Return to Article Details Tolerance in African Philosophy: The Ubuntu Paradigm

التسامح في الفلسفة الأفريقية: الأبونتو نموذجًا

Tolerance in African Philosophy: The Ubuntu Paradigm

محمد زكاري *

Mohamed Zekkari *

الملخّص

تستكشف هذه الدراسة مفهوم التسامح في الفلسفة الأفريقية، منطلقةً من خصائصها الأربع عند الفيلسوف ليوبولد سيدار سينغور، وهي: المعرفة الحدسية، والحوارية، والممارسة، والإنسانية الكونية. وتركّز على فلسفة "الأبونتو" التي تقوم على أن إنسانية الفرد تتحقق من خلال الآخرين، وتُعلي من قيم التعاطف، والكرامة، والتعاون، والدفاع عن القيم الكونية. وهي فلسفة جماعية متجذرة في التراث الديني والثقافي الأفريقي، ترى أن الفرد جزء من مجتمع. وتناقش الدراسة تجربة نيلسون مانديلا في المصالحة والصفح بوصفها تجسيدًا عمليًا لهذه الفلسفة، وتقارن بين التسامح الليبرالي القائم على الفردانية والتسامح الأفريقي المبني على المشاركة والتضامن. وتخلص إلى أن الأبونتو تقدّم نموذجًا إيجابيًا فاعلًا للتسامح يتجاوز حدود القارة الأفريقية.

Abstract

Abstract: This study explores the concept of tolerance in African philosophy, drawing on its four key characteristics as identified by philosopher Léopold Sédar Senghor: intuitive knowledge, dialogical engagement, praxis, and universal humanism. It focuses on the philosophy of Ubuntu, which holds that an individualʼs humanity is realized through others, and which elevates the values of empathy, dignity, cooperation, and the defence of universal principles. Ubuntu is a communitarian philosophy, rooted in African religious and cultural traditions, that regards the individual as an integral part of the community. The study also examines the experience of Nelson Mandela in reconciliation and forgiveness as a practical embodiment of this philosophy, and compares liberal tolerance, grounded in individualism, with African tolerance, which is based on participation and solidarity. It concludes that Ubuntu offers a positive and effective model of tolerance that extends beyond the African continent.

الكلمات المفتاحية:
  • الفلسفة الأفريقية
  • فلسفة الأوبنتو
  • التحرر
  • الإنسانية الكونية
  • الحوارية
Keywords:
  • African Philosophy
  • Ubuntu
  • Liberation
  • Universal Ethics
  • Dialogical Engagement

مقدمة

عُنيت بعض التصورات الفلسفية بالتنقيب عن جذور التسامح وأسسه الثقافية، وانشغلت، في منظورها الأعم، ببيان شروط تحقيقه وطبيعة العلاقات التي تُنسج بينه وبين أشكال السلطة القائمة، سواء أكانت سلطة المجتمع نفسه أم سلطة السياسة التي تدبر شؤونه. وكان توماس هوبز Thomas Hobbes (1679–1588) يعي تمامًا أن فكرة التسامح أساسية من أجل استمرارية الدولة والمجتمع، ولكنه ينظر، من زاوية أخرى، إلى هذه العلاقة في حدود ما ترسمه السلطة نفسها، حتى انتهى إلى عقد اقتران بين "قيام الدولة واشتراط اللاتسامح"2. ومع ذلك، يحقّ لنا أن نحاول تعريف التسامح، على غرار ما فعلته ميشلين تريومف في قراءتها لكتاب هوبز الليفيثان، فنقول إن التسامح، وفقًا لتعريف مؤقت، اعترافٌ رسمي أو غير رسمي بمعتقدات أو أنظمة تفكيرٍ أو أنماط حياة تختلف عن العقلية والأيديولوجيا السائدة، ومن ثم، تصنف عادةً على أنها مصدر تهديد3. وقد نشأ حوار عميق بين فلاسفة السياسة المحدثين حول الملامح الأساسية لمفهوم التسامح. وإذا كنا قد بيّناه من زاوية واحدة، هي الزاوية التي قدّمها هوبز؛ فلأن غايتنا هي إبراز التحديات الفلسفية والمعضلات المعرفية التي يثيرها هذا التصور، ويكون ذلك من خلال تبنّي الفلسفة الاجتماعية والثقافية أفقًا للتحليل، واعتماد الفلسفة الأفريقية مج لًا للنظر والتفكير. ومن ثم، يبرز سؤال جوهري: كيف حافظت المجتمعات الأفريقية على تماسكها وحققت استمراريتها عبر الدفاع عن قيمة التسامح؟ وبأيّ معنى تمكّنت فلسفاتها من الإقرار بالتكامل بين الأفراد وتحقيق التسامح في ما بينهم بغضّ النظر عن سلطة الدولة أو قهرها؟ تهدف هذه الدراسة إلى النظر في الأبعاد الفلسفية لمفهوم التسامح وجذورها في الفلسفة الأفريقية، من خلال التركيز على المقومات الثقافية والحضارية التي تجد صداها في التقاليد الأفريقية. غير أن ذلك لا يعني أننا نروم تحديد هذه الأبعاد من خلال مقاربة أنثروبو–فلسفية تستند إلى العادات والتقاليد الدينية الأفريقية واستخلاص قيمة التسامح منها، بل يتجه البحث إلى منحى آخر في التفكير، يقوم على عرض الرؤى الفلسفية المعاصرة، بما تتضمّنه من اتجاهات ومواقف متباينة، وتحديد معاني التسامح في إطارها. وبذلك تكون الشواهد الثقافية واردة على سبيل التمثيل، وليست لإقامة الحجة والدليل.

أولا: في معنى أن تكون الفلسفة أفريقية

1. في دلالة الفلسفة الأفريقية

تتباين التصورات الفلسفية في تحديد معنى الفلسفة الأفريقية، وليس اختلافها سوى مؤشر على غنى هذه الفلسفة وتعدد صورها. ويمكن الوقوف على تعريفٍ تأصيلي للباحثة والفيلسوفة الفرنسية سيفيرين كوجو غرانفو (1977 –)؛ إذ ترى في كتابها فلسفاتأفريقية أن "النظر إلى مصر القديمة بوصفها مهدًا لأفريقيا في القرن العشرين يتيح دحض الرأي الأوروبي الشائع الذي يرى أن الحضارة نشأت في أوروبا، مستندةً إلى

  1. Thomas Hobbes, Leviathan, C.B. Macpherson (ed.) (London: Penguin Books, 1968).
  2. Micheline Triomphe, "Le Léviathan, une problématique de la tolérance," Revue de la Société d’études anglo– américaines des XVIIe et XVIIIe siècles (1979), pp. 1–15.

الحضارة اليونانية القديمة. وفي الواقع، سعى الشيخ أنتا ديوب Cheikh Anta Diop (1986–1923)، ومن بعده ثيوفيل أوبينغا Théophile Obenga (1963–)، إلى إثبات أن اليونان لم تتمكن من التطور إلا من خلال الاستفادة من مصر القديمة، التي كانت حضارةً أفريقيةً؛ أي إن سكانها كانوا سودًا. ويسمح لنا التفكير في أصلٍللتاريخ الأفريقي وتحديد مكانه في مصر القديمة السوداء بالاعتقاد أن العقل نشأ أسود، وأن الفلسفة الأفريقية موجودة منذ القدم"4. ويبدو أن هذا الرأي الذي تسوقه غرانفو يتماشى مع المنظور الساعي لإعادة قراءة تاريخ أفريقيا برمّته، وبالأخص أشهر الحضارات التي مرّت عليها، وأقصد الحضارة المصرية القديمة. يبدو أن المسألة تتجاوز قضية التعريف بالفلسفة الأفريقية إلى نوع من التفكير في الرد على أشكال النفي الحضاري؛ إذ لطالما  كان الاهتمام بالمصريات جزءًا من التقاليد الدراسية الغربية، وفي محاولتها تسعى غرانفو لاستعادة "التعريف" بالفلسفة الأفريقية من منظور أفريقي. ويرجع هذا النفي، في الحقيقة، إلى الهيمنة الغربية على مفهوم العقل وما يتصل به من المنطق واللغة. ووفقًا لهذا التصور، يصير مستحيلًا بالنسبة إلى مفكريه التفكير في وجود فلسفةٍ/ فلسفاتٍ أخرى مخالفة وممايزة لفلسفتهم، أو حتى التفكير في إمكانية تطور الفلسفة خارج حدودهم. وتشير غرانفو إلى تحدَّيَين رئيسَين يعترضان المفكر الغربي حال تعامله مع الفلسفة الأفريقية: أولهما يرتبط بتحديد ماهيتها، والثاني يرتبط بتحديد الفلسفة على نحو أعم. وتطرح غرانفو أسئلةً دقيقةً على العقل الغربي من قبيل: ما الذي يميز الخطاب الفلسفي ويجعله غربيًا أو أفريقيًا أو آسيويًا أو أميركيًا؟ وما الرابط المشترك الذي يجعل تفكيرًا أفريقيًا أو ألمانيًا أو صينيًا أو يونانيًا ينتمي إلى مجال الفلسفة؟ وما الذي تخفيه هذه الصفات في الواقع؟ أهي خصائص ثقافية أم قوميات خفية؟ أهي مفاهيم ذات مغزى حقيقي أم أنها تكتسب أهميتها في سياقات محددة فحسب؟5يحدد ليوبولد سيدار سينغور (2001–1906) ملامح الفلسفة الأفريقية وخصائصها، في كتابه بعنوان: ما أؤمن به: الزنجية والفرنسة والحضارة الكونية، ويؤكد أن للفلسفة الأفريقية أربع خصائص؛ أولاها أنها معرفة حدسية، وثانيتها أنها حوارية، وثالثتها أنها فلسفة ممارسة، ورابعتها أنها ذات منزع إنساني كوني6.

