العودة إلى تفاصيل المؤلَّف هراء عصري: سوء استخدام مفكري ما بعد الحداثة للعلم

هراء عصري: سوء استخدام مفكري ما بعد الحداثة للعلم

Fashionable Nonsense: Postmodern Intellectuals’ Abuse of Science

خالد قطب *

Khaled Qutb *

الملخّص

عنوان الكتاب: هراء عصري: سوء استخدام مفكري ما بعد الحداثة للعلم عنوان الكتاب في لغته: Fashionable Nonsense: Postmodern Intellectuals' Abuse of Science المؤلف: آلان سوكال وجان بريكمون. ترجمة: نجيب حصادي. الناشر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للدراسات وتحديث السياسات. سنة النشر: 2025. عدد الصفحات: 383.

Abstract

Professor of Epistemology and Philosophy of Science. Department of Humanities, College of Arts and Sciences, Qatar University. Email: kqutb@qu.edu.qa

الكلمات المفتاحية:
  • ما بعد الحداثة
  • فلسفة العلوم
  • النسبوية
  • فضيحة سوكال
Keywords:
  • Postmodernism
  • Philosophy of Science
  • Sokal Affair
  • Postmodern Epistemology

عنوان الكتاب: عنوان الكتاب في لغته:

المؤلف: آلان سوكال وجان بريكمون. ترجم ة: نجيب حصادي. مراجعة وتقديم: رجا بهلول. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:

الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

مقدمة

ارتكز مشروع الحداثة الغربي على منظومة من المبادئ الفلسفية والمنهجية جعلت من العقلانية، والتجريبية، والموضوعية، والتقدم، قيمًا مركزية. وسعى العقل العلمي الحديث لبلورة منهجية تضمن لملاحظاته، وتجاربه، ونظرياته، سمةَ الموضوعية واليقين. وقد اعتمد هذا العقل في ذلك على تكامل ركيزتين أساسيتين: الرياضيات بما توفره من دقة استدلالية وصرامة منطقية، والمنهج التجريبي القائم على الملاحظة المُحكمة والاختبار. وقد تمثّل الهدف الجوهري للعلم الحديث في السيطرة على الطبيعة وتفسير ظواهرها، بما يخدم التطور الاقتصادي والصناعي للغرب، ويُؤسس لهيمنة الإنسان (الغربي) على العالم الطبيعي3. وفي المقابل، حاول مفكرو ما بعد الحداثة التحول عن المفهوم التقليدي للعقلانية العلمية، فطرحوا رؤى نقدية استهدفت الثوابت المنهجية للحداثة والعلم الحديث. وقد تجسّدت هذه الرؤى في شعار "كل شيء جائز"4 الذي يمثّل في سياقه الفلسفي دعوة إلى تعددية منهجية، ورفَض أي نسق مغلق في ممارسة العلم. وأكدوا مفهوم النسبانية المعرفية الذي يُظهر أن القطيعة المعرفية مع المناهج السائدة قادت إلى اكتشافات ثورية5. غير أن فكر ما بعد الحداثة لم يسلم من التفكيك والنقد. فقد وُجهت إليه انتقادات اتهمته بتقويض الأسس العقلانية للعلم. وقد تجسد هذا النقد على نحوٍ بارز في كتاب آلان سوكال وجان بريكمون هراء عصري: سوء استخدام مفكري ما بعد الحداثة للعلم، الذي سعى لكشف التناقضات والمغالطات في استعمال بعض نصوص مفكري ما بعد الحداثة للمفاهيم العلمية، معتبرًا إياها محض استعارات فارغة تفتقر إلى الدقة والصرامة6.

