نظرية الصورة لدى فتغنشتاين: في ما يمكن أن يُقال
Wittgenstein’s Picture Theory: On What Can be Said
الملخّص
تتناول هذه الدراسة نظرية الصورة لدى لودفيغ فتغنشتاين، مثلما ظهرت في مؤلَّفه رسالة فلسفية - منطقية الذي عرض فيه الإطار الذي ترتبط من خلاله اللغة بالعالم على نحو يمكّنها من وصفه. وتناقش الاعتراضات التي قُدمت على الافتراضات الأساسية لنظرية الصورة، سواء ما تعلق بعلاقة الإحالة بين الاسم والشيء المحال إليه أو مبدأ التحقيق. كما تتناول الورقة التمييز بين ما يمكن قوله وما يمكن الإشارة إليه باعتباره الإسهام الأساسي والمركزي لـ الرسالة، وهو ما يشكل استمرارية مع عمل فتغنشتاين اللاحق بحوث فلسفية. وتسعى الدراسة، عبر محاولة الربط بين هذا التمييز والتصورات المختلفة لمفهوم الحقيقة (بوصفها توافقًا أو اتساقًا)، إلى تقديم ملاحظة تتعلق بالأنماط المختلفة للكلام وإعادة الاعتبار لنظرية الصورة ومعها تصور الحقيقة كتوافق بوصفها فكرة ناظمة لموقع معين، ونمطًا محددًا من اللغة؛ وهي اللغة العلمية.
Abstract
Abstract: This article presents Ludwig Wittgenstein’s Picture Theory as it was represented in his work Tractatus Logico–Philosophicus. This theory introduced a framework combining language and the world in such a way that language can describe the world. The article then gives a brief introduction to objections raised against the main presuppositions of the theory, such as the issue of meaning as a relation between name and object referred by it as well as the verification principle. Moreover, the paper discusses Wittgenstein’s distinction between what can be said and what can be shown, which is the most important and essential contribution of the Tractatus and an indicator of the continuity with Wittgenstein’s later work Philosophical Investigations. By combining this distinction with various understandings of truth (correspondence or coherence), the article introduces the idea of different speech positions and reconsiders the Picture Theory and the notion of "Truth as Correspondence" as a regulative idea for a specific kind of language, which is scientific language.
- لودفيغ فتغنشتاين
- نظرية الصورة
- نظرية الحقيقة
- المعنى
- Ludwig Wittgenstein
- Picture Theory
- Theory of Truth
- Meaning
رسالة فلسفية – منطقية الذي عرض فيه الإطار الذي ترتبط من خ لااه اللغة بالعالم على
نحو يمكّنها من وصفه. وتناقش الاعتراضات التي قُدمت على الافتراضات الأساسية لنظرية الصورة، سواء ما تعلق بعلاقة الإحالة بين الاسم والشيء المحال إليه أو مبدأ التحقيق. كما تتناول الدراسة التمييز بين ما يمكن قوله وما يمكن الإشارة إليه باعتباره الإسهام الأساسي
والمركزي ل الرسالة، وهو ما يشكل استمرارية مع عمل فتغنشتاين ال حق بحوث فلسفية. وتسعى الدراسة، عبر محاولة الربط بين هذا التمييز والتصورات المختلفة لمفهوم الحقيقة
(بوصفها توافقًا أو اتساقًا)، إلى تقديم ملاحظة تتعلق بالأنماط المختلفة للكلام وإعادة الاعتبار
لنظرية الصورة ومعها تصور الحقيقة كتوافق بوصفها فكرة ناظمة لموقع معين، ونمط ا محددًا
من اللغة؛ وهي اللغة العلمية.
مقدمة
نُشرت رسالة منطقية – فلسفية، أوّل مرّة، عام 1921 بالألمانية. وهو الكتاب الفلسفي الوحيد
الذي نُشر خلال حياة مؤلفه لودفيغ فتغنشتاين Wittgenstein Ludwig (1951–1889)، ونُشرت بقية أعماله بعد وفاته. عرف فتغنشتاين في رحلته الفلسفية مرحلتين أساسيتين: فتغنشتاين الأول وفتغنشتاين الثاني. تعتبر الرسالةُ النص الأساسي للمرحلة الأولى، ويُعتبَر عمله بحوث فلسفية
النص الأساسي للمرحلة الثانية. كان فتغنشتاين فيلسوف لغة أساسًا؛ إذ شكلت اللغة محور تفكيره
وفلسفته في مرحلتيها المختلفتين، حيث كانت الفلسفة لديه تفكيرًا في اللغة على نحو أساسي،
باعتبارها الوسيط الذي يشكّل أفكارنا وتصوراتنا عن العالم، ومن ثم الأسئلة الفلسفية التي نسعى للإجابة عنها. فيجب تحليل الأسئلة قبل الإجابة عنها، والكشف عن مغزاها ومدى رجاحتها والمنطق الثاوي خلف طرحها. وهكذا فقبل الإجابة عن الأسئلة التي تُطرح من داخل الإطار الذي نفكر فيه ونكوّن تصوراتنا عن العالم، علينا فهم كيفية توجهنا إلى العالم، وطبيعة علاقة اللغة بالعالم الذي تشير
إليه، قبل أن نبدأ في محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة. بهذا المعنى، انشغل فتغنشتاين على نحو أساسي بسؤال اللغة في مرحلتيه، حتى إنْ تباينت تصوراته عن اللغة في كل مرحلة. اعتمد فتغنشتاين الحِكَم Aphorism أسلوبًا لكتابته، حيث يعبّر عن الأفكار تعبيرًا مستقلً ومنفصلً
في جُمل قصيرة (أو مقاطع) كثيفة المعنى. فتكونت نصوصه من فقرات متتابعة. ويمتاز هذا الأسلوب
بالكثافة وقوة المخيلة، لكنه يتّصف بالغموض الذي يفتح الباب على تأويلات مختلفة وعديدة للمقصود. سنتناول في هذه الدراسة نظرية الصورة كما وردت في رسالة منطقية – فلسفية. ويتكون عمله هذا من سبع قضايا أساسية مرقمة من 1 إلى 7، تنقسم بدورها إلى قضايا فرعية مرقمة بداية من القضية الأساسية التي تنشأ عنها، ولهذا سنشير إلى أرقام الفقرات أثناء الإحالة إليها. تتفاوت الفقرات في طولها، فقد تكون عبارة عن جملة، أو قد تمتد إلى أكثر من صفحة. وكل قضية تشكل وحدة أو مقطعًا يعالج نقطة في ذاتها. قبل البدء في تناول الرسالة، لا بأس بالإشارة إلى أنها تُرجمت مرتين إلى الإنكليزية، وإلى أنه ارتبط بالتباين بين الترجمتين تباينٌ أساسي في قراءة الرسالة. ومن الجدير ذكره أن عمل عزمي إسلام (1931–1987) لدڤيج فيتجنشتين الذي لا يزال يعتبر العمل الأساسي حول فتغنشتاين بالعربية، اعتمد أساسًا في قراءته لفتغنشتاين على ترجمة تشارلز كاي أوغدن Ogden Kay Charles.)1957–1889(كانت ترجمة أوغدن الإنكليزية الترجمة الأولى، وقد قدمها برتراند راسل Russel Bertrand (1970–1872)، وراجعها عدد من تلامذة فتغنشتاين ورفاقه، وقيل إن فتغنشتاين نفسه قد راجعها. ولكنّ هناك خلافًا في هذا. في المقابل، انتقد هذه الترجمة عدد كبير من الدارسين وفي مقدمتهم
(1) Ludwig Wittgenstein, Tractatus Logico–Philosophicus (Frankfurt am Main: Surkamp, 1984 [1921]).
(((يُنظر: عزمي إسلام، لدڤيج ڤيتجنشتين (القاهرة: دار المعارف،.)1967
إريك ستنيوس Stenius Erik (1990–1911)، فاعتبروها رديئة وغير وفية لأفكار فتغنشتاين، وربما تعكس هذه الترجمة، على نحو أساسي، فهم برتراند راسل ل الرسالة المتوافق مع مذهبه في الذرية المنطقية. لهذا قام كل من ديفيد بيرز Pears David (2009–1921) وبراين ماكجينيس McGuinness Brian (2019–1927) بترجمة ثانية. تمحورت إحدى أهم مسائل الاختلاف بين الترجمتين حول المصطلح الألماني Sachverhalt؛ ففي حين ترجمها أوغدن إلى واقعة ذرية Fact Atomic، اعتمدت الترجمة الأخرى حالة – واقع Affair of State مقابلً لها. وبناءً عليه، تقدم الترجمتان نظريتين مختلفتين حول ما يعنيه فتغنشتاين
بال Sachverhalt. ترى النظرية الأولى (نظرية الإمكان)، في Sachverhalt، علاقة ممكنة بين الأشياء (حالة – واقع بحسب ترجمة بيرز – ماكجنيس)، والواقعة Tatsache هي العلاقة المتحققة بالفعل. وبهذا فإن حالة – واقع ترتبط بالفضاء المنطقي لحالات الواقع الممكنة. في حين تذهب النظرية الثانية (نظرية الفعلي) المعتمدة في ترجمة أوغدن، إلى اعتبار Sachverhalt واقعة ذرية فعلية، والواقعة Tatsache تركيبًا للوقائع الذرية. فالتباين بين النظريتين لا يدور حول اعتبار الوقائع الذرية وحدات
التحليل الأساسية، بل حول الممكن والمتحقق أثناء النظر إلى الوقائع. ففي حين تقتصر نظرية الفعلي على الوقائع الفعلية في تفسيرها لمراد فتغنشتاين، تتناول نظرية الإمكان كل الفضاء المنطقي الممكن لأي واقعة (كل حالات الواقع الممكنة). بالطبع، ترتب على هذا التباين حيال طبيعة الوحدة الأساسية في التحليل لدى فتغنشتاين اختلافٌ حول فكرته عن الواقع Wirklichkeit. في عمله المخصص لفتغنشتاين، تبنّى عزمي إسلام نظرية الفعل المتضمنة في ترجمة أوغدن. وفي المقابل، تعتمد هذه الدراسة على نظرية الإمكان كما قدّمها ستنيوس. ولهذا لا يصلح اعتماد ترجمة عزمي إسلام للمصطلحات المستندة إلى ترجمة أوغدن. وبناءً عليه، فقد اعتمدتُ على الترجمة
المستخدمة لمقابلة الترجمة الثانية؛ وذلك في الترجمة العربية التي قام بها علي رضا لمقالة «لودفيغ فتغنشتاين» الخاصة ب موسوعة ستانفورد The Stanford Encyclopedia.
أولا: نظرية الصورة
تتناول نظرية الصورة Bildtheorie العلاقة القائمة بين العالم من جهة، واللغة (النظرية) التي تصفه من جهة أخرى. ولعرض نظرية الصورة لدى فتغنشتاين، علينا البدء من مفهوم العالم والأشياء لدى فتغنشتاين.
1. العالم
يتكون العالم لدى فتغنشتاين من وقائع Tatsache تشكّل في مجموعها الواقع/ العالم، فلا يتم البدء من الأشياء، بل من الوقائع، باعتبارها أصغر وحدة تحليلية، في حين تشكل الأشياء عناصر واقعة –
(((للمزيد من النقاش حول النظريتين، ينظر: المرجع نفسه، ص.99–92 (((علي رضا (مترجم)، «لودفيج فيتجنشتاين – موسوعة ستانفورد للفلسفة»، موقع حكمة، 2018/6/24، شوهد في 2021/5/4، في:
https:// bit. ly /3 uuSrEo (5) Wittgenstein, Tractatus , § 1.1.
