Return to Article Details The Post-Colonial State and Social Change in Libya

دولة ما بعد الاستعمار والتحوّلات الاجتماعيّة في ليبيا

The Post-Colonial State and Social Change in Libya

علي عبد اللطيف احميدة

Ali Abdullatif Ahmida

الملخّص

تحاول هذه الدراسة تفحّص موضوع الدّولة والتحولّات الاجتماعية عقب استقلال ليبيا سنة 1951، من خلال تقييم بنية نظام الملكية السنوسيّة والنظام الذي أعقب الثّورة العسكريّة عام 1969 وخصائصهما، دون الوقوع في فخِّ الأساطير التي نسجتها التقارير والتعليقات التي أعقبت الثورة الليبيّة عام 2011. وتوضح الدراسة أنّ الأنظمة والأيديولوجيات التي تعاقبت على الحكم في ليبيا كانت متحوّلة ومتغيرة بحسب تبدّل الظروف المحلية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة من جهة، وتغريّ الوضع الإقليميّ والدوليّ المحيط من جهة أخرى. ويتوصل الكاتب إلى أنَّ انهيار نظام " الجماهيرية " كان سببه الأساسي معاداة المأسسة، وتسل ط الأجهزة الأمنيّة على البناء المؤسسيّ، وهما العاملان اللذان تسببا في اغتراب الطبقتين الوسطى والدنيا، إضافةً إلى انشقاق عديد من الإصلاحييّن وضبّاط الجيش والدبلوماسييّن الذين غدا بعضهم من قادة الانتفاضة الديمقراطية الآن.

Abstract

This study investigates the state and social transformations after Libya's independence in 1951 by evaluating the structure and features of the Senussi monarchy and the regime that followed the military coup in 1969. The author makes clear that the regimes and ideologies that ruled successively in Libya changed according to changes in local economic, social, and cultural circumstances, and in line with changes to the surrounding regional and international context. The main reasons for the collapse of the Jamahiriya regime, he concludes, were hostility to institutions and the control of the security apparatus over the institutional structure. These two factors caused the alienation of the middle and lower classes, as well as the defection of many reformists, army officers, and diplomats, some of whom have become leaders of the current democratic uprising.

الكلمات المفتاحية:
  • الاستعمار
  • التحولات الاجتماعية
  • الديمقراطية
  • دولة.
  • ليبيا
Keywords:
  • Colonialism
  • Social Change
  • Democracy

تحاول هذه الدراسة تفحّص موضوع الدّولة والتحولّات الاجتماعية عقب استقلال ليبيا سنة 1951،

من خلال تقييم بنية نظام الملكية السنوسيّة والنظام الذي أعقب الثّورة العسكريّة عام 1969

وخصائصهما، دون الوقوع في فخِّ الأساطير التي نسجتها التقارير والتعليقات التي أعقبت الثورة

الليبيّة عام 2011. وتوضح الدراسة أنّ الأنظمة والأيديولوجيات التي تعاقبت على الحكم في

ليبيا كانت متحوّلة ومتغيرة بحسب تبدّل الظروف المحلية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة من

جهة، وتغريّ الوضع الإقليميّ والدوليّ المحيط من جهة أخرى. ويتوصل الكاتب إلى أنَّ انهيار نظام

" الجماهيرية " كان سببه الأساسي معاداة المأسسة، وتسل ط الأجهزة الأمنيّة على البناء المؤسسيّ، وهما

العاملان اللذان تسببا في اغتراب الطبقتين الوسطى والدنيا، إضافةً إلى انشقاق عديد من الإصلاحييّن

وضبّاط الجيش والدبلوماسييّن الذين غدا بعضهم من قادة الانتفاضة الديمقراطية الآن.

إنّ هدفي من هذه الورقة، هو تفحّص موضوع الدّولة والتحولّات الاجتماعية عقب استقلال ليبيا سنة

1951؛ وذلك من خلال الرتّكيز على النّظامنيْ السّياس نيْ اللّيبينّيْ، وهما: الملكية السنوسيّة -1951(

1969) والثّورة العسكريّة بعد 1969 وحتّى الوقت الحاضر. وستتناول هذه الورقة النّظام السياسي الأوّل

من خلال طرح القضايا التّالية: لماذا كانت ليبيا أوّل دولة في المغرب تنال استقلالها من الحكم الاستعماري في

24 كانون الأوّل / ديسمبر 1951؛ وذلك قبل المغرب وتونس والجزائر وموريتانيا؟ ولماذا أصبحت مملكة

احتّاديةً ثمّ دولةً موحّدةً في 1963؟ وكيف يمكن تقييم قاعدتها الاجتماعيّة، وسياستها وبرنامج التّحديث

السّياسي فيها؟ وأخيرًا، لماذا انهارت الملَكيّة في 1 أيلول / سبتمبر 1969، بعد ثماني عشرة سنةً فقط من إقامتها؟ أمّا النّظام الثاني، فسيقع النّظر فيه من خلال طرح الأسئلة التّالية: كيف نظر المجتمع في ليبيا المستقلّة إلى حقبتي

الاستعمار وما بعد الاستعمار؟ وما هي السيّرورات الاجتماعيّة والتّاريخية التي ولّدت الدّولة " الجماهيرية "؟

وأخيرًا، لماذا آلت هذه التّجربة السياسية المتعلّقة بإقامة دولةٍ متوطّنةٍIndigenous إلى وهم، وتحوّلت -مع

منتصف ثمانينيّات القرن الماضي- إلى ديكتاتوريّةٍ؟ ينصبّ بحثي على السّياقين الاجتماعي والوطني للتّاريخ اللّيبي وللعمليّات السّياسية. ولقد ارتكزت

في هذا البحث على ما تراكم لديّ من جهدٍ تنظيريٍّ، ودراسات مقارنةٍ، ووثائقَ، وتاريخ شفويٍّ خلال

العقدين الأخيرين. يقوم طرحي للمسألة أواّلً على فكرة أنّ الملكيّة السّنوسية كان يسيطر عليها نخبةٌ من شيوخ القبائل والأعيان

الحضرييّن ذوي الذّهنيّة الأبويّة. وهذه النّخبة هي التي صاغت الدّستور، وسيطرت على الدّولة، واستغل

أفرادها مواقعهم في إدارة الدّولة؛ بحثًا عن الثّراء لأنفسهم، ولإفادة أتباعهم وج هاهتِم، خصوصًا بعد اكتشاف

النّفط سنة 1959. ابتدأت المل كيّة ببرنامج تحديثيٍّ لأنظمة التّعليم والصحّة والضمّان الاجتماعي، غير أهنّا

لم تسمحْ بقيام معارضةٍ منظَّمةٍ علنيّةٍ لدى الجيل الأصغر من اللّيبيين الذين تعلّموا في مدارسها. وقد شعر

موظَّفو الدّولة والعامّل والطّلبة وضبّاط الجيش الذين تحدوهم الآمال الكبيرة، والمنقادون بتصوّر عن ليبيا

يجعلها مجتمعًا وطنيًّا؛ بالاغتراب عن الملَكيّة الفاسدة الموالية للغرب، وتزايد ذلك الشّعور لديهم. ويقوم هذا الطّرح ثانيًا، على فكرة أنّ الدّولة اللّيبية في بدايتها المبكّرة لم تكن انحرافًا؛ وإنمّا كانت متجذِّرةً في

التّاريخ والثّقافة اللّيبييّن. فالجماهيريّة على الرغم من أهنّا دولةٌ تسلّطية Authoritarian شعبويّة Populist ريعيّة

Rentier، إلا أهنّا كانت تقدّم حلوال لأبرز المشاكل السّياسية البنيويّة في ليبيا الحديثة؛ والمتمثّلة في الموروث

الأليم للدّولة الاستعماريّة (1943-1911)، وضعف الدّولة الاحتّادية خلال فترة الملَكيّة السّنوسية -1951(

1969)، والهويّات الجهويّة المترسّخة، وثقافة ا الّ دولة Statelesness. لقد قدّم صغار الضّباط العسكرييّن

القومييّن -الذين أطاحوا بالملكيّة السّنوسية سنة -1969 بقيادة القذّافي عدّة إصلاحات اجتماعيّة ومؤسّساتيّة

مبتكَرةٍ، كاللّجان والمؤتمرات الشّعبية. وقد زادت هذه الإصلاحات من الدّعم الاجتماعي للنّظام؛ ذاك الذي

عزّز من مستوى معيشة العديد من الطّبقات الاجتماعيّة الوسطى والدّنيا في ليبيا، خصوصًا في الرّيف اللّيبي في

ما بين 1969 و 1975. وأيًّا كان الأمر؛ فقد أدّت الانشقاقات والانقلابات المضادّة والتّشاحن الدّاخلي ضد

النّظام إلى التّطهير، وإلى إعدام 70 بعد اهتّامهم بالتخطيط لانقلاب في سنة 1975، وهؤلاء يمثّلون نصف

التّنظيم الثّوري الأصلي الذي قاد الثّورة ضدّ المل. كيّة وإثر ذلك، انبثق نظامٌ جديدٌ بقيادة جناح العقيد القذافي. وقد تكوّن من أعضاء مجلس قيادة الثّورة: جلود

ويونس والخرّوبي والحميدي، إضافةً إلى القذّافي. وأصبح النّظام الجديد عديم الرحّمة في تركيز سلطته.

