Return to Article Details Review of “On the Arab Question: Foreword to a Manifesto for Arab Democracy.”

مراجعة كتاب: في المسألة العربية :مقدمة لبيان ديمقراطي عربي.

Review of “On the Arab Question: Foreword to a Manifesto for Arab Democracy.”

جاد الكريم الجباعي

Jad Karim al-Jabaei

الملخّص

يضعنا كتاب في المسألة العربية، مقدمة لبيان ديمقراطي عربي أمام "مسألة" عربية مفتوحة، وخيار ديمقراطي ممكن، أو أمام "مسألة قومية ديمقراطية"، بتعبير ياسين الحافظ، لا أمام دعوة ديمقراطية أو مجرد تزكية نظرية للقومية العربية أو للديمقراطية. ذلك أن المسألة تقتضي إعمال النظر العقلي في أصولها و فروعها، ومساءلة مسلماتها وفروضها، واستنطاق شروط تشكُّلها في الزمان والمكان، وأشكال التعبير عنها.

Abstract

The author of "On the Arab Question: Foreword to a Manifesto for Arab Democracy" sets before us an open Arab "question" and a possible democratic choice, or a "national democratic question" in the words of Yassin al-Hafez, and not a call for democracy or simply a theoretical recommendation of Arab nationalism or democracy. This is because the issue requires a reasoned investigation of its origins and ramifications, the interrogation of its premises and assumptions, and of the conditions creating it in time and space, and the forms of its expression.

الكلمات المفتاحية:
  • ديمقراطية
  • القومية
  • المسألة العربية
  • الوطنية .
Keywords:
  • Democracy
  • Arab Nationalism
  • Change
  • Patriotism

الكاتب:عزمي بشارة. تاريخ النشر: الطبعة الثانية: 2010، الطبعة الأولى:.2007 الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية. عدد الصّفحات: 320 صفحة.

تندرج مقاربات الدكتور عزمي بشارة، للمسألة العربية في الحركة النقدية التي يشهدها الفكر العربي منذ بداية العقد الأخير من القرن الماضي وإرهاصاتها. وتمتاز هذه الحركة بالتحرر من سحر الأنساق والأطر النظرية والأيديولوجية السائدة التي صارت عقبات معرفية، فتؤسس نوعا من حوار أفقي مع مختلف الاتجاهات الفكرية والنظريات الاجتماعية والسياسية. وتمتاز، إلى ذلك، بتشخيص، أو لنقل بمحاولة تشخيص إمبريقي للأوضاع الراهنة في العالم العربي، لرصد مظاهر التخثر وعوامل الإعاقة التي تثقل حركة المجتمعات وتعرقل تحولها إلى مجتمعات مدنية حديثة ذات نظم ديمقراطية. وتأخذ هذه الحركة النقدية أيضا بمبدأ استقلال الحقول أو المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية وتكاملها في " كلية عينية " تتحدد حركتها الذاتية بتعارضاتها الملازمة، واشتباك هذه الأخيرة بتعارضات القوى الإقليمية والدولية وصراعاتها. وإنّه لحريٌّ بالوعي النقدي الحديث ألا يرتكز إلى قاعدة واحدة أو أن ينبثق من فكر واحد أو من نظرية واحدة، إذ لا يمكن أن تتحقق المساواة والحرية في الممارسة الاجتماعية والسياسية ما لم تتحقق في الممارسة الفكرية، بدءأ من حرية التفكير والتعبير، وحرية القراءة والكتابة، والتفسير والتأويل، وتساوي القراءات والكتابات في المشروعية، بعيدا عن القبول التام والرفض التام، وثنوية الحق والباطل، والخطأ والصواب، لتجاوز * باحث سوري. الأوضاع الناجمة عن " القصور الذاتي "، وردم الهوة

بين الكتابة والقراءة، وبين الكاتب والقارئ، وبين الفكر والواقع. يضعنا كتابفي المسألة العربية، مقدمة لبيان ديمقراطي عربيأمام " مسألة " عربية مفتوحة، وخيار ديمقراطي ممكن، أو أمام " مسألة قومية ديمقراطية "، بتعبير ياسين الحافظ، لا أمام دعوة ديمقراطية أو مجرد تزكية نظرية للقومية العربية أو للديمقراطية. ذلك أن المسألة تقتضي إعمال النظر العقلي في أصولها وفروعها، ومساءلة مسلماتها وفروضها، واستنطاق شروط تشكُّلها في الزمان والمكان، وأشكال التعبير عنها.. لاكتناه معقوليتها والكشف عن منطقها الداخلي، بصفتها موضوعا للفكر والعمل، وشرطا رئيسا من شروط إعادة تأسيس الذات (العربية) في العالم وفي التاريخ، بخلاف مألوف " الفكر القومي "، الذي يولَّد الموضوع من الذات، ويؤسسه في حدوسها ورغائبها وأوهامها عن ذاتها وعن العالم. المسألة العربية مسألة في العالم، عالم اليوم، ومسألة في التاريخ العام، وفي تاريخ العرب، لكنها في التاريخ العام أولا؛ مسألة في الدنيا، " كما نعرفها "، في الحاضر والراهن أي إنها مسألة علمانية أو عاملَانيَّة، وديمقراطية (من ديموس، الشعب)، لكي تكون مسألة قومية مؤسسة في مجال الإمكان وقابلية التحقق والإنجاز. العلمانية والديمقراطية شرطان أوليان (اليوم)، وإلا فإنها مسألة ذهنية، في أحسن الأحوال، وشعورية، في الأحوال العادية. وضع المسألة على هذا النحو ينمُّ على تواضع معرفي، يقيم الحد على مطلقية الحقيقة وجموح العاطفة والخيال، ولا يبخس أيا منهما حقه، ويفسح في المجال لاختلاف وجهات النظر، باختلاف المنظورات، والمواقع الاجتماعية، والأطر المرجعية." التواضع المعرفي أحد شروط التجديد والإبداع الفكري ". يتجلى التواضع المعرفي في الحوار الأفقي المفتوح، بدءا من عنوان الكتاب: في المسألة العربية، إذ الجار والمجرور الموصوف متعلقان بخبر المبتدأ المحذوف، وتقديره: قول في المسألة العربية، قول من جملة أقوال ممكنة، ومقدمة لبيان يتشارك فيه الكاتب والقارئ. المشاركة متاحة، بحكم الحوار المشار إليه في جميع مسائل الكتاب. والصفة، العربية، حد وفرق، يؤسسان اختلاف المسألة العربية عن مسائل الأمم الأخرى، لكنهما لا يؤسسان " الاستثنائية العربية "، إلا بافتراض قوانين اجتماعية وسياسية عامة للمسألة القومية، أو المسألة الديمقراطية، لها دقة قوانين الطبيعية وصرامتها، والكتاب يدحض مثل هذا الافتراض. فهل الاستثنائية مرادفة للخصوصية، وهل ثمة خصوصية بلا عمومية؟ قد نفهم " الاستثنائية العربية " على أنها زعم من يزعمون أن العرب عاجزون عن التقدم وإنتاج أنظمة ديمقراطية لعلّة ماهوية وعيب أصلي يتعلقان بطبيعتهم، وهو زعم يقويه زعم بعض العرب أن " الديمقراطية لا تتناسب مع طبيعة مجتمعنا "، وأنها " بدعة مستوردة من بلاد الكفار ". يقال مثل ذلك في جميع منجزات الحداثة، سوى التقنية منها. يبدو لنا أن للمسألة العربية وجهين: أولهما، " عدم تمكن القومية العربية من التحول إلى دولة – أمة "، (إشكالية التجزئة والوحدة)، ولا يخفى ارتباط هذه الإشكالية بتأخر الوعي والفكر. والثاني، " عدم تمكن الدولة القطرية من تقديم بدائل لها، لا على مستوى أمة المواطنين، ولا على مستوى قومية قطرية بديلة "، (إشكالية نقص الاندماج الوطني أو القومي، وتعثر بناء الدولة الوطنية)، الأمر الذي قد يسفر عن خطر " انهيار التعددية السياسية إلى تعددية جماعات عضوية " (12 ص). بوضع المسألة على هذا النحو، يتقاطع تشخيص الدكتور عزمي بشارة مع تشخيص ياسين الحافظ؛ لكنه يفترق عنه في نقطتين: أولاهما، أن " الواقعية السياسية تقضي بقبول الدولة القطرية "، والاعتراف بشرعيتها، مما يسمح بتحوُلّها إلى دولة حديثة وديمقراطية. والثاني، أن التوحيد على النمط البروسي لم يعد ورادا في أيامنا، وقد تكون نتائجه كارثية. أما الحافظ فيعتبر الوحدة العربية شرطا لازما للوجود العربي والتقدم العربي، ومن ثم شرطا لازما للديمقراطية، ولا ينظر إلى هذه الأخيرة إلا بصفتها " ثورة قومية ديمقراطية " تحل مسائل النهضة والتنوير وتحمل مبادئ الليبرالية وقيمها، فتفضي إلى تشكل أمة المواطنين ثم إلى نظام ديمقراطي. وإذ يعتبر

الحافظ الوحدة العربية شرطا لازما للتقدم العربي والخروج من مستنقع القطرية وتخلُّعها الاجتماعي، لا يغلق عزمي بشارة الطريق أمام تحول " الدولة القطرية " إلى دولة ديمقراطية (ص 12)، وهو رهان أكثر واقعية في الظروف الراهنة. غير أن هنالك أمرين يجمعان بين بشارة والحافظ: أولهما، النظر إلى المسألة العربية من منظور ديمقراطي، ومن ثم، التماس حل ديمقراطي لها. والثاني، هو الرهان على العامل الذاتي (القوى الديمقراطية المنظمة ذات البرنامج الديمقراطي، عند بشارة، و " الطليعة الثورية "، أو " قوى الثورة العربية "، عند الحافظ)، للتعويض عن نقص الشروط الموضوعية، وعدم الركون إلى النزعة التطورية. يقول الكتاب صراحة إن المهمات الديمقراطية وتعقيدها في البلدان العربية " تتطلب حجما ووزنا مضاعفا لدور الديمقراطيين الذاتي، السياسي والأيديولوجي "، بحكم الحاجة إلى التنظيم والتثقيف والدعاية، و " لغرض التعويض عن فقدان الظروف الموضوعية والمقومات البنيوية الاقتصادية وغيرها ". وهذا لا يصح بشأن الديمقراطية فقط، بل بشأن التحديث بوجه عام (ص. 65) لا نجادل في أهمية العامل الذاتي، (الوعي والإرادة والتنظيم)، الذي يقبع في أساس التصور الثوري، لكننا نخشى أن يختار الديمقراطيون " الطليعيون " شعوبهم، على نحو ما فعل الاشتراكيون والقوميون في غير مكان، وأن تتحول الديمقراطية إلى مجرد أدلوجة وشعار وقيمة معيارية، تؤدي إلى عكس ما يُتوخَّى منها. ونعتقد أن ما يحول دون تطرف الديمقراطيين وإمكانية استبدادهم هو ارتباط الديمقراطية بالوطنية ومبادئ المواطنة وقيمها فكريا وسياسيا وأخلاقيا.ً وهذا ما حرص الكتاب على تأسيسه في الفصلين الأول والثاني، وعاد إليه إيضاحا وتوكيدا في الفصول الأخرى. ولا يكفي الاقتناع بهذا الارتباط نظريا،ً بل لا بد أن تعبر عنه القوى الديمقراطية في برامجها وممارستها الاجتماعية والسياسية. لذلك رأينا أن أهم ما يميز هذا الكتاب ويستحق التنويه به وتقدير جِدَّته، هو الكشف عن العلاقة الضرورية بين الوطنية والديمقراطية، والنظر إلى كل منهما بدلالة الأخرى، إذ هما شكل ومضمون لا ينفك أحدهما عن الآخر، مع تأكيد أهمية البعد الوحدوي، المشتق من " المسألة العربية "، بما هي مسالة راهنة. (انظر الفصل الأول، ص 31 – 70). وما أراه هو أن الوطنية مضمون الديمقراطية ومحتواها، وأنه لا سبيل إلى استيراد الديمقراطية أو استنساخها أو تصديرها، إذ المعوَّل عليه دوما هو الشعب (ديموس)، كما نفهمه اليوم، لا على أنه مجموع المواطنات والمواطنين، الحرائر والأحرار، المتساويات والمتساوين في الحقوق المدنية والسياسية، فقط، بل على أنه مصدر السيادة والشرعية، ومصدر جميع السلطات. وهو قبل ذلك كينونة اجتماعية، في العالم وفي التاريخ، تنتج أشكال حياتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والأخلاقية، وفق شروط حياتها وشروط الزمان والمكان. من ذلك قابليتها للاستعماروالهيمنة، وقابليتها للحرية والانعتاق والتقدم، كسائر خلق الله. المساواة هي مبدأ المواطنة وعماد الوطنية (العمومية) وقوامها؛ والحرية لصيقة بالفردية وملازمة لها، وتؤسس حق المعارضة، وحق الاحتجاج والثورة على الظلم والطغيان. صحيح أن المساواة في الحقوق المدنية والسياسية هي أساس النظام الديمقراطي، و " التعبير الواقعي عن العدالة "، لكن الحرية، كما يؤكد الكتاب، باتت ضرورية للمواطن، في أيامنا، ضرورة المساواة ذاتها، لأن الديمقراطية هي حكم الشعب نظريا،ً وحكم الأكثرية السياسية عمليا، وليس ثمّة ما يحفظ حقوق الأقلية السياسية، أو المعارضة السياسية، سوى الحرية، بجميع أبعادها، واستقلال منظمات المجتمع المدني عن المجتمع السياسي، بوجه عام، وعن السلطة التنفيذية، بوجه خاص. وجدلية السلطة والمعارضة، أو وحدتهما التناقضية، واستقلال منظمات المجتمع المدني، لا سيما النقابات والأحزاب السياسية، من أهم عوامل الاندماج الوطني وغلبة العلاقات الأفقية على العلاقات العمودية، إضافة إلى الدور الحاسم لمؤسسات الدولة، العامة، أي الوطنية، لا فرق. أما من دون هذه العلاقة الجدلية بين السلطة والمعارضة

