق الأوروبي كما بالمشروع الإمبريالي والصهيوني59. وتمسي هذه ملاحظةً على درجة كبيرة من الأهمية عندما يستند إليها الجابري في تفسير وضعية الفشل التي يعيشها العالم العربي بسبب إجهاض مشروعه النهضوي. ف "إذا تعثّر المشروع النهضوي العربي، يقول الجابري، فلأنّه في الحقيقة مشروعٌ قُدّر له أن يسبح ضدّ مشروعين عاتيين يتحركان من موقع القوّة والهيمنة والمعرفة والسلطة؛ المشروع الاستعماري الأوروبي والمشروع الصهيوني"60. كان الأخير، في نظر هذا المفكر، "ردّ فعل احتجاجي على عدم وفاء الحداثة الأوروبية للمبادئ التي بشّرت بها، مبادئ الحرية والمساواة وإعلان حقوق الإنسان والمواطن"61، فضلًا عن أنّ المشروع الاستعماري جسّد الوجه المتوحش للغرب، وكرّس في الأذهان صورة الغرب الغازي المهدّد لوجود العرب، والمنتقص من قيمة فكرهم وتراثهم، بل إنّ "المركزية الأوروبية التي وجّهت تفكير الاشتراكيين والماركسيين داخل أوروبا هي نفسها التي هيمنت على تفكير السوفياتيين منذ لينين. أضف إلى ذلك رغبة الروس الخاصة في أن يكونوا أوروبيين"62.

  1. عبد الله العروي، مفهوم العقل: مقالة في المفارقات (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1999)، ص.16
  2. العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، ص.201
  3. المرجع نفسه، ص.61
  4. محمد عابد الجابري، وجهة نظر: نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر، ط  5 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2015)، ص.79
  5. محمد عابد الجابري، المشروع النهضوي العربي: مراجعة نقدية، ط  5 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2016)، ص.29
  6. المرجع نفسه، ص.38
  7. المرجع نفسه، ص.33
  8. المرجع نفسه، ص.32

تمثّل هذه المشاريع الثلاثة؛ الصهيوني، والاستعماري، ومشروع الاشتراكية العالمية، الوجه الآخر للحداثة الغربية، وهو الوجه الذي ما انفك يحمل على مساءلة أسس هذه الحداثة وشعاراتها الكبرى في الغرب كما في العالم العربي. ويثوي خلف تحفظ الجابري عن كونية الحداثة المطلقة وعيُه بعلاقتها بهذه المشاريع التي تمثّل صورة "الحداثة المنقوصة" على النحو الذي أظهره النقد المعاصر للحداثة وخطابها منذ نيتشه63. ولم تلتزم أوروبا بوعودها