واستخدم مركزيّةً مفرطةً، بتعزيز الأجهزة الأمنيّة والمخابراتيّة على حساب المؤسّسات الرّسمية وحكم القانون؛

مدمِّرًا بذلك الإصلاحات السّابقة. وقاد هذا إلى ضمور التّجربة المرتك زة على الشّعبويّة السّياسية المتوطّنة

Indigenous، وإلى نهوض المعارضة الإسلاميّة. وقد تضافر مناخ العداء الدّولي والاقتصاد المتأثِّر بانخفاض

عائدات النّفط، في تشكيل أزمة النّظام. وهو الأمر الذي أدّى إلى ضعف المؤسّسات العامّة وتشوّهها؛ مثل

المحاكم والجامعات والاتحادات النقابية والمستشفيات والمصارف. وقد فاقمت السياسة الليبية الجديدة التي ابتغت التصالح مع المجتمع الدولي -والتي أدّت إلى رفع العقوبات-

الرصّاع بين الحرس القديم (كاللّجان الثّورية، والأجهزة الأمنيّة) والأجنحة الإصلاحية داخل النّخبة

الحاكمة، وكذلك داخل المجتمع المدني اللّيبي بوجه.ٍّ عام

الملكيّة السنوسيّة الليبيّة (1969-1951)

إنّ هزيمة إيطاليا في الحرب العالميّة الثّانية، واحتلال الجيوش البريطانية والفرنسيّة ليبيا، بمعونة القوّات اللّيبية

في المنفى في مصر سنة 1943؛ قد خلق نتائج غير مقصودة تتعلّق بمستقبل ليبيا. وهو ما حدث كذلك بفعل

إعادة توطين الإيطاليين وغيرهم من الجنسيّات الاستعماريّة الأخرى. وزيادةً على ذلك، لم يتمك نْ الأربعة

المنترصِ - ون الولايات المتّحدة الأميركيّة، والاحتّاد السّوفياتي، وفرنسا، وبريطانيا - من الاتّفاق سنة 1945

بشأن مصير ليبيا السياسي. وهو ما نقل القضيّة اللّيبيّة إلى هيئة الأمم المتّحدة سنة 1949، وأصبح استقلال

البلاد جذّابًا بالنسبة إلى القوى الغربيّة؛ خصوصًا بريطانيا والولايات المتّحدة الأميركيّة. ولاعتبارات

إستراتيجيّةٍ تتعلّق بالحرب الباردة؛ قاد استقلال ليبيا إلى نشوء تحالفٍ بين بريطانيا راعي الدّولة الجديدة،

والقيادة السّنوسيّة في المنطقة الرشّقية من ليبيا بزعامة السيِّد إدريس السنوسي. وقد جاء هذا التّحالف على

حساب القيادات الحضريّة في إقليم طرابلس؛ تلك القيادات التي دافعت عن نظام موحَّد في الجامعة العربيّة

في مصر.

الحرب الباردة وهيئة الأمم المتحدة والقضية الليبية

إثر هزيمة إيطاليا في الحرب العالميّة الثانية؛ ظلّ مصير ليبيا غير محسوم. فقد نوقشتْ مقترحاتٌ بشأن وضع فزّان

تحت الوصاية الفرنسيّة، ووضع بقيّة البلاد تحت الوصاية البريطانيّة. غير أنّ الاحت اد السّوفياتي والكتل العربيّة

والآسيويّة، عارضتْ هذا المقرتَح، وتوصّلتْ الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة إلى قرار يجعل ليبيا دولةً مستقلّة

في 21 تشرين الثّاني / نوفمبر 1949 (القرار رقم 289). وعيّنتْ الدكتور أدريان بلت -مساعد الأمين العام

للأمم المتّحدة- مفوّضًا في ليبيا؛ ليقدّم مشورته للّيبييّن بشأن إعداد مسودة دستور وبناء هيكل سياسيٍّ. وصل

بلت إلى ليبيا في 18 كانون الثّاني / يناير 1950، وزار الأقاليم الثلّاثة؛ وهي طرابلس وبرقة وفزّان. وبعد

مناقشات ومشاورات مُطوَّلةٍ مع الزّعماء اللّيبييّن والجماعات واللّجان المنظّمة المختلفة؛ قرّر التخيلّ عن الدّعوة

إلى انتخاب أعضاء الجمعية الوطنية. وبدال من ذلك، طلب من زعماء كلّ إقليم من الأقاليم الثلّاثة اختيار

عشرين مندوبًا؛ لتكوين جمعيّة الستيّن التي ستكون مهمّتها وضع دستور جديد للبلاد. وبناءً على ذلك، وقع

تعيين ممثلّي برقة من جانب الأمير إدريس السّنوسي، وممثلّي فزان من جانب أحمد سيف النصّر، وممثلّي طرابلس

من جانب مفتي طرابلس الشيخ محمد أبو الأسعاد العالم. كما سُمح للأقليّات الإيطالية واليهوديّة والمالطيّة

واليونانيّة، بأن يكون لها ممثّلوها. شرعت الجمعيّة، في تشرين الثّاني / نوفمبر 1950، في مناقشات معمَّقة بشأن الدّستور الذي فُرغ منه في تشرين

الأوّل / أكتوبر 1951. واستمرّت الجمعيّة في أعمالها، حتّى إعلان الاستقلال في 24 كانون الأوّل / ديسمبر

1951. وقد جرى تقرير طبيعة الاستقلال اللّيبي من جهة بريطانيا وأميركا، وفق اعتبارات إستراتيجيّة

الحرب الباردة، والرّغبة في خلق مل كيّةٍ محافظةٍ مواليةٍ للغرب؛ وذلك لمواجهة نهوض القوميّة العربيّة الجذريّة

في الرشّق الأوسط وأفريقيا. وقد حافظت الجماعات اللّيبية في المنفى، في كلٍّ من مصر وسورية وتونس وتشاد، على قضيّة استقلال ليبيا

حيّةً. وكانت من بين هذه الجماعات الكبرى في سورية وتونس، لجنة دفاع طرابلس- برقة، بقيادة الزّعيم

الطّرابلسي بشير السعداوي، الذي برز كقائدٍ لحزب المؤتمر الوطني في طرابلس في 7 تمّوز / يوليو.1949 وانتبه الزّعيم السّنوسي المنفيّ البراغماتي، الأمير إدريس السّنوسي، إلى ضرورة انتهاج الدّبلوماسيّة، عقب

الهزيمة العسكرية التي مُنيَت بها المقاومة. ودخل في مفاوضات مع البريطانييّن في مصر؛ حيث كان يعيش منفيًّا

لمدّة ثلاثين سنةً. وكانت بريطانيا من جانبها، تتطلّع إلى حماية وجودها في مصر؛ فرحّبتْ بمساعدة إدريس،

وبتجهيز القوّات اللّيبيّة في حربها ضدّ القوّات الألمانية والإيطالية في شرق ليبيا وغربها. ومقابل ذلك، وعدت

الحكومة البريطانيّةُ الأميرَ إدريس بعدم سماحها بعودة سيرانايكا (برقة) إلى الحكم الإيطالي، بعد نهاية الحرب

العالمية الثانية. خرّبت الحرب شرق ليبيا بأكثر من ألف غارةٍ، خصوصًا في مدينتيْ طبرق وبنغازي. وأجبرتْ30 ألف

مستوطن إيطاليٍّ على المغادرة إلى طرابلس. وجنوبًا، انضمّت القبائل اللّيبيّة المنفيّة في تشاد بقيادة أحمد سيف

النصر (شيخ صفّ قبائل أولاد سليمان) إلى القوّات الفرنسيّة، في زحفها نحو إقليم فزان. وعيّنه الفرنسيّون

مساعدًا لحاكم الإقليم سنة 1945. جلبت بريطانيا الاستقلال لليبيا سنة 1951؛ وذلك بالتّحالف مع الأمير السنوسي، وبعض الزّعماء

الطّرابلسييّن المنفييّن في مصر. وكانت بريطانيا والولايات المتّحدة الأميركيّة متّفقتنيْ على عدم السمّاح للاتحاد

السّوفياتي بأن يكون له نفوذٌ في ليبيا. وقد نظرتا إلى ليبيا المستقلّة كمشروعٍ ملائم لمصلحتهما في المرحلة المبكّرة

من الحرب الباردة. نظرت السّياسة الأنغلو- أميركيّة إلى ليبيا كدولةٍ مواليةٍ، يمكن لها أن تؤدّي وظيفة

إستراتيجيّةً تتعلّق بالقواعد العسكرية. وكانت بريطانيا تهدف إلى استخدام ليبيا كرصيد أساسيٍّ لضمان أمنها

