Return to Article Details The Arabic Novel: Social and Cultural Transformations

الرواية العربية والتحوّلات الاجتماعية والثقافية

The Arabic Novel: Social and Cultural Transformations

صبري حافظ

Sabri Hafez

الملخّص

حينما دعاني عزمي بشارة، إلى إعداد هذا الملف الخاص بالرواية العربية والتحوّلات الاجتماعية والثقافية في ربع القرن الأخير، لم أتردّد في قبول هذه الدعوة، نظرًا إلى معرفتي لأهمية التحوّلات التي انتابت الرواية على امتداد الساحة العربية الواسعة في تلك الفترة الحساسة من تاريخنا العربي المعاصر من ناحية، وإلى وعيي بأن هذه التحوّلات تستحق التوقف عندها ودراستها دراسة تحليلية جادّة من ناحية أخرى. وكان هاجسي الوحيد هو أن الفترة المتاحة لإعداد هذا الملف ليست كافية لإيفاء هذه المهمة حق قدرها. لكن حداثة هذه الفصلية الجديدة، ورغبتها في أن تبدأ بمحاور مهمّة تؤسس لمكانتها في الساحة الثقافية العربية هما اللتان تغلبتا على هذا الهاجس، ودفعتاني إلى الشروع في إعداد تصوّر للقضايا التي أريد للملف أن يتناولها، والأسئلة التي آمل أن يطرحها على الرواية والواقع العربي معًا.

Abstract

This article deals with the Arabic novel in times of social and cultural transformations over the last quarter of a century. It takes into account the significance of the transformations in novel writing across the Arab scene over this particularly sensitive period in modern Arab history – transformations that warrant serious study and analysis.

الكلمات المفتاحية:
  • التحولات الثقافية
  • اللغة والهُويّة
  • الواقع العربي
  • المجتمع .
Keywords:
  • Novel
  • Cultural Transformations
  • Arab Reality

حينما دعاني د. عزمي بشارة، رئيس تحرير فصلية تبيُّن، إلى إعداد هذا الملف الخاص بالرواية العربية والتحولّات الاجتماعية والثقافية في ربع القرن الأخير، لم أتردّد في قبول هذه الدعوة، نظرًا إلى معرفتي أهمية التحولّات التي انتابت الرواية على امتداد الساحة العربية الواسعة في تلك الفترة الحساسة من تاريخنا العربي المعاصر من ناحية، وإلى وعيي بأن هذه التحولّات تستحق التوقف عندها ودراستها دراسة تحليلية جادّة من ناحية أخرى. وكان هاجسي الوحيد هو أن الفترة المتاحة لإعداد هذا الملف ليست كافية لإيفاء هذه المهمة حق قدرها. لكن حداثة هذه الفصلية الجديدة، ورغبتها في أن تبدأ بمحاور مهمّة تؤسس لمكانتها في الساحة الثقافية العربية هما اللتان تغلبتا على هذا الهاجس، ودفعتاني إلى الشروع في إعداد تصوّر للقضايا التي أريد للملف أن يتناولها، والأسئلة التي آمل أن يطرحها على الرواية والواقع العربي معًا.

حدود التصوّر.. أفق الطموح

كان نص التصوّر الذي بعثت به إلى كل من اتصلت بهم من الباحثين، الذين توسّمت فيهم القدرة على الكتابة في هذا الملف، هوما يلي: يسعى هذا المحور إلى استقصاء طبيعة التحولّات الاجتماعية والثقافية كما رصدتها الرواية العربية في العقدين الأخيرين، أي منذ بداية التسعينيات وحتى الآن. وهو استقصاء ينطلق من مجموعة من الفرضيات المنهجية التي تقول بوجود علاقة جدلية بين الرواية كنص أدبي له خصوصيته الثقافية والفنية، والواقع الحضاري الذي تصدر عنه، بمتغيراته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وببنية المشاعر الثقافية المضمَرة فيها؛ فالرواية

العربية استطاعت، عبر مسيرتها الممتدة أكثر من قرن من الزمان، أن تصوغ المتخيَّل الوطني، وأن تبلور رؤى الواقع الذي تصدر عنه وتحولّاته وصبواته، فضلا عن نجاحها في استشراف مستقبله في كثير من الحالات. فمن يقرأ روايات نجيب محفوظ في النصف الأول من الستينيات (من اللص والكلاب، مرورًا بالسماّن والخريف، والطريق، وثرثرة فوق النيل، وصولا إلى ميرامار)، يتلمس كيف استشرفت تلك الروايات نكسة 1967 قبل وقوعها. وبالمثل، من يقرأ روايات الجيل الجديد من كتّاب الرواية العرب في العقدين الماضيين، لابد أن يقرأ فيها طبيعة الأزمة التي عاشتها الأجيال العربية الجديدة، في صراعها مع الأفق الاجتماعي والسياسي المسدود في وجه أبسط أحلامها وتطلعاتها، وفي إمكانه أن يستشرف عبرها بعض ما أسفر عنه الربيع العربي من انفجارات. يسعى هذا المحور، الذي نعدّه للعدد الثاني من فصلية تبيُّنالمحكَّمة، إلى دراسة الرواية التي أنتجها العقل الإبداعي العربي، بشبابه وكهوله، في ربع القرن الأخير، من العراق إلى المغرب ومن سورية إلى السودان، لتبني مجموعة من الأمور، ومحاولة الإجابة عن عدد من الأسئلة، وهي على سبيل المثال لا الحصر: - ما هي طبيعة التحولّات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تنطوي عليها تلك الروايات الجديدة التي كُتبت في العقدين المنصرمين؟ وما هي الصورة الكلية للواقع العربي التي تتبدى على مراياها؟ وما هي المشاغل والهواجس التي تسيطر عليها أو تشكل القواسم المشتركة بين قدر كبير منها؟ - ما هي الرؤية، أو الرؤى الأساسية، التي تنطوي عليها تلك الروايات؟ وما هو الموقف الفكري أو الفلسفي المضمر فيها من العالم المحيط بها؟ وما هي درجة وعيها بالمتغيرات التي تنتاب هذا العالم، وموقفها من تلك المتغيرات؟ هل ترصدها؟ تعيها؟ تتجاهلها؟ تنقضها؟ أنحن بإزاء روايات مكتوبة من منطلق الوعي بموقع ما في العالم؟ هل تسود تلك الروايات رؤية متفائلة بالمستقبل؟ أم العكس؟ وما هو السبب؟ - ما هي طبيعة الفرد/ البطل/ أو اللابطل الذي تتمحور حوله تلك الروايات؟ هل يشعر بفرديته وذاته وكرامته، أم أنه يعاني القهر والانسحاق؟ أيعيش في أفق مفتوح يستطيع أن يخطط فيه لمستقبله، وأن يحقق مطامحه، أم أن الأفق مسدود أمام أبسط تطلعاته؟ - ما هي طبيعة الواقع السياسي الذي يتلمّسه من يقرأ تلك الروايات؟ وما هي الإشكاليات الأساسية، فكرية كانت أو حضارية، التي تطرحها على قارئها؟ هل هناك قواسم مشتركة في رؤية تلك الروايات لما يدور في السياسة العربية، أو طرح لبدائل مرتجاة، أم أنها تأثرت بدعوات موت السرديات الكبرى، واستعصاء العالم على الفهم؟ - ما هي جماليات هذه الرواية؟ وما هي طبيعة الجدل بين صيغ السرد وبناه والتجديدات أو التحولّات التي تنتاب خطابه، وتلك الرؤى المطروحة فيه؟ بمعنى آخر، ما هي طبيعة الشكل الروائي الذي يتبلور فيها؟ وما هو محتوى هذا الشكل الجديد، لو كان جديدًا، ودلالاته؟ أو بالأحرى ما هو مقدار التناغم والتفاعل والتضافر بين البنية السردية والرؤى التي تسعى إلى طرحها على قارئها؟ هذه الأسئلة، أو بالأحرى مناطق الاستقصاء و«التبنيّ »، هي ما ندعو كل باحث إلى وضعها كمحاور أساسية لدراسته؛ إذ نطلب من كل باحث أن يكتب لنا دراسة تحليلية مفصّلة تجيب عن هذه الأسئلة عبر حصاد الرواية في ربع القرن الأخير، لدى الراسخين من الكتّاب ولدى الوافدين الجدد إلى حقل الرواية من الشباب، حيث يسعى فيها البحث إلى تحقيق التوازن المرتجى بين التنظير والتطبيق، ويكتب فيها الباحث عن المساحة التي يعرفها

جيدًا، أكثر من غيرها؛ فقد اتسع المشهد الروائي العربي بصورة غير مسبوقة، بحيث يصعب فيها على الباحث الإلمام بكل تفاصيلها، وهذا المحور تهمّه التفاصيل كثيرًا، لكنه يرجو من الباحث أن يغني دراسته بتفاصيل المساحة التي يعرفها جيدًا، من دون تجاهل العلاقة الجدلية والأساسية بينها وبين المشهد الروائي العربي العام، وأن تكون الدراسة بين 6000 و 8000 كلمة، مزوَّدة بالهوامش والمراجع. وأرجو أن يقرأ الباحث الملف المرفق المتعلق بمواصفات النشر وشروطه في المجلة.