فلا يمكن التوصل إلى تداول السلطة سلما.ً يحقق النظام الديمقراطي اتساقا بين المجتمع المدني والدولة الوطنية أو القومية، بصفتهما، أي المجتمع المدني والدولة، حدين متعارضين في " كلية عينية " أو " وحدة تناقضية "، بتعبير هيغل، وبين الشعب والسلطة السياسية (العامة). لذلك يعد النظام الديمقراطي أكثر أنظمة الحكم حيوية وقابلية للنمو والتطور، وفقا لنمو المجتمع المعني وتطوره، وأكثرها هشاشة وقابلية للعطب والفساد، ما لم تتقوَّ باستمرار جذورهُ الإنسانية والأخلاقية بثقافة ديمقراطية، يشكلها اختلاف زوايا النظر أو اختلاف المناظير، واختلاف المواقع، واختلاف الأطر والمرجعيات، واختلاف التجارب الإنسانية، والحد من سطوة " السلطة المركزية "، المادية والمعنوية، وطغيانها، على الصعيدين المحلي والعالمي؛ ف " العلم كله في العالم كله "، بتعبير أبو حيان التوحيدي. وفق هذا التصور ينبغي التحرُّز من مثلنة الديمقراطية وتقديسها، ومثلنة الوطنية، أو القومية، وتقديسها أو منحها قيمة مطلقة. إن تصور أن " الديمقراطية هي الحل "، مثل شعار " الإسلام هو الحل "، يقول كل شيء ولا يعني شيئا. يؤكد الكتاب ذلك صراحة وتلميحا.ً إلى ذلك، يفرق الكتاب بين إنتاج الظاهرة الديمقراطية وتأسيس النظام الديمقراطي في الأزمنة الحديثة، بكل ما أحاط بعمليتي الإنتاج والتأسيس من ملابسات تاريخية جعلت الديمقراطية في كل بلد تشبه المجتمع الذي أنتجها، وبين إعادة إنتاج النظام الديمقراطي نفسه في البلد المعني مرة بعد مرة، حتى من غير ديمقراطيين. لكن عملية إعادة الإنتاج لا تعني مجرد التكرار وإنتاج نسخة مشابهة لنسخة النظام الأصلية في كل مرة، فالظواهر الاجتماعية والسياسية كالظواهر الطبيعة لا تتكرر بصورة نسقية، أو على وجه الاط. راد كما أن النظام الديمقراطي أكثر أنظمة الحكم حساسية لنمو المجتمع وتطور القوى المنتجة ووسائل الإنتاج والاتصال والمواصلات، بحكم الانتخابات الدورية والتداول السلمي للسلطة. هذا التفريق على درجة عالية من الأهمية، يخلص منه الكتاب إلى أن الخيار الديمقراطي، في الحالة العربية، يتصل بعمليتي الإنتاج والتأسيس، لا بعملية إعادة الإنتاج، التي قد تعني المحاكاة أو النسخ أو " الاستيراد "، ولو على البوارج والدبابات، وقد تتحول إلى مجرد نزعة ثقافوية ترى في " الديمقراطية " حلا سحريا لجميع المشكلات، وتعفي الديمقراطيين من مشاق الانشغال بالواقع والاشتغال فيه والعمل على تغييره. هنا يتقاطع الكتاب، في عدة نقاط، مع أطروحات جورج طرابيشي، حول " إشكاليات الديمقراطية في العالم العربي "، لكنه يتحرَّز من استنتاج تأجيل المهام الديمقراطية حتى تتوافر مقوماتها وشروطها الموضوعية. ولا يوافقه في فكرة " الديمقراطية النِّصابية " التي تستبعد الفئات المهمشة من المشاركة السياسية. إذا كان استنساخ الديمقراطية أو استيرادها مخالفا لطبيعة الأشياء، فمن البديهي أن يكون تصديرها مخالف لطبيعة الأشياء بالقدر ذاته، لأن كل من ينتج شيئا إنما ينتجه لكي ينتفع به ماديا ومعنويا وجماليا،ً فما من إنتاج بغير هدف وغاية، وما من منت ج لاِ تنعكس خصائصه الذهنية والنفسية والثقافية وخبرته ومهارته وذوقه في ما ينتجه. نعتقد أن الديمقراطية تُنتَج ويُعاد إنتاجها، فلا تُستَورَد ولا تُصدَّر، وتحمل دوماًالخصائص التاريخية للمجتمع الذي ينتجها ويعيد إنتاجها، وفق شروط حياته المعطاة، الأمر الذي يؤكد أن علاقة الوطنية أو القومية بالديمقراطية ليست علاقة خارجية، ولا يمكن أن تكون تخارجية، بل يمكن القول إن الوطنية شرط الديمقراطية وأساسها ومحتواها، مثلما الإنسية أساس الوطنية ورافعتها. نحدد الوطنية، هنا، بالعلاقة الجدلية بين الوطن والشعب والسلطة العامة، ومنظومة الحقوق والواجبات، والاعتراف المبدئي والنهائي بالمساواة في الحقوق المدنية والسياسية، وفي الكرامة الإنسانية، مع تأكيد صفة العمومية للسلطة، وهي صفة مرادفة للوطنية. ونذهب إلى أن القومية الحديثة مرادفة للوطنية، من باب التفريق بين الأصل والهوية. وبهذا نتفق تمام الاتفاق مع مفهوم " أمة المواطنين " المتساوين في الحقوق والكرامة الإنسانية، الذي يحتل موقعا مركزيا في الكتاب.

نظن، لذلك، أن السجال " السياسي " حول التدخل الخارجي أو التدخل الأمريكي، قبولاأو رفضا لم يكن يتعلق بالتحول الديمقراطي من قريب أو بعيد، بقدر ما كان ولا يزال يعبر عن أزمة ضمير، أو عن أزمة أخلاقية، وعن تخلخل مبادئ الاجتماع السياسي لمجتمع أعاده الاستبداد إلى أسوأ ما في تاريخه، فتحولت فيه العلاقات السياسية إلى علاقات حرب. هذا السجال هو غبار المعارك التي تخاض من أجل " الغنيمة والعشيرة والعقيدة "، بتعبير محمد عابد الجابري. هل ثمة دليل أكثر وضوحا على علاقات الحرب من موقف السلطات التونسية والمصرية والليبية واليمنية والبحرينية والسورية من متظاهرين سلميين خرجوا يطالبون بالإصلاح والحرية؟ وهل السياسة اليوم في لبنان والعراق والسودان والصومال وغيرها سوى حرب؟ هذه الحرب، وكل حرب، نكوص إلى الهمجية. في هذا السياق، يتمحور الكتاب على إمكانية إنتاج الديمقراطية وطنيا، ويشير إلى أمرين أساسيين: أولهما عدم إمكانية تجاهل نموذج " الديمقراطية الليبرالية " القائم اليوم لدى تأسيس نظام ديمقراطي في أي بلد. والثاني عدم إمكانية البدء من الصفر أو البدء من جديد في عملية تأسيس الديمقراطية وإنتاجها، على نحو ما جرت الأمور في الغرب. فلا يمكن حرمان أي فئة اجتماعية من المشاركة السياسية، ولا يمكن التخلي لا عن حق الاقتراع العام، ولا عن حق المرأة في الاقتراع، (62 ص – 63). أي إنه لا يمكن محاكاة سيرورة إنتاج الظاهرة الديمقراطية تاريخيا. ومن هنا يأتي نقد الكتاب فكرة " الديمقراطية النصابية " عند جورج طرابيشي، في كتابه في ثقافة الديمقراطية، وهو نقد صائب، إذ اقترن بمطلب تحديث قوانين الانتخاب، لا سيما شروط الترشح لعضوية المؤسسة التشريعية خاصة، على ما في هذا من تعليق للأساس النظري للمشاركة السياسية، وفق مبادئ المواطنة. هذا الأساس معلَّق عمليا في واقع أن الديمقراطية حكم الأكثرية لا حكم الجميع، وهذا ما يجعلها مفتوحة على إمكانية تجاوز ذاتها وصولا إلى وضع يغدو فيه المجتمع المدني هو نفسه المجتمع السياسي، وفق مخطط كارل ماركس. إن ما يبدو تعليقا للمساواة في المشاركة السياسية يتعلق بالتوتر بين الدولة والمجتمع المدني من جهة، وبالفرق بين الدولة والسلطة ونظام الحكم من جهة أخرى، أي بالطابع التناقضي للسلطة في النظام الديمقراطي، بين كونها سلطة عامة وكونها سلطة القوة أو القوى الاجتماعية التي تحظى بأكثرية أصوات الناخبين، فتشكل الحكومة. ويُسجَّل للكتاب رفض الفكرة القائلة إن أصل المشكلة، المسالة العربية، يكمن في التحديث الذي أدى إلى تفكيك المجتمع العضوي وروابطه، فجعله " أقل حماية من الاستبداد مما كان عليه في ظل الأنظمة التقليدية أو الملكية "، وفي أن " النخب العلمانية كانت مغتربة ومقتلعة الجذور.. وتمارس هذا القدر من القمع لغياب شرعيتها "، ومن ثم فإن مشكلة " الاستبداد الحداثي تكمن في العلمانية ". يرد الكتاب على هذا الادعاء بأن هذه الواقعة هي ما يستدعي تعميق التحديث وتطويره نحو مشروع ديمقراطي، لا التخلي عن التحديث. وأن القوى الوطنية (العلمانية)، مثل الوفد والناصرية والبعث وغيرها كانت قادرة على التوسع وضرب جذور شعبية أكثر بكثير من بعض الحركات الدينية، فالمشكلة ليست العلمانية أو التدين، ومصدر الاستبداد ليس العلمانية، بل التحديث بلا حداثة (راجع ص 66 67-). ونحن نشكك في افتراض أن الروابط العضوية كانت قلاعا حصينة تحمي الأفراد والجماعات من الاستبداد، فنشير إلى أن العلاقات الأبوية، البطريركية، المؤسِّسة للسلطة، في المجتمعات التقليدية، هي، كعلاقة الشيخ والمريد، علاقات تبعية واستبداد. ونفرِّق بين الاستبداد القديم و " الاستبداد المحدث "، الذي تجتمع فيه بعض الخصائص العامة المعروفة في الاستبداد القديم وبعض الخصائص العامة المعروفة في الشمولية أو التوتاليتارية الحديثة، ونميل إلى التعبير عنه بمفهوم " التسلط ". وهنا تظهر بعض ملامح المسألة العربية، بما هي مسألة " الانتقال من الملة إلى الأمة "، بتعبير ياسين الحافظ، ومعوقات هذا الانتقال، أو " عملية انتقال شامل من نظام الأبوية (المحاف ظة والمستَحدَثة على السواء) إلى نظام الحداثة،.. على