في الرشّق الأوسط، وصدّ موجات القوميّة العربيّة؛ من خلال دعم السّنوسية في شرق ليبيا على حساب الحراك

القومي الحضري في إقليم طرابلس. وقد وافق الزّعيم السّنوسي المنفي -الأمير محمد إدريس السنوسي، حفيد

مؤسِّس-ِ الحركة السّنوسيّة على رعاية المصالح البريطانيّة، مقابل استقلال سياسيٍّ. وإجماال، أدّت المصالح

الأميركيّة والبريطانيّة في بداية الحرب الباردة وخوف ليبيا من الوقوع مجدَّدًا تحت الحكم الاستعماري؛ إلى عقد

. لكنّ السؤال الم لحّ هو: لماذا أصبحت

تحالفات، والقيام بمساومات قادت إلى استقلال ليبيا سنة 1951

البلاد ملَكيّة سنوسيّةً احتّاديةً؟ في سنة 1951، كان سكّان ليبيا مليونَ نسمةٍ؛ منهم 750 ألف نسمة في طرابلس، و 300 ألف نسمة في برقة، و 60 ألف في فزان. وقد لاحظ الدكتور بلت حين وصل إلى ليبيا في كانون الثاني / يناير سنة 1950، أنّه إذا ما

وافق غالبيّة اللّيبييّن على موضوع الاستقلال؛ فإنّ خلافات سياسيّةً كانت موجودة بين أقاليم البلاد بخصوص

كيفيّة تنظيم هذا الاستقلال. كان إقليما برقة وفزان متخوِّفنيْ من سيطرة إقليم طرابلس -الذي يمثِّل ثلثيْ عدد

سك-ّان البلاد على النّظام الموحَّد. وفي إقليم برقة، كانت غالبيّة السك -باستثناء أنصار جمعيّة عمر المختار ان

في المدن الحضريّة- تؤيِّد النّظام الاحتّادي، واختيار الأمير إدريس ملِكًا للبلاد. وقد دعم وفد فزان الإقليم

الرشّقي، ولعلّ السّبب الرّئيس في ذلك، هو أنّ أحمد سيف النصّر كان من أتباع الحركة السّنوسية. كان النّظام

1  For an over view of the literature on the role of Libyan exiles see: A. Baldinetti, "Libya’s Refugees, their Places of Exile, and the Shaping of their National Idea", The Journal of North African Studies, Vol. 8, No. 1 (Spring 2003), pp.

2  M. Khadouri, Modern Libya: A Study in Political Development (Baltimore: The John Hopkins Press, 1963), pp. 33-37.

الفيدرالي تسويةً لضمان انضواءِ إقليميْ برقة وفزان تحت النّظام الجديد. أمّا المشكلة الأخرى، فكانت تتمثّل

في مسألة اختيار المدينة التي ستكون عاصمةً. وقد أراد وفدا إقليميْ طرابلس وفزّان أن تكون طرابلس؛ في

حين أصرّ وفد إقليم برقة على أن تكون بنغازي. وأنهى الأمير إدريس الخلاف بأن اقترح أن تكون طرابلس

وبنغازي عاصمتنيْ توأمنيْ، وأن تتناوب الحكومة سنويًّا على العاصمتي. وفي 7 تشرين الأوّل / أكتوبر

1951، وافقت الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة على الدّستور؛ غير أنّه ينبغي التّذكير بأنّه كانت هناك أصوات

-داخل ليبيا وخارجها- تنتقد الدّستور الجديد في الصّحافة العربيّة. وقد أبرز المنتقدون أنّ الجمعية العامّة لم

تكن منتخبَةً؛ بل عُِّ أعضاؤها تعيينًا، وأنّ الدّستور يفتقر إلى المشروعيّة؛ لأنّه لم يجر بشأنه استفتاءٌ عامٌّ. في 27 كانون الأوّل / ديسمبر 1951 تُوِّج الأمير إدريس السّنوسي -تحت اسم الملك إدريس الأوّل- ا ملكً

للملكة اللّيبية المتّحدة؛ بوصفها مملكةً دستوريّةً احتّاديّةً ذات عاصمتنيْ وثلاث حكومات لأقاليمها الثلّاثة:

طرابلس وفزان وبرقة. وقد سيطرت عائلات الطّبقة العليا الحضريّة وشيوخ القبائل-وغالبيّتهم من برقة،

قاعدة الملك إدريس والحركة السنوسية- على الحكومة. كانت الدّولة الجديدة تشكو فقرًا شديدًا؛ إذ يبلغ

معدّل دخل الفرد فيها 35 دولار سنويًّا، وهي في حاجة ماسّةٍ إلى دخل لميزانيّتها. لم يكن يوجد أيّامها سوى

ستّة عشر شخصًا متخرِّجًا في الجامعة، ولم تكن هناك مدارس ثانويّة، وكانت نسبة الأمّية تبلغ %90. ولم يكن

يوجد في فزان سوى ثلاثة أطبّاء فرنسييّن وثمانية عشر طبيبًا في برقة وثمانين في طرابلس؛ يقدّمون خدماتهم

أساسًا ل 40 ألف مستوطن إيطاليٍّ في إقليم طرابلس. وفي سنة 1954، أجَّرت المملكة اللّيبية -بسبب حاجتها

إلى مزيدٍ من الدّخل - قاعدةً عسكريّةً لبريطانيا والولايات المتّحدة الأميركيّة، وتلقّت في مقابل ذلك معونات

اقتصاديّةً. وفي 29 تمّوز / يوليو 1953؛ وقّعتْ المملكة اللّيبيّة المتّحدة معاهدةَ صداقة وتحالفٍ مع بريطانيا

العظمى مدهّتُا عشرون سنةً. وهو الأمر الذي مكّن بريطانيا من امتلاك قاعدةٍ عسكريّة في العدم قرب طبرق،

مقابل معونةٍ اقتصاديّةٍ وتدريب ومساعدة عسكرييّن. ثمّ تبعت هذه الاتّفاقية اتّفاقيّةٌ أخرى، أُبرمت مع

الولايات المتّحدة الأميركيّة؛ مُن حت بمقتضاها الحكومة الأميركيّة حقَ إنشاء قاعدة ويلسِWheelus الجويّة

قرب طرابلس (وهي أكبر قاعدة عسكريّةٍ أميركيّةٍ في المنطقة)، مقابل معونةٍ اقتصاديّةٍ. وقد جرى توقيع هذه

الاتّفاقية في 9 أيلول / سبتمبر 1954. كانت الدّولة اللّيبيّة الجديدة واحدةً من الدّول الأشدّ فقرًا في العالم؛ فكانت محتاجةً إلى المعونة الخارجيّة،

وإلى حليفٍ يضمن أمنها وبقاءها في خضمّ المدّ النّاهض للحركة القومية الإيرانية والعربية الجذريّة المعادية

للاستعمار، لا سيمّا عقب الثّورة المصريّة سنة 1952، وحرب السّويس سنة 1956، وحرب التّحرير

الجزائرية، والثّورة العراقيّة سنة 1958. وأكثر من كلّ ذلك، بدعم الرّأي العامّ العربي للقضيّة الفلسطينيّة.

وقد تأثّر الناشطون من جيل معمّر القذافي بهذه الموجة من القوميّة العربيّة المعادية للاستعمار، وخرجوا إلى

الشّوارع في الستّينيات من القرن العشرين؛ منتقدينَ المل كيّة والنّخبة القديمة، لخيانتهما النّضال الوطني اللّيبي

3  I. R. Khalidi, Constitutional Development in Libya (Beirut-Lebanon: Khayyat’s College Books, 1963), pp 62-63, and for UN commissioner Adrian Pelt’s own account sees his book, Libyan Independence and the United Nations (New Haven: Yale University Press, 1970). 4  Khalidi, Op.cit., pp. 34-36. 5  Ibid., 363-398.

الطّويل من أجل الاستقلال بسماحهما للغرب بإقامة هذه القواعد العسكريّة. ثمّ اكتُشِف النّفط في ليبيا سنة 1959 ت، وتغريّ -تبَعًا لذلك- البنية الاقتصاديّة والاجتماعية. وحين بدأ

تصدير النّفط سنة 1961؛ انتقل دخله بالدّولة من كونها واحدةً من أشدّ الدّول فقرًا في العالم، إلى واحدةٍ

من أغنى الدّول في أفريقيا. لقد قفز معدّل دخل الفرد من 35 دولار سنة 1951 إلى 2000 دولار سنة

1967. وأصبحت ليبيا رابع أكبر دولة مصدِّرةٍ للنّفط في العالم. كان هذا التغ الجذريّ في الاقتصاد اللّيبي

نتيجة القانون اللّيبي المبتكَر الخاصّ بالنّفط؛ ذاك الذي منح حوافز ومكافآت للرشّكات النّفطية المستقلّة،

إضافةً إلى الموقع الجغرافي القريب من أوروبّا، والنّوعية الجيِّدة للنّفط؛ وهما ما مك نا ليبيا من أن تصبح في

طليعة الدّول المصدِّرة للنّفط. وتبعًا لذلك، فقد أصبحت ليبيا مهمّةً بالنسبة إلى الولايات المتحدة؛ لا سيمّا

بسبب الاستثمارات النّفطيّة، إلى جانب وظيفتها الإستراتيجيّة؛ بحكم كونها مقرًّا لقاعدةٍ عسكريةٍ جوّيةٍ،

وحليفًا محافظًا.