أ. الفلسفة الأفريقية بوصفها معرفة حدسية

تُولي الفلسفة الأفريقية الحدسَ الأولوية بوصفه أسلوبًا ونمطًا رئيسًا للمعرفة، ويؤكد هذا تاريخُ الفلسفة الطويل؛ فمنذ أرسطوطاليس (22–3843 ق. م.) إلى هنري برغسون (1941–1859) مرورًا برينيه ديكارت René Descartes (1650–1596) وعلماء الرياضيات المعاصرين، تتجلى أهمية الحدس بوصفه مقدمةً رئيسةً لكل معرفة ممكنة ومنتهاها. ويرى برغسون أن "الحدس هو جوهر العقل، وبمعنى

  1. Séverine Kodjo–Grandvaux, Philosophies Africaines (Paris: Présence Africaine, 2013), p. 90.
  2. Ibid., p. 12.
  3. Léopold Sédar Senghor, Ce que je crois: Négritude, francité et civilisation de l’universel (Paris: B. Grasset, 1988), pp. 107–109.

ما هو جوهر الحياة نفسها، وينبثق الذكاء منه من خلال عملية تحاكي تلك التي أنتجت المادة"7. ويطلعنا الأثر الأنثروبولوجي على واقع التفكير الأفريقي العميق والبنى الأساسية التي قام عليها؛ إذ يدرك الأنثروبولوجيون الذين درسوا الثقافات الأفريقية القيّمة التي يحتلها مبدأ "المعرفة بالمشار ةك"؛ أي قدرة الفرد على إدراك العالم وفهمه من خلال الانخراط المباشر فيه، والتواصل معه حدسيًا، بدلًا من الاعتماد على التحليل المنطقي المجرد. وتتمظهر سمة "المعرفة بالمشار ةك" هذه في مختلف جوانب الفكر الأفريقي، من الفنون والطقوس الدينية إلى النظم الاجتماعية والسياسية؛ ففي الفن مثلًا، يرى سينغور تعبيرًا عميقًا عن المشاعر والأفكار من خلال الأشكال والألوان، ومن دون الحاجة إلى التفسير والشرح، وعلى المنوال نفسه تحاك الطقوس الدينية استنادًا إلى تجارب حدسية مشتر ةك، حيث يشعر الأفراد المشاركون بالاتصال بالعالم الروحي من خلال الموسيقى والرقص وغيرهما من أشكال التعبير. وينطبق الأمر ذاته على النظم السياسية والاجتماعية التي تُبنى فيها العلاقات على أساس الثقة والتفاهم المتبادل بدلًا من القواعد والتشريعات الصارمة. ولا سبيل إلى فهم الفلسفة الأفريقية، في تقدير سينغور، من دون الوقوف على خاصية "المعرفة الحدسية"، التي تقدّم طريقةً خاصةً من أجل فهم العالم والتفاعل معه8.

ب. الفلسفة الأفريقية بوصفها فلسفة حوارية

تمتاز الفلسفة الأفريقية، بحسب سينغور، بطابعها الحواري الذي يتصف بالتعدد، فيكون تبعًا لذلك ذا طابع جدلي (ديالكتيكي) بالقياس على معناه في الثقافة اليونانية القديمة διαλεκτικός. ولم تفتقر اللغات الأفريقية إلى المفاهيم ذات الطابع المجرد، كما قد يُظن، بل يمكن رصدها في اللغات المنتمية إلى "المجموعة الغربية الأطلسية"، كاللغة "الفلانية" في السنغال. ومع ذلك، فإن الغالب على الأفريقي أن يصف الكائنات والمشاعر من خلال صور تشبيهية؛ لأنه قد وُهب حواَّسَ فائقة الحساسية، الأمر الذي مكّنه من تسخير عقله ليجوب الطبيعة كلها. وتظهر خاصية الحوارية في مختلف جوانب الفكر الأفريقي، سواء في القصص الشعبية أو المناقشات ذات الطابع الفلسفي. وتعلن الحوارية في القصص والحكايات الشعبية من خلال رمزية الحيوانات والنباتات التي تعكس الصفات الإنسانية والأفكار المعقدة، وتتجلى في الفلسفة الأفريقية استنادًا إلى المناقشات المفتوحة؛ حيث يجري تحفيز الأفراد كلهم على الإدلاء بآرائهم وأفكارهم. وبناءً على ذلك، يعكس جانب الحوارية أساسًا من أسس الفلسفة الأفريقية، وتصورًا فريدًا في إدراك الآخر والعلاقة معه داخل هذا الوجود، سواء كانت الطبيعة نفسها أو إنسانًا آخر.

ج. الفلسفة الأفريقية بوصفها فلسفة ممارسة

هذا هو المستوى الثالث في تقدير سينغور؛ إذ ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالدين؛ وتُظهر تلك الممارسات طابعًا يتأسس على بعدين: ميثولوجي (أسطوري)، وآخر صوفي؛ حيث تشكل الميثولوجيا أساسًا

  1. Henri Bergson, Œuvres complètes (Paris: Arvensa, 2014), p. 663.
  2. Senghor, p. 108.

وغذاءً للحياة الصوفية. ولا تقوم الممارسة الدينية الأفريقية على الرغبة في معرفة حياة ما بعد الموت، بل تسعى لعيشها عمليًا في نطاق أرضي صرف، فكل شيء يبدأ هنا ويستمر. ويقوم التعليم الديني على الأساطير، التي تُنقل بواسطتها الأفكار والمفاهيم المجردة، وبعد ذلك يكون الإنسان مهَّيَأ من أجل عيش الحياة الصوفية التي تعلّمها بدقة في إطار ديني محض؛ أي في إطار الممارسة العملية، الذي يتماهى فيه الفن الأفريقي مع الممارسات الاعتقادية، ويصير معبّرًا عنها، فتكون الطقوس والاحتفالات تجسيدًا لروح الفلسفة الأفريقية في علاقتها بالعالم المادي، من خلال الاعتماد على مبدأين: اختبار العالم، والتفاعل معه. ولا تقتصر الفلسفة الأفريقية، إذًا، تبعًا لما قدّمه سينغور، على البعد النظري المجرد كما تظهره المفاهيم، وإنما ترتكز على الممارسة والتطبيق، حتى صارت منظومة شاملة للحياة تنظّم سلوك الأفراد وتوجّههم9.

د. الفلسفة الأفريقية بوصفها فلسفة تولي المعنى اهتمامًا كبيرًا

والمقصود هنا المعنى الموسّع لإنسانية الإنسان في إطار سمةٍ عامة يصطلح عليها سينغور ب "الإنسانية الكونية" (أو المنزع الإنساني الكوني)، التي يتجاوز معناها الإطار الضيق لحدود الزمان والمكان؛ فتدرك الإنسان بحسبانه جزءًا لا يتجزأ من هذا الكون كله. ويعدّ الإنسان في هذا السياق مركزًا للوجود، وهو الذي يعكس الكون كله، لذا يعدّ كائنًا فاعلًا يشكّل العالم من حوله ويكوّنه. ويمتلك الإنسان الأفريقي نظرةً متفردةً عن الكون تعطي الفضاءات الإنسانية كلها امتدادًا كونيًا. وتتجلى إنسانية الإنسان من خلال حفاظه على التوازن بين ذاته وعناصر الطبيعة المتنوعة والمختلفة، وليس احترامه للطبيعة إلا تجسيدًا لاحترام نفسه بوصفه إنسانًا. وتشكّل الإنسانية الكونية، إذًا، الركيزة الرابعة للفلسفة الأفريقية في منظور سينغور10، وهي ليست سوى المعيار الذي يحدد وجود الإنسان في علاقته بذاته وبالكون من حوله. وفي علاقة بهذه المستويات الأربعة التي تحدد الملامح العامة للفلسفة الأفريقية، يمكن أن نتلمس مظاهر التسامح فيها، وأن نجلي بعض خصائصه الجوهرية، وذلك من خلال التعريف به والوقوف عند هذه الخصائص. ويمكن القول، وفقًا لمقدمةٍ أولى، إن مفهوم التسامح يخضع لمستويين في التعريف: الأول يعرّف التسامح على أساس أنه فضيلة لا حدود لها، وأن علينا، تبعًا لذلك، قبول الأفكار والمعتقدات المختلفة عن أفكارنا ومعتقداتنا. والثاني يرى أن للتسامح حدودًا، وأنه لا ينبغي التسامح مع الأفكار أو الممارسات التي تهدد حقوق الإنسان أو تقوّض قيم المجتمع. ولمفهوم التسامح في

  1. Ibid.
  2. يقول سينغور، في معرض تعريفه بجوهر الفلسفة الأفريقية ما يلي: "نحن الآن في صميم المسألة، كما  كنا نقول؛ إذ ندرك أننا نتجه خطوة بخطوة نحو الفلسفة الأفريقية. هناك طاقة واحدة فقط، شبكة واحدة من القوى، وإن كانت تظهر في وجهين: الطاقة المماسية؛ طاقة الخارج، المادية، الكمية، والطاقة الشعاعية؛ طاقة الداخل، النفسية، الكيفية. وفي الحقيقة، هذه طاقة روحية، ومن ثم فهي قوة جاذبة، وقوة خلاقة بكل بساطة. ونتيجة لذلك، تظل القوانين الفيزيائية والكيميائية صالحة في ما قبل الحياة، بينما في الكائنات الحية، كلما ارتقينا من المادة الخاملة إلى النبات، ومن النبات إلى الحيوان، ومنه إلى الإنسان، ترتقي الروح إلى الوعي لتعبر عن نفسها في الإنسان، في الحرية. يتعلق الأمر، بالنسبة إلى هذا الإنسان، في تحقيق ذاته، في ما وراء الرفاهية المادية، في الوجود الروحي الأعلى، أقول: في الشعر بالمعنى الأصلي للكلمة اليونانية، في حياة الغناء، كما يقول الأفارقة". ينظر: Ibid., p. 150.