ممكنة/ حالة – واقع Sachverhalt. لا تظهر الأشياء وحيدة ومعطاة على نحو مباشر، إنما تظهر في علاقات تربط الأشياء بعضها ببعض. نحن لا ندرك القلم وحده، بل نراه على الطاولة، أو إلى جانب كتاب، أو في يد أحدهم، نراه في زمان ومكان محددين (نراه في واقعة). فلا يتشكّل العالم من أشياء (أقلام، أشجار، أنهار، بشر... إلخ)، إنما من وقائع تتضمن الأشياء في ترتيب معين بالنسبة إلى بعضها وبعضها الآخر. كل ترابط ممكن بين الأشياء يقدم حالة – واقع، وتكون الواقعة حالة – الواقع المتحققة من جميع حالات – الواقع الممكنة (2)، أي كل الروابط الممكنة بين الأشياء. كل ترتيب معين للأشياء في حالة – واقع، نسميه «بنية حالة – الواقع». تتشكل الواقعة، باعتبارها الوحدة الأساسية في تصور العالم، من مجموع الأشياء التي تشكلها والترتيب الذي ينظم هذه الأشياء معًا؛ أي الأشياء والبنية. لنوضح هذا بالمثال التالي: ليكن لدينا شيئان: يوسف وسامي. وليكن لدينا علاقة الأبوة وهي علاقة بمتغيرين. متى عرفنا أن يوسف وسامي – هذان الشيئان – إنسانان، وهو ما يحدد بدوره صفاتهما الداخلية، فإن العلاقات الممكنة بينهما هي التالية: سامي أبو يوسف، يوسف أبو سامي، لا أحد أبٌ للآخر. واحدة فقط من العلاقات السابقة تكون محققة، وتكون عندها واقعة. كل علاقة من هذه العلاقات الممكنة تقدم حالة – واقع. وفي المقابل؛ إذا كان يوسف – الشيء إنسانًا، وكان سامي – الشيء قطًّا، فلن تكون علاقة الأبوة ممكنة أصلً بوصفها حالة – واقع. إمكانية بناء هذه العلاقات (البنى)، التي تتحدد بدورها بالصفات الداخلية للشيء، سنسمّيها شكل Form. العالم هو: مجموع الوقائع.
2. الشيء
الشيء Ding/Gegenstand هو العنصر الأساسي في تشكيل الواقعة، والأشياء تشكّل مادة/ جوهر العالم Substanz. لكنها ليست أصغر وحدة تحليلية للعالم. فالواقعة هي أصغر وحدة تحليلية. يرتبط وجود الأشياء في واقعة ما بقدرتها على أن تكون جزءًا من هذه الواقعة، وهو ما يتحدد بخصائصها
الداخلية، مثلً، «القلم يطير» ليست واقعة ممكنة، لأنه لا توجد أقلام تطير، ولا معنى للحديث عن أقلام تطير. فالخصائص المكانية للقلم (حجمه وشكله والحيز الذي يشغله)، تظهر في وقائع مكانية يكون القلم عنصرًا فيها، محد دة الوقائع الممكنة التي يمكن للقلم أن يكون جزءًا منها. تُدرك هذه
الخصائص عبر سبر كل الوقائع التي يظهر فيها هذا الشيء، وهذه الخصائص بدورها تقدم «شكل الشيء» (والخصائص الأساسية التي تشكل شكل الشيء هي المكان والزمان واللون والتي تتضمن كل العلاقات الممكنة للشيء).
(6) Ibid., § 2.01. (7) Ibid., § 2. (8) Ibid., § 2.032. (9) Ibid., § 2.021. (10) Ibid., § 2.0121.
معرفتنا بالشيء تعني معرفتنا بخصائصه الداخلية التي تحدد كل حالات – الواقع التي يمكن أن يكون هذا الشيء جزءًا منها. فمعرفتي بالقلم تعني معرفتي أنه لا توجد حالة – واقع «القلم يطير»، ومعرفتي
بحالات – واقع «القلم على الطاولة»، «القلم بجانب الكتاب»، «لون حبر القلم أزرق»، وكل العدد الهائل من حالات – الواقع التي يمكن أن يظهر فيها القلم. هنا يبرز سؤال أساسي حول العلاقة بين الخصائص الداخلية للشيء التي تتحدد عبر حضوره في الوقائع وحالات – الواقع من جهة، ووجوده في الوقائع التي تحدد بدورها هذه الخصائص. وانطلاقًا من أن البداية لا تكون بالأشياء إنما بالوقائع، ومن خلال سبر هذه الوقائع، نحدد خصائص الشيء الداخلية التي تسمح له أن يكون جزءًا من حالة – واقع. من الواضح أننا نتحرك هنا في دائرة، تبدأ
بالوقائع وتنتهي بها. ففي الخطوة الأولى، تتحدد خصائص الشيء الداخلية عبر الوقائع التي يكون هذا الشيء جزءًا منها، وفي الخطوة اللاحقة، تحدد هذه الخصائص حالات – الواقع التي يمكن أن يكون
الشيء جزءًا منها.
3. الصورة
الصورة Bild هي نموذج للعالم، فالصورة تصف واقعة، كما أننا نصنع صورًا عن الواقع. تأخذ الصور أشكالً متنوعة، مثل صورة فوتوغرافية لمنظر طبيعي أو لوحة لشخص أو خريطة لمدينة، ويمكن أن تكون جملة Satz، هذه جميعها تقدّم صورة لواقعة ما (صورة مفردة)، أو لمجموع وقائع دفعة واحدة (صورة مركبة). بدورها، تتشكل الصورة من عناصر لها ترتيب معين ينظمها. تشير عناصر الصورة إلى الأشياء الموجودة في الواقعة التي تصفها الصورة، مثلما أن ترتيبها في الصورة يجب أن يكون مطابقًا لترتيب الأشياء في الواقعة التي تشير إليها الصورة. فالصورة تناظر الواقعة التي تصفها من حيث العناصر وبالبنية. يسمي فتغنشتاين ربط عناصر الصورة بما يقابلها من الأشياء في الواقعة علاقة التصوير Die Beziehung abbildende، ويسمي إمكانية ترتيب عناصر الصورة في أشكال معينة شكل التصوير Form der Abbildung، وهي تناظر كل حالات – الواقع التي يمكن أن تنتظم الأشياء فيها. لنعُد إلى مثالنا السابق، فإن يوسف وسامي اسمان يحيلان إلى سامي – الشيء، ويوسف – الشيء، كذلك «أب» هو اسم يحيل إلى علاقة الأبوة. وهكذا فإن جملة «يوسف أبو سامي» هي صورة لحالة – واقع، مثلما أن «سامي أبو يوسف» هي صورة أخرى لحالة – واقع أخرى.
(11) Ibid., § 2.01231. (12) Ibid., § 2.12. (13) Ibid., § 2.1–2.11. (14) Ibid., § 2.14. (15) Ibid., § 2.15. (16) Ibid., § 2.1514. (17) Ibid., § 2.15.
ولهذا، تتعدد مستويات التحليل الخاصة بعلاقة الصورة بالواقعة التي تصفها. يتمحور المستوى الأول حول الربط بين عناصر الصورة مع الأشياء التي تحيل إليها، والحاضرة في الواقعة الموصوفة، بحيث يجب أن يكون لكلِّ عنصرٍ الخصائصُ ذاتها للشيء الذي يحيل إليه. مثلً، سامي – الاسم، يجب أن يحمل الخصائص ذاتها التي يحملها سامي – الشيء، بحيث تشير جميع الصور التي يمكن أن يكون سامي – الاسم حاضرًا فيها، إلى حالات – واقع، يمكن أن يكون سامي – الشيء موجودًا فيها. عندها فقط
يحيل سامي – الاسم إلى سامي – الشيء. وعلاقة الإحالة Bedeutung بين عنصر الصورة والشيء هي علاقة تسمية، فسامي – الاسم لا يصف، إنما يسمي الشيء Nennen الذي يحيل إليه. يدور المستوى الثاني حول المقابلة بين كل من بنية الصورة (ترتيب عناصرها) وبنية الواقعة (ترتيب الأشياء المكونة للواقعة). وعلى هذا، فإن الصورة تصف الواقعة عندما تشير إلى كيفية انتظام الأشياء فيها. إن إشارة الصورة إلى حالة – واقع هو معنى الصورة Sinn. يعود التمييز بين الإحالة Bedeutung، والمعنى Sinn، إلى غوتلوب فريجه Frege Gottlob)1925–1848(. فالإحالة علاقة تربط بين الاسم والشيء (الماصدق)، والمعنى هو الصورة المفهومية المرتبطة بالاسم. والمثال الشهير للاستدلال على التمايز بينهما هو «نجمة الصباح» و«نجمة المساء.» فكل واحدة منهما تستدعي معنى مختلفًا عن الأخرى، لكنهما تحيلان إلى الشيء نفسه؛ هو «كوكب الزهرة». يرى فتغنشتاين أن المعنى هو ما تقدمه لنا الصورة، بينما الإحالة هي العلاقة بين عنصر الصورة والشيء الذي يحيل إليه. كل صورة – تتشكل من عناصر، مضافًا إليها ترتيب معين لها وهو ما يشكل معناها – تقدّم نموذجًا ووصفًا لحالة – واقع. ونعرف إنْ كانت هذه الصورة صادقة أو كاذبة بمقارنتها بالواقعة (أي عناصر الصورة بالأشياء، وبنية الصورة ببنية الواقعة). الصور الكاذبة لها معنى، لكنها لا تصف واقعة، إنما تصف حالة – واقع. فبحسب مثالنا السابق حول سامي ويوسف، لدينا صور عديدة ممكنة: «سامي أبو يوسف» و«يوسف أبو سامي» و«لا علاقة أبوة بين سامي ويوسف». جميع هذه الصور لها معنى، لكنّ واحدةً فقط يمكن أن تكون صادقة، بينما تكون الأخريان كاذبتين.
(18) Ibid., § 2.15–2.151. (19) Ibid., § 3.203. (20) Ibid., § 3.221. (21) Ibid., § 2.221–142, § 3–3.3. (22) Gottlob Frege, "Über Sinn und Bedeutung," Zeitschrift für Philosophie und philosophische Kritik , no. 100 (1892), pp. 25–50, accessed on 13/6/2021, at: https://bit.ly/3ue1Ccm (23) Wittgenstein, Tractatus , § 2.222–2.224.
الاسم. والسهم يدل على علاقة الأبوة، منطلقًا من الأب في اتجاه الابن.
المصدر: من إعداد الباحث.
المصدر: المرجع نفسه.
بالشكل.)3(
لنضع المثال على هيئة رسم توضيحي، حيث نشير إلى الأشياء بأحرف كبيرة، بينما نشير إلى عناصر الصورة بأحرف صغيرة، فيكون A يوسف – الشيء، B سامي – الشيء. a يوسف – الاسم، b سامي –
الشكل (1) حالات – الواقع
الشكل (2) الصور الممكنة
فإذا كانت حالة – واقع «يوسف أبو سامي» هي المتحققة؛ فإذًا، الصورة التي تصف هذه الواقعة هي الصورة الصادقة، بينما تكون الصورتان الباقيتان «سامي أبو يوسف»، و«لا علاقة أبوة بين سامي ويوسف» صورتين لهما معنى، ولكنهما كاذبتان. كما يمكننا تمثيل علاقات الإحالة والمعنى
الشكل (3) نظرية الصورة
المصدر: المرجع نفسه.
إنْ كان لعنصر الصورة والشيء الذي يحيل إليه المجال سبق أن أشرنا إلى أن الإحالة ليست ممكنة إل المنطقي نفسه المحدد بالخصائص الداخلية. كذلك، فإن الصورة لا يمكنها أن تصف حالة – واقع، إل إنْ كان لهما أيضًا شكل التصوير نفسه، أي إنّ إمكانيات ترتيب عناصر الصورة متطابقة مع إمكانيات ترتيب الأشياء في حالات – الواقع. هذا يعني أن كل صورة يمكن تشكيلها من عناصر الصورة، تقابل حالة – واقع مشكّلة من الأشياء التي تشكّل هذه الواقعة. والعكس صحيح؛ كل حالة – واقع مشكّلة من أشياء، تقابل صورة ممكنة مشكّلة من عناصر الصورة. علاقة واحد إلى واحد بين حالات – الواقع والصور الممكنة، هي علاقة تشاكل Isomorphie بين الواقعة والصورة. يجب أن يكون للوقائع والصور التي تصورها الشكل نفسه، أي شكل التصوير نفسه. وهو ما نراه إذا نظرنا إلى كل حالات – الواقع في مثالنا؛ فسنرى أن لها الشكل نفسه لكل الصور الممكنة أيضًا. يحظى مفهوم الشكل بدور مفتاحي في الربط بين الواقعة والصورة التي تصورها. فلكي تصف صورة واقعة ما، يجب أن يكون لهما الشكل نفسه. وبهذا يكون التشاكل شرطًا لازمًا للوصف.