اكتشاف النفط وتعديل الدستور سنة 1963

يتمثّل العامل الأساس الذي ساعد على إحداث التّعديل الدّستوري، في اكتشاف النّفط وإدارته كقطاعٍ بعد

سنة 1960. وبحلول سنة 1963؛ أدركت النّخبة -بما فيها نخبة الإقليمنيْ الشمّالينّيْ- مدى الحاجة إلى نظام

موحَّدٍ، للتغلّب على المشاكل العديدة المرتبطة بالنّظام الاحتّادي، ومنها: نقص التّخطيط المركزي، وصنع

القرار، والجدارة. وهكذا صوّت البرلمان اللّيبي في سنة 1963، لصالح إقامة نظام موحَّد يحلّ محلّ النّظام

الاحتّادي. وقد منح الدستور الجديد المرأة اللّيبيّة حقّ التّصويت. وبعد اكتشاف النّفط وتصديره سنة 1961؛

شرعت الحكومة في القيام ببرامج تحديث في قطاعات التّعليم والصحّة والمواصلات والإسكان. وقدّم إنشاء

جامعةٍ ليبيّةٍ لها مقرّان في بنغازي وطرابلس فرصًا جديدةً في التّعليم. وقد قادت السّياسات التّعليميّة الجديدة

في أواخر الستّينيات، إلى ظهور طبقةٍ وسطى جديدةٍ تعيش على مرتّباتها، وحركةٍ طالّبيةٍ، وطبقةٍ عامّليةٍ صغيرةٍ،

واحتّادات عمالية، ومثقّفين حداثييّن. وعلى سبيل المثال، تزايد عدد الطالّب من 33 ألف سنة 1952 إلى 300

ألف سنة 1970. وكانت فوزيّة غرغور أوّل ليبيّةٍ تتخرّج في الجامعة اللّيبية سنة 1958. ثمّ تلتها فتحية مازق،

ابنة رئيس الوزراء حسين مازق، سنة 1961. وفي سنة 1965؛ أ سّس الاحتّاد النّسائي اللّيبي، وصدر العدد

الأوّل من مجلّته ذات التّأثير " المرأة ". حتُرز ليبيا اليوم مرتبة متقدمة في معدلّات الذين يعرفون القراءة والكتابة في الشرق الأوسط وأفريقيا. كما أنّ

نسبة النّساء فيها في صفوف التّعليم العالي، هي أعلى من نسبة الرجال. وفي أقسام الإنسانيّات وعلم الاجتماع

بالجامعات اللّيبية؛ تمثل النّساء نسبة %80 من مجمل عدد الطالّب. وهناك نساءٌ طيّارات، وضابطات،

6   للاطلاع على نقد للملَكيّة من وجهة نظر معارِضةٍ في طرابلس، انظر: أحمد زارم، مذكّرات: صراع الشّعب اللّيبي مع مطامع الاستعمار

-(تونسطرابلس: الدار العربية للكتاب، 1988)، وفوزي الطاهر البشتي، حلم الثّورة في الشّعر اللّيبي الحديث (طرابلس: المنشأَة العامّة

للنشّر والتوزيع،.)1981

7 D. Vadewalle, A History of Modern Libya (Cambridge: The University press, 2006), pp. 53-61.

8  أم العز الفارسي، " السياق المجتمعي وأثره على المشاركة السياسية للمرأة في ليبيا "، مجلة عراجين، عدد 6، كانون الثاني / يناير، 2007،

ص.56-53

وقاضيات، وطبيبات، ومعلمّات، ووزيرات. لم يكن هذا التقدّم هبةً، بل خاضت من أجله القيادات النّسائيّة

النّشطة نضاالً طويالً. وبعضهنّ قد تلقيّن تعليمهنّ في المنفى، في لبنان وسورية ومصر، وقد وجدْن دعامً من

السّياسات التي انتهجها نظاما ما بعد الاستقلال منذ سنة 1951. وليس من المفاجئ أن تركِّز الرّائدات

النّشطات في مجال حقوق المرأة -مثل حميدة العنيزي، وصالحة المدني، وخديجة عبد القادر، وخديجة الجهمي-

اهتماماتهنّ على قضيّة تعليم المرأة، منذ بداية القرن العشرين. أمّا الجيل الثاني من النّاشطات النّسائيات؛ فقد

ربطن بين الجنوسة Gender والقوميّة، وشدَّدن على قضايا جديدة في المسار المهني Career والأسرة، منتقدات

الوضع في الأسرة اللّيبية الأبوية. لقد عربّ ن عن آرائهن في الصحافة وفي الأجناس الأدبية، وخصوصًا في

القصّة والرّواية. أدّى توفّر الوظائف التي تدرّ أجرًا ثابتًا في طرابلس وبنغازي والحقول النّفطية إلى اجتذاب العديد من المقيمين

في المناطق الزّراعية، وانتقالهم شماالً إلى هذه المدن. وتزايد -نتيجةً لذلك- ان طرابلس من تعداد سكّ 130

ألف نسمةً سنة 1951 إلى 213 ألف سنة 1964 وإلى 400 ألف سنة 1970. وارتفع عدد السك ان في بنغازي في السنوات نفسها من 70 ألف نسمة إلى 137 ألف ثمّ إلى 300 ألف على الترتيب. غير أنّه ينبغي الانتباه

إلى أنّ آلافًا من المهاجرين الفقراء من المناطق الرّيفية، قد سكنوا مدن الصّفيح خارج هاتنيْ المدينتنيْ؛ مثل

باب عكارة، والبراريك، والكامبو خارج طرابلس، والصابري في بنغازي. وإذا ما عاش ثمانون في المئة من

السك 1951ّان في الرّيف سنة؛ فإنّ هذه النّسبة قد تغريّت بصورة عكسيٍّة بحلول عام 1967، بأنْ صار ثمانون

في المئة يعيشون في المناطق الحضرية. كما برزت طبقةٌ عامّلية صغيرة، ولكنها منظَّمةٌ، في المدن والحقول النّفطيّة. لم يتمكّن النّظام الملكي السّنوسي ومستشاروه البريطانيّون، من عزل المجتمع اللّيبي عن تيارات الحركات

القوميّة الجذريّة في المنطقة، خصوصًا في مصر؛ وذلك بحكم أنّ معظم أفراد الجيل الأوّل، الذين تلقّوْا تعليام

عاليًا، قد تخرّجوا في الجامعات المصرية. هذا إلى جانب أنّ الدّولة قد اعتمدت في إدارة مؤسّساتها الوليدة على

الأخصائييّن المصرييّن، وكان منهم القضاة والمدرّسون. كما أنّ المدارس اللّيبية قد اعتمدت تدريس الكتب

المدرسيّة المصريّة. وكانت الصّحف المصريّة تُوزَّع في البلاد، وإذاعة " صوت العرب " -ذات التّأثير الكبير

في الرّأي العامّ العربي- تحظى بشهرةٍ بالغةٍ في الشّارع اللّيبي. وعلى الرّغم من البرامج التّحديثيّة الاقتصادية

والاجتماعية؛ فإنّ المل كيّة الموالية للغرب، كانت معاديةً للمؤسّسات القويّة والمعارضة العلنيّة المنظَّمة. فقد

واصلت حظرها الذي فرضته على جميع الأحزاب السياسية عقب انتخابات 1953. ونُزعت الجنسيّة اللّيبية

عن بشير السعداوي زعيم حزب المؤتمر الوطني، الحزب الأكثر شعبيّةً في إقليم طرابلس. وحصل اليشّ ء نفسه

مع أخيه وابنه ونائبه أحمد زارم؛ فاضطرّ السعداوي إلى اللّجوء إلى المنفى في العربية السعودية مع أخيه وابنه،

والتجأ زارم إلى تونس. ولما طالب احتّاد العمال-ادٌ صغيرٌ، ولكنّه حسَن التّنظيم وهو احتّ- بمعدّل أعلى للأجور، وقع اعتقال أعضائه،

ومُنعوا من ممارسة نشاطهم في الاحتِّاد مع بداية سنة 1961

9  ياسين الكبير، المهاجرون في طرابلس الغرب (بيروت - لبنان: معهد الإنماء العربي، 1982)، ص -125 168؛

وأيضا: محمّد زاهي المغيربي، الدولة والمجتمع المدني في ليبيا (القاهرة: إصدارات مجلّة عراجين، 2004)، ص.27-26

10  مختار كرفاع، الحركات العمالية في ليبيا: 1969-1943 (طرابلس: مركز الجهاد للدراسات التاريخية، 2000)، ص.175-166

كما أصبحت الحركة الطالّبية القويّة جماعةً اجتماعيّةً قائدةً، وطالبت بموقفٍ حازم داعم للقوميّة العربيّة

والحركة الفلسطينية والجامعة العربية. ودعتْ إلى إجلاء القواعد العسكريّة الأميركيّة والبريطانيّة. وقد نظ م

الطلبة احتجاجات ومظاهرات، من ضمنها مظاهراتٌ قام بها تلاميذ المدارس الثّانوية؛ مثل تلك التي قادها

معمّر القذافي في مدينة سبها بفزان سنة 1961، وكانت بغرض تأييد الوحدة العربية. وقد جرى اعتقاله

وطرده من ولاية فزان إلى مدينة مصراتة شرق طرابلس. وفي 14-13 كانون الثّاني / يناير سنة 1964،

حدثت مظاهرةٌ طالّبيةٌ أكبر في بنغازي، تأييدًا لمؤتمر قمّةٍ عربيٍّ في القاهرة دعا إليه جمال عبد الناصر. وكان

الهدف من ذلك المؤتمر الإعدادُ لسياسةٍ عربيّةٍ في مواجهة خطّة إسرائيل الهادفة إلى تحويل مسار نهر الأردن.