الفكر الغربي سياقاته التي أفرزته؛ إذ لو أخذنا نموذجًا مثل جون لوك John Locke (1704–1632)، وهو من الأمثلة البارزة في الفلسفة الغربية، فإنه يتناول المسألة في إطار "البعد الأخلاقي لليبرالية"، وفي إطار تقديم "آراء في المسألة الدينية" أيضًا، ولكن يمكن القول إن فلسفة لوك حول التسامح الليبرالي محدودة في النشاطات السياسية، ولا توسّع المبررات والمسوغات السياسية لتتجاوز ما يقبله الليبراليون على نحو مسبق: "فإذا كانت حياة المجتمع محصورةً في القرارات السياسية الرسمية، وكان نجاح المجتمع المدروس يعتمد فقط على نجاحات أو إخفاقات قرارات السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، فإنه يمكننا قبول الأسبقية الأخلاقية لحياة المجتمع من دون التخلي عن التسامح الليبرالي أو المساس به والحياد تجاه 'الحياة الجيدة"'11. ما الحياة الجيدة في إطار الفلسفة الأفريقية؟ لو أطّرنا هذه القيمة ضمن السياق الذي اقترحه سينغور آنفًا، لوجدنا أنها لا تخرج عن تلك الخصائص الأربع التي تمتاز بها الفلسفة الأفريقية، فالحياة الجيدة التي يعمّها التسامح مبنيةٌ في المقام الأول على الحدس، ثم على الحوار، والممارسة، والنزعة الإنسانية الكونية، ومن دون هذه العناصر يصير الوجود الإنساني مطبوعًا بالتوتر والصراع. وسيصير، هذا التسامح "الليبرالي"، إذًا، متجاوزًا في المنظور الفلسفي الأفريقي؛ لأن قوام ثقافته الأصلية على المشار ةك والتسامح لا على الصراع والنبذ.

2. في السياق الثقافي الأفريقي ومسألة الآخر

تستحضر غرانفو، في سياق تفسيرها للأسس التي قامت عليها الفلسفات الأفريقية، مثال العلاقة بين الآخر الغربي والأنا الأفريقي في السياق المعاصر، وذلك في محاولة منها لرصد بعض أشكال التوتر التي انبنت عليها صورة العلاقة بين ذاتين، أساسها التوتر والتنافر. وتستند إلى أطروحة تزفيتان تودوروف Tzvetan Todorov (2017–1939) الذي يرى أن الغرب قد سعى في البداية لطمس "الآخر" من خلال دمجه ضمن ذاته، متجاهلًا خصوصياته وثقافاته كلها، ما أدى إلى تهميشه وإقصاء هويته، وترك المجال مفتوحًا أمام الهيمنة الغربية. لكن سرعان ما تحوّل الموقف الغربي، وذلك في إطار حركات المقاومة والتحرر الشاملتين، ولجأ بعد ذلك إلى التخلي عن هذا الدور المركزي لمصلحة "الآخر" من خلال تبنّي ثقافته وأفكاره، وذلك ليس إلا رغبةً منه في تحقيق فهم أعمق للعالم. لكن لم يستمر هذا الموقف طويلًا، بل تلاه ارتداد كبير في الموقف الغربي تجاه تلك الثقافات، ولم يتمكن معه من التخلي عن طابعه المركزي، ولا استطاع الانفتاح على الثقافات المغايرة، وأيقن بعد ذلك أن فهم "الآخر" ظل محدودًا بطبيعته. لكن لا ينفي تودوروف أن رحلة الكشف تلك قد مكّنت الذات الغربية من معرفة نفسها في مرآة الآخر12. ما يعنينا في الحقيقة مما عرضته غرانفو ليس موقف الغرب من "الآخر"، بل موقف "الآخر" من الغرب في حد ذاته. فيكون سؤالنا بناءً على ذلك كيف تشكّلت الفلسفة الأفريقية في ضوء علاقتها بالآخر؟ وإذا

  1. Mikael Garandeau, Le Libéralisme (Paris: Flammarion, 1998), p. 199.
  2. Séverine, p. 16.

كان معنى التسامح في هذا السياق قبولًا للآخر المخالف، فإلى أيّ حد استطاعت الفلسفة الأفريقية أن تكون متسامحةً مع قراءات آخرها الغربي؟ ويكمن أساس التسامح وقوامه في التبادل13؛ إذ لا يعني التسامح القبول السلبي بكل الآراء الواردة إلينا من طريق الآخر، بل يتطلب الأمر منا التفاعل والتبادل معه، بحيث نستعد لسماع ما يقوله الآخرون، ونحترم حقهم في التعبير عن آرائهم، حتى لو اختلفنا معهم. وقد ساهمت الفلسفة الأفريقية، إلى حد بعيد، في ترسيخ هذا المبدأ والدعوة إليه، وهو ما جسّدته الردود والحوارات التي قامت في أعقاب قراءة المبشر بلاسيد تامبلز Placide Tempels (1906–1977)، بعنوان: فلسفة البانتو La philosophie Bantoue)1945(14. وقبل الخوض في ما قدّمه تامبلز، وتقديم الردود التي تناولت فكرته في أصل الفلسفة الأفريقية، يمكن القول إن الفلسفة الأفريقية ترتكز على ثلاثة مستويات تتطور تاريخيًا، يشمل الأول المعتقدات والممارسات الشعبية، كالمعتقدات الدينية والطقوس واللغة والأخلاق، ويمثل هذا المستوى الأساس الذي يُبنى عليه الخطاب الفكري؛ فالمعتقدات والممارسات هي أساس الترابط بين الناس والمشترك الثقافي القائم بينهم، وهي ما يمكنهم من بناء المعرفة؛ فوجودها سابق من الناحية الثقافية. أما المستوى الثاني، فيتصل بشرح تلك المعتقدات وتوضيحها، بل تحويلها إلى نظام متكامل، وليس الغرض من هذا التفسير سوى بيان الروابط التي تجمع بين تلك المعتقدات والممارسات الأساسية من خلال إضفاء النظام والطابع النظري عليها. في حين يتمحور المستوى الثالث حول الخطابات النقدية التي تُبنى على أساس المستويين السابقين؛ بحيث تخضع المعتقدات والممارسات لمراجعات وتحليلات فاحصة، مثلما تخضع التصورات النظرية15. كانت المعتقدات والممارسات أساس التبادل النظري، ومدار النقاش في إطار الفلسفة الأفريقية المعاصرة. ويضاف إلى ذلك أن هذه الفلسفة بقدر ما أرادت توطين نفسها في العالم المعاصر أمام آخرها الغربي، فإنها كانت تسعى لتغيير واقع تاريخي طبعه الاستعمار إلى حد بعيد. وأسهمت صدمة الاستعمار في خلق وعيٍ لدى الشعوب والثقافات الأفريقية، وتراءت نتائج ذلك الوعي في نطاقَي القبول والرفض. ويمكن أن نتخذ من تامبلز وآرائه في الفلسفة الأفريقية نموذجًا تحليليًا في هذا السياق، حتى نتبين درجة التعقيد التي اتسمت بها هذه التصورات الفلسفية إزاء فكرة التسامح وقبول الآخر. تأسس مشروع "حضور أفريقيا" في عام 1947 بوصفه مشروعًا ثقافيًا وإنسانيًا يسعى لإعادة التأكيد على مساهمة أفريقيا في الفكر العالمي، ورافق هذا الهدف دعوة أخلاقية لإعادة صياغة مفهوم الإنسانية،

  1. Roger–Pol Droit, Jusqu’où tolérer? (Paris: Le Monde Éditions, 1996), p. 15.
  2. فلسفة البانتو، كما عرضها البلجيكي بلاسيد تامبلز في كتابه فلسفة البانتو، تعبّر عن رؤية أنطولوجية أفريقية ترى أن الكينونة مرتبطة بالقوة، وأن الإنسان يُعرف من خلال علاقته بالآخرين وبالكون. وفي ثقافة شعوب البانتو، لا ينظر إلى الفرد باعتباره كائنًا مستقلًا، بل جزءًا من شبكة وجودية تتداخل فيها القوى الحيوية، حيث تقاس قيمة الإنسان بمدى تأثيره وتفاعله مع محيطه. حاول تامبلز إثبات أن لدى شعوب البانتو فلسفة متماسكة، على الرغم من أن عمله قوبل بانتقادات من فلاسفة أفارقة اعتبروا طرحه استشراقيًا. ومع ذلك، يظل كتابه مرجعًا أساسيًا لفهم البنية الفكرية والروحية للمجتمعات الأفريقية التقليدية، يُنظر: Placide Tempels, La philosophie Bantoue (Paris: Présence Africaine, 1949).
  3. D. A. Masolo, African Philosophy in Search of Identity (Edinburgh: Edinburgh University Press, 1994), p. 39.