صعيد الدولة كما على صعيد الفكر، وعلى صعيد الاقتصاد كما على صعيد المجتمع والحضارة ككل، وهي عملية في غاية التعقيد "، على أن ينظر إلى هذه العملية على أنها جملة من عمليات متواشجة ومتآزرة في مجرى صيروة تاريخية، لا على أنها شرط مسبق للتحول الديمقراطي. يقول الكتاب صراحة في هذا الصدد: " أما حالة الارتداد عن الحداثة إلى مؤسسات المجتمع التقليدية، خارج الدولة، فلا تنتج أنظمة حكم، كما رأينا، بل مراحل انتقالية نحو تفسُّخ الدولة والتحول إلى جماعات عضوية محزَّبة. وهناك فرق بين الطائفية والعشائرية كحالة انفصالية تفتت نظام الدولة وتدخل في إطار الصراعات والتوازنات الإقليمية والدولية، وبين العشائر والطوائف المتوازنة ضمن إطار نظام استبداد شرقي " ص.)68(وإذ يفند الكتاب فكرة أن الديمقراطية يمكن أن تنشأ عربيا بلا ديمقراطيين، بحكم الحاجة أو التطور الموضوعي، يؤكد أن " الإصلاح الديمقراطي ليس ثورة عنيفة بالضرورة، بل هو ما يوفر إمكانية التوصل إلى حلول وسط يربح بها الجميع، ويحد من العنف والثأر والانتقام في العلاقات السياسية. وإذ لا يتم الإصلاح ويتطور إلى تحول ديمقراطي من دون قوى ديمقراطية تطرح برامج سياسية وتناضل من أجل تحقيقها، لا يجوز أن تتجاهل هذه القوى نقد الديمقراطية الذي تطور في الغرب، لأنه " أفضل تحصين ضد النزعة التبشيرية أو العلاجية في التعامل مع الديمقراطية.. ".)69(ص تجدر ملاحظة أن الديمقراطية في بعض البلدان المتقدمة لم تفلح بعد لا في لجم النزعة الإمبريالية في القومية الحديثة، ولا في لجم العنف ومنطق الحرب التي ولدت الدول الحديثة من رحمها، ولا التفاوت المتطرف في توزيع الثروة وعوامل الإنتاج بين القوى الاجتماعية، ناهيك عن الاحتكار وتفل ت شهوة الربح من القيود القانونية والأخلاقية وزيادة نسب البطالة واتساع دائرة المهمشين.... ما يجعل السياسة امتدادا للحرب بوسائل أخرى، حسب ميشيل فوكو، مع أن الثقافة والقيم الديمقراطية تعلِّم أن الديمقراطية تميل إلى الاقتران بالأمن والسلم والرخاء والعدالة الاجتماعية، وإن كان هذا الميل لا يرقى إلى مستوى قاعدة عامة. يرتبط الفرق بين إنتاج الديمقراطية وإعادة إنتاجها بالفرق بين " نظرية الديمقراطية "، التي هي " نظرية عناصرها المكونة ووظائفها وتطورها، أي نظرية مقومات الظاهرة الديمقراطية وإعادة إنتاج هذه الظاهرة لذاتها، وبين " نظرية نشوء الديمقراطية " في شروط تاريخية تختلف من بلد إلى آخر ومن وقت إلى آخر (راجع ص 32). وهذه الأخيرة صيغت باستقراء تجارب مختلفة واستخلاص عوامل نشوء النظام الديمقراطي ودخوله في التاريخ الحديث، وفرز ما هو جوهري ومشترك بين مختلف هذه التجارب على أنها مقومات الديمقراطية أو محددات ال " Paradigm " (أو النموذج) الديمقراطي، وفي هذه النقطة تتصل الديمقراطية بنظرية المعرفة. يقدم السياق التاريخي لنشوء الديمقراطية أسلوبين مختلفين لتأسيس الديمقراطية وإقامة نظام ديمقراطي: الأسلوب التدريجي (الإنكليزي)، كجدلية مستمرة بين برلمان الأرستقراطية والملك، حيث يجري توسيع صلاحيات الأول باستمرار، وبين الأستقراطية التقليدية والبورجوازية الصاعدة للسيطرة على البرلمان. والأسلوب الثوري، أسلوب الثورة الفرنسية، التي أطاحت بالملك وبطبقة النبلاء، وانتهت إلى تسوية سياسية أو حل وسط بين قوى متصارعة في مرحلة ما بعد البونابرتية، ثم في مرحلة ربيع الشعوب منتصفَ القرن التاسع عشر (ص. 34) يلاحظ هنا أن الأسلوبين كليهما ينتهيان إلى تسوية تاريخية أو حل وسط. وهذا من طبيعة الصراعات الاجتماعية ومنطقها الجدلي، لأن حذف أحد طرفي الصراع حذفٌ للطرف الآخر بالضرورة، والثورة لا تخرج عن هذا المنطق في نهاية المطاف. وقد عالج محمد عابد الجابري هذين الأسلوبين في كتابه الديمقراطية وحقوق الإنسان، تحت عنوان " الديمقراطية والواقع العربي الراهن، مشكل الانتقال إلى الديمقراطية "،

قرر فيه أن الانتقال إلى الديمقراطية يطرح من الناحية العملية أحد اختيارين: إما التدرج أو الثورة، وبني مزايا كل من الأسلوبين ومثالبه. لكن الكتاب عالج هذه المسألة معالجة دقيقة، في الفصل العاشر، بإعادة الاعتبار لمفهوم الإصلاح الذي كسفه بريق " الثورة "، وإضاءة العلاقة الضرورية بين السلطة والمعارضة والشروط التي تجعل من هذه الأخيرة قوة فاعلة في الحياة السياسية، حين تتوفر على رؤية واضحة وبرنامج عمل من أجل الانتقال إلى الديمقراطية، وفق الشروط الخاصة بكل بلد على حدة. يتقاطع العلم والتاريخ في إمكانية تفسير الظواهر والكشف عن منطقها الداخلي، ذلك أن قيمة تفسيرية، غير القيمة التي يضفيها عليه " الخطاب التاريخي - السياسي "، أو الخطاب الأيديولوجي. وللعلم وظيفة تفسيرية تنير الوعي، وترسي المعرفة على قواعد موضوعية، فترشد العمل والممارسة، وتستبعد الحتمية واليقين القطعي. من هذه الزاوية، يتناول الكتاب " بؤس نظريات التحول الديمقراطي، لدى المثقفين العرب. ونعتقد أن بعضها مؤسس على " نظرية الاجتماع والتحول " اللينينية، وبعضها الآخر نقد ومراجعة لها على أساس البريسترويكا، أو ارتداد عنها أو رد فعل عليها، لا سيما أن معظم الديمقراطيين العرب اليوم قوميون يساريون وإسلاميون ليبراليون أو من أصول اشتراكية، ماركسية لينينية، بعد انقطاع نسل الليبراليين والديمقراطيين، وانعدام تأثير من تبقى منهم في الحياة العامة. فليس مصادفة أن يقترن صعود موجة الليبرالية الجديدة وأدلوجة " نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير " بانتصار " المعسكر الرأسمالي "، بقيادة الولايات المتحدة، في الحرب الباردة، وافتتاح مرحلة جديدة من الحروب الإقليمية والنزاعات المحلية تراجعت بسببها حظوظ التحول الديمقراطي إلى الحدود القصوى. وما ثورات الربيع العربي، في أحد وجوهها، سوى رد شعبي على هذا التراجع، وسقوط أوهام " نشر الديمقراطية " ومراوغة السلطات التي رفعت شعار " الإصلاح ". يمكن ترتيب الأسئلة التي يطرحها المثقفون العرب حول الديمقراطية، في ثلاثة أبواب: سؤال الماهيَّة، الذي يتكرر بموجبه الحديث عامّ هي الديمقراطية وما هي مقوماتها ومبادئها وقيمها وآلياتها، كأن للتكرار قوة سحرية تحقق الديمقراطية بلا عمل. وسؤال العلِّيَّة، الذي يفترض التجزئة أو الإمبريالية أو الثقافة التقليدية أو الإسلام أو القبيلة علة لغياب الديمقراطية عن الثقافة العربية والتاريخ العربي، وسؤال الكيفية من نوع كيف يمكن الانتقال إلى الديمقراطية في هذا البلد العربي أو ذاك؟ وهو في اعتقادنا ما يعنى به هذا الكتاب، بصورة أساسية، من خلال رصد ممكنات الواقع، بعيدا عن نزعتين: تأملية وأيديولوجية، تتصلان بسؤالي الماهيَّة والعل، يَّة ولذلك عني الكتاب بما أسماه " التشخيص الإمبريقي " للأوضاع العربية الراهنة لاسشفاف ممكنات التحول الديمقراطي، الذاتية والموضوعية، والعمل بمقتضاها (راجع ص 73 –.)77 في ضوء ما تقدم، يقرر الكتاب أن نظريات للتحول الديمقراطي " استقرئت من تجارب عينية مرت بها دول معينة "، وهي " محاولات لتفسير تلك التجارب تحولت إلى تعميمات تحاول أن تتوقعها في دول أخرى. وهي ذات معنى إذا لم تدَّعِ أنها وصفة للانتقال في أي مكان ". ويرى أن إشكالية التحول الديمقراطي هي إشكالية نظرية ذات معنى في حالين: الأولى، هي دراسة تاريخ انتقالات تمت في الماضي في أوقات مختلفة ودول مختلفة. والثانية، هي تحليل عملية تحول جارية بالفعل وتشخيص مشكلاتها ومعوقاتها. ولا معنى لأي " نظرية " هي " علم " في الغيب والغياب (ص. 80) ويرى، من ثم، أن " النظرية الوحيدة التي تختص فعلا بالتحول الديمقراطي بشكل عيني لا تستحق أن تسمى نظرية إلا كنموذج في تفسير ما جرى. (يقصد) نظرية التحول الديمقراطي وما تشعب عنها، من دنكوارت روستو حتى شومبيتر وأودويل ووايتهيد. " يطرح روستو أربع مراحل لتوصيف وتحليل عملية الانتقال إلى الديمقراطية: المرحلة الأولى تخص تبلور هوية الناس السياسية المشتركة وإجماعهم عليها،

