Return to Article Details The Language of Identity and Learning in Politics and Economics: A Cohesive, Pluralist, and Diverse Model

لُغة الهُويّة والتعلّم بين السياسة والاقتصاد نموذج تماسكي تنوّعي وتعدّدي

The Language of Identity and Learning in Politics and Economics: A Cohesive, Pluralist, and Diverse Model

عبد القادر الفاسي الفهري

Abdelkader Fassi Fehri

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في التشكّل التاريخيّ والاجتماعيّ لأزمة اللغة في المغرب العربيّ، والتي ساهمت فيها سياساتٌ لغويّة لنخب سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ وأدبيّةٍ وفكريّةٍ فرانكفونيّة، وعزّزتها أيضًا تشريعات دستورية تقرّ بازدواجية اللسان المغربيّ، لتصبح العربية لغة الشارع والفرنسية لغة النخبة والمصلحة والقرار. ويركّز البحث على دور سياسات اللغة في تشكيل خريطة القوى السياسيّة والاجتماعيّة في المغرب، وإنتاج جماعات مصالح وضغط أعادت إنتاج ا الّ تكافؤ وأعادت توزيع مقدّرات القوى والسلطة، وهو الأمر الذي سمح لجماعة لغويّة أخرى هي " الأمازيغية " بحجزِ موقعٍ لها في الدستور الجديد.

Abstract

According to the author of this study, Morocco's language crisis was brought about by the linguistic policies of Francophone political, economic, literary, and intellectual elites. Additionally, the crisis was intensified by constitutional provisions for bilingualism in Morocco, whereby Arabic became the language of the street and French the language of the elite, interests, and decision-making. This study focuses on the role of language policies in forming the map of political and social forces in Morocco and the production of interest and pressure groups that reproduced inequality and redistributed capacity and authority, which allowed another language community, Tamazight, to obtain recognition in the new constitution.

الكلمات المفتاحية:
  • التعلم
  • العدالة الاجتماعية
  • تشريعات دستورية
  • المغرب العربي
  • الهوية
Keywords:
  • Identity
  • Education
  • Constitutional Laws
  • Social Justice

نموذج تماسكي تنوّعي وتعدّدي

تبحث هذه الدراسة في التشكّل التاريخيّ والاجتماعيّ لأزمة اللغة في المغرب العربيّ، والتي

ساهمت فيها سياساتٌ لغويّة لنخب سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ وأدبيّةٍ وفكريّةٍ فرانكفونيّة، وعزّزتها أيضًا

تشريعات دستورية تقرّ بازدواجية اللسان المغربيّ، لتصبح العربية لغة الشارع والفرنسية لغة النخبة

والمصلحة والقرار. ويركّز البحث على دور سياسات اللغة في تشكيل خريطة القوى السياسيّة

والاجتماعيّة في المغرب، وإنتاج جماعات مصالح وضغط أعادت إنتاج ا الّ تكافؤ وأعادت توزيع

مقدّرات القوى والسلطة، وهو الأمر الذي سمح لجماعة لغويّة أخرى هي " الأمازيغية " بحجزِ

موقعٍ لها في الدستور الجديد.

في إطار لسانيٍّ مجتمعيٍّ/ سياسيٍّ/ اقتصاديٍّ، تهدف الورقة إلى تحديد العلاقة المتينة بين لغة التعلّم

ولسان الهُويّة؛ وذلك من خلال النّظر في الأبعاد المتعدّدة للمسألة، والطبيعة الشموليّة للحلول، حتى

حين يبدو الأمر متعلقًا بما هو تعليميٌّ محضٌ، مثل طرق التّدريس المتقادمة أو النّصوص والأنشطة اللّغوية

غير الجذّابة بالنّسبة إلى المتعلّم... إلخ. فالمشكل التّعليمي قد لا يكون إال انعكاسًا لاختيارات لغويةٍ أساسها

سياسيٌّ؛ وهي تخدم مصلحة نظام سياسيٍّ معنيّ، غالبًا ما تغيب فيه علاقة التّعاقد بين الحاكم والمحكوم (أو

الدّيمقراطية). وقد يكون أساس تلك الاختيارات اللغويّة اقتصاديًّا؛ إذ تتحكّم فيه مصلحةُ فئةٍ اجتماعيّةٍ

مهيمنةٍ، تستفيد من وضعها ودورها اللّغوي والاقتصادي لاحتكار الثّروة والامتيازات المادّية والرّمزية،

وذلك على حساب عموم الشّعب، وضدّ العدالة الاجتماعية واللغوية. وتمثّل دراسة الوضع اللّغوي في المغرب العربي حالةً جديرةً بالبحث والاهتمام. ذلك أهنّا تب كيف أنّ التّبعية

اللّغوية الحاليّة للنّخب السّياسية والاقتصادية والفكرية والأدبية، تلك التي تقف حاجزًا في وجه التحرّر

والسّيادة والاعتزاز بالهُويّة، وتمارس الحجْر اللغوي على الشعب، وتمانع إشراكه في القرار؛ قد أدخل التّعليم

والتّكوين والبحث العلمي في دوّامةٍ متواترةٍ من الإخفاقات والاختلالات. ولم ينفع مع تلك الإخفاقات أيّ

مخطّطٍ لإصلاح التعليم العمومي، وإيقاف الهدر المدرسي، والحدّ من فشل المنظومة والخريجين، وإيجاد لغة

مُبيَّأَة وطنية ترفد التواصل والرقي، ويلتحِم بها لسان الحاكم والمحكوم، أو النّخبة الفكرية والأدبية وعموم

الشعب. وما يزيدُ دراسة هذه الحالة إثارةً، هو أنّ اللغةَ المهيمنة في المغرب العربي، ليست هي لغة العلم

والأعمال والتّواصل العالميّة: اللغة الإنكليزية؛ بل إهنّا اللّغة الفرنسية، التي تقاوم في عقر دارها من أجل البقاء،

بعد أن فقدت دورها كلغةٍ عالميّةٍ في المجالات المذكورة. ويتجاهل الفرنكفونيون أنّ الاندماج في الكونيّة، قد

يمرّ عبر قطبيّةٍ متعدِّدةٍ؛ تمثِّل فيها العربيّة إحدى خمس لغات كبرى قويّةٍ وندّيةٍ، تتجاذب التّواصل والتّبادل

العالمينّي. وتحتمُّ علينا أهمية الاعتبارات الاقتصادية- اللّغوية -إضافةً إلى الأبعاد الأخرى- بناء نموذج تدبير لغوي

- سياسيٍّ- اقتصاديٍّ من نوعٍ جديدٍ؛ من شأنه أن يحتسب فوائد التمّاسك والتنوّع والتعدّد، والمصالح المعرفية

والتّواصلية والاقتصادية والثّقافية للمواطنين، بمختلف مواصفاتهم وفئاتهم. وهو ما يسَوِّغ الاختيارات

الدّيمقراطية (التي تقيم الثّقة والاحترام بين الحاكم والمحكوم)، والعدالة اللّغوية (التي تنصف المواطنين في

حقوقهم اللّغوية). ولأنّ العناية بالعربية مطلبٌ جماهيري، علاوةً على الاعتبارات الأخرى؛ فلا حمَ يد عن أن

تصبح العربية لسان الدّيمقراطية والاقتصاد والتّعليم، ومختلف المرافق والموادّ، مدعومةً في ذلك بلغات التنوّع

والتعدّد. مفردات - مفاتيح: دمقرطة لغوية، نموذج تماسكيّ تنوّعي تعدّدي، حجْر لغوي، لغة تعلُّم، تعلم لغات، بيئة

لغوية، سياسة لغوية، لا جدوى، تفكيك تماسك، لغة أقلية، لغة عمل، لغة عولمة، قطبية لغوية، سوق لغوي،

اقتصاد لغوي، تقييم سياسة لغوية، تجريد أو حرمان لغوي، تواصل، تبادل، سلعة جماعية، دخل، خير، ربح،

خسارة، حركية، تعددية لغوية، تنوّع لغوي، مواطنة متعددة الثقافة، حقوق وعدالة لغوية، وحدة.

أولا: سياسة لغويّة غير ديمقراطيّة وغير مجدية

الرسمية المتعددة، تغييب القانون، وكبح الشّرعية الشّعبية

من المفروض أنّ ترسيم لغةٍ ما في الدّستور، يُكسِبها وضعًا قانونيًا يحميها، ويكفل لها الاستعمال في مختلف

الإدارات والمؤسّسات ونواحي الحياة العامة. وكان يُنتظر أن تقترن مخط طات التّعريب منذ الاستقلال

- مدعومةً في ذلك برسميّة اللّغة العربية في الدّستور (بصيغةٍ أحاديةٍ-) بنهوضٍ شامل لها، يضمن للّغة

الوطنية الرسمية أن تقوم بمختلف وظائف التعليم ونشر المعرفة والتواصل والإعلام والإشهار... إلخ. غير

1  عن الطرح العامّ لعلاقة اللّغة بالسلطة وبالمال، انظر:

Pierre Bourdieu, Langage et Pouvoir Symbolique (Paris: Fayard, 2001). &: Francois Grin, "Economic Considerations in Language Policy", In: Thomas Ricento (ed.), An Introduction in Language Policy (Oxford: Blackwell, 2006), pp. 77-94.

وعن الوضع في المغرب والعالم العربي، راجع:

الفاسي الفهري. عبد القادر، أزمة اللغة العربية في المغرب بين اختلالات التعددية وتعثرات الترجمة (الرّباط: منشورات زاوية،.)2005

وللكاتب نفسه: اللّغة والبيئة: أسئلة متراكمة (الرّباط: منشورات زاوية، -2003.)2007

وكذلك:

Reem Bassiouney, Arabic Sociolinguistics: Topics in Diglossia, Gender, Identity, and Politics (Eidinburgh: Eidinburgh University Press; Washington: Georgetown University, 2009).

أنّ واقع الوضع خالف هذا. وما فتئت وظائف اللّغة العربيّة تتآكلُ وتتقلّص في التّعليم، وفي الحياة العامّة؛

حتّى أصبحت مهدّدةً بالزّوال، بعد أن انزلقت الدولة تدريجيًا إلى رسميّة شبه ثلاثيّةٍ، تدعم الفرنسية وتعمل

على إضعاف العربية. لقد عاش المغربُ في الخمسين سنةً الموالية للاستقلالرسميةً لغويّةً مزدوجة: رسمية بحكم القانون (jure de)

في الدّستور والتشريعات، وهمّت اللّغة العربية؛ ورسمية في الواقع والممارسة (facto de) حظيت بها اللّغة

الفرنسية، فهيمنت على أساس كونها لغةَ تعليم النّخب، ولغة الأعمال والاقتصاد، ولغة الإعلام والتّواصل

النّافذة عند أصحاب القرار، ولغة الأدب الراقي... إلخ. ومنذ تموز / يوليو 2011، أضاف الدستور الجديد

رسميّةً ثالثةً قانونيّةً للأمازيغيّة (البربريّة)؛ من شأنها أن تقوّي أكثر رسميّة الفرنسية على أرض الواقع، وتسهّل

تنفيذ الخطط التي هُيِّئت لإعادة انفراد الفرنسيّة بتعليم المواد العلمية والتقنية في التعليم التأهيلي والعالي، بصفةٍ

حصريّةٍ. لقد وقفميثاق الرتّبية والتّكوينفي المغرب عام 1999 على بعضٍ من أسس الاختيارات اللّغوية، ومستنداتها

السّياسية والاقتصادية والحقوقية، واقترح تشريعات وقوانين من أجل ترجمة هذه الاختيارات على أرض

الواقع. غير أنّ الدّولة تدخّلت سلبًا، لكي لا يقع تطبيق التوجّهات الواردة في الميثاق، وأوقفت تطبيق قانون

إقامة أكاديميّة اللّغة العربيّة الذي صدر في عام 2003. فالدولةُ لا تتوانى عن تعطيل تطبيقِقانون لغويٍّ

صادر، حين يُشتمُّ منه تعارضٌ مع توجّهاتها الخفية، التي تتنافى مع ما اختاره الشّعب أو ممثلوه. إنّ تعارض

القوانين والدّساتير اللّغوية مع الممارسة؛ هو إحدى ملامح السياسة اللغوية في المغرب العربي. والشعب لا

يُستفتَى في أموره اللّغوية. وحتّى إن وقع الاستفتاء، وتُرجم في قوانين؛ فإهنّا لا تُطبَّق. وبعد صدور الدّستور الجديد، الذي يعقّد الوضع أكثر ممّا هو عليه، وترسيم البربريّة (الأمازيغيّة) إلى جانب

العربية (مع عدم استيفائها الشروط الدُّنيا للرتّ سيم)؛ تُعطَى الفرنسيّة فرصًا أكبر لتتقوّى رسميّتُها الفعلية، على

حساب اللغات الوطنية والمحلية، التي يحتدُّ الرصّاع بينها. وهكذا يتبين أنّ اختيارات الشّعب، بل وقوانينه،

كانت تجري في وادٍ غير الذي تجري فيه اختيارات النّخب وممارساتها؛ التي وإن لم تحظ بالشّعبية، فإهنّا هي التي

تحدّدُ فعالً مصير اللغة على أرض الواقع. وبدراسة الحالة المغربية؛ نبتغي النّظر في النتائج المترتّبة عن هيمنة

اللّغة الأجنبية في التعليم (والحياة العامة)، على حساب ألسن اله ويّة، وفي طليعتها اللغة العربية. كما نسعى

إلى تبنيّ انعكاساتها السياسية السلبية؛ وخصوصًا في مجال الدّيمقراطية، واحترام القانون والحقوق اللّغوية

للمواطنين. إنّ عدمَ احترام الدستور والقانون؛ يترجِمُ ابتعاد الحكّام عن منهج الدّيمقراطية أوالً، ويمثّل ثانيًا تدخالً

(سلبيًا) من أجل إيقاف مسيرة انتشار اللّغة العربيّة والنّهوض بها في المستوى المطلوب، وذلك في سبيل أن

تصبح لسان التّحديث والتّنمية والتّقدم. كما يشك ل ذلك ضربًا للعناية بعلماء العربيّة وتأهيلهم وجمع كلمتهم

في مؤسّسةٍ تعتمدُ البحث العلمي والتربوي، ومواكبة المستجدات في كل الميادين.