وذلك من خلال كسر هيمنة الفكر الأوروبي وإعادة بناء إنسانية شاملة تشارك فيها جميع الشعوب. لكن يعدّ اختيار فلسفة البانتو ليكون أول كتاب تنشره دار "حضور أفريقيا" تناقضًا واضحًا مع توجهات الدار. فكيف يمكن أن تنشر دار تسعى لتفكيك الخطاب الاستعماري الأوروبي كتابًا لمبشّر أوروبي في إطار مشروع استعماري؟ تلك كانت أولى المفارقات التي تتضح في طريق بناء مشروع التسامح الأفريقي، وبالأخص في مرحلته المعاصرة؛ إذ يحتاج التسامح إلى مرجعية فلسفية، ولكن لم تكن المرجعية الغربية قادرةً على التراجع عن موقفها في ما يخص مسألة الآخر الأفريقي. ويمكن تفسير نشر فلسفة البانتو من خلال فهم سياق استقبال المثقفين والفلاسفة الأفارقة له في الخمسينيات والستينيات؛ فقد أثار الكتاب نقاشًا ساخنًا حول "الفلسفة الأفريقية" و"الاختلاف الأفريقي" في الفلسفة. وما يعاب على هذا النص هو إغراقه في أحكام القيمة، وبالأخص حين يتعلق الأمر بمقارناته بين الثقافات الأفريقية "غير المتحضرة" بنظيراتها الأوروبية "المتحضرة"، وهذه المقارنة لا يمكن أن تؤسس طريقًا نحو فهم الآخر، بقدر ما تجعله دائمًا في غربةٍ عنا. ومن هذا المنظور يصير أساس التسامح هو الاعتراف باختلاف الآخر. كانت القراءة النقدية لأفكار تامبلز – التي فتحت نقاشًا مهمًا في الفكر الأفريقي المعاصر (نقاش الفلسفة الأفريقية) – فرصةً من أجل النظرة السلبية التي تعتبر استقبال المثقفين الأفارقة لأفكار تامبلز تعبيرًا عن عقدة "نحن أيضًا"؛ أي الرغبة في إرضاء حاجة نرجسية تتمثل في إثبات وجود "فلسفة أفريقية" تماثل الفلسفة الأوروبية. ولم يكن نقد منظور تامبلز في أساسه رغبةً في تأسيس مركزية أفريقية، بل سعيًا لنقد المنظور الذي يتبناه الآخر في النظر إلى الذات، والذي يظهر في صورة المبشّر المسيحي الأوروبي الذي لا يرى في الثقافات الأخرى قيمًا تعكس إنسانية الإنسان. وقد كانت خطابات المبشرين المسيحيين، التي كُتبت خلال فترة ذروة الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، مليئةً أحلامًا عن رغبات متباينة. واتخذت هذه الخطابات أشك لًا متعددة، مثل المطالبات النرجسية بالحب (أليس الغريب هو جاري؟)، والحقيقة (في فعل الاعتراف)، والطلبات الصريحة أو الضمنية للنظام، وتأكيد السلطة باسم مشروع الحضارة.

ثانيًا: فلسفة الأبونتو: مفهوم التسامح وجواره المفاهيمي

1. التسامح منطلقًا لفلسفة الأبونتو

يعدّ مبدأ الأبونتو قاعدةً فلسفيةً أفريقيةً قديمةً تنبثق من فكرة أن البشر عائلة واحدة، على أساس الأخوة البشرية، وأن الأرض مجالهم جميعًا، وأنه إن جاع إنسان واحد فإن الجميع جياع، وحين يُساء إلى شخص واحد فكأنه أسيء إليهم جميعًا، وحين يعاني طفلٌ ما فكأن كل أفراد البشرية في تلك المعاناة سواء. ومن خلال هذا الاعتراف بالإنسانية المتبادلة، تقوم فلسفة الأبونتو على رابط قوي يوحّد الإنسانية ولا يقبل الانفصام. وتأتي أهمية فلسفة الأبونتو في إطار عالمٍ يقوم على الانقسام والصراع، وتسوده

الحروب والمجاعات، لتقدّم رسالةً في الأمل والوحدة، ولتذكّر البشر بأنهم جميعًا مترابطون، وأنهم في حاجة إلى العمل معًا من أجل خلق مستقبل أفضل للجميع16. صار مصطلح أبونتو متداولًا على نحو ملحوظ في الأدبيات الدراسية الحديثة والمعاصرة، في الأدب كما في الدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية. وتدل هذه السعة في تناول المفهوم واستخداماته على ما يتضمنه من معانٍعديدة ومتنوعة. وفي أقصر تعبيرٍ ممكن، وكما تقدّم معنا، يقضي مبدأ الأبونتو بأن المشار ةك أفضل من الانفراد، وفي السياق عينه، كانت المقابلة دائمةً بين ما يحدد وجود الذات بالنسبة إلى الفلسفة الغربية، وما خلصت إليه في لحظتها الديكارتية، حين عبرت عن وجود الفرد من خلال "الكوجيتو" Cogito Ergo Sum "أنا أفكر، أنا موجود"، وكانت الأبونتو، في جوهرها، مقابلةً لهذا النمط من الوجود؛ لأنها "تفكير في الآخرين وبواسطتهم"، فالأنا لا توجد إّلا إذا استحضرت الآخرين17. يحيل مصطلح أبونتو إلى مفهوم التضامن والتعاون الاجتماعي، حيث يعتقد أننا نكتشف هويتنا من خلال علاقتنا بالآخرين. ومن خلال إسهامنا في مجتمعاتنا، تتأسس فلسفة الأبونتو على فهم الآخر واحترامه. ويعتبر الآخر، في السياق الأفريقي، فردًا من الأسرة الموسّعة، وهو ما يعني أن هناك التزامًا طبيعيًا بمساعدة الآخرين ودعمهم في أوقات المحن18. تجلت فلسفة الأبونتو الأفريقية بوصفها عنصرًا رئيسًا في النضال الذي قاده نيلسون مانديلا (–1918 2013) وديزموند توتو Desmond Tutu (2021–1931) ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا؛ حيث جسّدت هذه الفلسفة قيم الإنسانية والتعاون في تحقيق المصالحة الحقيقية، والتسامح، والصفح، والسلام. وليست فلسفة الأبونتو تراثًا أفريقيًا، بل هي إرث إنساني عميق يجسّد روح التآلف التي تتسم بها الثقافات الإنسانية جميعها. وفي هذا السياق، يمكننا أن نفترض أن هذه الفلسفة تسهم فكريًا في ما يتجاوز حدود القارة الأفريقية، وفي ما يضع نفسه في مناقشة ما هو عالمي وكوني. وبناءً على ذلك، يمكننا أن نتساءل: ما دلالة الأبونتو في سياقنا الراهن؟ وبأيّ معنى تؤسس هذه الفلسفة – بوصفها نتاجًا أفريقيًا خالصًا – لعملية بناء وإعادة بناء الإنسانية المشتر ةك والقائمة على المشار ةك والانفتاح؟ خلص ديكارت، في سبيل إثبات حقيقة الذات لاتخاذ الشك وسيلةً، إلى نتيجة أساسية استقرت في مقولة الكوجيتو، أو أنا أفكر. وقد كان مدار هذا الوجود الخالص الذي بناه ديكارت على الوجود الفردي، فما لا يقبل الشك وحده هو الحقيقي، وما يقع عنده في حكم البداهة. لكن لم يكن الشك الديكارتي، في أصله، غايةً، وإنما توسله ديكارت بالنظر إلى ما يحيط بالعقل من أشباه المعارف التي أوفدتها عليه حواسه. وكان دافعه قويًا إلى اعتماد الشك منطلقًا لكل معرفةٍ لتحصين العقل من الوقوع

  1. Stephan C. Lundin, Ubuntu! Une histoire inspirante basée sur une tradition africaine (Québec: Dauphin Blanc, 2011), p. 12.
  2. Papa Abdou Fall, "Apports africains et humanite commune: Penser l’ubuntu a l’echelle mondiale," Education authentique , accessed on 23/2/2026, at: https://acr.ps/1L9F37q
  3. Leyla Tavernaro–Haidarian, A Relational Model of Public Discourse: The African Philosophy of Ubuntu (London: Routledge, 2018), p. 30.