وقضية الوحدة الوطنية التي تدور اللعبة في داخلها وفي إطارها. والمرحلة الثانية هي مرحلة الصراع بين القوى ذات المصلحة في إقرار طبيعة النظام السياسي، وذلك من ناحية تمكنها من المشاركة فيه أو تغييره أو حتى التصدي له ومعارضته. والمرحلة الثالثة هي التي تبدأ فيها عملية المساومة والبحث عن تسويات وحلول وسط.. والمرحلة الرابعة هي تحول هذه القواعد (التي اتفق عليها في المرحلة الثالثة) إلى هدف قائم بذاته " ص.)81(يبدو أن المرحلتين الأولى والثانية من هذه المراحل هما الحاسمتان، وتتعلقان بتبلور الدولة الوطنية، التي لا تكون كذلك إلا حين تحظى بموافقة مواطنيها وإجماعهم عليها. وكما يقال فإن الإجماع لا ينعقد إلا على الدولة، بما هي " فضاء عام ". الدولة الوطنية هي التي تمنح مواطنيها هويتهم السياسية بانتمائهم إليها وبصفتهم أعضاء في الأمة متساوين في الحقوق والواجبات والكرامة الوطنية والإنسانية. هذه الهوية السياسية لا تتعارض لا مع انتماءاتهم وروابطهم الأولية ولا مع معتقداتهم واتجاهاتهم المختلفة. وإلا تنعقد الوحدة الوطنية إلا حين تكون الدولة محايدة حيادا تاما إزاء الفئات الاجتماعية والاتجاهات السياسية والأيديولوجية وإزاء عقائد مواطنيها وأصولهم الإثنية. ثمة تلازم لا تنفك عراه بين الدولة الحديثة والأمة الحديثة، دولة المواطنين وأمة المواطنين. نعتقد أن المشكلة الأساسية في معظم البلدان العربية هي عدم اعتراف القوى القومية والإسلامية والاشتراكية ومعظم النخب الثقافية بالدول القائمة بالفعل، واعتبارها دولا قطرية هزيلة وغير شرعية، و " غير واقعية "، و " دولة ضد الأمة ". يضاف إلى ذلك خلط الدولة والسلطة، لا سيما بعد تغوُّل الأخيرة التي " أممت الدولة "، أي احتكرت الفضاء العام، وقلصته حتى بات مطابقا لها، مثلما أممت تنظيمات المجتمع المدني، ولم توفر تنظيمات المجتمع الأهلي، بل حولتها إلى بنى موازية لبنى السلطة، حسب تعبير خلدون حسن النقيب. كما أن الوحدة الوطنية، لا يعبر عنها باتساق الدولة والمجتمع المدني وانبثاق السلطة السياسية عن الشعب بالانتخاب فقط، بل بوحدة السلطة والمعارضة على نحو يجعل من السلطة القائمة معارضة بالقوة ومن المعارضة القائمة سلطة بالقوة، يمكن أن تصير سلطة بالفعل بالطرق السلمية. قبل الدولة القطرية والدولة السلطانية والدولة الريعية وسواها، يفترض أن هنالك الدولة؛ ذلك أنَّ الموصوف أهم من الصفة، ولا تستنفده صفة من صفاته، ولا جميع صفاته المعروفة؛ الصفة تابعة؛ لكن الأمر على خلاف ذلك في فكرنا السياسي وخطابنا السياسي: الصفة تأكل الموصوف، أو تشيطنه. من يجرؤ على الدفاع عن الدولة القائمة بالفعل واعتبارها الإطار الذي تجري فيه سائر عمليات النمو والتحول الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي والأخلاقي والتربوي والعلمي وما شئتم، لا عملية التحول الديمقراطي المنشودة فقط؟ لقد شعرت بالحرج الذي عاناه الدكتور عزمي بشارة حين قال: " الواقعية السياسية تقضي بقبول الدولة القطرية لسببين... " (12 ص)، فقد تبدى لي الحرج في إسناد القبول إلى الواقعية السياسية، وفي استعمال المصدر، القبول، بدلا من الفعل، وفي تبرير القبول بسببين، كأن الاعتراف بالواقع القائم يحتاج إلى تبرير. ومن المؤكد أن الدكتور عزمي يدرك أن هنالك من سيقولون له: الواقعية التي تتكلم عليها استسلامية ذليلة، وسيجردونه من الإرادة والعزم والتصميم على رفض الواقع القطري، وينالون من قوميته. أسهل طريقة لمعالجة مشكلات الواقع هي رفض الواقع جملة وتفصيلا، أو إغماض العين عنه، وإخراج واقع آخر من الرأس بدلا.منه يكتسي الفصل الثالث من فصول الكتاب أهمية خاصة، لأنه يعالج العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، بصورة غير مباشرة تحاشت تكرار ما بات معروفا للمتخصصين وما بسطه الكاتب في كتابه المجتمع المدني. هنا، لا بد أن نسجل ملاحظتين: أولاهما وصف الدولة بأنها ريعية، والثانية تحميلها مسؤولية " النزوع إلى إعاقة التحول الديمقراطي ".)93(ص

الريعية هنا صفة للاقتصاد وصفة للدولة، تشير إلى تداخل مجالي المجتمع المدني والمجتمع السياسي (الدولة)، أو مجال الأعمال الخاصة ومجال الوظائف العامة. " الاقتصاد الريعي.. يعيق تطور مجتمع مدني، أي يعرقل قيام مجتمع يعيد إنتاج ذاته كمجتمع من الأفراد الأحرار القادرين على التعاقد خارج إطار الدولة.. " (93 ص). هذا مؤكد، لكنه، في اعتقادنا، لا يحول دون ذلك، إذ يتعلق الأمر هنا بصورة أساسية بتوزيع الثروة وعوامل الإنتاج بين الفئات الاجتماعية، من جهة، وبضعف التطور الرأسمالي، بجميع أبعاده، من جهة ثانية، ويتعلق من جهة ثالثة بقيام " الدولة " بوظائف اقتصادية ومالية ليست من وظائفها في الأصل، وضمور الطابع الاجتماعي (العام) لهذه الوظائف الاقتصادية التي تمارسها الدولة، في ظل واقعة شديدة الخصوصية هي اندماج السلطة بالدولة، أو طغيانها عليها أو احتكارها، وتحكمها السافر والفظ في الحياة الخاصة لرعاياها، لكي لا نقول لمواطنيها، لا في البلدان التي احتكرت فيها الدولة / السلطة جميع الوظائف الاقتصادية تحت عنوان الاشتراكية فقط، بل في البلدان " الرأسمالية " المتأخرة والهامشية والتابعة التي تقوم على الاقتصاد الريعي، بصورة أساسية، أيضا. مع ملاحظة ارتباط أسلوب الإنتاج الريعي بالاستهلاك الترفي والتفاخري لسلع لا ينتجها المجتمع نفسه (ملاحقة الموديل)، وكنز الأموال، وتملك العقارات، وضعف المبادرة، بل المغامرة الرأسمالية. بيد أنه لا يجوز تقديم الوجه القاتم من وجوه الحياة الاقتصادية للمجتمعات المعنية، بل ينبغي النظر إلى الاقتصاد والمال على أنهما " سياسة مكثفة "، في ظل تقسيم العمل الدولي و " عالمية القيمة "، بتعبير سمير أمين. والنظر إلى الثروة الناتجة من الريع والتجارة والمضاربات أيضا على أنها عنصر ضروري للتراكم الأولي لرأس المال والاستثمار في " الإنتاج الاجتماعي " واقتصاد المعرفة، وهذا مما يرتب على القوى الديمقراطية مهمة أن تكون إحدى عينيها البصيرتين على المجتمع المدني والأخرى على المجتمع السياسي، ويرتب على المثقفين والمتخصصين والمفكرين خاصة مهمات نظرية وبحثية ونقدية وعملية تواكب نشاط المبادرين والفاعلين الاجتماعيين وتحفزه، وتخرج السياسة من الكهوف الأيديولوجية، القومية والإسلامية والماركسية اللينينية، إلى رحاب الحياة الاجتماعية. وحري بمراكز البحوث والدراسات أن تسهم في هذا المجهود، فتوفر، على الأقل، قاعدة بيانات موثوقة للباحثين والمفكرين والعلماء وصناع القرار. ينظر الكتاب إلى " الدولة الريعية " على أنها وجه من وجوه الإعاقة في " المسألة العربية " وتتصل اتصالا وثيقا بالاستثنائية العربية، (نفضِّل الخصوصية العربية من منظور العالم الحديث والمعاصر، الذي نحن جزء منه، وتاريخنا جزء من تاريخه). وللقارئ الحق في أن يقرأ هذه الإشكالية بمقولات الفصلين الأول والثاني التأسيسيين، إما بصفتها محاولة تفسيرية لإخفاق مشروع تحول ديمقراطي مفترض، وإما لتعثر مشروع بادئ، وإما بصفتها إشكالية تحتاج إلى تفكيك جميع عناصرها، لتأسيس مشروع تحول ديمقراطي ممكن، بدأت تباشيره مطلع العام الماضي 2011، فضلا على إمكان قراءتها من باب " التذمر " علما أننا نميل إلى قراءتها على أنها من باب النقد الماهد للتأسيس، وفق ما جاء في المقدمة. من المؤكد أن مدى تأثير الاقتصاد الريعي في إعاقة التحول الديمقراطي غير محسوم، ويختلف من بلد إلى آخر، وكذلك العلاقة بين الديمقراطية والتنمية، إذ " ليس من معادلة تؤكد أن التحول الديمقراطي يزيد من معدلات التنمية أكثر من الاستبداد، وليس من إثبات نظري أو تاريخي لفرضية أن الديمقراطية حاجة تنموية " (104 ص). ومع ذلك يقرر الكتاب أن الإصلاح الاقتصادي في الوطن العربي يرتبط بالإصلاح السياسي، والعكس صحيح. ولكن لا يمكن رؤية هذا كله بمعزل عن مسألة الدولة والقضية القومية " (106 ص)، إذ يتحدد تأثير الاقتصاد الريعي الإيجابي أو السلبي بكيفية استخدام الريع واستثماره: إما في بناء اقتصاد وطني يعزز العلاقة بين المجتمع المدني والدولة، وإما في سيطرة السلطات الحاكمة

وبطاناتها على الثروة الوطنية والمجال العام وتهميش المجتمع، أو إعالة جزء منه وتهميش أكثريته. وقد أشار الكتاب إشارة عابرة إلى أثر العسكرة في " إعاقة الديمقراطية " (104 ص)، وهي ظاهرة تستحق أكثر من إشارة عابرة، ليس فقط من حيث تبديدها الجزء الأعظم من الثروة الوطنية وناتج عمل المجتمع على مؤسسات عسكرية وأمنية ضخمة، فقدت في غير مكان طابعها الوطني، وتحولت إلى أداة للحكم والسيطرة على مقدرات المجتمع، بل أيضا من حيث عسكرة الحياة السياسية، وأكاد أقول عسكرة الوعي الاجتماعي، وإخضاع المجتمع وتحويله إلى كتل بشرية هامدة، وتحويل الاقتصاد إلى نوع من " اقتصاد الحرب "، ناهيك عن كونها النواة الصلبة للاستبداد وحارسة للنظم التسلطية. قرر الكتاب أنه لا يمكن أن تجري تحولات ديمقراطية جدية وجذرية بلا ديمقراطيين، وأن جذرية هذه التحولات وجديتها مرهونتان بعملية / عمليات تأسيس مبادئ الديمقراطية وإنتاجها (عربيا)، في الفكر والممارسة، وأن هذا كله لا يجري إلا في سياق سيرورة تحول تاريخية متدرجة وتراكمية من مجتمع أهلي إلى مجتمع مدني ودولة سياسية هي دولة حق وقانون لجميع مواطنيها بالتساوي، عدا عن أمور أخرى، فكان من البديهي أن يلتفت إلى دور الثقافة الحديثة الذي لا يقل أهمية عن دور الاقتصاد والسياسة، بل لعل دور الاقتصاد والسياسية مرتبط أوثق ارتباط بنوع المعرفة والثقافة والخبرة العملية والقيم الأخلاقية، الاجتماعية والإنسانية، التي تميز المنتجين والفاعلين والمقررين، وتميز إنتاجهم، وتحدد خياراتهم، وتبط ن سلوكهم ومواقفهم وقراراتهم. ولاحظ الكتاب أن ألموند وفيربا جرَّبا، في كتابهما الثقافة المدنية، أدوات البحث الكمي الإحصائي الجديدة في حينه، في جمع ووصف وتحليل مواقف من قيم وقضايا ومسائل اعتبرها المؤلفان هامة في تطوير ثقافة مدنية مواطنية تساعد على ثبات النظام الديمقراطي "، ولا تفسر غيابه حيث يغيب. وقاما بمقارنة الثقافات السياسية في ألمانيا وإيطاليا من جهة وبريطانيا والولايات المتحدة من جهة أخرى، " بموجب مفاهيم ومعايير محددة، للتوصل إلى نظرية تتعلق بما يساند بقاء الديمقراطية ويساعد في تصليبها، لا بالثقافة التي تؤدي إلى نشوء ديمقراطية أو تمنع نشوءها " ص.)109(هذه الملاحظة مهمة، وتمهد لنقد " نظريات ثقافية "، استشراقية واستعرابية، بعضها نظريات عنصرية، أو غيبية تنسب نفسها إلى العلم، ولا يمكن دحضها أو إثباتها. وما لا يمكن دحضه لا يمكن إثباته، حسب كارل بوبر. لكن الكتاب يؤكد أنه لا يمكن إنكار دور الثقافة في الحالات العينية والفرعية، إذا وضعت في إطار وسياق تاريخي واجتماعي. " إذا تم تسجيل ومراقبة وتحليل الثقافة في إطار التنافس بين القوى الاجتماعية المختلفة على الثروة ومصادر القوة وفي استغلالها وإعادة تشكيلها لأغراض السيطرة يصبح بالإمكان تقييم تأثير الثقافة في السلوك السياسي بلا مبالغة في دورها أو تقليل منه. هذه دعوة للتعامل مع الثقافة السياسية لا كثقافة عامة تميز شعوبا وحضارات بأكملها، ولا كمفسر شامل لأنظمة ومراحل تاريخية، بل كعنصر متغير ومتحرك ومرتبط بعناصر أخرى " (114 ص). المشكلة، إذا، ليست في تأثير الثقافة في السلوك السياسي، بل في " اعتماد الثقافة وحدها أو افتراضها ثابتة ومرتبطة بجماعات بشرية مثل صفة ثابتة تحملها هذه الجماعات على نمط مصطلح العقلية " (117 ص). والأسوأ هو ربط العنف أو الإرهاب بثقافة معينة أو حضارة معينة واعتبارهما من العناصر البنيوية الثابتة فيها. يرى الكتاب أن " النقد الثقافي المشروع " هو نقد سوسيولوجي يكشف عن الرواسب السوسيولوجية التي تشكل الوجه الخفي أو المظلم لسلوك النخب السياسية الحديثة أو " لا وعيها السياسي ". وهو نقد للعشائرية السياسية في بنية النظام غير الديمقراطي. وينتقد " تحميل العلاقات السلطوية البطريركية داخل العائلة مسؤولية انتشار ثقافة تعيق الديمقراطية "، مع أن دمقرطة العلاقات الأسرية ودخول القانون إلى الحيز الخاص يأتي عادة أو في الغالب بعد دمقرطة الحيز العام، (ص-123.)124 " الديمقراطية تعتني