  1. Bradley G. Bowden, "Empiricism, Epistemology and Modern Postmodernism: A Critique," Qualitative Research in Organizations and Management: An International Journal , vol. 14, no. 4 (2018), pp. 481–497.
  2. لجأ عالم الفيزياء آلان سوكال في عام 1996 إلى خدعة سميت بعد ذلك "خدعة سوكال"، حينما أرسل مق لًا بعنوان "تجاوز الحدود: نحو تأويل تحويلي لجاذبية الكم" إلى مجلة Social Text المرموقة في مجال الدراسات الثقافية والنقدية. كان المقال طويلًا، معقدًا، ومليئًا بالمصطلحات الفلسفية والعلمية. وقد ادعى المقال أن الواقع المادي هو، في الأساس، بناء اجتماعي، وأن نظرية الكم تدعم المبادئ التحررية لما بعد الحداثة. وكان الهدف من هذه الخدعة هو إثبات أنّ قطاعات معيّنة ضمن الأوساط الأكاديمية – وتحديدًا تلك المنخرطة في دراسات ما بعد الحداثة والدراسات الثقافية – تفتقر إلى المعايير التحريرية الصارمة فيما يتعلق بالدقة والموضوعية. ولكن على الرغم من افتقار النص إلى التماسك وخلوّه من الطابع الأكاديمي الرصين، فإن المجلة قبلته. ينظر: Alan D. Sokal, "Transgressing the Boundaries: Toward a Transformative Hermeneutics of Quantum Gravity," Social Text , no. 46–47 (1996), pp. 217–252; أراد سوكال أن يكشف خدعة أنصار ما بعد الحداثة الذين يتبنّون مفاهيم ومصطلحات طنانة، ومعقدة، وخالية من الوضوح المنطقي، والأسس التجريبية السليمة. وبعد أن قبلت المجلة المقال ونشرته في عدد ربيع/ صيف 1996، أعلن سوكال في مجلة Lingua Franca أن المقال كان "خدعة" متعمدة. وكشف أنّه مليء بالادعاءات العلمية الزائفة، والاستشهادات المنطقية الخاطئة، والهراء المقصود الذي يبدو عميقًا فقط لأنه يستخدم لغة معقدة. ينظر: Alan D. Sokal, "A Physicist Experiments with Cultural Studies," Lingua Franca , vol. 6, no. 4 (June–July 1996), pp. 62–64. يمكن عزو جزء من الشهرة الواسعة التي حققها الكتاب إلى التغطية الإعلامية المكثفة التي حظي بها في وسائل الإعلام المرموقة في الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها، التي ركزت على الجانب الساخر من مقاربة المؤلفين النقدية. ينظر في ذلك:
  3. خالد قطب، أنسنة العلم: مقال جديد في العقلانية العلمية (القاهرة: نيوبوك للنشر والتوزيع، 2018) ص 47. وينظر أيضًا: محمد عبد الله المحجري، "الأسئلة والتحولات من عصر العقل إلى ما بعد الحداثة"، تبيّن، مج  10، العدد 40 (ربيع 2022)، ص.147
  4. ارتبط شعار "كل شيء جائز" Anything goes بفيلسوف العلم النمساوي الأميركي بول فايرآبند، الذي يمثّل أحد أبرز فلاسفة العلم المعاصرين. تعكس فلسفته اتجاهًا مهمًا من اتجاهات ما بعد الحداثة، لا سيما في الإبستيمولوجيا وفلسفة العلم. لم يكن هذا الشعار دعوة إلى الفوضى العدمية أو اللامبالاة، بل كان خلاصة نقدية جذرية، استهدفت الصرامة المنهجية وادعاءات وجود منهج علمي موحّد يفضي حتمًا إلى الحقيقة. أو بعبارة أخرى، أكّد فايرآبند أنّ أي محاولة لتقييد الممارسة العلمية بمنهج واحد ثابت هي تقييد للإبداع وتقويض للتقدم العلمي نفسه. ولهذا نجده يؤكد مفاهيم التعددية المنهجية، والنسبانية المعرفية في العلم وفلسفته. ينظر: Paul Feyerabend, Against Method: Outline of an Anarchistic Theory of Knowledge (London: New Left Books, 1975).

يركّز الكتاب على نقد ممارسات مفكري ما بعد الحداثة الفرنسيين المعرفية، والتي يصفها المؤلفان بالاحتيال الفكري أو الهراء. يكمن هذا الهراء في إساءة المفكرين المنتمين إلى فكر ما بعد الحداثة استخدام المصطلحات العلمية الدقيقة (كالفيزياء، والرياضيات) خارج سياقاتها بصفة غير مبررة لإضفاء هالة من العمق والصرامة على خطابهم. يتحدد الهدف الأساس من هذا النقد في تفنيد مزاعم النسبانية المعرفية التي تختزل العلم في "سردية" اجتماعية (ص. 54)، مع التأكيد أن رفض بعض شعوب العالم، لا سيما في الجزء الجنوبي منه، للعقلانية ليس رفضًا للمعرفة ذاتها، بل هو رد فعل على توظيف الغرب الاستعماري لا سيما الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل للشعارات العلمية زورًا7.

