فلسفة المشاعر بين أرسطو وكريسبوس
The Philosophy of Emotions between Aristotle and Chrysippus
الملخّص
تقارن هذه الدراسة بين تصوّرات أرسطو والفيلسوف الرواقي كريسبوس، بخصوص مسألة المشاعر. ويعكس الموضوع على هذا النحو الطابع الاستشكالي الذي عرفته "المشاعر"، بين منظورَين متعارضَين: منظور كريسبوس الذي اتهمها بالسلبية، والإضرار بالفضيلة وبالحكمة، واعتبرها تقييمات فاسدة مضرة بحظوظنا ورفاهيتنا؛ ومنظور الإنصاف الذي عرفته مع أرسطو من خلال تأييده لدورها العملي والاجتماعي. وفي هذا السياق، عرضتُ آراء ومواقف تفسر تصوّر كلا الفيلسوفَين للمشاعر، من حيث طبيعتُها، وعلاقتها بنشاط الفاعل الإنساني إزاء عالمه الخارجي. من أجل ذلك، اخترت عرضًا يمتح منهجه من أسلوبَين متكاملين: أولًا، منهجية تحليلية - وصفية، بغية تفسير موقف كلٍّ من الفيلسوفين؛ ثانيًا، مقارنة نقدية، أروم من ورائها تبويء أرسطو منزلة مخصوصة، بالنظر إلى الطابع العلمي الذي أضفاه على المشاعر.
Abstract
Abstract: This paper compares the way Aristotle and the Stoic philosopher Chrysippus conceptualized emotions. Framed in this way, the topic reflects the problematic nature of "emotions" through two antithetical perspectives: that of Chrysippus, who regarded them as negative, harmful to virtue and wisdom, and as corrupt judgements detrimental to our prospects and well–being; and that of fairness and balance articulated by Aristotle, who advocated their practical and social role. This study presents and evaluates the arguments and positions that elucidate each philosopherʼs conception of emotions, both in terms of their nature and their relationship to human agency within the external world. To this end, it adopts first an analytical–descriptive methodology to interpret the philosophical stance of both thinkers; and second, a critical comparison, which accords Aristotle a distinct status, in view of the scientific framework he applied to the study of emotions.
- المشاعر
- أرسطو
- الفضيلة الأخلاقية
- الحكمة العملية
- كريسبوس
- Emotions
- Aristotle
- Virtue
- Phronesis
- Chrysippus
مسألة المشاعر. ويعكس الموضوع على هذا النحو الطابع الاستشكالي الذي عرفته
"المشاعر"، بين منظورَين متعارضَين: منظور كريسبوس الذي اتهمها بالسلبية، والإضرار
بالفضيلة وبالحكمة، واعتبرها تقييمات فاسدة مضرة بحظوظنا ورفاهيتنا؛ ومنظور الإنصاف
الذي عرفته مع أرسطو من خلال تأييده لدورها العملي والاجتماعي. وفي هذا السياق، تعرض
الدراسة آراء ومواقف تفسر تصوّر كلا الفيلسوفَين للمشاعر، من حيث طبيعتُها، وعلاقتها
بنشاط الفاعل الإنساني إزاء عالمه الخارجي. من أجل ذلك، اختارت عرضًا يمتح منهجه من
أسلوبَين متكاملين: أولًا، منهجية تحليلية – وصفية، بغية تفسير موقف كٍّلٍ من الفيلسوفين؛
ثانيًا، مقارنة نقدية، تروم الدراسة من ورائها تبويء أرسطو منزلة مخصوصة، بالنظر إلى الطابع
العلمي الذي أضفاه على المشاعر.
مقدمة
تُعدّ "المشاعر" أحد المباحث الرئيسة التي شغلت الفلاسفة منذ الفلسفة اليونانية، مرورًا بالفلسفة الوسيطة إلى الفلسفة الحديثة، والمعاصرة. وعلى الرغم من أن هذا المبحث ظَّلَ رافدًا مهمّا للفكرَين السياسي والأخلاقي، فإن المشاعر كانت في كل مرة إشك لًا فلسفيًا بارزًا، وذلك بالنظر إلى تشابكها والعديد من المسائل الفلسفية؛ مثل مسائل النفس، والعقل، والحقيقة، والعمل، والفضيلة، وغيرها من مسائل الفلسفة الكبرى. ويُعدّ الطرح الذي تقدّم به فلاسفة أمثال أفلاطون Plato (7–42734 ق. م.)، وأرسطو Aristotle (22–384 3 ق. م.)، وكريسبوس Chrysippus (206–279 ق. م.) قديمًا، إضافةً إلى رينيه ديكارت René Descartes (1596–1650)، وباروخ سبينوزا Baruch Spinoza (1677–1632 في) العصر الحديث، ثم مارثا نوسباوم Martha Craven Nussbaum (1947)، ورونالد دي سوزا Ronald de Sousa (1940) حاليًا، معينًا فكريًا أساسًا في التأسيس لرؤية فلسفية عن طبيعة المشاعر الإنسانية، وعلاقتها بنشاط الفاعل الإنساني، ودورها في تحقيق سعادته، فضلًا عن أن هذا الطرح الفلسفي الشعوري هو ذاته الذي شكّل الأرضية لانطلاق علوم معرفية؛ مثل السيكولوجيا، والفلسفة العصبية، والباثولوجيا، وغيرها. من أجل ذلك، ارتأينا العودة إلى إسهامات فيلسوفين بارزين أثريا الدرس الفلسفي الشعوري: كريسبوس، وأرسطو. ومن المعلوم أن الطابع العملي الذي اتصف به موقف أرسطو من المشاعر، تحديدًا، وإعادة اكتشافه واستثماره، من فلاسفة معاصرين أمثال: بيير هادو Pierre Hadot، ومارثا نوسباوم، وأنطونيو داماسيو Antonio Damasio، هو ما يجعلنا نتأمل طروحاته في هذا الشأن، محاولين تسليط الضوء على الجوانب المهمة التي ستشكّل فيما بعد محور الاستثمار وإعادة الاكتشاف.
أولا: تصوّر كريسبوس: المشاعر بصفتها أخطاء حكم
اتسم موقف الرواقيين من المشاعر بنوع من الصلابة؛ إذ دعوا إلى استئصال المشاعر السلبية التي من شأنها توريط الفاعل الإنساني في الخطأ. تصدر هذه الدعوة الرواقية عن أصل فلسفي محدد قوامه الإيمان بأنّ السعادة بوصفها غاية مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالإرادة. تتشكل حدود الإرادة، في ظل تفاعل النفس وعالم الماديات الخارجية، وفق القسمة الثنائية الآتية: 1. ما يتوقف على إرادتنا، 2. وما لا يتوقف عليها. وتبعًا لهذا، يتعيّن على الإنسان أن يعي جيدًا خضوعه الكامل لهذه القسمة التي
(((من الجوانب المهمة في تصوّر الرواقيين للنفس اعتبارها وحدة تتألف من ثمانية أجزاء، يؤدّي فيها الجزء المسمى: المهيمن
العقلي L’hêgémonikon دور المنظم المسؤول عن الأجزاء الأخرى، وهو الجزء الذي يوجد في الرأس، بحيث تصعد إليه الأجزاء الأخرى لكي تتمكن من تأدية وظيفتها. فالعين تصعد إلى الرأس لترى، والأذن لتسمع،... إلخ. والقلب كذلك، متى شعر بشيء يشبه الغضب، فإن غضبه هذا يصعد هو أيضًا إلى الرأس لكي يتحوّل إلى غضب حقيقي. لذا، على الرغم من اختلاف تصوّر الرواقيين
للنفس عن التصوّر الذي قدّمه أفلاطون، فإنهم يريدون لفضيلة العقل أن تتحكم في إرادة الفعل لدى الإنسان. لمزيد من التفاصيل
. Jean Brun, Le Stoïcisme , Que sais–je (Paris: Presses Universitaires de France, 1994), p. 76 ينظر:
تمليها عليه الطبيعة، وأن يدرك أن سعادته كامنة في مدى استسلامه لمقتضياتها. وأمّا المشاعر، فإنها تلك الانفعالات التي تقوي لدينا الإحساس بالاحتياج الشديد إلى خيرات الواقع الخارجي، بصرف النظر عن الفئة التي تقع ضمنها تلك الخيرات. عند الرواقي، تساهم مشاعر من قبيل الحب والندم والغيرة والغضب في تقوية روافد الهشاشة البشرية. فَحين نحُّبُ، على سبيل المثال، نفقد تلك السيطرة
على أنفسنا Akrasia، والتي تحدث عنها أفلاطون، ويصبح أمر ما يسعدنا أو ما يشقينا بيد المحبوب، لا بأيدينا. يرى جان بران أن الفلاسفة الرواقيين قد نظروا إلى المشاعر باعتبارها دوافع مبنية على اعتقادات، أكثر من كونها أحاسيس سلبية. والجدير بالذكر أن الفيلسوفة المعاصرة نوسباوم، وهي التي وقفت من تصوّر الرواقيين للمشاعر موقفًا معارضًا، توافقهم رأيهم في أن الحب والغضب والشفقة والندم،
وغيرها من المشاعر التي تعترينا، هي أحكام أو معتقدات تتحول إلى دوافع. لكن هذه الدافعية، في تصوّر الرواقيين، هي ترجمة لحر ةك غير عقلانية صادرة عن النفس. ولهذا يشبهها زينون بالارتجاج.