بين مثالية الطموح وواقعية الممكن

كانت هذه هي الدعوة التي أرسلتها إلى كل من توسّمت فيه القدرة على تناول هذه الأسئلة في الروايات التي يعرفها جيدًا، معرفته بالواقع الذي صدرت عنه، ودعوتهم إلى الكتابة في هذا الملف. وقد كنت حريصًا على أن يشمل الملف جلّ البلدان العربية التي ساهمت بشكل ملحوظ في إنتاج الرواية العربية في ربع القرن الأخير. ودعوت باحثين من بلدان لا يظهر أي تناول لرواياتها في هذا الملف، إلى جانب كل من لبّى الدعوة، وأوفى بالعهد، فظهرت مساهمته فيه. وقد اعتذر بعضهم بداءة عن تلبية دعوتي لضيق الوقت، ووعيًا من بعضهم الآخر بما تحتاج إليه الدراسة المطلوبة من وقت وجهد. وقد احترمت كل من اعتذر حينما وجهت إليه الدعوة، مهما كانت طبيعة العذر أو التعلة. ولكن ليس لدي إلا الملامة لكل من تلقّى الدعوة ولكنه لم يوف بما وعد في نهاية المدة المتاحة لكتابة البحث. والملامة هنا لأنَّ ذلك لم يتح الفرصة لي للبحث عن بدائل، وساهم عن قصد أو بغير قصد في إحداث بعض الفجوات. ومع أن ما ينطوي عليه الملف من أبحاث لا يحقق كل ما طمحت إليه حينما خططت له، فإنه حقق بعض تلك الطموحات، وأجاب عن بعض الأسئلة، وطرح أسئلة جديدة تستحق الاستقصاء والبحث. صحيح أن الذين وعدوا بالكتابة وأخلفوا العهد تركوا في الملف فجوات لابد من الاعتراف بأهميتها وتأثيرها في قدرته على تناول القضايا التي سعى إلى استقصائها، لكن هناك إلى جانب الفجوة الكبيرة المتعلقة بالرواية المصرية ورصدها للتحولّات الاجتماعية والثقافية التي قادت إلى ثورتها الكبيرة في 25 كانون الثاني/ يناير، فجوة أخرى تتعلق بالرواية اللبنانية، وثالثة بالرواية التي بزغت في منطقة الجزيرة العربية وطرحت نفسها في شكل انفجارة روائية جديرة بالاهتمام في العقدين الأخيرين، فضلا عن غياب الرواية في ليبيا، والتي قدمت في الفترة نفسها أعمالا مهمّة، وخاصة لدى كاتب الطوارق والصحراء الليبية بامتياز، إبراهيم الكوني، ومجايله أحمد إبراهيم الفقيه الذي كتب قصة التاريخ الليبي من الاحتلال الإيطالي وحتى الاستبداد الجماهيري من ناحية، وعدد من الروايات التي كتبت استبداد نظام القذافي الخانق وبرشّت بنهايته الوشيكة، مثل رواية لماذا أنت هنا؟ لفرج العشة، و وزارة الأحلاملمحمد الأصفر. لكن الاعتراف بوجود تلك الفجوات لا يُغْني عن ضرورة رأب بعض صدوعها، وهو أمر سأسعى إلى القيام ببعض جوانبه في هذه المقدمة، بعد الحديث عن الجانب الإيجابي الذي تحقق عبر الأبحاث التي يتضمّنها الملف.

استقصاءات وإضافات تستحق الرصد والتأمل

استطاع الملف أن يكشف عن مدى حيوية الرواية في المغرب العربي خاصة، وفي سائر أنحاء الوطن العربي عامة، وكيف أنها راكمت في هذا الشكل الأدبي في ربع القرن الأخير منجزًا يستحق الاهتمام والدراسة؛ فقد كشف الملحق الببلوغرافي للرواية المغربية، الذي ألحقه شعيب حليفي بدراسته، أن الرواية المغربية وحدها أنجزت في العقود الثلاثة الأخيرة أكثر من ستمئة رواية)*(، وهذا عدد ضخم بأي معيار من المعايير، ويوشك أن يقترب من عشرة أضعاف ما أنجزته هذه الرواية ذاتها منذ بداياتها الباكرة في أربعينيات القرن الماضي وحتى مطلع العقد الأخير منه. ولكن يجب ألا ننسى أن هذا الرقم أقل كثيرًا ممّا تنتجه الرواية الفرنسية أو الإنكليزية في عام واحد، وأن ما وُزّع من هذه الروايات جميعها قد لا يصل إلى ما وُزّع من رواية واحدة ناجحة في فرنسا أو بريطانيا، حتى لا نقع في ترهات «زمن الرواية» وما شابهها. وهذا نفسه ما نجده في الرواية التونسية، حيث يؤكد محمود طرشونة أنها أنجزت في السنوات السبع الأولى من القرن الحادي والعشرين أكثر من مئتي رواية. وهناك زيادة ملحوظة أخرى في عدد الروايات الجزائرية المنشورة في الفترة نفسها، وخاصة باللغة العربية، وإن لم تصل إلى عدد ما نشُر في كل من المغرب وتونس، أي إننا بإزاء انفجارة روائية مغاربية تناظر تلك التي شهدتها الجزيرة العربية في العقدين الأخيرين، وإن لم تقم مثلها بدور الانفجارة الاجتماعية بسبب كثرة الكاتبات في رواية الجزيرة العربية، وهو أمر كنا نود إدراجه في هذا الملف لولا حنث من كلّف بتقديم دراسة بشأنه بالوعد الذي قطعه. ولو قُدر لهذا الملف أن ينطوي على ثبت بيبليوغرافي بالرواية العربية في كل من مصر والعراق ولبنان وسورية وفلسطين، لوجدنا أننا بإزاء ظواهر مناظرة في كل منها. لكن المسألة ليست مسألة النمو الكمي فحسب، بل يرافق هذا النموَّ تغريّ كيفي في طبيعة التجارب والمغامرات الفنية والتجريب الروائي وطبيعة الخطاب السردي معًا، الأمر الذي يجعل الرواية بحق «ترمومترًا» يسجّل الكثير ممّا أصاب الواقع العربي العريض من تغريّات على صعيد التطور الاجتماعي والسياسي من ناحية، وعلى صعيد التغير الثقافي والفكري والفني من ناحية أخرى. وهذا التغريّ الفني والتجريب ينطويان على وعي مضمر بأن عملية التحديث ليست عملية مثاقفة جدلية فحسب، تعيش حوارها الخصب مع إنجازات الآخر، بل هي أيضًا عملية مستمرة ولابد لها من التواصل عبر النمو والتحول معًا؛ فقد استطاعت الرواية أن تحاور الزمن والمكان والواقع، وترصد حركاتها وتحمل في تضاعيفها بصماتها، ربما لأنها كانت بعيدة نسبيًا عن أجهزة القمع وآليات الهيمنة الإعلامية. كما أنها استطاعت أن تسجل نبض الواقع، وأن تكون ضميره المؤرق الذي يرفض الكثير ممّا ينطوي عليه هذا الواقع، ويبك ت الوالغين في سلبياته في كثير من الأحيان، وذلك بسبب انفتاحها على جدليات المتخيّل الجمعي، وتفاعلها مع «بنية المشاعر» المضمرة فيه، حسب تعريف رايموند وليامز الشهير لهذا المصطلح الحيوي؛ فهي القادرة على أن تطرح لا أسئلة ثقافتها المعرفية الراهنة فحسب، وإنما أسئلتها الأنطولوجية الباقية أيضًا، وأن تقدم استقصاءاتها الشيقة في هذا المجال. وقد استطاعت الرواية بحق أن تتجاوز الظواهر السطحية وتتغلغل في أغوار البنية العميقة للواقع العربي؛ إذ هي كتبت فسيفساء الواقع العربي، وثقافاته الجزئية التحتية الغنية بميراثها وطقوسها وعوالمها المتفردة، وجماعاته المهمّشة، الإثنية منها (كالأكراد في سورية والعراق، والدروز في سورية ولبنان وفلسطين، والنوبيين والبدو في مصر، والأمازيغ في المغرب والجزائر، والطوارق في ليبيا والصحراء.. إلخ)، والدينية (كالأقباط في مصر، واليهود في المغرب وتونس وسورية، والصابئة والمسيحيين في العراق.. إلخ.)