أولا: استقبال كتاب "هراء عصري" بين ردة فعل العقلانيين وما بعد الحداثيين

أثار كتاب "هراء عصري" عند صدوره جدلًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية والفكرية، خلال أواخر تسعينيات القرن العشرين. فقد استقبله العديد من العلماء والمفكرين المنتمين إلى التقليد العقلاني بترحيب بالغ، باعتباره دفاعًا ضروريًا عن صرامة الفكر العلمي ورفضًا للتوظيف غير المنهجي للمصطلحات العلمية خارج سياقاتها المشروعة. ورأى هؤلاء أن سوكال وبريكمون

Adrian Carr, "Alan Sokal & Jean Bricmont—Intellectual

قدّما نقدًا مشروعًا لما اعتبراه شكلًا من أشك ل التضليل المعرفي الذي تمارسه بعض تيارات ما بعد الحداثة. في المقابل، وجه عدد من المفكرين ما بعد الحداثيين انتقادات حادة إلى الكتاب، معتبرين أنه يسيء فهم الغايات التأويلية لمشروعاتهم الفكرية، ويتجاهل الطابع المجازي والبلاغي لاستخداماتهم للمفاهيم العلمية. وذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، فادعى أن المؤلفين ينطلقان من تصوّر ضيّق ومحدود للمعرفة العلمية، ويتغاضيان عن إمكانية إقامة حوار خّلا ق بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية8. وهكذا، أصبح الكتاب يمثّل نقطة تحوّل فارقة في النقاش الدائر حول العلاقة بين العلم وخطاب ما بعد الحداثة؛ فقد كشف عن التوتر العميق بين متطلبات الوضوح العلمي وطبيعة الدلالات الفلسفية المفتوحة، وأعاد إثارة التساؤلات الجوهرية حول حدود الشرعية المنهجية في استعارة الخطاب العلمي ضمن سياقات التحليل الثقافي والفلسفي9. ويشير رجا بهلول في تقديمه للكتاب، إلى أنّ تأثير الكتاب في السياق العربي كان محدودًا، على عكس انتشاره العالمي الواسع. ويُرجع ذلك إلى التحدي الرئيس الذي يمثله على القارئ العربي، والمتمثل في اعتماده على منظومة معقدة

Michael Harris, "Science Wars: The Next Generation," Science for the People Magazine , vol. 22, no. 1: The Return of Radical Science (2018).

  1. IMPOSTURES: Postmodern Philosophers’ Abuse of Science," Administrative Theory & Praxis , vol. 22, no. 2 (2000), pp. 430–443. تشكّل "حروب العلم" التي انطلقت في تسعينيات القرن العشرين إطارًا جدليًا لا يزال يُعاد إحياؤه في السياق المعاصر، نظرًا إلى ارتباطه الوثيق بالتحديات الراهنة النابعة من التداخل المعقد بين السياسة والعلم، ولا سيما في أثناء الأزمات البيئية المعاصرة وتصاعد الجدل حول الصدقية العلمية وصناعة القرار. ينظر في ذلك على سبيل المثال: (7) Elizabeth Adams St. Pierre, "Comment: 'Science' Rejects Postmodernism," Educational Researcher , vol. 31, no. 8 (November 2002), pp. 25–27.

من المصطلحات والمفاهيم المستمدة من حقول العلوم الطبيعية والرياضيات؛ وهو ما يستلزم تمكّنًا أساسيًا من هذه التخصصات لتتبّع حجج المؤلفين وفهمها (ص. 16) تأتي مقدمة الدكتور بهلول النقدية منظورًا تحذيريًا موجهًا خاصة إلى المثقفين العرب من التيار اليساري، الذين يتبنّون مقولات ما بعد الحداثة ويروّجون لها من دون فحصها فحصًا نقديًا. ويُعزى هذا القبول، من وجهة نظره، إلى انبهار بعضهم بطابع "الموضة" الذي يحيط بهذه المقولات؛ ما يؤدي إلى تبنيها بصفة سطحية (ص. 28). ويختتم بهلول مقدمته بتساؤل جوهري حول جدوى تبني مجتمعات لم تستكمل بعد مشروعها الحداثي لمقولات ما بعد الحداثة، مثل نفي الحقيقة، أو اعتبار العلم مجرد سردية. فكيف تنتقل إلى "ما بعد الحداثة" وهي لم تحقق "الحداثة" بعد؟