وقد أطلقت الرشّطة النّار على ثلاثة طلبة عُرفوا في ما بعد بشهداء يناير؛ وهم علي الأمين البيجو، وصالح

مسعود النقّاز، ومفتاح بن حريز. وأحدث قتل الطلبة الثلّاثة أزمةً سياسيّة، أدّت إلى استقالة رئيس الوزراء

محي الدين فكيني. وحدثت أزمة أخرى في مدينة طرابلس، بُعيْد حرب حزيران / يونيو 1967؛ حين قامت

مظاهرةٌ كبيرةٌ، أ حرق فيها المتظاهرون العلم الإيطالي والمحالّت التّجارية اليهوديّة، وأدانوا ارتباطات النظام

القوية بالغرب ووجود القواعد العسكرية الأميركيّة والبريطانية. وانضمّ العامّل اللّيبيّون إلى حركة الاحتجاج

الاجتماعي؛ فنظّم عامّل الميناء وحقول النّفط إضرابًا، وأوقفوا إنتاج النّفط. وانخرط كثيرٌ من الشّباب اللّيبي

في التيّارات السياسية القومية، كالنّاصرية والبعث. وتفاقمتْ أزمة المل كية، نظرًا إلى أنّ الملك كان شخصًا

معزوالًاجتماعيًّا؛ إذ كان يعيش في طبرق، قرب القاعدة البريطانية الرئيسة في " العدم "؛ موحيًا بذلك بأنّه

يفضّل صحبة البريطانييّن وحمايتهم. وما زاد حال نظام الملك سوءًا، هو انتشار الفساد بين أفراد النّخبة. فعلى الرّغم من ارتفاع دخل البلاد منَ

عائدات النّفط؛ ظلّ الكثير من اللّيبييّن العاديين فقراءَ في المناطق الرّيفية. لقد صارت المل كيّة ضحيّةَ برامجها

التّحديثيّة؛ بما أهنّا لم تحدِّثْ نفسها سياسيًّا أيضًا، ولم تمك ن طبقتها الوسطى النّامية من المشاركة السّياسية. فكثير

من اللّيبيين المنتمين إلى الطبقة الوسطى وشريحتها الدّنيا من المتعلّمين؛ قد وجدوا أنفسهم مهمَّشين، وخارج

رعاية شيوخ القبائل التّقليديين وعائلات الأعيان ذات النّفوذ. وكان الجناح العسكريّ لهذه الطبقة الوسطى

حديثة النّشوء، هو الأكثر تنظيامً من بين الجماعات المعادية للملَكيّة. وفي غياب الأحزاب السّياسية؛ كان القوّة

الوحيدة المؤهَّلةَ لإزاحة النّخبة القديمة بشكل فعّال. إثر حرب حزيران / يونيو 1967، التي هزم فيها الجيش

الإسرائيلي الجيش المصري؛ وقعت مظاهراتٌ جماهيريّةٌ في طرابلس وبنغازي، احتجاجًا على ما عدّ موقفًا

رجعيًّا للنّظام الموالي للغرب. فاعتقل النّظام أعضاء من الأحزاب السرّية المُتَّهمين بعلاقتهم بهذه النّشاطات.

وبدا الملك العجوز المنعزل يائسًا في مواجهة حركات الاحتجاج الاجتماعي، وفساد النّخبة، واعتماده على

أسرة الشّلحي المتحكّمة في الدّيوان الملَكي. وفي ما بين 1951 و 1969، تعاقبت إحدى عشرة حكومة. وقد

أفسحت الملَكيّة المجال في سلَّمها لبعض الاختصاصييّن الحضريين، مثل رئيس الوزراء عبد الحميد البكوش

سنة 1968. ولكن في المجمَل، كانت المستويات العليا من التّعليم مغلقةً. وقد شرعتْ الجماعات الشابّة -التي

حظ-ِيَتْ بالتّعليم في ظلّ الملَكية في المطالبة بالتّغيير، في الوقت الذي لم يسمح النّظام بقيام أيّ معارضةٍ منظَّمةٍ،

11  For a well informed analysis of the royal elite see: Salahedin Hasan al-Sury, " A New System for a New State: Libyan Experiment in Statehood 1951-1969", In: A. Baldinetti, ed., Modern and Contemporary Libya: Sources and Historiographies (Rome: Instituto Italiano Per L’Africa et Orienete, 2003), pp. 179-194.

وبدا متجاهالً لأيّ مشاعر مرارةٍ تع عنها الطّبقة الوسطى وشريحتها الدّنيا الجديدة. وقد فشلت المل كية في

إجراء إصلاحات سياسيّةٍ تُرضي القوى الاجتماعية الجديدة المنبثقة عن التّحديث الاقتصادي والاجتماعي. لمِ

تكن أزمة الملكية ناشئةً عن نقص التّحديث؛ وإنمّا عن الأسلوب الذي طُبِّق به ذلك التّحديث. في الوقت الذي حُظرت فيه الأحزاب السّياسية وقُمعت؛ ظلّ الجيش أكثر مؤسّسات الدّولة تنظيامً.

وجرى تدريبه بالاستعانة بالضبّاط العراقييّن واللّيبييّن، أو أ رسل بعض أفراده للتدرّب والتّخرج ضباطًا في

الأكاديميات العسكرية البريطانية والأميركيّة. وعلى الرّغم من الافتقار إلى الإصلاح السّياسي والمؤسّسات

القويّة؛ ورث النّظام الجديد في سنة 1969 البلادَ وهي على قدر من التطوّر. إذ كان لها قانونٌ نفطيٌّ مبتَك،ٌ ر

ونظامان جيِّدان في التّعليم والصحّة العامّة، وجمعيات مدنيّة نشطة؛ كالأندية الرّياضية، والاحتّادات العامّلية،

والكشافة، والمنظ مات الشّبابية، والحركات الأدبية والنّسائية. وفي الستّينيات؛ كان في سبها دار مسرح وعرض

سينمائي، وأربعة أنديةٍ لكرة القدم، وثلاث مكتبات، وصحيفةٌ، وفرقة موسيقية لطلاب المدرسة الثانويّة.

وكان إقليم فزّان في مجمله مرتعًا للحركة القوميّة العربيّة الجذرية المعادية للاستعمار، تلك التي أذكتها ثورة

1952 في مصر وإعلامها القوي. وتبعا لذلك، بدت المل كية وقد تجاوزها الزّمن، وأصبحت تواجه تهديدًا من

مصر ومن الدّاخل.