2  بخصوص شروط الديمقراطة اللغوية، ورفع الحجر اللغوي على المواطنين؛ انظر: الفاسي الفهري عبد القادر، " الثورة اللّغوية القادمة

في المغرب "، جريدة الاتحاد الاشتراكي، 2011 /04 /26. وللكاتب نفسه: " الفرنكفونيّة: الرشد اللغوي واختلالات التعليم والتنمية "،

في: عبد الإله بلقزيز، الفرنكفونيّة (بيروت: منشورات مركز دراسات الوحدة العربية،2011)؛ و " الديمقراطية اللغوية المأمولة في

المغرب "، جريدة الاتحاد الاشتراكي، 2011/06/06؛ و: لغة وأمّة، الرّباط (قيد النشر.)

النخب والجمعيات ذات النفوذ تكرّس الانفصام اللغوي الهوّي

يمكن القول إنّ لغةَ تعليم النخب في المغرب (داخله وخارجه)؛ قد مثّلت أساس الانفصام الهوّي

اللّغوي / الثّقافي والط بقي في المجتمع المغربي، وأساس الاستثمار الفرنسي في تعليم النخبة المغربية. تلك النّخبة

التي أصبحت تحرصُ كلّ الحرص على نشر اللّغة والثقافة الفرنسيّتنيْ، وما يترتّبُ على ذلك من توابع وأرباح

اقتصاديةٍ وسياسيةٍ. فاللّغةُ الفرنسية في المغرب يرادُ لها أن تصبح حصريًا لغةَ النفوذ السياسي والاقتصادي

والأدبي، ولغة الطبقة الحاكمة / المتحك مة. وفي المقابل؛ يُراد للّغة العربية) كما هو وضعها الآن (أن تكون لغة

الطبقة الكادحة أو " المتخلّفة "، التي لا تكادُ تطمحُ إلى الارتقاء المجتمعي. وقد زاد هذا الانفصام حدّةً مع حكم

العهد الجديد، وخصوصًا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وأحداث الدّار البيضاء الإرهابيّة عام

2003؛ حين قرن بعضُ الجامعييّن الفرنسييّن التطرّفَ بالإسلام واللّغة العربية. فجارت السلطات هذا المنطق

حسبما يبدو، وعملت على تقوية الفرنسية في مختلف المرافق، مع محاربة العربيّة وتهميشها. ومعلومٌ أنّه يجري

تكوين النّخبة المغربيّة المسريّة في المدارس الفرنسيّة (مدارس البعثات)؛ تلك التي لا تمنعُ الطفلَ من الحديث

بغير الفرنسية في المدرسة في سنٍّ مبكِّرةٍ فحسب، بل تطلبُ منه أن يتحدّث الفرنسيةَ في بيته ومع والديه،

بذريعة تقوية لغته. وهو بذلك يُفرنس والديه، فيتحوّل الحديثُ معهما ومع غيرهما من الأقارب والمعارف

إلى لغة موليير. يمتدُّ هذا " الفَطْم اللغوي المُبكر " طوال سنوات الدّراسة في البلد، إلى أن يلج التلميذُ مدارسَ

المهندسين والجامعات في فرنسا من أجل الدراسات العليا. وبعد استكمال التّكوين بموادّ فرنسية، وثقافة

فرنسية؛ يعود المهندس أو الإطار العلمي ليحتلّ مناصب عُليا في بلده، ويستمرُّ في مساره اللّغوي بالفرنسية،

ولا شيء في الدولة أو في الممارسة يحثّه على العودة إلى لغته الأمّ. وهناك من يتكوّن في التعليم العامّ باللّغتين

العربية والفرنسية، ثم يلتحقُ بالمدارس العليا الفرنسية، فيُفْط م لغويًّا كذلك، وإن متأخرًا. وتمثّل شبكات

مهندسي المدارس العُليا، والجمعيّات المدنيّة والنّوادي الأدبية... إلخ، إلى جانب الإعلام والإشهار المُفَرْنَسنَيْ،

والبنوك (المصارف) والشركات ودور الأعمال... إلخ؛ محيطات وفضاءات يمُارس فيها المغربي " لغته " وثقافته

ومرجعيّاته الفرنسية، دون أن يُضَايَق. بل على العكس من ذلك، إذ يُنظَر إليه نظرةً دونيّةً إن هو تكلّم بلغته،

ولو بالعاميّة، وهو لا يلجأ إلى الثقافة العربيّة ومرجعيّتها إالّ في الأمور الفلكلوريّة. لقد تكوّنت لوبيّات وممارسات لُغويّة تَدعم الفرنسية بحكم أهنّا لغةٌ للتّواصل وللثّقافة؛ وذلك لطلب الشّغل،

وللارتقاء في السُلَّم الاجتماعي. ولم تواز تلك لوبيّاتٌ وممارساتٌ لُغويّةٌ ثقافيةٌ تدعم اللغة العربيّة، وتتيح فرصًا

لمتكلّميها أو المكوَّنين بها. بل إنّ هيمنةَ النّخبة الفرنكفونيّة على الفرص؛ قد دفعت بأبناء الشّعب إلى محاكاة

أبناء الأعيان في سلوكهم اللُّغوي المغترِب، حتّى وإن كانت الفرص لا تُتاح باللّغة فقط. ومع ذلك، يظلّ

الانشغال بإتقان الفرنسية، وهجر العربية، سلوكًا منتشرًا عند عامّة الشعب؛ ممّا يُعقّد الوصول إلى حلول. ومن

الملاحظ أنّ ك من دعاة التّمزيغ ودعاة استعمال العاميّة، يشتركون في أنّ سلوكهم فرنكفونيٌّ بالأساس؛ ممّا

يضيفُ انفصامات وازدواجيّات أخرى، من شأنها أن تجعل الشّعارات في واد، والممارسة في وادٍ آخر. ويُضاف

أخيرًا إلى هذا الوضع المزدوَج لدعاة التّعريب، غياب نخبة مُعَرِّبَةً فاعلةٍ ذات نفوذٍ ومرجعيةٍ في العهد الجديد

(على غرار ما حدث مع الروّاد أمثال: عالّ ل الفاسي، أو المكّي الناصري، أو المختار السّوسي، أو عبد الهادي

بوطالب... إلخ)، وندرة أو ضعف الجمعيات التي تدعم العربية في المجتمع وتحميها، مقارنة بعدد جمعيّات

3  انظر في ما يخصّ هذا الاتهام:

Pierre Vermeren, " Langue et Violence au Maghreb ", Le Journal Hebdomadaire , No. 116, 2003.

دعم البربريّة (التي فاقت 600 جمعيّةً)، أو الجمعيات التي تدعم الفرنكفونيّة، أو الدّارجة المغربيّة، بصفةٍ

مباشرةٍ أو غير مباشرةٍ.

اللّغة الفصيحة في بيئة العداء والحروب اللّغوية

هناك ثلاث حركات مُعاديةٍ للّغة العربيّة الفصيحة في المغرب، أصلها كولونياليٌّ بالأساس. وهي تتّفقُ جميعًا على

عداء اللّغة العربية الفصيحة، والكيْد لها، والمطالبة بتقليص وظائفها في التعليم، بل ونبذها منه. ويشكِّك دُعاة

الفرنكفونية - وهم الأكثر نفوذ- في حيويّة العربيّة وعصريّتها بالأساس؛ ناسبين الحيويّة إلى العاميّات العربيّة ا

والأمازيغية، والعصرية والتقنية والعلميّة إلى الفرنسيّة. وهم يدّعون أنّ لغة التواصل الفاعلة هي الفرنسية

أيضًا. أمّا الحركةُ البربريّة المتطرّفة، فتنازع العربية شرعيتها التّاريخية، أو ق دمها على أرض المغرب. وهي

تشكِّك في حيويّتها، وشعبيتها، ورمزيتها. وتنازعها بالخصوصِ في دورها الهوِّي والتمّاسكي (Cohesive)؛

مدّعيةً أنّ أغلبية السكّان هي ذات هُويّة وإثنيةٍ غير عربيّتنيْ، وأن الاندماج في التّعريب هو بمثابة النّبذ اللّغوي

(Linguicide)... إلخ. وتُرج ع الحركة الدّاعية إلى العاميّة كلّ اختلالات التعليم، إلى الازدواجية اللّغوية

العربية (Diglossia). وهي تنفي عن اللّغة الفصيحة صفة اللّغة الأمّ، وتطمح إلى الحلول محلّ الفصيحة في

التّعليم. وهكذا تجدُ اللّغة العربية الفصيحة نفسها حمُ اصرةً من جهات عديدةٍ، لا تمثل حقيقة مواقف الشّعب

الإيجابيّة تجاه العربية، ولا تمثّل رأي الأغلبية الفعليّة. لكنّها مع ذلك جهات مؤثِّرةٌ، بما لها من وسائل مادّيةٍ

ودعم من جهات داخليّةٍ وخارجيّةٍ؛ بل من الدّولة نفسها، التي تجدُ في هذا التشتّت والتّنابز اللّغوي الهوّي

فرصةً لتمرير سياستها اللغوية التي أكثرها خفِيٌّ، وأقلّها معلَنٌ. ويجب أن نذكر هنا ما تتعرّض له الدّولة

نفسها من ضغوطٍ خارجيّةٍ، خصوصًا من جانب الأساتذة والخبراء الفرنسييّن الذين يقيمون باستمرار في

المغرب، ويذودون عن الفرنسيّة. والسّياسة اللّغوية التي يرتؤونها للمغرب، تفيد إجماال، بأنّ الفرنسيّة هي لغة

العلم والأعمال والجاه للمغاربة، وأنّ العاميّة والبربرية هي لغات المدرسة في موادّها غير العلمية!. وإضافة

إلى تلك الضّغوط نذكر السياسة الثّقافية، والتوجهات الاقتصادية والسياسية المرتبطة بإقرار اللغة الفرنسية

في هذه الوظائف. ولا بدَّ من التّذكير هنا بالآليات والشبكات ونوعية الخطابات التي يوظفها الأكاديميون

الفرنسيون، وما يتول د عنها من خطابات ومن سلوك تبعيّةٍ لدى النخب المغربية المفرنَسة. ويزدادُ وضع اللّغة

العربيّة سوءًا بعد أن قرّرت الدّولة إيقاف مشروع إرساء أكاديميّةٍ لخدمة اللّغة العربية والنهوض بها؛ وذلك

على الرّغم من صدور قانونها المنظّم، وإقرارها في ميثاق التربية والتكوين عام 1999. وفي مقابل هذا، أنشأت

الدّولة بظهير ملَكيٍّ المعهدَ الملَكيَّ للثّقافة الأمازيغية، الذي يشتغلُ على إيجاد الأدوات لتعليمها ونشرها، منذ

عام 2001. وفي الوقت نفسه هناك تشجيعٌ للجمعيّات التي تدعو إلى التلهيج المفرط. ويتكاثر عدد هذه

الجمعيات يومًا بعد يوم، بدعم داخليٍّ وخارجيٍّ. وأخيرًا، هناك تراجعٌ في تطبيق موادّ الميثاق المتعل قة بإقامة

تعدّدٍ لغويٍّ فعليٍّ؛ من شأنه أن يضمن للّغة العربية بقاءها ونهوضها، وأن يعطي أهميةً لتعلم الإنكليزية / لغة

العلم العالمية، وأن يزيل بيئة التلوث اللغوي والحروب اللغوية التي لا تصلحُ لأيّ تعليم ناجح للّغات، وأن

يؤهِّل علماء العربية والمدرسين بها لخدمتها كلغةٍ والحرص على مصالح مستعمليها.

4  عن علاقة التعليم بالنّخب، وخصوصًا عن فرنسة النّخب، انظر:

Abdelkader Fassi Fehri, " L’élite, les croisés-linguistes et les langues ", Libération, 24/08/2010.

وعن تحكم فرنسا في تكوين النّخب وانتقائها الطبقي، انظر:

Pierre Vermeren, École, Élite et pouvoir au Maroc et en Tunisie au XXe siècle (Rabat: Alizés, 2002)

وعن رهانات الفرنكفونية في المغرب، انظر وقائع أعمال مؤتمر:

Les Nouveaux Enjeux de la Francophonie au Maroc (Rabat: Ambassade de France, 2001). 5  Fassi Fehri, " L’élite, les Croisés-Linguistes et les Langues ", Op.cit.

