المشروع الرئيس للعالم: إعادة التفكير في التعليم
The Main Enterprise of the World: Rethinking Education
الملخّص
عنوان الكتاب باللغة العربية: المشروع الرئيس للعالم: إعادة التفكير في التعليم. عنوان الكتاب في لغته: The Main Enterprise of the World: Rethinking Education. المؤلف: فيليب كيتشر Philip Kitcher. الناشر: أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد. سنة النشر: 2022. عدد الصفحات: 440.
Abstract
فيليب كيتشر Philip Kitcher.
. The Main Enterprise of the World: Rethinking Education عنوان الكتاب في لغته:
- التربية
- التعليم
- الديمقراطية
- التنشئة الاجتماعية
- Education
- Democracy
- Teaching
عنوان الكتاب:
المؤلف:
الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:
أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد.
مقدمة
يبرز الفيلسوف البريطاني فيليب كيتشر، في خضم النقاشات الصاخبة حول خطط الإصلاح التعليمية، ليطرح سؤ لًا محوريًا: أيّ نوعٍمن البشر نأمل أن تخرجه مدارسنا وجامعاتنا؟ ولا يكتفي بتقديم توصيات لتطوير المناهج أو إعادة هياكل المؤسسات التعليمية، بل يعيد تفكيك مفهوم التعليم نفسه، مستدعيًا جدلًا فلسفيًا يمتد من أفلاطون، مرورًا بجون ديوي John Dewey (1952–1859)، وصولًا إلى منظّري الديمقراطية المعاصرة. سنحاول تحديد الإشكالية البحثية للكتاب وبيان فرضياته ومنهجيته ومداخله النظرية، إلى جانب استعراض توصياته، وإبراز الإسهام الأساسي الذي يقدّمه، ومدى أصالته وجدّيته، مع الكشف عن المآخذ النقدية وفجوات الطرح فيه. الكتاب ثلاثة أجزاء: في الجزء الأول، يُعنى كيتشر بإعادة تعريف مفهوم الفرد في المجتمع، ويُبرز أهمية صقل المواطنين من خلال التنشئة المسؤولة، مع اعتبار التنمية الأخلاقية ركيزةً أساسية لبناء مجتمع متماسك وعادل. ويطرح المؤلف أيضًا تساؤلًا أساسًّيًا حول الدور المحتمل للدين في تعزيز القيم الأخلاقية وتشكيل الوعي الجماعي للأفراد والمواطنين على حد سواء. أمّا في الجزء الثاني، فيركّز على أهمية دمج مختلف المعارف من أجل فهم الذات بصورة أعمق، مؤِّكِدًا التكامل بين العلوم الطبيعية التي تمنح فهمًا للعالم المادي، والفنون التي تثري التجربة الإنسانية وتصقل الروح وتوسّع مداركها، مبينًا أنّ الجمع بينهما ضروري لتحقيق رؤية شاملة ومتوازنة للذات والوجود. وفي الجزء الثالث، يتناول المؤلف أهمية التغيير الاجتماعي باعتباره ضرورة حتمية للتقدم والارتقاء بالمجتمع، ويناقش إمكانية تحقيق المدينة الفاضلة، ليس بوصفها حلمًا طوباوًّيًا بعيد المنال، بل بوصفها هدفًا عملًّيًا يمكن السعي لتحقيقه من خلال الجهود المشتركة والواعية للأفراد، مع التأكيد أنّ هذا التغيير يتطلب التزامًا جماعًّيًا ورؤية مستقبلية واضحة.