الملكيّة السّنوسية والنظام الثوريّ

كانت القاعدة الاجتماعية لمجلس قيادة الثورة، المنبثق عن حركة الضّباط الوحدوييّن الأحرار، تتكوّن أساسًا

من الرشّيحة الدّنيا للطبقة الوسطى التي نشأت نتيجة لبرامج التّحديث الّتي قام بها النظام الملكيّ بعد سنة

1951. فمعظم أعضاء مجلس قيادة الثورة الاثني عشر يتحدّرون من قبائل فقيرة وصغيرة من قبائل الداخل أو

من الشرائح الاجتماعية الفقيرة في المدن الساحلية. وعضوان منهم فقط يتحدّران من قبيلتين كبيرتين (المغاربة

والعواقير)، وعضو آخر يتحدر من عائلة بارزة في مدينة ساحلية. وباختصار، يمكن القول إنّ الثّورة كانت

تحت قيادة الشريحة الدّنيا من الطبقة الوسطى المنتمية إلى مدن المناطق الحضرية والبلدات الريفيّة والواحات

الصحراويّة في الدّاخل، في مواجهة سيطرة شيوخ القبائل والعائلات البارزة في المدن الكبرى. كان النظام

الملكي يعتمد في ضمان أمنه على قوّة الشرطة جيّدة التجهيز، أكثر من اعتماده على الجيش، وكان أفراد الشرطة

يجنّدون من بين القبائل الموالية. مقابل ذلك، كان الجيش اللّيبي مفتوحًا للطلبة غير المتحدّرين من عائلات

النّخبة، وكان من بينهم أعضاء حركة الضبّاط الوحدوييّن الأحرار ولجنتها المركزيّة. ومثله مثل النّظام الملكي قبله، حظر مجلس قيادة الثورة الأحزابَ السياسيّة والاتحادات العماليّة المستقلّة

سنة 1970، متبنّيًا نظام الحزب الواحد على غرار مصر سنة 1971، وسمّي هذا التنظيم الاتحاد الاشتراكي

العربي. إلا أنّ هذه الصيغة جرى التخيلّ عنها بعد ذلك بسنتين، بسبب فشلها في تحميس وتعبئة غالبية الشعب الليبي. وفي مواجهة معارضة النخبة التقليدية وفشل الاتحاد الاشتراكي العربي، أعلن القذافي ثورته الشعبية

12  This period has not been research yet. See: J. Wright, Libya A Modern History (London: Croom Helm, 1983), pp. 102-107. for Libyan Jewish Israeli view see: M. Romani "The Final Exodus of Libyan Jews in 1967", Jewish Political Studies Review , Vol. 19, No. 3-4 (Fall 2007), pp. 1-15.

ضد البيروقراطية القديمة في خطابه الشهير في زوارة 15 نيسان / أبريل 1973. وطلب من الشعب إحلال

اللّجان الشعبيّة المتكوّنة من الموظّفين في مواقع العمل بدالً من البيروقراطية العاجزة. أدّى ابتكار القذافي إلى انقسام داخل مجلس قيادة الثورة بشأن دور اللجان الشعبيّة الجديدة وصلاحياتها. وقد

عكس الانقسام داخل مجلس قيادة الثورة بسبب هذه القضايا خلافات أيديولوجية كبرى بين جناحين بشأن

الاجتّاه الذي تتّخذه الثورة. واعترض الجناح التكنوقراطي الذي كان يقوده عمر المحيشي، وزير التخطيط،

بأنّ الأولوية ينبغي أن تعطى للكفاءة المتمثلة في الخبراء والمختصين. في المقابل، أصرّ القذافي على التعبئة

الأيديولوجية والولاء السياسيّ. وقاد عجز أعضاء المجلس عن حلّ النزاع الداخليّ إلى محاولة أعضاء مجلس

قيادة الثورة بقيادة المحيشي الانقلاب على القذافي. فاستخدم القذافي تنظيمه المدنيّ القديم -من سنواته الأولى

في سبها- لتعبئة مؤيّديه ضدّ خصومه. وحين وقف عبد السلام جلود، العضو الرئيس في مجلس قيادة الثورة،

في صفّ القذافي، فشل الانقلاب. وفرّ عمر المحيشي إلى تونس وظلّ في المنفى في ما بعد في مصر. بعدها رسّخ

القذافي سلطته. ولم يبق من أعضاء مجلس قيادة الثورة سوى أربعة أعضاء في السلطة إلى جانب القذافي، وجرى

حلّ مجلس قيادة الثورة.

الأسطورة وسياسة إعادة إنتاج القبليّة

تندرج التقارير والتعليقات الحاليّة المتعلقة بالانتفاضة الليبية ضمن إطار ثلاث أساطير: تسليط الضوء على

القذافي، وأن التجربة الليبية مع الاستعمار الهمجي مماثلة للتجربتين المصرية والتونسية، والنظر إلى المجتمع الليبي من خلال أيديولوجيا القبلية Tribalism. لقد عانى الشعب الليبيّ من إحدى أكثر التجارب الاستعمارية

وحشيّةً في أفريقيا. فقد تويفّ نصف مليون ليبي خلال الحقبة الاستعمارية بين سنتي 1922 و 1943، بمن فيهم

60 ألف أسير في المعتقلات الجماعية. وجرى إسكات صدمة الاستعمار هذه وما خلّفته من ندوب خلال فترة الملكية السنوسية ما بين 1951 و 1969. وعليه يمكن للمرء أن يحاجّ بأنّ شعبوية القذافي المعادية للاستعمار

ليست هاجسا استحواذيًّا (Obsession)، وإنما هي متأصّلة في التجربة الاستعمارية الحديثة التي عاناها الشعب

الليبي الذي كان يحسّ بأنّ عذاباته جرى تجاهلها. يعيش %80 من الليبييّن في المناطق الحضريّة، أي المدن والبلدات، وقادة الانتفاضة الديمقراطية الحاليّة محامون

وقضاة وصحفيون وكتّاب وأساتذة جامعيون وناشطات نسائيات وضبّاط جيش منشقّون. وصار معنى

القبيلة في الريف مختلفًا عن الماضي، فالليبيّون جميعهم فاعلون في الاقتصاد، ومعدّل القراءة والكتابة في ليبيا هو

بين الأعلى في أفريقيا. وهكذا، فإنّ الكلام عن القبيلة بالمعنى العضوي Generic هو محض تضليل. مع ذلك، فإنّ نقص البحوث المتخصّصة والمعرفة عن المجتمع الليبيّ الحديث ينبغي عزوهما إلى واقع أنّ ليبيا قد عُزلت

وأصبحت غير متاحة للباحثين طوال العقود الثلاثة الأخيرة. إنّ قراءةً بديلةً ستعيد المجتمع إلى دائرة الضوء

بغرض الإجابة عن الأسئلة الرئيسة المتعلّقة بجذور النظام ولماذا استطاع البقاء، ثمّ تجمّد، وفي النهاية فشل في

المضيّ في عملية الإصلاح السياسيّ. وصل الإصلاح إلى ذروة نجاحه بعد سنة 1998 عند حلّ أزمة لوكربي ورفع العقوبات المفروضة على ليبيا

منذ سنة 1992، وما أسفر عنه من تطبيع للعلاقات مع أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية في ما

بين 2003 و 2009. المفارقة، هي أنّ النظام كان يمكنه تجنّب الانتفاضة لو أنّ هذه الإصلاحات تمّت بجدّية

وتوجّهت نحو معالجة المطالب الشعبية المتعلقة بالقضايا الاجتماعية والسياسية وانتهاكات حقوق الإنسان.

وبدلا من ذلك، وبإطلاق النار على المحتجيّن السلمييّن في بنغازي والبيضاء في 15 شباط / فبراير 2011،

وقيام سيف الإسلام القذافي وأبيه بتوجيه ثلاثة خطابات يعلنان فيها الحرب على المحتجيّن واصفين إيّاهم

بأهنّم " جرذان " و " مدمنو مخدرات " وأهنّم تعرّضوا إلى غسل دماغ على يد بن لادن، نظر غالبية الليبيين إلى

النظام على أنّه ميؤوس منه وأنّه قد حان وقت زواله. دعونا ننظرْ إلى الأصول الاجتماعية للنظام. لماذا تمك ن من البقاء، ثمّ تحوّل من كونه دولة شعبوية من دول العالم

الثالث إلى ديكتاتورية. الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية هي دولة تُعرّف نفسها على أهنّا دولة ثوريّة حتُكم من خلال

اللجان الشعبيّة المنظّمة والمؤتمرات الشعبيّة. ومرتكزًا على اقتصاد غنيّ يمثّل النفط مصدره شبه الوحيد، وُلد

النظام مع ما يسمّيه معظم الليبيين " ثورة الفاتح من سبتمبر " التي حدثت في 1 أيلول / سبتمبر 1969. في

ذلك التاريخ، أطاحت مجموعة مكوّنة من اثني عشر ضابطًا شابًّا في الجيش الليبي-ينتمون إلى فكرة الوحدة

العربية الشاملة الناصريّة، ويقودهم ضابط ذو شخصية نافذة يدعى معمّر أبو منيار القذافي يبلغ من العمر

27 سنة- بملكيّة الملك محمد إدريس السنوسيّ في انقلاب غير دمويّ، حين كان الملك مسافرًا خارج البلاد.