لكن يبدو أن القاسم المشترك الأعظم بين الروايات العربية في سائر أقطار الوطن العربي، هو القمع والديكتاتورية من ناحية، وكتابة ما يدعوه نبيل سليمان السيرة الروائية المجتمعية من ناحية أخرى؛ فعبرهما معًا يكتب الروائي العربي رؤيته النقدية لواقعه، ويعرّيه من خطابات الهيمنة الزائفة التي تتستر على سوءاته، أو تبرر إخفاقاته، بصورة يتحوّل معها الخطاب الروائي إلى خطاب مناهض لخطاب الهيمنة السائد في السياسة والإعلام على السواء، وكاشف لسوءاتهما معًا. فما تقدمه دراسات هذا الملف يسجل شهادات الرواية على الراهن العربي، وقدرتها الفائقة على التعبير عن القاع الاجتماعي الذي طمست خطابات السلطة حركيته الفعلية، أو بالتعبير المغربي الشهير عن «الزفت الاجتماعي» وعن المدن العشوائية أو مدن الصفيح التي انتشر طفحها فوق وجه المدن العربية الكبرى من بغداد ودمشق، إلى القاهرة والخرطوم وحتى الجزائر والدار البيضاء. أما الرواية العراقية، فتكشف الدراسة التي يتضمنها الملف بشأنها أنها تعاملت مع أكثر التواريخ العربية درامية ومأساوية وتحولا في تلك الفترة، وأشدّها عنفًا ولامعقولية. وقد تميزت بمجموعة من الخصوصيات الناجمة عن المزيج العراقي الفريد من القمع والعنف والحروب المستمرة لما يقرب من ربع قرن، منذ عام 1980 وحتى الغزو الأميركي عام 2003، وما تبعها من نزيف المحاصصات الطائفية. واستطاعت أن تسجّل تجليات خراب الإنسان وخراب الجغرافيا بسبب تتابع الحروب وما أعقبها من غزو أميركي؛ فهي توزعت بين نوعين: روايات مكتوبة تحت وطأة القمع والعنف في زمن الديكتاتورية، وأخرى مكتوبة في فضاء المنفى وما يتيحه من حرية ممزوجة بالاغتراب. التجأ أولهما إلى كتابة «روايات الحرب»، أو الهرب إلى التاريخ والأسطورة والرمز، أو الغوص في سديم الإبهام الغموض، بينما عمد الثاني إلى الانشغال بعبء الذاكرة وما تركه وراءه من تناقضات القمع والاستبداد، أو بالنزح من مخزون التاريخ الحديث الثري، أو بالاجتراء على التابو السياسي والجنسي من ناحية، ونقد جميع المحرّمات الاجتماعية والتقاليد من ناحية أخرى، أو بالتوقف عند مآسي الجندي العراقي في الحروب الممتدة مع إيران، ثم في غزو الكويت، والحصار الأميركي الخانق بعدهما، وصولا إلى الغزو الأميركي للعراق، وما ترتب على ذلك كله من تحوّل أكثر من خمسة ملايين عراقي إلى لاجئين وتشتّتهم في المنافي. وقد كتب التياران محنة العراقي بامتياز، من القمع الاستبدادي وحتى الاحتلال الأميركي والمحاصصات الطائفية، وما ترتب عليهما من متغريّ ات الواقع السياسي والاجتماعي على السواء. وتوشك الرواية العراقية في كتابتها للذاكرة ولما خلّفه العراقي وراءه، أن تكون رديف الرواية الفلسطينية في كتابتها للذاكرة وتوثيقها لرحلة النضال والنفي. لكن الرواية الفلسطينية التي تكتب كلاًّ من الواقع الناجم عن الاحتلال من ناحية، والواقع الغائب نتيجة الاقتلاع والنفي من ناحية أخرى، تعمد إلى استراتيجيات نصية مغايرة تتوخى استنهاض الذاكرة، وطرح فلسطين في مواجهة المحو المنظَّم الذي يمارسه مشروع الاستيطان الصهيوني على أرضها. ومن الجوانب الإيجابية في هذا الملف أيضًا أنه استطاع أن يلقي الضوء على الرواية السودانية، التي توشك أن تكون قارة مجهولة بالنسبة إلى المشهد الثقافي العربي الذي خلد إلى دعة الكسل بمعرفة الطيب صالح نيابة عنها، بصورة شكّل معها هذا الروائي نفسه، وهو روائي كبير بأي معيار من المعايير، عقبة في طريق معرفتنا لهذه الرواية، التي تعاني تجاهلا مريرًا من النقد العربي واختزال بلد بأكمله في كاتب واحد، وكانت، كما أعتقد، أنتجت لنا واحدة من أعذب الروايات العربية التي قرأتها في السنوات الخمس الأخيرة، ألا وهي سن الغزال لصلاح حسن أحمد، الذي كلمّا تحدثت عنه وعن روايته اكتشفت أن أحدًا لا يعرفه أو لا يعرف روايته بالرغم من أنها صدرت عن دار نشر شهيرة هي دار الآداب البيروتية. وقد كشفت الدراسة التي يتضمّنها الملف بشأنها

كم هي غنية بالتجارب، ومدى تأثير الأفق المأزوم الذي عاشه السودان في فترة الدراسة، والناجم عن انقلاب الجبهة الإسلامية، التي لا تزال تمسك بخناق السودان منذ عام 1989 والتي أدت سياساتها الخرقاء إلى انفصال جنوبه عنه في العام الماضي، على بنى هذه الرواية ورؤاها ولغتها. والواقع أن دراسات هذا الملف مجتمعة تكشف لنا أن النص الروائي العربي لم يكتف برصد ما دار في الواقع العربي، بل قام أيضًا بأحد أدوار المثقف المهمّة، وهو إبقاء جذوة العقل النقدي متقدة، وكشف التدليس الذي يموّه على الحقائق أو يطمسها، وتعرية الواقع الحقيقي، ومنع أنصاف الحقائق من أن تؤسس مصداقيتها، والحفاظ على حالة من اليقظة الدائمة إزاء ما يدور، والكشف عامّ ينطوي عليه من مضمرات دالة. وقد فعل ذلك من دون أن ينسى نفسه، أو يتجاهل نصّيته، أو يغفل عن أهمية الجدل بين استراتيجيات النص وتعزيز صيرورة الكتابة، وبين ما يدور من صيرورات أخرى متزامنة ومتفاعلة معها؛ حيث احتلت عملية الكتابة في كثير من الروايات موقعًا مركزيًا، واستأثرت بقدر كبير من الأهمية، واستفادت من تقنيات الفن المعماري والتقطيع السينمائي والمشهدية المسرحية وتعدد اللغات وتراكم الخطابات المتغايرة، كما استفادت من استخدام الكولاج الصحافي من أقوال وقصاصات واستعمال للصور والوثائق... إلخ.

شيء عن الرواية المصرية الغائبة

لكني أود أن أضيف إلى هذا كله بعض نتائج قراءاتي الموسعة للرواية المصرية التي كتبت في ربع القرن الأخير، ومن مختلف الأجيال، وخاصة أدب الجيل الجديد الذي لم يعرف في حياته كلها غير زمن التردّي والانهيارات والهوان، لأن هذا الجيل كان قد نشأ في عالم القيم المقلوبة، وتنامي المدن العشوائية إلى الحد الذي أصبح يعيش فيها 40 في المئة من سكان المدن، وتفاقم الأزمة الاقتصادية، وانتشار البطالة بين الشباب، وخاصة المتعلمين منهم، وتفاوت الدخول بشكل صارخ، وحياة 40 في المئة من المصريين تحت خط الفقر، وتكوُّن الهرم الاجتماعي المنبعج، على شكل ديناصور ضئيل الرأس وكبير الجسد، بصورة لم يعد الرأس الصغير فيها قادرًا على التحك م في هذا الجسد، ناهيك عن إدارته والسيطرة عليه. لذلك، حينما كتب هذا الجيل عن تجربته، جاءت كتابته مغايرة كليًا لما كُتب قبله، ومؤكدة استحالة استمرار الواقع الذي صدرت عنه. ولا أريد أن أقول إن هذا الأدب تنبّأ بما حدث بالضبط في ثورة 25 يناير، وإن كان فيه الكثير من النبوءات التي يمكن تأويلها على أنها استشراف للثورة، ولكنه أكد استحالة استمرار الحال على ما هي عليه، لأن أي قراءة له، وقد كُتبت أكثر من قراءة له بالعربية والإنكليزية، كانت تفضي دائامً إلى ما دعوته جماليات الأفق المسدود. لكن قبل الحديث عن هذا الأدب الجديد.. نبوءاته وجمالياته، لنتعرّفْ أولا على ما كتبته الأجيال السابقة عليه، وعلى إذا ما كانت تلك الكتابات قد استشرفت الثورة التي وقعت في مصر أو حتى أكدت استحالة استمرار ما يدور فيها من تناقضات. والواقع أن أي متابع لما كُتب في مصر يعرف أن الأدب المصري الذي سبق له أن استشرف الهزيمة قبل وقوعها المدوي عام 1967 قد واصل استبصاراته الكاشفة لا عن حقيقة الواقع فحسب،