في الخطأ والخداع. ويعتبر ديكارت أن "أنا أفكر، إذًا أنا موجود" عبارة تتسم بوضوح مؤكد لا يمكن التشكيك فيه، ومن ثم تصبح نموذجًا للحقيقة وأساسًا لنظامه الفلسفي19. وفي مقابل فلسفة ديكارت التي تدعو إلى هذه الفردية المطلقة، تؤكد فلسفة الأبونتو الترابط والتواصل المتبادل؛ فليس الوجود الإنساني فرديًا خاصًا، بل هو وجود متصل بالآخرين ومتعلق بهم. وتتجسد فلسفة الأبونتو من خلال المقولة الأفريقية الشهيرة: "أومونتو نغومونتو نغابانتو"؛ بمعنى أنا ما أنا عليه لأنك ما أنت عليه، فمعناها متصل بجوهر الوضع البشري، وهي فلسفة تدعو إلى التسامح بين الفرد والجماعة؛ إذ ليست العلاقة بينهما قائمة على الإرغام والتسلط، بل على القبول، ولا يصبح الفرد إنسانًا حقيقيًا إلا من خلال تفاعله مع أفراد المجتمع الآخرين. وليست الأبونتو، وفقًا لهذا التفسير، فكرة مجردة، وإنما هي ممارسة فعلية تشكّل أساس العلاقات الاجتماعية للمجتمعات الأفريقية. ويساهم الأفراد استنادًا إلى التعاون والتضامن والمشار ةك في بناء مجتمع متماسك وقادر على تلبية احتياجات الجميع. وتمثّل فلسفة الأبونتو، إذًا، نقلةً نوعيةً من المستوى الفردي إلى الجماعي، مؤكدةً على قيم الترابط والتواصل بين أفراد المجتمع. يعدّ تجديد فلسفة الأبونتو في السياق الأفريقي المعاصر أمرًا ذا أهمية بالغة؛ لأنها توفر للمجتمعات الأفريقية شعورًا بالهوية الذاتية والتقدير، وتمكّنهم من التعامل مع المشكلات بطرق إيجابية، وذلك من خلال الاستفادة من القيم الإنسانية التي ورثوها عن أسلافهم واستداموها عبر تاريخهم الطويل. وتُعين كذلك على تقديم مساهمة قيّمة من أجل البشرية جمعاء، وذلك كلما اقترنت بالأسلوب والممارسة، ولكن ذلك لا يعني أن هذه التجربة وحدها هي التي تعكس التصور الأفريقي في كليته، ولكنها تعكس شكلًا من أشكال المقاومة الثقافية للهيمنة الغربية، وهو ما سنتبينه من خلال تصوراتها عن مفهوم التسامح وأبعاده20. استطاع جون ستيوارت مل John Stuart Mill (1873–1806) تقديم تصوره عن التسامح والدفاع عنه في كتابه عن الحرية (1859)؛ إذ خصص الفصل الثالث من هذا العمل لشرح منظوره وتفسيره، ووسم فصله ب "الفردانية بوصفها عنصرًا للرفاهية"21. وفي الواقع، تعتمد الفردانية، بحسب مل، على هذا التطور. وفي هذا الصدد، يعتبر تحقيق الفردانية عملية اكتشاف للذات. ويكتشف المرء قدراته الفريدة ويعيش حياة أصيلة تناسب تكوينه. وهذا هو مفهوم التنمية الذاتية الصحيح. وبناء على ذلك، يحتاج المرء، لكسب الفردانية، ومن ثم السعادة، إلى الحرية والتسامح تجاه تجارب حياته التي تخرج عن المألوف. ومن هذا المنظور، يعتبر التسامح قيمة لأنه يوفر مساحة خالية من التدخل لممارسة الاستقلالية.

  1. Fall, p. 5.
  2. Ibid., p. 6.
  3. John Stuart Mill, On Liberty , Elizabeth Rapaport (ed.) (Cambridge: Hackett Publishing Company, 1978

كان النقاش الدائر في الفلسفة الغربية حول مفهوم التسامح، وبالأخص بين بيير بايل Pierre Bayle (1706–1647) وجون لوك حول العلاقة بين الفرد والمجتمع من جهة، وبين الفرد والسلطة التي يمثلها الدين داخل المجتمع من جهة أخرى. فقد نقل بايل مسألة الضمير إلى مستوى العلاقة بين الفرد والإله، وأنه لا حق لأحدٍ في التدخل في هذا المجال، وهو عينه الأمر الذي أقره لوك، مع اختلاف بينهما في الطريقة؛ ففي الوقت الذي يركز لوك على حقوق الفرد، كان بايل22 يستند إلى الواجبات التي ينبغي للفرد القيام بها تجاه الإله، بل إنه من حق غير المؤمنين التمتع بحرّية الضمير عينها التي يتمتع بها أيّ فرد داخل الإطار الديني مهما  كانت حقوقه وواجباته. وأطّرت هذه التصورات اتجاهات الفلسفة الغربية في النظر إلى مسألة التسامح23. لكن سواء تعلّق الأمر بالفردانية كما يدافع عنها مل، أو العلاقة بين الفرد والمجتمع كما تمَّثَلها بايل ولوك، فإن مفهوم التسامح في سياقه الأفريقي مختلف كلًّيًا عن هذا النطاق الذي افترضته الفلسفة الغربية. ففلسفة الأبونتو تعكس جذر الوجود الأفريقي، وتستند في تصورها إلى فكرة معينة عن "الإنسان" (أومنتو) بوصفه كائنًا مبدعًا، وصانعًا لعالمه الذي ينشأ ويتغير باستمرار، وهو وفقًا لهذه الفلسفة صانع السياسة والدين والقانون، ويكتسب الخبرة والمعرفة وفلسفة الحياة التي تستند إلى الحقيقة، ومن أجل ذلك لا تكمن الفلسفة الأفريقية في ما قد يقدّم نظريًا، وإنما هي راسخة في أفعال الأفارقة وتجاربهم التاريخية المعيشة. وقد رسخت في الثقافات الأفريقية مبادئ أساسية في تحديد معنى التسامح؛ لأنه مستمد من الرؤية العامة التي توجه فلسفة الأبونتو، فلا أحد في وسعه أن ينظر إلى ذاته إلا من خلال الآخرين، لذا فإن أساس وجوده قائم على "المصالحة" التي هي أساس الاستمرار24.

2. الصلح والسلم والتأسيس للتسامح

يمكن أن نلاحظ بعض هذه المظاهر في تقاليد الصلح التي تسهم في حل النزاعات سلميًا من أجل استعادة التوازن في المجتمعات المتحاكمة، إضافة إلى ما يتجلى من خلال التعددية الثقافية التي تكتنفها القارة الأفريقية، وما يترتب عليها من قيم التسامح والتعاون الثقافي بين الشعوب المختلفة؛ حيث يمكن أن يتعلم الأفراد من تراث في ما بينهم، ويسهموا في إثراء التجارب الحضارية. ولا يمكن أن نغفل عن جانبٍ مهم في إثراء السلم الاجتماعي، وهو الفن والثقافة بعدّهما وسيلةً من أجل التعبير عن الهوية والقيم الحضارية25، مع ما ينضم إلى ذلك من دور القيم الدينية الحاسم في توطين قيم المحبة والتسامح والعطاء التي تعزز السلم والتوازن في المجتمعات الأفريقية. وتعتبر رموز السلم في الثقافات الأفريقية تعبيرًا فع لًا عن القيم والمبادئ التي تشجّع على الوئام والتواصل السلمي في هذه المجتمعات المتنوعة. وتُبرز تلك الرموز عمق التراث الثقافي الأفريقي

  1. Bican Şahin, Toleration: The Liberal Virtue (Lanham, MD: Lexington Books, 2010), p. x.
  2. Ibid., p. 58.
  3. Mungi Ngomane, Ubuntu Leçons de sagesse africaine (New York: Harper Collins, 2022).
  4. Iyay Kimoni, Destin de la littérature négro–africaine ou problématique d’une culture (Québec: Éditions Naaman, 1985), p. 70.

في تعزيز قيم السلم والتضامن. ويعدّ رفع اليد الممدودة برفق، واللون الأبيض، من الرموز الشائعة في الثقافات الأفريقية عن السلم. وتحمل تلك الإيماءات والألوان رسائل قوية عن التقدير والاحترام26. ترمز شجرة الباوباب (شجرة الحياة) إلى السلم والوئام في العديد من الثقافات الأفريقية، وتوفّر الظل والمأوى، وتُستخدم مكانًا للاجتماعات والمحادثات المهمة، ما يعكس قيمة التواصل البنّاء في تحقيق السلم. وتمثّل هذه الرموز التقاليد والقيم الثقافية التي تجمع بين الناس، وتشجّع على السلم والتواصل السلمي في أفريقيا. تتميز الثقافة الروحية في أفريقيا بطابعها الخاص في تعزيز السلم والانسجام بين الأفراد والمجتمعات، وهي إلى ذلك تسمح بترسيخ إيمانٍعميق بالأرواح والقوى الروحية، وهو ما يتجلّى في تصورهم للعالم والحياة. ويظهر احترام الطبيعة والبيئة والتوازن معًا باعتبارهما قاعدتين مهمتين في الثقافة الروحية الأفريقية؛ ما يُذكي عمق الوعي بأهمية الحفاظ على البيئة والتعامل الحكيم مع الموارد الطبيعية27. تتواصل الجماعات الأفريقية مع الأرواح والأجداد من خلال الطقوس والتقاليد الدينية، وهو في الحقيقة تواصل بين الأجيال هدفه تقوية روح التضامن والاتصال بين الأفراد والمجتمعات. ويعمل التفكير الروحي والتأمل على تحقيق قيم السلم الداخلي وتعزيز التوازن بين الأبعاد النفسية والروحية للإنسان. وتترجم قيم الأخلاق والعدالة في الثقافة الروحية الأفريقية إلى مفاهيم مثل: العطاء، والاحترام المتبادل، والتضامن، والعدالة الاجتماعية. وتمثّل هذه القيم قاعدة راسخة في بناء السلم والحفاظ على المجتمعات المتكافئة والمزدهرة. تظهر القابلية لإحلال السلم في تجارب أفريقية تاريخية بعينها، حيث يبرز مفهوم السلم عنصرًا مهمًا في ثقافات أفريقية كثيرة. ويمكن رصد مظاهر السلم في العديد من الأمثلة الواقعية التي شهدت على جهود تعزيز السلم والمصالحة، ونستشهد ببعض منها، على سبيل المثال لا الحصر، كإطلاق جهود مشتر ةك لتحقيق المصالحة الوطنية وبناء مجتمع متعدد الثقافات بعد انهيار نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، في سياق عمل منظمات السلم والتنمية المحلية في مختلف دول أفريقيا على تعزيز الوحدة والتصالح بين الثقافات من خلال الفنون والحوار. عاش نيلسون مانديلا، الزعيم الجنوب أفريقي، تجربة حياة استثنائية، شكّلت نموذجًا بارزًا لمظاهر السلم والتسامح؛ إذ واجه نظام الفصل العنصري الذي استمر عقودًا في بلاده، ولكنه اعتمد على مبادئ أساسية لتحقيق التغيير وبناء المصالحة. وتميزت تجربته بالمصالحة الوطنية؛ إذ قاد جهودًا حثيثة من أجل إنهاء النزاع العنصري، وتحقيق التسامح والعدالة في جنوب أفريقيا28. وشجع الحوار المستمر والمفاوضات مع الحكومة الجنوب أفريقية لتحقيق التسوية وإنهاء الاضطهاد، وألهم العالم