كانت هذه المجموعة تمثّل لجنةً مركزية لتنظيم سرّي داخل الجيش الليبيّ يسمّى " حركة الضباط الوحدوييّن

الأحرار ". الضبّاط الشباب الاثنا عشر الذين كانوا يتحدّرون من أقاليم البلاد الثلاثة، أعادوا تسمية أنفسهم

" مجلس قيادة الثورة "، وأعلنوا قيام الجمهورية العربية الليبية، وألّفوا قيادة جماعية حتّى سنة.1976 سيطر مجلس قيادة الثورة على كلّ السلطات التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة، وشرع في الإشارة إلى إجراءاته

الاجتماعية والسياسية على أهنّا " ثورة ". وعلى الرغم من مناهضته للاستعمار والشيوعيّة والفساد ودفاعه عن

القوميّة العربيّة والإسلام، فإنّ مجلس قيادة الثورة لم تكن له سياسات محدّدة الخطوط، وكان دليله المرشد

ثورة 1952 المصرية. لقد مرّ المجتمع الليبيّ بتحولّات اقتصاديّة وسياسيّة واجتماعيّة بعد سنة 1969، إلا أن

الحكومة الجديدة نفّذت سياساتها من دون مشاركة شعبية تُذكر. وركّز جناح القذافي في مجلس قيادة الثورة السلطات في يده في 1976، وأخذ يجرّب خلق " مجتمع اشتراكيّ فطريّ أصيل pastoralist Indigenous

society socialist "، مستفيدًا من عائدات الّنفط الوفيرة وتوظيف العمالة غير الليبية التي كانت تضمّ-من

بين من تضمّ- العديد من التونسييّن والمصرييّن. إلا أنّه على المرء أن يتذكّر أنّ المجتمع الليبيّ في عمومه معادٍ

للاستعمار ومؤيّد لحركات التحرر الوطني ومؤمن إيمانا قويًّا بالعروبة والإسلام. لابدّ من تذكّر بعض النقاط هنا، أولّها أنّ ثورة 1969 بقيادة معمر القذافي لم تكن شذوذًا، مثلما يعتقد الكثير

من الصحفيين والباحثين الغربيين، ولكنّها متجذّرة بقوّة في مجتمع الداخل الليبيّ من خلال الحركة السنوسية

والجمهورية الطرابلسية، ضمن الإطار العامّ للثقافة الإسلامية والمؤسسات القَرابية المستقلّة استق الً ذاتيًّا،

والخشية من الدولة المركزية، وانعدام الثقة في الغرب بناءً على التجربة المرّة تحت الحكم الإيطاليّ. كان القذافي

قادرًا على التّعبير عن مقاومة الاستعمار والحسّ الوطنيّ لدى الليبييّن وإيصاله للنّاس وترجمة هذه التركة

إلى أيديولوجيا ثورية مستخدمًا لغة بسيطة يفهمها الليبيون العاديّون بسهولة. لقد استخدم القذافي نبوغه

الكارزمي لتعبئة الشعب ومهاجمة معارضيه وخصومه داخل البلاد وخارجها. كان يتحدّث ويأكل ويلبس

كرجل بدويّ من الدواخل، ويؤمّ المصليّن كإمام أو أمير للمؤمنين. ولغرض إضعاف المعارضة الحضريّة بين الطلبة والمثقّفين والطبقة الوسطى الحضرية في المدن الكبرى، اتّبع

النظام الجديد سياسة ثقافية قوامها " البدْونة Bedwanization " التي تعتمد الهجوم على الثقافة الحضريّة

وتشجيع الطقوس البدويّة والريفيّة المرتكزة إلى القيم القبلية المتعلقة باللباس والموسيقى والأعياد، وهذا

-دون شكّ- عودة إلى الماضي القديم. ونتيجة لسياسة تصفية التحرض Urbanization - De الممنهجة، فقدت

مدينة طرابلس (أكثر مدن البلاد تحرضًّا وكوزموبوليتية) طابعها السابق. ومع ذلك، ظلّت الجماهيرية دولة

شعبوية حديثة. ونالت حكومة الجماهيرية تأييدًا شعبيًّا واسعا في الطبقات الدّنيا والوسطى، مك ن الحكومة من

الانخراط في تغييرات اقتصادية كبرى وكذلك في البنى السياسية والاجتماعية. وقد قادت المعارضة الداخلية والخارجية للحكومة إلى مزيد من أفعال القمع ضدّ المعارضين في عقد الثمانينيات. قوّضت المركزية Centralization المفرطة والاعتماد على الأجهزة غير الرسمية والأمنية -على حساب

المؤسّسات الرسمية وحكم القانون- الإصلاحات المبكرة، وأدّت إلى أفول هذه التجربة المتعلّقة بالشعبوية

السياسية الأصيلة. وتضافر المناخ العدائيّ العالميّ وانخفاض عائدات النفط منذ أواخر السبعينيّات من القرن

العشرين لخلق أزمة النظام. وأكثر من ذلك، أ ضعفت أو شُوّهت المؤسسات العامّة مثل المحاكم والجامعات

والاتحادات والمستشفيات والمصارف. وهكذا، فإنّ ترافد الحراكين الداخلي والخارجي حوّل الأيديولوجيا من

نمطها الشعبوي إلى نمطٍ تسلّطي لنظام اخْتُزل في عبادة شخصية القذافي. بدأ هذا التغريّ في فترة مبكرة بعد

دخول القوّات الليبية في حرب مباشرة مع نظام حسين حبري في التشاد في حزيران / يونيو 1983، والمواجهة

مع الولايات المتحدة الأميركية سنة 1986 التي توّجت بالقصف الجوّي الأميركي لطرابلس وبنغازي،

وأصبح واضحًا وضوحًا شديدا بعد سنة 1988، خصوصا مع موافقة مجلس الأمن الدولي سنة 1992

(القرار 748 في 31 آذار / مارس 1992) على توقيع عقوبات على ليبيا إثر اكتشاف ما قيل إنّه دليل يربط

عملاء ليبيين بحادثة تفجير طائرة " بان آم " الأميركية في رحلتها رقم 103 فوق بلدة لوكربي في سكوتلاندا. النظام الليبي مناظر للأنظمة الأخرى المسامّة الأنظمة الريعيّة التسلطيّة في الشرق الأوسط وأفريقيا. فالدّول

المنتجة للنفط كالجزائر والعراق وسورية (آنذاك)، على سبيل المثال وليس الحصر، حاولت توزيع مؤسّسات

رسمية وغير رسمية لتلبية مطالب بعض المواطنين المادّية والمعنوية مقابل قليل من الولاء والطاعة الجمّة.

بعد سنة 1986، استخدم النظام أيضًا العقوبات الجسدية والحبس والنفي الإجباري ضدّ الآلاف من

المنشقيّن بهدف الحفاظ على سلطته، وملأ القوى الأمنيّة بالأقارب الموثوقين والحلفاء التقليديين، أولئك

الذين ارتبطت مصالحهم المادّية بديمومة حكم القذافي. واستخدم النظام كذلك إستراتيجيات الرشّ عنة

strategiesLegitimizing بهدف التحكّم في ما يعدّه بعض علماء الاجتماع البعد " المعياري " للخضوع

. The normative dimension of compliance

في الواقع، تأل ف النظام الجديد من مؤسّسات وقوى مثل الدائرة الداخلية المتكوّنة من رجال الخيمة، واللجان

الثورية، والصفوف القبلية، وتنظيم الرفاق الذي يضمّ معظم زملاء القذافي في الدراسة وأصدقائه قبل الثورة.

ابتكر القذافي " إعادة البناء القبلي Retribalization " وإستراتيجية فرِّق تسد المنتمية إلى المؤسسات البدوية

والريفية التقليدية مثل " الميعاد " و " جبر الخواطر " و " الصفوف ". فمؤسسة " الميعاد " هي التقاء شيوخ القبائل من أجل تدارس قضيّة ما، و " جبر الخواطر " هي لقاء قبلي لتسوية الخلافات وجلب الوئام. كان في العادة يرسل

-بصفة غير رسمية- قريبه ومستشاره لشؤون القبائل العقيد خليفة حنيش إلى هذه المؤسسات للحصول على تأييد القبائل أو إبرام المصالحات مع الخصوم. وقد كان الداخل الليبي -وبسبب ضعف الدولتين العثمانية

والاستعمارية الإيطالية- قد شهد قيام التحالفات الفلاحية والبدوية، المسامّة ب " الصفوف " مقام إستراتيجيةٍ دفاعيّة ضدّ الدولة المركزية والتحالفات الأخرى. وأحيى النظام مؤسّسة الصفوف القديمة هذه في مواجهة

المعارضة الداخلية في الجيش وفي الإقليمين الشرقيّ والجنوبيّ من ليبيا. فعلى سبيل المثال، اعتمد النّظام في ما

بين 1975 و 1993 لتجنيد الضبّاط على ثلاث قبائل: القذاذفة، والمقارحة، وورفلة. وأ سقطت ورفلة من

هذا الاعتبار حين اكتُش 1993ِف سنة، التحضير لمحاولة انقلابيّة قوامها الأساسي ضبّاط من ورفلة. وتنتمي

زوجة القائد الثانية، صفية فركاش، إلى قبيلة قويّة هي قبيلة البراعصة المنتمية إلى قبائل السعادي، وهذه القبيلة

قدّمت له قدرًا من الدّعم في موطن الملكية السنوسية. ومع نهاية التسعينيّات، أخذ القذافي يعتمد على عائلته

وأبناء عمومته على رأس الأجهزة الأمنيّة. قام النظام بتطهير الجامعات ممّا سمّي الثورة المضادّة سنة 1976. وشمل الاستهداف الناشطين الإسلامييّن

والليبرالييّن واليسارييّن الذين أرادوا الحفاظ على احتّاد الطلبة مستق بعد سنة 1964 مثلما كان تحت الملكية.

