Return to Article Details Translation into Arabic: Strengthening Culture and Building Identity

الترجـمة إلى العربيـة دورها في تعزيز الثقافة وبِناء الهُويّة

Translation into Arabic: Strengthening Culture and Building Identity

بسّام بَركة

Bassam Baraka

الملخّص

يناقش الباحث الجدليّة بين تطوّر اللغة و " استعمالها " على أيدي أبنائها، مستنتجًا أنّ تطوّر اللغة العربيّة وتطوّر المعرفة والثقافة العربيّتين يرتبطان بالدور الذي تضطلع به الترجمة إلى اللغة الأمّ. ويخلص إلى أنّ المعرفة وحدها "منقولة عن الفكر الأجنبي أم أصلية" لا تكفي عربيًّا لمواكبة الحضارة العالميّة، فإذا لم تكن المعرفة وسيلة يتّخذها أبناء اللغة الواحدة من أجل تكوين تيّارات فكريّة خاصّة بهم تحصن ثقافتهم وتسهم في بناء هويّتهم، فإنّ هذه المعرفة المنقولة ستبقى في طيّات الكتب ولن تُؤتي ثمارها المرجوّة.

Abstract

The dialectic between the evolution of language and "its use" by speakers is here discussed in order to highlight how the evolution of Arabic and that of Arabic knowledge and culture is inextricably linked with the role of translation into Arabic. The author concludes that knowledge alone, whether transferred from foreign or native thought, is not sufficient for Arabic to keep up with global civilization. If knowledge is not the means adopted by speakers of a language to create their own intellectual trends to circumscribe their culture and help build their identity, then transferred knowledge will remain hidden in books and not bear its expected fruits.

الكلمات المفتاحية:
  • الحضارة
  • الترجمة
  • الثقافة
  • الهوية
  • المعرفة .
Keywords:
  • Civilization
  • Translation
  • Cultural Studies
  • Knowledge

دورها في تعزيز الثقافة وبِناء الهُويّة

يناقش الباحث الجدليّة بين تطوّر اللغة و " استعمالها " على أيدي أبنائها، مستنتجًا أنّ تطوّر اللغة

العربيّة وتطوّر المعرفة والثقافة العربيّتين يرتبطان بالدور الذي تضطلع به الترجمة إلى اللغة الأم.ّ ويخلص إلى أنّ المعرفة وحدها (منقولة عن الفكر الأجنبي أم أصلية) لا تكفي عربيًّا لمواكبة

الحضارة العالميّة، فإذا لم تكن المعرفة وسيلة يتّخذها أبناء اللغة الواحدة من أجل تكوين تيّارات

فكريّة خاصّة بهم تحصِّن ثقافتهم وتسهم في بناء هويّتهم، فإنّ هذه المعرفة المنقولة ستبقى في طيّات

الكتب ولن تُؤتي ثمارها المرجوّة. من المعروف أنّ الدّراسات الحديثة في مجال اللّسانيات والأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية، قد توصّلت

إلى توضيح التّأثير المتبادَل بين اللّغة والهُوية. والمقصود باللّغةِ هنا اللّغةَ الأمَّ، وبالهُويةِ الهُويّةَ الفردية

والاجتماعية على حدٍّ سواء. لقد عرف الوطن العربي في القرن التّاسع عشر وبدايات القرن العشرين نهضةً كبيرةً؛ كان للترجمة فيها دورٌ كبير.ٌ

وبعد أن مرّ العالم العربيُّ بسنوات عِجافٍ نسبيًا، في مجالات التفاعل الثقافي والبحث العلمي وتطوير المعارف، فإن

حركة الترجمة العربية تشهد منذ مطلع القرن الحالي تأسيس منظمات ومراكز ومعاهد وصلت إلى أعلى درجات

النقل من اللغات الأجنبية إلى العربية، وهو الأمر الذي يدل على أن العالم العربي يلج في عصر جديدٍ من النّهضة

الفعلية والواعدة؛ على صعيد ع لميّة الكتب المترمجَة، ورِفعة مواضيعها، وتخصّص نصوصها من جهةٍ، وعلى صعيد

نوعيّة الترجمة ومراحل إنتاج النصوص المُترجمة من جهةٍ أخرى. وسنتناول في هذا البحث، الجوانب التي تتّصف بأنها مترابطةٌ في ما بينها؛ نعني تلك التي تكوّن الأسس الفكرية

والاجتماعية التي تتفاعل معها عمليّة الترجمة. وسنحاول في البداية، أن نعرّف اللُّغة من وجوه عدّةٍ؛ فلسفيةٍ ولسانيةٍ

واجتماعيةٍ. ثمّ سنقدّم ثانيًا آخر ما توصّل إليه المفكِّرون في تحديد الثّقافة ودورها في سلوك الإنسان المعاصر. وثالثًا،

سنرى كيف تسير عملية بناء الهُويّة في المستو نيْ الفردي الذاتي والاجتماعي المشترك. وفي نهاية تحليلنا لكلّ جانب

من هذه الجوانب الثلّاثة، سنقوم بتحديد تأثير كلٍّ منها في الآخر، كما سنُب دور الرتّ جمة من اللّغات الأجنبية إلى

اللُّغة الأمّ فيها. وسنتناول أوضاع الترجمة في العالم العربي؛ مع الرتّكيز -من جهةٍ- على الكتب المُترجمة في لبنان، بما فيها المراحل

الأساسيّة التي يمرّ بها الكتاب المُترجَم، وتسليط الضّوء - أخرى من جهةٍ- على الدور الذي تضطلع به الترجمة إلى

اللُّغة العربية في تعزيز المعرفة عند الإنسان العربي. وفي النّهاية، سنب أنّ المعرفة لوحدها -سواءً كانت منقولةً عن

الفكر الأجنبيّ أو لم تكن- لا تكفي لكيْ أن يدخل العالم العربي في رِكاب الحضارة العالمية المعاصرة. فإذا لم تكن

المعرفة وسيلةً يتّخذها أبناء اللُّغة الواحدة من أجل تكوين تيارات فكريةٍ خاصّةٍ بهم، تحصِّن ثقافتهم، وتُساهِم في

بناء هويّتهم؛ فإنّ هذه المعرفة المنقولة ستبقى في طيّات الكتب، ولن تُؤتي ثمارها المرجوّة.

أولّا: اللُّغة في قصّة آدم

حلَّل العديدُ من الفقهاء واللُّغويين دور اللُّغة عمومًا، واللّسان العربيّ خصوصًا، في النصّ القرآني. وما يهمّنا هنا،

هو جانبان أساسيّان من موقف القرآن الكريم من الل. غة الجانب الأوّل: يتمثّل في أنّ تلقّي الخطاب اللّساني، هو

فعلٌ إيمانيٌّ مطلوبٌ من كلِّ مسلم، والثاني: هو أنّ آدم (عليه السلام)، تميّز عن سائر المخلوقات بتعلُّم الأسماء. صحيحٌ أنّ الآيات القرآنيّة تدعو النّاس إلى إعمال العقل، للتيقّن من وجود الله، والإيمان بقوّة الخالق؛ وصحيحٌ أهنّا

تحثّ المؤمنين على تدبّر القرآن الكريم في حياتهم اليومية، من أجل التّحضير لحياتهم الآخرة؛ غير أنّ ذلك جميعًا،

يبدأ من تلقّي النص القرآني، وفهمه واستيعاب معانيه. وهناك العديد من الآيات القرآنية التي تركّز على ارتباط

اللّغة العربية - أو أيّ لغة-ٍأخرى بالدّعوة إلى الإيمان، والانخراط في صفوف عباد الرحمن. ومن ناحيةٍ أخرى، يُعد

الأسلوب اللُّغوي من علامات الإعجاز في القرآن الكريم. إنّ أول ما يميِّز به الله (سبحانه) آدم عن سائر المخلوقات، هو معرفة " الأسماء ". تقول الآية الكريمة: ﴿وَإذْ قَالَِ

رَبُّكَ للْملَائكَِةِ إ جَاعِلٌ يفِ الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَجتَ عَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ويَسْفِكُ الدِّمَاءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بحَمْدِكَ

وَنُقَدِّسُ لكَ قَالَ إ أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ * وعلَمَّ آدمَ الأَساْمءَ كُلَّهَا ثُمَّ عرضَهُمْ عىلَ املْلائَكَِةِ فقَالَ أَنْبئُوينِ بأَِساْمَءِ

هَؤلُاء إنْ كُنتُمْ صَادقِينَ * قَالُوا سُبْحَانكَ لا عِلْمَ لنَا إلاَِّ مَا علَّمْتنَا إنَّكَِ أَنْتَ الْعَلِيمُ احلَْكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبئْهُمِ

بأَِساْمَئهِمْ فلَّ أَنْبأَهُمْ بأَِساْمَئهِمْ قَالَ أَملَْ أَقُلْ لَكُمْ إ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ ومَا كُنتُمْ

تَكْتمُونَ﴾ [البقرة.]33-30: لا نريد أمام هذه الآية، أن نقف عند الجدل الذي شغل الفلاسفة قبل الإسلام وبعده. وهو الجواب عن السّؤال:

هل اللّغة توفيقيةٌ أم توقيفيّةٌ؟ وإنمّا نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، أي ما يمكن أن نستشفّه من هذه الآيات في

ما يتّصل بالعلاقة الأساس التي بدأت منذ أن خُلق أبو البشرية: أي العلاقة بين الإنسان (أوالً)، واللُّغة (ثانيًا)،

والمخلوقات (ثالثًا.) في البداية، يجب التذكير بأنّ مفردة " الأسماء " هنا، لا تدلّ على المفردات التي تقابل في اللُّغة الأفعالَ والحروفَ

وغيرها. بل من المفروض أن تُفهم باعتبارها " ألفاظ اللّغة "؛ بغضّ النّظر عن تصنيف النّحاة واللّغويين، وبعيدًا عن

اعتمادها كإشارةٍ إلى الأشياء المحسوسة فقط. علّم آدم الأسماء كلّها: أي أعطاه موهبة إطلاق الأسماء، واستعمال

اللُّغة للدلالة على ما يستطيع رؤيته، ووعيه، وإدراكه. ونستنتج من هذه الآية الملاحظات التّالية: إنّ المخلوقات كلّها (مفاهيامً وأفكارًا وأشياء وصورًا ذهنيّةً تتعلّق بها)؛ توجد بمعزل عن أسمائها وإشاراتها، أو

الألفاظ التي تدلّ عليها. هذا ما نقرأه في الآية: ﴿هُوَ الَّذِي خلقَ لَكُمْ مَا يفِ الأَرْضِ مجَِيعًا ثُمَّ اسْتوَى إىلَِ السَاّمَءِ ﴾

:[البقرة.]29 لا يَعرف النّاس (وأوهّل م أبوهم آدم) الأسماءَ التي تدلّ على هذه المخلوقات إالّ بإذن ر م؛ أي بالتعلّم، وليس

بالفطرة. إذا التقط وعيُ الإنسان هذه المخلوقات، واستطاع أن يُسمّيها؛ انفصل عنها بصفته مخلوقًا من مخلوقات الله. وأصبح

في منزلةٍ أعلى منها (وفي منزلة أهمّ من منزلة الملائكة عند الله)؛ نظرًا لما يستطيع القيام به من تصوّر وجودها،

واستيعاب خصائصها، من خلال الإشارات التي ترمز إليها. وكما يُقال في الفرنسية، تسمية الأشياء هي امتلاكها

.) Nommer c’est posséder (

يؤدّي كلّ ذلك إلى تبوّئ الإنسان مركز " خليفة " الله على الأرض. لقد ورث البشر من أبيهم آدم هذه الملكةَ في استعمال الرموز؛ للدلّالة على وعيهم بالأشياء. وبذلك تكون اللّغة

موهبةً يضعها الخالق في الإنسان. وبمعنى آخر، فهي القدرة التي تُول د مع الإنسان، وتتيح له أن يستعمل نظام

رموز (أيًّا كان هذا النظام) للتّعبير عن العالم كما يراه، وللتّواصل أيضًا مع الآخرين. وهذه الفكرة الأخيرة، هي في الواقع ما يردّده نعوم تشومسكي في تعريفه للكفاية اللغوية. وسنعود إليها في معرض

حديثنا عن تعريف الثقافة ودور اللُّغة في تحديدها.