أولا: الفلسفة والتعليم: لماذا الاهتمام بفلسفة التعليم؟
على الرغم من الأهمية الجوهرية ل "قضية التعليم" وقدرتها على تسليط الضوء على إشكالات فلسفية عتيقة، فإنها تعاني تهميشًا ملحوظًا في الفكر الفلسفي المعاصر؛ إذ يقصر معظم الفلاسفة المعاصرين علاقتهم بها على النطاق الإجرائي والمهني داخل الجامعات، من دون نونّبتي لب، داجلا ثحبلل لايًااصأ لاقًااح اهرابتعا موقفًا متوجسًا تجاه من يمنحها صدارة اهتمامه. ومع انحسار فلسفة التعليم في القرن العشرين، لا شك في أنها حظيت باهتمام بالغ منذ الفلسفة اليونانية؛ إذ يظل تاريخ الفلسفة حافلًا بقامات فكرية سامقة أفردت للمسألة التربوية عنايةً فائقة؛ بدءًا من أفلاطون وأرسطو، مرورًا بجون لوك John Locke (1704–1632)، وجان جاك روسو Jean–Jacques (1778–1712)، Rousseau وإيمانويل كانط Immanuel Kant –1724(1804)، وجون ستيوارت ميل John Stuart Mill (1873–1806)، وألفريد نورث وايتهيد Alfred North Whitehead (1861–1947)، وصولًا إلى ديوي. ويتجلى الاهتمام بفلسفة التعليم أيضًا في كتابات لودفيج فيتجنشتاين Ludwig Wittgenstein (1889–1951) المتأخرة، وفي المشروع الفكري للفيلسوفة الإيرلندية آيريس
مردوخ Iris Murdoch (1999–1919). وقد أكد كيتشر هذا بقوله: "إن التعليم قديم للغاية، فهو سبق اختراع الكتابة، وتدجين الحيوانات، ورافق جنسنا البشري منذ نشأته. فقد ابتكرت جماعات أشباه البشر الصغيرة، التي غالبًا ما كافحت لمواجهة تحديات البيئات القاسية، طرقًا لضمان بقاء الوسائل المفيدة لحياتنا. وخلال عشرات آلاف السنين الماضية، منذ خمسين ألف سنة على الأقل، أصبحت مهمة التعليم أكثر تعقيدًا" (ص. 1) وعلى الرغم من ثراء إسهامات المفكرين في فلسفة التعليم، فإنها غالبًا ما تظل حبيسة الهوامش، ولا تحظى بالاهتمام النقدي الذي تستحقه. ومن هذا المنطلق، يكتسي هذا الكتاب أهمية، إذ يسعى لتأكيد الدور المركزي لفلسفة التعليم، وهو ما يتجلّى في عنوانه الفرعي: "إعادة التفكير في التعليم"، حيث يستقصي السبل الكفيلة بتمكين المدارس والجامعات من تحقيق أهدافها الأساسية، ويستشرف التحولات الاجتماعية الضرورية لضمان تعليم عالي الجودة للجميع، مع تأكيد ضرورة اتسام هذه الإصلاحات بالاستدامة الاقتصادية.
ثانيًا: إحياء فلسفة التعليم
يمكن تصنيف الكتاب ضمن المؤلفات التي تسعى لتمكين فلسفة التعليم، تلك القضية التي طالما عانت تهميشًا ملحوظًا في أروقة الفلسفة المعاصرة. ومن هنا، تأتي أطروحة كيتشر لتبرهن على أنّ التعليم يمثّل حقلًا أساسًّيًا يستوجب اهتمامًا فلسفًّيًا مكثّفًا. ويُعدّ صدور هذا العمل حدثًا فكرًّيًا في حدّ ذاته؛ إذ إنه حينما يوجّه مفكّر بحجم كيتشر ومكانته جلّ اهتمامه إلى قضية بعينها، فمن المتوقع أن يسترعي ذلك انتباه الدوائر البحثية المهتمة بموضوع التعليم؛ ما قد يحفّز نهضة جديدة في الدراسات الفلسفية التربوية. يحيل كيتشر إلى مفكرين بارزين أسهموا في هذا المجال، من أمثال هاري بريجهاوس Harry Brighouse، وراندال كورين، وكاثرين إلجين Catherine Elgin 1948(–)، وميرا لفينسون
Meira Levinson، وجون وايت John White
(ص ix). كما يستند إلى القراءات النقدية لإرث ديوي في فلسفة التربية، وينتقد ذلك الزعم السائد لدى معظم الفلاسفة المعاصرين، والذي مفاده أنّ "فلسفة التعليم" ليست سوى تخصص فرعي تشغله نخبة فكرية محدودة تنتج أعم لًا سطحية ورتيبة. وعلى الرغم من معارضته الجذرية لهذا الطرح، فإنه يقرّ بواقعية وجود هذا الرأي وتجذّره في التوجهات الفلسفية التي سادت في القرن العشرين؛ إذ لا يزال كثيرون يختزلون هذا المجال في صورة راكدة، ما أدى إلى عزوفهم عن سبر أغواره، مدفوعين بعدم إيمانهم بأن التعليم يمثّل موضوعًا جديرًا بالبحث الفلسفي المعمّق. ويأتي هذا الكتاب ليقدّم رؤية نسقية وشاملة لغايات التعليم، ويتضح ذلك من خلال المرتكزين الآتيين:
1. الأبعاد الثلاثة للتعليم
يستند كيتشر في تأصيل أطروحته إلى ثلاثة مرتكزات أساسية تُعنى بالتعليم بوصفه مؤسسة حضارية: 1. التأهيل المهني، 2 المشاركة. المدنية، 3. الازدهار الإنساني. ويوضح أنّ التحولات الراهنة في بيئات العمل تفتح آفاقًا رحبة للتركيز على الهدفين الأخيرين، بما يضمن تحرير العملية التعليمية من الارتهان للقيود الاقتصادية الضيقة (ص 49 وما بعدها).