ثانيًا: إساءة استخدام المفاهيم العلمية

لا يمثّل الكتاب هجومًا على حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية، ولا يتخذ موقفًا ازدرائيًا منها، بل يوجّه النقد تحديدًا إلى مجموعة من أبرز ممثلي تيار ما بعد الحداثة، مثل جيل دولوز Gilles Deleuze (1925–1995)، وجوليا كريستيفا Julia Kristeva 1941(–)، وجان بودريار Jean Baudrillard (2007–1929 وفيليكس)، غواتاري Félix Guattari (1992–1930)، ولوس إيريغاري Luce Irigaray (1930–)، جاك لاكان Jacques Lacan (1981–1901)، وبرونو لاتور Bruno Latour (2022–1947)، وجان فرانسوا ليوتار Jean–François Lyotard (1998–1924)، وميشيل سير Michel Serres (2019–1930)، وبول فيريليو Paul Virilio). 2018–1932(ويتمحور الانتقاد حول لجوء هؤلاء المفكرين إلى توظيفِ مقولات لغوية غامضة تشبه "الطلاسم" غير قابلة للفهم (ص. 54)، واستخدام خطاب متعمد الإبهام، يفتقر إلى الضوابط المنهجية، والدقة المفاهيمية، والوضوح التحليلي اللازم في البحث العلمي الرصين. يوضح سوكال وبريكمون، في الفصل التمهيدي من هذا الكتاب (ص 78–61)، الغاية الأساسية من هذا المشروع النقدي، التي تتمثّل في نقد المثقفين الفرنسيين والأميركيين الذين يقدّمون تأويلات مشكوكًا في دقتها للمضامين الفلسفية، والاجتماعية للرياضيات والعلوم الطبيعية، مع تركيز خاص على ما يُعرف ب "النظرية الفرنسية المعاصرة". ويتأسس النقد في هذا العمل على ملاحظة الانتشار الواسع لظاهرة تناول النظريات العلمية على نحوٍ غير منهجي10؛ إذ يُقدم بعض

  1. يسعى العديد من الباحثين في العالم العربي لاستعارة مناهج العلوم الطبيعية ومفاهيمها الأساسية، كالقياس، والتجريب، والإحصاء الكمي، واستنباط القوانين العامة، لتطبيقها في حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية. ينبع هذا التوجه من إحساس بما يُوصف ب "التخلف النسبي" لهذه العلوم وما تعانيه من مشكلات مقارنة بالتقدم الملحوظ في العلوم الطبيعية؛ ما ولّد تيارًا فكريًا يدعو إلى ما يعرف ب "علموية" العلوم الإنسانية خاصة ممن يعتنقون النزعة الوضعية المنطقية والبوبرية. يعتمد أنصار هذا التيار على فكرة "الوحدة المنهجية" التي ترى أنّ المنهج العلمي واحد، وأنّ الاختلاف بين العلوم يقتصر على موضوع الدراسة فقط. وبناءً على ذلك، يدعون إلى ضرورة أن تتبنّى العلوم الإنسانية معايير الصرامة ذاتها المعتمدة في العلوم الطبيعية، بما في ذلك الملاحظة المنظمة، وصياغة الفرضيات، والتجريب، وإخضاع النتائج لمبدأ القابلية للتكذيب، سعيًا لتحقيق مستوى الدقة والموضوعية نفسه. ينظر على سبيل المثال: إبستيمولوجيا العلوم الإنسانية في الفكر العربي والفكر الغربي المعاصر، إشراف وتقديم الشريف زيتوني (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2017)؛ مناهج البحث في العلوم لااجتماعية والإنسانية، ج 1: مقاربات فلسفية وإبستيمولوجية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)؛ سؤال المنهج في الأبحاث لااجتماعية: مقاربات متعددة لااختصاصات، مراد دياني (محرر) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2023 David Bloor وباري بارنز Barry Barnes،

الكتاب على تحليل مفاهيم علمية من دون امتلاك الأدوات المعرفية الكافية؛ ما يؤدي إلى فهم سطحي وغير دقيق. ويؤكد المؤلفان أن نقد مفكري ما بعد الحداثة الفرنسيين يظل مفيدًا لأسباب فكرية، وتعليمية، وثقافية، وسياسية عديدة. ولهذا نجدهما يتناولان في الفصل الثاني جاك لاكان (ص 96–79)، الذي يُعد من أبرز مفكري ما بعد الحداثة الفرنسيين. اعتمد لاكان على المفاهيم الرياضية في بناء نظريته في التحليل النفسي، حيث تبرز الطوبولوجيا والمنطق الرياضي بصفة لافتة في محاولته تفسير "المتعة الجنسية". إلا أنه لم يقدّم أي توضيح منهجي للعلاقة بين هذه الأدوات الرياضية المجردة وأطر التحليل النفسي، ولم يقدّم برهانًا على شرعية هذه المقاربة أو ملاءمتها المعرفية. ويخلص المؤلفان إلى أن استخدام لاكان للرياضيات يظلّ استعارة جوفاء تفتقر إلى المضمون المعرفي. ويتناول المؤلفان في الفصل الثالث من الكتاب (ص 107–97) أعمال جوليا كريستيفا، الناقدة الأدبية الفرنسية والنسوية الناشطة في اللسانيات والسيميائيات، بالنقد والتحليل. ويتمحور الإشكال الأساس حول التناقض الجوهري في مشروع كريستيفا النظري في سعيها الرسمي لبناء "نظرية صورية للغة الشعرية" مستندة إلى نظرية "الفئات الرياضية"، واعترافها في هوامش أعمالها بأن هذا الاستخدام ليس سوى "استعارة مجازية". تواجه كريستيفا إشكالية منهجية أساسية تتمثّل في عجزها عن تقديم تبرير منهجي للعلاقة بين المفاهيم الرياضية (ك "فئات لامتناهية" و"بديهية الاختيار") والمجال اللغوي الذي تدرسه. وتمتد هذه الممارسة المضلّلة لتشمل الفلسفة السياسية والتحليل النفسي باستخدام التحليل الرياضي الطوبولوجي.