  1. هوبير دیشان، الديانات في أفريقيا السوداء، ترجمة أحمد صادق حمدي (القاهرة: دار الكتاب المصري، 1956)، ص د.
  2. فراس السواح، موسوعة تاريخ الأديان، ج  1 (دمشق: دار رسلان للطباعة، 2017)، ص.260
  3. Nelson Mandela & Jennifer Crwys–Williams, Une minute peut changer le monde (Paris: Presses du Châtelet, 2011), p. 34.

بمفهوم الصفح والعفو عندما قرر عدم الانتقام بعد قضائه 27 عامًا في السجن، بسبب نشاطه النضالي، وأسهم اختياره الشجاع هذا في تخفيف التوترات وتعزيز الوحدة الوطنية، وأصبح رمزًا عالميًا للسلام والتسامح، وحصل على جائزة نوبل للسلام عام 1993، وأصبح بذلك نموذجًا حيًا لقوة الإرادة والتفاني في تحقيق السلم وتعزيز حقوق الإنسان. وتجسّد تجربته أبرز الأمثلة على كيفية تأثير الشخصيات القيادية في التجارب الثقافية الأفريقية في مسألة السلم، وأصبح رمزًا للصمود والتفاني في سبيل تحقيق السلم، وهذا شكّل مصدر إلهام لقادة أفريقيا وشعوبها، بل امتد إلى خارجها. وتعززت فلسفة المصالحة والحوار في القارة بفضل نموذجه الحي لكيفية التفاوض والتسامح مع الأعداء السابقين وتحقيق السلم عبر الحوار الديمقراطي29.

3. الصفح بحسبانه أساسًا للتسامح

يتضمن طلب الصفح غالبًا تساؤلات مثل: "هل لك أن تسامحني؟"، الأمر الذي يعكس تساؤلًا جوهريًا حول مدى استعداد الآخرين للتخلي عن موقفهم الأخلاقي تجاه الشخص المعتذر. وتُظهر هذه العبارة نوعًا من الأمل في إمكانية تجاوز الفعل الصادر نحو الذات والمضي قُدمًا. وعلى الرغم من أن هذا النوع من الاعتذار يتعامل مع السؤال حول إمكانية الصفح، فإنه ليس دائمًا واضحًا في ما يتعلق بالسؤال إذا ما  كان الشخص المعتذر مستعدًا للتنازل عن أيّ أفكارٍ انتقامية. لكن تدخّل أطرافٍ أخرى، مثل الكنيسة أو الدولة من أجل تحقيق الوساطة في الصلح، قد يدفع الأطراف المتضررة إلى التعبير عن الصفح حتى إن كانوا غير مستعدين للتخلي عن حقهم في الانتقام30. يتعلق هذا السياق بالتجربة التي مرّت بها جنوب أفريقيا خلال عملية الحقيقة والمصالحة؛ إذ كان ثمة تركيز على قبول الضحية، على نحو خاص، للصفح. ومع ذلك، ينبغي أيضًا مراعاة أن هناك أشخاصًا كثرًا تأثروا بالعنف، ولكنهم ليسوا ضحايا مباشرين، لذا قد يكون لمفهوم الصفح صلة بجميع من تأثروا بتلك التجارب. يعدّ الصفح عملية داخلية معقدة بالنسبة إلى الضحية، تتضمن مراحل تحولٍتامة للعواطف والاعتقادات، وتبدأ عادة بالغضب والاستياء من الجاني؛ إذ يعتبر المتضرر أن الجاني مدينٌ أخلاقيًا بدَين يتعين عليه سداده، وقد يشعر المتضرر، أيضًا، بالرغبة في الانتقام أو تنظيم العلاقة مع الجاني بطرق تعكس هذه العواطف والمعتقدات. وبمرور الوقت وتطور العملية، يمكن أن يصل الشخص المتضرر إلى مرحلة تتضمن التخلي عن الغضب وإلغاء الَّدَين وترك الانتقام31. وفي حال كانت هناك إمكانية لاستئناف العلاقة مع الجاني، فإن ذلك يشمل أيضًا التخلص من أيّ إشارة إلى الأخطاء المرتكَبة مسبقًا. ويكون الصفح محِّرِرًا للأشخاص المتضررين؛ إذ يتخلصون من

  1. Ibid., p. 153.
  2. Havva Kök Arslan & Yunus Turhan, "Reconciliation–oriented Leadership: Nelson Mandela and South Africa," All Azimuth: A Journal of Foreign Policy and Peace , vol. 5, no. 2 (2016), pp. 29–46.
  3. Brian Castle, Reconciling One and All: God’s Gift to the World (London: SPCK Publishing, 2008), p. 67.

أعباء الغضب والاستياء، ويتحررون من فكرة الانتقام. ويمكن أن تدعم المبادئ الدينية، مثل القيم التي يكون لها تأثير إيجابي في بناء الشخصية، مثلما تجسّد في تجربة مانديلا، وقد تسهم هذه العملية أيضًا في ترك "هوية الضحية"، وتفتح الباب أمام تطوير هويات أكثر إبداعًا. يمكن أن يكون الصفح عمليةً ثنائية الأطراف حتى في حالة غياب اعتراف أو اعتذار من الجاني، وقد تُجري الضحية هذه العملية لتحقيق تحسّن في حالتها النفسية والعاطفية؛ إذ تترك أعباء الغضب والاستياء والانتقام، وتحقق تحولات إيجابية داخلية. في حين أن الجاني قد يكون غير موجود، أو قد تكون العلاقة معه منتهية32. وإضافة إلى ذلك، تعني المصالحة الثنائية الأطراف أن التغييرات الداخلية التي تحققها الضحية في نفسها يمكن أن تنتقل إلى الجاني، وحتى في حالة عدم تدارك الجاني لتلك التغييرات، يمكن أن تسهم هذه العملية في تحسين العلاقة بين الطرفين وتحقيق تعاونٍأكبر. وعندما تستمر العلاقة، يمكن أن تسهم هذه العملية في خلق بيئة تعاونية ومثمرة، حيث تتغلب العلاقة على الاستياء والمخاوف السابقة. انتشرت فكرة مانديلا ورمزيته على نطاق عالمي على نحو لا يمكن إنكاره. وقدّم المؤرخ بول تيامبي زيليزا Paul Tiyambe Zeleza (1955–) فكرة مثيرة حينما وصف مانديلا بأنه "السلطة الأخلاقية العالمية للإنسانية في أتم حالاتها"، وأنه يمثل تطورًا طبيعيًا لمنهجية المحررين المقدسين في القرن العشرين، بدءًا من مهاتما غاندي (1948–1869)، ووصولًا إلى مارتن لوثر كينغ Martin Luther King (1968–1929). ويبرز هذا التصوير دور مانديلا الكبير في نشر القيم الإنسانية وتعزيز العدالة والمساواة33. وأصبحت، بالفعل، سمعة مانديلا الرمزية جزءًا لا يتجزأ من كفاحات القرن العشرين وبطولاته، سواء في مجال مكافحة الاستعمار أو في تعزيز الديمقراطية بعد الحرب الباردة. وأصبح عمره البالغ خمسة وتسعين عامًا رمزًا للتحدي والتضحية من أجل القضايا الإنسانية الكبرى. ويعكس إرثه القيم والمبادئ التي يمكن أن تلهم بها الشخصيات الرمزية العالم، وتشجيع النضال من أجل حقوق الإنسان والحرية والعدالة34. تعرّض مانديلا لانتقادات شديدة بدعوى تقديمه دبلوماسية شخصية تسعى لتعزيز تمثيله باعتباره شخصية رمزية عالمية، وذلك على حساب التحولات السياسية والاقتصادية في جنوب أفريقيا. واتهمه بعض الراديكاليين، مثل فرانك ويلدرسون Frank B. Wilderson III (1956–)، بأنه تنازل عن الجانب الثوري للحر ةك الوطنية الأفريقية، وتجاهل ميثاق الحرية، وتجنّب الصراع الثوري الشامل، وانتقل إلى التفاوض مع النظام القائم35. ومع ذلك، يمكن الرد على هذه الانتقادات بالنظر إلى طبيعة السياق التاريخي والسياسي الذي واجهه مانديلا.