إنّ رجّة تحدثها المشاعر للنفس بحكم طبيعتها كاعتقادات ودوافع قوية، تفَّسَر كذلك، بحسب
تاد برينان، من خلال ارتباطها بثنائيتين متقابلتين، إحداهما: حاضر/ مستقبل، والأخرى: خير/ شر. ترتبط الرغبة Orexis مثلًا بالمستقبل، وبالخير الذي تتوقعه النفس الراغبة. أمّا الخوف Phobos، فإنه الشعور الذي يربطنا بشر نتوقع حدوثه. وبينما ترتبط اللذة hēdonē بالخير الحاضر، يتعلق الألم Ponos بالحاضر من الشر. إنها إذًا ليست مجرّد انفعالات جوفاء، بل معتقدات وانتظارات تنتظم
وفق مقولتي الزمان والأخلاق. عندما يرغب المرء في الحصول على هاتف محمول مثلًا، فإنه يعتقد أن حصوله على هذا الشيء خير له، وجالب لسعادته. وفي الحالة المعاكسة، عندما يرغب الشخص ذاته في عدم سقوط المطر الغزير، وحتى لا تفسد بدلته، فذلك حتمًا لاعتقاده أن سقوط
المطر شر بالنسبة إليه. لا ينكر الفيلسوف الرواقي كريسبوس من جهته أًّيًا من هذا؛ ذلك أنه يقرّ بارتباط المشاعر بمسائل
الخير والشر والسعادة Eudaimonia. لكنه ينفي أن يكون الاعتقاد الذي تتولد عنه قادرًا على تحقيق أيّ من مظاهرها. إنه يوافق على كونها اعتقادات Hypolēpsis، تخلق لدينا دافعًا قويًا، يحركنا
نحو فعل ما مرتبط بها، لكنه مع هذا يعُّدُها اعتقادات خاطئة بالضرورة، مدمرة لمن استبدت به اللذة الناتجة منها. يقول كريسبوس: "حتى إن وُجدت ثلاثة أنواع من الأشياء الجيّدة، فإنه لا بد من معالجة
الشهوات؛ ولكن ينبغي ألا ينشغل المرء، في لحظة التهاب الشهوة، بالعقيدة التي سبق أن استولت
(2) Ibid., p. 93.
(((لمزيد من التفاصيل بخصوص هذه المسألة، ينظر الفصل الثالث عشر من كتاب:
Martha Nussbaum, The Therapy of Desire: Theory and Practice in Hellenistic Ethics (Princeton: Princeton University Press,1994). (4) Brun, p. 100. (5) Tad Brennan, The Stoic Life: Emotions, Duties, and Fate (New York/ Oxford: Clarendon Press, 2005), p. 94. (((للاطلاع على المقابلات اليونانية، ينظر: (Paris: Ellipses, 2000) Vocabulaire grec de la philosophie Ivan Gobry,.
على الشخص المضطرب بسبب الهوى: فلا يجوز بأيّ حال من الأحوال أن يهدر العلاج المتاح، في وقت غير مناسب، من أجل إطاحة العقائد التي احتلت النفس أولًا ". ويقول أيضًا: "حتى إن كانت اللذة هي الخير، وهذا هو الرأي الذي يتبناه الشخص الذي تسيطر عليه الشهوات، فإنه ينبغي مع ذلك مساعدته، ويجب أن يُبَيَّن له أن أيّ شهوة، حتى عند الذين يعتبرون اللذة هي الخير، أو حتى هي الغاية،
هي أمر غير متسق". فالمشاعر إذًا، غير عقلانية وفاسدة على الدوام، ذلك أن "معظم الرغبات التي تحرّك الناس معظم الوقت – الرغبة في المال، والجنس، والسمعة، والممتلكات، وما إلى ذلك – كلها
خاطئة، لأنها تدّعي أن هذه الأشياء جيّدة حًّقًا، بينما هي في الواقع نقيض ذلك". لا يَضير الإنسان في تصوّر كريسبوس، سواء أكان إنسانًا عاديًا أم حكيمًا، أن يحصل على بعض المال، أو السمعة الحسنة، أو بعض الخيرات الأخرى، غير أن ربط السعادة بهذه الأمور الخارجية، لا بالفضيلة، هو ما يؤدي إلى تعالق فاسد. بعبارة أخرى، لا ينفي كريسبوس الأهمية عن أمور الحياة التي من عادتنا أن نسعى للحصول عليها. لكنه في المقابل ينفي أن تشكّل، في ذاتها، الوسيلةَ التي من شأنها إيصالنا إلى منزلة السعداء حًّقًا. ومن ثمة تكون انفعالاتنا، ومشاعرنا، التي تؤجج في أنفسنا وعيًا
"مستعرًا" بحتمية الحصول عليها، مما يجب استئصاله، لأن من شأنها إرهاق خواطرنا، وصرفها عن
الفضيلة والحكمة إلى ملاحقة ملذات الحياة المادية. كريسبوس الذي كان واحدًا من أقدم الفلاسفة الذين أسسوا لفلسفة علاجية Therapeutic Philosophy، قوامها الأقوال الفلسفية، رفضَ أن ينظر إلى المشاعر على أنها وحدات في النفس، يمكن أن يكون لها دور فعّال في إيصال الإنسان إلى خيره الأقصى، مثلما تصوّر ذلك بالنسبة إلى وحدة العقل. بل إنه تجاوز هذا الأمر لاعتبار أن كل شعور، أو كل انفعال من انفعالات النفس، أو حتى كل رغبة تجعل الإنسان يتوق إلى الحصول على خير خارجي، مرض من أمراض النفس. ومن ثمّ، يرى أن الطب الروحي لفلسفة علاجية من شأنه أن يشفي النفس، ويعيدها معافاة سالمة، كما كانت من قبل، تمامًا كما هو طب البدن. وإذا كان كريسبوس، بمثل هذا الربط بين الانفعال والمرض النفسي، يعيد إلى الذاكرة ما قاله أفلاطون من قبل في هذا الصدد، فإنه في المقابل يرفض اعتبار مشاعرنا مجرّد قوى حيوانية عمياء، صادرة
عن منطقة ما خارج العقل البشري. يحاول كريسبوس النظر إلى المشاعر على أنها أحكام العقل ذاته ومعتقداته، لا قوى جانب لاعقلاني في النفس، كما كانت مقولة أفلاطون تؤكد ذلك. لذا،
(7) Teun Tieleman , Chrysippus› On Affections: Reconstruction and Interpretation (Leiden/ Boston: Brill, 2003), pp. 166–167. (8) Ibid., p. 96.
(((نقلًا عن: Nussbaum, p. 13. ((1(يمكن القول إنه على الرغم من تمييز أفلاطون بين المشاعر والشهوات، فإنه ظلّ يعتبرها حالات لاعقلية، بدليل أنه جعلها
تنتمي إلى الجزء اللاعقلاني من النفس، أي في الجزء الأدنى، الذي يجب أن يقع تحت رقابة العقل. ينظر:
Plato, The Republic , Francis Macdonald Cornford (trans.) (New York/ London: Oxford University Press,1945), pp. 137–138.