ثانيًا: اللُّغة وخصائصها الذاتية

إذا نظرنا إلى الترجمة في معناها العام، وجدنا أنّ كلّ إنسان على وجه هذه المعمورة، يقوم بنوعٍ ما من الرتّجمة. فأيّ

إنسان من بني البشر، يستعمل لغته ليترجم أفكاره، أو لينقل أحاسيسه، أو ليُعربّ عن موضوعٍ ما. وهو بذلك ينقل

مضامين معيّنةً من نظام معرفيٍّإلى نظام معرفيٍّآخر. لكنْ، في المعنى الحصري لهذه الكلمة، الرتّجمة هي التعبير بلغةٍ

معيَّنةٍ عن مضامين خطاب مع وُضع بلغةٍ أخرى، كتابةً أو شفاهةً. ومن هذا المنظور، فإذا أردنا أن ندخل في

تفاصيل ديناميّة الرتّجمة وإمكانات نجاحها؛ فلا بدّ لنا من تحديد اللُّغة وخصائصها.

1  راجع: بسّام بركة، " الإشارة: الجذور الفلسفيّة والنّظرية اللّسانية "، الفكر العربي المعاصر، العدد 30 / 31 (صيف 1984)، ص 2  يقول الفيلسوف الإنكليزي جون لوك (John Locke) في هذا الصدد: " إنَّ الحرية التي كان ينعم بها آدم في إعطاء اسم جديد

لأيّ فكرةٍ كانت؛ لا تزال اليوم موجودةً عند كل واحدٍ منا (...). أنا أقول إننا نملك اليوم الحقَّ نفسه، لكنْ مع الفارق أنه في الأماكن التي

وَحّد فيها الناس أنفسهم في مجتمعٍ ما، وفي حال كانت لديهم لغةٌ خاصة بهم، ينبغي ألا يُغ معنى الكلمات إلا بالكثير من الحَذر، وفي أقلّ

ما يُمكن من الحالات " راجع:.

Sylvain Auroux et al., Philosophie du Langage (Paris: PUF, 2004).

لقد درج علماء اللّسانيات على التّأكيد على أنّ اللّغة أيًّا كانت، تمتاز بخصائص تميّزها عن غيرها من وسائل التواصل

البشرية. ونذكر من بينها الخصائص الأساسية التالية: الاعتباطية أو الكيفية: أي إنّ الكلمة (أو الإشارة اللّسانية، كما يُقال)، تتكوّن من دالٍّ هو الصورة

الصوتية، ومن مدلول هو الفكرة أو المفهوم؛ وأنّ العلاقة بينهما هي علاقةٌ اعتباطيةٌ. بمعنى أنّه لا

يوجد أيُّ عنصر في الدالّ يدلّ بطريقةٍ مباشرةٍ وضمنيةٍ على المدلول. ومثال ذلك، أنّه لا يوجد في تتالي

الأصوات " س " + " م " + " ك " + " ة "، ما يدل على فكرة " السمكة "؛ سوى الاتفاق أو المواضعة بين أبناء

العربية على استعمال هذه الأصوات المتتالية، للدلّالة على هذا الحيوان المائي. النّظام: أي إنّ اللُّغة تُعدُّ نظامًا من الإشارات؛ بل هي " نظامٌ من الأنظمة "، لا يستطيع المتكلّم الخروج

عن القواعد التي تسوسها، ولا استعمالها في غير الوظائف التي وُضعت من أجلها. وهناك ملاحظة

عميقةٌ جدًّا لرومان جاكوبسون في هذا السياق؛ فهو يقول: " تختلف اللّغات بعضها عن بعضٍ جوهريًّا

في ما " يجب " أن تعربّ عنه، وليس في ما " تستطيع " أن تعربّ عنه ". المفارقة: أي إنّ اللُّغة تقوم على عناصر تتمايز في ما بينها على جميع المستويات. فعلى سبيل المثال؛ هناك

اختلافٌ على مستوى الصّوت (الباء تُلفظ بطريقة مخالفةٍ للفظ الفاء...إلخ)، وعلى مستوى الوظيفة

النحوية (هناك تمايزٌ بين الفاعل والفعل والمفعول، والأداة والحرف والكلمة... إلخ.) جالتّمفصل المزدو: تعمل كلّ لغة من لغات العالم في مستو نيْ اثنين: مستوى " المونيم "، أي الوحدة

الدلالية الصُغرى التي تحمل معنى؛ ومستوى " الفونيم "، أي الوحدة الصوتية الصغرى التمّايزية، التي لا

معنى لها. ففي الجملة " يتنزّه الولدان في الحديقة مع والدهما " مثالً، إذا تناولنا كلمة " الولدان "، وجدناها

تتكوّن - في المستوى الأول - من ثلاثة مونيمات هي: " ال " الذي لا يمكن تقسيمه إلى وحدات دلاليةٍ

أصغر، والذي يدلّ على التعريف؛ و " ولد " الذي يدلّ على الكائن البشري الصغير في العمر؛ و " ان "

الذي يدل على المثنّى. وفي المستوى الثاني، يتكوّن كلّ مونيم من هذه المونيمات الثلاثة من أصوات تمايزيّةٍ

صغرى، لا دلالة لها، هي الفونيمات. المونيم " ولد " مثالً، يتكوّن من الفونيمات: " و " + فتحة + " ل "

+ فتحة + " د ". الإبداعيّة: يتمتّع كلُّ كائن بشريٍّ يعرف لغةً ما، بالمقدرة على فهم مجُل، وإنتاج مجُل لم يسمعها في هذه

اللُّغة من قبل. وهذا ينطبق خصوصًا على اللُّغة الأم، وعلى الأطفال في وضعيّة التعلّم. وقد لاحظ

ديكارت هذه الخاصّية، في كتابه حديث الطريقة (القسم الخامس)؛ غير أنّه كان ينسبها إلى العقل، وليس

إلى اللّغة. وقد أصبحت اللّغة -بناءً على ذلك- علامةً على وجود النفس في الجسد. وهناك أحد تلامذة

ديكارت، هو الأب لامي (Lamy. P)، الذي يُعربّ عن هذا الموقف تعبيرًا ممتازًا، بالقول: " هناك

بالتأكيد فارقٌ بين الأطفال وبين الطيور التي لا تملك عقالً، والتي لا تلفظ العددَ الصغير من الكلمات

التي تعلَّمَتْها بصعوبةٍ شاقّةٍ إالّ في الترتيب نفسه، وفي المناسبة نفسها التي تلقّت فيها أعضاؤها هذا

الترتيب في لفظ الكلمات. في حين أنَّ الطفل يُرتّب الكلمات التي تعلّمها بطُرقٍ مختلفة، ويستعملها في

ألف استعمال مختلفٍ".

3  R. Jakobson, Essais de Linguistique Générale (Paris: Les Éditions de Minuit, 1963), p. 84. 4  Lamy, La Rhétorique ou l’Art de Parler (Amsterdam: P. Marrey, 1699), p. 72

ويقلب تشومسكي -وكلُّ المدرسة التّوليديّة من بعده- هذه الإشكالية؛ فيجعل من خاصيّة " الإبداعية " صفة

أساسيّةً من صفات اللُّغة نفسها. ويمكن تحديدها بأهنّا إمكانيّة توليد عددٍ لا متناهٍمن الجمل الجديدة، انطلاقًا

من مخزون صغير من العناصر. وهكذا، فإنَّ تشومسكي يجيب عن السؤال التّالي: " كيف تُعرِّف اللُّغة؟ "، بقوله:

" أعتقد أنَّ اللُّغة هي قبل كلّ شيءٍ وسيلةٌ لإبداع الفكرة والتعبير عنها، بالمعنى الأوسع للكلمة، ومن دون الاكتفاء

بالرجوع فقط إلى مفاهيم ذات طابعٍ فكري ". هنا، لا بد لنا من التوقّف عند مفهوم الإبداعية هذا. فنحن بإمكاننا أن نعتمد على هذه الخاصيّة اللّغوية لدحض

موقف من يقول إنّ الرتّجمة مستحيلةٌ، وإنّه لا يُمكن التّعبير بلغةٍ ما عامّ يُع عنه بلغةٍ أخرى. فإذا كانت اللُّغة أيًّا

كانت، تتّصف بأنّ المتحدِّث بها يستطيع أن يفهم جمال لم يسمع بها من قبل، وأن ينتج جمالً جديدةً لم تُنتَج في هذه

اللُّغة من قبل؛ فهذا يعني أنّه من الممكن تمامًا أن نع بأيِّ لغةٍ كانت، عامّ يُع عنه بلغةٍ أخرى، حتى ولو لم تُستعمل

اللُّغة الأولى سابقًا في مثل هذا التّعبير.

ثالثًا: اللُّغة الأمّ وعلاقة اللُّغة بالفكر

التقت الدّراسات اللّسانية النظريّة والبحوث الأنثروبولوجيّة التّطبيقية لتأكيد الارتباط الوثيق بين اللّغة والفكر.