ثانيًا: نماذج تدبير الشّؤون اللغوية بين الأحادية والتعددية

لمعالجة إشكالات الازدواجية الفصيحة / العامية، والثنائية العربية / البربرية، وموقع اللغات الأجنبية في

التعليم، وتحسين بيئة تعلم اللغات والتعليم بها؛ نرى أن نماذج السياسة اللغوية (شبه) الأحادية (التي تتبنّاها

الدولة خفيةً أو علنًا) هي غير مجدية لتجاوز الاختلالات اللغوية في التعليم. وجوهر هذه النماذج هو أن تتفرّد

الفرنسية بالتكوين العلمي / التّقني، والفكري / الأدبي المتميِّز للنّخبة النّافذة، وأن تقتسم ما يُعدّ هامشيًا

في التكوين (التكوين الديني والثقافي الأدبي العام) مع لغات اله ويّة. وهي لغاتٌ يُنظرُ إليها على أهنّا متعدّدة

ومتنوعة وفسيفسائية، لا يجمع بينها جامعٌ. بل إنّ المجال يتُرك لها للتنازع والتنابز، ولضرب من " الفوضى

ا الخّقة ". هذا الاختيار ا الّ شعبي، على حساب لغة (أو لغات) الهُويّة؛ لم ينجحْ في حلّ مشكلة التعليم، وكذلك

لم تنجح النماذجُ شبه الأحادية في اتجاه لغة الهُويّة (مثل نموذج التعريب الشامل، الذي تبنّته الحركة الوطنية؛

والذي يهدف إلى أن تصبح اللغة العربية لغة التعليم شبه الوحيدة في مختلف المراحل، وذلك دون أن تُعطي

أهميةً كبيرةً للتّعلّم باللّغات الأجنبية المتقدمة أو للتنوع الهوّي المعقول.) وبدالً من هذا، نرومُ استكشافَنموذج ذي أبعاد لغوية ثلاثة، يتكاملُ فيه التماسك والتنوع والتعدد؛ بحيث

يُعطي أهميةً كبيرةً للغة العربية في التعليم، وتصبحُ لغة التعليم الشاملة، في التعليم الأساسي الإجباري، وفي

التعليم التأهيلي والعالي، لكنها تتركّبُ في مجزوءات أو مكوّنات (Modules) متفاعلة مع لغتين أجنبيتين

داعمتين في التعليم التأهيلي والعالي، بحسب اختيارات الطالب وقدراته، وبحسب التخصص الذي يلجه.

ويتيح هذا النموذج كذلك دورًا مهامً للغة (أو لغات) الهُويّة غير العربية؛ إذ يمكن اقتراح مجزوءات لغويّةٍ

ذات هُويّة مركَّبةٍ، عربيّةٍ وأمازيغيّة مثالً، تهدف إلى الحفاظ على هُويّة الأقلية وهُويّة الأغلبية في الوقت نفسه.

أو بعبارةٍ أخرى، نريد استكشاف نماذج تعدّدية لعلاج المشاكل اللغوية الداخلية، الناجمة عن هويات لغويةٍ

متعدّدةٍ (متصارعةٍ)؛ قد يكون الحلّ فيها التركيب (Composition)، وليس الذّوبان أو الاندماج المطلق

(Integration). على ذلك النّحو، تقع تلبية الحاجة إلى الاختلاف والتنوع (Diversity) من جهة، والحاجة

إلى التوحّد والتماسك (Cohesion) في المجتمع الواحد الذي تتعايش فيه أطرافٌ مُتباينةٌ متمايزةٌ. وتمثّل بعض

بنود ميثاق التربية والتكوين المغربي ترجمةً أولى لهذا النموذج المركّب والمتعدّد والمتنوّع (وإن أ حبطت عند

التطبيق)؛ ذاك النّموذج الذي يمكن أن يطوَّر في إطار الإقرار بالتعدّد الثّقافي (Multiculturalism)، والتعدّد

اللّغوي (Multilingualism)، المحكومنيْ بالتمّاسك المجتمعي. وتكون إحدى مزايا هذه النمّاذج التّعددية هو

أهنّا تحرص على التمّاسك والوحدة، وتسمح -في الوقت نفسه- بهامش من التفرّد المعقول والمشروع في إطار

تعدّديٍّ تنوّعيٍّ وطنيٍّ. وهذه النمّاذج تُقرُّ بأهمية لغة اله ويّة / اللّغة العربية في التّعليم والرتّبية؛ لكنّها تقبل بأن

تترك دورًا مه ومقبوالً للغات الأجنبية في مجالات الاختصاص والتقانة، تأكيدًا للاندماج في الكونية. وذلك

دون أن تُغيَّب اللّغة العربية عن هذه المجالات، أو تُقصىَ منها، بل يُؤكَّد دورها في الفضاءات الكونية. وما يميّز

هذه النماذج، هو أهنّا تراكميّةٌ إغنائيةٌ تماسكيّةٌ تضامنيّةٌ؛ وذلك في مقابل النمّاذج البتريّة الم فْقِرة التي تشجّعها

الدولة ضمنًا أو علنًا، واللّوبيات التي تروم نبذ اللّغة العربية.

6  عن بعض النماذج التعددية التي تجاري هذا الطرح، انظر:

Will Kymlicka, Multicultural Odysseys: Navigating the New International Politics of Diversity (Oxford: Oxford University Press, 2007). &: William Smalley, Linguistc Diversity and National Unity (Chicago: The University of Chicago Press, 1994). &: Jeffrey Reitz et al., Multiculturalism and Social Cohesion: Potentials and Challenges of Diversity (London: Springer, 2009).

اللسان العربي الجامع وموقعه في النّظام اللّغوي العالمي

تؤكّد المعطيات الإحصائية والممارسة اللغوية على أنّ المغاربةَ موحَّدون بواسطة اللّسان العربي بسجالّته

وأساليبه الفصيحة والعاميّة والمتوسّطة (Arabic Middle). ويجري التّداول الدّيمقراطي والتّواصل الفعلي

مع مختلف طبقات الشعب بهذا اللّسان المتنوع، ولا يتعذّرُ التواصل به إال لدى نسبةٍ محدودةٍ جدًّا من المغاربة

-قد لا تتجاوز 5 - 10 في المئة- ناطقةٍ بالأمازيغية وحدها في المناطق النّائية المهمَّشة. فاللّسانُ العربيُّ فعالً

يجمعُنا، وهذه ليست دعوةً قوميةً، وإنمّا هي إقرارٌ بواقعٍ، وإنصافٌ للمواطن المغربي في لسانه. وإذا كان المغربيُّ

اليوم عربيَّ اللّسان أوالً؛ فإنّه لا يشكّك في أمازيغيّة لسان كثير من المغاربة. وهي أمازيغيّةٌ ليست أحاديّةً؛ بل

هي مركّبة مع العربيّة عند الأغلبية السّاحقة للمغاربة. وإذا عدنا إلى الوظيفة الموحّدة والجامعة للسان العربي في المغرب؛ فإن قيمتها الدّاخلية تتراكمُ وتتزايدُ بالنّظر إلى

قيمتها التراكميّة والتّواصلية الجامعة في المنطقة. وهي تتزايد في المغرب العربي أوالً، حيث اللّسانُ العربي لسان

الأغلبية الغالبة، وتتضاءل نسب الناطقين بالأمازيغية من المغرب إلى ليبيا عبر الجزائر وتونس. كما تتزايد في

المنطقة العربية ثانيًا، التي يُوحّدُها اللسان العربي كذلك. فاللّسانُ العربيُّ لسانٌ بيْنيٌّ جامعٌ في المنطقة العربية،

ولهذه الصفة فوائد مادية ورمزية لم تقدَّر بعدُ من الناحية الاقتصادية، ومن النواحي التّعليمية والرّمزية... إلخ.

واللسان العربي (بتنوّعاته)، هو لسانٌ قطبيٌّ مرشَّحٌ لأنْ يحتلّ الرتبة الخامسة من حيث الاستعمال والأهمية في

تقانات التواصل الحديثة، وفي التواصل العالمي. وهو قويٌّ بعدديّته، وبالنّزعة التصاعدية في استعماله دوليًا،

مقارنةً بالنّزعة النّزوليّة للفرنسيّة، بل وحتّى الإنكليزية. وإنّ نزْع صفة التّوحيد والجمع عن هذا اللّسان، هي

أهمّ مشاغل أعدائه في المغرب والمشرق، ولدى الاستعمار القديم والجديد، ولدى إسرائيل -بدءًا بالجنرال ليوطي

في المغرب، ومرورًا بالحركات التدريجية الداعية لفصل العامية عن الفُصحى- أو الحركات المعادية الأخرى. ومن المفارقات التي طوّرها النقاش اللّغوي العدائي في المغرب، أنّ اللّسانَ العربيَّ ليس لسان الاقتصاد، ولا

لسان التّواصل؛ بل الفرنسيّة هي ذلك اللّسان، وهي كذلك لسان الفرص في الشغل. وقد عملت الحركات

الفرنكفونية -وساعدتها في ذلك الدولة-ُ على فرض هذه المزاعم على أرض الواقع. غير أنّ هذا الرأي ليس

رأي الشّعب المغربيِّ أوالً، ثم أنه لا أحد برهن على الفوائد الاقتصادية الجماعية لاختيار الفرنسية لهذه الوظائف

الامتيازية. بل إنّ المؤ ات العامّة تدلُّ على أنّ اللُّغة العربيّة، هي اللُّغة ذات الفوائد الاقتصادية والتّواصلية

على أرضها، وإن كان هذا لا يتنافى ودعمها بل غات أخرى، وفي طليعتها الإنكليزية، أو اللُّغات الأوروبية

الثلّاث، كما أقرَّ ذلك الأوروبيون أنفسهم، مع الإبقاء على تميِّز الإنكليزية.

التنوّع، والعدالة اللّغوية، والوحدة، والدّولة الحديثة

يجد التنوّع اللّغوي الثقافي سندًا له على أرض الواقع؛ إذ أنّ جُلَّ المجتمعات متعدِّدةٌ لغويًا وثقافيًا، بالرجوع

إلى التكوين التاريخي الحركي للشعوب والهويات، واتصال اللغات والثقافات نتيجة وجودها على وطن

7  في عام 2004، وبحسب إحصاء السكّان للمندوبيّة السامية للتخطيط (التقرير الوطني)؛ ينطق حوالى 90 % ان (من خمسمن السكّ

سنوات وأكثر) بالعامية المغربية، وهي لسان عربي، وينطق ما يقرب من %60 من السكّان بالفصحى ويكتبونها. وأمّا الناطقون بالسوسية

الشلحية، فيبلغون حوالى %15، ويبلغ المتكلّمون بالأمازيغية (في الأطلس) حوالى %9، والرّيفية حوالى %5؛ وهو ما يعني أنّ ثلث السكان

على الأكثر هم الناطقون بالأمازيغية. وتنصّ إحصاءات علماء الإثنولوجيا على وجود 7.5 مليون متكلّم بالأمازيغية في المغرب عام

8  David Graddo., The Future of English? (London: British Council. 1997); &: Francois Grin, " Why Multilingualism is Affordable? ", Seminario sobre Lingua, Sociedade i Política en Galicia, Santiago de Compostela, 4 May 2010.

واحدٍ وأرضٍ واحدةٍ، أو التقاءها فيهما بفعل موجات الهجرة والتنقل. وقد زاد ذلك بالخصوص في عصر

العولمة؛ الذي تقوّت فيه شبكات هجرة تتجاوز الحدود الوطنية. وقامت فيه حركاتٌ اجتماعيةٌ جديدةٌ؛

تجمّعت حول اللّغة أو الإثنيّة أو الدين، وأصبحت تطالب بالإدماج التام والعادل في المجتمع، مع الاعتراف

بخصوصياتها الهويّاتية في الفضاء العمومي، منتقدةً التلّازم المُقام بين الوحدة السياسية والأحادية الثقافية.

فالمطلوب، هو إقامة حوْكمةٍ سياسيّةٍ معقولة للتنوع الثقافي، تنبذ الأحادية المبنية على الذوبان في بوتقةٍ واحدةٍ.

وهو شرطٌ لا بدَّ منه في النّموذج التّقليدي للأمّة - الدّولة، تحت شعار " أمّةٍ واحدةٍ -دولة واحدة- لغةٍ

واحدةٍ". كما يُمثّل ذلك النموذج الجاكوبيني الفرنسي، أو النّموذج الألماني الرّومانسي. فهذا النّموذج / الط راز

للدّيمقراطيات الحديثة، قد سايرته عمومًا الدول العربية الحديثة، والحركات التحرّرية العربية؛ إذ أدارت

وجهها إلى الاعتراف بالأقليات (الكردية والبربرية مثال). يتعلق الأمر إذن، بتحويل الدولة الدّيمقراطية

الحديثة لتتلاءم مع بروز أنظمة حقوق الإنسان الدولية. تلك الأنظمة التي اهتزّت معها (حسبما يبدو) شرعية

بنية الأمة- الدولة التقليدية، لاسيمّا بظهور حلبات صراعٍ اجتماعيةٍ جديدةٍ، ودفاتر مطالب ثقافية جديدة،

تتطلّب الاعتراف بالاختلاف، وبالحقوق الفردية والجماعية للأقليات، وذلك درءًا للمُنازعة والانفصال.