  1. Ibid., p. 71.
  2. Kem Knapp Sawyer, Champion of Freedom: Nelson Mandela (North Carolina: Morgan Reynolds Publishing, 2011), p. 136.
  3. Bernard Lhôte, Les charmes du charisme: Pouvoirs et tentations (Paris: Desclée de Brouwer, 2000), p. 28.
  4. Frank B.Wilderson III, Afropessimism (New York: Liveright Publishing, 2020).

كان مانديلا يتعامل مع نظام قائم على الفصل العنصري واضطهاد الأقليات السوداء بوسائل عنيفة وقمعية، ولم تكن القوى المضادة للنظام بمثل هذه القوة. ونظرًا إلى هذا اللاتوازن في القوى، كان يحتاج إلى استراتيجية تجمع بين الضغط الدولي والتفاوض لتحقيق التغيير. وعمومًا، كان هدفه متمثلًا في تحقيق الاستقلال السياسي أولًا بوصفه جزءًا من مسار أطول نحو تحقيق الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي، وقد اعتقد أن التحول الاقتصادي سيأتي بعد تحقيق التحول السياسي. وتعكس هذه الرؤية توجيهًا استراتيجيًا يركز على تجنّب التصعيد العنيف والحفاظ على الاستقرار في البلاد36. لكن هذه الخطة التي عزم مانديلا على تحقيقها لم تكن لتقوم من دون تحديات مباشرة. وكان أول ما واجهه هو وغيره من مقاتلي الحرية، في معركتهم ضد الاستعمار والعنصرية، هو تحدي التفاوت والأحداث الكبرى التي أثّرت في المجريات. ويستند منطق التفاوت إلى الأنانية والتفوق العرقي، ويُعتبر التفوق الأوروبي أحد أشكال التفوق العرقي المسيطر في تلك الفترة. ونتيجة لذلك، جرى تلويث البيئة الاجتماعية بقضية العرق وعواقبها الطويلة الأمد التي تأثر بها مانديلا وزملاؤه في النضال من أجل الحرية. ويمكن تلخيص هذه العواقب الطويلة الأمد تحت مفهوم "نموذج الاختلاف". في حين يمثل النموذج العنصري المبدأ الأساسي في تكوين العالم الحديث. وتعتبر العنصرية مبدأ تنظيميًا يمتد إلى عدة مجالات، وتطورت العنصرية، منذ بداية الحداثة، وتغيرت أشكالها بحيث يجري إخفاؤها تحت أشكال متنوعة37. يمثل مانديلا ظاهرةً، وتبقى تجربته حالةً استثنائيةً تعبّر عن التحديات الوجودية الواسعة التي واجهها السود على مر العصور منذ بداية الحركات الاستعمارية في القرن السادس عشر حتى العصر الحديث. إنها مسألة تطرح تساؤلات حول مكانة السود وهويتهم في عالم شكّلته التحولات التاريخية والاجتماعية. وتحاول هذه المسألة التعبير عن تجربة الأفراد الذين عاشوا في المجتمعات الحضرية والثقافية، ولكنهم كانوا هيكليًا خارجها، وكيف يمكنهم التعبير عن أنفسهم وهويتهم على الرغم من عدم الاعتراف بهم أعضاءً متكاملين في المجتمع؟38 إنها مسألة تتعلق أساسًا بتشكيل التفكير التاريخي والثقافي للهويات المجالية التي نشأت نتيجة لتمييز السود وإنكار إنسانيتهم على يد الآخرين. تُلَخَّص هذه المسألة جيدًا في سؤال لويس ر. جوردون (1962–)، عما يجب على أولئك الذين يعيشون في المدينة، ولكنهم هيكليًا خارجها فعليًا، إذا لم يُقبلوا بوصفهم أشخاصًا ينتمون إلى الداخل وجرى دفعهم إلى الخارج39. ويطرح هذا التحدي تساؤلات حول الهوية والانتماء والمكانة في المجتمع. وفي هذا السياق، تفهم ثقافة السود بوصفها مفهومًا يتعامل مع تجربة أن الإنسان أسود في نظام عالمي حديث نشأ في عام 1492، وهو نظام يعتمد على التمييز والعنصرية. ويحاول هذا المفهوم تحليل الأنظمة العالمية والأسس الأخلاقية والاجتماعية التي تؤثر في تجربة السود، وكيفية تشكيل هويتهم وثقافتهم في هذا السياق التاريخي والثقافي.

  1. Patrick Catel, Nelson Mandela (London: Capstone, 2011), p. 80.
  2. Elleke Boehmer, Nelson Mandela: A Very Short Introduction (Oxford: Oxford University Press, 2008), p. 81.
  3. Max Yves Brandily, Hommage à Léopold Sédar Senghor (Paris: PhotoPhore, 2002), p. 53.
  4. Lewis R Gordon, Existentia Africana: Understanding Africana Existential Thought (London: Routledge, 2000).

تمثل "ثقافة السود على نطاق عالمي" مشكلة عرقية نشأت نتيجة للنظرة التصاعدية للعالم الحديث من منظور الأوروبيين والأميركيين الشماليين. وانعكست هذه النظرة في التصنيف العرقي والترتيب الاجتماعي للبشر، ما أدى إلى الفعل اللاإنساني لإنكار إنسانية الأشخاص الآخرين. وتزامن هذا الإنكار مع سعي الحداثة الأوروبية والشمال الأميركي لاستعمار المكان والزمن والهويات والمعرفة، بحيث أصبح للأوروبيين والأميركيين الشماليين السيطرة على تاريخ العالم وقرار مصير الحضارات الأخرى. وأسفر هذا السعي عن مفاهيم مثل مفهوم "المركزية الهيلينية"، الذي يمنح الأولوية للحضارات اليونانية والرومانية باعتبارها أسسًا لجميع الحضارات الأخرى، ويتجاهل الثقافات غير الأوروبية، ومفهوم "المركزية الأوروبية" الذي يجعل أوروبا مركز العالم، ويقلل من قيمة العالم الخارجي لها، ومفهوم "الغربنة" الذي يحاول تشكيل العالم بأسلوب أوروبي وأميركي شمالي. يشكّل الفعل اللاإنساني لإنكار إنسانية السود الأساس للعديد من التبريرات الأخرى وأشكال الإنكار. وتشمل هذه التبريرات إنكارًا لمكانة السود في العالم الحديث، وتعريف السود بأنهم مشكلة يجب التخلص منها، أو أنهم مورد طبيعي للعمل الرخيص. وجرى تبرير هذا الإنكار على أساس زائف مثل نقص السود في القيم الحضارية، والتاريخ، والكتابة، والحضارة، والتنمية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والأخلاق40. نشأت حر ةك ثقافة السود من رفض الاستعمار الثقافي، وكان لها جذورها في رغبة الشباب الأفارقة في التعبير عن مخاوفهم بشأن مصير الإنسان الأسود في عالم يسيطر عليه الغرب. وكانت هذه الحر ةك تستند إلى فكرة أن آفاق الإصلاح كانت ضئيلة جدًا بسبب اعتماد أفريقيا السياسي والاقتصادي على الغرب، وبسبب الفكرة المسبقة بأنه لا توجد حضارة أفريقية حقيقية، وأن الأفارقة لم يسهموا في تطوير الثقافة أو الحضارة. ومن خلال التحقيقات والأبحاث التي أجريت، أظهرت الآثار الكثيرة واللقى التي عُثر عليها في أفريقيا أن إمبراطوريات نشأت في هذه الأماكن منذ زمن بعيد. وبناءً على هذه الأدلة، صحّح الأنثروبولوجيون والباحثون الأفكار السائدة حول غياب الثقافة والحضارة الأفريقية الحقيقية. نشأت حر ةك "ثقافة السود" باعتبارها ردّ فعلٍعلى الثقافة المستعارة والاستعمار الثقافي الذي فرضته القوى الاستعمارية على الشعوب الأفريقية والسود في جميع أنحاء العالم. وكانت الحر ةك تهدف إلى رفض هذه الثقافة المستعارة والصور النمطية السلبية للسود بوصفهم جنسًا غير قادر على بناء حضارة. وأكّد إيمي سيزير Aimé Césaire (2008–1913) وزملاؤه في الحر ةك أهمية الثقافة الأفريقية والتاريخ والهوية السوداء41. وكانوا يرون أنه يجب على السود أن يعيدوا تقدير ماضيهم، ويقبلوا بمصيرهم وثقافتهم باعتبارهما جزءًا لا يتجزأ من تاريخهم وهويتهم. وكانت حر ةك ثقافة السود تسعى لتشجيع الوعي الثقافي والاجتماعي بين السود، وتعزيز التفاهم بين مختلف الثقافات والشعوب. ورأى سيزير

  1. Jean–Pierre Biondi, Claude Quétel & Georges Liébert, Les anticolonialistes, 1881–1962 , Rééd. numérique (Paris: Robert Laffont; FeniXX, 1992), p. 217.
  2. Jacques Chevrier, La Littérature Nègre (Paris: Armand Colin, [n. d.]), p. 22.