بتنظيم العلاقات الديمقراطية داخل الدولة أولا ثم الحيز العام بشكل عام، وهي تعتبر الفصل بين الحيز العام والحيز الخاص العنصر الأكثر أهمية في استعداد وجاهزية ثقافة المجتمع وتشريعاته للديمقراطية ". " الفصل بين الحيز العام والحيز الخاص لا يقل أهمية عن الفصل بين الفرد والجماعة العضوية ". وهذا الأخير هو ما يؤسس لقيام علاقات مدنية وتصور مجتمع قائم على التعاقد، وتصور فصل الدين عن الدولة، وتصور مؤسسات ومرافق عامة تهم المجتمع كله في الوقت ذاته (ص 125). لا يقتصر عدم التفريق بين الحيز الخاص والحيز العام في بلادنا على السلطات وحدها، بل يتعدّاها إلى معارضيها، ومنهم من تحولوا إلى الديمقراطية، بلا ثقافة ديمقراطية. يثمن الكتاب محاولة ليزا وادين استنباط مفهوم أكثر نقدية للثقافة، بما هي عملية إنتاج المعنى أو صنعه، واعتبار الثقافة ممارسة بدلا من كونها مجموعة صفات متشيئة. ونشاركه هذا التثمين. الثقافة " ممارسة سيميائية لجعل العالم الذي نعيش فيه مفهوما ". " هنا تصبح المهمة دراسة عملية إنتاج المعنى ".)128(ص ومن ثم، لم يعد جائزاًالنظر إليها كأنها مجموعة صفات ثابتة لجماعة بشرية، بغض النظر عن تاريخية هذه الصفات وديناميكيتها وتبدلها وتطورها بما هي عملية إعادة إنتاج المعنى لدى جماعة / جماعات تعيد إنتاج ذاتها، (ص 129). وقد أشرنا إلى أن عملية إعادة الإنتاج ليست تكرارا ميكانيكيا، بل عملية ديناميكية فائقة الغموض والتعقيد لا يمكن تعرُّفها "علميا " إلا بوقف الزمن وقطع تيار الحياة. الجانب الإجرائي أو الإمبريقي لهذه المسألة يتجلى في تحليل إشكالية القبيلة والدولة ونقد المستشرقين الذين يفترضون خطا فاصلا قديم النشأة بين الغرب والعالم الاسلامي يجعل الانتماء إلى المكان مميزا للأولى، والانتماء إلى النسب والسلالة مميزا للثانية. وإذ يبين الكتاب الطابع التعسفي لهذا التقسيم يقرر أن " القبيلة والعائلة ليستا جوهرا كامنا في النفس العربية أو ثقافة سياسية ثابتة مثل " عقلية " لا تاريخية عند العرب تجعل المجتمعات العربية عصية على الديمقراطية (139 ص). ولا يكفي فهم القبيلة كأنها نواة تاريخية ثابتة يجري حولها التطور الاجتماعي والتاريخي كأنه غلاف يحتويها وتتشرنق فيه، بل إن ما يميز القبيلة كتشكيلة اجتماعية متنقلة في المكان أنها جماعة لا ينفصل فيها السياسي عن الاجتماعي والاقتصادي، ولا ينفصل الفرد عن الجماعة.. ولكنها حين تستقر في المكان وتتعايش مع بنى سياسية واقتصادية خارجها فإن هذه البنى تقاومها، وهي تقاوم تأثيرها في البداية، ثم يندمج أفرادها في هذه المجالات فتحتفظ بجزء من حدودها وترخي قبضتها عن الأخرى (أنظر ص 140). وهذا ما حصل بالفعل، عندنا وعند غيرنا. من هذا الباب، ربما يعيد خلدون حسن النقيب التفكير في مفهوم المجتمع المدني، مؤكدا أنه " كان هنالك مجتمع مدني في جميع المراحل التاريخية التي أعقبت قيام الدولة ومؤسساتها السياسية ". نعتقد أن هذا الرأي مؤسس على فرز مجالين مختلفين: مجال المجتمع ومجال الدولة. فهو يقول: " إن جذور المجتمع المدني، بما هو حالة استقلال أو توازن مع الدولة، موجود بكثافة في العمق التاريخي للوعي العربي. فقد تطور الفقه بمعزل عن الدولة: افتراق السياسة عن الشرع في نظر ابن خلدون. ولم يحصل الانفصال بين الدولة والمجتمع المدني إلا مع قيام المؤسسات السلطانية في ظل حكم السلاطين المماليك. وقد بدأ الربط بين المجتمع المدني والديمقراطية (الحريات الدستورية) مع بدايات ما يسمى عصر النهضة في النصف الأخير من القرن التاسع عشر ". من الواضح أن النقيب أسس هذا الحكم، الذي لا نتفق معه، على مبدأ واحد هو " قيام الدولة " واستقلال المجتمع عنها أو توازنه معها، ثم عالج ظاهرة " المثقف القبلي " في سياق نقده للتخلف، بما هو " تأخر وارتكاس "، مبينا أن العودة إلى " العلاقات الوشائجية " هي نتيجة تعرض المجتمع لأزمة طاحنة أو خطر داهم، ومن ثم فهي ظاهرة نكوصية، في اعتقادنا، تعبر عن هشاشة المثقف وهشاشة " حداثته " وسطحيتها. لكن الكتاب كان واضحا في إبراز الفرق بين القبلية بصفتها استثناء يبرز في الأزمات وبين القبيلة كحالة

واقعية يومية لا تحتاج إلى غطاء. " هنالك فرق بين نظام عشائري قبلي سياسي واع ومعيش من جهة، وبين تأجج روح القبيلة مثل جمر تحت رماد السلام الاجتماعي وحتى تحت المواطنة من جهة أخرى... وهنالك فرق بين نفوذ العشيرة في المناطق الحضرية ونفوذها في المناطق الصحراوية (ص 142). ورأى أن استمرار القبيلة كقوة اجتماعية تضامنية فاعلة دليل على أمرين: ضعف الدولة المركزية كدولة متماسكة وقادرة على عملية بناء الأمة، ودليل على عدم تفرد الأفراد على شكل مواطنين لهم حقوق ويعتبرون المجتمع والدولة تعبيراًافتراضيا عن تعاقدهم " (144 ص). وخلص إلى أنه " لا سبيل إلى بناء الديمقراطية عربيا من دون تفتيت هذه البنية سياسيا، ورفضها، ومنع تثبيت شرعيتها الجديدة أو منحها شرعية كوحدة سياسية في إطار تعددي باسم الديمقراطية. ولا يتم ذلك من دون الإصرار في التشريعات والإجراءات القانونية وطرق الانتخاب على مبدأ المواطنة والانصهار حقوقيا في المجتمع المدني، وهو في حالة الديمقراطية الوجه الآخر للأمة " (147 ص). ومن ثم فإن " ثقافة القبيلة لا تميز القبيلة فحسب، بل تشكل ثقافة معيقة لعملية التعددية السياسية والفكرية. إذ تحول الأحزاب وًالقوى السياسية الحديثة إلى بنى عصبوية تقاد عائليا " (152 ص). وهذه نتيجة نتبناها بلا تحفظ. ونرى في بحث المواطنة بين التجانس والتعدد، في الفصل السابع، بسطا وإنماءً لها، في حين تثير الفصول الثلاثة الأخرى (الديمقراطية والجماعة السياسية والهوية، والمسألة العربية والديمقراطية، والديمقراطية كقضية سياسية) إضافة إلى موضوع " القومية والدين وإشكالية الهوية "، مسائل تحتاج إلى نقاش متأن.

الديمقراطية والجماعة السياسية والهوية

ما الجماعة السياسية؟ وهل الهوية انتماء طوعي إلى جُماعة سياسية ومشاركة في حياتها العامة؟ وهل تجب الهوية السياسية الهوياتِ الفرعيةَ أو تنفيها؟ وما علاقة الهوية السياسية بالأصول الإثنية والعقائد الدينية؟ ما آليات تشكل الأمم الحديثة والمواطنة الديمقراطية، وما دور الدولة الحديثة في هذه العملية؟ نطرح هذه الأسئلة لاعتقادنا أن الرهان الديمقراطي والخيار الديمقراطي هما محور كتاب في المسألة العربية، ومحور المسألة العربية، بل نذهب إلى أن الرهان هو المحور الأساسي، ومحور رؤية الدكتور عزمي بشارة وخياره الديمقراطي، ونربط الرهان بفكرة الراهنية المتصلة بفكرة الإمكان. نريد أن نشكك في أن الديمقراطية باتت خيارا للقوى السياسية العربية وغالبية المثقفين العرب. ونحسب أن في الكتاب ما يعزز الشكوك، إذ يؤكد في عدة مواضع " ضرورة توافر قوى ديمقراطية " منظمة وبرامج ديمقراطية ونضال ديمقراطي، ويفند الآراء التي تدَّعي العكس. ويقول صراحة: " لم تكن القوى الحداثية في المجتمع العربي، يسارية كانت أو قومية، وحتى القوى الليبرالية في غالبيتها الساحقة قوى ديمقراطية، بالمعنى الذي نفهمه عندما تحولت الديمقراطية إلى بند على الأجندة السياسية " (199 ص). ويرى أن من تبنوا الديمقراطية في نهاية القرن العشرين قسمان: قسم يعول على التدخل الخارجي، والقسم الآخر إما غير منشغل بالسياسة، وإما منشغل بسياسات الهوية، على اختلافها. قد يكون هذا التأكيد المتواتر نابعا من رؤية الكاتب للمسألة العربية التي لم تحل، ولو على صعيد حق تقرير المصير، " ولم تحل فيها شرعية الدولة القائمة " (204 ص)، كما من رؤيته، من ثم، للاستثنائية العربية. ما من شك في أن نشوء الجماعات السياسية، أي الأمم الحديثة، أسبق من نشوء الأنظمة الديمقراطية، في العصر الحديث، على اختلاف آليات النشوء وشروطه من أمة إلى أخرى ومن وقت إلى آخر. وأن الأمة، بمعناها الأحدث، نعني أمة المواطنين، لم تنشأ دفعة واحدة في أي مكان، وإن اقترن نشوؤها بقيام الدولة الحديثة، حتى بتنا أمام مركب الدولة – الأمة، وإلى هذا المركَّب تنسب صفة الوطنية أو القومية، فيقال دولة وطنية أو دولة قومية. العامل الحاسم في عملية تشكل الأمم الحديثة هو تغ نمط الإنتاج، بشقيه