ثالثًا: تفنيد مزاعم النسبانية المعرفية

يحلل الفصل الرابع النسبانية الإبستيمية في فلسفة العلم (صفحات 160–109) التي تجلّت في استغلال مفاهيم فلسفية (مثل "لامقايسة النظريات" و"تحديدها") وتحويلها من أدوات تحليلية إلى مسوغات لأجندة نقدية راديكالية مناهضة للعقلانية العلمية11. تنطلق هذه النسبانية من أعمال توماس كون Thomas Kuhn –1922(1996)، وبول فايرآبند Paul Feyerabend (1994–1924) في فلسفة العلم، وتتطوّر في أعمال مدرسة سوسيولوجيا المعرفة (ديفيد بلور ولاتور). إّلا أنّ هذه الظاهرة أسّست ل "نزعة ارتيابية راديكالية" ترفض قيمة المعايير العقلانية في تقييم النظريات العلمية. ويؤكّد المؤلفان رفض الموقف النسباني المعرفي المتطرف، ويدافعان عن موقف واقعي من المعرفة العلمية قائم على قدرتها التفسيرية والتنبؤية. فتراكم الأدلة التجريبية ونجاح النظريات العلمية – مثل الميكانيكا النيوتونية التي تنبأت باكتشاف كوكب نبتون عام 1846 – يشهدان إمكانية بلوغ معرفة موضوعية عن العالم، وإن كانت قابلة للتطوير. ويحلّل الفصل الخامس (ص 176–161) أعمال لوس إريغاراي Luce Irigaray –) 1930(

  1. Steve Fuller, "Postmodernism’s Epistemological Legacies: Objects without Purpose, Movement without Direction and Freedom without Necessity," Revue Internationale de Philosophie , vol. 64, no. 251 (2010), pp. 101–120.

الفيلسوفة النسوية الفرنسية ومنهجيتها التي تجمع بين التحليل النفسي، واللسانيات، وفلسفة العلوم. وهي أعمال تفتقر إلى الدقة المنهجية. ويبرز التحليل أخطاء مفاهيمية جوهرية في أعمالها؛ منها الخلط بين نظريتَي النسبية العامة والخاصة في سياق التطبيقات النووية، وسوء فهم مبدأ القصور الذاتي في النظرية النسبية ومحاولة ربطه بمفاهيم التحليل النفسي، إضافة إلى الخلط بين نظريتَي الانفجار العظيم والسحق الكبير. ونقد المؤلفان فرضية إيريغاري القائمة على تقسيم الفيزياء إلى "ذكورية" (متمثّلة في ميكانيكا الجوامد) و"أنثوية" (متمثّلة في ميكانيكا الموائع)، إلا أنّ هذا التصنيف يفتقر إلى الأسس التجريبية والمنهجية، ويعتمد على استعارات مجازية غير قابلة للتحقق العلمي. ويعالج الفصل السادس (ص 186–177) تحليل لاتور، الأنثروبولوجي الفرنسي وعالم الاجتماع، لنظرية النسبية لألبرت أينشتاين. يُمثّل هذا التحليل نموذجًا لسوء تطبيق المفاهيم العلمية خارج سياقاتها الصحيحة. ذلك أنّ لاتور ينطلق من فرضية "البرنامج القوي أو المكين" في سوسيولوجيا المعرفة، التي تنظر إلى المحتوى العلمي على أنه بناء اجتماعي؛ ما يدفعه إلى معاملة نظرية النسبية على أنها "نظرية اجتماعية في جوهرها". تمثّل حالة لاتور نموذجًا لإشكالية منهجية أوسع في سوسيولوجيا المعرفة المتطرفة، حيث يؤدي التحيّز المسبق إلى الطبيعة الاجتماعية إلى تشويه المضمون العلمي الأصلي. ويوظّف مفكّرو ما بعد الحداثة الفرنسيون نظرية الشواش في خطابهم بطريقة غير دقيقة، وهذا ما فطن إليه كل من سوكال وبريكمون، حينما وجّها نقدهما في الفصل السابع (ص 199–187) إلى ما ينجزه مفكرو ما بعد الحداثة من قراءات غير دقيقة ل "نظرية الشواش والعلم ما بعد الحداثي". وينطلق النقد من تحليل مقاربة لاتور التي تزعم أنّ "علم ما بعد الحداثة يبحث في الاضطرابات" مستندًا إلى صعوبة التنبؤ في فيزياء الكم، من دون أن يقدّم دليلًا تجريبيًا أو رياضيًا يدعم هذا الادعاء. ويكشف التحليل عن مغالطة منهجية أساسية، تتمثّل في اعتبار نظرية الشواش "ثورة ضد الميكانيكا النيوتونية"، بينما الواقع أنّ العديد من أمثلة النظرية مستمدة أصلًا من الميكانيكا النيوتونية ذاتها. ويؤكد المؤلفان أنّ دراسة الشواش تمثّل في الحقيقة "عصر نهضة للميكانيكا النيوتونية" وليس نقضًا لها. أما عن التضليل المنهجي في خطاب جان بودريار، عالم الاجتماع الفرنسي، وهو موضوع الفصل الثامن (ص 207–201)، فينتقد الكتاب الاستخدام الانتقائي للمصطلحات العلمية خارج سياقاتها الأصلية الذي لجأ إليه بودريار. يبتكر بودريار مفردات وهمية مثل "الفضاءات اللا– إقليدية" – التي لا أساس لها في العلم – لخلق وهم العمق الفكري. ويكشف النقد عن مغالطات منهجية عديدة في أعماله؛ منها ادعاء وجود تناقض داخلي في المنطق العلمي، والربط التعسفي بين نظرية الشواش وفرضية "ذاكرة الماء"، وتجاهل كامل للعلاقة السببية. ويتساءل سوكال وبريكمون: ما الذي يتبقى من فكر بودريار عند تجريده من مصطلحاته الزائفة؟ تكمن الإجابة في كشف آلية التضليل المنهجي التي تحوّل الخطاب النقدي عند بودريار إلى لعبة لغوية تفتقر إلى مضمون معرفي رصين. ولم يُستثن دولوز الفيلسوف الفرنسي الأشهر، وفيليكس غوتاري عالم النفس التحليلي