4. الفكرة
الفكرة Gedanke هي صورة منطقية، ومجموع الأفكار الصادقة، تمثل صورة العالم الذي هو مجموع الوقائع. كذلك، فإن الجملة هي التعبير الفيزيائي (الحسي) عن الفكرة، وكل جملة تامة
(((2 ينظر: الشكلان 1 و.2
(25) Wittgenstein, Tractatus , § 3. (26) Ibid., § 3.01. (27) Ibid., § 3.1.
المعنى هي فكرة. تتمثل عناصر الصورة في الأسماء التي تحضر في الجملة لتسمية الأشياء. ومن ثم فإن تحليل الفكرة هو تحليل الجملة، وهو بدوره تحليل الصورة نفسه الذي تحدثنا عنه قبل قليل، أي الإحالة والمعنى. فالجمل، بوصفها الشكل الحسي للفكرة، تصف واقعة ولذلك لها معنى. والأسماء (عناصر الصورة) في الجمل تحيل إلى أشياء، ولذلك تسميها. ومجموع الجمل هو اللغة التي تصف العالم. وبهذا، فإن شرط التشاكل، بما هو شرط ضروري للصورة لكي تصف الواقعة والعالم، يصبح شرطًا ضروريًا للعلاقة بين اللغة والعالم، بحيث يجب أن تكون اللغة والعالم متشاكلين، حتى تكون اللغة قادرة على وصف العالم.
5. العلاقة بين اللغة والعالم
هي علاقة وصف، حيث اللغة تصف العالم. يمكن هنا الاستعانة باستعارة «المرآة». فاللغة تعكس العالم كما تعكس المرآة صورة الأشياء عليها. فاللغة هنا تقوم مقام المرآة، فبها تُصاغ الأفكار التي تقدِّم في مجموعها وصفًا للعالم. وبهذا، فإن التحليل اللغوي للأفكار يقابل تحليل العالم للوقائع التي يتشكل منها، وصولً إلى مقابلة الأسماء بالأشياء التي تحيل إليها. بهذا، فالعلاقة بين العالم واللغة هي أساسًا علاقة وصف، أو علاقة انعكاس. فاللغة تعكس العالم. ولكنها تعكسه حصرًا ضمن حدود اللغة وقواعدها. وبناء عليه، فإن حدود اللغة تعني حدود العالم.
6. التمييز بين ما يمكن أن يقال، وما يمكن أن يشار إليه
تميز رسالة فلسفية – منطقية بين ما يمكن أن يُقال sagen وما يمكن أن يُشار إليه zeigen. إن ما يمكن أن يُقال، يُقال بمعنى، وما يُقال بمعنى يملك قيمة حقيقة Value Truth. تحمل الجمل (بوصفها صياغة للأفكار) معنى تصور حالات – واقع؛ إذ هي تقول لنا كيف هي الأشياء، وليس ما هي الأشياء. بينما الأفكار التي لا تصور حالات – واقع ليس لها معنى، فهي لا تملك قيمة حقيقة ولا معنى للحديث عن صدقها وكذبها بمقابلتها بالواقع. يميز فتغنشتاين بين نوعين من الجمل عديمة المعنى: اللغو Unsinn، وخالية المعنى Sinnlos. العبارات الخالية من المعنى، مثل المنطق والرياضيات، هي عبارات تتعلق صحتها بمبناها الخاص بها مستقلة عن أي واقعة، وبهذا فإنها لا تقول شيئًا عن الواقع، إنما عن شكل الواقع. وفي المقابل، فإن العبارة التي هي لغوٌ، لا تسمّي شيئًا ولا تشير إلى حالة – واقع، فهي تتحدث عما لا يمكن الحديث
(28) Ibid., § 4. (29) Ibid., § 5.6. (30) Ibid., § 6.341. (31) Ibid., § 3.221. (32) Ibid., § 5.43–6.11. (33) Ibid., § 4.461.
عنه، وهو حال مجمل المعضلات الفلسفية. الطريف أن فتغنشتاين يرى أن رسالتهنفسها نموذج لهذا اللغو، فهي لا تصف لنا الواقع، إنما يدور موضوع الرسالة حول الإطار الذي نربط من خلاله اللغة بالعالم. وكما هو ظاهر، فإن العلاقة بين العالم واللغة ليست شيئًا أو واقعة يمكن وصفها أو التحقق منها. نظرية التصوير نفسها لا تصور لنا واقعة، لكنها تشير إلى الإطار الذي من خلاله يمكننا فهم العالم، ومن ثم الكلام عليه بمعنى.
ثانيًا: اعتراضات
نقدم هنا مجموعة من الاعتراضات التي أثيرت حول عدد من الفرضيات والأطروحات التي أدّت دورًا مركزيًا في الرسالة، من دون أن تكون مقتصرة عليها، بل إنها كانت مشتركة لدى تيار كبير تمحور حول التقليد الوضعاني Positivism الذي كانت حلقة فيينا Circle Vienna وقتها أبرز ممثليه. وقد شاركهم فتغنشتاين في الرسالة عددًا أساسيًا من هذه الفرضيات، مثل مبدأ التحقيق Verification of Principle،
وفكرة الشيء والعلاقة التي تربط الاسم بما يشير إليه. فهذه الاعتراضات والملاحظات لم تُعرض حصرًا
في سياق مناقشة مباشرة مع الرسالة، وإنما في سياق نقد الإطار المرجعي الذي تنتظم فيه الرسالة. 1. لنبدأ من سؤال أولي يتناول تفسير أو شرح إمكانية وجود صور متباينة للواقع نفسه؛ إذ ثمة أشخاص (أو جماعات) مختلفون حملوا دومًا صورًا مختلفة عن الواقع نفسه، وهو ما يحتاج إلى تفسير وفهم لطبيعة اختلاف هذه الصور، رغم كونها تصور الواقع ذاته. يتناول السؤال، ضمنيًا، مسألة الحالات العقلية وكيفية
التعبير عنها من داخل نظرية التصوير؛ وذلك لأنه يتناول الصور لدى الأشخاص. لنبدأ بتجربة ماري الفكرية الشهيرة لفرانك كاميرون جاكسون Jackson Frank التي ساقها في معرض نقد النزعة الفيزيائية tendencies Physical. تسكن ماري في غرفة مغلقة ليس فيها من الألوان إلا الأبيض والأسود والتدرجات الرمادية بينهما. غير أن ماري عالمة فيزيائية، وتعرف «كل شيء» عن اللون الأحمر سواء لجهة الوصف الفيزيائي (الأحمر هو موجة كهرومغناطيسية يراوح طولها بين 625 و 740 نانومترًا)، وكذلك خصائص
الموجات الكهرومغناطيسية – أو لجهة الوصف الفيسيولوجي للعين وآلية عملها والخلايا الحاسّة للألوان وآلية إدراك الدماغ للألوان والصور وتحليلها. وبتعبير آخر، ماري تعرف كل ما يمكن أن يُعرف فيزيائيًا
وفيسيولوجيًا عن اللون الأحمر وإدراكه الفيزيائي، لكنها لم ترَ اللون الأحمر قط. تركت ماري غرفتها لأول مرة في حياتها، ورأت للمرة الأولى تفاحة حمراء. هل تعلمت ماري شيئًا جديدًا؟
(34) Ibid., § 4.003. (35) Ibid., § 6.54.
(((3 تشكلت حلقة فيينا في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، وقد ضمت مجموعة من الفلاسفة والرياضيين والفيزيائيين. سعت المجموعة إلى الربط بين الوضعية (الانطلاق من الظاهر المشكلة من المعطيات الحسية ورفض كل الأسئلة الميتافيزيقية) والتجريبية مع المنطق من أجل تقديم صورة علمية عن العالم.
(37) Frank Jackson, "Epiphenomenal Qualia," The Philosophical Quarterly , vol. 32, no. 127 (April 1982), pp. 127–136.
يبدو من العسير القول إن ماري لم تتعلم شيئًا جديدًا، فقد تعلمت تجربة رؤية اللون الأحمر لأول مرة. وكما يبدو، فإن هذه التجربة الكيفية لرؤية اللون الأحمر لا يمكن ردّها إلى مجرد وصف فيزيائي وفيسيولوجي للّون الأحمر، الذي تعلمه ماري مسبقًا. فالتجربة الكيفية لرؤية اللون الأحمر تتضمن ما يزيد على المقابل الفيزيائي والفيسيولوجي لتجربة رؤية اللون الأحمر، وهو ما يسمى الكواليا Qualia، أي البعد الكيفي للتجربة الذاتية. وبالإحالة إلى نظرية التصوير، يمكننا التساؤل عن كيفية وصف هذا البعد الكيفي للتجارب الذاتية، ومن ثم ما الذي يمكن أن نقوله بصدد تجربة ماري عن اللون الأحمر؟ بحسب نظرية التصوير، لا يمكننا أن نقول شيئًا عن تجربة ماري للّون الأحمر، إلا إذا كانت تجربتها تحيل إلى واقعة تتضمن أشياء، ولكن تجربة ماري الكيفية للّون الأحمر ذاتية ومعطاة لماري فقط. بهذا لا يبقى لنا سوى الوصف الفيزيائي والفيسيولوجي، وهو ما كانت ماري تعرفه قبل رؤيتها للّون الأحمر أوّلَ مرة. يبدو أننا نفتقد إمكانية تقديم وصف ذي معنى للتجربة الكيفية لإدراك اللون الأحمر. لنأخذ مثالً آخر، «يَعتقدُ أن السماء تمطر». تبدأ العبارة بالإحالة إلى اعتقاد (حالة عقلية)، حول واقعة
أن السماء تمطر. الواقعة الجزئية «السماء تمطر» تبدو واضحة ولا تحتاج إلى تحليل إضافي، ومن أجل التحقق من صحتها، فإن علينا النظر إلى السماء لنعرف إنْ كانت تمطر أو لم تكن تمطر. لكن الجزء الأول من العبارة يحيل إلى اعتقاد، أي على حالة عقلية، أن السماء تمطر. كيف يمكننا التحقق من صدق هذه العبارة؟ لتحليل صدقها، علينا مقابلتها بالواقعة التي تصفها، فلا تكون صادقة إذا، وفقط إذا، كان هو «يَعتقدُ أن السماء تمطر». هنا نرى أننا أمام اعتقاد، أي حالة عقلية، والسؤال: هل هذه الحالة
العقلية شيء؟ يمكن بالتأكيد اختبار صدق العبارة بسؤال قائلها إن كان يعتقد أن السماء تمطر، ونأخذ إجابته باعتبارها محكّ المطابقة بين ما تصفه العبارة والواقعة التي تصفها العبارة. يمكن أيضًا أن ننظر إلى سلوكه، أي إذا ارتدى معطفًا وأخذ معه مطَريَّة (مظلة) قبل خروجه. لكنه قد يكذب في ما يخص اعتقاده، أو قد يكون
متوهمًا بصدد اعتقاده (يفهم «أنها ممطرة» بطريقة خاطئة). مقابلة الاعتقاد بالسلوك مسألة خلافية. ولنفكر في الممثلين الذين يستطيعون تمثيل سلوك ما، من دون أن يحملوا اعتقادات مطابقة لما يفترض من هذا السلوك (تمثيل الألم، والحزن، وغيرهما من الحالات الشعورية). ما يعنينا هنا أن إمكانية الكلام على الحالات العقلية تبدو غائبة في نظرية التصوير، فهي لا تقول لنا شيئًا بصددها (بما تتضمنه من اعتقادات ومشاعر) وكيفية الحديث عنها، ويبدو أن الموقف الذي يمكن أن يُنسب إلى النظرية يُراوح بين موقف ردّيٍّ يردّ الحالات العقلية إلى حالات فيزيائية، وآخر مقتصر على
وصف سلوكي. غير أن هذه المواقف تطرح معضلات يصعب الدفاع عنها.