وقد قام أعوان النظام بالمهامّ القذرة ضدّ المعارضين، ابتداءً بالتجنيد والإغراء وانتهاءً بالقتل مرورًا بالتخويف.

وقد كافأ القذافي العديد من هؤلاء الأعوان بضمّهم إلى النخبة الحاكمة في النظام في مناصبَ مثل الوزراء،

والمديرين الرئيسين والسّفراء ورؤساء الجامعات ورؤساء الأجهزة الأمنيّة. ومع ذلك، حين واجه النظام غضب الرأي العامّ ضدّ الانتهاكات سنة 1988، دان القذافي اللّجان الثورية على

انحراف مسؤوليها عن الخطّ الثوري الصحيح، وتبنيّ أنّ انتقاده هذه اللجان لم يكن سوى لفترة قصيرة. فقد

ظلّت هذه اللجان تحافظ على دور في " تحريض " مؤتمر الشعب وتأطير جدول الأعمال الذي يحتوي القضايا المطروحة للنقاش. لقد أصبحت اللجان الثورية، بمقتضى الأمر الواقع، حزبًا سياسيًّا، وهذا مناقض للفكرة

المثالية عن ديمقراطيّة المشاركة المبنيّة على مؤتمر الشعب واللجان الشعبيّة -كما وردت في الكتاب الأخضر-

خصوصا في الوقت الذي كان فيه النظام يخشى من الانشقاق لما يعنيه من تهديدٍ لبقائه. مع نهاية الثمانينيّات، سادت الاهتمامات غير الرسمية والأمنية النظام السياسي واستخدمت طقوس عبادة

البطل بخصوص القذافي كلغة للسّيطرة الاجتماعية. وأصبحت فيما بعد راسخة في النظام. وكانت أشدّ قوى

معارضة الإصلاح بأسًا، مخافة خسارة السلطة والمساءلة المحتملة عن انتهاكاتها لحقوق الإنسان بما في ذلك

التعذيب والقتل ضدّ جماعات المعارضة وأفراد من النظام في العقود الثلاثة الأخيرة. وفي مواجهة التململ السياسي والعزلة، قرّر النظام تغيير أيديولوجيته بالاجت اه نحو أفريقيا، ورضي بالتصالح

مع المجتمع الدولي من خلال قبوله بشروط الأمم المتّحدة، وفي ما بعد التخيلّ عن برنامج أسلحة الدمار

13  Salahedin Hasan al-Sury, "A New System for a New State: Libyan Experiment in Statehood", Op. Cit.

الشامل من أجل بقائه. وكإشارة على النّزعة البراغماتية والإصلاح، أصبحت السياسة في طرابلس مدفوعة

باعتبارات المصالح الشخصية والوطنية، خصوصًا في ما يتعلّق بالقيام بدور موازن للمنافسين في مصر

وإسرائيل وتونس والسودان والجزائر والمغرب. وينجم تغيير السياسة الليبية بين مرحلة وأخرى عن تغريّ في

علاقات القوى في المنطقة والمواجهات مع الولايات المتّحدة الأميركية وفرنسا في أفريقيا. هذه العوامل مجتمعة،

أجبرت النظام على تغيير سياساته أو إبرام معاهدات تحالف أو وحدة مع دول صحراوية مختلفة في أفريقيا.

وقادت هذه السياسة الليبية الجديدة -التي استهدفت التصالح مع المجتمع الدولي- إلى رفع العقوبات، إلا أهنّا

قوّت الصراع السياسيّ في الداخل. وباختصار، فإنّ السلوك اللّيبي إزاء الدول الأفريقية الأخرى تغريّ استجابة

لتغريّات سياسية داخلية وإقليمية ودولية. جلبت العملية الثورية في ليبيا في العقدين الأوّلين من عمرها عدّة فوائد للّيبييّن العادييّن، من قبيل العناية

الصحّية المجانية والتطوير الكبير للبنية التحتية للبلاد والتعليم المجاني تتجاوز بكثير تلك الإنجازات التي

حقّقها النظام الملكي، خصوصًا بالنسبة إلى المرأة الليبيّة التي أصبحت متعلمة وفاعلة؛ وكان من النساء

الوزيرات والسفيرات والطّيارات والقاضيات، في مجتمع محافظ كان معدّل الأمّية فيه%95 سنة.1951

ومنذ سنة 1990 أسهمت الزراعة ب%2 فقط من الميزانية الوطنية، وارتفع معدّل البطالة إلى %30. وأ ضعفت

مؤسّسات المجتمع المدني في ليبيا التي بدت أكثر ديمقراطية من عدّة دول خليجية في سبعينيّات القرن الماضي،

أو تمّ الإجهاز عليها. أين كان الخلل؟ ثمّة على الأقلّ ثلاث خطايا أصلية: سيادة المؤسسات الأمنية وغير الرسمية على حساب

المؤسّسات الرسمية، وغياب دستور وطني، ومعاداة المأسسة Institutionalization. كما أسهمت عبادة

الشّخصية والفساد؛ وإجهاض الإصلاحات السياسية؛ وتسليط الأجهزة الأمنيّة على البناء المؤسسي؛ في

اغتراب الطبقتين الوسطى والدنيا، إضافةً إلى انشقاق العديد من الإصلاحييّن وضبّاط الجيش والدبلوماسييّن

الذين منهم من أصبح من بين قادة الانتفاضة الديمقراطية الآن. وهكذا انتهت تجربة الجماهيرية. فلنأمل أن

القادة الشّبان الشجعان الذين يقودون انتفاضة ليبيا الديمقراطية سيتعلمون من الأخطاء التي ارتكبها النظام

الملكي ونظام القذافي. إنّ تحدّي بناء ديمقراطية تعدّدية ومدنيّة مستقرّة، هو تحدٍّ هائل، وخصوصًا إذا أ جّل

الموضوع الأكثر إلحاحًا، ألا وهو التسوية السياسية وإنشاء هيئة إنصاف ومصالحة حقيقيّة.

14  See J. Wright, Libya A Modern History , Op. Cit.

المصادر والمراجع

باللّغة العربيّة

للكتاب،.)1988

الكبير، ياسين. المهاجرون في طرابلس الغرب (بيروت: معهد الإنماء العربي،.)1982

مجلة عراجين،.)2007 باللغات الأجنبية

Anderson, L. The State and Social Transformation in Tunisia and Libya: 1830-1980 ,

Anderson, L. "States, Peasants and Tribes: Colonialism and Rural Politics in Tunisia

retical and Analytical Problems", International Journal of Islamic and Arabic Studies,

زارم، أحمد. مذكراتك صراع الشعب الليبي مع الاستعمار: -1943 1968 (ليبيا-تونس: الدار العربية

التير، مصطفى عمر. مسيرة التحديث للمجتمع الليبي (بيروت: معهد الإنماء العربي،.)1991 المغيربي، محمد زاهي. الدولة والمجتمع المدني في ليبيا (القاهرة: إصدارات مجلة عراجين،.)2004 كرفاع، مختار. الحركات العمالية في ليبيا: 1969-4319 (طرابلس: مركز الجهاد للدراسات التاريخية،

البشتي، فوزي الطاهر. حلم الثورة في الشعر الليبي الحديث (طرابلس: المنشأة العامة للنشر والتوزيع،

الفارسي، أم العز. السياق المجتمعي وأثره على المشاركة السياسية للمرأة في ليبيا (القاهرة: إصدارات

(Princeton: Princeton University Press, 1986).

and Libya". Ph.D. diss. In political science, Columbia University, New York, 1980. 10. Ahmida, A. The Making of Modern Libya: State Formation, Colonization, and Resist­ ance (Albany: State University of New York Press, 2009). 11. Ahmida, A. Forgotten Voices: Power and Agency in Colonial and Postcolonial Libya (New York: Routledge Taylor & Francis Group, 2005). 12. Ahmida, A. "Colonialism, State Formation and Civil Society in North Africa: Theo­

Vol. XI, No. 1 (1994). 13. Baldinetti, A. "Libya’s Refugees, their Places of Exile, and the Shaping of their Na­ tional Idea", The Journal of North African Studies , Vol. 8, No. 1 (2003). 14. Khadourim, M. Modern Libya: A Study in Political Development (Baltimore: The John Hopkins Press, 1963). 15. Khalidi, I.R. Constitutional Development in Libya (Beirut: Khayyat’s College, 1963).

16. Romani, M. "The Final Exodus of Libyan Jews in 1967", Jewish Political Studies Review , Vol. 19, No. 3-4 (2007). 17. Pelt, A. Libyan Independence and the United Nations (New Haven: Yale University Press, 1970). 18. Al-Sury, S.H. "A New System for a New State: Libyan Experiment in Statehood, 1951-1969", In: A. Baldinetti, (ed.), Modern and Contemporary Libya: Sources and Historiographies (Rome: Instituto Italiano Per L’Africa et Orienete, 2003). 19. Vandewalle, D. A History of Modern Libya (Cambridge: Cambridge University Press,

20. Wright, J. Libya A Modern History (London: Croom Helm, 1983).