فإن المشاعر انفعالات إرادية، يمكن التحكم فيها مثلما يستنتج تون تيليمان، الذي أعاد بناء كتاب كريسبوس المفقود حول الانفعالات وتأويله، معتمدًا بالخصوص على ما ذكره شيشرون وجالينوس حول هذا الفيلسوف الرواقي المتقدم الذي لم تصل إلينا كتبه العديدة. إن المشاعر، بوصفها خطَأ حكمٍ، هي مصدر كل شرّ، كما يتصوّر كريسبوس. ولكي نتفادى شرّها
الهدام، كما نفعل عادة حين نريد أن نتغلب على وباء شديد الخطورة، فإن أفضل طريقة لذلك هي الوقاية. والوقاية التي هي بالمطلق خير من العلاج، تقتضي منّا، في علاقتنا بانفعالاتنا المرضية، أن نستأصلها بالجملة. أمّا أكثر الأضرار المتولدة من الاستسلام لمشاعرنا خطورة، بحسب كريسبوس، فإنها تكمن في قدرتها على إيذاء العقل، أو تغييبه كليّا، وهو الأمر الذي ذكره كريسبوس في كتاب
العلاجات، مشيرًا إلى أن "الأشخاص الذين يمرون بأزمة عاطفية يكونون في وضعية رافضة (أو على
الأقل أقل تقبلًا لصوت العقل". فالغضب، على سبيل المثال، حين يبسط سيطرته على الشخص، يجعله عاجزًا عن إدراك هوية الأشياء أمامه، كأنه أعمى. في هذا الصدد، ينقل الفيلسوف بلوتارخ Plutarch (120–46 م) عن كريسبوس قوله: "الغضب شيء أعمى، وغالبًا، لا يَسمح لنا برؤية
ما هو واضح، وغالبًا ما ينصب حاجزًا أمام ما يُدرك"، ثم قوله: "المشاعر اللاحقة تطرد الحسابات
وما يظهر بشكل مختلف، وتدفعنا بقوة نحو مسار الفعل المعاكس". ثم يستشهد بميناندر Menander (292–342 ق. م). قائلًا: "يا لتعاستي: أين كان عقلي في ذلك الوقت حين اخترت هذا ولم أختر ذاك؟". إن تمثيل الغضب بالعمى من أشد التشبيهات القدحية التي يمكن أن يصَّوَر بها شعور أخلاقي
ما. والحقيقة أن كثيرًا من الناس، سواء أكانوا من العامة أم من الباحثين في شؤون الدرس الفلسفي، لن
يجدوا في مثل هذا الاستعمال البلاغي كثير مبالغة. ففي الحياة التي نختبرها جميعًا، نخوض تجارب غنيّة
بالمواقف المتوترة، يكون من نواتجها أن يشعر أحدنا بغضب عارم يفقده توازنه، ويدفعه إلى ارتكاب أفعال مشينة، يندم عليها حين ينقشع عنه الغضب. فمن منا يريد لنفسه هذا العمى الأخلاقي المؤقت؟ ومع هذا، يمكننا أن نلاحظ في تصوّر كريسبوس للمشاعر نقاطًا تستدعي المناقشة، وإعادة التحليل. فإذا
كان شعور بارز كالغضب عمى، فإن المطهر منه ليس سوى شعور بارز آخر، هو الندم Metameleia، أو حتى الإشفاق Éleos على من مسّه غضبنا العارم، أو حتى وقوعنا في حب من غضبنا منه ذات مرة.
بعبارة أخرى، نقول إنّ خلاصنا من أحد الآثار السلبية لشعور أو انفعال معيّن، في كثير من الأحيان،
يكون شعورًا آخر ينطلق من داخلنا. لذا، ستبدو أطروحة الاستئصال Extirpation، أو "القمع المطلق" لكل المشاعر الإنسانية، دعوةً تتسم بالكثير من الظلم والمبالغة. أضف إلى ذلك أن في ربط كريسبوس
(11) Tieleman, p. 320. (12) Ibid., p. 179.
((1(مناندر أو ميناندروس، هو أحد أبرز كتاب الكوميديا الجديدة في العصر الإغريقي، تلك الكوميديا اللاحقة على الأعمال المبكرة لأرستوفانيس Aristophanes (85–4453 أو 753 ق. م.)، والتي على النقيض منها جمعت بين الطابعَين الكوميدي
والتراجيدي، في حين مالت الأعمال المبكرة إلى الكوميديا المنتهية نهاية سعيدة. ثمّ إنّ مناندر يُعدّ من أكثر الشعراء الذين نالت
كتاباتهم قبولًا هائلًا لدى جمهور أثينا. لكن لم يحفظ لنا التاريخ كتاباته تلك التي قُدّرت بحوالى 108 مسرحيات كوميدية.
(14) Plutarch, De la Vertu Éthique , Daniel Babut (trans.) (Paris: Société d’édition les belles lettres, 1969), pp. 118, 450c.
الشعور بالحكم الخاطئ كثيرًا من التعميم. فإذا كان الغضب مرتبطًا أساسًا بإدراكَين أساسَّيَين هما:
الألم، والإهانة أو الظلم، من دون أن يكون الجمع بين هذين الإدراكين تحديدًا للغضب، كما يقول فورتنباخ، فإن صدقية هذين الإدراكين، بالنظر إلى الوقائع، قد تحتمل الصدق والخطأ معًا. قد يكون شعور الشخص بالظلم وبالألم عائدًا إلى واقعة حقيقية، فكيف إذًا نقبل أن يكون الغضب حكمًا خاطئًا بإطلاق، وعصيانًا مستدامًا لصوت العقل؟ عند هذا الحد من التحليل، يمكننا القول إنه على الرغم من أن مفهوم المشاعر عند كريسبوس قد اكتسب بعدًا جديدًا، أبعدها عن دائرة السلبية الأفلاطونية، فإنه لم يستطع أن يقودنا إلا إلى المفهوم
الأساسي الآخر ذاته المعبّر عن الخلاصة التي يمكن أن نسِم به الشعور من الناحية الإبستيمولوجية،
ألا وهو الجنون Mania. فسواء أكانت المشاعر العنيفة التي تستحوذ على الشخص، كالغضب، والوجد الشهواني، والحسد، قوى حيوانية غير عقلانية، تغرق الذات في السلبية، أم أحكامًا خاطئة، فإنها في النهاية جنون يتسَّبَب في شذوذ الرجل عن حكمته وفضيلته. إن الجنون في تصوّر الرواقي
(وليس عند كريسبوس فحسب) جهل. والجهل، هو الرذيلة المقابلة للحكمة. إنه "انتفاض" أو "حمية" Fever، بحسب تعبير كريسبوس، تصيب النفس فتصرفها عن السلوك السليم. وبناءً على ذلك،
يبدو أن موضوع المشاعر قد ظل حبيس نظرة باثولوجية، لم تكن لتتجاوز حدود المعرفة السيكولوجية، التي توافرت لفلاسفة تلك الحقبة من التاريخ. ولهذا أيضًا، سيبدو لنا الموقف الأرسطي منها موقفًا متميزًا؛ بما أنه خالف ما قاله أفلاطون من قبله، وما جاء به كريسبوس، والرواقيون جميعًا، من بعده.
ثانيًا: تصوّر أرسطو للمشاعر
يُنقل عن القائد والكاتب الفرنسي شارل ديغول Charles De Gaulle (1970–1890)، بخصوص علاقة أرسطو بالإسكندر الأكبر (23–3563 ق. م.)، قوله: "إن عظمة العقل تعني تنوعًا، لا نجده البتة في الممارسة المنعزلة للمهنة [...] وليس من قائد خطير لم يكن له تذوّق لتراث الفكر الإنساني والإحساس به. ففي أعماق انتصارات الإسكندر نجد دائمًا أرسطو". نعم، هذا ما فعله أرسطو تحديدًا: عدم الاكتفاء بإنزال الفلسفة من عليائها، وتوجيه أنظارها إلى الإنسان، كما فعل سقراط من قبل. وإنما العمل على ربطها بصنائع وفنون أخرى، مثل: التراجيديا، والخطابة، والشعر، وتدبير المنزل، والحيوان. بعبارة معاصرة، يمكن وصف عمله ذاك بأنه تنويع للمرتكزات الحاضنة للفكر الفلسفي. ومن هذه المرتكزات الأساسية درس المشاعر.
(15) W. W. Fortenbaugh, Aristotle on Emotion, A Contribution to Philosophical Psychology, Rhetoric, Poetics, Politics and Ethics (London: Duckworth, 1975), p. 11. (16) Tieleman, p. 184. (17) Ibid., p. 184.