فإذا كانت الحداثة السياسية قد ارتبطت بمفهوم الأمة- الدولة، باعتبارها بنيةً مؤسّسيةً، بتراب محدَّدٍ ومجتمعٍ

مندَمج ومغلقٍاجتماعيًا وثقافيًا؛ فإنّ هذا التصوّر أصبح إشكاليًا، بعد أن تبنيّ أنّ السِّمة البارزة لهذا النموذج

هي التلازم الهيكلي بين التنظيم السياسي والهُويّة الجماعية، وأنّ ذلك التلّازم مرتبطٌ بالدّسترة والدّمقرطة

وحقوق الإنسان. لقد ارتبطت السّيادة الشعبية في الثورة الفرنسية، باستقلال الدولة والتقرير الذاتي الوطني؛ جاعلةً من حقوق

الإنسان حقوق مواطنَةٍ مرتبطة بالهُويّة الوطنية. وفي إطار هذا الترابط بين الدولة والهُويّة الوطنية؛ جرى إقرار

المواطنَة بوصفها مقياسًا. وقُصد بها أنّ هناك قواعد وعلائق مؤسسيّة تُنظّم كيفية إدماج الأفراد في الدولة،

وتوفير حقوقهم عبرها، وإدماجهم رمزيًا فيها؛ وهو ما أدّى إلى انسجام ثقافيٍ وطنيٍّ. وفي هذا التصوّر، اعترُبِ ت

مطالبة الأقليّات بالاعتراف بها تهديدًا لاستقرار الدولة والتماسك الوطني. غير أنّ النّزاعات حول التنوع

الثقافي مبنيّةٌ على التّشكيك في أنّ الدّولة الواحدة منسجمةٌ ثقافيًّا. ويبدو أنّ سياسات الاستيعاب صارت لا

مشروعةً على المستوى القطري والدولي، وظهرت الحاجة إلى استجابات سياسيةٍ تعدّديةٍ، وتشريعات ضد

الميز، وخططٍ هادفةٍ إلى حماية الأقليات، وتبنّي سياسات تعدّدٍ ثقافيٍّ(Multiculturalism)؛ مثلما حصل في

كندا وأستراليا والسويد وجنوب أفريقيا والهند... إلخ، أو ديمقراطيات متعدّدة الأمم؛ مثلما حصل في بلجيكا

وسويسرا... إلخ. ومن شأن هذا التّفكيك لترابط الدولة واله ويّة الوطنية، أن يُؤدّي إلى ضرورة إعادة طرح

مفاهيم مثل الدّسترة والدّمقرطة وحقوق الإنسان؛ وذلك في إطار ديمقراطيّات سياسيّة جديدةٍ هي عبارة عن

" مجرات بعد وطنية " (constellations postnational)، كما ورد لدى هابرماس. وفي هذه النمّاذج السّياسيّة

الجديدة " للاعتراف الثّقافي "، أو " المواطنة متعدّدة الثّقافة " (Citizenship Multicultural)؛ يُطرح إشكالان: الأوّل منهما، كيف يُمكن التّوفيق بين الاعتراف بالحقوق الثّقافية، وإعادة إنتاج الثقة والتضامن الضرورينّي

لتأكيد الاختيار الدّيمقراطي؟

9  Matthias Koening & Paul de Guchteneire, "The Political Governance of Cultural Diversity", In: Democracy and Human Rights in Multicultural Societies (Paris: Unesco, 2007), pp. 3- 17. 10  Jürgen Habermas, The Postnational Constellation (Cambridge: The MIT Press , 2001).

الثاني، كيف يُمكن التوفيق بين الاعتراف بجماعات أقليّات، وبين مفهوم حقوق الإنسان الذي يركِّز على

حقوق الشّخص الفرد؟ وبعبارةٍ أخرى، هل يمكن أن توفِّق المقتضيات الدّستورية بين مختلف الحقوق الجماعية للجماعات وحكمهم

لأنفسهم، وبين الحقوق الفردية للأفراد التي تسمح لهم بالاندماج في الوحدة السياسية الكبرى؟ ثمّ كيف

يمكن الحلول دون تغلُّب دينامية بعض الجماعات وحركيّتها على حقوق جماعات أخرى داخل الوطن، أو

على أفراده؟ وبعبارة أخرى، كيف تضمن الدّيمقراطية أالّ تختلَّ الموازين من جديدٍ لصالح جماعةٍ ضدّ أخرى،

أو ضد أفرادٍ؟ إنّ هذه الأقلّيات، قد تفرض على الأغلبيّة حلوالً تهدّدُ حقوقها، أو جتُرّدها منها؛ بحكم قوتّها

التّنظيميّة. هذا مع أنّ المفروض، هو أن تحمي الدّولة أغلبيّتها. نجد ما يمثل هذا السيناريو في المغرب؛ حيث توجد أقلّيةٌ أمازيغيّة (من بين الأمازيغ) تستعملُ حركاتها

المتطرّفة وسائلَ الابتزاز والضّغط والتّحريض، من أجل فرض خططها، ومحاولة تفكيك تماسك الوطن

لصالح مزاعمها الأسطوريّة. والمدخل القويّ للاعتراف بحقوق الأقلّيات هو العدالة اللّغوية (والثّقافية)،

مقرونةً بالعدالة السّياسية والاقتصادية... إلخ. هناك حججٌ غالبًا ما تُوظّف في الدّفاع عن التعدّدية اللّغوية المفتوحة على كلّ اللّغات، أو الاعتراض عليها.

ومن أهمّها: الحُجّة الأخلاقية: ويتداوهلُا المحامون ومنظّرو السّياسة واللّسانيون المجتمعيّون. فإذا ما عورضت

التعدّدية على أساس أهنّا لا تستحقّ أن تكون هدفًا مجتمعيًا، أو سياسةً مجديةً؛ فإنّ الحُجّة الأخلاقيّة،

المبنيّة على الحقوق (حقوق الإنسان)، قد تُثني عن فعل ذلك. حُجّة الجدوى: حتى إن اعتبُرت التعدّدية صحيحةً أخلاقيًّا، وتبنّاها الخطاب السياسي والقانوني؛ فقد

تُرفَض بحكم الجدوى وقوانين الدّينامية اللّغوية، التي تجعل المجهودات المبذولة من أجل المحافظة على

التنوّع اللّغوي غير فاعلةٍ، بسبب أنّ بعض اللُّغات مآلها الموت على كلّ حال. حُجة إتلاف موارد نادرة: ومفادها أنّ رصد موارد نادرة لدعم التنوّع اللُّغوي؛ هو بمنزلة إنفاقٍ في غير

محلّه. والأَولْى أن يتّجه إلى الصحّة، أو النّقل، أو التّعليم؛ بمعنى أنّ الاعتراض يُسائل نجاعة الرّصد.

التوزيع العادل: ويتعلّق بمدى اقتسام عبء المصاريف التي يتطلّبُها دعم التنوع اللُّغوي بصفةٍ عادلةٍ.

وقد يُرفض التعدّد لأنّه يؤدّي إلى إعادة توزيعٍ لا مبرِّر له.

يدحض Grin كلّ هذه الحجج، وينتهي إلى أنّ التّعدّدية هي أكثر فائدةً، وهي ذات كلفةٍ غير مرتفعةٍ. في المقابل، هناك اعتراضاتٌ على التعدّدية الم فرطة، يطرحها أساسًا مشكل التّواصل بأقلّ كلفةٍ، كما أثار ذلك

11 عن الكوكبة بعد- الوطنية، انظر: المرجع السابق.

وعن المواطنة المتعددة ثقافيًّا، انظر:

Will Kymlicka, Multicultural Citizenship (Oxford: Clarendon Press, 1995).

12  عن العدالة اللغوية، انظر:

Philippe Van Paris., " Linguistic Justice ", In: Will Kymlicka & Alan Patten (eds.), Language Rights and Political Theory (Oxford: Oxford University Press, 2003) pp. 153-168.

جونز ودي سوان وهناك حركيّةٌ للُّغات، بحكم النموّ الدّيمغرافي والتّكنولوجيا مثلما رأى أندرسون.

ويمكن تعميم المنطق على الحالة العربية، أخذ ا بعين الاعتبار أهمّية اللّغة العربيّة التواصلية. وتبدو النمّاذج

التّعددية القائمة على مؤِّ الحرمان أو التّجريد -علاوةً على افتراضات واختيارات تكميليّةٍ- أكثر فائدةً في

الوصول إلى بناء نموذج عربيٍّ (أو مغربيٍّ) معقول، متعدّدٍ ومتنوّعٍ، لكنّه متماسكٌ.

لا يمكن لأحدٍ أن يشكّكَ جدّيًا في أنّ الأمازيغيّة ثقافةٌ ولغةٌ ساهمت، ولاتزال، في تماسك المغرب

الثّقافي / اللّغوي. فالأمازيغيّة وحّدتنا ومازالت توحِّدنا. ولا يمكن لها أن تفرّقنا أو تشطر ذاتنا، أو تجعلنا

ننفصل وندخل في حروب أهليّةٍ؛ كما يريده لها دعاة استعمال الأمازيغيّة والفرنكفونيون والإسرائيليون.

ولا يمكن للأمازيغيّة أن تنازعنا في عروبتنا وإسلامنا، كما عربّ ت عن ذلك صناديق الاقتراع مؤخّرًا، حين

رشّحت حكومةً إسلاميّةً هويّاتيةً بالأساس، جمعَت " حزب العدالة والتّنمية " و " حزب الاستقلال " بصفتهما

أغلبيّةً فيها. كان الإطار المناسب لتدبير التّمزيغ اللّغوي هو الجهويّة، لكون اللّسان الأمازيغي المتنوّع لا توحّده على

أرض الواقع سِماتٌ مشتركةٌ (على الرغم من أنّ المعهد الملكي للثّقافة الأمازيغيّة قد سعى إلى إقامة هذه اللغة

المشتركة؛ فإنّ قبولها كلغة معيرة، أو قبول حرف تفناغ لكتابتها، يحتاجُ إلى استفتاء الشعب في أمر توحيد اللّغة

بهذه الطريقة). بل إنّ الأمازيغية تجدُ تربةً طبيعيّةً لها في الجهات؛ وذلك بالنّظر إلى المقياس الرتّابي (الإقليمي)

(criterion territorial)، ووجود ثلاث لهجات أساسية مختلفةٍ ومتنوِّعةٍ: الريفيّة في الرّيف والشمّال، والشّلحية

السّوسية في منطقة سوس والجنوب، والأمازيغيّة في منطقة الأطلس المتوسط. غير أنّ الدّولة اخت ذت قرارًا على

أعلى مستوى عام 2001، كان من شأنه أن جعلها لغةً وطنيّةً ممتدّةً على كافة الرتّاب الوطني. وأعلن أهنّا ملكٌ

للمغاربة جميعًا، وقرّر تدبير شؤونها على كافة الرتّاب. هذا على الرّغم من أنّ المغاربة -وحتّى الأمازيغ منهم- لم

يرُشَْكوا في تحديد الهُويّة الأمازيغية؛ وأن التّدبير الترابي المحدود في الجهة، لا يأخذ بمبدإ التدبير الوطني، المبنيّ

على المعيرة والتّوحيد. وهو ما قد يؤول إلى انفصام وازدواجيّة جديديْن، بين اللّسان الشّعبي المنطوق المتنوّع

واللّسان المعير الموحَّد. ولا يعارض المغاربة الإقرار بوطنيّة الأمازيغيّة اللّغوية، ولا دسترتها، كما عربّ ت عن

ذلك أغلبيتهم في الدستور الجديد؛ بل إهنّم منشغلون بمسألة عدم إشراكهم في القرارات، وبموضوع التّمييز

العرقي والعنصري ضدّ العروبة من جهةٍ، والإسلام من جهةٍ أخرى، وهما ركيزتان أساسيّتان في توحيد

المغاربة، وفي تاريخهم وثقافتهم. ويريد المحرِّضون في الحركات المناصرة لاستعمال الأمازيغيّة والحركات

الفرنكفونية وتلك المناصرة لاستعمال العاميّة، العبث بهاتنيْ الرّكيزتنيْ. ولئن كان الدّستور المغربي الجديد، قد أقرَّ رسميّة الأمازيغية؛ فإنّ الانتقال إلى الصّيغ المقبولة في التّطبيق، يحتاج

إلى عقول متعاونةٍ يمكن أن تتوافق حول خطّةٍ تماسكيةٍ تنوّعيةٍفي إطار المجلس الوطني للّغات والثّقافات،

الذي أقرّه الدستور الجديد. ويكون ذلك بعد أن يوافق الشعب على الاختيارات المطروحة.

13  Eric Jones, "The Case for a Shared World Language", In: Mark Casson et al. (eds.), Cultural Factors in Economic Growth (Berlin: Verlag, 2000), pp. 210- 234; &: Abram De Swaan, "La Constellation Mondiale des Langues", Terminogramme, No. 99- 100 (2001), pp. 47-69; &: De Swaan, Words of the world (Cambridge: Polity Press, 2001). 14  Benedict Anderson, Imagined Communities (London: Verso, 1991).

15  عن أهم الإشكالات اللغوية المطروحة في المغرب؛ انظر كتابات الفاسي الفهري. عبد القادر التالية: " اللّغة العربية في المغرب إلى

أين؟ "، محاضرة ألقيت بالمكتبة الوطنيّة (الرباط، 2009)، ومقاله:

"L’élite, les Croisés-Linguistes et les Langues ", Op.cit

و: فؤاد بوعلي، النّقاش اللُّغويّ والتّعديل الدّستوريّ في المغرب (الدوحة -بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)؛

ومصباح. محمد، الأمازيغية في المغرب: جدل الداخل والخارج (الدوحة- بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2011

لغة التعدّد والعوْلمة

قد يدفعُ النزوع إلى الاختلاف، والتنوّع والتعدّد المُفرِط، إلى الاعتراف بما يقرب من 7000 عالميًّا، ودسترتها لغةٍ.

وهو ما يؤدّي إلى كلفةٍ اقتصاديةٍ وتواصليّةٍ (مجتمعيّةٍ) وتعليميّةٍ باهظةٍ في بعض البلدان أو الاحتّادات. وقد

يدفع الانشغال بتخفيض الكلفة إلى تقليص عدد اللّغات إلى واحدةٍ، أو إلى مجموعةٍ محدودةٍ من اللّغات،

بحسب المعايير المعتمَدة. ولا بدَّ من التّساؤل عن الحلّ الم رضي الذي يحدُّ من الكلفة الاقتصاديّة والسّياسية

في اختيار عدد اللُّغات. وبالفعل، فقد انشغلت دراساتٌ عدةٌ بمعالجة مشكل لغة العولمة، أو اللُّغة / اللُّغات

" الحرّة المشتركة " (Franca Lingua)، أو لغة العلم العالمية... إلخ، وبما يحتاجه العالم من هذه اللّغات. ويدافع غرين عن تعدّديةٍ لُغويةٍ مفتوحةٍ على كلّ اللّغات، حتى لو كانت اللغة ذات عدديّةٍ محدودةٍ جدًّا، أو

لغةَ أقليّةٍ. ويرتكزُ برنامجه عمومًا على تحويل ما هو حقوقي في الدفاع عن التنوع أو التعدّد اللّغوي (أو ما هو

" صحيح أخلاقيًّا ") ليصير مُربحًا اقتصاديًّا. وهو يزعمُ أنّ التّعددية ليست هي الصواب أخلاقيًّا فحسب؛ بل

هي قابلةٌ للتّحقيق تقنيًّا. وهي تستحقُّ المجهود والكلفةَ، التي هي منخفضةٌ بحسب رأيه، خلافًا لما يُعتقد.