وسينغور، وغيرهما من أعضاء حر ةك ثقافة السود، في هذه الحر ةك وسيلةً لإعادة تعريف الهوية السوداء، وتأكيدًا للتراث الثقافي والقيمي بالنسبة إلى السود. وتعدّ ثقافة السود أحد العوامل التي أسهمت في تشكيل حركات تحررية أفريقية، وتعزيز وعي السود بأهمية الحفاظ على هويتهم وتاريخهم الثقافي. في استنتاج عام، تكشف "ثقافة السود على نطاق عالمي" عن مشكلة عرقية جذرية نشأت نتيجة للنظرة التصاعدية والاستعمار الثقافي الذي فرضته القوى الاستعمارية على السود، حيث جرى تصنيفهم وإبعادهم عن الثقافة والتاريخ العالميَين. وتعكس هذه النظرة تفككًا اجتماعيًا ينبغي معالجته، وتسعى حر ةك ثقافة السود لإعادة تعريف هوية السود وتأكيد تراثهم وقيمهم الثقافية. ويمثّل فهم هذه المشكلة والتعامل معها خطوة مهمة نحو بناء مجتمعات تعتمد على التفاهم والاعتراف بالاختلاف والتسامح والمساواة بين الثقافات والأعراق.

خاتمة

حاولت هذه الدراسة الوقوف على بعض الجوانب المتعلقة بمفهوم التسامح في سياقه الأفريقي، ودققت في مسألة التسامح من منظور فلسفي وفكري أفريقي، مستندة إلى مراجع نظرية متنوعة تتفق جميعها على أهمية الفلسفة الأفريقية. وسعت لمقاربة الموضوع من زاوية تاريخية معاصرة، وسلطت الضوء على فلسفة الأبونتو باعتبارها نموذجًا أفريقيًا أصيلًا للتسامح. وتشير الأبونتو إلى مفهوم الإنسانية المترابطة، التي تؤكد أن كل فرد مرتبط بالآخرين على نحو جوهري، وأن خير الفرد يكمن في خير المجتمع. وتقدّم هذه الفلسفة أرضية خصبة للتفكير في مفهوم التسامح من داخل القارة الأفريقية، حيث تشجّع على تقبّل الاختلاف واحترام الآخر، والتعاطف معه، والسعي لحل النزاعات سلميًا. وجادلت الدراسة بأن الأبونتو تمثل فلسفة للتسامح تتجاوز مجرد التسامح السلبي (الامتناع عن إيذاء الآخرين)، بل تؤكد على التسامح الإيجابي (السعي النشط لخير الآخرين). وبناء عليه، تعد الدراسة مساهمة مهمة في فهم التسامح من منظور أفريقي. تمثل فكرة التسامح، في الفلسفة الأفريقية، حجر الزاوية في بناء المجتمعات المتماسكة والإنسانية، حيث تنبع من رؤية وجودية ترى الإنسان في علاقته بالآخر، لا في انعزاله عنه. وتجسّد فلسفة الأبونتو، التي تعني "أنا لأننا نحن"، هذا التصور العميق؛ إذ تُعلي من قيمة التضامن والتراحم والتفاهم المتبادل. وليس التسامح في هذا السياق مجرد قبول الآخر، بل هو اعتراف بإنسانيته الكاملة، وبحقّه في الاختلاف، وبأهمية الحوار وسيلةً لتجاوز الصراعات. إنه دعوة إلى العيش المشترك، وتغليب الروابط الإنسانية على الانقسامات العرقية أو الثقافية أو الدينية، وهو ما يجعله في الفلسفة الأفريقية أداة فعالة في معالجة آثار الاستعمار، والنزاعات الداخلية، وبناء مستقبل قائم على العدالة والمصالحة. وتتجلى أهمية التسامح في الفلسفة الأفريقية أيضًا في قدرته على إعادة تعريف الهوية الفردية والجماعية، بعيدًا عن منطق الإقصاء أو الهيمنة. فالأبونتو لا يرى في الآخر تهديدًا، بل فرصة للتكامل والنمو. ويسهم هذا التصور في ترسيخ ثقافة السلام، ويعزز من قدرة المجتمعات الأفريقية على تجاوز

جراح الماضي، خصوصًا في سياقات ما بعد النزاع، كما حدث في جنوب أفريقيا بعد نظام الفصل العنصري. وهنا ليس التسامح ضعفًا، بل قوة أخلاقية وسياسية، تعيد للإنسان كرامته، وترسّخ قيم العدالة التصالحية، وتحفز على بناء مؤسسات تعبّر عن روح الجماعة، وتحترم فيها التعددية والاختلاف. تمثلت أهم نتائج هذه الدراسة في إبراز مركزية مفهوم الأبونتو إطارًا فلسفيًا وأخلاقيًا يعيد الاعتبار لفكرة التسامح بوصفها ممارسة يومية وثقافة مجتمعية، ودور التسامح الحيوي في إعادة بناء المجتمعات الأفريقية بعد النزاعات، وفي تعزيز قيم الحوار والتفاهم بين المكونات المختلفة. وأكدت أن التسامح في الفلسفة الأفريقية ليس مفهومًا مجردًا، بل هو فعل إنساني يتجلى في العلاقات الاجتماعية والسياسات العامة والتربية، ما يجعله نموذجًا قابلًا للتطبيق في سياقات عالمية متعددة، خاصة في ظل التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة من عنف وتطرف وتفكك اجتماعي.

المراجع References

العربية

السواح، فراس. موسوعة تاريخ الأديان. دمشق: دار رسلان للطباعة،.2017 دیشان، هوبير. الديانات في أفريقيا السوداء. ترجمة أحمد صادق حمدي. القاهرة: دار الكتاب المصري،.1956

الأجنبية

Arslan, Havva Kök & Yunus Turhan. "Reconciliation–oriented Leadership: Nelson Mandela and South Africa." All Azimuth: A Journal of Foreign Policy and Peace. vol. 5, no. 2 (2016). Bergson, Henri. Œuvres complètes. Paris: Arvensa, 2014. Biondi, Jean–Pierre, Claude Quétel & Georges Liébert. Les anticolonialistes, 1881–1962. Rééd. numérique. Paris: Robert Laffont; FeniXX, 1992. Boehmer, Elleke. Nelson Mandela: A Very Short Introduction. Oxford: Oxford University Press, 2008. Brandily, Max Yves. Hommage à Léopold Sédar Senghor. Paris: PhotoPhore, 2002. Castle, Brian. Reconciling One and All: God’s Gift to the World. London: SPCK Publishing, 2008. Catel, Patrick. Nelson Mandela. London: Capstone, 2011. Chevrier, Jacques. La Littérature Nègre. Paris: Armand Colin, [n. d.]. Droit, Roger–Pol.  Jusqu’où tolérer? Paris: Le Monde Éditions, 1996. Fall, Papa Abdou. "Apports africains et humanite commune: Penser l’ubuntu a l’echelle mondiale." Education authentique. at: https://acr.ps/1L9F37q Garandeau, Mikael. Le Libéralisme. Paris: Flammarion, 1998.

Gordon, Lewis R. Existentia Africana: Understanding Africana Existential Thought. London: Routledge, 2000. Kimoni, Iyay. Destin de la littérature négro–africaine ou problématique d’une culture. Québec: Éditions Naaman, 1985. Knapp Sawyer, Kem. Champion of Freedom: Nelson Mandela. North Carolina: Morgan Reynolds Publishing, 2011. Kodjo–Grandvaux, Séverine. Philosophies Africaines. Paris: Présence Africaine, 2013. Lhôte, Bernard. Les charmes du charisme: Pouvoirs et tentations. Paris: Desclée de Brouwer, 2000. Lundin, Stephan C. Ubuntu! Une histoire inspirante basée sur une tradition africaine. Québec: Dauphin Blanc, 2011. Mandela, Nelson & Jennifer Crwys–Williams. Une minute peut changer le monde. Paris: Presses du Châtelet, 2011. Masolo, D. A. African Philosophy in Search of Identity. Edinburgh: Edinburgh University Press, 1994. Mill, John Stuart. On Liberty. Elizabeth Rapaport (ed.). Cambridge: Hackett Publishing Company, 1978 [1859]. Ngomane, Mungi. Ubuntu Leçons de sagesse africaine. New York: Harper Collins,

Sahin, Bican. Toleration: The Liberal Virtue. Lanham, MD: Lexington Books, 2010. Senghor, Léopold Sédar. Ce que je crois: Négritude, francité et civilisation de l’universel. Paris: B. Grasset, 1988. Tavernaro–Haidarian, Leyla. A Relational Model of Public Discourse: The African Philosophy of Ubuntu. London: Routledge, 2018. Tempels, Placide. La philosophie Bantoue. Paris: Présence Africaine, 1949. Triomphe, Micheline. "Le Léviathan, une problématique de la tolérance." Revue de la Société d’études anglo–américaines des XVIIe et XVIIIe siècles (1979). Wilderson III, Frank B. Afropessimism. New York: Liveright Publishing, 2020.