والفيلسوف السياسي الفرنسي، من النقد في الفصل التاسع من الكتاب (ص). 221–209 يقارب المؤلفان منهجية دولوز وغوتاري في توظيف المفاهيم العلمية؛ حيث يكشفان عن إشكالية منهجية أساسية تتمثّل في استخدام المصطلحات الفيزيائية والرياضية خارج سياقاتها الأصلية من دون إدراك كامل لمضامينها التقنية. ويوثّق التحليل تشويهًا واضحًا لمفاهيم مثل نظرية الأعداد، وهندسة ريمان، وحساب التفاضل، وكذلك مفاهيم ميكانيكا الكم والديناميكا الحرارية. والخلاصة أنّ الخطاب المشترك للثنائي، دولوز وغوتاري، يفتقر إلى الأساس المنطقي؛ لأنه يسقط تأويلات غير مبررة على المفاهيم الفيزيائية. ويكشف الفصل العاشر (ص 229–223) التضليل المفاهيمي في أعمال فيريليو المنظّر الفرنسي وفيلسوف الجمال، فهو يخلط بين المفاهيم الفيزيائية الدقيقة كالسرعة والتسارع، والتحليلات الاجتماعية والسياسية للزمان والمكان البشريين. ويبرز تحليل سوكال وبريكمون سوء تناول فيريليو مفاهيم نظرية النسبية؛ إذ يسيء فهم الأسس الرياضية للنظرية، ويخلط بين مفهوم "الفترات الزمكانية" في الفيزياء والمفاهيم الاجتماعية للجغرافيا والتاريخ، متجاهلًا الفروق الجوهرية بين الزمكان الفيزيائي المجرّد والتنظيم الزمني للمجتمعات. ولا يتجاهل الكتاب، في نقده لمفكري ما بعد الحداثة الفرنسيين، التضليل المفاهيمي في توظيف مبرهنة غودل ونظرية الفئات، وهو التوظيف الذي يعكس سوء استخدام المبرهنة في التحليل الاجتماعي. يقدّم الفصل الحادي عشر (ص 236–231) نموذجًا لاختزال المفاهيم الرياضية المجرّدة إلى استعارات اجتماعية. ويركز على محاولة ريجيس دوبريه الفيلسوف الفرنسي، في كتابه نقد العقل السياسي، تطبيق مبرهنة عدم الاكتمال – الخاصة بالأنظمة الصورية في المنطق الرياضي – على تفسير الظواهر الاجتماعية. ويفند سوكال وبريكمون هذه المحاولة مشيرين إلى أنّ مبرهنة غودل محدودة بالإطار الرياضي الصوري ولا صلة لها بالتحليل الاجتماعي، وأنّ دوبريه لم يقدّم أيّ آلية منهجية تربط بينهما. ويخلص النقد إلى أنّ محاولة صياغة "مبدأ دوبريه" تمثّل قفزًا إبستيمولوجيًا غير مبرّر؛ إذ تظلّ المبرهنة صالحة في إطارها الرياضي فحسب من دون إمكانية توظيفها في تحليل المجتمعات البشرية. ويشكّل الفصل الثاني عشر خاتمة الكتاب (ص 265–237)، وهي تتضمّن رؤية نقدية شاملة للتداعيات المعرفية والمنهجية لخطاب ما بعد الحداثة في العلوم الإنسانية والاجتماعية. يُوصف هذا الخطاب، وفق التحليل، بهيمنة المقولات المبهمة والنسبانية المتطرفة، التي تتبنى إبستيمولوجيا ارتيابية تنكر إمكانية بلوغ المعرفة الموضوعية، وتفضّل التركيز على المعتقدات الذاتية بمعزل عن مدى مطابقتها للواقع. وتُبرز الخاتمة الإشكالية الجوهرية المتمثّلة في القطيعة المعرفية بين الثقافة العلمية من ناحية، والثقافة الإنسانية والاجتماعية من ناحية أخرى. وهي تتناول أيضًا كيفية اتساع هذه الفجوة في العقود الأخيرة، مع تحليل الأسباب الفكرية والسياسية الكامنة وراء هذا التوتر. ويحذّر المؤلفان من الأخطار الجوهرية الناجمة عن استمرار الهيمنة النسبانية في الخطاب الثقافي، التي يتصدرها تآكل شرعية المعرفة في الفضاء العام، وتفكك الأسس العقلانية للخطاب الثقافي والسياسي، وصعود أشكال جديدة من الدوغمائية واللاعقلانية.