2. التعليم بوصفه ركيزة للديمقراطية
من خلال ربط التعليم بمرتكزات الحياة الديمقراطية، يقدّم كيتشر تصورًا إنسانيًا لما ينبغي أن يطمح التعليم إلى تحقيقه. وانطلاقًا من إرث فلاسفة التعليم، مثل ميل وديوي، يقترح إعادة نظرٍ واسعة النطاق في كيفية تطوير مؤسساتنا التعليمية؛ لا لتستجيب لمتطلبات اقتصاد القرن الحادي والعشرين فقط، بل أيضًا للحاجة العميقة إلى تعزيز الازدهار البشري طوال مراحل الحياة (ص. 123)–122 وفي ضوء هذين المرتكزين، يتّضح أنّ كيتشر يقتفي خطى الفيلسوف الأميركي، سيدني هوك Sidney Hook (1989–1902)، الذي عَدّ التعليم الجيّد أحد أهم الحقوق الاجتماعية الإيجابية التي تمثّل المدخل الأساسي لممارسة الحرية؛ فمن دون تعليم حقيقي، تظل القيود متحكمة في الفعل الإنساني، وهو ما يعني أنّ الحرية السياسية لا يمكن تحقيقها إلا في سياق توافر متطلبات معينة، يأتي في مقدمتها التعليم، باعتباره شرطًا ضروريًا لقيام الديمقراطية واستمرارها. ويذهب هوك إلى أنّ الديمقراطية، بوصفها الطريقة المثالية في الحياة، لا تزدهر إلا بالاستناد إلى المناهج العلمية وتوظيف التقنيات الحديثة في المجالين السياسي والاجتماعي1. وبعبارة أخرى، إذا كانت الديمقراطية تقوم على النقاش الحر، فإن اتخاذ القرارات فيها ينبغي أن يستند إلى بدائل الفعل والخيارات المتاحة، ومن ثمّ، يتوقف نجاحها على إذا ما كان المواطنون المشاركون في اتخاذ القرارات يسترشدون بأساليب التفكير العلمي، أم يخضعون لمنطق العاطفة والتقاليد الجامدة2. ومن هذا المنطلق، شدّد هوك على ضرورة فهم المساواة من منظور تكافؤ الفرص. فلا يكفي، لكي يكون الالتزام بالديمقراطية طريقة للحياة، أن يكون الأفراد متساوين ماديًا وعقليًا، بل يجب ترسيخ مبدأ المساواة الأخلاقية بينهم، بصرف النظر عن اختلافاتهم، وهو ما يتحقق عبر المساواة في الاهتمام والرعاية. ومن ثم، يصبح تعزيز مبدأ "تكافؤ الفرص" واجبًا جوهريًا على عاتق المجتمع الديمقراطي. وباختصار، فإن المساواة تعني تحقيق أكبر قدر ممكن من تكافؤ الفرص، وخاصة في التعليم والإسكان والصحة والتوظيف؛ لأنها ضرورية لتنمية قدرات الأفراد وتطوير مهاراتهم3. وقد حدد هوك الأهداف التي ينبغي لنظام التعليم في المجتمع أن يحققها على النحو الآتي: 1. أن يستهدف تطوير ملكات التفكير الحر والمستقل لدى الأفراد. 2. أن يحفّز القدرة على الإحساس والتخيل، ويعزز تقبّل الأفكار الجديدة. 3. أن ينتج منه وعي ذاتي نقدي تجاه التقاليد الثقافية والأدبية والعلمية الموروثة. 4. أن يفسح المجال أمام الأفراد للتفكير في الموضوعات المهمة التي تتعلق بالطبيعة، والمجتمع الذي يعيشون فيه، وتاريخ بلدهم. 5. أن يسعى لترسيخ المُثل العليا للديمقراطية، وتعميق الوعي بضرورة الحرية.