وإذا كانت الهُويّة تُبنى ذاتيًا واجتماعيًا على أسُس تواصليّةٍ بين الفرد ومحيطه؛ فإنّ اللّغة تدخل في أساس هذا

التواصل بين الفرد وذاته، وبين الفرد ووسَط.ِه تتموضع اللّغة الأمّ في نقطة الالتقاء بين استعداد المرء لاكتساب نظام الرّموز، من جهة؛ وتأثير محيطه الاجتماعي

واللساني فيه، من جهة أخرى. والواقع أنّ هذا التأثير يبدأ منذ الولادة، ويستمر في سنّ الطفولة. ولا تمّحي آثار

اللّغة الأمّ مهما تغريّت الألسن التي يستعملها المرء عندما يتخطّى مرحلة المراهقة. وإذا انتقلنا إلى ما يقوله العلم الحديث في ما يتعلّق باللّغة وفرادتها عند الجنس البشري؛ وجدنا أنّ الإنسان يستعمل

أعضاء لم ختُلق في الأصل لتملأ وظيفة النّطق بالكلمات. فالشفتان تُستعملان لإغلاق الفم عند بلع الطعام،

واللّسان للمساعدة في المضغ والبلع، والرّئتان للتنفس، والمنخران للشمّ... وهناك وظائف حيويّة أخرى تؤديّهاِ،

وهي تختلف عن وظيفة الكلام. ويبدو أنّ الإنسان، خلال مراحل عديدة من تاريخ الجنس البشري؛ قد طوَّر هذه

الأعضاء ومرنّها، وجعل منها آلةً صوتيّةً، وذلك بالتزامن مع تطوّر آخر جرى في قشرة الدّماغ المرتبطة باستعمال

الرّموز اللفظية. هكذا، يقوم الإنسان بتحليل هذا العالم وتقسيمه إلى أجزاء يمكن عزل بعضها عن البعض الآخر أمام العالم

الخارجي؛ ذاك العالم الذي يقدّم نفسه إلى حواسّنا بصورة متواصلةٍ ومتتابعةٍ مثل السّلسلة المتجانسة. ولا يمكن أن

يحصل ذلك التّحليل إالّ بواسطة اللُّغة وعبرها. فعندما يُدرِك الإنسان العالم الخارجي بوساطة التصوّرات الذهنية؛

فإنّه لا يدركه متواصالً، وكما هو في الحقيقة، بل يراه وكأنه سلسلةٌ من الوحدات المتمايزة التي تعربّ عنها مفردات

اللُّغة وتراكيبها. هنا، لا بدّ من العودة إلى نظرية لسانيّة أنثروبولوجيّةٍ تؤكّد هذه العلاقة بين اللُّغة الأمّ ورؤية العالم المحيط. يقول

بنيامين لي وورف: " إننا نجزّئ الطبيعة تبعًا للخطوط التي ترسمها لنا لغتنا الأم [...]. ونحن نقوم بتقسيم الطبيعة

5  N. Chomsky, Structures Syntaxiques, Traduit de l’anglais par Michel Braudeau (Paris: Éditions du Seuil, 1969), p. 30.

تقسيامً منهجيًا، وننظ مها ضمن مفاهيم متمايزة، ونُعطيها دلائل بموجب اتفاقيةٍ تحدِّد رؤيتنا للعالم. وهذه الاتفاقية

تعترف بها الجماعة اللّسانية التي ننتمي إليها، وهي منظمة تبعًا لنماذج لغتنا ". ولا تعني كلمة " الطبيعة " عند

وورف الطبيعة الخارجية فقط؛ بل إهنّا تضمّ كلّ ظواهر الحياة الفكرية، من إدراك العالم الخارجي إلى عملية التّفكير

البحت. ذلك لأنَّ الفكر ذاته يعني بالنسبة إلى وورف التفكيرَ بلغةٍ معيَّنةٍ. تقودنا هذه النظريّة الأساسية في علاقة اللّغة بالفكر وبتصوّر العالم المحيط، إلى التوسّع في دور اللّغة الأمّ بصنع ثقافة

أبنائها، وبناء هُويّتهم. تُعدُّ اللُّغة الأمّ من أهمّ روافد الثقافة ومكوّناتها. فعاملِ الأنثروبولوجيا، أدوار سابير، يُدرج اللسانيات وفلسفة اللُّغة

والحياة الاجتماعية في دراسةٍ شاملةٍ للثّقافة والهُويّة والبنية الاجتماعية. وهو يركِّز على أمريْن أساسيَنّيْ في مختلف

أعماله المتعلِّقة بهذا الموضوع: الأوّل، يقول سابير: إن اللّغة التي تنتمي إلى مجتمعٍ بشريٍّ معنيّ، والتي يتكلّمها أبناء هذا المجتمع، ويفكِّرون

بوساطتها؛ هي المنظ م لتجربة هذا المجتمع، وهي تصوغ " عالمه " و " واقعه الحقيقي ". فكلُّ لغة بالنّسبة إليه، تنطوي

على رؤيةٍ خاصّة للعالم، وهي تتضمّن-بناءً على ذلك- ثقافةً مستقلّةً تشمل رؤية الدّاخل (علاقة الإنسان بنفسه)،

ورؤية الخارج (علاقة الإنسان بمحيطه.) الثاني، هذا يعني أنّ اللّغةَ مؤسَّسةٌ ثقافيّةٌ تختلف باختلاف الشعوب، وتحمل وظيفةً أساسيةً هي وظيفة التواصل.

وعلى الرّغم من أنّ المجتمع البشريَّ حيَظى بوسائل تواصليّةٍ أخرى؛ فإنّ اللّغة تبقى أهمّ وسيلة اتّصال، نظرًا إلى

كونها  " تحقيقًا صوتيًّا لميل الإنسان إلى رؤية الواقع بطريقةٍ رمزيةٍ". وهذا يعني أنّ الواقع الخارجيّ يتمثل في ذهن

الإنسان، ضمن نظام يتكوّن من مجموع القواعد والرموز التي تمثّل حدود ثقافته. من ناحيةٍ أخرى، يقول سابير: " على الرّغم من أنّ اللّغة لا تُعد -في العادةِ- مادّةَ دراسةٍ في العلوم الاجتماعية؛ فإهنّا

تتحكّم كثيرًا في أفكارنا المتعلّقة بالمسائل الاجتماعية [...]. ومن الخطأ تصوّر أنّ الإنسان يتكيّف مع واقعه، من

دون استخدام اللُّغة، وأنّ اللُّغة هي فقط وسيلةٌ عرضيةٌ لحلّ مشاكل الاتصال والتفكير. كل ما في القضية هو أنّ

العالم الواقع مبنيٌّ بطريقةٍ لا واعيةٍ على أساس عادات الجماعة اللّسانية ". لكنْ، إذا عدنا إلى التّجارب التي قام بها علماءُ نفس الط فل، وكذلك إذا تعمّقنا في نظرية سابير و وورف وعلماء

اللُّغة من بعدهما؛ لاستنتجنا أنّه من غير الممكن دمج الفكر باللّغة، أو اللّغة بالفكر. فالتّجارب التي أجراها علماء

النّفس لمعرفة العلاقة التي تربط بين تطوّر ذكاء الطفل، وتطوّر اكتسابه للغته الأمّ؛ تبنيّ أنّ التطوّر المعرفي مستقل

عن اللّغة عند الطّفل في أشهره الأولى. لكن، ما أنْ تُستعملْ اللّغة في شكلها المنظَّم والتّقعيدي؛ حتّى تُقادَ إلى القيام

تدريجيًّا بدور يزداد أهميةً شيئًا فشيئًا في مرافقة النشاطات المعرفية التي كانت موجودةً مُسبقًا ودعمها، أو التي هي

موجودةٌ بشكل منفصل عنها نوعًا ما. عندها يُصبح اقتران الل غة بالمعرفة وطيدًا، ويشتدّ قوّةً. وقد قدّم فيتغوسكي

(Vitgosky) الصّورة التّالية عن هذه العملية التّدريجية لإنشاء نظام اللّغة / الفكر: على مستوى التطوّر المتكوّن ذاتيًّا، ينتج كلٌّ من الفكر واللّغة من مصادر مختلفة عن بعضها البعض.

6  A. SCHAFF, Langage et Connaissance (Paris: Anthropos, 1969), Collection Points, pp. 93- 98. 7  Ibid., p. 98. 8  L. Vitgosky, Thought and Language, translation newly revised and edited by A. Kozulin (Cambridge: Ma- The MIT Press, 1986), p. 44.

على مستوى النموّ اللّغوي عند الطفل؛ يُمكننا -وبكلّ تأكيدٍ- إثباتُ وجود مرحلةٍ تسبق الفكر. وعلى

مستوى التطوّر الفكري؛ يُمكننا إثبات وجود مرحلةٍ تسبق اللّغة. يسير كلّ مستوى من هذين المستو نيْ من النموّ، في طريق مستقلّ عن الآخر؛ وذلك إلى حدود

مرحلةٍ معيّنة.

في لحظةٍ معيّنة، يلتقي هذان الطريقان، ويصبح الفكر لغويًّا؛ في حين تصبح اللّغة عقلية.ً

رابعًا: اللُّغة الأم وإدراك العالم

من الممكن القول إنه، في شتى الأحوال، لا يوجد إال عالمٌواحدٌ. وعندما يتكلّم المرء عن العناصر التي يتكوّن منها

ذلك العالم؛ فإنه يتكلّم بالضبط عن العناصر نفسها، وذلك مهما كانت الل غة التي يستعملها. وبذلك يمكن لهُويّة

الواقع أن تُدرَك بصفتها الخاصية الثابتة والمتوفّرة للجميع؛ متجاوزةً بذلك الفارق بين اللّغات. هذا قولٌ صحيح،

لكنّه لا يعني بالضرورة أنّ شخصين يتكلمّان لغتين مختلفتين، يُفكّران في الشيء ذاته لما يكونان بإزاء عنصر واحدٍّ

من عناصر العالم الخارجي. هذا في ما يتعلّق بالفكر؛ أمّا المعنى اللّغوي الذي يرتبط بهذا الفكر، فإن وجوده هو

الذي يجعلنا نؤكِّد أنّنا نتكلّم عن الشيء نفسه، عندما نقوم بالترجمة من لغة إلى أخرى. فكلّ اللّغات تُؤسَّس على

نمطيةٍ واحدةٍ، هي الفطرة التي فطر الله عليها المخلوقات، والتي تعود إلى ملكة اكتساب اللّغة، وإلى تسمية الأشياء

عند آدم. وفي هذا المجال، يقول سيلفان أورو عند مناقشته لفرضية سابير ووورف: " الأمر هنا يتعلق بالاعتراف بأنّ هناك

تأثيرًا في المعرفة، متُارسه في الاتجاه نفسه كل اللغات البشرية؛ وذلك باعتبار خاصيّة من خصائص اللّغة البشرية

عامّةٍ جدًا وعالمية: إهنّا خاصية تعميميّة (généralisante) بحُكم الضرورة، وترسيميّة (schématique) بحكم

الأمر الواقع، وبحكم البنية الأساس. وهذا أمرٌ يختلف عن المسألة الأخرى، التي تحاول معرفة ما إذا كانت كلّ لغةٍ

لوحدها تتميّز -بما فيه الكفاية- بترابطٍ بنيوي؛ وذلك من أجل اقتراح-بل وكذلك من أجل فرض- للواقع نمطٍ،

يسمح بتكييف المتكلّمين بهذه اللّغة، ضمن نموذج محدَّدٍ للإدراك، بل ضمن طريقةٍ معيّنةٍ للعمل ". انطلاقًا من هذه النظريات، نستطيع القول إنّ اللّغة الأمّ أساسيةٌ في استيعاب المعارف؛ بقدر ما تدخل في بناء اله ويّة

الفردية والاجتماعية على حدٍّ سواء. ونقول: " بناء " الهُويّة؛ لأهنّا في الواقع تُكتسب مع الثقافة، وتتغير وتتشكل

من خلال مجابهة الفرد مع الجماعة والتماهي معها والانفلات منها، ثم العودة إليها. وإذا كانت اله ويّة تقوم على

هذا التفاعل المتعدّد، والقائم على انخراط الفرد في مجتمعه؛ فإنّ اللّغة، التي هي الأداة الأولى والأهمّ في عمليات

التواصل والاندماج داخل المجتمع، هي الأداة الأساس لتحديد الهُويّة والتعرف إلى الذّات. وإذا كانت اللّغة العربية، لغتنا الأمّ، تُساهم مثل غيرها من اللغات البشرية في تكوين هذين الجانبين من اله ويّة عند

الإنسان العربي، أي الجانب الفردي والجانب الجماعي؛ فإهنّا تمتاز في هذا المجال عن غيرها من اللّغات بأهنّا كانت

ولا تزال تكوِّن المحور الذي تلتصق به هُويّة الدين. فهذا الجانب السمّاوي من هُويّة المواطن المسلم، يرتبط ارتباط ا

وثيقًا باللّغة العربية؛ لأهنّا لغة القرآن الكريم (لغة الإعجاز البياني)، ولغة الحديث النّبوي الشريف.