المادي والروحي، وتغير بنية العمل البشري اليدوي والذهني، تغيرا جذريا. والعمل هو الفكر متحققا في الواقع، فلا يمكن فصل المعرفة عن العمل، والفكر عن الواقع. الليبراليون والديمقراطيونفي الأمم الحديثة لم يكونوا مجرد دعاة ومبشرين، أو مجرد ناشطين سياسيين، بل كانوا، في الأعم والأغلب، مبادرين وفاعلين اجتماعيين، في جميع مجالات الحياة الاجتماعية، أي كانوا ليبراليين و/ أو ديمقراطيين موضوعيا،ً بعضهم ليبرالون وديمقراطيون ذاتيا، وبعضهم الآخر ليبراليون وديمقراطيون ذاتيا وموضوعيا، فكرا وممارسة، وإلا لما أمكن أن ينشأ نظام ديمقراطي. وثمة صعوبة بالغة جدا في تعيين الحدود بين هؤلاء وأولئك، لكن من المؤكد أنه " لا ديمقراطية بلا ديمقراطيين "، كما يبين الكتاب، وبلا ثقافة حديثة منفتحة على الديمقراطية ومؤسسة على حرية التفكير. ولقد قرنا الليبرالية بالديمقراطية لأن الليبرالية هي الجذر الذي يغذي الديمقراطية، وهي عامل نموها وتطورها وقدرتها على تجاوز ذاتها. الديمقراطية وحدها تنصف الليبرالية، على الصعيدين النظري والعملي، مثلما الديالكتيك وحده ينصف الوضعية الإيجابية. كان الياس مرقص يدعو التقدميين العرب إلى أن يختاروا: إما الليبرالية والوضعية أو الديمقراطية والديالكتيك، الذي كان يصفه بأنه منطق الواقع ومنطق التاريخ ومنطق الصيرورة. الليبرالية والمذهب الوضعي يمكن أن يتمفصلا مع الليبرالية الجديدة أو يفضيا إليها، بخلاف الديمقراطية ومنطقها الجدلي (الديالكتيكي). ليس بوسع الديمقراطيين العرب أن يعيدوا سيرورة تشكل الديمقراطية تاريخيا، كما أكد الكتاب، لكن عليهم أن يعودوا بين الحين والآخر إلى ألف باء الديمقراطية، وأن يتتبعوا جذورها الضاربة في تربة الحداثة. الإشكال الرئيس في " القضية العربية " وما يعزز طابعها الاستثنائي هو " عمل استعماري ثقافي وسياسي دؤوب لنفي الهوية العربية... وما ترتب على التقسيم الاستعماري بموجب معاهدة سايكس بيكو، من " عدم شرعية الدولة العربية وحدودها من جهة، وعدم تمكن الهوية العربية من التحول إلى هوية سياسية حديثة تتجاوز التقسيمات والعصبيات ما قبل الحداثية، من جهة أخرى " (205 ص). إذا،ً ثمة عمل استعماري لنفي الهوية العربية، ويفترض أن يقابله فعل أو رد فعل عربي معاكس، فما حدود هذا الفعل أو رد الفعل؟ يحاول السؤال أن يكشف عن رؤية الكتاب لعملية / عمليات تشكل أمة حديثة، ودور العرب بصفتهم الجماعة القومية الأكبر في هذه العملية (دور القوم الأكثري، المكوِّن والموحِّد، عند ياسين الحافظ). يحدد الكتاب آليتين متكاملتين في سيرورة تشكل الأمم الحديثة في التاريخ الحديث: إحداهما أوروبية والأخرى أمريكية. وفي الحالين تقوم الدولة بدور مركزي، سواء في استكمال عملية التشكل، في الحالة الأولى، أو في تأسيس هذه العملية وإنمائها، في الحالة الثانية. ويؤكد أن " الهوية القومية عنصر رئيسي في تشكل الأمة بواسطة الدولة "، في معظم الحالات، بخلاف ما جرى في بلدان العالم الثالث (ص. 213). يبدو أن المسألة المركزية في الحالين هي قيام الدولة الوطنية الحديثة، دولة المواطنة والمؤسسات العامة وحكم القانون، لأن الدولة هي التي أكملت عملية تشكل الأمة ورفعتها إلى أمة مواطنين، في الحالة الأولى، وبوسعها أن تفعل ذلك في الحالة الثانية. والرهان في الحالين على الدور التوحيدي للأكثرية القومية. والمعول عليه في الحالين هو تطور المجتمع المدني وتحديث عملية الإنتاج الاجتماعي، المادي والروحي، وتسريع وتائر التنمية البشرية والاقتصادية. نفي الهوية العربية أمر ليس في مقدور الولايات المتحدة أو غيرها. لم يفلح المستعمرون، في أي مكان، في نزع هوية الجماعات التي استعمروها، إلا بقدر ما تكون الجماعة المعنية، كلها أو بعضها، مطاوعة وقابلة بذلك وراغبة فيه، وإلا كيف استمر العرب عربا و " قومية ثقافية " على مر القرون؟ حتى في الدول التي حققت منسوبا عاليا من الاندماج القومي لا تزال بعض الهويات الفرعية، ما قبل القومية قائمة ومستمرة. ولا

يمكن إنكار واقع أن الانتماء إلى العروبة أسهم في إنتاج ما يسميه الكتاب جماعة متخيَّلة أو " نحن " متَخليَّة، وأن هذا الانتماء كان يبرز أحيانا حتى ليبدو كأنه انتماء سياسي، كما في موقف الشعوب العربية من العدوان الثلاثي على مصر (1952) أو موقفها من الثورة الجزائرية أو إحساسها بالفجيعة إثر هزيمة حزيران (1967)، وقضايا أخرى، فضلا عن موقفها المتصل من قضية فلسطين. فكرة " الجماعة المتخيَّلة " مقترنةً بأدوات تخيلها، وهي فكرة جديدة في حدود معرفتي. فقد تحدث أندرسون عن القومية بصفتها " جماعة متخيلة " وكتب عزمي بشارة مقدمة الترجمة العربية الصادرة عن دار قدمس في دمشق، لكن فكرة عزمي بشارة عن " أدوات التخيل " كفكرة مركزية هي جديدة على ما أعلم. وهذه الأدوات شرط لازم لتحول الأمة الثقافية أو القومية الثقافية إلى أمة مواطنين أو قومية سياسية، أي إلى جماعة سياسية حديثة. لكن ال " نحن " المتخيَّلة أو المجردة والمبالغ في تعظيمها قد تكون علامة على غياب " الأنا " و " الأنا أفكر " أو ضمورها، الأمر الذي يعني أن حرية الفرد وحقوق الإنسان أداتان ضروريتان من أدوات التخيُّل، إضافة إلى الأدوات الأخرى التي ذكرها الكتاب. " حين ندرك أن العرب كذا مليون " أنا " مختلفون اختلافات شتى تكون قضية الوحدة العربية قد خطت خطوتها الأولى ". إن إيقاظ الفردية من سباتها الطويل شرط ضروري لانعتاق الأفراد من ربقة الروابط الأولية والجماعات العضوية، والاندماج في الفضاء العام (المجتمع المدني والدولة) بصفاتهم الفردية، الطبيعية والمكتسبة، لا بشروط ولادتهم، وبصفتهم أشخاصا قانونيين، لهم حقوق، وعليهم واجبات، وتقع على عاتقهم مسؤوليات مقابل ما يتمتعون به من حريات شخصية وعامة. يُفرتَض أنَّ ال " نحن " المتخيَّلة تحيل على عرب اليوم، أو على العرب اليوم، العرب بألف ولام التعريف العهدية، لا على " العرب "، بألف ولام التعريف الجنسية، مع أنه يمكن إنتاج حقائق وأساطير وأوهام تؤسس القومية العربية في الأزمنة الماضية، حتى السحيقة منها. هكذا تفعل القوميات جميعا، كما أشار الكتاب. لكنها إذ تفعل ذلك لا تفطن إلى أنها تؤسس الأصولية، وتنسج شبكة أيديولوجية قد تولد العنصرية. ما لا يتنبه له كثيرون أن الإمبريالية نزعة عدوانية في القومية أو الوطنية، وأن العنصرية هي مرض القومية الخبيث، من ذلك نزعة كره الأجانب، الغرباء أو " الأغيار " وازدرائهم والاعتداء عليهم، حتى في دول ديمقراطية. لا شك في أن " موضوعة القومية تعقد المسألة الديمقراطية "، من وجهين مختلفين، كما جاء في الكتاب: أولهما، " أنها الشرط الأول للديمقراطية والوعاء الذي يحتويها " (213 ص)، وعدم تحقق هذا الشرط هو أحد وجوه المسألة العربية. وثانيهما، " عندما تتحول إلى أيديولوجية تبريرية " وتطابق بين ال " نحن " الوطنية المؤلفة من مجمل المواطنين (المختلفين إثنيا ودينيا) وبين العروبة "، ولا سيما في البلدان التي تتوفر على تنوع إثني وديني ومذهبي (ص. 218) لقد جرت محاولات لتأسيس تناقض بين القومية والديمقراطية، وفرض الهوية / الهويات الطائفية هويةً سياسية بدلا من الهوية القومية، تحت عناوين: التعددية والفدرالية والديمقراطية التوافقية وسواها. وقد فنَّد الكتاب بدقة ووضوح تناقض هذه الفكرة ومجافاتها لفكرة الفدرالية والنظم الفدرالية المعروفة في العالم؛ أولا، لأن الجماعات العضوية تختزل الأفراد إلى مجرد أعضاء تابعين. ثانيا، لأنها تتضمن تسييسا للطائفة. ثالثا، لأن تسييس الطائفة قد يتحول إلى تسييس الدين، فتغدو المرجعيات الدينية هي ذاتها المرجعيات السياسية. رابعا، لأن الطوائف عموما تقسيم للأمة وضرب لإطار ال " نحن " الذي يصلح لاحتضان تعددية ديمقراطية، ولأن " الطائفية نوع متخلف من سياسات الهوية " (227 ص). أما قضية الجماعات الإثنية غير العربية، فالكتاب يدعو صراحة إلى احترام حقوقها المؤسسة على حقوق المواطنة والانتماء إلى الدولة. " ففي إطار أي قطر عربي يمكن تخيل أقليات قومية، كما في حالة الكيبك في كندا، مع