(((3 للتوسع في هذه النقطة يمكن العودة إلى نقد هيلاري بوتنام للسلوكية المنطقية:
Hilary Putnam, "Brains and Behavior," in: Hilary Putnam, Mind, Language and Reality (Cambridge: Cambridge University Press, 1975), pp. 325–341.
لن نذهب بعيدًا في تناول هذه المسألة، بل نكتفي بالإشارة إلى الرابط الأساسي بين تباين الصور التي نحملها عن الواقع والحالات العقلية التي نملكها. بتعبير آخر، إن الصور التي نملكها ليست إلا حالات عقلية. 2. ناقش إريك ستنيوس Stenius Erik، في شرحه الكلاسيكي والمسهب لعمل فتغنشتاين، عددًا من الأطروحات المهمة التي يمكنها أن تقدم تفسيرًا بصدد امتلاك البشر صورًا مختلفة للوقائع ذاتها،
ويُرجِع ذلك إلى تباين رد فعل الجهاز العصبي (عودة إلى الحالات العقلية) على الواقع. غير أننا سنقتصر على التحليل الداخلي للصور بوصفه الإطار التفسيري للتباين. في تحليله لنظرية الصورة لدى فتغنشتاين، يقدم ستنيوس ثلاثة مستويات لتحليل الصور وعلاقتها بالوقائع التي تصورها. • البنية الداخلية للصورة ومقابلتها بالبنية الداخلية للواقعة (علاقة التشاكل)، وهي التي تُكافئ شكل التصوير لدى فتغنشتاين، وهذه تتضمن جميع إمكانيات الربط بين عناصر الصورة. • البنية الخارجية للصورة، والتي تُكافئ بنية الصورة لدى فتغنشتاين (ترتيب معين لعناصر الصورة). • مفتاح التفسير Interpretationsschlüssel الذي يربط بين الأسماء والأشياء، والتي تُكافئ علاقات التصوير لدى فتغنشتاين. يتناول مستوى التحليل الأول البنية الداخلية (شكل التصوير) التي هي الشرط اللازم لإمكانية التصوير نفسها؛ الشرط الذي يسمح للصورة بأن تصور الواقعة أساسًا. لهذا يجعله ستنيوس شرطًا أوليًّا حتى
للصور المتباينة، فهذه جميعها – بمعزل عن أسباب تباينها أو تفسيره – يجب أن تكون ممكنة منطقيًا،
أي لها البنية الداخلية نفسها للواقعة، ومن ثم تقدم صور حالات – واقع. يقدم ستنيوس مثالً يمكن إيراده هنا. لنفرض أن لدينا اسمين، هما أ وب، ولدينا علاقة حب ممثلة بسهم، فإن الشكل (4) يمثل كل صور الربط الممكنة بين الاسمين. الشكل (4) صور الربط الممكنة بين الاسمين «أ» و«ب»
المصدر: ينظر الفصلان: VI و VII، في:
Erik Stenius, Wittgensteins Traktat , Bader, Wilhelm (trans) (Frankfurt am Main: Surkamp, 1969). p. 153.
(((3 ينظر الفصلان VI و VII، في:
Erik Stenius, Wittgensteins Traktat , Wilhelm Bader (trans.) (Frankfurt am Main: Surkamp, 1969).
يحدد شكل التصوير (وهي البنية الداخلية بحسب ستنيوس) كل الصور الممكنة. أما البنية الخارجية للصورة فهي كل ترتيب معين للأسماء. هنا نرى أن لدينا 16 صورة ممكنة، وبتعبير ستنيوس، 16 بنية خارجية ممكنة، وهي بمجموعها محددة بالبنية الداخلية للحقل المشكل من أ وب وعلاقة الحب. تكون الصورة صادقة إذا كانت بنيتها الخارجية مطابقة لبنية الواقعة التي تصفها. بهذا، فإن مقابلة صورة بواقعة يشترط أو لًالتشاكل بينهما، أي تحقق البنية الداخلية نفسها. ومن ثم مقابلة البنية الخارجية للصورة (ترتيب ما للعناصر، وليكن هنا أ يحب ب: b → a)، مع الواقعة التي تصفها. وإن كان فعلً (أ الشيء الذي يحيل إليه الرمز) يحب (الشيء الذي يحيل إليه الرمز)، عندها ب تكون الصورة صادقة. وإن لم تتطابق الصورة مع الواقعة التي تصورها، كانت الصورة كاذبة. يربط مفتاح التفسير عناصر الصورة بالأشياء، وهو ما يمكّننا من الحكم على قيمة الحقيقة الخاصة بالصورة، فلكل صورة مفتاحُ تفسير (علاقات التصوير وهي جزء من الصورة بحسب فتغنشتاين). لنفترض مثلً أن لدينا خريطة سياحية لمدينة ما، ووجدنا على الخريطة عددًا من الرموز التي يجب قراءتها قراءة صحيحة لكي نفهم مراد الخريطة، وهذه الرموز تجد مفتاح تفسيرها على خلفية الخريطة ممثلة بالشكل.)5(الشكل (5) مفتاح التفسير
المصدر: من إعداد الباحث.
بفضل مفتاح التفسير المرفق بالخريطة، يمكن تفسير الرموز (الأسماء) الموجودة على الخريطة وتحديد الأشياء التي تحيل إليها، وفي الحصيلة، معنى الصورة، ومن ثم قيمة الحقيقة الخاصة بها، وذلك بمقارنتها بالواقعة المصورة. وهكذا، إذا وجدنا على الخريطة الرمز Δ في الشارع س، فإننا نقرؤها: يوجد موقع أثري في الشارع س.
(((4 رغم شيوع كلمة «الصدق» مقابلً ل Truth عربيًا، وهو خيار مشروع ومعتبر، لكني لا أحبذ استخدامه، وأفضل استعمال كلمة
«الحقيقة» في سياق هذه الدراسة؛ وذلك لأن استخدام كلمة «الصدق» يغيب من المسألة المركزية التي يدور حولها النقاش الفلسفي في النهاية وهي «الحقيقة». بالطبع، يعترض استعمال كلمة «الحقيقة» عدة إشكالات، وتحديدًا في ما يتعلق باشتقاق الصفة من
الاسم. ف «الحقيقي» في العربية لا يقابل True، بل Real؛ إذ الحقيقي بالعربية يعني الواقعي. لكل من الترجمتين محاسنها ومساوئها، وأيضًا الأفق التأويلي الذي يمكن أن تفتحه للتفكير في المسألة وهو ما يخرج عن موضوع هذه الدراسة تمامًا. لهذا، فإن الخيار
المعتمد هنا هو استعمال «الحقيقة» مقابلً ل Truth، واعتماد «صادق» مقابلً ل True.
انطلاقًا من مستويات التحليل هذه، يمكن استكشاف التباينات الممكنة في الصور. وبما أن المستوى الأول (البنية الداخلية) شرط لازم للتصوير، يبقى لنا المستويان الثاني والثالث. إن تفسير تباين الصور على مستوى البنية الخارجية لا يعدو أن يكون مجرد تقديم صور لحالات – الواقع باعتبارها واقعة. فربما يكون لدى أحدهم أسباب وجيهة – اعتمادًا على المعطيات التي لديه أو لوجوده في حالة نفسية وشعورية خاصة به مرتبطة بجهازه العصبي – ليعتقد أن صورة من الصور الممكنة هي الواقعة، بينما يعتقد آخر – لأسبابه الخاصة – أن صورة ممكنة أخرى هي الواقعة. كأن يعتقد أحدهم أن الحالة الأولى من اليمين في السطر الأعلى في الشكل (4) هي التي تمثل الواقعة (أ يحب نفسه ولا يحب ب، بينما بلا يحب نفسه ولا يحب أ)، في حين يعتقد شخص آخر أن الصورة الموجودة في أقصى اليسار للسطر الثاني هي التي تصور الواقعة (بيحب نفسه ويحب أ، أ يحب بولا يحب نفسه). يبدو هذا الخلاف في الصور سهل الحل، بحيث تكفي مقارنة الصور المختلفة بالواقعة، لنحدد أيًّا منها يطابق هذه الواقعة، وتكون الصورة المطابقة هي الصورة الصادقة في وصف الواقعة. لا يبدو هذا الاختلاف مثيرًا للاهتمام من جانب فلسفي، حيث ينحصر التباين بين الصور في
حالات – واقع فقط. يناقش ستنيوس إمكانية أخرى للاختلاف ترتبط بالمستوى الثالث من التحليل؛ هو اختلاف في مفاتيح التفسير، حيث يمكن أن يكون لشخصين صورتان مختلفتان عن الواقع، وذلك لأنهما يعتمدان مفاتيح تفسير مختلفة. لتوضيح الفكرة يقدم ستنيوس المثال في الشكل.)6(الشكل (6) بنيتان متشاكلتان
المصدر: Stenius, p. 122.
كما هو واضح من الشكل، لدينا صورتان لهما بنيتان داخليتان متشاكلتان (أي 5 عناصر، وصفة، وعلاقة بموقعين)، كما أن لديهما البنية الخارجية نفسها. لكن الصورتين تملكان مفاتيح تفسير مختلفة (ت 1، ت 2)، يمكن بواسطتهما تفسير الصورتين في وصفهما للواقع، بحيث تشير العناصر والصفات والعلاقات إلى أشياء مختلفة ومتباينة.
ت:1 • a تحيل إلى ألبرت، و b تحيل إلى برونو، و c تحيل إلى كريستيان، و d تحيل إلى دانيال، و e تحيل إلى إريك. • الدائرة تمثل صفة الذكاء. • العلاقة ثنائية الموقع: علاقة أب – ابن. ت:2 • a تحيل إلى أكرمان، و b تحيل إلى بيكر، و c تحيل إلى كلاوديوس، و d تحيل إلى دانيال، و e تحيل إلى إيشنباخ. • المربع يمثل صفة التضحية. • العلاقة ثنائية الموقع: علاقة الأمر (الضابط الأعلى رتبة يأمر الأقل رتبة). كما يظهر، فإن الصورتين – رغم تناظرهما – لا تصفان الواقع نفسه؛ وذلك لتباين مفاتيح التفسير بين الصورتين، والتي على أساسها نستطيع ربط أيّ منهما بالواقعة التي تصفها، ونحدد، في الحصيلة، قيمة الحقيقة الخاصة بالصورة. يواجه هذا التحليل مشكلة محددة: إذا كانت مفاتيح التفسير مختلفة، فإن الأشياء التي تحيل إليها الأسماء يُفترض أن تكون لها خصائص مختلفة، على نحو يسمح لنا – على الأقل – بأن نجد عبارة (صورة) يمكن توليدها بمفتاح تفسير، ولا يمكننا توليدها بمفتاح تفسير آخر. وهذه العبارة تمثل الفارق التجريبي بين مفتاحَي التفسير، ومن ثمّ الاختلاف التجريبي بين الصورتين. غير أن هذا الاختلاف يعيدنا إلى المستوى الأول، أي إلى البنية الداخلية للصورتين؛ فالصورتان لا تملكان عندها البنية الداخلية نفسها، لأن العناصر المشكّلة لهذه الصور تملك خصائص داخلية مختلفة. بالتأكيد، قد يكون الفارق التجريبي بين الصورتين غير متوافر حاليًّا، لكن يجب أن يكون موجودًا من حيث المبدأ. فمثلً، يمكن
أن يكون لدينا نظريتان لهما الكفاءة التجريبية نفسها ضمن مجال ملاحظتنا، وباختلاف مفاتيح التفسير بينهما وما يتضمنه من اختلاف المفاهيم النظرية، من دون أن نكون قادرين في الوقت نفسه على فحص التباين التجريبي بينهما؛ لأننا – لأسباب تقنية مثلً – لا نستطيع الوصول إلى اختبار المجال الذي يظهر فيه هذا الاختلاف (التقنية الحالية لا تمكننا من الوصول إلى النطاقات التجريبية الخاصة ببعض النظريات الفيزيائية). الفارق التجريبي بين مفتاحي التفسير يجب أن يكون موجودًا من حيث المبدأ، لأنه إن لم يكن ممكنًا إيجاده، فإنّ الصورتين متكافئتان منطقيًا، ولا يعود هناك معنى محدد للحديث لاحقًا عن صورتين.