9  Sylvain Auroux, Op.cit., p. 129.

10  محمد باسم ميقاتي، ومحمد زهري معصراني، وعبد الله أحمد الدندشي، القطوف من لغة القرآن: معجم ألفاظ وتراكيب لغويّة من

القرآن الكريم (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون،.)2007

وبالانطلاق من واقع العلاقة بين اللّغة الأمّ والهُويّة عند الإنسان العربي؛ فإنّه يتحتّم على كلّ القوى الثّقافية

والسّياسية والاجتماعية في العالم العربي -السياسية منها والمدنية- أن تعمل على دعم حركة الترجمة، والإسهام

في تفعيلها على المستويات كلّها. فالرتّ جمة إلى العربية، هي أبعد من أن تكون استلابًا للهُويّة. إهنّا على العكس من

لَّهؤم هنأو، ةيبرعلا ةغّللاب هنع عُي، مَجترُي ام نأ الامط؛ اهئانبل زيزعتو اله ءانغإ كلذ لأن يدخل في أساس بناء

الهُويّة العربية.

خامسًا: "عصر الهويات" والتّماهي

يقودنا الحديث عن علاقة اللّغة بالفكر، ودورها في تحديد اله ويّة؛ إلى التعمق في مفهوم الهُويّة، على النّحو الذي

أضحى إنسانُ القرن الحادي والعشرين يتمثّلها ويبنيها. وممّا لا شك فيه، أنّنا نستطيع أن ندعو الزّمن الحاضر باسم " عصر الهُويّات "، كما يقول مارسيل غوشيه؛ ليس

فقط لأنّ الهُويّة أصبحت فيه العنصر الأساس في كيان الفرد. بل لأهنّا باتت تمثِّل النّقيض الكامل ملِا كان يُعد

في الماضي جوهر الهُويّة الفردية بالخصوص. قديامً، كان الإنسان يتحرّر من ذاته، ومن خصوصيّاته الفردية؛ من

أجل الوصول إلى ممارسة هُويّة يتشارك فيها مع شمولية المجتمع الذي ينتمي إليه: العشيرة أو القبيلة أو الإثنية

أو الوطن. أمّا اليوم، فقد ظهرت الصيغة الجديدة للهُويّة؛ وكأنها انقلابٌ على اله ويّة القديمة. وأصبحت نقطة

الارتكاز في تحديد الهُويّة واقعةً داخل الفرد وليس خارجه. أي إنّ الأنا الذاتي هو الذي يحدد ذاته من خلال انتماءاته

إلى المجموعة. يقول غوشيه: " وإذا كان يتوجّب عليك أن تميّز نفسكَ من خلال الخصوصيّات التي تحدِّدك، فإنَّ

ذلك من أجل أن تُعرِّف نفسك من خلالها. إذ أهنّا ما يُتيح لك الدخولَ في علاقةٍ مع الآخرين، وما حيُدّد هويّتكَ

في نظرهم، وما يمدّك أنت بالذات بالمعالم التي تمك نك من التّموضع حيالهم. لقد كان من الجيِّد أن تُوضع هذه

الخصوصيّات جانبًا عند الخوض في الحوار، وها هي قد أصبحت القاعدة التي يقوم عليها التبادل. أضف إلى ذلك

أنَّ هذه الاختلافات التي توجد في ذاتك، وبين ذاتك وذات الآخر؛ هي ما تتيح لك الدخول في المجال العام،ّ

وأن تتبوَّأ مكانك فيه. فالواقع أنه لم يعد على المجال العامّ أن يفرض حقيقته المجرّدة باسم المقاصد العامّة التي

من المفروض أن يُعتبر حصنها الحصين. وهو لم يعد من الممكن أن يتكوّن، قانونًا، إالَّ عن طريق إشهار التمايزات

الخاصّة. ولكي نُعدَّ فيها، يجب أن يكون لدينا خاصيّةٌ نستطيع إبرازها فيها ". ويتابع غوشيه هذا التّمييز بين تحديد الهُويّة كما كانت في القديم، وبنائها كما يحصل اليوم، بقوله: " إنّ نظامًا تقليديًّا

فعليًّا، نظامًا مُسلاّمً به بالكامل؛ هو نظامٌ غيرُ ذاتيٍّ من منظور هُويّة أولئك الذين يضعونه موضع التنفيذ. والآنِ،

صار الوضع معكوسًا تمامًا. فامتلاك الخصائص الجماعيّة الم تلقّاة، هو المُوجِّه لتمايز الذاتية الشخصية. إنَّ التبعيّة

تبعث على الذاتيّة؛ لأنها ما يُطالَب به، والتّبعيّة تُعزَّزُ من أجل الذّاتية التي تنتجها ". وفي الإطار نفسه، يتناول دنيس كوش مفهوم الأنا في تحديد اله ويّة، من خلال العلاقة بأفراد المجموعة. فهو وإن

كان يؤكّد على أنّ الفاعلين في المجتمع هم أنفسهم الذين يُضفون الدلالة على الانتماء الإثني؛ فإنّه يُركِّز على أن

عملية التواصل والعلاقات بين أفراد المجتمع، هي التي تُساهم في بناء الهُويّة. يقول كوش: " ليست هناك هُويّة في

11  مارسيل غوشيه، الدّين في الديموقراطية، ترجمة شفيق محسن، مراجعة بسّام بركة (بيروت: المنظّمة العربيّة للرتّجمة، 2007)، ص 12  المرجع نفسه، ص.115 13  المرجع نفسه، ص.116

ذاتها، ولا حتى لذاتها فحسب. اله ويّة هي دومًا، علاقةٌ بالآخر. وبتعبير آخر، الهُويّة والآخريّة متّصلتان، الواحدة

بالأخرى، وتجمعهما علاقةٌ جدليةٌ. إنّ التماهي يتوازى مع التمايز. وإذا اعتبرنا أن الهُويّة - دومًا - محصّلة صيرورة

تماهٍ، في وضعيةٍ علائقيةٍ، وأهنّا نسبية أيضًا، إذ يُمكن أن تتطوّر إذا ما تغريّت الوضعية العلائقية؛ فإنه يكون من

الأفضل - من دون شك - اعتماد " التماهي " مفهومًا إجرائيًا للتحليل، بدال من مفهوم " الهُويّة ".

سادسًا: اللّغة والثقافة

يقودنا الحديث عن دور اللّغة في بناء الهُويّة، إلى البحث في علاقتها بالثقافة، التي تُعدّ في أسّ الهُويّة الفردية كما

الاجتماعية. لكنْ ما الثقافة؟ وما علاقتها باله ويّة؟ وكذلك باللّغة؟ تختلف الثقافة عن الهُويّة في كونها غير واعيةٍ، وفي كونها وسيلة لتعلّم الحياة في المجتمع، وللتواصل بين الفرد

الواحد والأفراد الآخرين في المجموعة الواحدة. وهي كذلك تحمل مسارًا تاريخيًّا ينقل إرث الأجداد، ويسمح

للجماعة بأن تحافظ على تماسكها وتطوّرها الطبيعي. يقول رادكليف- براون (Brown - Radcliffe:) " تمتاز الحياة

الاجتماعية عند البشر، عن الحياة الاجتماعية عند الحيوان، بأمر أساس هو وجود الثقافة والتقاليد الثقافية. فانتقال

الطرق المكتسبة في التفكير والشعور والعمل التي تكوّن المسار الثقافي، وهو الس مة الخاصة بالحياة الاجتماعية

البشرية؛ لا بد من أن يكون جزءًا من ذلك المسار الشامل للتفاعل والتبادل بين الأشخاص، أو هو ذلك المسار

الاجتماعي الذي يكوّن الواقع الاجتماعي نفسه ". ويضع تايلور ((Tylor. B. E من جانبه التّحديد التالي للثّقافة: " إنها ذلك المجموع المعقّد الذي يضم المعارف،

والمعتقدات، والفنون، والعادات، والقوانين، والأعراف، وكل تلك القدرات الأخرى، والعادات التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوًا من أعضاء المجتمع ". أما من المنظور البنيوي؛ فإن الثقافة أيًّا كانت، حت -كما يقول كلود ليفي ستراوس (ُدَّد Strauss - Levi -) بأهنّا

" مجموع أنظمةٍ رمزيةٍ تقع في المرتبة الأولى فيها اللّغة، وقواعد الزواج، والعلاقات الاقتصادية، والفنون، والعلوم، والدين. وتهدف كل هذه الأنظمة إلى التعبير عن بعض جوانب الواقع المادي والواقع الاجتماعي، بل وكذلك عن العلاقات التي توجد بين هذين النمطين من الواقع، والتي توجد بين الأنظمة الرمزية في ما بينها ". وإذا أردنا أن نقابل بين اللُّغة والثقافة، من حيث هما نظامان يدخلان في كل مستويات الحياة البشرية؛ لرأينا أنّ

الثّقافة تسوس السلوك اليومي للفرد، كما تسوس اللّغة كلامه اليومي. وإذا كان الأفراد الذين يخضعون لقواعد

اللّغة، حيُ دثون فيها تغييرًا كلمّا استعملوها وفق حاجاتهم ووفق تطور وسائل التواصل في ما بينهم؛ فإن الأفراد

كذلك يطوِّرون ثقافتهم مع مرور الزّمن، عبر عمليّات التواصل التي يقومون بها في ما بينهم داخل المجموعة

14  دنيس كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة منير السّعيداني (بيروت: المنظّمة العربيّة للترجمة، 2007)، ص.154

15  A.R. Radcliffe-Brown, Structure et Fonction dans la Société Primitive (Paris, Editions de Minuit, 1969), série: Le Sens Commun, cité par: Pascal Perrineau, "Sur la Notion de Culture en Anthropologie ", In: Revue Française de Science Politique , 25e année, No.5, 1975, pp. 946-968. 16  E. B. Tylor, Primitive Culture (1871), cité par: Perrineau Pascal, Op. Cit., pp. 946-968. 17  C.Levi-Strauss, "Introduction à l'Oeuvre de M. Mauss", in: M. Mauss, Sociologie et Anthropologie (Paris: PUF,

الواحدة. ويُعربّ ليفي ستراوس عن هذا الترابط بقوله: " من الجانب النظري، تبدو اللّغة شرط ا أساسيًا لوجود

الثقافة؛ لكون الثّقافة تتمتّع ببنيةٍ شبيهةٍ ببنية اللّغة. فكلاهما يقومان على تقابلات وارتباطات متبادلةٍ. أي بعبارةٍ

أخرى، على علاقات منطقيةٍ". باختصار، جيُمِع علماء اللُّغة والاجتماع والأنثروبولوجيا على تحديد الثقافة بالعناصر الأربعة التالية: الثقافة غير فطريّةٍ، إهنّا لا تولد مع الإنسان؛ بل هو يكتسبها بعد ولادته، ويقوم ببنائها طوال سِنيّ

حياته، مثلها في ذلك مثل اللّغة. الثقافة هي مظاهر متعددة، تكوِّن في مجموعها نظامًا متكامالًِ، تتماسك داخله هذه المظاهر في ما بينها،

ويكملّ بعضها بعضًا. وتكوِّن اللّغة الأمّ الركيزة الأساس في هذا النظام.