الإنسانوية التي قطعتها منذ عصر الأنوار، من تعهّد بالرقي بالإنسان وتحقيق مشروع السلم الدائم، وظلّ الاستعمار خير دليل على تنكّر الحداثة لمبادئها64. فقد "تطوّر الأمر بالحداثة الأوروبية إلى الاستعمار والإمبريالية على المستوى الخارجي، وإلى سجن الإنسان على المستوى الداخلي، الأوروبي – الأمريكي، في نظام اجتماعي اقتصادي ثقافي تكنولوجي جعل منه إنسانًا ذا بعد واحد [...]، وبذلك فقدت الحداثة الأوروبية طابعها الإنساني وأصبحت هدفًا لسهام النقد في الغرب"65. يضعنا هذا الوعي النقدي بالحداثة أمام مأزق تلقّي الفكر العربي لها، بل يكشف عن جزء من هذا "الجرح الأصلي" الذي خلّفه السياق التاريخي لتلقّي الحداثة عند كبار مفكريه66، وعجّل بالانفتاح على النقد المعاصر لها حتى من دون تبيّن البون الكبير القائم بين نقدها هنا، عندنا في العالم العربي، ونقدها هناك في الغرب المتشبع بقيم العقل والعقلانية؛ حيث يبدو نقدها نتيجة لذلك التشبع نفسه، ومحاولة للبحث في العقل المنتج له عن هوامشه المنسية. في هذا السياق عينه يصوغ سبيلا تصوره لخطاب ما بعد الحداثة الذي لم ينفصل، عنده، عن سياق الحداثة الغربية وأشكال تلقّيها. ولعل ما امتاز به تشديده على أنّ للحداثة شروطها التاريخية التي تمثّل سياق نشأتها، وأن اختزالها في مفهوم فلسفي لا ينبغي أن يحجب عنا تعدد مستوياتها ومسارات تشكلها. والوعي بهذه الحقيقة هو ما يفسّر تحفّظه عن التوظيف المتسرّع لمفهوم ما بعد الحداثة من طرف كثير من الباحثين والمتفلسفة العرب، الذين وجدوا فيه خير بديل من الحداثة، معتقدين أنّ ما بعد الحداثة تبقى العلامة الفارقة على فشل المشروع الحداثي وتبدّد كلّ وعوده الأنوارية المبشّرة بانتصار الإنسان. لا ينظر سبيلا إلى "ما بعد الحداثة" باعتبارها مجاوزة وقطيعة مع الحداثة، وإنما هي تعميق لها ولنفسها النقدي. فالحداثة، بطبيعتها، عبارة عن قطيعة مستمرة ومراجعة نقدية لذاتها. وهو لم يتردّد، لهذا السبب تحديدًا، في وصف مصطلح "ما بعد الحداثة" بأنّه "مصطلح خصوصي ومضلّل"67، ويفضّل إبداله بمفهوم الحداثة البعدية درءًا لسوء الفهم الناجم عمّا توحي به عبارة "ما بعد" من نهاية الحداثة من الناحية الزمنية والدخول في مرحلة جديدة مختلفة عنها نوعيًا. والحال أنّ ما بعد الحداثة