6. أن يمد الأفراد بالمهارات اللازمة والأساليب العامة التي تمكّنهم من تطوير قدراتهم ومواهبهم الخاصة. 7. أن ينمّي سمات الشخصية الفردية، بحيث يتمكّن الأفراد من الاعتماد على أنفسهم4. ولذلك أكد هوك أن وظيفة التعليم لا تقتصر على نقل النظريات والحقائق المهمة التي تتعلق بالطبيعة والمجتمع والإنسان، بل تمتد إلى تنمية القدرة الذاتية على حل مشكلات تعارض القيم وتضارب المصالح الإنسانية؛ الأمر الذي يفرض تعزيز الأخلاق الديمقراطية في التعليم، ومواجهة التحديات التي تعترضها، بدءًا من نقد أفلاطون لها وصولًا إلى هجوم الأنظمة الشمولية عليها5. ثالثًا: مشروع كيشر في التعليم: العقل والتنشئة واللغة تتجلى أهمية هذا المؤَّلَف في كونه مشروعًا متكاملًا، يتناول فلسفة التعليم؛ وهي القضية التي يشدد كيتشر على ضرورة أن يستعيد الفلاسفة الاهتمام بها بصفتها أولوية قصوى. وتنبثق هذه الأهمية من كون التعليم هو المرشد الأساسي لكينونة الإنسان. فمن جهة، لا يلج البشر الوجود بقواهم العقلانية "مكتملة الأهلية"، بل تتشكل هذه القوى وتنمو عبر سيرورة من "التكوين الذاتي" Self–formation، أو ما يُعرَف بالتعليم بمعناه الشامل. وهي العملية التي يصطلح كيتشر على تسميتها "التنشئة" Upbuilding أو "بناء الإنسان". ويتحقق هذا البناء من خلال تمُّلُك اللغة الطبيعية وأنساقها المفاهيمية، والانخراط في مناهج التفكير والاستدلال، واستيعاب الممارسات المجتمعية التي تشكّل الأفق المعياري الذي يسترشد به الأطفال في توجيه ذواتهم (ص 74،
من جهةٍ أخرى، يبين الكتاب أن الأفراد ليسوا مطالَبين بأن يعيدوا اكتشاف العالم من جديد؛ فهم يرثون تراثًا ثقافيًا غنيًا يمكّنهم من الارتباط بالعالم بصفته موضوعًا للمعرفة. ولا يقتصر هذا المبدأ على كل طفل يولد في هذا العالم، بل ينسحب بالمثل على كل من ينخرط في أحد حقول المعرفة التخصصية. بناء عليه، يتعيّن على الفلاسفة أن ينخرطوا في تفعيل شروط "الحوار المثالي" Ideal Conversation (الشمولية، والمعرفة، والمشاركة المتبادلة) حول التعليم، وأن يستفيدوا من آثار التجارب السابقة، أو يعدّلوها، كما تتجلى في المعتقدات والممارسات التربوية الراهنة (ص 29، 32، 356). فالتعليم ليس نقلًا للمعلومات فحسب، بل هو أيضًا أداة لتكوين العقل، ووسيلة لاستثمار الإمكانات الكامنة للإنسان وتوظيفها. وأيّ شخص يطمح إلى فهم السبل التي يعَّبَر بها عن التأمل والتفكّر والمعرفة العقلانية لا بد من أن يكون قد نال حظًا وافرًا من التعليم الراسخ. بناءً على ما تقدّم، يعتقد كيتشر أنه من الصعب اختزال "التعليم" في ممارسات عرَضية أو عشوائية لنقل المعرفة، لأنه ركيزة جوهرية تشكّل قوام الوجود الإنساني. ويتّضح من خلال ذلك أنّ التعليم موضوع يستوجب اهتمامًا فلسفًّيًا عميقًا؛ لا لأنه يطرح قضايا جديدة فحسب، بل لأنه يتيح أيضًا مقاربةً مبتكرة للقضايا الفلسفية