وإنما عن اتجاهات مستقبله أيضًا. ففي السنوات الأخيرة من عقد السبعينيات، كتب عبد الحكيم قاسم روايته/ النبوءة المهديالتي سجّل فيها ببصيرة واقتدار موجِع زحف التأسلم السياسي على وجه الواقع، وآثاره المدمرة في جميع صنوف الحياة فيه. وكتب معها عجز السلطة ممثّلة في عمدة القرية، والمشغولة بمغامراتها الجنسية الفاشلة لاستعادة حيويتها، تعويضًا عن فقدانها لفاعليتها، أو التعامل بحزم مع جرائم التأسلم السياسي. كما كان جميل عطية إبراهيم أول من نبّه في النزول إلى البحر إلى الخطر الذي ينطوي عليه تنامي عالم الهامش بعد أن أهمل عصر السادات الفقراء إهمالا كليًّا، وكتب تجربة الحياة في المقابر المحيطة بمدينة القاهرة، وكانت بداية النمو السرطاني للمدن العشوائية والأفق المسدود. وكان إبراهيم أصلان قد كتب في مالك الحزينثم فيوردية ليل وعصافير النيلعن انسحاق الإنسان الشعبي الفقير القادم من الريف بحثًا عن حياة أفضل في المدينة، فإذا بالمدينة تسحقه بقسوة وشراسة غير مسبوقين، وكأنه يستشرف هو الآخر، وخاصة في عصافير النيلكل ما يدور في المدن العشوائية من شظف العيش في أفق مسدود. كان صنع الله إبراهيم قد كشف فيذاتعن التناقضات الاجتماعية والسياسية المدمِّرة في تلك السنوات العصيبة، وكيف أنها دمّرت الطبقة الوسطى المصرية، باعتبار هذه الطبقة مستودع القيم الذي عُصف به وقُلب سلّمه؛ فقد كان أخطر ما فعلته حقبة السبعينيات الكئيبة وما جرى فيها من تظاهرات 18 و 19 كانون الثاني/ يناير 1977 التي امتدت من شواطئ المتوسط شمالا حتى ضفاف بحيرة ناصر جنوبًا، وجرّدت حكم السادات من أي شرعية، فلم يجد السادات بعدها مناصًا من الارتماء في أحضان العدو الصهيوني والمغامرة بعقد صلح معه، على النحو الذي تكرست به الهزيمة، أقول كان أخطر ما فعلته هذه الحقبة هو نجاحها في قلب سلّم القيم الاجتماعية والأخلاقية كلية في فترة وجيزة؛ تلك القيم التي أنفق المجتمع المصري قرونًا، بل ألفيات، على تعميدها بالجهد والعرق: قيم الصح والخطأ، الخير والشر، الجمال والقبح، الصدق والكذب، الجدية و«الفهلوة»، العلم والجهل، النبل والسفالة، الصراحة والمداهنة.. إلى آخر هذه الثنائيات المتعارضة. هذه القيم، التي كانت أول كل ثنائية فيها على قمة السلّم وثانيتها في أسفله، انقلبت كلها وأصبحت الثانية في قمة السلّم والأولى في الحضيض؛ فالتضخم الاقتصادي، الذي تواصل طوال فترة حكم السادات وبمعدل ناهز ال 40 في المئة سنويًا، قضى على الطبقة الوسطى، وأجهدها وعصف بكل قيمها أمام أعينها الحزينة العاجزة. وانتشر الجهل والشر والقبح والرياء و«الفهلوة» وجميع السفالات التي أصبحت بعد ذلك هي القانون، وكل ما عداها استثناءات تستقطب السخرية. وتكوّن مجتمع تسوده شريعة الغاب، بعدما تخلّت الدولة فيه عن جميع أدوارها تقريبًا، من التعليم وحتى الصحة، وسبق أن تخلّت عن دورها في الثقافة في مطالع السبعينيات وبداية حكم السادات، وذلك بتكليفها الكادر المتأسلم الشهير، محمد عثمان إسماعيل، مهمّة تطهير الثقافة، والقضاء على كل بقايا المشروع الناصري فيها وفي الإعلام معًا. وجُرد عشرات الكتّاب من أعمالهم، وتوقف النشر، وأ غلقت بجرة قلم عشر مجلات ثقافية محترمة دفعة واحدة، واستُبدلت بها مجلتان متخلفتان هما الثقافة والجديد. وسرعان ما تخلّقت في هذا المناخ الجديد آليات شائهة، جسّد صنع الله إبراهيم في رواية شرفكيفية تعهيرها لشباب عقد الثمانينيات، وبعد مقتل السادات واستمرار خَل فه على النهج نفسه، عبر آليات قهرها الجهنمية التي تتضافر فيها العناصر الداخلية مع العناصر الخارجية، وكيف دمّرت فيهم أي إحساس بالمقاومة أو الكرامة الشخصية. وكان بهاء طاهر بدأ الكتابة عن قسوة المناخ الطارد الذي تخلّق في هذه المرحلة فيالحب في المنفى، وكشف عن التحالف المشبوه بين بعض تيارات التزمّت الديني والصهيونية وأثره في تدمير أي تطلّع عربي وطني للتقدم في مصر خاصة، بعد أن كشف عن الانهيار الدامي والقاسي للأحلام المحبَطة التي تكوّنت في

المرحلة الناصرية في شرق النخيلوقالت ضحى. لكن ما إن عاد إلى تناول الواقع المصري فينقطة النور في عقد التسعينيات، حتى كشف عن مدى يُتْم الجيل الجديد وتشتُّت بوصلته وانسداد الأفق أمامه. وكان محمد البساطي قد واصل في سردياته الشعرية الشفيفة تقديم قسوة الحياة على من يعيشون في القاع الاجتماعي، وكيف يحافظون ببرعم الفقر الجارح على كرامتهم في عالم لا يأبه لأي كرامة فيبيوت وراء الأشجار أو أصوات الليلأوجوعأو غرف للإيجار، وكيف أدّت تطورات الواقع العربي الجديد إلى تجذير نوع من آليات العبودية الطوعية أو المختارة في نفوسهم فيدق الطبولأوالخالدية، وصولا إلى تخليق آليات هذا السجن الكبير الذي تعيش فيه مصر كلها في أسوار، حيث لا سبيل أمامها إزاء آلياته الجهنمية والاحتفاظ بها فيه غير الجنون. وقد شاركته رضوى عاشور هذا التصوّر بشأن السجن المصري الكبير في روايتها الجميلة فرج، التي سجلت كيف شتّتت تجربة السجن والاعتقال السياسي بوصلة أجيال ثلاثة من المصريين، وتركت فيهم قروحها التي لا تندمل. وكانت رضوى عاشور قد كشفت قبل ذلك في أطيافعن الخراب الذي عشش في الجامعات التي تعلم فيها هذا الجيل، وعن تدهور مدينته وتحولّها إلى مباءة للقبح والتناقض بعدما كانت «قطعة من أوروبا.» سأكتفي هنا بهذا القدر من التناول السريع لصورة العالم الذي جسّدته كتابات جيل الستينيات، وهي الصورة التي نجد تنويعات ثرية عليها في كتابات الجيل التالي له، كما هي الحال في أعمال محمود الورداني، أو يوسف أبو رية، أو محمد المنسي قنديل، أو إبراهيم عبدالمجيد، وذلك كي أتريث قليلا عند الجيل الذي تكوّن في تلك الحقبة الكئيبة من تاريخ مصر، وول د أغلب كتّابه قُبيل الهزيمة أو بُعيدها، ولم يعرفوا سوى نظامي الساداتِ ومبارك الفاسدَين. وقد عاش هذا الجيل جميع تناقضات تلك المرحلة الصعبة من تاريخ مصر، وعانى الشعور المستمر بأن طاقاته معطَّلة وغير مستغَلة، كما عانى تفاقمَ الأزمات الاجتماعية، وشاهد فصول النهب المنظَّم أو «السرقتاريا» (cleptocracy) التي بدأت منذ عهد السادات، ولم تتوقف حتى اليوم. وتكوّن وعي هذا الجيل في عصر تكريس الهزيمة والاعتراف بالعدو الصهيوني، وتفشيّ أشكال التطرّف الاقتصادي الحاد التي تجعل القلة تلعب بالملايين، بينما ملايين الشباب لا يجدون العمل ولا المأوى، ولا يستطيعون تدبير حياة كريمة أو زيجة موفَّقة. ولا يمكن إغفال الربط بين حالة القهر والإحباط المتفشية في نصوص هذا الجيل الجديد وبين المناخ الاجتماعي والاقتصادي الذي نشأ في ظل تناقضاته. وكان جُل شبان هذا الجيل قد أكمل تعليمه في جامعة نخرها الفساد، وتخىلّ فيها عدد كبير من الأساتذة عن دور المعلم ليمارس دور تاجر المذكرات الغثة، أو مسرّب الامتحانات المغشوشة، أو متملق سراة الطلبة، أو كاتب التقارير الأمنية التي أصبحت سبيل الترقي في الجامعة، أو مزور درجات أولاده ليرثوا وظيفته، أو مروّج الأفكار الضحلة. وبدأ شبانه وشاباته الدخول إلى معترك الحياة الاجتماعية في الثمانينيات والتسعينيات، فاصطدموا بشبح البطالة المروّع؛ إذ أكدت جميع إحصاءات تلك الفترة تغريّ تركيبة البطالة في مصر، وظهور ما يُنعت ب «البطالة المستحدثة»، وهي بطالة الحاصلين على مؤهلات جامعية، وقد حلّت مكان «البطالة المقنّعة» التي كانت تسود الريف المصري في الخمسينيات والستينيات، أو حتى تلك البطالة التي كانت تسود صفوف غير المتعلمين، لأن تلك البطالة التي عاشها هذا الجيل هي بطالة شبابية ومتعلمة. ولا يقتصر التغيير الذي عاشه هذا الجيل على الجوانب الاقتصادية والحضارية وحدها، ولكنه يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى علاقة الإنسان بالمكان، فهي الأخرى تغيرت بتغير جغرافيته ذاتها، إذ إن تصوّر الإنسان لنفسه وللعالم المحيط به يرتبط بفهمه لكل من الزمان والمكان وللعلاقة المعقدة بينهما، وهو تصور مهم في فهمنا لما يكتبه هذا الإنسان عن نفسه وعن العالم الذي يعيش فيه، لأن تصوّر العلاقة بين الزمان والمكان محكوم بالممارسات