لكنّ غرين يعي أنّ دفاعه الاقتصاديّ عن التنوّع المفرط ليس كافيًا، وهو يلجأ إلى مؤرشّ ات غير ماديّةٍ مثل

التنوّع البيئي / البيولوجي (Biodiversity)، واعتبار التنوع اللّغوي جزءًا منه؛ ممّا يجعل التنوّع اللّغوي " خيرًا

عموميًا " (Good Public)، ويجعل تدخل الدولة ضروريًّا لحمايته. ولا ندري كيف يمكن أن يوفّق غرين بين

تطوّر اللُّغات وحركيّتها، وبين ميلاد لغات جديدةٍ تحلُّ محلّ الصيغ القديمة للّغات...إلخ. وقد تكون المقارنة

بالأحياء في غير محلِّها. وهناك اعتراضاتٌ أخرى على التعدّدية المُفرطة، يطرحها مشكل التواصل بأقلّ كلفةٍ،

كما أثارها جونز ودي سوان. كما تط رح مسألة حركيّة اللُّغات بحكم النموّ الدّيمغرافي والتكنولوجيا؛ تلك

التي أثارها أندرسون وآخرون عند خوضهم في قضيّة حيويّة اللّغات... إلخ. وبصفة عامّةٍ، فإنّ استدلال

غرين على إمكان قيام تعدّديةٍ (مُفرطةٍ) بكلفةٍ اقتصاديةٍ مقبولةٍ؛ ينحصر أساسًا في حالة مؤسسات الاتحاد

الأوروبي. ولا يمكن له أن يُعمَّم بفائدة كبيرةٍ على الحالة العربيّة (والمغربية على وجه الخصوص)؛ إالّ ببناء

سيناريوهات عربيّةٍ، تأخذ بعين الاعتبار الإشكالات الأساسيّة المطروحة. وتبدو النمّاذج التعدّدية القائمة على

مؤشر الحرمان أو التّجريد، علاوةً على افتراضات واختيارات تكميليّة، أكثر فائدةً في الوصول إلى بناء نموذج

عربيٍّ (أو مغربيٍّ) معقول، متعدّدٍ ومتنوّعٍ، لكنّه متماسكٌ. يدافع جونز مثالً، عن الحاجة إلى لغةٍ عالميّةٍ مشتركةٍ واحدةٍ، الإنكليزيّة بالتّحديد، ضدّ السياسات الحمائيّة

للّغات. ويبني استدلالَه على أنّ اللُّغة متغ ةٌ عارضة (Contingent)، وكذلك الثقافة التي ترتبط بها، وأنّ عدد

16  عن الدراسات التي سلّطت الضّوء على عدد اللغات الذي نحتاج إليها، انظر بحوث كلٍّ من: Weber و Ginsburgh المذكورة

في قائمة المراجع، وبالخصوص:

Ginsburgh & Weber, How Many Languages do We Need ? The Economics of Linguistic Diversity (Princeton and Oxford: Princeton University Press, 2010). 17  Francois Grin, "Why Multilingualism is Affordable", Op.cit. 18  Francois Grin, " Coûts et Justice Linguistique dans l’Élargissement de l’Union Européenne ", Panoramiques, N 69 (2004), pp. 97- 104. 19  Eric Jones, "The Case for a Shared World Language", Op. cit; &: Abram De Swaan, "La Constellation Mondiale des Langues, Op. Cit.; &: De Swaan, Words of the world, Op.cit. 20  Benedict Anderson, Imagined Communities, Op.cit. 21  Eric Jones, "The Case for a Shared World Language", Op. cit.

اللّغات في تقلّصٍ متزايدٍ (من 10000 إلى 15000 لغة في العهود الغابرة إلى حوالي 6500 لغةً الآن)، وأن

هناك لغات تموت، أو تتحوّل، ولغات جديدة تظهر. والأمر نفسه بالنّسبة إلى الثّقافات، خلافًا للذين ينظرون

إلى الثقافة على أهنّا قارّة ثابتة. وليس اختيار لغة مشرتَكةٍ أمرًا قسريًا؛ بل هو قرارٌ حرٌّ لمستعملي اللُّغة الذين

يريدون الوصول إلى خزّان كبير من المعلومات تحمله اللُّغة، وبأيسر السبل، بحيث تكون اللُّغة " مفتوحة "

أو ميسرّة. والاختيار يقرِّره أيضًا السّوق، وخصوصًا سوق التّبادل، والتّجارة... إلخ، وبكلفةٍ زهيدةٍ. وأمّا

الذين يريدون حماية لغتهم من اللّغة المشرتَكة (مثل الفرنسييّن، خلافًا للألمان)، أو حماية لغة أقليّةٍ من لغة أغلبيةٍ

وطنيّةٍ بكلفةٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ باهظةٍ؛ فإهنّم جيُدّفون ضدّ تيار التاريخ، الذي يحكمه التبادل التجاري على

الخصوص. وأما الذين يعتمدون على مقاربات غير اقتصادية لوظائف اللغة؛ فهم يخاطرون بمصالح الناس

الذين يعتمدون عليهم. صحيحٌ أنّ اللّغة المشرتَ كة ليست ضروريّةً وكافيةً ليقوم السلّام (كما يدل على ذلك مثال

صربيا وكرواتيا)؛ غير أنّ الفروق الل غوية تجعل التواصل صعبًا، والجروح أكبر. ثم إنّ النّاسَ أحرارٌ في اختيار

لغةٍ مشتركةٍ منتشرةٍ، وليس في هذا محاربة للتنوع؛ بل إنه اختيارٌ عمليٌّ نفعيٌّ مبنيٌّ على الواقع المفتوح، ويتنافى

والحواجز والانغلاق. ويستغرب جونز دفاع بطرس غالي -الأمين العامّ للمنظمة الفرنكفونية (آنذاك-) عن

الفرنسيّة التي يدعو إلى أن تصبح " وسيلةً للدّفاع عن التنوّع الثقافي ". " فإذا ما تكلّم الجميع لغةً واحدة،ً[...]

فإننا نتعرض لأن يصبح لنا، عالميًا، نظامٌ فاشيٌّ؛ بل إنّ التنوّع الثقافي والتعدد الثقافي يمثلّان الجودة الفعلية

للتراث الإنساني ". ويضيف جونز، استنادًا إلى أبحاث ديكسون (Dixon)، أنّ اللّغات ليست متساويةً كما

يعتقد اللّسانيون عادةً؛ بل إهنّا تختلف في درجات تعقيدها، وأدواتها المتوفّرة فعال. فالإنكليزيّة مثالً، تتوفّر لها

مفرداتٌ تساوي ثلاثة أضعاف مفردات الفرنسية أو الألمانية، وكما تتوفّر لها أوسع قاعدةٍ أدبيةٍ، ولها امتيازاتٌ

في الإنترنت نظرًا إلى عدد مستعمليها... إلخ. وإذا كان الدّفاع عن الل غات الوطنية، أو لغة الأقليّات ضمن

الحقوق اللّغوية أو الثّقافية؛ فإنّ أكبر حق -في نظر جونز- هو إمكان الاتّصال بأوسع جماعةٍ لغويّةٍ. لن يسعفنا المجال للخوض في وضع الإنكليزية بوصفها لغة العولمة (Global)، وفي العلاقات الممكنة سياسيًا

بين هذا المفهوم ومفهوم التنوّع أو الوطنية، ولا إلى الإجابة عن سؤال: هل العولمة الل غوية " إمبريالية لغوية "،

أم هيمنةٌ، أم هي لا تتجاوز كونها لسانًا مشرتَكًا حرًّا (franca Lingua)؟ وما وضع هذه المفاهيم داخل

النظرية الليبرالية مثالً؟.. والواقع أنّ الإنكليزية منتشرةٌ وموظَّفةٌ بشكل جعل غرادول (Gradoll) يتنبّأ بأن

عدد متكلّميها سيرتفع إلى ثلث سكان الأرض مع حلول عام 2015 (أي ما يزيد على مليارين). وتماشيًا

مع تقرير غرادول عن مستقبل اللُّغات والنظام اللغوي العالمي المرتقب؛ يمكن التفاؤل بأنّ العولْمة ستُفرز

أكثر من قطب لغويٍّ على الأرجح، وسيكون متمركزًا حول الل غات الكُبرى التي ستصبح مع منتصف القرن

الحادي والعشرين (2050): الصّينية، والهنديّة / الأرديّة، والإنكليزية، والإسبانية، والعربيّة. وستفقد

الفرنسية مكانها ضمن اللُّغات الكبرى؛ بعد أن كانت تنافس الإنكليزية في هذا الوضع.

22  Loc. cit. 23  Ibid, p. 216.

24  عن الإشكالات التي تطرحها عولمة الإنكليزية، انظر:

Peter Yves, "Global English: Linguistic Imperialism or Practical Lingua Franca?", Studies in Language & Capitalism, No. 1 (2006), pp. 121-141.

25  David Graddol, The Future of English? (London: British Council. 1997).

ثالثًا: اللُّغة والاقتصاد

• اللّغة والشّغل (أو الأجر.) • الدّينامية (أو الحركية اللغوية.) • اللّغة والنشاط والتبادل الاقتصادي. تقليص عدد لغات التواصل، أو العمل، أو التعلّم اقترانًا بالكلفة. تخفيض مؤرشّ الحرمان اللّغوي (أو تلافيه)، وتقويم السّياسة اللّغوية. الدخل، والحركية، والنشاط الاقتصادي

العربي، فنشهد طلبًا على الفرنسية أكثر من الإنكليزية (وكذلك العربية.)

غرين مثل، من أنّه للُِغات الأقليات مكانها في الاقتصاد.

26 نجد أعماالً سابقةً تثير مسألة أهمية الاعتبارات الاقتصادية، انظر على سبيل المثال:

27 انظر على سبيل المثال:

Grin, "Economic Considerations in Language Policy", Op. Cit., pp. 77-94.

إذا كان الخطاب السياسي التقليدي حول اللّغة، قد ركّز على الجانب القانوني (الداعي إلى الاعتراف بالحقوق

اللغوية في المحيطات المختلفة)، والجانب الثقافي (بحكم أنّ اللُّغات تمظهُراتٌ لثقافات متمايزةٍ؛ وهو ما يستدعي

القيام بإجراءات تتعلّق بتطوير اللغة وآدابها، ونشرها واستعمالها)، والجانب التعليمي / التربوي (المتركّز حول

إنجاح التعلّم باللُّغة وتطوير أدواته ومناهجه)؛ فإنّ الجانب الاقتصاديغالبًا ما أُهمل في تحديد التوجّهات

اللُّغوية، لأنّ التمثّل التّقليدي للموادّ، لم يولِهذه العلاقة الاهتمام الضروري. كما أنّ المختصيّن في اللّغة، لم

ينتبهوا إلى أنّ ما يخوضون فيه من إشكالات حول وضع اللّغة ومتنها، له تبعات اقتصادية. ويحدّدُ غرين

اقتصاد اللّغة بأنّه: " حيُيل على أنموذج للاقتصاد النّظري، ويستعمل مفاهيم وأدوات علم الاقتصاد في دراسة

العلائق التي تسمُ المتغريّ -لا حصرًا- ات اللُّغوية. وهو يركز أساسًا على تلك العلائق التي تؤدّي المتغ ات

الاقتصادية دورًا فيها ". ومن بين التوجّهات والمحاور العريضة للبحث في الاقتصاد اللغوي، نذكر:

من بين حمُدّدات الدّخل أو الأجر، مقابل العمل أو الشّغل؛ المهاراتُ اللّغويةُ الأولى أو الثانية، التي تتوفّر

للعامل (أو المورد البشري)، إلى جانب التّعليم، والتّجربة في العمل، أو نوعيّة العمل. نشهد في العالم العربي

-مثالً- تزايُدًا في الطّلب على معرفة المشغَّلين للُّغة الإنكليزية، أو إتقانهم لها إلى جانب العربية. أمّا في المغرب وتتعلّق ديناميّة اللُّغة بانتشارها أو ضمورها، وبكونها لغة أقليةٍ أو لغةً غالبةً، وباهتمام الفاعلين بتعلّم لغةٍ معيّنةٍ

أو عدم تعلّمها؛ وذلك بالنظر إلى كلفة التعلم وفوائده، وبالنظر إلى نوعية " السلعة " اللغوية، التي ترتفع قيمتها

بالاستعمال المتزايد، لتصبح " أداةً للتواصل ". وهو الأمر الذي دفع البعض إلى اعتبارها سلعةً عموميّةً ممتازة،ً

أو " خير فائق الامتياز " (Good Hypercollective)، كما عند دي سوان. كما أنّه السّبب الذي جعل جونز

مثل، يدعو إلى تعلم الل غات الكبرى أو الغالبة، على حساب لُغات الأقليّات؛ وذلك على خلاف ما يتصوّره

Pierre Bourdieu, "The Economics of Linguistic Exchanges", Social Science Information , Vol.16, N 6 (1977), pp. 645-

28  De Swaan, " La Constellation Mondiale des Langues ", Op. cit.; &: Words of the world , Op. cit. 29  Eric Jones, "The Case for a Shared World Language", Op. cit. 30  Grin, "Economic Considerations in Language Policy", Op. Cit., pp. 77- 94.