(1((نقلًا عن: أوليفي ريبول، "أرسطو الخطابة والجدلية"، ترجمة محمد النويري، القسم الأول، علامات في النقد، العدد 19
(آذار/ مارس 1996)، ص.217–216
يمكن اعتبار المشاعر من أبرز المرتكزات النفسية، التي لم تنل ما تستحقه من الدراسة، لدى كل من سقراط وأفلاطون، مضافًا إليهما الرواقيون. ويعود ذلك، من وجهة نظري، في المقام الأول، إلى قلة الأدوات النفسية التحليلية التي كان من شأنها أن تعين الفيلسوف على تجويد نتائج بحثه. يضاف إلى ذلك افتقاره إلى القدرة على النظر إلى انفعالات النفس البشرية، من زاوية عملية، تراعى فيها تعقيدات الظروف الخارجية التي تتولد منها. وكذا، ارتباط حكمه عليها بمجرد النظر إلى تأثيرها السلبي في أحكام العقل، وتوريط الفاعل الأخلاقي في مغَّبَة الإفراط Hybris. ولأن تأجيج العاطفة الإنسانية،
وما يستتبعه من ضياعٍلسيطرة العقل، هو ما يميز التراجيديا الشعرية والخطابة، فقد نُظر إليهما نظرة قدحية في المجمل الأعم. فمهما كان مقدار تقبّل أفلاطون للخطابة كما ظهرت في غورغياس، أولًا،
وفي فيدروس، ثانيًا، أو إشادته بالترانيم الشعرية التي تمجد الآلهة، فإن الارتياب والشك في جدوى
الخطابة والشعر لديه، وفي علاقتهما بالحقيقة والعلم، ظّلا قائمين إلى حد معقول. أمّا أرسطو، فقد
كانت أطروحته المعروضة، منذ البداية، هي أن "الخطابة مجدية" Chrésimos، وأن الشعر التراجيدي والملحمي تطهير نفسي Catharsis فعّال، يثير في أنفس الجمهور مشاعر الشفقة والخوف. لكنّ هذه الجدوى متوقفة على ثلاثة شروط، يجب أن تتوافر في الخطيب، وهي: الحكمة العملية، والفضيلة، والنية الجيّدة. لذا، فإن الإقناع بالحقائق، تلك المسألة الكبرى التي تستقطب النظر الفلسفي
برمته، لا يمكن أن يتحقق بمعرفة الحكمة فحسب. فثمة أمور أخرى، تترك أثرًا كبيرًا ملموسًا في الفاعلية
الواقعية على وجه الخصوص؛ فالحقائق وحدها، أو حتى استيعابها من لدن المتلقين، لا سلطة لها على ضمائر الناس. ويحتاج ترسيخها إلى تحصين شخصية المحقق ذاتها، بأن تتوافر فيه صفات عقلية، وأخلاقية معينة، كالفهم، والصدق، والنية السليمة، إلى جانب المعرفة، والفضيلة الحكمية. نجد، في كتاب الخطابة، تعريفات منطقية لكل من الغضب Orgē، والصداقة Philia، والعداوة Echthra، والخوف وغيرها من المشاعر الأخلاقية الأساسية. وبحسب فورتنباخ، فإن أرسطو تحديدًا قد جعل نظرته إلى المشاعر نظرة منطقية برهانية. فهو حينما عرّف الغضب مثلًا (وهو الأمر الذي يمكن
أن ينطبق على كل التعريفات المقدمة في كتاب الخطابة)، جعله رغبة في الانتقام مصحوبة بالألم، وبالشعور بالإهانة الواضحة، الموجهة إلى الشخص نفسه أو إلى أحد معارفه. داخل التعريفات (تعريف الغضب هذا نموذج لما نقوله هنا)، أورد أرسطو السبب المسؤول عن توليد الانفعال الغضبي: الشعور بالإهانة. ومثل هذا الأمر ينطبق على بقية المشاعر. لكن ما الذي يجعل الحديث عن المشاعر ضروريًا في كتاب الخطابة؟ بعبارة أخرى، ما العلاقة التي تربط الخطيب بالمشاعر؟ وأيّ دور لها في
نجاح مهمته؟
((1(المرجع نفسه، ص.221 ((2(يأتي ذكر خاصية التطهير هذه لدى أرسطو في سياق حديثه عن خاصيّتَي التعرف والتحول اللتين بموجبهما ينتقل الحدث
الدرامي في التراجيديا من الجهل إلى المعرفة. يقول أرسطو: "ولكن أهم أنواع 'التعرف' اتص لًا مباشرًا بالحبكة، وبفعل المسرحية،
هو ما سبق أن تعرضنا له. فهذا النوع من التعرف – المقرون بالتحول – يثير إما شفقة أو خوفًا". أرسطو، فن الشعر، ترجمة وتقديم
وتعليق إبراهيم حمادة (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1983)، ص.122
(21) Fortenbaugh, p. 12.
للإجابة عن هذا التساؤل، وضح أرسطو، في الكتاب الأول، أن الخيرية ليست نتاج الحكمة في المطلق العام، وإنما هي ما يتولد من الاستعمال النافع من خيرية. ولهذا قدّم أمثلة على هذا الأمر، المقارنة بين الشجاعة والحكمة، حيث يبدو في بعض السياقات أن اختيار الشجاعة أفضل من الركون إلى الحكمة. لذلك أيضًا، فإن الخطابة منفعة عملية تضع الإقناع بالحقيقة في ميزان معتدل، قد لا يقوى العلم وحده على تحقيقه. إنها أقرب إلى إخضاع الوعي لخيرية الاستعمال، لا خيرية المطلق الحكمي. من أجل ذلك، قلنا سابقًا إن أرسطو قد حدد شروط نجاح الخطبة في الصفات الثلاث التي لا محيد عن الاتصاف بها: الحكمة العملية، والفضيلة، والنية الجيّدة. وما المشاعر، في نهاية المطاف، سوى
الميدان البحثي الذي يحقق شرطًا من هذه الشروط، وهو متعلق بالنية الجيّدة.
1. المشاعر والنية الجيّدة
تقع الخطابة خارج دائرة البرهان. لكن هذا لا يعني أنها بلا فائدة. إن لها جدوى عظيمة، من حيث تشكيل وعي الناس، وتحديد قناعاتهم، وتحريكهم نحو الإتيان بردود أفعال معيّنة. لكن لكي ينجح
الخطيب في إقناع مخاطبيه بدعوى ما، كما قلنا آنفًا، عليه أن يتصف بأمور ثلاثة، هي: 1. أن يكون قادرًا
على تكوين رأي ما على نحوٍ صحيح، 2. أّلا يُشعر الجمهورَ بأنه يخفي عنهم ما يفكر فيه حًّقًا،.3 أن تكون نيته، فيما يصبو إليه من غايات، صالحة. الخطابة بحسب أرسطو عمل لا بد منه. فقوتها تتمثّل في الإقناع بالشيء وضده. وهو من مهمات الفيلسوف، لأن الضامن الذي يجعله يتعامل مع ذوي الحجج الصالحة، دون من هم متمرسون بالأدلة الخبيثة، غير وارد على الإطلاق. أضف إلى ذلك أنّ ثمة أشخاصًا لا يقتنعون بما يقتنع به الحكيم، بل يميلون إلى الاقتناع الذي يأتيهم من الثقافة المشتر ةك أو عبر بوابة المشاعر. وإذا ضَّمَنا هذا الحكم حكمًا أساسيًا آخر
عند أرسطو، يقضي بأن المشاعر هي في الأساس معتقدات تُبنى حول موضوع محدد، عرفنا أن سر دفاعه عن الخطابة، والشعر، يكمن في رؤيته التي تعتبرهما فاعليتين، من شأنهما تفعيل المشاعر/ المعتقدات الضرورية لتجويد الشرط الإنساني، وتحقيق العيش الكريم. ليس للفضيلة في عرف أرسطو طريق واحدة. فالمجتمع المدني الذي نحيا فيه، ليس مستقبلًا سلبيًا لأفكار الحكيم ولتحقيقاته العلمية. إنه فضاء
عمومي متنوع ومتاح للكثير من الممكنات، فضاء يجمع إلى جانب العلم الحظ أيضًا. لذا "حينما رأى بيريكليس Pericles (29–4904 ق. م.) أن الأثينيين قد استاؤوا من وضعهم وأنهم غاضبون منه لأنهم كانوا يحملونه مسؤولية قيادتهم إلى الحرب، دعا إلى اجتماع وحاول بالكلام تغيير مشاعرهم". لقد توافرت في بيريكليس الصفات الثلاث المذكورة آنفًا. فهو صاحب رأي ثابت بخصوص الجدوى من الحرب، ولا يغالط جنده فيما يأمرهم به، ولا يضمر في نفسه الشر لهم. ولكنه يريد أن يتحكّم في غضبهم الموجه إليه تحديدًا فحسب. سوف يشعر الجنود بعد خطاب بيريكليس بأن قائدهم رجل ذو رأي سديد وقلب صادق ونية صالحة. لذا، فإن مناط الغضب مرفوع إلى حين، ما دام أنه بوصفه كذلك لا يمكن أن يوجّه إلا إلى حيث تقبع الإهانة ويحلّ الظلم. وبما أن الخطبة قد أوضحت ميزات الخطيب الإيجابية، فإنّ
(22) Ibid., p. 14.