التي طالما استعصت على الحلول التقليدية. وتأتي في مقدمة هذه القضايا نظرية المعرفة (الإبستيمولوجيا)، التي ينبغي أن تستوعب أنّ الكيفية التي تُكتَسب بها المعرفة، وتُنقل وتُشارَك، هي جزءٌ لا يتجزأ من طبيعة المعرفة ذاتها. فمع اتساع متطلبات التعليم العام وتعقّدها، يغدو من الضروري إدراك البعد التربوي للمعرفة. وهنا يشير ميل إلى قدرة الفلسفة، ونظرية المعرفة على وجه الخصوص، على صقل "الملكات الفكرية"، مؤكدًا حاجة الطلاب إلى تعلّم "ممارسة التفكير في المصالح الكبرى للبشرية ككائنات أخلاقية واجتماعية" (ص. 24) وهكذا، يبنى كيتشر نظرةً أكثر شمولية للعقل، تتيح فهم كيفية تجسّد الذكاء في الأنشطة والمجالات العملية المتنوعة، بطريقةٍ تقضي على الانقسامات الحادة المرتبطة بفئات معرفية أو اجتماعية بعينها. وهذا التوجه لا يساعدنا فحسب على تحسين تصميم المناهج وتعميق فهم آليات تعلّم الأفراد، بل يسهم أيضًا في إرساء فلسفةٍ تعليمية أكثر اتساقًا وجودة، ويفتح آفاقًا لابتكار طرائق أكثر ثراءً واستدامة في تنظيم مؤسساتنا التعليمية. لكن السؤال الذي يظل مطروحًا هو: إلى أيّ حِّدِ يمكن أن يتَنبّه الفلاسفة المنتمون إلى التيارات السائدة إلى الأهمية الفلسفية للتعليم؟ يعتقد كيتشر أنّ الآفاق الراهنة تبدو مواتية؛ إذ إنّ كثيرًا من الأحكام المسبقة التي حالت دون تعامل الفلاسفة مع التعليم بوصفه موضوعًا فلسفيًا جاًّدًا بدأ في التلاشي. ومع ذلك، ما تزال فلسفة التعليم تواجه عقبات بنيوية، في مقدمتها النزعة المتنامية نحو التخصص الضيّق التي اجتاحت الدوائر الأكاديمية والبحثية، بما فيها الفلسفة. ويعُدُّ هذا المنحى كارثًّيًا، عند مقاربة مسألة التعليم تحديدًا؛ حيث تتشابك القضايا الإبستيمولوجية والميتافيزيقية والأخلاقية والسياسية بكثافة لا تقبل التجزئة (ص). 27 وفي هذا السياق، يبدو كيتشر قريبًا، إلى حد بعيد، من هوك في مناقشته لمشكلات التعليم، والصعوبات التي تعترض المسار الديمقراطي، وعلى رأسها تراجع التفكير النقدي والحر. ويُرجِع هوك ذلك إلى توحيد المناهج التعليمية، والتشبّث بالتخصصات التقليدية، وإهمال الإبداع والتميّز؛ وهي عوامل يرى أنها تضرّ بالتعليم وتقوّض شروط نجاح الديمقراطية. وفي المقابل، يؤكد أنّ هدف التعليم ينبغي أن يكون تنمية التفكير النقدي، وتعزيز القدرة على الحوار المنطقي بين الأفراد6. إنّ الحق في التعليم حقّ أساسي، ينبع من تمكّن كل الأفراد من الوصول إلى فرص تعليمية متساوية. ومن ثمّ، فإن أي شكل من أشكال التمييز في التعليم يمِّثِل نوعًا من التحيّز وانتهاكًا لهذا الحق7. ونظرًا إلى أنّ التعليم لا ينبغي له أن يكون موضع حرية شخصية، فإن وجود مدارس وجامعات عامة وأخرى خاصة يمثّل خرقًا لمبدأ تكافؤ الفرص التعليمية، ومن ثم، تهديدًا للديمقراطية، علاوة على أنّ الحقوق والحريات الإنسانية تستلزم ضمان عدم الفصل بين الأفراد في التعليم لأسباب اجتماعية أو اقتصادية8. من هنا، ينادي هوك بتطوير التعليم بما يتلاءم مع المثُل العليا الديمقراطية؛ بحيث يصبح وسيلة فعّالة للتحرر وتوسيع الآفاق، وليس وسيلة