ويتّجه البحث في علاقة اللُّغة بالنّشاط الاقتصادي إلى الدّور الذي تؤدّيه في الإنتاج والاستهلاك والتّبادل. هل

يفضّلُ النّاس مثالًالسّلع التي تُباع لهم ويقع إشهارها بلغتهم الأمّ؟ وهل تتأثّر فاعليّة الإنتاج باختيار اللُّغة

أو اللُّغات في شركةٍ معيّنةٍ؟ قد يذهبُ البعض إلى أنّ تنويع اللُّغات، يؤدّي إلى ابتكار متزايدٍ؛ بينما يذهبُ آخر

إلى أن التنوّع يقود إلى تكاليف إضافية. وقد ينصبّ هذا الجانب على " السّلع اللّغوية " للتبادل؛ مثل خدمات

الرتّجمة، أو أدوات تعلّم اللّغات... إلخ. ويذهب مراياتي إلى أنّ اللُّغة يمكن أن تُعدَّ رأسماالً بشريًا ذا عائدٍ اقتصاديٍّ، وذا دور في النموّ الاقتصادي،

أو استهلاكًا ثقافيًّا. فالرّأسمال البشري يزدادُ وينمو بالممارسة والاستعمال؛ وهو ما يُميِّزه عن الرّأسمال المادّي

الذي يُستهلك بالاستعمال. ويؤكد مراياتي مع الاقتصادييّن أنّ: " العائد الاقتصاديّ للاستثمار في إتقان لغة

العلم والتّكنولوجيا بلغة الأمّ مؤكّدٌ [...]، أمّا الاستثمار في إتقان لغة العلم والتكنولوجيا باللّغة الثانية؛ فلا

يحصل إالّ إذا استُعمِلت هذه اللّغة في النّشاطات الاقتصادية ". ويضيف: " أنّ الكثير من الدّول قد تنبّهت

لدور اللّغة الاقتصادي واستثمرت فيه، وأقامت تكتلّات اقتصادية وسياسية وثقافية مبنيّةً على اللّغة؛ من

بينها الكومنولث والفرنكفونية والجامعة العربية، مع اختلاف أهمية الدور الاقتصادي بين تكتّل وآخر من

هذه التّكتلات ". ويلاحظُ حسن الرشّيف أن: اللّغة مدخلٌ أساسيٌ لمنتجات تقانات الاتصال والمعلومات.

عنصرٌ في المُدخلات الاقتصادية التي تمثِّلها تقانات الاتصالات والمعلومات في الأنشطة

والمجالات الاقتصادية. وسيلةٌ للمعاملات الاقتصادية كافّةً عبر الإنترنت؛ مثل التّجارة الإلكترونية، والرتّجمة الآليّة... إلخ.

قيمةٌ اقتصاديةٌ في ذاتها، في مجالاتها الفكرية والتربوية والحضارية والثقافية تربيةً وتعليامً، وتواصال بشريًّا

حضاريًّا (بما في ذلك الطّباعة والرتّجمة... إلخ)، ومجالات التّسلية والوسائط... إلخ.

وفي باب التّواصل والاتّصال باللّسان العربي (بصيغتيْه الفصيحة أو الوسيطة على الخصوص)؛ يكفي أن نذكر

أنّ الكلفة زهيدةٌ (تقترب من الصفر أحيانًا)، تقتسمها الحكومات والشعوب العربية مجتمعةً. وذلك مقارنة

بكلفة وضعٍ تسود فيه عاميّاتٌ قُطريّةٌ خاصّةٌ بكلّ بلدٍ، تبتعد عن بعضها البعض، وتفقد روابطها تدريجيًّا؛ إلى

أن يقع لها ما وقع للّهجات الرّومانية والجرمانية في أوروبا حين تعَّ ت وترسَّمت، وآلت إلى برج بابل أورويبّ،

تتزايد كلفة التواصل فيه والرتّجمة يومًا بعد آخر. فما كان من الأوروبييّن إالّ أن حاولوا العودة إلى صيغٍ من

التوحّد اللُّغوي، بعد أنْ تزعّموا شعار التعدّد، بإيعاز من محُاة الفرنسيّة على الخصوص؛ لأنّ تدبير التعدّد

المفرط، له كلفةٌ باهظةٌ، كما سنرى.

تقليص عدد اللغات الكبرى وتلافي الحرمان اللّغوي

يُمكن المقارنة بين ضربنيْ من النمّاذج الاقتصادية اللّغوية؛ بالنّظر إلى تمثّلها للنّظام اللّغوي العالمي:

31  مراياتي. محمد، " أثر اللّغة العلمية والتّكنولوجية في النموّ الاقتصادي العربي "، في: عبد القادر الفاسي الفهري [وآخرون]، أسئلة

اللّغة (الرّباط: منشورات معهد الدّراسات والأبحاث للتعريب وجمعية اللسانيات،.)2002

32  المرجع نفسه.

33  الشريف. حسن، العولمة والثّقافة واللّغة: القضايا الفنية، في: عبد القادر الفاسي الفهري وآخرون، أسئلة اللغة (الرّباط: منشورات

معهد الدّراسات والأبحاث للتعريب وجمعية اللسانيات،.)2002

نماذج تركز على فوائد قيام لُغات مشرتَكةٍ كبُرى، تسهِّل التّبادل والتّواصل ونقل المعرفة والتكنولوجيا...

إلخ. علامً، أنّنا قد سبق وناقشنا نموذج اللُّغة العالمية الوحيد، كما دعا إليه جونز مثل. وسننظر هنا في

أمر القطبيّة اللّغوية المتعدِّدة، كما تنبّأ بها تقرير غرادول. وهي تنحصر في عدد قليل من اللُّغات الكبرى

(خمس لغات)، في ضرب من الأوليغرشيّة الل غوية، التي تتلافى الاعتراضات السياسيّة والحقوقيّة

القائمة ضدّ الأحادية، خصوصًا بسبب ما تولّده من حرمان أو تجريدٍ لغوي. نماذج تركّز على فوائد التنوّع اللُّغوي الأقصى. إذ تجد في التنوّع بهذه الصيغة فوائد ماديةً ورمزية

تقوم على توفير وضعٍ اعتباريٍّ لكلّ اللّغات (كما عند غرين). وقد سبق أن شك كنا في جدواها

وحيويّتها وواقعيّتها.

وتركّزُ أبحاث كلٍّ من فيبر (Weber)، وغينزبورغ (Ginsburgh)، وفيدرموك (Fidrmuc) من بين آخرين، على

مفهوم إجرائيٍّ وتدبيريٍّ مهمٍّ؛ هو مفهوم " التجريد " أو " الحرمان " من الحقوق اللُّغوية) Disenfranchisement

Language (، المرتبط بوضع هيئات الاتحاد الأوروبي، إذا ما أصبحت فيها الإنكليزية اللغة الرسمية، ولغة

العمل الوحيدة. فقد ذهب فيبر وغينزبورغ إلى أنّه على الرّغم من انتشار معرفة الإنكليزية في الاحتّاد

الأوروبي؛ فإنّ إضافة الفرنسية والألمانية - بوصفهما لغات عمل في الاحت- أمرٌ ضروريٌّ لتلافي ارتفاع مؤرش اد

شعور المواطنين بتجريدهم من حقوقهم اللُّغوية. وإذا كان الاحتّاد يُواجه تحدِّيات كبرى بالنّظر إلى إيجاد أرضيةٍ

مشرتَكةٍ للشّؤون الخارجيّة، والأمن، والدفاع، وقوانين الهجرة؛ فإنّه يسعى إلى تأكيد تنوّع أعضائه واحترامها.

وتقتضي المحافظة على الهويّات والقيم الثّقافية والتّاريخ، العنايةَ بالدّور المهمّ للّغات الوطنية؛ ذاك الذي يرُتَْجَم

بنشر الوثائق الرّسميّة بكلّ لغات أقطار الاحتّاد، بوصفها لغات عمل رسميّةٍ فيه (يصل عددها إلى 23 لغة.)

وبما أنّ الاحتّاد تبنّى مبادئ التّعدّدية اللّغوية والمساواة وعدم الميز بين مواطنيه؛ فهذا يعني الحق في إطلاع

المواطنين ب " التّساوي " على النصوص بلغاتهم الوطنية. غير أنّ قوانين داخليّةً لجأت إلى التفريق بين اللغة

الرسمية ولغة العمل (بصيغة غير واضحةٍ). فإذا أُخذ ب " نظام اللّغة التامة " (Regime Language Full)، أي

توظيف كل اللُّغات في كل الوظائف؛ فإنّ الاحتّاد يحتاج إلى توظيف 1400 مترجم ومترجم فوريٍّ إضافي.

وأمّا إذا جرى الأخذ بفكرة أنّ الرتّجمة يجب أن تكون بالنّسبة إلى الوثائق الأساسية فقط؛ فإنّ الرّقم ينخفض

إلى 675 مترجمًا. ولتلافي مصاعب الرتّ جمة من لغة ما إلى أي لغة أخرى؛ فقد جرى اعتماد فكرة جعل اللّغة

الإنكليزية (وأحيانًا الألمانية أو الفرنسية) لغة "ركيزة " (Pivotal)، أي اللّغة التي يتُرجم منها وإليها إلى الل غات

الأخرى. وهذا سيخفّفُ من كلفة الترجمة التي بلغت عام 2000 حوالى 700 مليون يورو، وتحتاج إلى 650

مليون يورو إضافي، إذا أ خذ بالنظام اللّغوي التامّ. وهو مبلغٌ ليس باليسير، وإن كان نائب رئيس الاتحاد آنذاك

قد أكّد على أنّ التكاليف لا تتعدى 2 يورو لكلّ فرد 0.8 من الميزانية العامّة.ٍ، و ولا ينحصر التحدّي أمام التعدّدية اللُّغوية الرسمية في الكلفة المالية؛ بل إنّ أهمَّ تحدٍّ قد يكون متمثِاّلً في عدم

حرمان جماعات كبيرةٍ من السكّان وممثليهم السياسيين من استعمال لغتهم في أهم الأنشطة السياسية. وهو

ما يجعلهم يعزفون عنها؛ لأنّ اللّغة -كما يلاحظ بريتون (Bretton -) " قد تكون هي الموضوع الأكثر فورانًا

على مستوى القارة، وفي مختلف الأزمان. ولأنّ اللغة وحدها، خلافًا لمسائل أخرى مرتبطة بالقومية والإثنية؛

34  Eric Jones, "The Case for a Shared World Language", Op. cit. 35  Victor Ginsburgh & Shlomo Weber, "Language Disenfranchisement in the European Union", JCMS , Vol. 43, No. 2 (2005), pp. 273-286.

هي الأكثر التصاقًا بالذّات الفردية ". وإنّ الخوف من فقدان القدرات التواصليّة، يُذكي التوتّر والحمّى

السّياسينّيْ. فشروط التّواصلعاملٌ مهمٌّ في المجتمع المتعدّد، وخصوصًا إذا أخذنا بعين الاعتبار ما يترتّب

على الرتّجمة من أخطاء وسوء فهم (مثل تأويلات القرار 242 الشهير بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلّة:

هل هي شاملة أم بعضية؟) وتأخّر في الإنجاز. وهو ما قد يؤدّي إلى شلّ التداول أو النّقاش أو التّفاوض

متعدّد الأطراف. وعليه، فإنّ المجتمع متعدّد الل غة بالتحدّيات الاقتصادية والتواصلية المطروحة عليه؛ قد يولِّد

درجات متفاوتة من التجريد أو الحرمان اللغوي (Disenfranchisement Language.) وتؤدّي التحدّيات السّياسية والمالية والتّواصلية إلى طرح سؤال مهمٍّ هو: كم عدد الل غات التي يمكن أن ننتقيها

بوصفها لغات عمل ضروريّة حتدُّ من هذا التّجريد والحرمان؟ فقد يكون للانتقال من التعدّدية اللُّغوية التامّة

إلى تعدّديةٍ محدودةٍ ومعقولةٍ فوائدُ ماليّةٌ وتواصليّةٌ، تمكّن المواطنين وممثِّليهم من التواصل والقراءة والاستماع

باستعمال لغةٍ ليست لغتهم الوطنية (أو المحلّية)، لكنّها لغةٌ متداولَةٌ، مع رشَْعنَة ذلك بشكل ديمقراطيٍّ. وقد

يكون القرار المهمّ في الاحتّاد الأورويبّ، هو خلقُ توازن بين كلفة السّياسة اللّغوية وفوائدها. وفي هذا الاجتّاه،

يلجأ كلّ من فيبير وغينزبورغ إلى تقديم نموذج كمّي يُمكّن من قياس درجات التّجريد اللُّغوي. وهو

يعتمدمؤشرًِّا تجريديًا، قد ينطبق على لغةٍ واحدةٍ، بل على مجموعةٍ من اللُّغات يعرفها المواطن الأوروبيّ؛ وذلك

دون أن تكون ضمنها لغته الوطنيّة بالرضّورة. وينتهي البحث إلى أنّ التعدّدية اللّغوية في الاحتّاد الأورويبّ هي

ضرورةٌ لا محيد عنها سياسيًا؛ " لأنّ البرلمان إذا لم يعترف بلغة المواطنين، فإهنّم من المستبعَد أن يعترفوا به كبرلمان

لهم ". ومع ذلك، فلا بدَّ من اللّجوء إلى الل غات الرّكائز بعد شرعنَتها؛ وذلك عوضًا عن الرتِّجمة الثّنائية المطلقة

(بين لغة ما وأيِّ لغةٍ أخرى). ثمّ أنّه لا يمكن ترجمة كلّ النّصوص إلى كلّ اللّغات. ويتبنيّ من مؤِّ الحرمان

أو التّجريد، أنّ درجات التّجريد تنخفض تدريجيًا، باعتبار لغة واحدةٍ أو لغتين أو ثلاث لغات (هي الإنكليزية

والألمانية والفرنسية)، أو ستّ لغات (بإضافة الإيطالية والإسبانية والهولندية إلى اللّغات السابقة). ويلاحظ فيدرموك أنّ الخدمات اللُّغوية تكلّف الاحتّاد الأورويبّ الآن ما يزيد على مليار دولار سنويًا. وهو

مبلغٌ يمثِّل خمس الميزانيّة الإداريّة، وسبُع المبلغ الذي يصُرف على البحث والتنمية. كانت التعددية الل غوية

مقبولةً بستة بلدان وقت إنشاء الاحتّاد، وبأربع لغات رسميةٍ، متُكّن كلّ قطر من استعمال لغته الوطنية؛ مُتلافية

بذلك التّجريد، وممك نةً كلّ لغةٍ وطنيةٍ من أن تقطف فوائد استعمالها رسميًّا في الاحتّاد، ومن توفير الوثائق

الضروريّة لها دون ميز بين اللّغات، أو حرمان مواطنين أحاديي اللّغة لا يعرفون غير لغتهم، من التعبير بها

(هذا مع عدم وجود لغة واحدةٍ آنذاك يمكن أن تمثِّل لغةً مشتركةً حرّةً). غير أنّ التعدّدية اللّغوية الواسعة

اليوم (ب 23 لغة رسمية و 27 قطرًا) صارتْ غير مرغوب فيها، ولم تعد ضروريّةً؛ وذلك بسبب كلفتها

الماليّة والتّواصلية، وصعوبة تطبيقها على أرض الواقع، وتحسّن المهارات اللغوية للأوروبييّن وتعل مهم للُّغات

الأجنبية، ولأنّ الإنكليزية صارت تؤدّي دور اللّغة المهيمنة التي اختار الأوروبيّون تعلّمها، ولأنها عوّضت

الفرنسية في بيروقراطية الاتحاد، وأصبحت تؤدّي دور اللغة الحرّة المشتركة (Franca Lingua)، على الرّغم من

شعار التعدّدية اللُّغوية في الاتحاد.