الثقافة مشرتَكةٌ بين أفراد المجموعة الواحدة، وتكوِّن ميزتهم الخاصة. وعليه فهي تختلف من مجموعةٍ إلى

أخرى، في نظامها كما في مظاهرها. تمتاز الثقافة عن الهُويّة بكونها لاوعية، تمامًا مثل اللّغة التي تتشارك معها في خصائص متعدّدة.

أمّا عن موقع اللّغة الأمّ من الثقافة؛ فإنه يمكن القول إنّ تلك اللّغة هي من أهم العناصر التي تُسهم في تكوين

الثقافة. فمن بين المهامّ التي تضطلع بها في المجتمعات البشرية، مهمَّة " نقل التراث الثقافي "؛ ممّا " يخلِّف تأثيرًا

متباداَلً بين اللّغة والثقافة، ويجعلهما مظهرين لمعرفةٍ مشتركةٍ"، كما يقول مونود بيكلان. والواقع أنّ علماء اللّغة

والمجتمع والأنثروبولوجيا، يؤكّدون حقيقة أنّ الثقافة واللّغة تمثلّان عند العديد من الشعوب اله ويّة الأساس

للجماعة البشرية. وعندما نتحدّث في هذا المجال عن اللّغة، لا نعني بها اللّسان (مثل العربية والصينية

والفرنسية) فحسب؛ بل تشمل هذه الكلمة -كذلك- كلّ عناصر التواصل وأشكاله، مثل الحركات والتضمينات والإيماءات، وقواعد استعمال المكان والمسافات بين الأفراد في عملية التواصل. حتُدِّد الثقافة -بمعناها الجديد هذا- قواعد التّواصل بين الأفراد ضمن الجماعة الواحدة. وعمليّة تبادل الكلام

والأفكار بين شخصين أو أكثر، لا تجري بطريقة عشوائيةٍ كما يُظَنُّ؛ بل تخضع لمعايير تحدِّدها الأبعاد الثقافية للفرد

كما للجماعة، فيدخل فيها المستوى اللغوي، والمكانة الاجتماعية، والموقف الكلامي، ومكان الكلام... إلخ. ويؤكد

العلماء الأميركيون -الذين وضعوا النظرية التي أطلقوا عليها اسم " التواصل الجديد " - أنّ كلّ عملية تواصل،

هي معزوفةٌ تقوم بها " أوركسترا " من الأفراد، يعزِفها كلٌّ منهم انطلاقًا ممّا يعرف من قواعد التواصل، و " يُدَوْزِن "

ما يقوله وما يقوم به انطلاقًا من ردّات فعل الآخرين، ومن قدراته الثقافية. وهكذا، يتضمن النظام الثقافيّلكلِّ

مجتمعٍ من المجتمعات البشرية أنظمةً فرعيّةً، متلُي فيها على الفرد وسائل العزف داخل هذه الأوركسترا. ومعنى ذلك

18  C. Levi-Strauss, Anthropologie Structurale (Paris: Plon, 1958), p. 78.

19 يقول كلود حجاج في كتابه إنسان الكلام: " إن الألسنة لا تعيد ابتداع العالم بتنظيمه وفق مقولاته المفهومية الخاصة بها فحسب. وهي

لا تتطلب حتى وجوده بجانب الخطاب الذي تتحدث عنه. إنها تمثِّله وتعيد تقديمه بالمعنى الحرفي للكلمة. فالكلام يمحو الزمان والمكان

اللّذين يحيل إليهما بإعفاء الأشياء من الظهور لمجرد صوغها في كلمات ". راجع: كلود حجّاج، إنسان الكلام، ترجمة رضوان ظاظا،

مراجعة مصباح الصمد وبسام بركة (بيروت: المنظّمة العربيّة للترجمة، 2003)، ص.190

20 ولذلك، فقد اهتمت الأنظمة الديكتاتورية باللغة واستعملتها في سبيل ترسيخ أيديولوجيتها. فستالين -على سبيل المثال- قد منح

اللّغة واللّسانيات اهتمامًا خاصًا، وكذلك من جاء بعده من الحكام السوفيات، لدرجة أن النظام السوفياتي وُص ف بأنه " حكم الكلام ".

انظر: المرجع. نفسه، ص 266. وعلى نطاق الفنّ الروائي، انظر: جورج أورويل الذي يصف في روايته " 1984 " التي كتبها سنة 1948،

وبطريقة رائعة، إمكانية السيطرة بواسطة الكلام.

أهنّا تحدِّد له طرق استعمال المكان، ووسائل احترام الزّمان، وقواعد المشاركة مع " العازفين " الآخرين في مواقف

التواصل البشري. ولا بدّ في النهاية من التّأكيد على أنّ الأنظمة الفرعية المتعلقة بالتّواصل غير اللّغوي، لا تق ل

تعقيدًا عن النّظام اللّغوي.

سابعًا: الترجمة في العالم العربي: لبنان نموذجًا

بعد أن ركّزنا على موقع اللّغة عمومًا، واللّغة الأمّ خصوصًا، في سيرورة المعرفة وبناء اله ويّة وتحديد الثقافة؛ نصل

إلى النقطة الأخيرة من بحثنا. وتتمثّل في تقديم نبذة عن واقع الرتّجمة في لبنان في بداية هذا القرن؛ وذلك من أجل

الوصول إلى توصيات ترتبط بمصير عمليّة الرتّجمة ومستقبلها في العالم العربي. نقدِّم هنا دراسةً عن واقع الرتّجمة في بيروت في بداية القرن الحادي والعشرين؛ وذلك بالاستناد إلى الإحصاءات

والدّراسات التي قام بها فريق من الباحثين. وهو فريقٌ يتأل ف من زينة الطفيلي ونهوا سكافي، ويشرف عليه هيثم

قطب، عضو الهيئة الإدارية في " اتحاد المترجمين العرب "، وبسام بركة، أمين عام الاتحاد. وكان ذلك بناءً على طلب

من " احتّاد المترجمين العرب "، وبناء على قرار من الهيئة الإدارية فيه. وقد تناولت هذه الإحصاءات كلّ الكتب

التي تُرجمت من اللغات الأجنبية إلى اللُّغة العربية، ونشُرت في دور النشر أو مراكز الدراسات أو المنظمات المعنيّة

بالترجمة؛ وذلك في بيروت (لبنان)، وخلال السّنوات العشر الأولى من القرن الحالي (-2000.)2009 الترجمة في لبنان: وقائع تاريخية بعد الفتح الإسلامي وانتشار الدّعوة الإسلاميّة في البلاد المحيطة بالجزيرة العربية، التي امتدت من الأندلس

إلى مشارف الهند والصين؛ أصبحت لغة القرآن الكريم منذ بدايات القرن الثامن للميلاد، لغة الحكم السياسي

والتواصل اليومي، بالإضافة إلى كونها لغة الدين. فرتُجمت الدّواوين إلى العربية في بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين،

وتخلّت الإدارات الرسمية عن اليونانيّة والفهلويّة لصالح اللّغة الجديدة. غير أنّ هناك لغات محليةً أخرى مثل

السريانيّة؛ بقيت حيّةً مُتداولةً، وخصوصًا في ممارسة الشعائر والطقوس الدينيّة. لذا، وبفعل تجاور العربية مع

اللغات المحلية الأخرى؛ شهدت المنطقة حركة انتقال لسانيٍّ يمتاز بأمريْن أساسيَنّيْ: من جهةٍ، أضحت الترجمة

من النشاطات الفكرية الأساسية في المجتمع الإسلامي الجديد. ومن جهةٍ أخرى، كانت الرتّجمة إلى اللّغة العربية،

وخصوصًا نقل الفلسفة والعلوم من اليونانية، تجري في معظمها عبر السرّ يانية. لكنّ حركة الترجمة هذه لم تقتصر

على الفكر اليوناني وحده؛ بل تعدّته إلى الأعمال الرئيسة في اللّغات المعروفة آنذاك، مثل الفهلوية والهندية. ومن ناحيةٍ أخرى، كان لعامل التّجارة والمبادلات الحضارية والثقافية دورٌ كبيرٌ في تطوير عملية الاحتكاك

اللّغوي بين الشعوب. فنُقلت إلى العربية المؤلفات الفكرية والأعمال الأدبية، مثل الحكايات والأقاصيص وغيرها،

عن الموروث الرتّاثي في بلاد اليونان والفرس، وكذلك في بلاد الصين والهند. وقد بدأت هذه الحركة فعليًا،

عندما صارت العربيّة اللّغة الرسميّة في الإدارة، أي إبّان الحكم الأموي؛ غير أهنّا لم تصل إلى ذروتها إال في

العصر العباسي.