المادية لعملية إعادة إنتاج القيم الاجتماعية، وبمدى تنوّع هذه القيم وتغايرها تاريخيًا وجغرافيًا. والمكان والزمان من المحددات الأساسية للوجود الإنساني وللمتخيل القومي على السواء. وقد كان المكان في مدينة القاهرة مثلا يتكوّن من نوعين: المدينة القديمة بطابعها الإسلامي، والمدينة الحديثة التي بدأها الخديوي إسماعيل، على غرار باريس هاوسمان)*(، واستمر نموها العمراني في توسعات المعادي ومصر الجديدة ومدينة نصر والمهندسين، مبنيًا على مبادئها منذ ذلك الوقت وحتى نهاية مرحلة عبد الناصر. والواقع أن تكوّن وعي هذا الجيل يرافقه تكوّن مدينة ثالثة لا تنهض على أي تخطيط عمراني، أو ما يُعرف في مصر باسم المدينة العشوائية التي غريّت جغرافيا المدينة، وخلقت في فضائها واقعًا جديدًا، انسد فيه الأفق فعليًا ومكانيًا؛ فبعدما كفّت الدولة يدها عن توفير إسكان اقتصادي للفقراء عقب نكسة 1967، أقام هؤلاء الفقراء خارج النطاق الرسمي أحياء كاملة للإسكان العشوائي، كما استشرت في الفترة نفسها ظاهرة الإسكان الهامشي والسكن في المقابر. وانتشر الإسكان العشوائي انتشارًا سريعًا مع تفاقم أزمة الإسكان حتى باتت أحزمة الإسكان العشوائي تحيط الآن بالمدينتين السابقتين إحاطة السوار بالمعصم، وتحاصر القاهرة بحزاميها الشرقي (دار السلام واسطبل عنتر والدويقة ومنشأة ناصر)، والغربي (إمبابة والمنيرة وناهيا وبولاق الدكرور والوراق والهرم والقصبجي)، هذا فضلا عن السكن في المقابر والإسكان الهامشي الذي يتركز في الداخل، وفي قلب أحيائها القديمة. كما أن العقدين الأخيرين، وبالتحديد منذ النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، شهدا انبثاق مدينة رابعة أخرى خارج تلك المدن الثلاث هي مدينة منتجعات الأثرياء المسوّرة، وهي أقرب إلى المستوطنات الغريبة على المدينة، والتي ستدور فيها واحدة من روايات هذا الجيل المهمة، أعني رواية أحمد خالد توفيقيوتوبيا، التي تعمد، لمرارة المفارقة، إلى تقديم يوتوبياها المقلوبة (Dystopia)، أو بالأحرى الكشف عن انقلاب هذه المجتمعات التي تتغيا بناء عالم مثالي، ولكنه يظل محتويًا في داخله على كوابيسه الدالة والمستشرفة لكثير ممّا جرى. هذا المناخ الحضاري والمكاني المتفاقم، الذي ول د حالة ما قبل الثورة، حالة استحالة استمرار الأمور، وضرورة الانفجار، والثورة، طبع الرواية الجديدة التي كتبها هذا الجيل برؤيته وبنيته معًا، لأننا إذا تأملنا رواية التسعينيات المصرية، سنجد أن ثمة نوعًا من التناظر بين التغير العمراني وما نتج منه من جغرافيا حضرية جديدة وغريبة معًا، يعاني إنسانها ضيق التنفس الاجتماعي، وبين الفضاء النصيّ وما انتاب طوبوغرافيته من تحولّات. فإذا كانت المدينة الثانية - التي تمتد من العتبة حتى وسط البلد وغاردن سيتي والزمالك، تمييزًا لها من المدينة الأولى، وهي القاهرة المعزية التي تمتد من الجمالية حتى السيدة زينب وابن طولون والقلعة - قد نشأت بدافع التقدم والتحديث اللذين راودا حلم الخديوي إسماعيل من ناحية، ليجعل القاهرة مدينة تضاهي أجمل الحواضر الأوروبية، وراود العقل وصحوة الاستنارة العقلية التي بدأت مع الطهطاوي وعلي مبارك ومحمد عبده من ناحية أخرى، فإن المدينة الثالثة نشأت عشوائيًا، وبدافع اليأس من أي أمل بمستقبل

مناسب، بمعنى أنها تنطوي على رد فعل قصير النظر على أزمة خانقة، وهو أمر يتم فيه تغليب الآني على العقلاني، والمؤقت على المستمر، كما ينطلق من يأس من أن تقوم الدولة، وقد نخرها الفساد واستمرأت التبعية، بدورها في رعاية مواطنيها؛ فالعشوائية التي نشأت بها هذه المدينة بعيدًا عن كل تخطيط عقلي وعلمي، ليست مجرد منطق ظهورها، ولكنها جوهر وجودها ذاته، إذ إن كل شيء في هذه المدينة تتغلغل فيه العشوائية حتى النخاع. ولذلك تبدو هذه المدينة العشوائية بحزاميها الشرقي والغربي وكأنها تجسد على صعيد البنية المكانية عملية حصار المشروع العقلي التنويري المنظم، الذي لا تزال ثماره مرقوشة عمرانيًا وجماليًا في وسط البلد، بحزام من الارتداد العمراني إلى الريف، في ما يدعوه بعضهم عملية ترييف المدينة، والعودة بمسكنها ومناخها كله إلى ما ينطوي عليه المسكن الريفي من بدائية وتخلّف، أو بالأحرى إلى مرحلة ما قبل عملية التمدين نفسها. وهذا نفسه لا ينفصل بأي حال من الأحوال عن الارتداد الفكري إلى مشروع ما قبل الاستنارة العقلية والعمرانية، والدعوة إلى تقليد السلف والتخيلّ عن «تقليد الغرب.» لذلك نجد أن الرواية التسعينية تتسم هي الأخرى، شأنها شأن المكان الذي صدرت عنه، بضيق الرقعة من حيث طول النص، وضيق العالم الروائي معًا. والواقع أن من يقرأ هذه الروايات يلاحظ وعيها المستمر بعملية التقويض التي تنتاب بنية المدينة وبنية الواقع كله؛ ففي رواية مي التلمساني دنيازاد، تحتل عملية تقويض البيت القديم الجميل وبناء عمارة قبيحة محله مكانًا محوريًا. وهذا الوعي بالتقويض المكاني نجده كذلك في رواية منى برنس ثلاث حقائب للسفر، ورواية مصطفى الناغي دم فاسد، ورواية عادل عصمت هاجس موت، ورواية حسني حسناسم آخر للظل، وروايات أخرى. بالإضافة إلى الوعي بالتقوّض، هناك - وبما يشكل مفارقة- هذه الرغبة الملحّة في التناول التفصيلي للمكان، أو بالأحرى التشبث به. وهي رغبة تنطوي على تجسيد مدى صلابة المكان والأشياء وتماسكها، مقارنةً بمدى هشاشة الفرد عامة، والذات الراوية خاصة من ناحية، وتمكنّنا من ناحية أخرى من استنتاج بعض أبعاد شخصية الراوي النفسية، الذي يقدم هذا الوصف المكاني عبرها، لكنه رصد تفصيلي لا يستهدف تمكين القارئ من استعادة المكان، أو إعادة تشييده في ذهنه، أو حتى مضاهاته بما يعرف من أمكنة، بل العكس من ذلك تمامًا، لأن تقديم المكان في عدد من هذه الروايات، مثل رواية وائل رجب داخل نقطة هوائية أو روايتي منتصر القفاش تصريح بالغيابوأن ترى الآن أو رواية إبراهيم فرغلي كهف الفراشات، يتعمد تغريبه عن القارئ بصورة يستحيل معها إعادة تشييده في ذهنه لكثرة ما فيه من تناقضات، فلا نستطيع التمييز في لحظات سردية كثيرة بين المكان الخارجي وفضاء الشخصية الداخلي، أكان النفسي أم الروحي. وما كتابة الجسد إلا نوع من التجيلّ النصي لهذه النزعة المتناقضة في التعامل مع المكان، والنابعة بطبيعة الحال من تناقضية المكان ذاته؛ فبينما يؤكد النص انغماسه في تفاصيل حقيقية ملموسة، وكتابته عن جسد ما يعرفه جيدًا، وهو (أي الجسد) في كثير من الأحيان جسد الذات الكاتبة نفسها، فإنه، ولحدّة المفارقة،