وهذا يعني أن اختلاف مفاتيح التفسير ليس إلا مجرد اختلاف في الرموز التي نستخدمها، من دون أن يترافق بتباين في الصور الذهنية المرافقة لهذه الرموز.
من خلال الإحالة إلى مثال ستنيوس، يمكن اقتراح علاقة أخرى ثنائية الموقع؛ هي أكبر – أصغر، وهي مرتبطة بالضرورة بعلاقة أب – ابن. «ألبرت – أب – برونو»، تترافق بالضرورة مع «ألبرت – أكبر من – برونو». وفي المقابل، لا يوجد مثل هذا الاقتضاء في علاقة الأمر. «أكرمان – يأمر – بيكر» لا تستدعي بالضرورة «أكرمان – أكبر من – بيكر». وعلى أساس العلاقة المضافة، يمكن إيجاد تباين في البنية الداخلية بين الصورتين، فلا تعودان متشاكلتين. بالطبع، هذا تم من خلال إضافة علاقة جديدة على الحقل المقدم من ستنيوس، غير أن العلاقة المضافة مرتبطة بالضرورة بالصفات الداخلية للأشياء الحاضرة في هذا الحقل، وهذه الإضافة سمحت بإيجاد فارق تجريبي بين الصورتين. لا يلتفت ستنيوس إلى هذه المعضلة، بل يكتفي برصد إمكانية التباين على مستوى مفاتيح التفسير مع إبقاء البنية الداخلية للصور متناظرة. وهو ما يبدو إشكاليًا، لأنه لا يمكّننا من فهم طبيعة التباين بين مفاتيح التفسير، وهو تباين يجب أن يكون على مستوى الخصائص الداخلية للأشياء، وهي تحضر – كما رأينا سابقًا – من خلال كافة الوقائع التي تحضر فيها هذه الأشياء، كما أنها تحدد كل حالات – الواقع التي يمكن أن تكون فيها الأشياء. إنْ أخذنا مثال الكيمياء الحديثة والفلوجستين (أو السعير) Phlegistine The، فإننا سنجد أنهما يترافقان بمفتاحي تفسير متباينين، وهو تباين مؤسس على خصائص داخلية متباينة للأسماء (الأكسيجين في الكيمياء الحديثة، والهواء منزوع الفلوجستين في نظرية الفلوجستين Theory Phlogiston. وبفضل هذا التباين، يمكن أن نشتق من إحدى النظريتين صورًا لا يمكن اشتقاقها من الأخرى والعكس صحيح، وهو ما يشكل الفارق التجريبي بين النظريتين، حتى لو كان كل من الأكسيجين والهواء منزوع الفلوجستين، يحيلان في سياقات معينة إلى الشيء ذاته، أي إنّ الصورتين تظهران تماثلً في البنية الداخلية في هذه السياقات. 3. تحيل المعضلة هنا إلى العلاقة بين عنصر الصورة (الاسم) والشيء، وهي علاقة تبدو شديدة الإشكالية في إطار نظرية التصوير، وهو ما سنتناوله من عدة زوايا. • المسألة الأولى هي كيفية تحديد شكل الشيء والمجال المنطقي الخاص به. وكيف يحدد المجال المنطقي الخاص بعنصر الصورة الذي يسمح بتخيل جميع العلاقات الممكنة التي يمكنه أن يكون جزءًا منها. كما ذكرنا في المثال السابق عن يوسف وسامي، فإن معرفتنا بأنّ كلًّ منهما إنسان، وأن يوسف أكبر من سامي، سمحت لنا بصورة منطقية «يوسف والد سامي»، في حين أقصت صورًا أخرى مثل «سامي والد يوسف» أو «سامي يطير فوق يوسف».
((4(للاطلاع أكثر على هذا المثال يمكن العودة إلى: توماس كون، بنية الثورات العلمية، ترجمة شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة 168 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1992)، الفصلان السابع والثامن. (((4 وهي نظرية تقول إنّ المواد القابلة للاحتراق والفلزات القابلة للتأكسد تتكون من أصول زئبقية وكبريتية وملحيّة. ينظر:
عبد الحليم منتصر، أثر العرب والإسلام في النهضة الأوروبية (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1987)، ص.227
• كيف يمكن تحديد المجال المنطقي الخاص بالشيء؟ أي: كيف نحدد صفاته الداخلية؟ إن جمع كافة الوقائع الخاصة بالشيء يبدو خيارًا غير واقعي، فنحن لا نحيط في أي لحظة بكل الوقائع التي
يدخل فيها الشيء والتي بفضلها يمكن التعرف إلى شكله. إن جمع الوقائع التي يظهر فيها الشيء تبدو مسألة تطورية وتراكمية، فمعرفتنا بالشيء تتعلق بكل الوقائع التي في حوزتنا الآن. وعلى أساس هذه الوقائع التي نملكها (عبر صورها) يمكن تحديد شكله (المجال المنطقي القائم على صفاته الداخلية) ومعها حالات – الواقع الأخرى التي تطرأ. هذه المعرفة تطورية وقابلة للتعديل والتراكم. فما نعرفه الآن يستند إلى المعطيات التي على أساسها نقدم معرفة بالشيء، وعلى أساس هذه المعرفة نقدم توقعات تشكّل اختبارًا لمعرفتنا ولمراكمتها وتطويرها. تقدم هذه القراءة مقاربة تطورية لمفتاح
التفسير، بحيث يصبح نتاج تنقيح وتعديل مستمرين، بفضل المعارف المتراكمة. عندها يمكن فهم التباين بين مفاتيح التفسير بوصفه تباينًا مستندًا إلى حجم الخبرة والمعرفة التي لدينا وتطورها (النظرية الأصح تحل مكان النظرية السابقة)، حركة بندولية في الاتجاهين، مرة من الوقائع إلى النظرية، وأخرى من النظرية إلى الوقائع. • «الشيء» – بالنسبة إلى فتغنشتاين – موضوع بسيط وواضح، وهو معطى حسي. ويصدق هذا على الواقعة التي يحضر فيها هذا الشيء، بوصفها حاضرة مباشرة في المجال الحسي الذي يصورها. على الأقل، يصدق هذا على جمل المراقبة المفردة. غير أن هناك معضلة مع هذا التصور البسيط والواضح والحسي للشيء وللواقعة. ولتوضيح ذلك؛ لنلقِ نظرة سريعة على مثال من تاريخ الفيزياء؛ هو الانتقال من الفيزياء الأرسطية إلى الفيزياء الحديثة مع غاليليو غاليلي Galilei Galileo (1642–1564)، وقد سبق أن ناقشه بول فيرابند Feyerabend Paul (1924–1994)، في عمله ضد المنهج. يحيل مفهوم الحركة في التصور الأرسطي إلى التغير في الحامل مع الزمن. وبهذا، فالحركة قد تكون مكانية (تغير في المكان مع الزمن)، وقد تكون كيفية كما في النمو (تغير في حجم الجسم مع الزمن). ومن ثمّ،
على نظرية الحركة تقديم تفسير يشمل كل الظواهر التي يؤطرها مفهوم الحركة. كما كانت نظرية أرسطو متسقة مع الخبرة الحسية اليومية حول ثبات الأرض، ومعها اعتبار السكون الحال الطبيعي للأشياء بغياب مؤثرات خارجية. وجَب أن يقوم غاليلي بعدة مناورات من أجل تدعيم نظرية حركة الأرض ودورانها حول الشمس،
حيث قلّص النظرية لتقتصر على تفسير الحركة المكانية عبر تحوير مفهوم الحركة وقصره على الظواهر المرتبطة بالحركة المكانية. كما قام بإعادة صياغة الخبرات الحسية من خلال تقديم معجم جديد لعبارات المراقبة Statements Observation، مُدخلً مفاهيم الحركة الظاهرية والحركة النسبية. وهكذا لم تعد تجربة رمي كرة من فوق البرج تقدّم برهانًا على ثبات الأرض. في هذه التجربة، تسقط الكرة في حركة مستقيمة، وهو ما اعتبر دليلً على ثبات الأرض، لأنه لو كانت الأرض متحركة لوجب أن تسقط الكرة مبتعدة عن قاعدة البرج بمقدار المسافة التي تحركتْها الأرض. لكن بفضل مفهوم الحركة النسبية،
(43) Paul Feyerabend, Against Method (London: Verso, 2010 [1975]).
من أجل مناقشة مستفيضة لمثل غاليلي، ينظر الفصول:.9–6
أصبح في إمكان غاليلي إعادة وصف الخبرات الحسية بطريقة مختلفة، على نحو يتناسب مع نظريته المقترحة، لا على نحو يتعارض معها. يُظهر مثال غاليلي تحولً دلاليًا في ما يخص مفهوم الحركة، يترافق مع تقديم لغةِ مراقبةٍ جديدة، تجري
بفضلها إعادةُ تقديم الخبرات اليومية بصيغة جديدة لا تتعارض مع النظرية الجديدة المقترحة كإطار تفسيري. واستنادًا إلى هذا المثال، يمكن القول إن الصورة المفهومية التي لدينا عن الشيء، والمجال المنطقي الخاص به والمحدد لكل الصور المنطقية التي يمكن أن يكون الشيء جزءًا منها، تتعلق
جميعها بالنظرية التي نستخدمها، وليس بعلاقة الإحالة بين الاسم والشيء المحال إليه فقط، والذي يفترض أن يكون بسيطًا. تتعلق فكرتنا عن شيء ما، بالنظرية التي تقدم لنا إطارًا نفهم بواسطته هذا الشيء. وبالانتقال بين نظريات مختلفة، تتحول فكرتنا عن هذا الشيء بدورها؛ وذلك على نحو مرتبط بالتحولات الحاصلة في النظريات التي نستخدمها للتفسير. • لندفع هذه النقطة أكثر عبر النظر إلى المعطى كقاعدة أخيرة سواء للمعرفة أو المعنى محل السؤال. في عمله التجريبية وفلسفة العقل، قدم ويلفرد سيلارز Sellars Wilfrid (1912–1989)، نقدًا لفكرة المعطى التي تقول: إن هناك مستوى أساسيًا في المعرفة يستند في تسويغه إلى المعطى، وهو
الذي يظهر في شكل معطيات حسية لا تقوم على الاستنتاج والتعليل؛ معطى لا يقوم على معرفة سابقة، بل يقدّم واقعة أو شيئًا يحضر على نحو مباشر في مجالنا الحسي. هذا التصور الذي سماه سيلارز «أسطورة المعطى» Given The of Myth The، يتوافق مع فكرة التسمية (الإحالة) التي سبقت مناقشتها، والتي تربط بين الاسم والشيء المسمى، على نحو مباشر، فتكون علاقة التسمية علاقة مباشرة وتأسيسية ومناط تحديد معنى الاسم. عارض سيلارز هذا التصور الأولي والتأسيسي للمعطى، مبينًا أن المفهوم النظري لا يدخل عالمنا المفهومي، إلا بوصفه جزءًا من جهاز نظري يقوم على
التعليل والتسويغ، ويتحدد معناه عبر الدور التسويغي الذي يشغله في هذا الجهاز النظري. لتبيان هذا، يناقش سيلارز مثال الألوان، مستدلًّ بأن ما يبدو خبرة حسية مباشرة، مثل اللون، لا يمكن أن يكون قابلً للإدراك إلا بالاستناد إلى قدرات مفهومية سابقة يفترضها ويقوم عليها. فمثلً، كيف يمكن التحقق من عبارة بسيطة مثل «هذا لونه أخضر»؟ على نحو بديهي، يبدو أن علينا النظر إلى لون الشيء والحكم في ما إذا كان أخضر أو لونًا آخر. وفي هذا التصور، يظهر اللون الأخضر بوصفه معطى (معطى حسيًّا) مباشرًا، محددًا معنى اسم «أخضر» في الحكم الذي نرغب في التحقق منه. يبدأ سيلارز سجاله بالإحالة إلى الشروط المحيطة التي يجري في إطارها التحقق من الحكم. فمن الواضح أنه باختلاف الإضاءة يختلف اللون المرئي. بيد أنّ الإجابة ستكون: في «شروط الإضاءة الطبيعية»، سيكون اللون أخضر. فالحكم على العبارة يستدعي «شروطًا طبيعية» نختبر في إطارها صحة الحكم؛ شروطًا لم تخبرنا بها العبارة نفسها، لكنها شروط حاضرة ومُقَرة. لكن في خطوة تالية،
يشير سيلارز إلى أن إمكانية الحكم على أساس المعطى بأن هذا «يبدو أخضر»، تفترض مُسبَقًا وجود
(44) Wilfrid Sellars, Empiricism and the Philosophy of Mind (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1997).