36  Victor Ginsburgh & Shlomo Weber, "Culture, Languages, and Economics", to appear In: Handbook of the Economics of Art and Culture (Amsterdam: Elsevier, 2011), p. 47. 37  Ginsburgh & Weber, "Language Disenfranchisement in the European Union", Op. cit. 38  Loc. cit.. 39  Jan Fidrmuc, Victor Ginsburgh & Shlomo Weber, "Even Closer Union or Babylonian Discord?", William Davidson Institute Working Papers, No. 887 (2007).

وإذا كان تبنّي الأحادية اللُّغوية في الاحتّاد سابقًا لأوانه، وغير مقبول سياسيًّا، وقد يؤدّي إلى تجريدٍ عالي الدّرجة؛

فإنّ كلفة إبقاء نظام لغويٍّ مُتعدّدٍ مفتوح على كلّ لغات الاحتّاد، تبدو مرتفعةً جدًّا، مقارنةً بالفوائد المُتواضعة.

وقد تكون السياسةُ التّعدّديةُ المبنيّةُ على ستّ لغات رسميّةٍ، أو حتّى على ثلاث، أكثر خدمةً للاحتّاد؛ بحيث

لا تُقصْي الأغلبيّةَ الكبيرةَ للمواطنين الأوروبييّن، مع جعل التّكاليف مقبولةً، وتجاوز سلبيات النّظام الحالي،

المتمثّلة في آجال الرتّجمة وتراكمها، وأخطائها... إلخ. ويمكن مقارنة النّظام اللّغوي البديل بنظام المنظّمات

الدولية، مثل الأمم المتّحدة. وقد يضيفُ هذا النظام حافزًا جديدًا ليتعلم المواطنون الأوروبيّون لغةً أخرى غير

لغتهم؛ وهو ما قد تنتج عنه آثارٌ إيجابيةٌ غير مباشرة، ترفع من الأجور، وتتيح فرصًا للسّفر والدراسة والعمل

في الخارج. كما تمكّن من ازدهار التّجارة داخل أقطار أوروبّا، وبينها وبين أقطار العالم. وإذا كانت منهجيّة مؤشر التّجريد تبدو المخرج المناسب لحلّ التّضارب القائم بين متطلّبات التعدد (السّياسيةَ

بالأساس)، والاعتبارات التّواصلية ذات الكلفة الاقتصادية المقبولة في الاتحاد الأوروبي؛ فإنّ المنهجيّة تجد

دعامً أقوى لها عند توظيفها في الحالة العربية والمغربيّة على وجه الخصوص. لاسيمّا حين يتعلّق الأمر بقياس

مؤِّ الحرمان اللُّغوي في حالة الناطق بالأمازيغيّة أو بالكرديّة -مثالً- في البيئة العربية. فمن غير المعقول

مثالً، تجريد المغاربة ذوي اللّسان الثّنائي (عربي- أمازيغي) من عروبتهم اللّغويّة، ولا من أمازيغيّتهم اللّغوية.

فالتواصل بالعربية أو الأمازيغيّة قد يجري بأحد اللّسانين، بحسب الشروط التواصلية والفاعلين فيه (علامً وأن

العربية والأمازيغية ليستا متساويتنيْ في التّواصل الكمّي، باعتبار عدد الناطقين). وليس من المعقول إعادة

تمزيغ المغاربة خارج إرادتهم، بدعوى أهنّم " أمازيغ مُعرَّبون "، وبهدف تعميم الثّنائية اللغويّة على كلّ المغاربة؛

لأنّ هذا الإجراء ذو كلفةٍ سياسيّةٍ وقانونيةٍ واقتصاديةٍ... إلخ. وبعبارة أخرى، فإنّ دعم التمزيغ لغةً وثقافة

للمحافظة عليها؛ لا يعني الرتّ اجع عن العروبة أو التّعريب. وقد يكون هناك مجالٌ لتمزيغٍ معقول للنّاطقين

بالعربيّة وحدها لمن يطلبون ذلك؛ دون أن يكون ذلك قسريًّا، أو مؤدّيًا إلى الحرمان من اللّسان العربيّ الجامع.

ويمكن تعميم منهجيّة الحرمان في التّعامل مع اللّغة الأجنبية كذلك، بالنّظر إلى معقوليّة أن تكون اللغة المنتَقاة

لدعم التّعليم باللغة العربية، اللّغةَ الأكثرَ انتشارًا في العالم، والل غةَ التي توفّر أكبر الفرص للمتعلّم في التعامل

مع العالم. وعليه، لابدَّ من تنويع لغات التعليم الأجنبية؛ لتشمل الإنكليزية، كما نصّ على ذلك ميثاق التربية

والتكوين، وأن لا حيُرم المغربيّ من فوائدها التّواصلية والنّفعية.

اقتصاد تقييم السّياسة اللّغوية

يمثّل هذا المحور مجاالً نشيطًا في اقتصاد اللّغة؛ فتقييم السّياسة اللغوية اقتصاديًا، يرتبط بالرفاه والرّبح

والخسارة. وهناك اختياراتٌ عدّةٌ ممكنةٌ لبلوغ الأهداف، وتمك ن من الرّفع من الفوائد، مع تقليص التكاليف

التي يمكن تقييمها قبليًّا. ثم إنّ هناك سياسات وقع تفعيلها، ويمكن تقييمها بعديًّا؛ لمعرفة إن كانت ناجعة

بالنّظر إلى التكاليف، أو بالنّظر إلى تحسين البيئة اللّغوية اقتصاديًّا... إلخ. وفي هذا الإطار، يُطرح دور الدّولة،

أو تدخُّلها في الشّؤون اللُّغوية؛ وذلك بحكم أنّ المُفرْتضَ هو أن يُزوَّد التّفاعلُ الحرُّ القويّ في السّوق بقدر كافٍ

من السّلع والخدمات، بكلفة دُنيا نسبيًا. غير أنّ ما يحدث هو اختلالات في السوق، تتطلّب تدخُّل الدولة؛

ومن بينها الاحتكار (الذي يرفع الكلفة أكثر من ا الّ زم)، ونقص المعلومات التي توصِل إلى القرار، ومراعاة

المستقبل. ولهذه الاختلالات ما يمُاثلها في البيئة اللّغوية؛ فهناك لغات مهدّدة مثالًِ، ولا يمكن أن تكون الأجيال

القادمة طرَفًا في العناية بها. وكذلك هو الحال في حماية الل غة الوطنية من هيمنة اللغات العالمية... إلخ. وعلى

40  Jan Fidrmuc, Victor Ginsburgh & Shlomo Weber, "The Economics of Multilingualism in the EU", CEDI Discussion Paper Series 11-04 (2011), Centre for Economic Development and Institutions (CEDI), Brunel University.

السّياسة أن تقدّر قيمة " السّوق الخاصّة " بالنسبة إلى كلّ اختيار، أو أن تُوجَّهَ. فالسياسة التي تطلبُ من العامّل

العادييّن أن يكونوا ثلاثيّي اللُّغة، تؤدّي إلى رفع أجور هؤلاء بالرضّورة على المدى القصير. وستؤدّي هذه

الأرباح إلى تكاليف (الزيادة في الرضّائب). وهناك قيمٌ مجتمعية غير سوقيّةٍ (أي لا قيمةَ مباشرة لها في السّوق)،

ومن ضمنها تلك الموصوفة بالرّمزية (Symbolic)؛ التي تؤدّي إلى أرباح أو خسائر على مستوى إرضاء

الجماعات أو الأفراد. ويدخلُ هذا النّوع من القيم ضمن التّقييم الاقتصادي؛ لأنّ الاقتصاد ليس محصورًا في ما

هو مادّي أو مالي. فالخسارةُ النّفسية التي تتول دُ عن ضمور وضع اللّغة الأمّ، هي خسارةٌ ينبغي احتسابها. وفي

المقابل فإنّ جعل لغة أقليّةٍ في موقعٍ اعتباريٍّ، هو أمرٌ واردٌ بالنّسبة إلى احتساب الأرباح. غير أنّ تقييم الأرباح

والخسارات التي لا ترتبط بالسّوق مباشرةً، هو أمرٌ صعبٌ جدًّا، ومازال بحاجة إلى إيجاد المناهج والآليات

المؤدّية إليه. وإذا كانت إجراءات تقييم سياسةٍ لغويّةٍ، تعتمد على قياس الرفاه (والفوائد) على المستوى الجماعي المجتَمعي

الإجمالي، وعلى حسن صرف الموارد عليه؛ فإنّ التحوّل من بيئة لغويةٍ موجودةٍ إلى بيئةٍ أخرى، يؤدّي إلى الرّبح

والخسارة كذلك. كما يؤدّي ذلك التحوّل إلى تحديد من يكون بجانب هذا أو ذلك، ومدى إمكانيّة تعويض

الخاسر على مستوى فرديٍّ أو جماعيٍّ. وهذا يطرح البعد التّوزيعيفي الخسارة أو الرِّبح اللُّغويين. من الرابح

مثالً في إقرار الفرنسية لغة العمل الفعليّةِ في المغرب، ومن الخاسر في ذلك؟ وما هي إمكانات " التعويض "؟

وإضافةً إلى التّقييم العامّ؛ يمكن تقييم الممارسة العملية لسياسةٍ لغويّةٍ بعينها. ويُنظَر إلى السّياسة اللّغوية عادة

من خلال القوانين والمواضعات والمقاييس الإدارية. غير أنّ المواصفات لا تقول شيئًا عن الممارسة الفعلية، وإن

كانتْ ناجعةً بالفعل للُغةِ الأقليّةِ. من هنا، يجب النّظر في مؤرشّات إعادة الحيوية إلى هذه اللّغة في التّعليم مثالً،

وإلى الملَكة اللّغوية المستَهدفَة للسكّان... إلخ. وعند تقييم كلفةِ سياسةٍ لغويّةٍ؛ فإنّ الأرقام غالبًا ما تغيب.

ونجد تقييامً لكلفة الرتّجمة في الاحتّاد الأورويبّ بالنّسبة إلى كلّ فردٍ؛ غير أنّه يحتاج إلى تحيين. وقد نجد تقييامً

لكلفة المرور من وضع تعليم أحاديٍّ إلى ثنائيٍّ؛ غير أنّ الكلفةَ الإجماليّةَ غير واضحةٍ.

خاتمة

لقد انتفض الملك الحسن الثّاني ضدّ مخزنه اللُّغوي في آخر أيّامه؛ أثناء استقباله أعضاء لجنة التربية والتكوين

(التي كانت تضمُّ رئيس الحكومة الحالي، وكاتب هذه الورقة من بين آخرين). فأوصى بالعربيّة خيرًا، وأنكر أن

يكون قد فكّر يومًا في إضعافها أو إقبارِها؛ بل إنّه أمر بإدخال الإنكليزيّة منذ الطّور الثاني في التعليم الابتدائي،

كما أمر بإدراج العربيّة في تعليم المواد العلمية في التعليم العالي. وذلك على خلاف المخط ط الذي كان يقضي

بالرتّاجع عن تعريب الموادّ العلميّة في التّعليم الثانوي التأهيلي (والذي روّج له المخزن اللغوي آنذاك). كما أنّه

لم يعرْ اهتمامًا لاقتراح أنصار استعمال اللّهجات جعْل العاميّة لغة تعليم في الابتدائي. غير أن " حليمة عادت

إلى عادتها القديمة " بعد موته؛ فأ لحِقت بوضع اللغة العربية في المغرب أضرارٌ كبيرةٌ، وركبت أطرافٌ منطق

التّفكيك عوض التّوحيد، مدّعيةً الدّفاع عن التعدّد والتنوّع. فالتعدّد والتنوّع الفعليّان، لا يهدفان إلى إقامة

فسيفساء لغويّةٍ دون التّفكير في إمكان تدبيرها؛ ولا يضرّان بلغة الأغلبيّة، إن جرى الاعتناء بلغة الأقليّة؛

41  Francois Grin, " Coûts et Justice Linguistique dans l’Élargissement de l’Union Européenne ", Op. Cit. 42  Loc. cit.

43  المخزن اللّغوي: يُقصد به صنّاع السّياسات اللّغوية في النّخبة الحاكمة.