  1. يحيل الجابري، في هذا المقام، إلى نقد ماركوز للحداثة، ولهذا الأمر دلالته بحكم انتهال الجابري كثيرًا من عناصر نقده للحداثة، وخاصة ما تعلّق منه بموقع الإنسان الحديث في نظامها الاجتماعي والاقتصادي. ينظر: المرجع نفسه، ص.34
  2. ريجيس دوبري ورينو جيرار، ماذا تبقى من الغرب؟ ترجمة مراد دياني (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)، ص 38؛ عبد الإله بلقزيز، الغرب: صور ومفارقات؛ سردية نقدية (بيروت: منتدى المعارف، 2022)، ص.94
  3. الجابري، المشروع النهضوي العربي، ص.34
  4. محمد سبيلا، الحداثة وما بعد الحداثة (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2007)، ص.42
  5. محمد سبيلا، دفاعًا عن العقل والحداثة (الرباط: منشورات الزمن، 2003)، ص.49

ليست مرحلةً جديدةً مختلفة جوهريًا عن الحداثة، وإنّما هي دفعٌ بمبادئ الأخيرة إلى آفاق أعمق وأبعد. وهذا ما تجلّى في التحّولّات الجذرية التي عاشتها المجتمعات الغربية إبان القرن العشرين على مختلف المستويات؛ الاقتصادية، والتقنية، والفنية، والثقافية، والعلمية... إلخ. ويقول سبيلا "إنّ تيارات الحداثة البعدية هي استمرار لمنطق الحداثة وتعميقٌ لمنظورها، ومن ثمة فهي محملة بشحنة لا أدرية وعدمية أكبر"68. ولتوضيح هذا الموقف، يرجع سبيلا إلى السياق السوسيولوجي لنشأة مصطلح ما بعد الحداثة وخطابها، وهو سياق التفكير في المجتمع الاستهلاكي الذي كان نقده العنوان الأكبر والأبرز لهذا الخطاب. فقد "تولّد لدى كلّ الملاحظين والباحثين والمفكرين اقتناعٌ بأنّ المجتمع الغربي دخل مرحلةً جديدة في تاريخ تطوّره. ومهما تعدّدت أو تلوّنت التسميات فهي إنما تعبّر عن تحوّل يتفق عليه، لكن يختلف في مرجعية تسميته والنظر إليه، مثلما يختلف بصدد علاقة المرحلة الجديدة بالسابقة، وإذا ما كانت هذه تشكّل تحولًا نوعيًا وقطيعة جذرية مع سابقتها"69. وخلف هذا الخلاف بين الدارسين حول ظاهرة التحوّل الكبير الذي داهم المجتمعات الغربية الحديثة، يثوي اقتناع مؤداه أنّ الحداثة أدركت مرحلة قطيعة مع لحظاتها التأسيسية الكبرى، وأنها أفرزت وضعًا مأزومًا بات الإنسان الحديث أكبر ضحاياه. وتجلّت مظاهر تلك التحّولّات في المستوى الاقتصادي والاجتماعي والقيمي الأخلاقي، وترجمت نفسها أيضًا في الفنّ المعاصر بمختلف أشكاله وقطاعاته، قبل أن يشيّع خطاب ما بعد الحداثة، في بعده الفلسفي النقدي الأكثر راديكالية، صرحَ العقل الحديث إلى مثواه الأخير، معلنًا موت الإنسان، وهروب الآلهة. غير أنّ هذه التحولات لم تكن تعني، بالنسبة إلى سبيلا، دليلًا على الخروج من الحداثة وفشل مشروعها التنويري، بقدر ما كانت تعميقًا لأبرز السيرورات المؤسسة للمجتمع الحديث، والتي ما انفكّ مفكروه يحللونها لفهم منطق تشكّله واشتغاله، كما هو بيّن من أعمال إميل دوركايم Emil Durkheim (1917–1858) (التمايز الوظيفي) وماركس (التسليع) وفيبر (العقلنة). ويقول سبيلا: إنّ "مجتمع ما بعد الحداثة هو المجتمع الذي بلغت فيه العمليات المذكورة سابقًا ذروتها، بل تداخلت ولامست بعضها لتخلق حالة من التداخل لا تخلو من إبهامات وإيهامات"70. إننا، إذًا، أمام سرعة ثانية للحداثة عمّقت مسارها ودفعت بسيروراتها صوب آفاق اجتماعية وذهنية جديدة. وعبثًا يعتقد أعداء الحداثة عندنا أنّ المجتمعات الغربية ارتدّت عن الحداثة إلى التقليد، وعن العقل إلى اللاعقل، وعن الحرية إلى التبعية والطاعة؛ فزمنية الحداثة لا تقبل النكوص إلى الماضي. وإذا كان الفكر المعاصر قد شهد تصاعد تيارات فكرية تحتفل باللاعقل في مواجهة العقل، وبالهامش في مواجهة المركز، وبالمخيلة ضدًا على الواقع والحقيقة... إلخ، فإنّ ذلك لا يأذن لنا بالحديث عن نهاية الحداثة باعتبارها رؤية إلى العالم والإنسان والزمن، ولا يحول دون التفكير الجدي في إمكانيات ترسيخها واستيعاب مكتسباتها.