تصور عن أن «يكون أخضر». أن «يكون أخضر»، سابق على «يبدو أخضر»، أي وجود تصور لمعنى أن يكون الشيء أخضر، هو سابق على أن «يبدو أخضر» التي تمثل معطى. وهذا التصور المفهومي لكونه أخضر يفترض قدرة على التمييز بين الأخضر وغيره من الألوان، كذلك التمييز بين اللون كصفة، والصفات الأخرى مثل الوزن والشكل. وبهذا يظهر أن معنى «يكون أخضر» يتحدد في المكان الذي يشغله هذا المفهوم في الجهاز المفهومي لنا والدور الذي يؤديه في شبكة التعليل والتسويغ. هنا يجب التمييز بين الجملة بوصفها قضية Proposition وبين المعطى الحسي (أو الإثارة الحسية) الذي يحضر بوصفه عملية فيزيائية لا تملك بنية قضوية؛ فالضوء يسقط على أعيننا، حيث تتحسسه الخلايا وتنتقل إشارة عصبية عبر الأعصاب إلى الدماغ لمعالجتها. هذه العملية الفيزيائية ليست في نفسها قضية، بينما الحكم «هذا لونه أخضر» هو قضية، ولا يمكن نفي قضية أو إثباتها إلا عبر قضايا أخرى تماثلها في البنية، وهو ما لا يتوافر في العمليات الفيزيائية التي تتسم بالسببية الخاضعة للقوانين الطبيعية، وتؤثر في حواسنا بهذه الطريقة. على هذا الأساس يضع سيلارز الجمل في ما يسميه فضاء المسوغات Reasons of Space، الفضاء الذي تشكله القضايا (الأحكام)، بحيث يكون الحكم على صدق إحداها أو كذبها متعلقًا بتقديم مسوغ لاعتقاد صدق هذا الاعتقاد أو كذبه. وهذا لا يكون إلا بالاستناد إلى أحكام أخرى ودورها التسويغي في تقرير الصدق أو الكذب. هنا، يمكن دفع الملاحظة خطوة أخرى والحديث عن فضاء القانون Law of Realm، كما يسميه جون ماكدويل McDowell John، مقابلً لفضاء المسوغات. يمثل فضاء القانون عالم الطبيعة الخاضع لسببية تحكمها القوانين الطبيعية، مثل السلسلة السببية – المذكورة آنفًا – لسقوط الضوء على أعيننا وتحسسه من قِبَل الخلايا الحساسة للضوء وإرساله إلى الدماغ. في هذه المقابلة بين
هذين الفضاءين، يظهر جانب من الشبه مع شرط التشاكل لدى فتغنشتاين الذي يسمح بالمقابلة بين اللغة والواقع؛ إذ إنّ الصورة لا تستطيع تصوير واقعة إلا إذا كان لها شكل الواقعة نفسه. فالأسماء ترتبط ببعضها في حكمٍ له بنيةُ قضيةٍ، بينما ترتبط الأشياء بعضها ببعض في بنية سببية يحكمها قانون، وليس لها بنية قضوية مثل الحكم. وبهذا إذا أردنا أن نجعل الوقائع حكمًا على الصور، فإن الوقائع
يجب أن يكون لها بنية قضوية. وبتعبير آخر، يجب أن يكون لمجال قوانين الطبيعة البنية القضوية نفسها التي لمجال العقل، على نحو يسمح حينئذ أن يحكم في شأنها بالصحة. لكن هذا الشرط الأخير (أن يكون للطبيعة بنية قضوية) يُظهِر المدى الميتافيزيقي لشرط التشاكل، على نحو أكبر مما
يظهر لدى فتغنشتاين. 4. تستند نظرية الصورة على مبدأ التحقيق Principle Verification الذي هيمن وقتها على الفلسفة الوضعية. يقرر مبدأ التحقيق أن العبارة لها معنى في حال إمكان اختبارها تجريبيًا، وتكون صحيحة
في حال موافقتها للواقعة التي تصفها، وبذلك يكون الحكم على صحة النظرية العلمية. وهكذا، فإن
(((4 لمتابعة هذا الاقتراح، ينظر:
John McDowell, Geist und Welt , Thomas Blume, Holm Bräuer & Georgy Klass (trans.) (Frankfurt am Main: Suhrkamp,
فتغنشتاين بدوره يقرر صحة العبارات (الصور/ الأفكار) إذا وافقت الواقعة التي تصورها، وتكون خاطئة إذا لم توافقها. تعرّض المبدأ لنقد شديد، ويمكن تقديم وجهين لهذا النقد: • الأول: لاتحديدية التجربة Underdetermination، وكان الفيزيائي بيير دوهام Pierre Duhem (1912–1861) أول من عرضه، ووسعه لاحقًا ويلارد كواين Willard van Orman Quine)2000–1908(، الذي قدّم منه نسخة أكثر جذرية من النسخة الخاصة بدوهام، وسيعرف هذا النقد بأطروحة دوهام – كواين حول لاتحديدية التجربة. لا يعنينا هنا التباين في حدود هذا المبدأ بين دوهام وكواين، بل سنكتفي بالفكرة الأساسية للطرح. تقوم أطروحة لاتحديدية التجربة على فكرة أساسية؛ إذ إنه ليس ثمة تجربة حاسمة لاختبار نظرية ما؛ فلا يمكن اختبار النظرية مفردة، ذلك أنّ النظرية لا تواجه التجربة (والواقع) معزولة، بل ضمن إطار متشابك من النظريات والفرضيات المساعدة التي بمجموعها تقدّم لنا الحكم التجريبي الذي نختبره. ولهذا، فإن التباين بين الحكم المتوقع والتجربة لا يستدعي تخطئة النظرية محل الاختبار، بل الإطار بأكمله. وبهذا، فإن تغيير إحدى الفرضيات المساعدة يمكنه صيانة النظرية أمام التجربة، وهذه الصيانة عملية ممكنة دومًا، ما دامت المواجهة تقوم بين التجربة وكامل الإطار الذي يضم عددًا هائلً من
النظريات والفرضيات المساعدة وعلاقات الربط بينها. وهكذا، فإن النتائج التجريبية لكل من لافوازييه وبريستلي في الكيمياء لم تكن حاسمة في ذاتها في ما يتعلق بإثبات خطأ نظرية الفلوجستين، ما دام أنصار هذه النظرية كانوا دومًا قادرين على إعادة صياغة الفرضيات المساعدة، وهو ما يضمن بقاء
نظرية الفلوجستين مصونةً أمام الاختبار التجريبي. تضع أطروحة دوهام – كواين مبدأ التحقيق من صحة العبارات الفردية على نحو مستقل وعبر مقارنتها المباشرة بالوقائع التي تكون محل شك، ما دامت مثل هذه المقارنة المباشرة والمستقلة، ممتنعة. يتصل هذا النقد مع نقد سيلارز بخصوص أسطورة المعنى، حيث كانت العلاقة المباشرة بين الاسم وما يحيل إليه لتحديد معنى الاسم هي موضوع نقد سيلارز، باستدلاله على أن تحديد المعنى يتم بالإحالة إلى الدور التسويغي الذي يشغله الاسم في شبكة المفاهيم التي يرتبط بها. إن نقد دوهام وكواين لمسألة العلاقة المباشرة والمستقلة بين الحكم والواقعة التي يشير إليها الحكم يقوم أيضًا على أن الحكم لا يُعطى إلا ضمن إطار كامل وعبر علاقاته ببقية القضايا والأحكام التي تشكّل كامل هذا
الإطار. • النقد الآخر أتى من طرف كارل بوبر Popper Karl (1994–1902) الذي دعا إلى استبداله بمبدأ التكذيب Principle Falsification. فالاختبارات لا تحكم على صحة نظرية، إنما تحفظ صلاحيتها
(46) Willard van Orman Quine, "Two Dogmas of Empiricism," in: Willard van Orman Quine, From a Logical Point of View (Cambridge, MA: Harvard university press, 1980), pp. 20 – 46.
فحسب، حتى ظهور نتائج جديدة واستكشاف مجالات جديدة تسائل صلاحية النظرية. فالاختبار التجريبي عملية قابلة للتطور؛ وذلك بحسب التقنيات التي نملكها، وبحسب الأسئلة التي نطرحها على الطبيعة. ولهذا، فإنّ ما يبدو أنه نظرية تؤكدها التجارب في لحظة ما، قد يتحول مع ظهور تجارب جديدة تقدم نتائج متعارضة مع توقعات النظرية السائدة، وهو ما يستدعي استبدال هذه النظرية.
ثالثًا: أفق الرسالة
1. في الإطار الميتافيزيقي المقدم في الرسالة، تظهر اللغة بوصفها وصفًا للواقع، أي صورة له. وهو ما يتأسس على التشاكل القائم بين اللغة والواقع، بحيث يكون ما يمكن قوله وصفًا لوقائع. في المقابل، تناولت الاعتراضات السابقة المستويات المختلفة لهذا الإطار الميتافيزيقي الناظم لعلاقة اللغة بالواقع في نظرية الصورة مشككة في كفايته، بدءًا من إمكانية الكلام إلى الحالات العقلية، ومرورًا بعلاقة
الإحالة بين الاسم والشيء باعتباره محددًا لمعنى الاسم، إلى مبدأ التحقيق الذي يقابل بين صورة
مفردة وواقعة مفردة؛ لتبيان قيمة الحقيقة الخاصة بالصورة. 2. على الرغم من هذه الاعتراضات التي تناولت تصور اللغة في الرسالة، يبقى الإسهام الأساسي والمستمر للرسالة في تمييزها بين ما يمكن أن يُقال (كل ما يمكن أن يُقال، يُقال بمعنى وله قيمة
صدق/ حقيقة) وما يُشار إليه (لا يمكن قوله لغياب ما يصوره)، وهو التمييز الذي ينتظم حوله تصور
اللغة وحدودها كما أنه يشكّل أرضية لاستمرارية مع موقف فتغنشتاين المتأخر. كل ما يمكن قوله، يُقال بمعنى وله، إذًا، قيمةُ حقيقةٍ. وفي المقابل، فإن ما يُشار إليه فقط، هو ذلك الذي
لا يظهر في واقعة. هناك الكثير مما لا يمكن قوله؛ بدءًا من الرسالة نفسها، التي تشير إلى الإطار الذي
تنتظم فيه اللغة والعالم، إلى العلاقة التي تجمع اللغة والعالم على نحو يجعل من الممكن أن تخبر الأولى عن الثانية. هذا الإطار المُشار إليه في الرسالة هو نفسه ليس واقعة يمكن التحقق من صحتها،
إنما هو الشرط الذي يجعل من الإخبار والتحقق منه أمرًا ممكنًا، ولكنه نفسه ليس واقعة يمكن الإخبار
عنها. 3. هناك العديد من الموضوعات التي تدخل في باب اللغو الذي لا يمكن قوله، مثل النقاشات اللاهوتية حول وجود الله، أو الأنطولوجية، أو تلك التي تدور حول الأخلاق التي تتأسس على مفهوم الواجب الذي يتجاوز البعد الوصفي للغة إلى البعد المعياري. 4. إهمال التمييز بين ما يمكن قوله وما يمكن الإشارة إليه فقط، كما بيّن فتغنشتاين، هو مصدر سوء
الفهم والمشاكل الزائفة التي ميزت الفلسفة، ذلك أنّ المشاكل الزائفة تنشأ عن جعل ما لا يمكن قوله موضوعًا للقول، ومن ثم كصورة لواقعة يمكن التحقق منها. لنأخذ مثال الأخلاق التي تستند إلى
مفهوم الواجب. فعدد من التيارات المنتمية إلى المذهب العلمي تدّعي أن العبارات الأخلاقية ليست
إلا لغوًا وهذرًا يجب التخلص منه، أو أن تردّ العبارات المعيارية إلى وصفية يمكن التحقق منها.