الحقيقة الجديدة أوْلى بأن ينصت لها؛ وهي أن قيادة بيريكليس لا غبار عليها! الغضب وفق هذا المعنى
مقوّم لفكرة العدالة. فما دامت العدالة مستقرة، ينتفي شعور الغضب. وفي حالة الشعور به، يصبح السياق
كله موضوع إدانة. ليست مشاعرنا إذًا مجرّد استجابات حِسّية عمياء، ولا مجرّد اعتقادات خاطئة. إنها
حالات نوعية موجّهة للفعل، ومساعدة على بلوغ الخيرية. عندما يتعلق الأمر بتحقيق السعادة – بوصفها
الخير الأقصى – فإن إصرار أرسطو على "لا كفاية الحكمة" في بلوغها أمر واضح لا لبس فيه. يرتبط بمفهوم الخيرية مفهوم آخر هو الهشاشة Fragility. فالتجربة الإنسانية معطى مفتوح، شاسع الأبعاد، ولا يمكن أن يكون محكومًا بالتأثير المباشر للعلم أو الحكمة وحده. في الملابسات العديدة
التي تصاحب أفعال البشر، وردود أفعالهم متغيرات تباغت الإنسان، وتفسد عليه خططه، فينحصر أمامها العلم الذي علم، ويبدو الحظ سيد الموقف الجديد. لذا، فالمشاعر هي أحد تلك المتغيرات، التي تتعرض للتحور، والتجدد باستمرار، ما استمرت التجربة الإنسانية، ودام تعرّض الإنسان لسلطة
الحظ. يجعلنا مثل هذا الأمر نفهم سبب تعريف أرسطو السعادة في الخطابة بأنها "العيش الكريم الذي يصاحب الفضيلة"، وليس الفضيلة منفردة، دون ما يكفي من الوسائل الحياتية لتحقيقها، ومن الضمانات الأمنية لحمايتها، مضافًا إليها بعض الخيرات والأشخاص، مع القدرة على ادخار بعضها واستعمال بعضها الآخر. إن مصطلح العيش الكريم في تصوّر أرسطو لا يلامس مفهوم الحياة
بوصفها الوقائع الخارجية فحسب، ولا حتى الامتيازات الشخصية الفطرية التي يحوزها الإنسان، كالسلامة البدنية والنسب والمال، بل إنه يلمح إلى معطى تركيبي، تتجمع عنده كل الخيرات الخارجية والداخلية، التي أشار إليها أرسطو أثناء تحديده لمفهوم السعادة في كتاب الخطابة، مضافًا إليها عامل الحظ الذي استفاضت في حيثياته الفيلسوفة مارثا نوسباوم في كتاب هشاشة الخيرية. ولأن العيش الكريم المصاحب للفضيلة يتجاوز، كما قلنا، بساطة امتلاك الحكمة، فإن درس المشاعر واستعلام حقيقتها، ومن ثم تحويل ذلك إلى علم أو إلى مدخل علمي (على الأقل بالنسبة إلى جهود أرسطو في هذا الصدد)، شأن فلسفي من شؤون تجويد الشرط الإنساني برمته. يحاول أرسطو تأكيد أن الجهة منفكّة بين كوننا صالحين وتمتّعنا بعيشة كريمة. وأمّا مشاعرنا، فليست
على الإطلاق استجابات عمياء لاعقلانية أو مجرّد تفسيرات خاطئة، بل إنها بحسب نوسباوم "جزء من
الشخصية الفاضلة أو مصدر للمعلومات حول الأفعال الصحيحة". من أجل هذا، فإن فهم ما نتمتع به من حظوظ لعيش كريم يتطلب معرفةً بالمشاعر ترقى إلى درجات العلمية التي توخاها أرسطو، ما دامت السعادة ذاتها بوصفها ذاك الخير الأقصى تتطلب من قاصدها التمعن في طبيعة نفسه، وفي طبائع الأشياء من حوله. وقبل كل هذا، أو بعده، عليه أن يدخل في حساباته حجم تعرض أفعاله، ومشاعره التي هي في الوقت ذاته وفي كثير من الأحيان بواعثها، إلى عامل الحظ.
(23) Aristote, Rhétorique , Tome Premier (livre 1), Médéric Dufour (trans.) (Paris: Société d’édition, les belles lettres, 1960), pp. 90, 1360b. (24) Ibid., p. 90. (25) Martha Nussbaum, The Fragility of Goodness: Luck and Ethics in Greek Tragedy and Philosophy (Cambridge: Cambridge University Press, 1986), p. 378.
2. المشاعر في: "النفس"، و"حركة الحيوان"، و"الخطابة"، و"الأخلاق النيقوماخية"
نكاد لا نجد في كتاب النفسلأرسطو De Anima حديثًا مباشرًا عن المشاعر الإنسانية. لكنه مع
هذا يشير إلى بعض المبادئ التي تشكّل أرضية لما سيعتمده في كتب أخرى مثل كتاب الخطابة Rhétorique وكتاب الأخلاق النيقوماخية Éthique à Nicomaque، وكتاب الشعر Poétique. ومن أهم هذه المبادئ التأكيد الذي جاء في معرض كلامه على الإحساس (الحاسة) عند الحيوان وفي سائر الكائنات الحية. لقد أكد أرسطو في هذا السياق أن الحس (أو الحواس) هو أصل النزوع، أو الرغبة
عند الحيوان، أي عند كل كائن يحسّ. فلقد صرح بأنه: "إذا كان في كل جزء الإحساس ففيه أيضًا
التخيل، والنزوع. لأنه إذا وُجد الإحساس، وجد كذلك الألم واللذة. وإذا وُجد الألم واللذة، فهناك بالضرورة الشوق". ولأن الإحساس من وظائف النفس، فإن الرغبة يصدق عليها الأمر ذاته أيضًا، ما دامت نتاجًا له. وبذلك يكون أرسطو قد ربط بين الجسد والنفس، ليثبت أنهما آلية واحدة يتفاعل طرفاها، وليسا جوهرين متفاضلين في مرتبة الوجود (كما يؤكد أفلاطون). وبناءً على ذلك، يتشكّل الإحساس بوساطة الحواس.