  1. المرجع نفسه، ص.50
  2. المرجع نفسه، ص.68
  3. المرجع نفسه، ص.70

وبصرف النظر عن تصاعد فكرة النهايات في جلّ مناحي التفكير الفلسفي المعاصر، والتي وجد فيها كثيرٌ من الباحثين دليلًا قاطعًا على طغيان نزعة عدمية على فكر ما بعد الحداثة، فإنّ سبيلا لم يرَ في تلك الفكرة إلا تعبيرًا بلاغيًا عن سرعة التحوّل والانتقال التي عاشها الوجود الإنساني في العصر الحديث بمختلف مستوياته. فالحديث عن نهاية الحقيقة، والفن، والعقل، والميتافيزيقا، كما عن موت الإنسان على هذا النحو الجنائزي الذي يحلو لكثيرين الانسياق وراءه، والنظر إليه على أنه علامة على موت الحداثة نفسها، كلّ ذلك لا يكفي لإنكار شرط الحداثة وحاجتنا إلى الوعي بقوتها في حياتنا المعاصرة. نقرأ لسبيلا قوله: "إنّ هذه البلاغات الجنائزية المتعلقة بالموت وبالنهايات لا تخرج عن إطارين؛ إطار التحّولّات النوعية المفصلية السريعة التي تخصّ وتيرة تطوّر الحداثة، وتعكس الأزمة الدورية والتحول الدوري المستمر، كما تعكس فكرة أساسية تجمع بين كل هذه النهايات والموتات؛ وهي غياب الفاعل المفرط أو غياب الفاعل المطلق وسيادة السيرورات والصيرورات"71. واضح أننا أمام تصور انفصالي للحداثة وتاريخيها، لا يكتفي بالنظر إليها من منظور التقدّم التاريخي الاتصالي، إنما يعتبرها قطيعة مستمرة مع ذاتها. ومتى نظرنا إلى الحداثة من هذا المنظور أدركنا أن الحديث عن ما بعد الحداثة كطيٍ لصفحة الحداثة يبقى أمرًا من باب التزيد والمبالغة لا غير. فالحداثة في جوهرها صراع لا يتوقف، وهي "في عمقها من زاوية الزمان توتر حاد وقاتل بين جاذبيتين زمنيتين قويتين؛ بين ارتدادات الماضي واشرئبابات المستقبل". من هذا المنظور يبقى موقف ما بعد الحداثة جزءًا من "التطور الخلاّق" للحداثة، فهذه الأخيرة، يقول سبيلا، "توتر خلاق، توتر زمني يتجاوز ذاته باستمرار لا عن طريق نفي ماضيه وأزمنته السحيقة، بل عن طريق صوغها وإعادة عجنها ضمن تركيبة جديدة يمثلها المستقبل"72. يلخّص سبيلا تصوّره لمفهوم ما بعد الحداثة بقوله: "يبدو إذًا أن ما بعد الحداثة هي تعميق لمسار الحداثة، أو هي سرعة ثانية للحداثة، بمعنى أنها استمرار لمنطق الحداثة ولعمقها الصائر حيث هي نقد مستمر وتجاوز مستمر لذاتها. فما بعد الحداثة هي الحداثة السافرة، الحداثة بدون مساحيق وبدون أوهام [...] هكذا يبدو أنها تحولات كمية كبرى، لكنها ليست تحولات نوعية"73. ويبعث هذا القول برسالة إلى المتوجسين من الحداثة كما إلى خصومها ممن ركبوا موجة ما بعد الحداثة لتسفيه الفكر الحديث والطعن في مكتسباته، والدعوة إلى إنعاش التقليد المطل علينا من ثقافتنا وتراثنا. فالحداثة تبقى، من منظور سبيلا، الأفق الوحيد الممكن أمام الإصلاح، لأن وضعنا التاريخي والاجتماعي والسياسي لا يزال في حاجة إلى مكتسبات الحداثة من أجل تنوير الإنسان وصناعة دولة الحق ومجتمع العدالة والإنصاف. أمّا اللهث وراء شعارات موت الإنسان، وموت الدولة، وعبثية الحرية؛ أي وراء عدمية مطلقة، فليس من شأنه إلا أن يكرّس وضعية التأخر التي لم نستطع بعد الخروج منها.

  1. سبيلا، دفاعًا عن العقل والحداثة، ص.45
  2. المرجع نفسه، ص.42
  3. المرجع نفسه.