ل "قتل الوقت"، على حدّ تعبيره. ويتطلب ذلك، من جهة، مجانية التعليم، ومن جهة أخرى، أن توَّزَع قاعات الدراسة إلى مجموعات بحثية تمِّكِن الطلاب من تطوير مهاراتهم وتنمية إمكاناتهم الذاتية9. ويشير إلى وجود صلة وثيقة بين التعليم المنفتح ونجاح الديمقراطية في المجتمع، مستدًّلا بأن معظم الاختراعات والاكتشافات العلمية خلال القرون الثلاثة الأخيرة قد ظهرت في البلدان الديمقراطية. وفي المقابل، فإن غياب الحرية الأكاديمية قد يحوّل العلم إلى أداة للسيطرة وفرض القيود على الأفراد، بدلًا من أن يكون وسيلة لفهم الطبيعة واستغلالها لمصلحة البشر10. بناء عليه، تبدو آراء كيتشر وثيقة الصلة بأفكار هوك، ولا سيما في ما يتعلق بضرورة أن تهتم الجامعات بقضايا عصرنا ومشكلاته، من دون أن تتحول إلى أدوات سياسية حزبية11. وفي هذا الصدد، يشير هوك إلى أنّ المؤسسات التعليمية في العالم المعاصر، بما فيها الجامعات الأميركية في عصره، ذات هيكل تنظيمي بيروقراطي، يميل إلى الطابع السلطوي، ولا يستجيب على نحوٍ كافٍ لاحتياجات الطلاب ولقدراتهم الفردية، كما لا يراعي تفرّدهم وتميّزهم. ولذلك، يؤكد هوك أهمية تطوير المناهج الدراسية، بحيث تتجاوز نمط التلقين والحفظ12. ويصف هذا النهج ب "التعليم من أجل الديمقراطية"، ويعني به نمط التعليم التقدمي القائم على النقد والتشكيك في العادات والتقاليد المستقرة، مع التركيز على دعامتَي تكافؤ الفرص التعليمية ومراعاة الاختلافات الفردية في المواهب والقدرات13.
رابعًا: رؤية نقدية لجدلية التعليم والواقع الاقتصادي
انطلاقًا من تأكيد ديوي أنّ الديمقراطية، أو بالأحرى الديمقراطية الحقيقية، هي التعليم، يدافع كيتشر عن هذه الرؤية (ص. 134). وتشكّل جدلية علاقة التعليم بالديمقراطية محورًا أساسًّيًا في مؤَّلَفه؛ إذ يمزج بين رؤية بانورامية لمركزية التعليم في الوجود الإنساني ومناقشة تحليلية للمشكلات الواقعية المتعلقة بتنظيم المؤسسات المدرسية وتصميم المناهج الدراسية. وقد صاغ كيتشر أطروحته، ضمن إطارٍ عام يسعى للإجابة عن تساؤل مفصلي: ما التعليم؟ مؤكدًا أنّ إجابات السياسيين وصنّاع القرار عن هذا السؤال غالبًا ما تأتي مشوّهةً بفعل هيمنة الأولويات الاقتصادية؛ إذ إنهم يختزلون دور المؤسسات التعليمية في إعداد الناشئة للالتحاق بسوق العمل فحسب، سعيًا لتعزيز القدرة التنافسية القومية في حلبة الرأسمالية العالمية. لا تتسم هذه الإجابة بقصر النظر فحسب، بل إنها تفتقر إلى الانسجام مع الواقع الاقتصادي الراهن؛ ففي سياق تصاعد وتيرة الآلة والذكاء الاصطناعي، وتنامي ظاهرة الاستعانة بمصادر خارجية عالمية، تتقلّص فرص العمل التقليدية التي يُعَدّ لها الطلاب، لتجد أغلبية القوى العاملة في المستقبل نفسها منخرطة في قطاعات الخدمات.