لكنه يتحول إلى ألم أو لذة بفضل النزوع الذي يحرك النفس. إن النفس البشرية ذات النزوع تحس ما حولها من موضوعات العالم. لكنها تدرك أيضًا ما تحسه بالتفكير، أو تتخيل أشياء أخرى. لذا، فإن قوى النفس الثلاث، هي: الإحساس، والإدراك، والتخيل. ومن المعلوم أن الأخير يختلف عن الأولَين من حيث معيار الصدق. فالنفس الأرسطية، كما يصرح بذلك أرسطو نفسه، إذًا، قوّتان: قوة الحس، وقوة العقل. وقوة العقل قوّتان أيضًا: قوة الإدراك، وقوة التخيّل. فما موضع الرغبة من هاتين القوّتين؟ يرى أرسطو أن تقسيم النفس عند أفلاطون إلى أجزاء ثلاثة (العاقل، والغضبي، والشهواني)، أو تقسيمها عند فلاسفة آخرين إلى جزأين: عاقل، وغير عاقل، في حاجة إلى تدقيق. فأجزاء النفس الثلاثة، لا بد من أن يُنظر إليها من خلال قواها الأخرى وبخاصة القوة الحسية أو الإحساس، والقوة العقلية، ثم القوة النزوعية. وحين نبحث عما يحرك الأنفس بأجزائها الثلاثة السالفة الذكر إلى غاياتها، فلن نجد الجواب في العقل، ولا في الإحساس، بل سنجده – كما يقول أرسطو – في القلب، أي في الرغبة أو النزوع. بعبارة أخرى، نقول إن الرغبة عند أرسطو قوة نزوعية ذات أصل بارز في تحريك الحيوان إلى أغراضه. إن ربط أرسطو بين الرغبة بما هي النزوع، والحر ةك التي تصدر عن الكائن الحي لبلوغ أغراضه، ربطٌ أساسي لاستشعار القيمة العملية التي تتضمنها مشاعرنا. ولهذا، نجده في الكتاب الذي حققته نوسباوم أرسطو: في حركة الحيوان Aristotle’s The Motu animalium، يربط بين الرغبة والقوة التخييلية
(2((أرسطو، كتاب النفس، ترجمة أحمد فؤاد الأهواني (القاهرة: الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، 2015)، ص.46 ((2(المرجع نفسه، ص.47 ((2(المرجع نفسه، ص.105 ((2(المرجع نفسه، ص.123
ربطًا يفيد أن الثانية وعي بالأولى. وهذا من شأنه أن يعني صراحة أن القوة التخييلية في النفس هي ما يشكّل الرغبة بوصفها نزوعًا إلى شيء ما. والمثال الذي يقدمه أرسطو في هذا الصدد ليس سوى مثال الإحساس بالعطش. تتشكل لديّ الرغبة في الشرب من الشعور بالعطش. لكنني حين أبصر
نافورة أمامي وأتوجه إليها للشرب، لا أفعل ذلك لمجرّد الرغبة في الشرب، بل لأن رغبتي ذاتها عملت
على تشكيل فانتازيا عن الشراب، وتلك الفانتازيا تحديدًا هي ما دفعني دفعًا إلى الذهاب حيث توجد النافورة، وأنا محَّمَل بإدراكات تخص الماء الذي سأجده هناك. غير أن أرسطو لا يثبت للقوة التخييلية ماهية أخرى غير ماهية الإدراك. إنها بحسب قراءة نوسباوم مَقودة
من العقل ذاته. لذا، تستنتج أن الرغبة نزوع تخييلي أساسه قياسات العقل وإدراكاته. من هنا تحديدًا، يتأسس القول لديهما معًا على مبدأ عام هو أن الرغبة في أساسها مضمون إدراكي. في موضوع الرغبة Orexis، يعمل العقل على إدراك الحاجة إلى الشيء المرغوب فيه، فيصنع بفضل قوته التخييلية صورة خيالية تشكّل رغبة، أو نزوعًا مناسبًا لها، فيندفع الكائن البشري إلى موضوع رغبته. وفي حالة
الحيوان، تحدث الأمور بهذا الترتيب نفسه، باستثناء أنه غير قادر على الحكم على الصور المتخيّلة،
التي تعرض أمامه بالصواب أو بالخطأ، لأن الخيال عنده خيال إدراكي غير تأمّلي. وبينما يكتفي
الخيال الإدراكي بتوجيه انتباه الحيوان إلى موضوع الرغبة، يقيس الخيال التأملي الإدراكات كلها بحثًا عن الخير الأعظم. فالرغبة، في تصوّر أرسطو، ليست مجرّد قوة عمياء. إنها إدراك خاص،
تولده خَيالات العقل، وتحركه أفعاله نحو تحقيق الخيرية القصوى أو السعادة Eudaimonia. لذا، فإن نوسباوم المهتمة بالفلسفة الأخلاقية المعاصرة، تعترف بالقيمة العملية لمثل هذا التصوّر الذي يجعل
انفعالاتنا، في ضوء الاهتمام الأخلاقي الذي يعترف لها بدورها الحاسم، في تحقيق سعادتنا عن طريق إدراك الأفعال الأكثر قدرة على جلبها وتحصيلها، وليس مجرّد قوة مغالطة ومعادية لرجاحة العقل
الحكمي. ولذلك أيضًا، وجدنا في كتاب الخطابة أن أرسطو يدرج حديثه، عن الانفعالات الشعورية،
في مقامٍتالٍلحديثه عن السعادة. ثمّ إنه يعرّفها من خلال الفكرة السالفة الذكر ذاتها حول أهمية الحكم
العقلي، في الوصول إلى الموضوع المشتهى أو المرغوب فيه. يقول أرسطو: "إن المشاعر التي تقودنا إلى تغيير أحكامنا، هي تلك التي تصاحبها مشقة أو لذة، مثل الغضب، والشفقة، والخوف، وما إلى ذلك. وكذلك مقابلاتها من الرغبات". الانفعال الشعوري، عمومًا، كالرغبة، والغضب، والشفقة،
والخوف، إدراكات خاصة بالعقل التأملي، قائمة على تحري مجموع الأفعال المساهمة في تحصيل الحياة الجيّدة. ولذلك، فهي في وضع خاص يجعلها مختلفة عن الإحساس والشهوة، بوصفهما نزوعًا
طبيعيًا نحو موضوع ما، يتولد منه شعور باللذة أو الألم. لقد كان أرسطو، كما كان أستاذه من قبله،
مدركَين لهذا الوضع الخاص الذي تتمتع به المشاعر، مقارنةً بالرغبات الشهوانية. يميز أرسطو، من جهته، بين الشهوة باعتبارها نزوعًا فطريًا مرتبطًا بمتطلبات الجسد والنفس، والشعور أو العاطفة التي
تتولد من إدراك معين لسياق ما. فالشعور بالندم مثلًا، هو في جوهره تقدير لمسؤوليتنا إزاء توابع أحد
(30) Aristote, De Motu animalium , Martha C. Nussbaum (trans.) (Princeton: Princeton University Press, 1985), p. 261. (31) Ibid., p. 263. (32) Aristote, Rhétorique , Tome 2, pp. 60, 1378a.
الأفعال الصادرة عنّا (كأن نندم على فقدان الشجاعة في موقف ما يتطلب الشعور بها). وهذا ما أكده أفلاطون من قبله، حين اعتبر الغضب الصادر عمن يملكون الطبيعة الغضبية – بحسب تقسيمه الثلاثي الشهير للنفس – حليفًا للعقل في أحايين كثيرة، وحين عَّدَ حب الفضيلة والحكمة شيئًا إيجابيًا يجب
أن يتربى عليه الإنسان الإغريقي. في حالة المشاعر، إذًا، يعمل النزوع على تفعيل خيال المرء التأملي، ومن ثم يتولّد لديه تقدير معيّن
للموقف الخارجي، ثم الصدور عن فعل معبّر عما يحس به. ولأنها كذلك، ذات ارتباط بالعقل، فهي
أيضًا ذات صلة وثيقة بمفهوم آخر عند أرسطو، هو مفهوم الَّرَوية Phronesis.
3. الرغبات الشعورية والروية
لقد بلغنا الآن من التحليل مبلغًا يمكّننا من تأكيد ما يلي: يعتمد أرسطو في تصوّره للنفس مرجعًا أساسيًا
لتجاوز الحدود الضيقة التي رسمها التقسيم الأفلاطوني الشهير. فالنزوع الذي رآه كامنًا في قُوى النفس جميعها (القوة العاقلة، والقوة الغضبية، والقوة الشهوانية، والقوة التخييلية)، يحرك الفاعل البشري نحو غاياته طبقًا لطبيعة النزوع التي تميز كل قوة على حدة؛ إذ يحرّض النزوعُ العقلي النزوعَ التخييلي لإنشاء الصور الخيالية. وهذه الصور تحرك النزوع الشهواني أو النزوع الغضبي نحو موضوع الرغبة، بما أن الرغبة وحدها لا تكفي – بحسب أرسطو – للتوجه إلى موضوعها. وكأنّ أرسطو يريد من ناحية أولى أن يمثّل لتكُّوُن العاطفة أو الرغبة بما يجري بين قوى النفس من علاقات تبادلية. وفي الوقت ذاته، يتغيّا
الوصول إلى العلة المركزية وراء تشكيل الفعل الإنساني الناتج من توليدها. وعمومًا، يمكن القول إن رغباتنا أو مشاعرنا أو انفعالاتنا هي في الحصيلة نتيجة وعينا بإحساس ما، التقطه العقل وحوّله إلى صور تخييلية ذات قدرة على تحريك الفاعل البشري إلى موضوع رغبته. وكأن أرسطو بذلك يعبّر عن القوة الإجرائية التي يتمتع بها مفهوم "المتوسط" الذي يستعمله لبيان علة
ارتباط الحس بالمحسوس وإدراكه له (مثال الهواء بالنسبة إلى الصوت). فالحس البشري الذي يلتقط المحسوس عبر متوسط ما، له ما يعادله في النفس وهو العقل. ويولّد هذا العقلُ الشعورَ بتوسط من الصور التخييلية التي تؤدّي هي أيضًا دورها في تحريكنا نحو موضوعاته. كان هذا هو الأصل الفلسفي الذي بنَت عليه الفيلسوفة الأميركية نوسباوم إشادتها بالنموذج الأرسطي المؤمن بدور المشاعر في إصلاح الواقع الخارجي، وتربية الفرد على العيش الجيد. فالقول بأن المشاعر أكبر من مجرّد استجابات جسدية ونفسية، وأن صلتها بالعقل مقطوعة لانقطاع جزأي النفس
(العاقل وغير العاقل) عن التواصل وبناء الأفعال، كان أبرز عامل ساهم في إعادة النظر في علاقة المشاعر بالحياة الجيّدة.