يبرهن في الوقت نفسه عن القطيعة الجوهرية والكيانية بين السردي والواقعي، ويفعل ذلك بطريقة تؤط ر هذه القطيعة وتنمذج عدم الاستمرارية والانقطاع بين صيغة وجودنا كبشر، وصيغ الوجود النصي المختلفة، التي تتسم بقدر أكبر من الصلابة والديمومة. وينقلنا هذا إلى سمة أخرى من سمات النص الجديد، لها علاقة بعشوائية المدينة الثالثة وبمنطق التجاور فيها. فإذا كانت هذه المدينة قد بُنيت بطريقة لها منطقها من دون شك، ولا تعتمد على التخطيط التقليدي للشوارع والميادين والحدائق المفتوحة، وإنما تنطوي على منطق براغماتي قميء تتجاور فيه البيوت بشكل عشوائي وبلا تخطيط عمراني مسبق يعتمد على المنطق وبُعد النظر، فإن الرواية الجديدة تبدو وكأنها لا تعتمد على تخطيط منطقي مسبق، له تقاليده ومواضعاته السردية المعروفة، كما كانت الحال من قبل؛ إذ تتحرر من تقاليد الرواية التقليدية والحديثة معًا، وتضرب عُرض الحائط بقوانين السرد والتطور المنطقي للحوادث. وإذا كانت المدينة الثالثة، وقد ألقت عُرض الحائط بقوانين العمران الحضري القديمة، قد تكاثرت فيها القاذورات والح فر، وزكمت شوارعها روائح المجاري والتكدس والعفن، فإن هذا هو ما يبرر ولع الرواية الجديدة بما يُعرف بالمقبرية (Macabre.) ألم تبدأ المدينة الثالثة تلك بسكنى المقابر، وما تحويه هذه المقبرية من فئران وغربان وجثث وهياكل عظمية، وما يشيع فيها من انتهاك - فظ أحيانًا - للمواضعات والتقاليد وولع بالشذوذ والعفن كما في رواية دم فاسد أو في رواية محمد حسان عبّاد القمر؟ لكن هذا الغياب الظاهري للتخطيط لا ينفي وجود بنية ما للنص الروائي الجديد، ومنطق ما لعلاقات أجزائه بعضها ببعض، كما هي الحال في المدينة الثالثة؛ فالرواية الجديدة أقرب إلى المتاهة النصّية التي لا دليل تخطيطيًا أو عمرانيًا لها، كالمدينة التي صدرت عنها. ولعل عنوان رواية مصطفى ذكري الأولى هراء متاهة قوطية يكون التجسيد الطبيعي لهذه المتاهة عنوانًا وبنية، وهي ليست متاهة معرفية وفلسفية كالمتاهة البورخيسية في مكتبة بابل أو المتاهة الكافكاوية في المحاكمة، وإنما متاهة من نوع آخر أقرب ما تكون إلى الضياع أو المتاهة الوجودية أو الكيانية؛ إنها نوع من الضياع الذي لا يمكن تجاهل أنه مبني على محدودية المعرفة وفقر التعليم لا على موسوعيتها كما هي الحال بالنسبة إلى المتاهة البورخيسية. وهذه البنية القريبة من بنية المتاهة نجدها هي الأخرى في رواية منتصر القفاش تصريح بالغياب، ورواية عادل عصمت هاجس موت، ورواية أحمد غريب صدمة الضوء عند الخروج من النفق. والمتاهة، وهي بنية فقدان السيطرة، أنسب الصيغ للتملص من سطوة السلطة، فإذا كانت المدينة الثالثة تستبعد منها السلطة وقد بُنيت في غيابها النسبي، واتسمت شوارعها بالضيق والحواري المسدودة، بصورة لا تتيح لسيارات السلطة (من شرطة أو إطفائيين) اجتيازها، فإن الرواية التسعينية هي الأخرى تستبعد من ساحة السرد فيها كل سلطة، بما في ذلك سلطة المؤلف على النص، بل توشك أن تكون معادية لمفهوم السلطة وما يتبعه من تراتب في علاقات القوة. ففي رواية أحمد غريب مثلا نجد أن سلطة المؤلف المركزية على النص قد انفرطت تمامًا، وحلت محلها عملية أقرب ما تكون إلى التأليف الجمعي، لأن النص يسمح لأصدقاء المؤلف - وهم جميعًا من

كتّاب جيله- بكتابة «الفقرات الخاصة بهم في القصة»، كما يثبت النص في بدايته، بصورة لم يعُد معها لأي منهم سلطة مطلقة على النص، كما كانت الحال في روايات الكاتب العليم بكل شيء. ومن المفارقات المؤسية حقًا أن الواقع المكاني الضاغط في هذه المدينة الثالثة، وفي الحقبة التسعينية التي اكتملت فيها سماتها، يرافقه إحساس مفارق بالزمن، يجعل الشباب يشعر بأنه -حسب تعبير عزيز على إدوارد سعيد- «خارج المكان» باستمرار، رغم ضغط المكان الخانق عليه؛ فقد تقلّص الزمان، أو بالأحرى انكمش الإحساس البديهي أو الفطري به، فلم يعُد للماضي ثقله ولا استمراريته، بل تبددت تقاليده، وعصفت التغريّ ات السريعة بقيمه ورواسيه، وفقد إرثه العتيد ثقله ومكانته، ولم يعد للمستقبل أهميته، ففقد الإنسان إحساسه بأنه جزء من صيرورة تاريخية أعرض، لها ماض ومستقبل، الأمر الذي أدى إلى شعور الإنسان بأنه محارصَ في الحاضر أو واقع في أحبولته؛ فقد تحول الحاضر المبهظ الثقيل إلى سجن لا انفلات منه، لأن أهم ما يتسم به الزمان في روايات التسعينيات الجديدة هو أنه زمان قصير الأمد، لا يُعرف له ماض عريق يمتد في الزمان إلى أجيال وعهود، كما كان التصور التقليدي الثابت للزمان، ولا يملك ترف التفكير في مستقبل ممتد. لقد تقلص الزمن تصوريًا، وتعرضت امتداداته الراسخة في الماضي والمستقبل معًا للانهيار، فلم يعد في استطاعة الماضي وما ترسخت فيه من رؤى وتقاليد أن يمنحا الحاضر أي إحساس بالأمن والاستقرار. ولم يعد في استطاعة الحاضر المزعزع أن يصوغ توقّعات محتملة في المستقبل، أو أن يجسر الحلم بأي شيء خارج لحظته الراهنة، وهذا ما رسّخ لدى إنسان التسعينيات الشعور بأنه محارصَ في الحاضر (trapped in the present)، كما تقول نورا أمين. ذلك لأن السمة الأساسية التي جيُمع عليها هذا الأدب هي انسداد الأفق كلية، وخاصة أمام الجيل الجديد من شباب مصر، الذي يجد نفسه مهمَّشا وليس مركزيًا، وتعصف كل الظروف المحيطة بإرادته، بل تُزري بها جميع تناقضات الحياة اليومية في مصر، حيث يتعرض الشباب خاصة لشتى صنوف الهوان والعنف الرمزي والفعلي على السواء. وكلمّا ازداد وعي هذا الشباب بما يدور حوله في الواقع المحلي، وفي العالم من ورائه، ازداد إحساسه باستحكام الأزمة القومية والشخصية على السواء، وتعمّق وعيه بتناقضات الواقع الاجتماعي والاقتصادي من حوله، وتفاقم شعوره بالإحباط والعجز واليأس والمهانة. في هذا المناخ يشعر الشباب -وعن حق- بانسداد الأفق أمامه كلية؛ فكل شيء حوله يهمّشه ولا يعبأ به، ويجعله يحس بانعدام إمكانات تحقيق إرادته إلى أقصى حد، إلا في حدود تدمير الذات، أي في حدود السيطرة على جسده فحسب، وهذا هو سر تنامي كتابة الجسد بين الشباب لأنها المنطقة الوحيدة التي يستطيع هذا الجيل تحقيق إرادته فيها. ومع انسداد الأفق، بدأت القطيعة مع جميع مصادرات النزعة الإنسانية التي يعي هذا الجيل، أكثر من غيره من أجيال الرواية العربية منذ محمد حسين هيكل وحتى جيل الستينيات، عيوبها وجنوحها إلى إضفاء طابع مثالي وكيلّ على التجربة، وتغليب الأمل على اليأس فيها، وعلى أي نزعة إنسانية يمكن تبنّيها في عالم تسوده قوانين الغابة وحدها، ويتفشى فيه مختلف صنوف «البلطجة» والبذاءات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على السواء؛ فثمة - لدى هذا الجيل - إحساس طاغ بأن التجربة الموحدة التي كانت الجموع تؤمن بها نأت إلى منطقة بعيدة عن إدراك الذات الحديثة، وأن ثمة نوعًا من المرض، أو قُل نوعًا من الفساد، قد تسرب إلى بنية الثقافة ذاتها، وأدى إلى تفشي نوع من إحساس مؤلم بذنب هو ذنب عبثي إلى حد ما، لأن لا جريرة للذات فيه ولا مسؤولية لها عنه. ويتخلل هذا الإحساس الم ر جميع كتابات هذا الجيل، الشعرية منها والنثرية، ولكنه أوضح ما يكون في الرواية المصرية الجديدة، حيث الإنسان فيها مجرد «الصفر الحادي والعشرين»، يأكل الخوف روحه، وتدفعه مواضعات الواقع إلى خارج الزمن، ولا يكاد