كل حقوق المواطنة الفردية، وتضاف إليها الحقوق الجماعية والإدارة الذاتية لجماعة قومية لا ترى أن قومية الأغلبية تعبر عنها " (230 ص). في هذه الرؤية تقدم كبير على الفكر القومي الرومانسي، وروح ديمقراطي عميق. وقد أشرنا غير مرة إلى تساوي الجماعات القومية في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن عدد أفراد كل منها، لأن قلة العدد أو كثرته لا تضيف إلى ماهية المعدود شيئا ولا تنقص منها شيئا. لذلك لم يعد جائزاًالحديث عن " أقليات قومية "، لما لمفهوم الأقلية من دلالة تحقيرية في الوعي العام. التفريق بين قضية الجماعات القومية غير العربية في العالم العربي، وقضية الجماعات الدينية والمذهبية على قدر كبير من الأهمية، لأنه يفنِّد ضمنا إطلاقية فكرة " التعددية "، فالتعددية القومية أو الإثنية، ونميل إلى الثانية، غير التعددية الدينية والمذهبية، وهذه وتلك غير التعددية السياسية، وحقوق الجماعات الدينية والمذهبية، في الواقع، لا تشبه حقوق الجماعات القومية. وكان ياسين الحافظ قد أشار إلى أن مسألة الجماعات الدينية والمذهبية تحل حلا علمانيا، عندما تتجاوز الأكثرية العربية السنية حاجز التقليد، ويقترن شعورها بالمسؤولية القومية بوعي حديث، علماني وديمقراطي يؤسس للانتقال إلى أمة مواطنين متساوين. أما مسألة الجماعات القومية فتحل بالديمقراطية. هنا تبرز الصلة الضرورية بين العلمانية والديمقراطية، على أن تفهم الأولى من منظور حرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن، أي من منظور المساواة والحرية والمشاركة السياسية وعمومية الدولة، فضلا عن فصل مجال الدين عن مجال السياسة. تجدر الإشارة إلى أن اختزال العلمانية إلى شعار " فصل الدين عن الدولة " قد أضر بقضية العلمانية، وحوَلّها إلى أدلوجة، وعزز التشدد في الجانبين الديني والعلماني، وأضاف إلى خطوط الفصل الاجتماعي العمودية خطا جديدا.ً هنا لا يرى الكتاب أي تعارض أو تناقض بين العروبة والإسلام، لا من حيث الطابع العلماني للعروبة والطابع اللاهوتي للإسلام، بل من حيث عدم التناقض بين كون المرء مواطنا وكونه مسلما أو مسيحيا أو غير ذلك. فالمسألة ليست مسألة دينية، بل مسألة مدنية، اجتماعية وسياسية. ومن ثم لا يرى الكتاب تناقضا بين الإسلام والديمقراطية، فليس مطلوبا من المسلمين أن يتخلوا عن دينهم ليصيروا ديمقراطيين أو ليتمكنوا من إقامة نظام ديمقراطي، على أشلاء الإسلام. لا يُعدُّ الإسلام عائقا أو عقبة في طريق الديمقراطية، ولا تُعدُّ المسيحية أو اليهودية أو الكونفوشية وغيرها كذلك. لذلك لم ير الكتاب في إعاقة التحولات الديمقراطية " استثنائية إسلامية ". الانعتاق السياسي وتشكُّل الدولة - الأمة لا يشترطان أن يتخلى الأفراد أو الجماعات عن عقائدهم الدينية، بل يشترطان أ تقوم الدولة على شرط ديني مسبق، إسلامي أو مسيحي أو يهودي أو غير ذلك، وأ تعترف بامتياز دين الأكثرية على غيره من الأديان، أو مذهبها على غيره من المذاهب. بيد أن الكتاب لم يسكت عن نقد " الأيديولوجية الدينية الجديدة " التي تتبناها حركات تسمي نفسها إسلامية وهي لا تعدو كونها حركات سياسية، فتخلط الديني بالسياسي، وتوظف المقدس في خطابها التعبوي والتجييشي، و " تحول العقيدة الدينية إلى هوية وانتماء أشبه بالقومية " (156 ص). وبذلك نجد أنفسنا إزاء " قومية إسلامية " في معارضة " القومية العربية " و " أمة إسلامية " في معارضة " الأمة العربية "، وإزاء تسييس الثقافة وتنسيبها، وتأسيس الأساطير القومية في التاريخ والتراث، ولا نستثني من ذلك تركيب " الأمة العربية الإسلامية ". ومن الإنصاف أن نقول إن تخيُّل " أمة إسلامية " سياسية، بالنظر إلى أدوات التخيل التي سبقت الإشارة إليها، لا يقل مشروعية عن تخيُّل " أمة عربية " سياسية. التخيُّل هو التخيُّل مقرونا بأدواته أو مشروطا بها، والأساس الإبستمولوجي واحد، ولكن ليس إذا كانت اللغة، والتاريخ المشترك أدوات التخيل. وهذا ما يميز بين " الجماعة المتخيلة "، اي الجماعة التي يمكن تخيل الانتماء إليها كأنه انتماء أهلي من دون أن يكون كذلك وبين " الجماعة الخيالية ". يمكن أن يفهم القارئ أن الانتماء القومي أو الهوية القومية ضمان لتأسيس المواطنة قبل تأسيسها (231 ص) إذا كان هذا الانتماء تجاوز فعلي للانتماءات العشائرية والدينية والمذهبية، أي " تجاوز الجماعة

العضوية في عملية بناء الدولة – الأمة ". لكن الكاتب يؤكد أن اعتبار العروبة هوية سياسية تبرر تملُّك الدولة بصورة حصرية، باسم " الأمة العربية "، قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة، كما حصل في سورية والعراق. هنا يميل إلى اعتبار العروبة هوية ثقافية منفتحة على الثقافة الإنسانية، وفضاء روحي مشترك بين العرب جميعا،ً وبين العرب ومن يتكلمون العربية من غير العرب أيضا، لا هوية سياسية للفرد أو للدولة أو الأمة. ثمّة، إذ ا، إشكال مفهومي ذو أبعاد فكرية وسياسية وعملية، تحاشاه الكتاب أو لم نستطع تبيُّنَه، بين الأمة العربية وأمة المواطنين، وبين القومية العربية والدولة القومية، ما دامت قضية الدولة هي القضية المركزية في المسألتين العربية والديمقراطية وما دام هناك رابط لا ينفصم بين الأمة والدولة. لكن هذا ما يبدو. أمّا في الواقع فهو يكتب أن الديمقراطية تقوم على أمم مواطنية، وأن القومية (وليس الأمة العربية) هي هوية الأغلبية المساعدة على تشكل أمة المواطنين فيها. لقد آن للفكر السياسي العربي أن (يصفح) عن " أخطاء التاريخ "، و (يعفو) عن " الدولة القطرية "، ويرفع شرعيتها الواقعية، التي لا سبيل إلى تجاوزها، في المدى المنظور، إلى شرعية سياسية وأخلاقية، فمن شأن ذلك أن يساعد على تحولها إلى دولة ديمقراطية لجميع مواطنيها بالتساوي، ويفتح الطريق إلى اتحاد فدرالي أو وحدة اقتصادية وسياسية على غرار الوحدة الأوروبية. يقول الكتاب صراحة: "... وقد تم الانتقال من القومية الثقافية إلى القومية السياسية، ولكن القومية السياسية لم تتمكن من تحقيق ذاتها والتحول إلى دولة قومية... فبقيت القومية تراوح في المرحلة الثقافية كقومية حركية أيديولوجية تسعى إلى تحقيق القومية السياسية من جهة، أو تحولت إلى أيديولوجية قومية حاكمة في دولة غير قومية من جهة أخرى. ويؤدي هذا التوتر العربي بين كثافة الأيديولوجيا وفقر الواقع القومي، على مستوى المؤسسات القومية وأولها الدولة، إلى ارتداد القومية لتسقط في مرحلتها الثقافية الأولى. ويفتح ذلك مجالا لتتحول القومية إلى مجرد " ثقافة قومية " أو " قومية ثقافية " تجمع بين أمم سياسية متعددة مؤطرة في دول / أمم عربية عدة قائمة على تحويل الإطار الوطني إلى أمة جديدة. وقد تتحول إلى دول مواطنين، أمم مدنية مواطنية. ولو تحقق ذلك لوجدنا أنفسنا في مثل هذه الحالة، كما أسلفنا، أمام قومية عربية ثقافية تجمع ثقافيا بين أمم عربية سياسية.. " (249 ص – 250). هذا هو المستقبل الديمقراطي بنظر عزمي بشارة، أمم ديمقراطية في دول عربية تجمعها قومية ثقافية عربية قد تشكل اساسًا لوحدة طوعية بينها في المستقبل في اتحاد دول عربية ديمقراطية. " الدولة القطرية "، في ذاتها، ليست عقبة، لا في طريق الوحدة ولا في طريق الديمقراطية، إذا ما قورنت بالمشكلة الطائفية، أو بالمشكلة العشائرية أو بمشكلة " التحديث بلا حداثة "، أي بالمشكلات التي تعيق عملية الاندماج القومي أو الوطني، وتحول دون تحول المجتمع المعني إلى قوة سياسية. ولقد لاحظ الكتاب أن ترييف المدن العربية وترييف الحياة السياسية وعسكرتها عقبة جدية في طريق نشوء وتطور المجتمع المدني المأمول، وعقبة في طريق التحول الديمقراطي، في كل بلد على حدة. إن " انتشار قيم غير حداثية في المدينة.. باتت فاعلة في السياسة أكثر بكثير مما كانت عليه في الريف، وذلك في تنظيمات إما تقليدية وإما أصولية، تريِّف عملية التنظيم السياسي، وتهمش التنظيم الحزبي الحديث، وتنقل تقسيمات طائفية وجهوية إلى المدينة وإلى أحيائها "، فضلا عن الدور الكابح لأحزمة الفقر، التي لا تتخذ شكل حركات احتجاج فحسب، بل تتخذ أيضا شكل أيديولوجيات أصولية دينية وقومية مفرطة في أيديولوجيتها التي تديِّن القومية والأمة والجماعة (ص 235 – 236). تتصل بهذه القضية، أي قضية ترييف المدن، قضية أخرى هي المنشأ الريفي للقيادات العسكرية الانقلابية، إذا أخذنا في الاعتبار الأيديولوجية التي يتبنونها والبنى الاجتماعية التي يستندون إليها. " غالبية الضباط الصغار وضباط الصف الذين قاموا بانقلابات المرحلة الثورية بعد الاستقلال تحدروا من الريف ومن الأقليات الأكثر