وبناءً على ذلك، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة ترتيب الأولويات؛ إذ يتعيّن أولًا الاعتراف بالقيمة الأساسية للعمل الخدمي وبالمردود المعنوي والمادي الذي يمكن أن يحققه. كما يقتضي الأمر تبنّي رؤية تؤكد أنّ الغاية من التعليم لا تقتصر على تمكين الطلاب من كسب الرزق، بل تشمل إعدادهم لعيش حياة كريمة ومزدهرة، وتأهيلهم ليكونوا مواطنين فاعلين في نظام ديمقراطي متماسك. وإذا بدا أن متطلبات الواقع الاقتصادي تتعارض مع هذا المفهوم للتعليم، فعلينا حينئذ أن نضع التعليم على رأس اهتماماتنا، وأن نسعى لتغيير الواقع بما يتوافق مع غاياته.
خامسًا: التعليم من أجل الازدهار الإنساني
تأسيسًا على ما سبق، يتبنّى كيتشر رؤية ميل التي ترى أنّ الحياة المزدهرة يجب أن تكون "صناعة ذاتية" – إن جاز التعبير – بمعنى أنها حياة تنبثق من اختيارات المرء وإرادته الحرة. ويقتضي هذا، بالضرورة، تسخير التعليم لتعزيز الاستقلال الذاتي؛ فالتعليم يفتح الآفاق أمام كل فرد لاستكشاف حياته الخاصة ومتابعة تطلعاته نحو الازدهار (ص. 7)–6 وبطبيعة الحال، لا تتوقف غاية التعليم عند تمكين الطلاب من "الاختيار"، بل تمتدّ لتهيئتهم لاتخاذ "خيارات سديدة". وهنا يبرز تساؤل جوهري: كيف يمكن التوفيق بين هذا المنزع "الكمالي" Perfectionism والتحفّظ الليبرالي التقليدي عن تعريف ماهية "الحياة الخِّيِرة"؟ يجيب كيتشر عن ذلك عبر إضفاء بُعدٍ اجتماعي على مفهومه للازدهار؛ فإذا كان للأفراد الحق في حرية اختيار مشاريع حياتهم، فإنّ هذا الحق يفرض عليهم ألا يقتصر طموحهم على الازدهار الشخصي الضيّق، بل يجب أن يشمل ازدهار الآخرين، بمن في ذلك الأجيال المقبلة. ومن ثمّ، ينبغي أن تسهم حيواتنا في "المشروع البشري" الأكبر، لتكون قيمة مضافة لمصلحة الإنسانية جمعاء (ص 47–41). ونظرًا إلى الإخفاقات البنيوية المألوفة في مؤسسات الديمقراطية التمثيلية، يتبنّى كيتشر مفهوم ديوي للديمقراطية التداولية؛ حيث ينخرط المواطنون في حوارات شاملة، مستندة إلى المعرفة والمشاركة المشتركة، بهدف الوصول إلى نتائج مقبولة للجميع في مناخ يسوده الاعتراف والتقدير المتبادل. وهكذا، يربط كيتشر بين ازدهار المجتمع الديمقراطي ووجود نظام تعليمي فاعل، فينمّي في الأفراد روح الابتكار ويغرس فيهم قيم التسامح والانفتاح والمرونة والتكيف مع الظروف الجديدة. ويتضح في هذا المنحى تأثّره بديوي، الذي رأى أنّ التعليم ينبغي له أن يكون محورَ الاهتمام الرئيس لأي فلسفة اجتماعية وسياسية، مؤكدًا دور التعليم النقدي في ترسيخ الفكرة الديمقراطية وتعزيزها؛ لأنه يمكّن الأفراد من مواجهة الممارسات الاستبدادية. ولهذا، يمثّل التعليم في نظر ديوي وسيلةً للتقدم الديمقراطي؛ لأنه يحرر عقول الأفراد من التقيد بالتقاليد الجامدة التي لا تساير الزمن، ويمكّنهم من الإبداع والابتكار، وهو ما يجعل التعليم غاية قائمة بذاتها، إذ يحمل قيمة راجعة لما يهبه للخبرة الإنسانية من ذخيرة فريدة نابعة من طبيعة التعليم نفسه14. وعلى الرغم من أنّ كيتشر تأثّر بفكر ديوي، فإنه نزع إلى تعديل مفاهيمه التربوية
التي كانت مخَّصَصة لإصلاح التعليم الأساسي، وطبّقها على مؤسسات التعليم العالي.