يعثر لنفسه، إذا ما حالفه الحظ، على «دكة خشبية تسع اثنين بالكاد»، أو يتخبط في «هراء متاهة قوطية» أملا بالارتفاع «فوق الحياة قليلاً»، ويتحرك «داخل نقطة هوائية» في «مدينة اللذة» الكابوسية الخاوية. والمرأة في هذا العالم الغريب ليست إلا «قميصًا ورديًا فارغًا» في عالم لا يعِد بأي امتلاء، يريد أن يدفعها من جديد إلى «الخباء» الذي توهمت المرأة قبلها أنها تحررت منه. في هذا العالم الجديد، لم يعُد ممكنًا اللجوء إلى بنية نسقية ذات تطور منطقي، ولم يعد الخاص انعكاسًا للعام، بل أصبح نوعًا من التصادم أحدهما بالآخر بعدما استحال التوفيق بينهما. وبات هناك حاجة إلى نزعة جديدة هي نزعة الرفض المتمردة التي يؤكد عبرها الخاص رفضه للعام، أو يعلن عبرها على الأقل عدم إذعانه له، ورفضه للوقوع تحت سلطانه. فبدلا من البنية القديمة «بداية - وسط - نهاية»، تستبعد البنية الجديدة الوسط من حسابها، وهو ما يؤدي إلى الإخلال بتوازن العالم المقدَّم وطرح إشكالياته الكيانية في المقدّمة. لكن الانشغال بالهاجس الكياني في هذه الأعمال ليس توجهًا محسوبًا، بل هو أقرب إلى الارتجال العفوي، أو الهم الحدسي، منه إلى الشاغل العقلي المبرمج. فمع فقدان الهاجس المعرفي مركزيته، والمتون الفكرية الكبرى (grand narratives) مصداقيتها ومشروعيتها، لم يعُد بمقدور الذات الكاتبة اللجوء إلى منطق التراتب القيمي والمعنوي الذي تعتمد عليه بنية التسلسل المنطقي السببية، لأن الأساس المعرفي الذي تركن إليه هذ البنية ذاتها فقد هو الآخر مصداقيته، وما عاد باستطاعة الذات الكاتبة الاستكانة إلى صلابته. ومن هنا أصبح على الكاتب التعامل مع سرود عدة متصارعة تستهدف تقديم الواقع أو احتيازه أو تمثيله، في ما يُعرف في السرد الحديث بمصطلح Competing Representations of Reality (تمثيلات الواقع المتنازعة) الذي لا يمكن الاعتماد فيه على علاقات التراتب القديمة، وإنما على علاقات التجاور الذي لا يعرف الكاتب قبل راويه منطق وجودها ولا سلطان له عليها، أو لا قدرة له على التحكّم فيها. الذات الكاتبة لم تعد صاحبة الوعي المركزي المضمر المسيطر على النص، كما كانت الحال مع المنطلق المعرفي للرواية، لأن فقدان الثقة في النزعة الإنسانية عربّ عن نفسه فكريًا في جُل هذه النصوص من خلال الانتقال، على الصعيد الفلسفي أو على صعيد المصادرات المنطلقية، من الانشغال بالهاجس المعرفي (Epistemological) إلى التعامل مع الهاجس الكياني (Ontological)، أو الوجودي بالمعنى الفلسفي المطلق الذي يتعلق بوجود الشيء وكينونته. وأصبح النص الجديد مشغولا بنوع آخر من الأسئلة الأنطولوجية أو الكيانية المتعلقة بكينونة العالم والإنسان معًا: ما هو العالم؟ أي عالم هذا؟ وكيف يتكوّن هذا العالم؟ ولماذا يتكوّن بهذا الشكل؟ وهي الأسئلة المزلزِلة التي فتحت الباب أمام الثورة، ومهّدت لمنطقها المغاير والرافض لكل ما في الواقع الذي أكدت بمنطق النص وبنيته استحالة استمراره.

إضاءات على الرواية اللبنانية

لما كان من العسير أن أسدّ في هذه المقدمة جميع الفجوات التي تركها تقاعس بعض من طلبت منهم الكتابة فيّ الملف عن الوفاء بما وعدوا القيام به، فإنني لا أود أن أختم هذه المقدمة من دون تسليط بعض الإضاءات السريعة

على الرواية اللبنانية في الفترة التي يشملها الملف، حيث إن المكانة الأدبية التي يتمتع بها لبنان في الثقافة العربية، والحيوية التي يتسم بها في الساحة الإبداعية لا تعادلهما إالّ المكانة والحيوية اللتان تتمتع بهما إيرلندا -الجزيرة الصغيرة التي يسكنها ثلاثة ملايين نسمة - في الثقافة المكتوبة باللغة الإنكليزية؛ فمساهمة لبنان الأدبية في الثقافة العربية تفوق مساهمة بلدان عربية كثيرة أخرى أوسع منه أرضًا، وأكثر تعدادًا، وأغنى اقتصادًا، ولكنها في الثقافة أقل منه حجامً، وأضعف تأثيرًا، كما هي حال مساهمة إيرلندا الكبيرة في الثقافة الإنكليزية، إذ إنها تزيد على مساهمة قارة بأكملها مثل أستراليا. وهذه هي حال لبنان بالنسبة إلى جميع بلدان الجزيرة العربية مثلا، أو بلدان المغرب العربي. وترجع أهمية لبنان النسبية في الثقافة العربية ومكانته المتميزة فيها والمتجاوزة مكانة بلدان عربية أوسع منه أرضًا أو أكثر سكانًا، إلى أنه استطاع - كما هي حال إيرلندا التي رادت الحداثة في الأدب الإنكليزي بعملاقها جيمس جويس - أن يقوم بدور رائد في تحديث الثقافة العربية منذ القرن التاسع عشر مع العملاق أحمد فارس الشدياق، وحتى اليوم مع الإنتاج الروائي الغزير الذي يتناول أحداث الحرب الأهلية اللبنانية الأخيرة. أقول الأخيرة، لأننا نعرف أنها لم تكن الأولى بأي حال من الأحوال في تاريخ لبنان، ولأن من العسير حقًا أن نفصل الإنتاج الروائي اللبناني الغزير، وهو دليل حيوية ثقافية فريدة تميّز المشهد اللبناني عامة من تاريخ لبنان الدامي الذي يسري فيه العنف مسرى الدم في العروق، منذ رواية الرغيفلتوفيق يوسف عواد)1939(حتى رواية ملكوت هذه الأرضلهدى بركات (2012). ذلك لأن جُل الروايات اللبنانية المنشورة على امتداد الأعوام السبعين الفاصلة بينهما، تنطوي في بُعد من أبعادها -حتى ولو بدا لنا أنها لا تتصل بالحرب من قريب أو بعيد- على شيء من هذا التاريخ الدامي العنيف الذي عاشه لبنان. بل إن واحدة من أبرز الدراسات التاريخية الاجتماعية التي صدرت مؤخرًا عن لبنان، وهي كتاب سمير خل ف Civil and Uncivil Violence in Lebanon (العنف المدني والهمجي في لبنان) عام 2002، تكشف لنا مدى تغلغل هذا العنف في بنية النسيج الاجتماعي والتاريخي لهذا البلد العربي الجميل طوال قرنين من الزمان، وتؤكد قيمة أن من المستحيل أن نفصل خيوط العنف الرمزي والعنف الفعلي على السواء عن نسيج الواقع الاجتماعي اللبناني وتاريخه الحديث، لأن صورة لبنان الراسخة طوال تاريخه السياسي الذي يتسم بالقلق والتذبذب، تتخلق عبر خيوط ثلاثة لا يمكن الفصل بينها وهي " العداء الطويل والاستبدالي بين طوائفه المختلفة، واستعادة التضامن بين هذه الطوائف في نوع من اليقظة أو إعادة الصحوة الاجتماعية المتجددة، والاعتماد على تدخّل الرعاة الخارجيين، الذي يستحوذ على طوائفه المختلفة " كما يقول في مطلع كتابه. وهذا ما أتاح للبنان أن يكون ساحة يمارس فيها الآخرون حروبهم بالنيابة، أو يوجّه فيها الغاضبون سخطهم بعد طول الإحباط إلى أهداف بديلة، بصورة يتحول معها اللبنانيون إلى ضحايا بالنيابة، لأن ممارسات الاحتجاج الاقتصادي أو الاجتماعي التي يشهدها أي مجتمع عادة من دون أن تنفجر إلى عنف همجي سرعان ما تنزلق إلى عنف مسلح تتكشف فيه الكثير من آليات صيغ «العداوة المزاحة» كما يدعوها رينيه جيرار في كتابه الشهير العنف والمقدس، وهو الوضع الذي يجد فيه من وقع عليه الظلم أنه يوجّه غضبه عادة لا إلى السبب الحقيقي لما يعانيه، وإنما إلى «كبش فداء» بديل ما. ويربط سمير خلف تجليات هذه «العداوة المزاحة» في لبنان بتاريخ طويل من تعبئة الوعي الحاد بالهوية الطائفية، والولاءات القبلية التي تقوم بدور بارز في توفير الدعم الاجتماعي والحماية النفسية، وخلق مجالات التحقّق والازدهار عبر شبكة