فقرا وتهميشا، فنقلوا معهم إلى المدينة وإلى مراكز صنع القرار السياسي صراعات قبلية وطائفية وعائلية وغيرها " ص.)237(يتوقف القارئ مليا أمام نسبة الفشل في بناء أمة المواطنة في إطار الدولة القطرية، وربط هذه الأخيرة بأيديولوجيات رومانسية، ونحن نقول عنصرية، مضادة للعروبة، كالفرعونية والفينيقية والبابلية والكنعانية، لم تترك أثرا يذكر في الحياة الثقافية والسياسية، سوى بقايا النزعة الفينيقية لدى " الحزب السوري القومي الاجتماعي "، في لبنان وسورية، مع أن الكتاب يقرر أن القوميين العرب " أصيبوا بالنفور من مفهوم الدولة، الذي لم يتفهموه، ولم يتذوقوه إبستمولوجيا، ليس لأنه فرض من الخارج فحسب، بل لأن دولة الاستقلال التي ورثت الدولة الاستعمارية جاءت متنافرة مع مفهوم الأمة " (237 ص). ولعل قوى ما كان يسمى " حركة التحرر القومي العربية "، البعث والناصرية ومنظمة التحرير الوطني الجزائرية ومنظمة التحرير الفلسطينية وما تفرَّع منها، مسؤولة مسؤولية مباشرة عن هذا الإخفاق، حيثما تسلمت السلطة واحتكرتها. لم يعد الحديث عن رومانسية الحركة القومية العربية مهما اليوم بقدر نقد تجربة سياسية، بالمعنى الشامل للكلمة، عمرها أكثر من نصف قرن، انتهت إلى ما نحن عليه، وليست الأيديولوجيات التي نعرف سوى غبار هذه التجربة ورمادها. يفترض الكتاب علاقة جدلية، ضرورية، بين الوحدة العربية والديمقراطية فيؤكد أنه لم يعد ممكنا توحيد الوطن العربي بالقوة، كما جرى توحيد غالبية الدول الأوروبية، ما يعني أن المنطلق يجب أن يكون طوعيا من قبل الدول العربية القطرية. وهذا يتطلب أن تكون هذه الدول ديمقراطية القومية العربية ليست فقط مسألة وحدة عربية وهي تحتم أو تتطلب الاعتراف بالدولة القطرية وتحويلها إلى دولة ديمقراطية، من أجل الوصول إليها، أي إلى الوحدة العربية. بل هي، أي المسألة العربية، ضرورة ماسة في كل دولة قطرية على حدة (ص 254 – 255). هذا يعني أن على القوى الديمقراطية، وهي تسعى إلى تأسيس الديمقراطية في هذه الدولة العربية أو تلك، أن تضع قضية الوحدة العربية في صلب تصورها وعملها الإستراتيجي، كما يرى ياسين الحافظ. لكن الحافظ كان يحذر من الاعتراف بشرعية الكيانات القطرية والإقرار بمعقوليتها. هذه العلاقة بين الوحدة العربية والديمقراطية، كما يبسطها الكتاب، نقلة نوعية في الفكر القومي تتجاوز الفكر القومي الرومانسي، الذي لم يول الدولة القائمة بالفعل أي اهتمام، ولم يعرف كيفية التعامل معها فكريا إلا كمرحلة انتقالية نحو الوحدة أو كإرث تجزئة استعمارية. وقد اتخذ هذا كله شكل هروب من " نظرية الدولة ".)257(ص من هنا نشأ التباس مفهوم الدولة بمفهوم السلطة ومفهوم " النظام "، إذ تستعمل هذه المفاهيم الثلاثة في الخطاب السياسي كأنها الشيء نفسه. يدعي كاتب هذه السطور أن تصور الدولة أو تخيُّلها على أنها " تجريد المجتمع المدني وتجريد كل فرد من أفراده " يحتاج إلى خيال سياسي يفتقر إليه كثيرون، على ما بين الخيال والوهم من فروق. نظريا، المجتمع هو من ينتج حياته السياسية والأخلاقية، والدولة شكلهما الأرقى؛ لكن الدولة تعيد إنتاج المجتمع الذي أنتجها، أو تصير عنصرا رئيسا في عملية إعادة إنتاج المجتمع لنفسه. فما من أمة اكتمل تشكُّلها جماعةً سياسيةً من دون الدولة، وما من دولة لم تؤثر في عملية إعادة إنتاج المجتمع لنفسه. ويمكن للدولة أن تسهم في تشكل الأمة حتى في ظل نقص التطور الاجتماعي الاقتصادي أو ضعف مقومات المجتمع المدني، (راجع ص 263)، من خلال بناء المؤسسات الوطنية ذات الوظائف العامة، كالجيش وقوى الأمن الداخلي، التي تمكنها من ممارسة السيادة واحتكار العنف وتنظيم استعماله وفق القانون، وتنظيم الجباية وتوفير شروط أفضل للإنتاج والاستثمار وتشجيع فئة المبادرين، ومن خلال القضاء المستقل والتربية والتعليم ونشر الثقافة المدنية، وبسط سيادة القانون الذي هو أهم مظاهر سيادتها.

ندعي أن الدولة الوطنية، التي توصف ب " القطرية "، حظيت بشرعية شعبية، منذ اندلاع الثورات الوطنية على الاستعمار وتحقيق الاستقلال؛ لكنها لم تحظ بشرعية من قبل " الأحزاب الأيديولوجية " القومية والإسلامية والاشتراكية، ومن قبل مثقفي هذه الأحزاب، في المشرق العربي خاصة، ما أنتج هوة بين المجتمع وتعبيراته السياسية، أو بين الشعب وتعبيراته السياسية، كانت تتسع باط راد مع تنامي عملية نزع السياسة من المجتمع. " النخبة " الحاكمة والموالية والمعارضة كانت ولا تزال العدو اللدود للدولة، المجتمع. الدولة، بمعناها المتعارف عليه في العالم، لم تكن ولا يمكن أن تكون ضد المجتمع أو ضد الأمة. كانت النخبة " التقدمية " ولا تزال مجافية لكل ما هو عام ومشترك بين المواطنين، بحكم أيديولوجياتها وبرامجها الحصرية، قومية كانت أم إسلامية أم اشتراكية، قبل أن تستولي على السلطة وحين استولت عليها، في غير مكان. وكانت، من ثم، مناهضة للحداثة ومنجزاتها، ولا سيما العلمانية والديمقراطية. وحين تبنت شعار الديمقراطية بدأت بوضع شروط مسبقة لعملية التحول الديمقراطي من نوع " دمقرطة المجتمع وتغيير ثقافته وبناء المجتمع المدني ". بل ذهبت إلى عدم أهلية المجتمع لمثل هذا التحول، فضلا عن التخوُّف والتخويف من سيطرة الأصولية الإسلامية. وهذه من أبرز العقبات الذاتية أمام الإصلاح السياسي، الديمقراطي. يسجَّل للكتاب، من بين ما يسجل له، إعادة الاعتبار لمفهوم الإصلاح، الذي كسفه مفهوم " الثورة "، كما أشرنا في القسم الأول من هذه القراءة. فالإصلاح الذي تشارك فيه مختلف القوى الاجتماعية بقصد وتصميم، أو بحكم التطور الموضوعي، وتشارك فيه القوى السياسية والثقافية، بوعي وتصميم، هو المعنى الأعمق للثورة، بوصفها عملا تًاريخيا كليا، أو سيرورة انتقال شاقة وبطيئة ومتدرجة من مجتمعات تقليدية إلى مجتمعات مدنية حديثة ونظم ديمقراطية، وقيام سلطات سياسية ذات وظائف عامة مشتقة من وظائف الدولة، ومعارضَة وطنية هي التتمة المنطقية والواقعية للسلطة والتعبير العملي عن وحدة الحقل السياسي المجتمعي، أو الوحدة الوطنية. لقد كان الكتاب مجليا في هذا الجانب. فقد أشار إلى أن انحسار نفوذ الدولة في الحيز العام، وخاصة في فضائه الثقافي، أدى إلى احتلال (هذا الفضاء) من قبل جمعيات وحركات إسلامية سعت إلى توطيد مواقعها الاجتماعية والثقافية فيه دون الدخول في عملية تفاعل مع الدولة " (265 ص) الأمر الذي يعني أن المشكلة ليست في الحركات الإسلامية ذاتها، بل في عدم تفاعلها مع الدولة، وأكثر من ذلك في عدم منح الدولة أي نوع من الشرعية (وهذا يصح على الحركات السياسية الأخرى). المسألة، إذا، ليست مسألة دينية أو مذهبية، أو أيديولوجية، بل مسألة اجتماعية سياسية، هي مسألة الوحدة الوطنية التي تعبر عنها الدولة بصورة أساسية. ولذلك أسهمت عملية إعادة بناء الصلة الضرورية بين الحركات السياسية والدولة، ويمكن أن تسهم، في إصلاح الخطاب السياسي لهذه الحركات أولا، وفي إعادة بناء الشروط الذاتية للإصلاح ثانيا، سواء كان الإصلاح من قبل السلطة ذاتها، لتلافي الضغوط الخارجية والداخلية، أو بتشارك السلطة والمعارضة، أو بتشكيل قوة ضغط شعبية تؤثر في خيارات السلطة وتجبرها على الإصلاح. وحين تسد جميع هذه الطرق لا يتبقى سوى ما ابتكرته شعوب عربية عام.2011 في جميع الحالات الأوروبية وغير الأوروبية، التي تقوم عليها نظريات التحول الديمقراطي، والتي قاد فيها الإصلاح إلى هذا التحول، " أفلتت المبادرة من يد النظام، وتحول الإصلاح إلى مسرح أو حلبة تشارك فيها أيضا قوى المعارضة، التي تطالب بالتغيير السياسي وتبادل السلطة... الاستثنائية العربية المعاصرة تكمن في أن المبادرة لم تفلت من يد أي نظام، وبقي النظام يمسك بزمام عملية الإصلاح تقدما أو تراجعا، أي إنه بقي في حالات عديدة يملك حق المبادرة للتراجع عن إصلاحات قام بها " (ص

275). هذا التشخيص الصائب يعني أمرين: أولهما نزع السياسة من المجتمع، والثاني ضعف روح المبادرة لدى قوى " المعارضة الديمقراطية "، لضعف صلاتها بالمجتمع من جهة، وهذا مما يثلم ديمقراطيتها، وإدارة ظهرها للدولة والانسحاب من مؤسساتها، في حالات كثيرة، من جهة أخرى. " ليست المشكلة، في الحالة العربية، في كلمة الإصلاح "، التي ازدرتها سائر القوى الثورية، ولا ينطلق نقد الكتاب من منطلق عدم الاكتفاء بالإصلاح ولزوم ثورة ديمقراطية، بل يؤكد أنه " فيما عدا الموجة الديمقراطية الأولى، أو المرحلة الأولى التي هزت الأنظمة في بعض الدول الأوروبية بين عامي 1789 و 1848، لم تقم الديمقراطية، كما نعرفها اليوم، من خلال ثورات، وإنما من خلال عمليات إصلاح طويلة " (268 ص). نعتقد أن الثورة الفرنسية لم تكن شيئا يشبه الثورة البلشفية في روسيا القيصرية أو ثورة تموز 1952 في مصر، بل كانت محصلة لسيروة تحولات بنيوية وإصلاحات متواترة، في جميع المجالات، لا في فرنسا وحدها، بل في دول أوروبية أخرى أيضا، يمكن وضعها تحت عناوين النهضة والإصلاح والتنوير والتصنيع والثورة العلمية التقنية. الثورة ليست " طفرة "، أو حدثا عجائبيا يجري من خلف ظهر المجتمع. لا بد من التوقف عند الأسباب التي تبقي المبادرة في أيدي الأنظمة أو السلطات الحاكمة، لأهميتها. أول هذه الأسباب، كما شخّصها الكتاب، قدرة النظام على إشغال المعارضة بإصلاحات غير جوهرية لا تتناول مصادر القوة والسلطة الحقيقية في البلد. ولأن الإصلاح يتم دون إشراك قوى اجتماعية حقيقية من خارج النظام (إشراك من تسميهم السلطات " مستقلين " في البرلمانات الصورية والحكومات الصورية، وهم في الواقع أكثر ولاء ومطاوعة ومصانعة). والثاني، قدرة النظام على المناورة مستخدما الولاءات ما قبل القومية، ومستغلا التنافر بين القوى التقليدية والقوى الحداثية وبين الهويات المختلفة، أو معتمدا على ولاءات ما فوق وطنية، كالعروبة والإسلام، لمواجهة الضغوط الخارجية، (الفعلية أو المزعومة). والثالث أن الإصلاح لا يجري من خلال صفقة اجتماعية تمليها عوامل وحاجات داخلية، بل تأتي غالباًاستجابة لضغوط قوى خارجية ومن خلال صفقة مع هذه القوى، ولا سيما مع الولايات المتحدة الأمريكية. (راجع ص.)283 " ترتبط الديمقراطية بتنفيذ مهام وطنية... فالتحدي الأكبر لا يكمن في معرفة ما هي الديمقراطية وإعادة تعريف عناصرها وأسسها، (وإعادة اختراع الدولاب من جديد)، بل كيف؟ كيف السبيل إلى السلطة التشريعية التمثيلية؟ كيف نؤسس لاستقلال القضاء؟ وكيف لا يكتفي المجتمع بإقامة المؤسسات شكليا، بل بأن يصر على أن تلتزم النخبة الحاكمة بها؟ والأهم من هذا كله، اين هي القوى السياسية المنظمة التي تطرح هذه الأسئلة؟ (ص 266 – 267) لعل هذه الأسئلة وأسئلة أخرى مشابهة، يختصرها سؤال كيف نعمل من أجل بناء دولة وطنية تكون دولة حق وقانون لجميع مواطناتها ومواطنيها بالتساوي، ومن أجل تحولات ديمقراطية تراكمية، في إطارها، " لكي تنتصر وتنفي ذاتها في المواطنة الديمقراطية المشتركة في الأمة المدنية. فالمسألة العربية تعني في ما تعنيه أن العناصر التي تمنع تحقق الأمة في داخل الدولة القطرية هي نفسها التي تعيق التحول الديمقراطي (ص. 290) لعل طرح هذه الأسئلة هو المقدمة الضرورية لبيان ديمقراطي عربي.

الهوامش

إقرأ محور العدد: النمو المعاق والتنمية المستدامة

دراسات نصوص من ذاكرة العلوم الإنسانية العدد تقارير مناقشات ومراجعات