(33) Aristote, Éthique à Nicomaque , J. Barthélemy Saint–Hilaire (trad.), Alfredo Gomez–Muller (préf.), Les Classiques de la Philosophie (Paris: Le livre de poche, 1992), p. 141. (34) Plato, The Republic , p. 138.
يُضاف إلى هذا ما حاول أرسطو إيضاحه، في كتاب فن الشعر، بشأن دور المشاعر الفنية في تربية
الإنسان. لقد حاول في هذا الكتاب تحديدًا أن يركز كلامه على الأثر النفسي الذي يخلفه العمل الفني في المتلقي عمومًا، وذلك من خلال مفهوم التطهير النفسي Catharsis. بيّن أرسطو أن
التراجيديا والكوميديا مادتان دراميتان تتأسسان على ما تحدثه الحكمة العملية من تغيير جذري في مصائر الشخوص المحر ةك للعمل الدرامي. وعلى إثر ذلك، يتضح بالبحث والتقصي أن الأفعال التي صدرت عن هؤلاء الفواعل، إنما هي في الأساس، نواتج الانفعالات الشعورية التي تكونت داخل موقف درامي ما. ويتبيّن أيضًا أن هذه الانفعالات أو المشاعر كانت السبب في الاختيار الأخلاقي
الذي قصد به الفاعل الدرامي بلوغ موضوع رغبته. لذا، فإن أرسطو يبتغي تأكيد أن المشاعر الإنسانية إنما هي جزء لا يتجزأ من الَّرَوية، ما دام فهمُها قد يشكّل منعطفًا حقيقيًا لاختيار هذا الفعل الأخلاقي أو
ذاك. في كتاب الأخلاق النيقوماخية، يعرف أرسطو الفرونيزيس بأنها: "فضيلة أي حالة وجود اعتيادية. وبوصفها العقل السليم القادر على تحديد أفضل ما يمكن تحقيقه وسط تعقيد الحالات الخاصة، فإن الفرونيزيس حاضرة في جميع الفضائل الخاصة، لكنها لا تحقق جميع محددات الفضيلة. وتعتمد في تحديد الغاية النهائية للفعل على الفضيلة بمعناها الحقيقي أو على الرغبة التي تلهمها الفضيلة". وما دامت المشاعر كالشفق والخوف اللذين تثيرهما التراجيديا في أنفس شخوص الدراما والمتلقين على حد سواء حقيقة لا يمكن تفاديها، فإن واقع الحال يفرض علينا متابعة الفوائد التي يمكن أن يجنيها درس الأخلاق، من خلال تبيان حقيقة الدور الذي تؤدّيه في الواقعَين: الفني، والعملي. هنا تحديدًا، يكشف أرسطو عن خطته لجعل المشاعر "متوسطًا" من نوع خاص. فإذا كانت الأفعال الإنسانية هي ما ينتج منه قرب الإنسان أو بعده عن العيش الكريم، وإذا كانت الروية (التي نستعملها هنا باعتبارها الفرونيزيس) هي الحكمة العملية التي تمكّننا من اختيار نوعية الأفعال الأكثر مواءمة لهذا العيش، فإن المشاعر هي الوسيط الذي يمرّ عبره مثل هذا الاختيار. لكنّ المشاعر مع هذا وسيط من نوع خاص. فهي ليست وسيطًا محايدًا أو سلبيًا، بل إنها وعيٌ أو
لنقل إنها إدراكٌ ما لواقٍعخارجي بعينه. في مسرحية "أغامنون" لسينكا الروماني Seneca وأسخيلوس الإغريقي Aeschylus، تنتقم الزوجة المكلومة بمقتل ابنتها من الزوج القاتل بدافع من الرغبة في الانتقام. وفي "ميديا" يوربيدس Euripides، ظهرت على البطلة علامات الحب، والحزن، والغضب، فاضطرت إلى قتل الزوج الخائن وقتل الأبناء الأبرياء. أمّا "أنتيجونا" سوفوكليس Sophocles، فلا شك
في أن حبها لأخيها واحترامها للعائلة هما ما جعلاها تواجه برباطة جأش غضب كريون والآلهة. أما في الخطابة، فنجد تفصيلات دقيقة في موضوع المشاعر، حين يتناولها أرسطو بالتعريف كما يتناول أًّيًا من موضوعاته الطبيعية أو الميتافيزيقية. ولنضرب مث لًا "قويّا" على ذلك هو قوله في الغضب.
(3((يذكر أرسطو هذا المصطلح، الذي صار من أهم المفردات التي تشكّل معجم أرسطو في الأدب، في سياق تعريفه للتراجيديا،
إذ يقول: "والتراجيديا إذن هي محاكاة لفعل جاد تام في ذاته، له طول معين، في لغة ممتعة لأنها مشفوعة بكل نوع من أنواع التزين الفني. كل نوع منها يمكن أن يرد على انفراد في أجزاء المسرحية، وتتم هذه المحاكاة في شكل درامي، لا في شكل سردي،
وبأحداث تثير الشفقة والخوف، وبذلك يحدث التطهير من مثل هذين الانفعالين". أرسطو، فن الشعر، ص.95
(36) Aristote, Éthique à Nicomaque , p. 25.