سادسًا: نقد الكتاب
ما يمكن توجيهه من نقد إلى الكتاب هو "المثالية المفرطة" التي اتسمت بها رؤية كيتشر للمجتمع الديمقراطي التداولي، حيث يغفل عن التفاوتات الاقتصادية الحادة وصعوبة تنفيذ الإصلاحات في سياق الهيمنة الرأسمالية الحالية. أما المأخذ الثاني، فيتمثّل في ميله الواضح إلى تغليب "الهوية الجماعية" أو "الروح الجمعية" على حساب الحريات الفردية، وافتراضه أنّ جميع المواطنين سيصلون إلى توافق أخلاقي موحّد بتلقّيهم تعليمًا جيّدًا. يضاف إلى ذلك أن كيتشر يميل إلى اعتبار إصلاحات التعليم محكومة بالاستدامة الاقتصادية، بينما ما نحتاج إليه فعليًا هو نماذج أكثر واقعية لكيفية تطوير المؤسسات التعليمية الكبرى من دون المساس بتنافسية الدولة.
خاتمة
يمثّل الكتاب إسهامًا نموذجًّيًا في فلسفة التعليم يستوجب الدراسة والبحث الجادّ، فهو ينطلق من نقد حادّ للأنظمة التعليمية المعاصرة المصممة لتلائم "وظائف موجودة بالفعل"، مؤِّكِدًا أنها
المراجع
العربية
التأليف والترجمة النشر،.1954
الأجنبية
تحوّلت إلى أدوات لخدمة الاقتصاد بدلًا من خدمة الإنسان. وفي المقابل، يعتقد كيتشر أنّ التعليم يجب أن يركز على ثلاثة أهداف أساسية: التأهيل المهني، والمشاركة المدنية، والازدهار الإنساني. وبدلًا من تعليم الطلاب "كيفية المنافسة"، يجب تعليمهم "كيفية العيش" وتحديد من هم، وتحديد ما يريدون تحقيقه في حياتهم. إضافة إلى ذلك، يدعو كيتشر إلى تحقيق "المجتمع الأمثل الذي تصوره ديوي"؛ حيث لا يقتصر التعلّم على جدران المدرسة، بل يصبح مسؤولية ديمقراطية مشتركة تدعمها بنية معرفية شاملة. ويتقاطع مشروعه أيضًا مع رؤية إدغار موران Edgar Morin (1921–) في ضرورة تعليم "التعقيد"، أي الربط بين المعارف المشتتة لفهم المشكلات العالمية الكبرى "مثل الأزمات البيئية والأخلاقية"، بدلًا من الانغلاق في التخصصات الضيقة. ويؤكد كيتشر أنّ التعليم الحديث يجب أن يُعِدّ العقول ل "مواجهة اللايقين"، في عالم لم يعد يحتمل التفسيرات الخطية الجامدة. من ثم، يمثّل هذا الكتاب مشروعًا مهمّا ودعوةً فلسفية لتحرير التعليم من قيود "سوق العمل" وإعادته إلى رحاب "بناء الإنسان" القادر على مواجهة تحديات كوكبنا المشترك.
References
ديوي، جون. الديمقراطية والتربية. ترجمة منى عفراوي وزكريا ميخائيل. ط 2. القاهرة: مطبعة لجنة
Hook, Sidney, William L. O’Neill & Robert O’Toole (eds.). Philosophy, History and
Social Action. Boston Studies in the Philosophy of Science 107. Dordrecht: Springer,
Hook, Sidney, Paul Kurtz & Miro Todorovich (eds.). The Philosophy of the Curriculum.
Hook, Sidney. Reason, Social Myths, and Democracy. New York: John Day Company,
_______. Political Power and Personal Freedom. New York: Criterion Books, 1959.
_______. Education for Modern Man: A New Perspective. New York: Knopf, 1963.
Buffalo: Prometheus Books, 1975.
_______. Convictions. Buffalo: Prometheus Books, 1990.
_______. John Dewey: An Intellectual Portrait. New York: Cosimo, 2008.