21  من المعروف أنّ الأمير الأموي خالدا بن يزيد بن معاوية، عندما أخفق في الوصول إلى سدّة الخلافة، انصرف إلى العلم وإلى الاهتمام

بالترجمة. وفي ذلك يقول ابن النديم عنه: " وكان خالدٌ يُسمّى حكيم آل مروان، وكان رجال فاضالً وله مَيل ونشاط نحو العلوم. ولتحقيق

هذه الرغبة أمر جماعةً من فلاسفة اليونان الذين كانوا يقيمون في مصر ويجيدون العربية. فأمرهم بترجمة العديد من الكتب من اللغة

اليونانية والقبطية إلى العربية، وكانت هذه أوّلَترجمةٍ في الإسلام من لغةٍ إلى لغةٍ". راجع: ابن النّديم، الفهرست، تحقيق إبراهيم رمضان

(بيروت: دار المعرفة للطّباعة والنشر، 1997)، ص.352

وممّا لا شك فيه، أنَّ حركة الرتّجمة ازدادتْ قوّةً في العصر العباسيّ؛ بسبب حاجة المسلمين إلى معرفة الأمم الأخرى،

وبسبب تطلّعهم إلى التبحّر في العلوم التي لم تكن لديهم. وباختصار، نقول إن الترجمة في العصر العباسي مرّت

بحقبتين؛ تمتد أولاهما من قيام الدولة العباسيّة إلى بداية عهد المأمون، وتشمل هذه الحقبة نشاطًا كبيرًا في ترجمة

الطب والهندسة والفلك والطبيعيات. وقد عرفت ذروتها في أيام أبي جعفر المنصور وهارون الرشيد. أمّا الحقبة

الثانية، فتبدأ في عهد الخليفة العبّاسي السّابع، المأمون؛ الذي أنشأ " بيت الحكمة " في بغداد. وتمتد هذه الحقبة حتى

نهاية فترة خلافته. ثمّ توقّفت حركة الرتّجمة إلى العربيّة عمليًّا في عصور الانحطاط؛ وذلك بسبب توقّف الاجتهاد اللّغوي، وانحسار

العربية وانغلاقها في قوالب محنَّطةٍ. غير أنّ النّشاط الثقافي- بما فيه حركة الترجمة - عاد إلى الحياة عندما بدأت

العربية تجدّد نفسها في القرن التاسع عشر الميلادي، في الفترة التي يُطلق عليها اسم «عصر النهضة.» إنّ من ينظر إلى تاريخ الفكر العربي وتطوّره، يرى أنّ حركات كبيرةً من الترجمة، قد واكبت انطلاقة الحضارة

العربية الإسلامية؛ ابتداءً من العصر الأموي، ومرورًا بالعصر العباسي، لتبلُغ عصر النهضة. ومن المعروف أنّ

عصر النّهضة في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، قد شه د حركةً كبيرةً من التلّاقح بين اللغة العربية

واللّغات الأخرى؛ وذلك عن طريق تعلّم اللّغات الأجنبية في المدارس الرسمية والخاصة والإرسالية، وعبر إرسال البعثات للدراسة في الجامعات الكبرى بالدول الغربية، وكذلك عن طريق ترجمة الكتب الفرنسية والإنكليزية إلى

العربية، وتعليمها في الدول العربية باللّغة الأمّ. وكان لذلك دورٌ كبيرٌ في حثّ الفكر العربي على متابعة التطور

الهائل والسريع الذي عرفته قوالب المعرفة والتكنولوجيا في العالم المعاصر، وعلى الاستفادة من آخر الإنتاجات المعرفية. كما اضطلع بدور كبير في تطوير المنظومات الفكرية والثقافية في العالم العربي الحديث. وقد كان لبنان -مع

مصر آنذاك- من أهمّ المحطات العربية التي أسهمت في إرساء قواعد النقل إلى العربية، وفي وضع المعاجم اللّغوية

العربية ومتعدِّدة اللّغات. ولكي نعي قيمة هذا الدّور، يكفي أن نذكر إسهمات كثيرةً قام بها رجال معرفون مثل:

أحمد فارس الشّدياق، وإبراهيم اليازجي، وسليمان البستاني، وبطرس البستاني، وغيرهم كثُرٌ... ومن الممكن أن

نلخّص السمات الأساسية لحركة الترجمة في هذه الحقبة، في جوانب أربعة: جعلت الترجمةُ العالم العربي يتعرّف إلى ما حيُرّك العالم الغربي من تيارات فكريةٍ معاصرةٍ، وكذلك إلى

الفنون الأدبية الجديدة مثل الرواية والمسرح. ساهمت الترجمة في تطوير مفردات اللّغة العربية وتحديثها؛ وذلك عبر وضع المصطلحات الجديدة للمفاهيم الطارئة حديثًا على الفكر العربي. دفعت الترجمة العديد من العلماء والأدباء واللّغوييّن إلى الانكباب على دراسة اللّغة العربية وتحليل

تراكيبها؛ انطلاقًا ممّا عرفوه عن اللّغات الأجنبية، وكذلك من أجل تطويع لغتهم الأمّ في التعبير عن

رؤيتهم الجديدة للعالم المعاصر. أدّت الرتّجمة بالمفكرين واللّغويين العرب إلى وضع الموسوعات والمعاجم والقواميس باللّغة العربية؛

سواء على صعيد شرح المفاهيم والمعارف الحديثة (الموسوعات)، أو على صعيد تقعيد اللّغة العربية

وتطوير معاجمها التراثية (معاجم اللّغة العربية). وقد دفعتهم كذلك إلى وضع المعاجم ثنائيّة اللّغة، التي

تساعد المترجم على نقل النّصوص من اللّغات الأجنبيّة إلى العربية وبالعكس.

الترجمة في بيروت في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين منذ سنتنيْ تقريبًا، كلّفت الهيئة الإدارية في احتّاد المترجمين العرب-كما أشرنا إلى ذلك سابقًا- فريقًا من الباحثين،

بإجراء إحصاءٍ حول الكتب المُترمجَة في دور النشّر ومراكز الترجمة العاملة في بيروت؛ خلال السّنوات العشر الأولى

من هذا القرن، أي من عام 2000 إلى عام 2009. وتناول هذا الإحصاء منشورات أكثر من ثلاث وثلاثين

دارًا للنشر، تُعنى بالكتب المترجمة. وكانت النّتيجة أنَّ مجمل ما نشُر من كتب متُرمجَ ةٍ فيها، يتعدّى ثلاثة آلاف

كتاب مترجَم. وقد تناولت الإحصاءات كلّ ما يتعلّق بالكتاب في لغته الأصلية، وفي اللّغة العربية. فوضعت

بياناتٌ حاسوبيّةٌ تتناول المعطيات التالية: المؤلف، المترجم، دار النشر، سنة النشر، عدد الصفحات، الموضوع،

فرع الموضوع... واعتُم د نظام" ديوي العشري " بعناوينه العشر الكبرى، في تصنيف المعلومات المتعلقة بكل كتاب وحَوْسبتها. شملت الدّراسة التي قام بها الفريقُ الدّورَ والمراكزَ التّالية، التي يعمل جميعها ضمن حدود ما يُسمَّى بيروت الكبرى:

الدار العربية للعلوم ناشرون، ومكتبة لبنان ناشرون، وأكاديميا إنترناشيونال ش.م.ل.، ودار العلم للملايين، ودار الهلال والبحار، والمؤسّسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع " مجد "، ودار المجاني، ودار عويدات للنشر

والطباعة، ودار المؤلف، وشركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ودار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، والمنظمة العربية للترجمة، والمدى للثقافة والنشر والتوزيع، وشركة دار الفراشة، ومركز باحث للدراسات، ودار الساقي، والمركز الثقافي العربي، ومكتبة اسطفان، وورشة الموارد العربية، ودار الخيال، ودار الآداب، والمكتبة الشرقية، ودار الجيل، ودار النهار للنشر، والشبكة العربية للأبحاث والنشر، ودار الفكر اللّبناني، ودار الجديد، ودار الحدائق، ودار الكتاب اللّبناني، ومؤسّسة الدراسات الفلسطينية، ومؤسّسة نوفل. وقام العاملون على هذه الدّراسة، بإدخال البيانات الم تعلِّقة بكل كتاب مرتجَم في استمارةٍ تشمل المعلومات الخاصة

بالكتاب المترجَم إلى العربية، وكذلك المعلومات الخاصّة بالكتاب الأصلي الم ترجَم. فقُسّمت الاستمارة المخصّصة

لكلِّ كتاب إلى قسمين: القسم الأوليتعلّق بالكتاب المرتَجم كما نشُر بالعربية؛ والقسم الثانيبالكتاب الأصلي في لغته الأولى. وشملت المعلومات الخاصّة بالكتاب المرتَ جَم إلى العربية الأمور التالية: عنوان الكتاب المترجَم

بالعربية، والموضوع، وفرع الموضوع، والمترجم أو المترجمون، والم راجع أو المراجعون، واللّغة المترجَم منها، واللّغة

الأصل، ودار النشر، ومكان النشر، وسنة النشر، والسلسة، وعدد الصفحات، والرقم الدّولي الموحَّد للكتاب

(ردمك) ISBN International Standard Book Number. أمّا تلك الخاصة بالكتاب الأصلي، فحوت

العنوان الأجنبي، والمؤل ف / أو المؤلفون، والنّاشر الأجنبي، ومكان النشر، وسنة النشر، والسلسة، والملاحظات (إن وُجدت.) واعتمد الباحثون نظام " ديوي العشري "؛ وهو من أوسع نظم تصنيف المكتبات استخدامًا في العالم. فهو يُستعمَل

في أكثر من مئةٍ وخمسةٍ وثلاثين بلدًا، وتُرجم إلى أكثر من ثلاثين لغة لتصنيف المعارف. ويقوم هذا النّظام على تقسيم

المعرفة البشرية إلى عشرة أقسام رئيسةٍ، ويتفرّع كلّ واحدٍ من الأقسام الرّئيسة إلى عشر شُعَب تمثل التّفريعات،

وتتفرّع كلّ شعبةٍ بدورها إلى عشرة فروع بحسب طبيعة الموضوع. وفي ما يلي بعضٌ من نتائج هذه الدراسة.

دور الن:ّشر

تب الرشّ (1 يحة رقم) ترتيبًا لدور النشر التي تُعنى بالرتّجمة، وفقًا لعدد الكتب المترمجَة التي نشرتها. وتبرز الرشّيحة،

أن " الدّار العربيّة للعلوم " تحتلّ الصّدارة في ترجمة الكتب إلى اللّغة العربية. تليها " مكتبة لبنان ناشرون " في المرتبة

الثانية، ومن ثمّ تأتي " دار المجاني " في المرتبة الثّالثة. ويتراوح مجموع الكتب المترمجَ ة في الدّور الحائزة على المراتب

الثلّاث الأولى، ما بين مئتنيْ وسبعمئة كتاب. أمّا الدّور الأخرى المبيَّنة في هذه الشريحة، مثل " أكاديميا إنترناشيونال

ش.م.ل "، و " دار العلم للملايين "، و " دار الهلال والبحار "، و " دار الهادي للطباعة والنشّر والتوزيع "، و " المدى

للثقافة والنشر والتوزيع "، و " دار عويدات للنشّر والطباعة "؛ فيتراوح عدد إصداراتها ما بين المئة والمئتيْ كتاب.