وفي مواجهة هذه الأخطار، يقدم سوكال وبريكمون رؤية استشرافية، تستهدف تجاوز إشكاليات ما بعد الحداثة، من خلال الدعوة إلى تبني عقلانية نقدية تتجنب فخاخ الدوغمائية من ناحية، والعبَثية المعرفية من ناحية أخرى.

تعقيب

إنّ كتابات العديد من مفكري ما بعد الحداثة الفرنسيين تميزت بتعقيد لغوي متعمّد؛ ما جعل أفكارهم عصية على الفهم حتى على المتخصصين12. وقد أثار هذا تساؤلات عن مدى ضرورة هذا الغموض، وإن كان يعبّر عن عمق فكري حقيقي أم عن عدم قدرة على التوضيح. فقد استعانوا بمفاهيم علمية ورياضية على أنها استعارات لإضفاء عمق على أفكارهم؛ فأدّى هذا الأمر إلى فصلها عن مضامينها العلمية الدقيقة، وأضعف من قيمتها التحليلية. إضافة إلى ذلك، أدّى التشديد على تفكيك مفاهيم الحقيقة واليقين إلى نوع من النسبانية المعرفية المفرطة؛ فقد أصبح من الصعب التمييز عند مفكري ما بعد الحداثة بين الحقائق العلمية والتأويلات الشخصية؛ ما أضعف إمكانية بناء معايير موضوعية للمعرفة. كشف المنهج النقدي التحليلي الذي اعتمده سوكال وبريكمون في كتابهما  هراء عصريكيف تقمّص مفكرو ما بعد الحداثة الفرنسيون دور العلماء، واستشهدوا بمصطلحات من الفيزياء والرياضيات لكي يقنعوا القارئ بكفاءتهم المعرفية، إلا أنّ هذا التقمّص نفسه فضح عدم جدوى صنيعهم؛ ذلك لأنّ هذه الاستشهادات تُقرأ في كثير من الأحيان، لا بوصفها إشارات ذات قيمة تفسيرية، بل استعارات بلاغية جوفاء ومصطلحات طنانة، هدفها هو إضفاء هالة من العمق الزائف على حججهم. ولذلك، لا تُفهم استشهاداتهم على أنها مقولات علمية بحتة، بل بصفتها مؤشرًا د لًا على التلاعب باللغة، لإخفاء الخواء المفاهيمي، وعدم قدرتهم على بناء حجة واضحة ومترابطة. وفي الختام، نقول إنّ الجهد النقدي في كتاب سوكال وبريكمون، على الرغم من تعدد أوجه الجدل حوله، قد كشف عن قطيعة منهجية عميقة بين حقول المعرفة العلمية والإنسانية. وفتح نقاشًا جوهريًا حول سبل تضييق الفجوة المنهجية من دون المساس بخصوصية كل حقل معرفي واستقلاليته الإبستيمولوجية. وقد دفع هذا الأمر العديد من الأكاديميين والباحثين إلى