((4(كارل بوبر، منطق الكشف العلمي، ترجمة ماهر عبد القادر محمد علي (بيروت: دار النهضة العربية، 1986)، ص.79–76
وبهذا، يجري تفسير الواجب بالكفاءة التطورية أو الوظيفية. لكن الحاصل هو القفز على التمييز بين الواجب والكائن، ومن ثم تجاهل طبيعة التساؤل والإلزام الكامنة في معنى الواجب. يمكن، بالطبع، القول: «لا تقتل» لها دور وظيفي في منع الاحتراب الأهلي وضمان استقرار وجود الجماعة الضروري للبقاء، لكنه قول في المقابل لا يخبر عن طبيعة الإلزام الكامنة في «لا تقتل» ومعياريتها، ومن ثم لا يخبر عن شيء بشأن العبارة نفسها. بإهمال التمييز، للعديد من الادعاءات – الأنطولوجية والميتافيزيقية أساسًا – أن تقدم نفسها في صيغة
ادعاءات حول وقائع مما يحولها إلى مشاكل زائفة. هناك قصة تعبّر بوضوح عن رهافة هذا التمييز
وحدود ما يمكن قوله، وقد جمعت فتغنشتاين ببرتراند راسل، حينما التقيا في فيينا عام 1919، وقضيا أيامًا يتباحثان حول الرسالة. انتهى اللقاء بإثارة غضب راسل من صديقه القديم فتغنشتاين وغرقه
المتزايد وغير المفهوم في نزعة صوفية. خلال إحدى هذه النقاشات أمسك راسل بورقة ورسم بناءً
عليها ثلاث دوائر، وسأل فتغنشتاين إن كانت عبارة «العالم يحوي على الأقل ثلاث دوائر» صادقة. غير أن فتغنشتاين رفض العبارة نفسها، معلنًا أنه لا يمكن قول مثل هذا، بل فقط «هناك ثلاث دوائر على الورقة». العلة التي استند إليها فتغنشتاين في رفضه، وللغرابة بقيت عسيرة الفهم على راسل، هي ظهور العالم كشيء في واقعة (عنصر في الصورة التي تقدمها هذه العبارة). فالعالم ليس شيئًا، إنما مجموع
الوقائع المشكلة له. ورفض كون العالم شيئًا يعود إلى ضرورة تفادي تناقض منطقي، سبق لراسل نفسه
أن اكتشفه في نظرية المجموعات، وهو التناقض الناشئ عن إمكانية جعل مجموعة محتواة في نفسها. قدّم راسل، عام 1918، حكاية حلاق القرية لكي يوضح هذا التناقض. ينقسم الذكور في القرية إلى مجموعتين؛ الأولى: مجموعة من يحلقون لأنفسهم، والثانية: مجموعة من لا يحلقون لأنفسهم، ومن ثم يحلق لهم حلاق القرية. السؤال المطروح: إلى أي المجموعتين ينتمي حلاق القرية؟ إذا كان حلاق القرية لا يحلق لنفسه، فهو في المجموعة الثانية (مجموعة من لا يحلقون لأنفسهم، ولكن يحلق لهم حلاق القرية). وعندها، وبناء على تعريف المجموعة؛ يحلق الحلاق لنفسه، وهذا ما يجعله من المجموعة الأولى. وهذا تناقض. وإذا كان من المجموعة الأولى (من يحلقون لأنفسهم) فهو – حلاق القرية – يحلق لنفسه بما يجعله من المجموعة الثانية (الذين يحلق لهم حلاق القرية). وهذا أيضًا تناقض. والعبارة التي كان راسل يريدها من فتغنشتاين: «العالم يحوي على الأقل ثلاث دوائر»، تجعل العالم شيئًا في واقعة
ستكون بدورها محتواة في مجموع كل الوقائع التي تشكل العالم، وبهذا يكون العالم محتوى في نفسه، بما يعيدنا إلى التناقض الذي سبق لراسل أن اكتشفه. لهذا رفض فتغنشتاين أن يتحدث عن العالم باعتباره شيئًا، أي شيئًا يدخل في واقعة. وبهذا يمكن فهم اعتبار الكثير من الادعاءات حول «العالم»،
ادعاءات لا معنى لها، لأنها بجعلها العالم شيئًا، توقعنا في تناقض. اعتبر فتغنشتاين هذا التمييز هو البعد الأخلاقي الأهم في رسالته، مؤكدًا لناشر الرسالة أن أهمية الرسالة لا تكمن في ما تقوله، إنما في ما لا تقوله؛ في ما تشير إليه. فكما يظهر من الرسالة، فما يمكن قوله
(48) Wolfram Eilenberger, Zeit der Zauberer (Stuttgart: Klett–Cotta, 2019), pp. 90–93.
يصبح موضوعًا للعلم بوصفه تصويرًا للواقع، غير أن الموضوعات الوجودية الأساسية في حياتنا (مثل
المسائل الأخلاقية، معنى الحياة، مشاعرنا وغيرها) تبقى خارج ما يمكن قوله. هذه الملاحظة ميزت، أيضًا، فهم فتغنشتاين لما يمكن قوله عن فهم حلقة فيينا الوضعية التي احتفت بدورها بعمله بناءً على
سوء فهمٍ يعتبر أن كل ما لا يمكن قوله مجرد هذر يجب التخلص منه، وبهذا لا تبقى لنا سوى اللغة العلمية وتكون الفلسفة نوعًا من منطق العلم. 5. يقوم التمييز بين ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله على فهم الحقيقة بوصفها توافقًا Correspondence Truth of Theory. فقيمة الحقيقة التي تملكها صورة منطقية (عبارة لها معنى) تكمن في توافقها مع الواقعة التي تصفها. بهذا، يظهر أن كل ما يمكن قوله ليس إلا تصويرًا (وصفًا) للواقعة التي يصورها.
وبهذا، أيضًا، يكون العلم الطبيعي النموذج المثالي، واللغة العلمية هي اللغة المثالية لوصف الواقع. وغاية الرسالة الوصول إلى هذه اللغة المثالية. غير أن الانتقادات السابقة أظهرت أن العلم يتطور على نحو أكثر تعقيدًا مما تقدمه نظرية الصورة. فالعلاقة بين الأسماء التي تقدمها النظريات العلمية والأشياء التي تحيل إليها أكثر تعقيدًا من مجرد علاقة إحالة، وقبول النظريات أو رفضها، لا يمكن شرحه اعتمادًا
على مبدأ التحقيق وتصوره عن التحقق التجريبي. 6. رغم هذه الملاحظات، يبقى العلم وممارسوه ينطلقون من تصور الحقيقة بوصفها توافقًا، وأن نظرياتهم، على نحو ما، تخبرنا عن الواقع الذي تصفه، وأن حقيقة ما تخبرنا به هذه النظريات يعتمد على كيف هو العالم الذي تخبرنا عنه. هنا يمكن تقديم الملاحظة التالية: الحقيقة باعتبارها توافقًا هي فكرة ناظمة لتوجه اللغة إلى العالم في حالة العلوم الطبيعية. فكل نظرية (أو حتى براديغم) تقدم تصورًا عن كيفية انتظام الأشياء في وقائع، وانتظام الوقائع بعضها مع بعضها الآخر. وبهذا يمكن تقديم
فرضيات يمكن التحقق منها. قد تختلف أسماء الأشياء ومجالاتها المنطقية من نظرية إلى أخرى،
وما قد يكون شيئًا بسيطًا في نظرية يتحول في نظرية أخرى إلى شبكة معقدة من الأشياء. لكن هذا التباين في مفاتيح التفسير (مستعينين باقتراح ستنيوس) لن يغير في كون هذه النظريات تقدم صورًا
عن وقائع معتمدة على إمكانية التحقق التجريبي منها، ومن ثم يقوم صدقها على توافقها مع ما تصفه. فالأمران سيان، سواء تحدّثنا عن الأكسيجين أو عن الفلوجستين؛ إذ تقدّم كلتا النظريتين فرضيات يمكن اختبارها تجريبيًا، ومراجعة هذه الفرضيات وتطوير معجمها من المقولات النظرية في ضوء
الاختبار التجريبي الذي هو بدوره عملية قابلة دومًا للتوسيع وإعادة النظر. غير أن هذا كله يتم انطلاقًا
من فكرة ناظمة بصدد الحقيقة، فالحقيقة توافقٌ بين الصورة والواقعة. 7. نأتي إلى ما يمكن الإشارة إليه فقط، من دون إمكانية قوله. هنا تحضر التصورات الميتافيزيقية والأسئلة الوجودية، وغيرها، التي لا يمكنها قول شيء ذي معنى، لأنها لا تحيل إلى وقائع. إن هذه
الموضوعات التي لا يمكن أن نقول شيئًا بصددها ليست أحكامًا لها قيمةُ حقيقةٍ حيث تكون الحقيقة
توافقًا، إنما هي وجهة نظر تقدم «معنى» لحياتنا، نقطة استنادٍ ننظر منها إلى العالم. وباعتبارها وجهة نظر، فإنها وجهة نظر من وجهات نظر أخرى ممكنة. هنا، لا يمكن الحكم بين وجهات النظر على أساس توافقها مع العالم؛ الأمر الذي يحوّلها عندها إلى مشكلة زائفة، ما دامت لا تقول لنا شيئًا حول
وقائع العالم، إنما تقدم لنا الإطار الذي ننظر انطلاقًا منه إلى العالم. هي تمامًا مثل رسالة فتغنشتاين
نفسها؛ تقوم بالإشارة، لا بالقول. هنا، تظهر أسئلة نصوغها في لغتنا من دون أن يكون من الممكن الإجابة عنها داخل هذه اللغة، لأن موضوعها يقع خارج اللغة نفسها. تفتح هذه الأسئلة نافذةً من داخل لغتنا على ما هو خارجها، فلا تقول شيئًا عنه، ولكنها تشير إليه. يمكن النظر إلى ادعاءات الحقيقة التي تلزم من منظور الاتساق Truth of Theory Coherence. فلا يكون الادعاء صادقًا إلا إذا كان متسقًا مع باقي الادعاءات التي تشكّل وجهة النظر هذه. فالحقيقة هنا لا تحيل إلى توافق مع واقعة خارجية، إنما إلى اتساق متحقق داخل وجهة النظر نفسها. لهذا لا يمكن أن يفيدنا مفهوم الحقيقة، من حيث هو توافقٌ، في مقابلة وجهات نظر مختلفة، ما دمنا لا نملك معيارًا خارجيًا نحكم في ما بينها على أساسه (تحقق تجريبي مع الوقائع). هل العالم مادي؟ بالتأكيد لا يمكننا الحديث عن العالم بالإطلاق، ولا يمكن أن نعيّن شيئًا باسم «مادي»،
إنّ ادعاء أن العالم مادي لا يقدّم صورة لواقعة، إنما وجهة نظر، تصور ميتافيزيقي لما هو عليه العالم لا يمكن الحكم على حقيقته بفهم الحقيقة بوصفها توافقًا مع العالم. هذا الموقف وجهة نظر، وعلينا أن ننظر إلى باقي الادعاءات التي يقدمها انطلاقًا من اتساقها مع هذا الادعاء التأسيسي، لكن الاتساق لا يمكنه أن يقطع بصحة هذا التصور الميتافيزيقي مقابل تصور آخر مثالي. ولمّا كان الاختيار بين هذه الأنساق الميتافيزيقية، لا يمكن أن يكون مستندًا إلى معيار الحقيقة من حيث هو توافق (ما دام لا يخبر عن وقائع يمكن التحقق منها)، فإن الاختيار يقوم على قرار نأخذه. ربما يُبر ر القرار بالإحالة إلى العديد
من الأسباب، وقد يكون منها ما نعتبره معضلة أقل صعوبة من الأخرى، لكنه يبقى قرارًا يحيل إلى لحظة متعالية يتعذر تبريرها، ما دام موضوعها في النهاية يدخل في نطاق ما يمكن أن يُشار إليه فقط. 8. في عمله اللاحق بحوث فلسفية، تخلَّى فتغنشتاين عن تصوره للَّغة بوصفها صورةً للعالم، حيث تنحصر علاقة اللغة بالعالم في الوصف كما يظهر في الرسالة. فالجمل ذات المعنى لا تنحصر في الصور المنطقية للوقائع فقط، وفي هذا السياق تُذكر الحكاية التي جمعته مع صديقه الاقتصادي
الإيطالي بيرو سيرافا، حين طرح الأخير على فتغنشتاين سؤالً حول الصورة المنطقية لإشارة شائعة في إيطاليا تُستخدَم على سبيل الإهانة، حين يحكّ المرء أسفل ذقنه بظاهر أصابع يديه. تحول فتغنشتاين إلى تصور آخر للغة باعتبارها أداة، ويتحدد المعنى فيها عبر الاستعمال الذي تحكمه قواعد تنظمه في ما يسميه «ألعابًا لغوية». وبهذا انتقل فتغنشتاين من أفق اللغة المثالية التي حكمت الرسالة إلى اللغة العادية التي يندرج فيها عمله بحوث فلسفية. رغم التباين في تصور اللغة بين العملين، يبقى هناك رابط يصل بينهما. يندرج العملان في المنعرج اللغوي الذي ينطلق من ضرورة فحص اللغة وكيفية عملها لفحص المشاكل الفلسفية، ومن ثمّ يساهم
(49) Ludwig Wittgenstein, Philosophische Untersuchungen (Frankfurt am Main: Surkamp, 1984 [1953]). (50) Eilenberger, pp. 393–394.