شريحة رقم (2)

عدد الكتب المترجمة إلى العربية في دور النشر اللبنانية خلال السنوات التسع

أمّا الرشّ (2 يحةرقم)؛ فتب عدد الكتب المنشورة في الدّور الأخرى، وهي بالطبع أقلّ بكثير من سابقاهتِا. وتُبنيِّ

الرشّيحة الدُّورَ التي تتُرجِم إلى العربيّة؛ والتي يتراوح مجموع إنتاجها ما بين العشرين والمئة والعشرين كتابًا. وهي

على التّوالي: " المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات والنشر والتوزيع " " مجد "، و " شركة المطبوعات للتوزيع والنشر "، و " دار

المؤلّف "، و " المنظَّمة العربية للترجمة "، و " شركة دار الفراشة "، و " مركز باحث للدراسات "، و " دار السّاقي "، و " دار

النّهار للنشر "، و " المركز الثقافي العربي "، و " دار الجيل ". ونتساءل هنا عن السبب في هذا التّفاوت الكبير بين دور النشّر هذه من حيث عدد الكتب المترمجَة. في الواقعِ إنّ

الفارق لا يمكن تعليله فقط بعراقة بعض الدّور زمنيًّا، أو برأسمالها الذي يفوق في حجمه رأسمال الدّور الأخرى.

بل هناك عاملٌ آخر يجب أن نأخذه بعين الاعتبار؛ وهو دخول / أو عدم دخول الترجمة في أساس سياسة النشر فيها.

ولابدّ من لفت الانتباه كذلك، إلى أنَّ العدد لا يعكس بالرضّورة النوعية. فقد بات من المعروف مثالً، أنّ" المنظَّمة

العربيّة للترجمة " التي جاءت في عداد المؤسسات التي لا تنشر نسبيًا عددًا كبيرًا من الكتب المترجمة (كما تبيّنه الشريحتان

السابقتان)؛ تُقدّم أفضل نتاج في هذا المجال. وقد حصدت في السّنوات الأخيرة كلّ الجوائز الم علنَة في معظم الدول

العربية. فقد نالت " جائزة خادم الحرمين الشريفين عبد الله بن عبد العزيز العالميّة للترجمة " (2011)،. وتحصّلت

لمرَّتنيْ على " جائزة الشيخ زايد للكتاب المترجم " (2007 و 2009)، ولمرَّتنيْ على " جائزة خادم الحرمين الشريفين عبد

الله بن عبد العزيز للترجمة في العلوم الإنسانية " (2008)، وعلى " جائزة ابن خلدون / سنغور " للترجمة.)2010(

تطور نشر الكتاب المترجم:

وصلت إلى الذّروة في عام 2007، ومن ثمّ عادت إلى الانخفاض في عام 2008، وأوائل عام.2009

شريحة رقم (2)

ننتقل هنا إلى تطور نشر الكتب المُترجمة في بيروت، خلال هذه الفترة. وهي تظهر على شريحة رقم (3). وبناءً على

هذه الشريحة، نلاحظ أنّ الرتّ جمة إلى العربيّة، تطوّرت خلال السّنوات العشر الأخيرة. وأخذت تتصاعد إلى أن

شريحة رقم (3)

ولابدّ من التّذكير هنا بما حصل في بيروت عام 2007. فقد شهدت العاصمة خلاله الأحداث الأمنية على مختلف

أنواعها وأشكالها. فمن أحداث 23 كانون الثاني / يناير، إلى أحداث جامعة بيروت العربية، مرورًا بحرب نهر

البارد، وصوال إلى مسلسل الاغتيالات الذي تواصل في ذلك العام؛ هذا إضافةً إلى استهداف قوات اليونيفيل في الجنوب. لكن، على الرّغم من كلّ تلك الأحداث التي حصلت فيه؛ فإنّنا نلُاحظ أنّ حركة الرتّ جمة إلى العربية لم تتراجع. بل على العكس من ذلك، كان عام 2007 من أفضل السنوات من ناحية عدد الكتب المترجمَة إلى العربية. ونتساءل هنا عامّ إذا كان سبب ذلك يعود إلى أنّ الكتب المترجمَة قد بدأ العمل عليها في السنوات السّابقة، ومن ثم صدرت في عام 2007؟ أم أنه يعود إلى المساعدات المالية التي جاءت إلى لبنان بعد الأحداث التي حصلت؟ أم أنّ نشاط الترجمة لا يرتبط حصريًّا بمدينة بيروت، أو بلبنان، وإنما هو مُوجَّهٌ إلى كامل الدول العربية؛ ممّا يدفع إلى التفكير بأنّ الكتاب المطبوع في لبنان، لا يتوجّه أساسًا الى اللّبنانييّن، بل إلى العالم العربيّ بمجمله، وعليه فهو لا يتأثّر بالأوضاع المحلية في لبنان؟

مواضيع الكتب المترجمة:

تُبنيّ الرشّ (4 يحة رقم)، ميادينَ المعرفة التي تنتمي إليها مواضيع الكتب المُترمجَة. وتشير هذه الرشّيحة إلى أنّ أهمّ المواضيع التي اهتمّ بترجمتها اللّبنانيون، هي العلوم التّطبيقية بنسبة %30. وهذا ما يُبنيّ أنّ العاصمة بيروت، تواكب

شريحة رقم (4)

تقدّم العلوم وتطوّر المعارف في العصر الحاضر. وير د موضوع الأدب وتقنيات الكتابة بنسبةٍ تعادل الأولى تقريبًا

(%29). ويحتلّ موضوع العلوم الاجتماعية المرتبة الثالثة، بنسبة %16. أمّا المواضيع الأخرى؛ فتتراوح نسبها ما بين الواحد و%12، وهي العلوم الطبيعية والرياضيات والفلسفة وعلم النفس والتاريخ والجغرافيا والديانات والمعارف العامة واللغات.

خلاصة وتقييم

في نهاية هذا البحث، سنحاول أن نستخلص من كلّ ما قدّمنا العناصر الأساسية التي تسمح لنا بتقييم دور الرتّ جمة

العربية في تسهيل الحصول على المعلومات وبناء المعرفة؛ وذلك من أجل وضع الترجمة في الحدود والإمكانات التي

تتعلّق بها. من المعلومة إلى الهُويّة الثقافية هنالك مستويات عدّة للوعي بالواقع، ولتحويله إلى مفاهيم ذهنية. وهي تتضمّن في نظرنا الجوانب التالية:

المعلومة، والمعرفة، والثقافة (الاجتماعية)، والهُويّة (الفردية والاجتماعية.) المعلومة: كان امتلاك معلومات في القديم، يعني امتلاك سلطةٍ كبيرةٍ. وكان الإنسان يقوم بأسفار تدوم لأسابيع أو

أشهر، على ظهر جمل أو في عربة؛ للحصول على معلومةٍ، أو قراءة مخطوطةٍ، أو الحصول على جواب لسؤال ما. أمّا

اليوم، فقد تغريّ ت الحال مع التّخزين المعلوماتي، ومولّدات البحث، وشبكات الإنترنت. فقد أصبحت المعلومة

متوفّرةً للجميع ومُتاحةً لهم، ولم يعد امتلاك المعلومة أو حفظها، ميزةً لأيّ شخصٍ من الأشخاص أو حكرًا عليه. المعرفة: على المعلومات في أيامنا هذه، أن تتحوّل إلى معرفةٍ وعلم. وهذا الأمر يفترض وجود نظام يرتّب هذه

المعلومات من الداخل وعند تداولها بين الناس. ومعنى ذلك، أنّ المعرفة يجب أن تكون مشتركةً بين أفراد المجموعة

الواحدة، وأن تكوّن تيارًا فكريًا أو مدرسةً علميةً. الثقافة واله:ُويّة عندما تدخل هذه المعرفة إلى وعي الأفراد و/ أو لا وعيَهم، وتندمج في سلوكهم؛ فإهنّا تُصبح نمط

حياةٍ، وتتحوّل إلى رؤيةٍ خاصةٍ للعالم. وعليه، فهي تؤثِّر في التقاليد، وتشارك في بناء الثقافة. أمّا الهُويّة؛ فيقوم الفرد

بالتعرّف إليها وتأكيدها وبنائها، في حركة ذهاب وإياب متواصلة بين ذاتيَّته والثقافة التي ينتمي إليها. وإذا كانتِ

عملية استعمال الخطاب اللّغوي في التّواصل، تقوم بترسيخ هذه اله ويّة بأبعادها ومستوياتها المختلفة، كما قلنا؛ فإنّه

عند القيام بعملية الرتّجمة، لا يقوم المترجِم بنقل المعلومات، بل يحاول أن يؤدّي في اللّغة الثّانية كامل ما يحمله

الخطاب في اللُّغة الأولى. معنى ذلك أنّ عمليّة الرتّجمة تنقل عملية التواصل، بما فيها من تركيز على الهُويّة، الفردية

منها والاجتماعية والثقافية. في ما وراء الترجمة لكي نُقيِّم دور الترجمة ونحدِّد مكانتها في السلسلة التي تمتد من المعرفة إلى الهُويّة داخل المجتمع الواحد؛ فإنّنا

22   لقد وعى فلاسفة الأنوار الفرنسيّون في القرن الثامن عشر، أنّ المعرفة ترتبط ارتباط ا وثيقًا باللغة. كما أهنّم أكدوا ضرورة أن يجمع

مجتمعهم كل المعلومات المتوفّرة في أي لغةٍ كانت؛ وذلك من أجل تنظيمها في معارف تُسهم في تطوير التيارات الفكرية والأدبية عندهم.

يقول دالمبير (D’Alembert)، في مقالة بعنوان " التبحُّر " (Érudition)، صدَرت في الموسوعة (Encyclopédie:) " إنَّ مكتبة الملك مليئة

بالمخطوطات العربية التي إن تُرجمت ستضع أمامنا معارف لا محدودة ولا مثيل لها. وكذلك الأمر بالنسبة إلى المخطوطات باللغة الصينية.

يا لها من مادّةٍ عظيمة من الاكتشافات المفيدة لآدابنا؟ قد يقول قائلٌ إنَّ دراسة هذه اللغات تحتاج لوحدها إلى عاملِ بكامل حياته، فهو بعد أن

يقضي سنوات في دراستها، لن يتبقَّ أمامه الكثيرُ من الوقت ليحصل من قراءته لهذه المخطوطات على الفائدة المرجوّة. صحيحٌ أنه في الحالة

التي يوجد فيها أدبنا اليوم، لا بدّ من أنّ ندرة ما لدينا من دراسة اللغات الشرقية تجعل هذه الدراسة طويلة الأمد، والعلماء الأوائل الذين

سيهتمون بها قد يصرفون فيها حياتهم كلها؛ لكنَّ عملهم سيكون ذا نفع لمن بعدهم. فالمعاجم والنحو والترجمات ستكثر وتتحسن شيئًا

فشيئًا، وستزداد سهولة التبحّر في هذه اللغات مع مرور الزمن. فعلماؤنا الأوائل قد سخَّروا حياتهم كلَّها تقريبًا لدراسة اللغة الإغريقية،

وهي اليوم تحتاج إلى مجرّد بضع سنوات ". انظر في ذلك:

Collectif, Encyclopédie ou Dictionnaire Raisonné des Sciences, des Arts et des Métiers (Paris: s.e., 1755), Tom. V, p.