فبعد أن يقدّم تعريفه لهذا الشعور، ويستعرض فئات الأشخاص الذين يتسببون فيه فنتوجّه إليهم
غاضبين، يدّخر للأخير فئة الخطباء. فالخطيب في نظر أرسطو معني، من خلال الخطاب، ب "أن يضع مستمعيه في الحالة المناسبة للغضب، وأن يصوّر خصومه على أنهم مذنبون بأقوال أو أفعال تثير
الغضب، وأن يُظهرهم وكأنهم يمتلكون إحدى الصفات التي يمكن أن تثير حفيظته". معنى ذلك،
إذًا، أن فهمنا للغضب قد يتيح أمامنا فرصًا مناسبة لتجويد بعض الأفعال التي نحن في حاجة إليها، كي نحقق مستويات من المردودية لا يمكن أن تصل إليها الحكمة Sagesse بمفردها. وحين يتناول أرسطو الشعور التالي وهو شعور الهدوء، معتبرًا إياه ذهاب الغضب عن الإنسان، يستعرض أيضًا مكانته في
مساعدة الخطيب على تحريك الجمهور. ولا يفوتنا في هذا الصدد أن نلمّح إلى أن الخطيب الذي
يقصده أرسطو لا يمكن بأيّ حال حصره في الخطيب السياسي، فهو في دلالاته العامة أقرب إلى
المتحدث عمومًا، الذي يحتاج في خطبته إلى مشاعر مخصوصة كي يعوّض الهشاشة التي تعبّر عنها
الحكمة لتحقيق غاياته العملية. أمّا تعريف أرسطو للحب وللصداقة، فيتضمن كثيرًا من العناصر التي
توقفت نوسباوم عندها كثيرًا، حتى إنها استلهمت تعريفها الخاص لهاتين العاطفتين مما قدمه أرسطو
بخصوصهما. فالحب والصداقة عنده قائمان على تبادل الأماني الطيبة بين الحبيبين أو الصديقين. وسيقود هذا الأمر نوسباوم إلى استنتاج المبادئ الأخلاقية التي ينبغي أن ينبني عليها الشعور الإنساني، حتى يكتسب القدرة على إصلاح الواقع العمومي المشترك. ويتعلق الأمر بمبدأ المعاملة بالمثل، ومبدأ الاحتياج، ومبدأ الاهتمام. فتعريف الحب والصداقة عند أرسطو، بوصفهما أمنية المحب لمحبوبه، والصديق لصديقه، ما يظنه خيرًا لأجله هو دونه، وأن يكون قدر المستطاع مي لًا إلى الإحسان إليه؛
ما يشير ضمنيًا إلى هذه المبادئ مجتمعة. فالمحب أو الصديق، كما هو واضح من التعريف، يهتم
بالطرف الآخر، ويحاول كلا الطرفين أن يعامل أحدهما الآخر بالمثل، وهما في الوقت ذاته يعبران بهذا كله عن احتياج أحدهما إلى الآخر على نحو قوي. إننا كما يقول أرسطو نحب من يقدّم لنا خدمة ذات أهمية بالنسبة إلينا، أو بالنسبة إلى أحد أحبائنا الذين نهتم بأمرهم، أو من نظن أنه يحسن إلينا. بهذا النوع من التحليل، يعطي الشعور الإنساني فرصة جيّدة لقيام العلاقات الاجتماعية والسياسية
على أساس من التبادل الإيجابي، بحيث تضعف فرص أخرى تظهر مشاعر الحب والصداقة والغضب بمظهر مخرب لكل بناء أخلاقي أو سياسي. إن حداثة الموقف الذي يعبّر عنه أرسطو ها هنا كامن في تمكّنه من لفت نظرنا إلى أهمية المشاعر
الإنسانية السلبية (كالخوف، والغضب) التي تنتابنا في غفلة من فضائلنا العقلية، وضرورة ربطها سريعًا بالروية العملية حتى نتجنب تبعاتها؛ وفي المقابل ضرورة استثمار المشاعر الإنسانية الإيجابية كالحب والشفقة والهدوء في سبيل تجنب المصائر المعيبة لهؤلاء الأبطال، أو على الأقل تقدير حجم الخسائر التي يتطلبها منا التمسك بعاطفة من العواطف. إن هشاشة الأقدار المرتبطة بالإنسان، على الرغم من
(37) Aristote, Rhétorique , Tome 2, p. 71. (38) Ibid., p. 72. (39) Ibid., p. 68. (40) Ibid., p. 69.
قدرته على فهم ما يعترض سبيله اليومي، راجعة في جزء كبير منها إلى ضعف فهمنا للمشاعر التي تختلج قلوبنا وتحركها عقولنا وإدراكاتنا الخاصة. ومن أجل ذلك، يُعدّ تتبّع تطوّر المشاعر الإنسانية،
بدءًا بمرحلة الطفولة، أمرًا يأتي في المقام الأول لتربية الشخص تربية شعورية مخصوصة قائمة على
وعي بدورها في تحريك الفاعل العسكري؛ كما بيّن ذلك أرسطو في كتاب الخطابة، وتجنيبه الوقوع
في الشطط من خلال الشفقة على الحال التي آلت إليها شخوص درامية غير مفارقة لحاله الاجتماعي. إن المشاعر الأرسطية ذات قوام حداثي صرف. فهي محدد طبيعي يقوم عليه وعينا بمكامن هشاشة الخيرية (بتعبير نوسباوم) فينا. وإن استثمار خصائصها الفينومينولوجية من شأنه أن يسهم في حسن استثمارها تربويًا وأخلاقيًا وسياسيًا. وهذا ما ستعمل على إيضاحه نوسباوم في كتبها العديدة.
خاتمة
لا نجد، إذًا، عند أرسطو، تلك النظرة المترددة والمشككة التي ميّزت تفكير كريسبوس بخصوص
انفعالاتنا الشعورية، ولا دعواه إلى استئصالها، بالنظر إلى ما تنطوي عليه من أحكام مجافية لروح الحقيقة، ومعاندة لخطة العلاج الرواقي. ليس هذا فحسب، بل إن أطروحة أرسطو قد شكّلت حًّقًا أرضية مناسبة أمام عديد الفلاسفة المعاصرين، ممن حاولوا إعادة النظر في علاقة مشاعرنا بواقعنا العمومي سواء أكان مدرسة، أم ساحة قضاء، أم فضاء عموميًا، على نحو يستوجب منا تجويدًا، من
خلال نوعية العلاقات التبادلية التي تنشئها الذات بمعية الآخر. ولعل من الأمثلة الدالة على ذلك أعمال فلاسفة كبار أمثال مارثا نوسباوم، وبيير هادو، وجون رولز، وأمارتيا صن، وأنطونيو داماسيو، ممن طغى على أعمالهم العَوْد إلى طروحات أرسطو في هذا الصدد. فهي مشاعر تحتاج إليها المدينة
العادلة بقدر احتياجها إلى الفضائل الأخلاقية والفضائل العقلية، بحكم أن لها ارتباطًا قويًا بتقييماتنا وأفعالنا. وكأننا بأرسطو يقول: إن بناء المدينة العادلة، القائمة على المعرفة الفلسفية السديدة، في حاجة إلى إقناع الناس بالسلوكيات والأفعال التي من شأنها أن تحرص على سلامتها واستقرارها. ولهذا، فإنّ الخطباء الذين يواجهون الجماهير هم أول من عليهم أن يحسنوا إدارة مشاعره الأخلاقية، كي يتمكّنوا من إحداث الأثر الإيجابي المنشود. بهذا، يكون أرسطو قد أدخل المشاعر إلى دائرة البرهان، ولم
يكتفِ بالنظر إلى ما تحدثه من آثار في الحامل البشري كما فعل كريسبوس.
المراجع References
العربية
أفلاطون. جورجياس. ترجمة محمد حسن ظاظا. الإسكندرية: الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر،
أرسطو. فن الشعر. ترجمة وتقديم وتعليق إبراهيم حمادة. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية،.1983 _______. كتاب النفس. ترجمة أحمد فؤاد الأهواني. القاهرة: الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية،
طبطاب، نجيب. "المشاعر عند مارثا نوسباوم: إصلاح الحب الأفلاطوني". تمييز. مج 1، العدد 2
ريبول، أوليفي. "أرسطو الخطابة والجدلية". تعريب محمد النويري. القسم الأول. علامات في النقد. العدد 19 (آذار/ مارس.)1996
الأجنبية
Aristote. Rhétorique. Livre II. Médéric Dufour (trad.). Paris: Les Belles Lettres, 1960. _______. Rhétorique. Livre 1. Paris: Gallimard, 1991. _______. Éthique à Nicomaque. Jules Barthélemy Saint–Hilaire (trad.). Alfredo Gomez–Muller (Préf.). Les Classiques de la Philosophie. Paris: Le livre de poche, 1992. Aristotle. De Motu animalium. Martha C. Nussbaum (trans). Princeton: Princeton University Press, 1985. _______. Nicomachean Ethics. Roger Crisp (trans.). Cambridge: Cambridge University Press, 2004. _______. On the Soul and Other Psychological Works. Fred D. Miller, Jr. (trans.). Oxford, UK: Oxford University Press, 2018. Brennan, Tad. The Stoic Life: Emotions, Duties, and Fate. Oxford: Clarendon Press.
Brun, Jean. Le Stoïcisme. Que sais–je. Paris: Presses Universitaires de France, 1994. Fortenbaugh, W.W. Aristotle on Emotion: A Contribution to Philosophical Psychology, Rhetoric, Poetics, Politics and Ethics. London: Duckworth, 1975. Gobry, Ivan. Vocabulaire grec de la philosophie. Paris: Ellipses, 2000. Nussbaum, Martha. The Fragility of Goodness: Luck and Ethics in Greek Tragedy and Philosophy. Cambridge: Cambridge University Press,1986. _______. The Therapy of Desire: Theory and Practice in Hellenistic Ethics. Princeton: Princeton University Press, 1994. Plato. The Republic. Francis Macdonald Cornford (trans.). New York/ London: Oxford University Press, 1945. Plutarch. De la Vertu Éthique. Daniel Babut (trad.). Paris: Société d’édition les belles lettres, 1969. Tieleman, Teun. Chrysippus’ On Affections: Reconstruction and Interpretation. Leiden/ Boston: Brill, 2003.