خاتمة

حاولنا في أعقاب ما تقدّم بيان أبرز أشكال تلقّي الفكر الفلسفي المغربي لخطاب ما بعد الحداثة، وكان علينا أن نتجنب البحوث التي اتخذت طابعًا أكاديميًا يكتفي بالتعريف برموز ما بعد الحداثة الفلسفية ودراسة متونهم، من أجل تعقّب مفعول هذا الخطاب في تشكّل القول الفلسفي المغربي المعاصر. ونسجّل أنّ التركيز على إشكالية الميتافيزيقا حال دون الاحتفال بالأبعاد الأخرى لإشكالية ما بعد الحداثة، من قبيل صلة خطابها بالليبرالية الجديدة وموجة العولمة ومنظورها الاقتصادي واقترانها بالمجتمع الصناعي وأسئلته... إلخ74. لذلك تبدو محاولة استقدام أسئلته الاجتماعية، من قبيل مسألة الهامش والمركز، والجنس والاختلاف، والعلاقة بين الطبقات الاجتماعية والاقتصادية، وأزمة الفضاء العمومي والمواطنة العالمية وغيرها في حاجة إلى أقلمةٍ وتطويٍعحتى تغدو أقدر على استيعاب خصوصية المجتمع المغربي وأسئلته الفكرية والثقافية. ونلاحظ أيضًا أنّ تسويغ الانشغال بهذا الخطاب اعتمادًا على فرضية كونيته فحسب، حتى في بعدها المنهجي، قد لا يكون كافيًا لبلورة فهم معقول لصلتنا به؛ إذ الحديث عن وضع ميتافيزيقي كوني، مثل مفهوم موت الميتافيزيقا أو نهايتها، لا يكفي لإثبات كونية هذا الوضع، لذلك يبدو استدعاء نقد الميتافيزيقا ومنظوره المنهجي أشبه بإسقاط لإشكاليات نضجت في سياق مراجعة العقل الغربي لتطوره الخاص على وضع فكري وثقافي لا يشارك الفكر الغربي الإشكالية عينها. فموت الحقيقة هناك قد لا يعني موتها هنا؛ وعودة الديني هناك لا تعني عودته هنا (طالما أن العالم العربي لم يشهد عملية نزع السحر عن العالم نفسها التي عرفها العالم الغربي)... إلخ، بل غالبًا ما يجري تجاهل صلة إشكالية ما بعد الحداثة بأزمة المجتمع الغربي كما هو واضح من تعبيراتها الفنية والمعمارية، ويصعب أن ننكر أنّ كثيرًا من مكتسبات النقد الجذري للحداثة يوظّفه خصومها من أجل نسف مشروعية فكرة الحداثة في الفكر العربي المعاصر، وهذا ما يستلزم، كما يرى سبيلا، تصحيح مفهوم ما بعد الحداثة في الفكر الفلسفي العربي والتنبيه إلى صلته الوثيقة بالمشروع الحداثي التنويري الذي نحن في حاجة ملحّة إليه على مستوى وعينا السياسي والأخلاقي والديني والعلمي. ويعني هذا القول، في جملة ما يعنيه، أنّ ما بعد الحداثة خطاب أفرزه مسار نقد الحداثة الغربية ومجتمعها، وهو بذلك مقترن بهذا الأخير، وإذا كان من الممكن أن نتحدث عن "ما بعد حداثة عربية"، فإنه لن يكون غير المراجعة التي ستنجزها الحداثة العربية لنفسها عندما تبلغ ذراها، وهذا أمر لم يتحقق بعد. إن ما بعد الحداثة عندنا مشروع ينتظر تحقق الحداثة، التي لا تزال عندنا هي الأخرى مشروعًا لم يتحقق بعد.

References

المراجع

العربية

إيغلتون، تيري. أوهام ما بعد الحداثة. ترجمة منى سلام. بيروت: أكاديمية الفنون،.1996 باومان، زيجمونت. الحداثة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بتلر، كريستوفر. ما بعد الحداثة: مقدمة قصيرة جدًا. ترجمة نيفين عبد الرؤوف. القاهرة: مؤسسة هنداوي،.2017

  1. Anderson, p. 109.

بغورة، الزواوي. ما بعد الحداثة والتنوير: موقف الأنطولوجيا التاريخية. بيروت: دار الطليعة،.2009 بلقزيز، عبد الإله. الغرب: صور ومفارقات: سردية نقدية. بيروت: منتدى المعارف،.2022

بنعبد العالي، عبد السلام. أسس الفكر الفلسفي المعاصر. الدار البيضاء: منشورات توبقال،.1998 ________. الفلسفة السياسية عند الفارابي. بيروت: دار الطليعة،.1999

_________. الخطيبي والفلسفة، ضمن أعمال ندوة: عبد الكبير الخطيبي: أي إرث ترك لنا؟ الرباط: أكاديمية المملكة المغربية،.2019

التريكي، فتحي وعبد الوهاب المسيري. الحداثة وما بعد الحداثة. بيروت: دار الفكر المعاصر،.2020 الجابري، محمد عابد. وجهة نظر: نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر. ط  5. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2015

________. المشروع النهضوي العربي: مراجعة نقدية. ط  5. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، الحاج صالح، رشيد. "نقد فلسفة طه عبد الرحمن الائتمانية: تداخل السياسة والدين والأخلاق والحداثة". تبيّن. مج  13، العدد 50 (خريف.)2024