نعود إلى تاريخ ترجمات الكتب في التراث العربي، وما جرى بعد نشرها في تلك الحقبات السالفة. وذلك لنستقي

من ذلك التاريخ مثاالً يدلّ على السيرورة التي اندرجت فيها الترجمة، وعلى العوامل التي كان لها الفضل الأكبر

في دفع الأعمال المترجمة إلى أن تؤدي دورها الفاعل في بناء المعرفة وتطويرها. وذكرنا -بشكل سريعٍ في بداية هذا

البحث- أنّ حركة الترجمة كانت نشيطةً وقويةً خلال حقبات كثيرةٍ من التاريخ العربي الإسلامي، وخصوصًا

أيام الخلفاء العباسييّن؛ إذ بلغت ذروتها مع تأسيس " بيت الحكمة " على يد الخليفة المأمون. وفي الواقع، أدّت هذه

الحركة إلى التقدّم الهائل والمعروف الذي شهدته المعارف العربية الإسلامية في مختلف ميادينها، من الفلسفة إلى

الطب والحساب، مرورًا بالموسيقى والفلك. غير أنّنا عندما نتكلّم عن التراث الفلسفي والفكري عند العرب؛

فإنّنا لا نذكر الكتب الأجنبيّةَ التي نُقلت إلى العربية في ذلك العصر، بقدر ما نذكر المؤلفات الضّخمة التي وضعها

الفلاسفة الكبار، مثل ابن سينا والفارابي والكندي وابن رشد، وغيرهم كثرٌ. ذلك أنّ ما يرفع الفكر إلى أعلى

المستويات، ليس المترجمين ولا الأعمال التي يترجمونها؛ بل هم الفلاسفة والمفك رون والباحثون الذين يحملون هذه

الترجمات، ويتبنّونها، ويحوّلونها بشروحاتهم ونقدهم إلى مستوى العمل الثقافي العام. ونسوق هنا على سبيل المثال

بعض ما حدث مع ابن رشد. كان الخليفة الموحِّدي أبو يعقوب يوسف (-1160 1199 م) حمُ بًّا للعلم، واسع الاطلاع، شغوفًا بقراءة كتب

الأدب والعلم والفلسفة. وحيُ كى أنّه أتى بترجمات أرسطو وقرأها فلم يفقه منها الكثير. فسأل عمّن بإمكانه أن

يشرحها له. فنصحه ابن طفيل باللّجوء إلى الفيلسوف ابن رشد. هكذا، قُيّض لفيلسوف قرطبة أن يعمل في كنف

الخليفة الموحِّدي؛ فقضى فترةً طويلةً من حياته يدرِّس ويحل ل ويكتبَ بناءً على طلب صاحب السلطة الذي أغدق

عليه مالا وفيرًا، وجعله يتبوّأ أعلى المناصب الرسمية. وخلال هذه الحقبة، أقدم ابن رشد على شرح أعمال أرسطو

المُترجمة، وعمل على تفسير مضامينها، والردّ على من توسّع في قراءة هذه الترجمات من المفكرين والفلاسفة العرب

(مثل ابن سينا والفارابي). غير أنّه لم يكتف بالتّعمق في الفلسفة اليونانية؛ بل انكبّ على دراسة الطب والحساب

والفلك وغيرها من العلوم المترمجَة والمعروفة آنذاك. وبذلك ازدادت شهرة هذا الفيلسوف وأصبحت أعماله

الفلسفية والعلمية التطبيقية تُدرَّس في أرقى جامعات أوروبا والعالم منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا. لم يُعرف

ابن رشد بصفته قارئًا بسيطًا لكتب أرسطو المترجمة؛ بل بكونه استوعب مضامين هذه الكتب، وانطلق منها في

سبيل تكوين منظومته الفكرية الخاصة به. وهي منظومةٌ ختُضِع كلّ الفكر السّابق-الإسلاميّ منه واليوناني-ّ لمنطق

العقل، من أجل تدبّر الواقع المعيش. يشهد هذا المثال الحيّ من تراثنا العربيّ الإسلاميّ (كما يشهد على ذلك ما نجده من ومضات أرسطو في شعر المتنبي)

على أنّ الترجمة ليست سوى حلقة في سلسلةٍ تبدأ بتحصيل المعرفة في اللُّغة الأمّ، وتنتهي بالانتماء إلى الثقافة، مرورًا

ببناء المنظومة الفكرية وتمتين الانتماء إلى الهُويّة، الفردية منها والاجتماعية. وإذا كان علينا أن نستخلص العِربَ من

هذا المثال؛ فإنّنا نرى فيه أمورًا عدّةً أهمّها: - لا يمكن للترجمة أن تكون بمفردها العامل الوحيد في تطوير الفكر وبناء الهُويّة. إنمّا هي عاملٌ من عوامل التّطوير

والتقدّم في مجال الفكر والمعرفة. ومعنى ذلك أنّه يمكن لها أن تكون بمنزلة انطلاقة لوضع لبنةٍ من لبنات البناء

الفكري والثقافي في المجتمع الذي يتلقّاها. - لا تحمل الترجمة أبناء اللّغة التي يتُرجَم إليها على الالتحاق بركاب التطوّر الفكري؛ بل على العكس من ذلك،

فأبناء هذه اللّغة هم الذين يحملون ما يتُرجَم إلى لغتهم، وهم الذين يستوعبونه ويتمثّلونه. بذلك يُكتب لهم التقدم

في العلم والتطور في الفكر. - لابدّ من أن يحمل أبناء اللّغة الفكرَ المنقول بواسطة الترجمة. نقول يحملونه، بمعنى أن يتدبّروا مضامينه، فينقدوها

الترجمة التي يتلقَّونها.

ميزانيات كبيرةً لترجمة الكتب العلمية الأساسية (مثل السعودية وقطر والكويت والإمارات.)

المراجع والمصادر

باللّغة العربية

والفنون والآداب، 2011.)، ص -382.383

(صيف.)1984

والنشر،.)1993

المنظمة العربية للترجمة،.)2003

العربية للترجمة،.)2007

للترجمة،.)2008

وخيُضعونها للبحث والتفسير؛ حتى تدخل في سياق منظومتهم الفكرية. وهو ما يجعلها تتلاءم مع إطارهم الثقافي،

وتتلاحم مع شبكة الأفكار الراسخة في سياق التيارات الاجتماعية والفلسفية والحضارية المعاصرة لعمليات - لابدّ من أن يتدخّل رجال السلطة في تفعيل عملية ما بعد الترجمة. ومن الممكن أن نتخيّل أنّه لولا الخليفة أبو

يعقوب يوسف، لما اجت ه ابن رشدٍ إلى شرح أرسطو، أو لما كان لديه ما يكفي من الوقت والمال لفعل ذلك. ونشير

هنا إلى أنّ لبنان مقٌِّ في هذا المجال؛ فالإحصاءات التي قدّمناها في بداية هذا البحث، تدلّ على أنّ الدّولة في لبنان

غائبةٌ تمامًا تقريبًا عن إنتاج الرتّجمات في البلد. أمّا في البلدان العربية الأخرى؛ فإنّ الحكومات بدأت تعي أهمية

الرتّجمة ودورها في التّطور الثقافي للأمّة. فمنها ما يخصِّص دوائر حكوميةً لذلك (مثل سورية)، ومنها ما يؤسِّس

المراكز المتخصِّصة في الرتّجمة (مثل مصر وتونس)، ومنها ما يُقدّم الجوائز السخيّة إلى المترجمين الجيّدين، أو يخصّص

- ابن النّديم. الفهرست، تحقيق إبراهيم رمضان (بيروت: دار المعرفة للطّباعة والنشر،.)1997 باري، بريان. الثّقافة والمساواة، نقد مساواتي للتّعدّدية الثّقافية، ترجمة كمال مصري، سلسلة عالم المعرفة،

عدد: تشرين الثّاني / نوفمبر- كانون الأوّل / ديسمبر 2011 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة باري، بريان. " الحدث الاجتماعي وذاكرة الشعوب ": الفكر العربي، العدد 80 (1995)، ص.79-61 بركة، بسّام. " الإشارة: الجذور الفلسفية والنظرية اللسانية "، الفكر العربي المعاصر، العدد 31 / 30 بركة، فاطمة الطبال. النظرية الألسنية عند رومان جاكوبسون (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات

حجاج، كلود. إنسان الكلام، ترجمة رضوان ظاظا، مراجعة مصباح الصمد وبسام بركة (بيروت:

ليفي ستروس، كلود. مقالات في الإناسة، ترجمة حسن قبيسي (بيروت: دار التنوير،.)1983 عرار، مهدي أسعد. مباحثات لسانية في ظواهر قرآنية (بيروت: دار الكتب العلمية،.)2008 غوشيه، مارسيل. الدين في الديموقراطية، ترجمة شفيق محسن، مراجعة بسام بركة (بيروت: المنظمة

جان كالفي، لويس. حرب اللغات والسياسات اللغوية، ترجمة حسن حمزة (بيروت: المنظمة العربية

للترجمة،.)2007

العربية للرتّ- المعهد العالي العربي للترجمة،.)2005 جمة

ألفاظ وتراكيب لغوية من القرآن الكريم (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون،.)2007 باللّغات الأجنبيّة

15. - Chomsky, N. Structures Syntaxiques, Traduit de l’anglais par Michel Braudeau (Paris:

16. - Collectif. Encyclopédie ou Dictionnaire Raisonné des Sciences, des Arts et des Mé­

17. - Jakobson, R. Essais de Linguistique Générale (Paris: Les Éditions de Minuit,1963).

20. - Levi-Strauss. C. "Introduction à l’Oeuvre de M. Mauss", In: M. Mauss, Sociologie et

22. - Perrineau, Pascal. "Sur la Notion de Culture en Anthropologie", In: Revue Française

23. - Schaff, A. Langage et Connaissance (Paris: Anthropos, 1969), Collection Points. 24. - Vitgosky, L. Thought and Language, translation newly revised and edited by A. Kozu­

كوش، دنيس. مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة منير السعيداني (بيروت: المنظمة العربية لوسيركل، جان جاك. عنف اللُّغة، ترجمة محمد بدوي، مراجعة سعد مصلوح (بيروت: المنظّمة

ميقاتي، محمد باسم، ومحمد زهري معصراني، وعبد الله أحمد الدندشي، القطوف من لغة القرآن: معجم

14. - Auroux S. et al. Philosophie du Langage (Paris: PUF, 2004).

Éditions du Seuil, 1969).

tiers , 17 vols (Paris: s.é., 1755).

18. - Lamy. La Rhétorique ou l’Art de Parler (Amsterdam: P. Marrey, 1699). 19. - Levi-Strauss C. Anthropologie Structurale (Paris: Plon, 1958).

Anthropologie (Paris: PUF, 1966). 21. - Mucchielli, Alex. L’Identité (Paris: PUF, 1986), série "Que Sais-Je ?".

de Science Politique , 25e année, No. 5 (1975).

lin (Cambridge: Ma.-The MIT Press, 1986).