العملان في تصور علاجي للفلسفة؛ إذ تقدم الفلسفة إشكاليات زائفة بسبب سوء استخدام اللغة، سواء أن تقول ما لا يمكن قوله – كما في الرسالة – أو لاستخدامها على غير قواعد الاستخدام التي تنظمها. فعوضًا عن التصوير شرطًا لما يمكن قوله، ننتقل إلى اللعبة اللغوية والقواعد التي تنظمها. هنا، يمكن أن نجد لعبة لغوية علمية، وأخرى دينية، وثالثة قانونية، وهلم جرًّا. لكل لعبة قواعد تنظمها؛ قواعد
تضبط استخدامنا للكلمات واستعمالاتها. لنأخذ مثلً مفهوم «الطبيعة»، يمكننا الحديث عنه في لعبة لغوية علمية مثل البيولوجيا، ونجده أيضًا في لعبة لغوية أخرى مثل القانون مع مفهوم الحق الطبيعي، وفي لعبة ثالثة هي اللغة اليومية. ينشأ سوء الفهم بإهدار سياق الألعاب اللغوية التي تحدد لنا معنى «الطبيعة» انطلاقًا من كيفية استخدامها؛ وذلك حين ندّعي أن مفهوم الطبيعة له معنى واحد علينا أن نجده في كل الألعاب اللغوية المختلفة. وبهذا ننقل المفهوم المستخدم في اللغة اليومية إلى البيولوجيا، والذي نراه في القانون إلى البيولوجيا، وهكذا تنشأ المشاكل الزائفة عن سوء استخدامنا للغة. فمثلما رأينا في النقاش السابق حول المشاكل المزيفة التي تنشأ مع التعامل مع العبارات الأخلاقية بوصفها «صورًا»، يمكن هنا أيضًا أن نشهد أمرًا مماثلً عند التعامل مع مفهوم أخلاقي ومعياري، مثل الحق
الطبيعي، انطلاقًا من مفهوم الطبيعية كما يفهمه البيولوجي. ولمّا كانت هناك حدود لما يمكن أن نقوله في الرسالة، وهي حدود اللغة، كان ثمة حدود لما يمكن قوله
أيضًا في بحوث فلسفية، وهي حدود اللعبة اللغوية. لنفكر مثلً باللعبة اللغوية العلمية، هنا نستخدم اللغة لتقديم وصفٍ للعالم، وصف يستند إلى القوانين السببية. تبدأ مشكلة عند طرح سؤال مثل: لماذا على اللغة العلمية أن تتوافق مع العالم الذي تصفه؟ وهو سؤال حول أصل القواعد الناظمة للعبة نفسها وتبريرها. لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال من داخل اللعبة نفسها، وحتى محاولة صياغته بلغة علمية – استنادًا إلى علم النفس التطوري والعلوم الإدراكية – لن تحل القضية؛ لأن هذه العلوم تفترض التوافق بين معجمها وموضوعها الذي هو القدرات الإدراكية، فالمطابقة بين اللغة الواصفة والموضوع (حتى لو كان هذا الموضوع وعينا) هو من الشروط الخارجية التي تجعل اللعبة أصلً ممكنة. وهو ما ينطبق أيضًا على مسألة السببية بوصفها شكل القانون الطبيعي، وليست موضوعًا للعلم لجهة البرهان أو الاكتشاف. فتوجه اللغة إلى العالم أو «السببية» هي شروط (قواعد) اللعبة اللغوية العلمية، وليست موضوعًا لها. وفي اللحظة التي نجعل منها موضوعًا للعبة نفسها، نقع في برهان دائري، ونختلق مشكلة مزيفة. وبالعودة إلى الرسالة، فإن هذا مما يمكن أن نشير إليه، ولكن لا نقوله، لا نقوله في هذه اللعبة. تشكل المقاربة العلاجية ومركزية اللغة والحاجة الملحّة والدائمة إلى فحصها، شرطًا لتفادي المشاكل
المزيفة، ومعها رسم الحدود بين ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله، بين ما يمكن قوله بمعنى وما ليس إلا نتاج سوء استخدام للغة الرابط المستمر بينالرسالة وبحوث فلسفية، رغم التباين في التصور المقدم حول طبيعة اللغة. وهنا يمكن الدفاع عن مقاربة استمرارية بين العملين، باعتبار أن الرسالة تصور لنا العلاقة بين العالم واللغة في إطار لعبة لغوية يحكمها مفهوم الحقيقة من حيث هو توافق كفكرة ناظمة، في حين تقدم لنا البحوث تصورًا أوسع حول الألعاب اللغوية والقواعد التي تنظمها، والتي يجب أن تندرج في النهاية في تصور اتساقي. ففي كل الألعاب، لا يمكن أن نفكر على نحو
غير منطقي. وفي النهاية، نحن نتحدث ونستخدم اللغة انطلاقًا من مواقع متباينة؛ نستخدمها لحاجات مختلفة، أن نخبر عن الأشياء، ولكن أيضًا أن نفعل بها أشياء، نستخدمها على نحو وصفي وكذلك معياري. تنتظم هذه المواقع المختلفة في قواعد متباينة وتصورات مختلفة للحقيقة، تصورات ليست متناقضة، إنما ببساطة تصورات مختلفة تستجيب لأنماط مختلفة من الكلام. وهذا ما يفتح ساحة للممايزة بين مفهومي الحقيقة والمعنى اللذين ظهرا على نحو وثيق الصلة، بل حتى تبادلي فيالرسالة. ومن جهة أخرى يوسع معنى الحقيقة ولا يقصره على تصور توافق أو اتساقي، فالحقيقة باعتبارها فكرة ناظمة تؤدي أدوارًا مختلفة في أنماط كلام مختلفة. يمكن النظر إلى الرسالة كأنها تقدم لنا الإطار المثالي للعبة اللغوية العلمية، حيث تكون اللغة وصفًا للعالم. ومن جهة أخرى ترسم لنا حدود ما يمكن أن نقوله، حدود هذه اللغة وما يمكنها قوله، حدود ما يمكن أن نشير إليها. العلم يجيب فعلً عن جميع الأسئلة التي يمكن الإجابة عنها، لكن ليست جميع الأسئلة يمكن الإجابة عنها، وتلك التي نعجز عن الإجابة عنها هي الأسئلة الأكثر إلحاحًا ومركزية، لكن – لنتذكر – يمكن أن نشير إليها؛ إذ إن الإجابة عنها، كما نجيب عن غيرها، تخلق مشاكل مزيفة. إن الكلام حول هذه الأسئلة يستدعي نمطًا آخر للكلام لا يقوم على الحقيقة من حيث هي توافق، إنما على الإشارة والحقيقة من حيث هي اتساق، نمط يتأسس على إدراكنا عدمَ وجود أساس نهائي نحتكم إليه فلا ننتظر إجابة يستحيل تقديمها. وبهذا تبقى الوصية الأهم والباقية: ما لا يمكننا الكلام عليه، يجب أن نصمت عنه.
References
المراجع
العربية
إسلام، عزمي. لدڤيج ڤيتجنشتين. القاهرة: دار المعارف،.1967 بوبر، كارل. منطق الكشف العلمي. ترجمة ماهر عبد القادر محمد علي. بيروت: دار النهضة العربية،
رضا، علي (مترجم). «لودفيج فيتجنشتاين – موسوعة ستانفورد للفلسفة». موقع حكمة..2018/6/24
في: uuSrEo /3 ly. bit:// https
كون، توماس. بنية الثورات العلمية. ترجمة شوقي جلال. سلسلة عالم المعرفة 168. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1992 منتصر، عبد الحليم. أثر العرب والإسلام في النهضة الأوروبية. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،
(51) Wittgenstein, Tractatus , § 7.
الأجنبية
Eilenberger, Wolfram. Zeit der Zauberer. Stuttgart: Klett–Cotta, 2019. Feyerabend, Paul. Against Method. London: Verso, 2010 [1975]. Frege, Gottlob. "Über Sinn und Bedeutung." Zeitschrift für Philosophie und philosophische Kritik. no. 100 (1892). at: https://bit.ly/3ue1Ccm Jackson, Frank. "Epiphenomenal Qualia." The Philosophical Quarterly. vol. 32, no. 127 (April 1982). McDowell, John. Geist und Welt. Thomas Blume, Holm Bräuer & Georgy Klass (trans). Frankfurt am Main: Suhrkamp, 2012. Putnam, Hilary. Mind, Language and Reality. Cambridge: Cambridge University Press,
Quine, Willard van Orman. From a Logical Point of View. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1980. Sellars, Wilfrid. Empiricism and the Philosophy of Mind. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1997. Stenius, Erik. Wittgensteins Traktat. Wilhelm Bader (trans). Frankfurt am Main: Surkamp, 1969. Wittgenstein, Ludwig. Philosophische Untersuchungen. Frankfurt am Main: Surkamp,
________. Tractatus Logico–Philosophicus. Frankfurt am Main: Surkamp, 1984 [1921]