ولا ينصّبان لغةً أجنبيةً كلغة عمل فعليّةٍ في بلدٍ عربيٍّ، مع أهنّا فقدت هذه الصفة في أوروبّا نفسها... إلخ.

فالاختيارات اللّغوية، يجب أن تكون عادلةً وعلميّةً وفي خدمة الشّعب، وتماسك المجتمع؛ لا في خدمة أقليةٍ

تنفرد بالامتيازات، وتخدم نفسها قبل أن تخدم شعبها، وتنفرد باختّاذ القرارات دون إشراك الشعب فيها. إنّ المعطيات الاقتصاديّةَ والسّوسيولسانيّة والثّقافية والتّاريخية والسّياسية؛ تصبُّ كلّها في اجت اه تبنّي نموذج

لُغويٍّ تماسكيٍّ تنوّعيٍّ وتعدُّديٍّ. وهو نموذجٌ يقرُّ بأنّ اللّسان العربيّ هو لسان الدّيمقراطية والاقتصاد والتّعليم

أساسًا، وأنّ اللّسان الأمازيغي هو لسان التنوّع اله وّي والثّقافي والتّعليمي؛ وهو يتساكن مع اللّسان العربي

ويتعايش. كما يُقِرّ بأنّ دور اللّسان الأجنبيِّ تحدِّده المصالح المعرفيّة والتّواصلية والاقتصاديّة للمواطنين بصفةٍ

ديمقراطيّةٍ، ودون تمييز أو تحريض يُفسِد البيئة اللّغوية، أو يُفسِد فرص تعلّم اللّسان العربي وتعلّم اللّغات، أو

غير ذلك من أصناف التَّعَلُّم، كما يُفسِد الفرص الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بصفةٍ أعمَّ.

44  عن الاستدلال على هذا النموذج، انظر كتابات عبد القادر الفهري الفاسي التي ذكرت سابقا: L’élite, les Croisés-Linguistes"

"et les Langues؛ و " الثورة اللغوية القادمة في المغرب "؛ و " الفرنكفونيّة: الرشد اللغوي واختلالات التعليم والتنمية "؛ و " الديمقراطية

اللغوية المأمولة في المغرب "، جريدة الاتحاد الاشتراكي، /26 /04.2011 وعن مصادر قوّة اللُّغة العربية، وسوء تدبير الملف اللغوي

بالمغرب، انظر له أيضًا: أزمة اللغة العربية في المغرب بين اختلالات التعددية وتعثرات الترجمة (الرّباط: منشورات زاوية،.)2005

45   في تحديد العلاقة بين اللُّغة وهُوية الجماعة التي تنطق بها؛ تجدر الإشارة إلى أنّ الحركية التي تتّسم بها اللغة وبواسطتها تحيا، وعن

طريقها تتسع رقعة الناطقين بها، من شأنها أن تبتعد بها تدريجيًا عن الهُويّة الضيقة، ذات الطابع المحيلّ الإثني أو الرتّابي أو الدّيني المنحسر،

إلى هوية أكثر " انفتاحًا " و " ليبرالية ". فتدفع بها قدمًا، إلى أن تصبح لسانًا مشتركًا حرًا lingua franca، أو لاهويًّا كوسميًّا، أو شموليًا

عالميًا global. وقد يشكك البعض في إمكان تجريد اللسان من هويته، أو " إمبريالته imperialism "، وتحويله من ثمّ إمّا إلى لسان

تواصل " محايدٍ"، أو إلى لسان غير أجنبيٍّ بهويّةٍ جديدةٍ، كما في حال الإنكليزية التي يمتلكها الهندي ويعتبرها إحدى اللغات الآسيوية...

إلخ. والمفارقة تكمن في أن الدّفاع عن قطبية لغويةٍ متعدّدةٍ، يحمل في طياته مفارقة شرعنة هويات ثقافيّةٍ متعدِّدةٍ، من جهةٍ، وفي الوقت

نفسه تسويغ فقدان اللسان لمحليته أو هويته " المحلية " (المرتبطة بالأرض مثال). عن هذه المفارقات والمخارج الممكنة، انظر: عبد القادر

الفاسي الفهري، لغة وأمّة (الرّباط، قيد النشر)، والمراجع المذكورة فيه.

قائمة المراجع

باللغة العربيّة

للتربية والثّقافة والعلوم،.)2010

ودراسة السياسات،.)2012

الفاسي الفهري (الرباط: منشورات معهد الدراسات والأبحاث للتعريب،.)2003

أسئلة اللغة (الرّباط: منشورات معهد الدّراسات والأبحاث للتعريب وجمعية اللسانيات،.)2002 رقم 6 (الرباط: منشورات معهد الدراسات والأبحاث للتعريب،.)2004

(الرّباط: منشورات زاوية،.)2005 الرباط،.2009

بلقزيز، الفرنكفونيّة (بيروت: منشورات مركز دراسات الوحدة العربية،.)2011 -الفاسي الفهري، عبد القادر. لغة وأمّة، الرّباط (قيد النشر.) - " اللّغات في المدرسة المغربية "، ملف خاص، المدرسة المغربية، عدد.)2011(3

الحادي والعشرين (بيروت: الدار العربية للعلوم،.)2009

اللسانيات،.)2002

للأبحاث ودراسة السياسات،.)2011

- الألكسو. أسباب ومسبّبات تدينّ مستوى تعليم اللّغة العربية في الوطن العربي (تونس: المنظمة العربية - بوعلي، فؤاد. النّقاش اللُّغويّ والتّعديل الدّستوريّ في المغرب (الدوحة -بيروت: المركز العربي للأبحاث - تورابي، عبد الرزّاق وأحمد بريسول ومحمد غاليم، [وآخرون.] لغة الحقّ والقانون، إشراف عبد القادر - الشريف، حسن. " العولمة والثّقافة واللّغة: القضايا الفنية "، في: عبد القادر الفاسي الفهري وآخرون،

- الفاسي الفهري، عبد القادر. دعم اللغة العربية تعزيزا للهُويّة القومية والتنمية المجتمعية، تقارير ووثائق - الفاسي الفهري، عبد القادر. اللّغة والبيئة: أسئلة متراكمة (الرّباط: منشورات زاوية، -2003.)2007 - الفاسي الفهري، عبد القادر. أزمة اللغة العربية في المغرب بين اختلالات التعددية وتعثرات الترجمة

- الفاسي الفهري، عبد القادر. " اللّغة العربية في المغرب إلى أين؟ "، محاضرة ألقيت بالمكتبة الوطنيّة، - الفاسي الفهري، عبد القادر. " الفرنكفونيّة: الرشد اللغوي واختلالات التعليم والتنمية "، في: عبد الإله

- اللجنة الملكيّة لإصلاح نظام الرتّ. بية والتكوين الميثاق الوطني للرتّبية والتّكوين (الرّباط،.)1999 - مجموعة من الباحثين. " العروبة والقرن الحادي والعشرون "، أعمال مؤتمر: مستقبل العروبة في القرن

- مراياتي، محمد. " أثر اللّغة العلمية والتّكنولوجية في النموّ الاقتصادي العربي "، في: عبد القادر الفاسي

الفهري [وآخرون]، أسئلة اللّغة (الرّباط: منشورات معهد الدّراسات والأبحاث للتعريب وجمعية - مصباح، محمد. الأمازيغية في المغرب: جدل الداخل والخارج (الدوحة- بيروت: المركز العربي

باللّغات الأجنبيّة

16. -Anderson, Benedict. Imagined Communities (London: Verso, 1991). 17. -Barbour, Stephen & Cathie Carmichael. Language and Nationalism in Europe (Ox­ ford: Oxford University Press, 2000). 18. -Bassiouney, Reem. Arabic Sociolinguistics: Topics in Diglossia, Gender, Identity, and Politics (Eidinburgh: Eidinburgh University Press; Washington: Georgetown Univer­ sity, 2009). 19. -Bourdieu, Pierre. "The Economics of Linguistic Exchanges", Social Science Informa­ tion , Vol.16, No. 6 (1977), pp. 645- 668. 20. - Bourdieu, Pierre. Langage et Pouvoir Symbolique (Paris: Fayard, 2001). 21. -Bretton, Henry. "Political Science, Language, and Politics", In: William & Jean O’Barr (eds.), Language and Politics (The Hague: Mouton, 1996). 22. -Calvet, Louis-Jean. La Guerre des Langues (Paris: Hachette, 1987). 23. -De Swaan, Abram, " La Constellation Mondiale des Langues ", Terminogramme, No. 99- 100 (2001), pp. 47-69. 24. -De Swaan, Abram. Words of the world (Cambridge: Polity Press, 2001). 25. -Fassi Fehri, Abdelkader. " L’Arabisation dans la Société de l’Information: Ingrédients et Impacts ", In: Multilingualism in the Information Society (Paris: Unesco, 1997). 26. -Ferguson, Charles. " The Arabic koinè ", Language, Vol. 35, No. 4 (1959), pp. 616-

27. -Ferguson, Charles. "Diglossia", Word, No. 15 (1959), pp. 325- 340. 28. -Fidrmuc, Jan, Victor Ginsburgh, & Shlomo Weber. "Even Closer Union or Babylo­ nian Discord?", William Davidson Institute Working Papers, No. 887 (2007). 29. - Fidrmuc, Jan, Victor Ginsburgh, & Shlomo Weber. "The Economics of Multilingual­ ism in the EU", CEDI Discussion Paper Series 11-04 (2011), Centre for Economic Development and Institutions (CEDI), Brunel University. 30. -Gazzola, Michèle. "Managing Multiculturalism in the European Union", Language Policy, No. 5 (2006), pp. 393-417. 31. -Ginsburgh, Victor & Shlomo Weber. "Language Disenfranchisement in the European Union", JCMS, Vol. 43, No. 2 (2005), pp. 273-286. 32. - Ginsburgh, Victor & Shlomo Weber. How many Languages do We Need? The Economics of Linguistic Diversity (Princeton and Oxford: Princeton University Press,

33. - Ginsburgh, Victor & Shlomo Weber. "Culture, Languages, and Economics", to ap­ pear In: Handbook of the Economics of Art and Culture (Amsterdam: Elsevier, 2011). 34. -Graddol, David. The Future of English? (London: British Council. 1997). 35. -Graddol, David. "The Future of Language ", Science, No. 303, pp. 1329-1331. 36. -Grin, Francois. " Coûts et Justice Linguistique dans l’Élargissement de l’Union euro­ péenne ", Panoramiques, No. 69 (2004), pp. 97- 104.

37. -Grin, Francois. " Linguistic Human Rights as a Source of Policy Guidelines: A Criti­ cal Assessment ", Journal of Sociolinguistics, Vol. 9, No. 3 (2005), pp. 448-460. 38. -Grin, Francois. "Economic Considerations in Language Policy", In: Ricento. Thomas (ed.), An Introduction in Language Policy (Oxford: Blackwell, 2006), pp. 77-94. 39. -Grin, Francois. "Why Multilingualism is Affordable", Santiago de Compostela, Seminario sobre Lingua, Sociedade i Política en Galicia, Santiago de Compostela , 4 May 2010. 40. -Habermas, Jürgen. The Postnational Constellation (Cambridge: The MIT Press,

41. - Jones, Eric. "The Case for a Shared World Language" In: Mark Casson, et al. (eds.), Cultural Factors in Economic Growth (Berlin: Verlag, 2000), pp. 210- 234. 42. -Koening, Matthias & Paul de Guchteneire. "The Political Governance of Cultural Di­ versity", In: Democracy and Human Rights in Multicultural Societies (Paris: Unesco, 2007), pp. 3- 17. 43. -Kymlicka, Will. Multicultural Citizenship (Oxford: Clarendon Press, 1995). 44. -Kymlicka, Will & Alan Patten (eds.). Language Rights and Political Theory (Oxford: Oxford University Press, 2003). 45. -Kymlicka, Will. Multicultural Odysseys: Navigating the New International Politics of Diversity (Oxford: Oxford University Press, 2007). 46. - Les Nouveaux Enjeux de la Francophonie au Maroc (Rabat: Ambassade de France,

47. -Maurais, Jacques. " Vers un Nouvel Ordre Linguistique Mondial ? ", Termino­ gramme, No. 99-100 (2001), pp. 7- 33. 48. -Reitz, Jeffrey & al. Multiculturalism and Social Cohesion: Potentials and Challenges of Diversity (London: Springer, 2009). 49. -Smalley, William. Linguistc Diversity and National Unity (Chicago: The University of Chicago Press, 1994). 50. -Tawil, Sobhi, Sophie Cerbelle & Amapola Alama. Education au Maroc: Analyse du Secteur , Rapport de l’UNESCO (Rabat, 2010). 51. -Unesco. Investir dans la Diversité Culturelle et le Dialogue Interculturel , Rapport Mondial (Paris: Editions Unesco, 2009). 52. -Van Parijs, Philippe. " Linguistic Justice ", In: Will Kymlicka & Alan Patten (eds.), Language Rights and Political Theory (Oxford: Oxford University Press, 2003), pp.

53. -Vermeren, Pierre. École, Élite et Pouvoir au Maroc et en Tunisie au XXe siècle (Ra­ bat: Alizés, 2002). 54. -Yves, Peter. "Global English: Linguistic Imperialism or Practical Lingua Franca?", Studies in Language & Capitalism, No. 1 (2006), pp. 121-141.