  1. Steve Matthewman & Douglas Hoey, "What Happened to Postmodernism?" Sociology , vol. 40, no. 3 (June 2006), pp. 529–547; تعالج هذه الدراسة تراجع حضور أفكار ما بعد الحداثة في الخطاب المعرفي للقرن الحادي والعشرين. وتنطلق من سؤال محوري هو: ما العوامل التي أدت إلى تراجع تأثير ما بعد الحداثة؟ تتبنّى هذه الدراسة فرضية مفادها أنّ ما بعد الحداثة لم تكن نظرية معرفية، بل عملت في كثير من
  2. Mark Eli Kalderon,"Epistemic Relativism," The Philosophical Review , vol. 118, no. 2 (2009), pp. 225–240. (1ينظر في ردود الفعل المختلفة التي أثارها كتاب هراء Jean–Philippe Bouilloud, "The Reception of the Sokal Affair in France—’Pomo’ Hunting or Intellectual McCarthyism? A Propos of Impostures Intellectuelles by A. Sokal and J. Bricmont," Philosophy of the Social Sciences , vol. 33, no. 1 (March 2003), pp. 122–137. Bouilloud, Jean–Philippe. "The Reception of the Sokal Affair in France— ' Pomo ' Hunting or Intellectual McCarthyism? A Propos of Impostures Intellectuelles by A. Sokal and J. Bricmont." Philosophy of the Social Sciences 33, no. 1 (March 2003). Bowden, Bradley G. "Empiricism, Epistemology and Modern Postmodernism: A Critique." Qualitative Research in Organizations and Management: An International Journal. vol. 14, no. 4 (2018). Carr, Adrian. "Alan Sokal & Jean Bricmont—Intellectual IMPOSTURES: Postmodern Philosophers’ Abuse of Science." Administrative Theory & Praxis. vol. 22, no. 2 (2000). Feyerabend, Paul. Against Method: Outline of an Anarchistic Theory of Knowledge. London: New Left Books, 1975. Fuller, Steve. "Postmodernism’s Epistemological Legacies: Objects Without Purpose, Movement Without Direction and Freedom Without Necessity." Revue Internationale de Philosophie. vol. 64, no. 251 (2010). Harris, Michael. "Science Wars: The Next Generation." Science for the People Magazine. vol. 22, no. 1: The Return of Radical Science (2018). Kalderon, Mark Eli. "Epistemic Relativism." The Philosophical Review. vol. 118, no. 2 Matthewman, Steve & Douglas Hoey. "What Happened to Postmodernism." Sociology. vol. 40, no. 3 (June 2006). Sokal, Alan D. "A physicist Experiments with Cultural Studies." Lingua Franca. vol. 6, no. 4 (1996). _______. "Transgressing the Boundaries: Toward a Transformative Hermeneutics of quantum gravity." Social Text , vol. 46–47 (1996).
  3. الأحيان مفهومًا بديلًا فحسب من مفهوم محدد للحداثة. والأهم من ذلك، نرى أنّ مصطلح "ما بعد الحداثة" كان دائمًا عصري: أداة تصنيفية لخدمة أغراض النقاد. ومن المفارقة التاريخية أنّ هؤلاء النقاد هم من أسهموا في تجميع طيف واسع ومتشعب من المفكرين المتباينين لتكوين "مشروع فكري متماسك" في الوعي الأكاديمي أطلقوا عليه مشروع ما بعد الحداثة.

بناء جسور تحاورية أشدّ متانة بين هذه الحقول، وإعادة النظر في الأسس التي تقوم عليها المعرفة

المراجع

العربية

زيتوني. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2017

الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 العدد 40 (ربيع.)2022

الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023

الأجنبية

العلمية وسياقات إنتاجها، وإيجاد نقاط التلاقي والافتراق بين هذه الحقول.

References

إبستيمولوجيا العلوم الإنسانية في الفكر العربي والفكر الغربي المعاصر. إشراف وتقديم الشريف سؤال المنهج في الأبحاث لااجتماعية: مقاربات متعددة لااختصاصات. مراد دياني (محرر). قطب، خالد. أنسنة العلم: مقال جديد في العقلانية العلمية. القاهرة: نيوبوك للنشر والتوزيع،.2018 المحجري، محمد عبد الله. "الأسئلة والتحولات من عصر العقل إلى ما بعد الحداثة". تبيّن. مج  10، مناهج البحث في العلوم لااجتماعية والإنسانية. ج 1: مقاربات فلسفية وإبستيمولوجية.