الخطيبي، عبد الكبير. "المغرب كقضية فلسفية". أقلام، العدد  3 (نيسان/ أبريل.)1978

_________. النقد المزدوج. الرباط: منشورات عكاظ،.2000

دراج، فيصل. "ما بعد الحداثة في عالم بلا حداثة". مجلة الكرمل. العدد).1997(51

دوبري، ريجيس ورينو جيرار. ماذا تبقى من الغرب؟ ترجمة مراد دياني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023

سبيلا، محمد. دفاعًا عن العقل والحداثة. الرباط: منشورات الزمن،.2003

________. الحداثة وما بعد الحداثة. ط  2. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2007

________. في الشرط الفلسفي المعاصر. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2008

سي دانتو، آرثر. بعد نهاية الفن: الفن المعاصر وحدود التاريخ. ترجمة هادية العرقي. البحرين: هيئة البحرين للثقافة والآثار،.2021

المركز الثقافي العربي،.2013

________. الفيلسوف ابن ساعته. الرباط: مركز مغارب،.2025

________. عوائق التحديث. الرباط: منشورات اتحاد كتاب المغرب،.2007

للأبحاث ودراسة السياسات،.2015

ضفاف؛ الجزائر: منشورات اختلاف،.2013

الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2007

دمشق: دار الفكر،.2003

المنظمة العربية للترجمة،.2005

الأجنبية

عبد الرحمن، طه. فقه الفلسفة: المفهوم والتأثيل. ط  2. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ________. روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية. ط  3. بيروت/ الدار البيضاء: العروي، عبد الله. الأيديولوجيا العربية المعاصرة. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ________. مفهوم العقل: مقالة في المفارقات. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1999 ________. العرب والفكر التاريخي. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2006

عون، مشير باسيل. هايدغر والفكر العربي. ترجمة إيلي أنيس نجم. الدوحة/ بيروت: المركز العربي المسكيني، فتحي. الهوية والزمان: تأويلات فينومينولوجية لمسألة "النحن". بيروت: دار الطليعة، ________. الكوجيتو المجروح: أسئلة الهوية في الفلسفة المعاصرة. بيروت: دار الأمان؛ منشورات ما بعد الحداثة: 1 تحديدات. إعداد وترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي. دفاتر فلسفية. 13 المسيري، عبد الوهاب وفتحي التريكي. الحداثة وما بعد الحداثة. سلسلة حوارات لقرن جديد. هارفي، ديفيد. حالة ما بعد الحداثة: بحث في أصول التغيير الثقافي. ترجمة محمد شيّا. بيروت:

Khatibi, Abdelkbir. Maghreb pluriel. Paris: Denoël; Rabat: SMER, 1983.

__________. Derrida en effet. Paris: Al Manar, 2008.

Taylor, Charles. Les sources du moi: La formation de l’identité moderne. Paris: Seuil,

Gadamer, Hans–Georg. Les chemins de Heidegger. Jean Grondin (trad.). Paris: Vrin,

Lyotard, Jean–François. La condition postmoderne. Paris: Minuit, 1979.

Habermas, Jürgen. Le discours philosophique de la modernité. Paris: Gallimard, 2011.

Carré, Louis. Axel Honneth: Le droit de la reconnaissance. Paris: Michalon, 2013.

Ferry, Luc. Apprendre à vivre: Traité de philosophie à l’usage des jeunes générations.

Paris: Flammarion, 2009.

Heidegger, Martin. Essais et conférences. Paris: Gallimard, 1958.

_________. Phénoménologie de la vie religieuse. Jean Greisch (trad.). Paris: Gallimard,

Arkoun, Mohammed. Quand l’islam s’éveillera. Paris: Albin Michel, 2018.

Anderson, Perry. Los orígenes de la postmodernidad. Barcelona: Anagrama, 2000.

Abderrahmane, Taha. Langage et philosophie. Rabat: Publications de la Faculté des

lettres et des sciences humaines, 1979.

Kisiel, Theodore & Thomas Sheehan. Becoming Heidegger: On the Trail of His Early

Occasional Writings, 1910–1927. Evanston, IL: Northwestern University Press, 2007.