العلاقات التي سرعان ما تتحول في ظروف العداوات المزاحة إلى أداة لتنمية الصراع وإدارته والزج به في مباءة العنف الهمجي. ويبلور لنا في هذا الكتاب الظروف التي يتحول فيها الصراع المدني الجمعي إلى عنف همجي أهوج يشد المجتمع كله إلى مباءة القتل المجاني والحرب الأهلية، بما تحمله من همجية وقدرة على تكريس دورتها الجهنمية. إن لبنان، كما يصفه عنوان كتاب قيّم آخر عن تاريخه هو بيت بمنازل كثيرة، أو بالأحرى متصارعة ومتناحرة على مدى تاريخه الطويل، كما يبرهن كمال صليبي في كتابه. فلئن كان من اليسير خلق بلد بحدوده الجغرافية المعروفة، فإن من العسير تحويل هذا البلد إلى وطن، له متخيله الجمعي الذي يحوّل فسيفساؤه الاجتماعية والطائفية الثرية إلى وحدة وطنية واحدة قادرة على المواءمة بين نوازع لبنان العربية - فقد كان لبنان مهد فكرة العروبة ذاتها- ودوافع اللبننة المحلية المشدودة إلى الغرب، التي رادت عملية التحديث في المنطقة. وليست قوى الشد والتنافر في المجتمع اللبناني بنت هذه النزعات الفكرية وحدها، وإنما هي بنت تاريخ طويل من فرض الحدود بين الطوائف والجماعات الوطنية والعرقية المختلفة، والرغبة في تخط ي هذه الحدود أو تجاوزها أو صهرها في نسيج وطني واحد. وهو التاريخ الذي أفرز لبنان بجغرافيته الراهنة، وبنيته الاجتماعية والسياسية المتميزة. والواقع أن التاريخ الحديث لهذا المجتمع المتشظي يكشف لنا أن للصراع بين هاتين النزعتين دورًا أساسيًّا في تشكيل المشهد اللبناني، والمتخيل القومي الذي بقي فترة طويلة معلقًا على الوتر المشدود بين النزعتين؛ فتأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1932، بنزعته نحو خلق متخيّل قومي سوري وتصوّره لسورية الكبرى التي تضم لبنان وسورية وفلسطين، استلزم رد فعل مارونيًا عليه بتأسيس حزب الكتائب اللبنانية عام 1936، ليعربّ عن الذين يريدون النأي بلبنان عن أي رباط عربي أو سوري أوسع، وتعزيز أواصر صلته بفرنسا. وقد أدى هذا بدوره إلى تكوين حزب النجادة عام 1937 ليعربّ عن صبوات مسلمي لبنان في نوع مغاير من القومية، غير تلك التي نادى بها أنطون سعادة وحزبه القومي السوري. ولذلك تبدو عملية تأسيس الأحزاب السياسية في الحالة اللبنانية، وهي نتيجة عملية التحديث العصرية في بلد مثل مصر في العقد الأول من القرن العشرين، نوعًا من تنك ر للبنية القبلية أو الطائفية في ثياب أحزاب سياسية أو مؤسسات علمانية. صحيح أن ثمة استثناء هو الحزب الشيوعي اللبناني، إالّ أن هذا الاستثناء يثبت القاعدة لا يلغيها. وهكذا، ظلت آليات ردود فعل الجماعات الطائفية المختلفة تسيطر على حركية الواقع اللبناني عقودًا طويلة، وظل «لبنان أمة متشظية»، كما يقول ديفيد غوردن في كتاب يحمل العنوان نفسه، من دون أن يتمكن من خلق متخيّل قومي جمعي يحظى بإجماع وطني بالمعنى الذي يبلوره بينديكت أندرسن في كتابه الشهير عن «المتخيل الوطني» ونشأة الفكرة القومية. • صحيح أن لبنان عاش فترة طويلة على المتخيّل الفينيقي وعلى الفكرة اللبنانية التي تعتبره بلد الإشعاع الحضاري في المنطقة، كما طرحها ميشال شيحا وشارل قرم وكما طرحها سعيد عقل في قدموس (1947). لكن هذه الفكرة سرعان ما تعرضت لضربات في الخمسينيات والستينيات مع بزوغ فكرة العروبة، ثم تسعّرت حدة

الاستقطاب الاجتماعي في الستينيات والسبعينيات وبروز أفكار أكثر راديكالية في المنطقة، وهو ما جعل أساس التجانس القومي فيه الحفاظ على «الجغرافيا والخوف» من فقدان الحدود، كما يقول سمير خلَف؛ فالجغرافيا، بحدودها وجمالها الطبيعي وعمقها الحضاري الذي يعود إلى زمن الفينيقيين، هي ما يجعل اللبناني معتزًا بلبنان، والخوف من فقدان هذه الجغرافيا، في صورتها الحميمية الضيقة، بل الطائفية والقبلية في كثير من الأحيان، هو ما يذكي نيران المخاوف الداخلية لديه. ولذلك، تتم باستمرار عملية إعادة إنتاج الحدود في تضافرها مع عملية إعادة إنتاج صيغ الوجود القبلَي أو الطائفي القديم، وتشكيلها من جديد بإضفاء مسحة تحديثية عليها. وعلى هذا الخوف يتغذى العنف باستمرار، أكان عنفًا فعليًا أم عنفًا رمزيًا. ويقول لنا سمير خل ف «إن تاريخ لبنان اتسم بانفجارات العنف الدورية أو المتقطعة، ومن الأحداث البارزة أو الدرامية في هذا المجال انتفاضات الفلاحين في أعوام 1820، و 1840، و 1857، وانفجارات العنف الطائفي في أعوام 1841، و 1845، و 1860 و 1958، ثم الحرب الأهلية الأخيرة التي امتدت زمنًا طويلا. ويكشف هذا العنف، رغم تنوعه وتباين أسبابه، عن هشاشة الديمقراطية اللبنانية، وعن الشكوى الدائمة للجماعات الغالبة أو الأساسية في المجتمع، وتعرّضها السهل للضغوط الخارجية». لكن هذه الانفجارات الدورية للعنف لم تحسم أيًّا من الأسباب التي أدت إلى نشوبها، وإنما شاركت في تعزيز الحدود وتكريس التشظي، حيث اتّسمت جميعها، وبسبب كثرة اللاعبين فيها واستحالة القضاء على أي طرف كلية، بغياب الانتصار المطلق أو الهزيمة الكاملة لأي من الفرقاء المتحاربين، لكنها أدت إلى ما يسمّيه سمير خلَف «فقدان الذاكرة الجمعية وإعادة إحياء القبلية »، وهو الأمر الذي أدّى بدوره إلى تعزيز الطائفية أساسًا للهوية، سواء على أرضية دينية أو على أرضية محلية، وإلى غياب المتخيّل الجمعي الواحد والمشترك الذي يساهم في خلق التماسك الداخلي لأي جماعة وطنية متخيلة. وبدلا من هذا المتخيل الواحد والمشترك، سادت شبكات متداخلة ومتصارعة من التوترات والولاءات المتعارضة التي تقيم بدورها حدودها الحقيقية والمتخيّلة: بين العروبة واللبننة، بين الولاء للقبيلة أو الطائفة والولاء للوطن، بين الشرف والعار، بين التقاليد البدوية أو الإقطاعية والعقلانية أو الحداثة، بين الدِّين والعلمانية، بين النزعة الفردية واليقين الجمعي أو التضامن الوطني، بين الفوضى والنظام. توشك مسألة إقامة الحدود الجغرافية والاجتماعية والطائفية وانتهاكها في لبنان أن تكون قديمة قِدَم لبنان نفسه، ليس فقط لأن الفينيقي القديم تعوّد على الرحيل وتخطّي الحدود الجغرافية والثقافية على الدوام، بل أيضًا لأن تكوين لبنان الحديث منذ العهد العثماني وحتى انتهاء الانتداب الفرنسي، لم يكن سوى عملية معقدة من إقامة الحدود ومحوها. وليس هناك ما يعزّز الإحساس بالحدود ويرسّخه إلا المحو الذي تعقبه عادة عملية ترسيم جديدة للحدود. لذلك، ظل العنف الفعلي أو العنف الرمزي هو اللحن الأساسي في المعزوفة اللبنانية، لأنه استطاع أن يرقش تفاصيله وأن يترك ميسمه الواضح على جميع أحداث التاريخ اللبناني في العصر الحديث، لأن علامات الترقيم في هذا التاريخ اللبناني الحديث (1860 أو 1958 أو 1975) هي ما يدعوه ديفيد غوردن

«عربدة العنف» (orgy of violence) وانفجاراته، بصورة أدت إلى تكريس الحدود لا محوها، وإلى موضعة المتخيّل اللبناني نفسه تارة -لأسباب تاريخية واجتماعية فصّلتها الكتب المذكورة- على الحافة الحرجة والمتوترة دومًا بين العالم العربي والغرب على نحو أدّى إلى إحساس جمعي مؤلم بأن لبنان لا ينتمي حقًا إلى أي من هذين العالمين، وهذا ما أحاله إلى ساحة للعراك بينهما، وموضعة نفسه تارة أخرى بين بنية القيم التقليدية ومادية الحضارة الحديثة ومتعيّتها (Hedonism) من دون أن يتمكن من الانحياز كلية إلى إحداهما أو التخيلّ كلية عن الأخرى، وهو ما أحاله إلى ساحة للتوتر القيمي والثقافي المستمر. وموضعة نفسه تارة ثالثة بين الأديان والطوائف المختلفة وبين التحرر المطلق والتقاليد المحافظة الجامدة، ناهيك بالاستقطاب الاجتماعي الحاد بين من يملكون كل شيء إلى حد السفه، ومن لا يملكون حتى الأمل في الخلاص من حضيض الإملاق وذل الفاقة. فهل يمكن حقًا التملص من هذه الحدود كلها، أو الحديث عن إجماع أو تجانس؟ ويطرح سمير خلف في هذا المجال سؤالا محوريًّا بالنسبة إلى المتخيل اللبناني الجمعي: «لنفترض أننا نريد أن نؤسس متحفًا حربيًا للبنان، أو نشيد صروحًا أو نُصبًا تذكارية وطنية، فما هي الرسائل أو الرموز التي يمكن أن تبلورها الأحداث المرتبطة بالحرب، أو بالواقع الاجتماعي الثقافي الذي تمخض عنها بصورة يتوحد معها المجتمع وراء هذه الرموز؟ كيف يمكن أن نكتب تاريخًا متماسكًا للحرب يتفق عليه الجميع؟ وكيف يمكن الاحتفاء بهذه الرموز في غياب الإجماع بشأنها، أو الاعتزاز الجمعي بها؟». الواقع أنني أستطيع الإجابة عن هذا التساؤلات المحورية التي يطرحها سمير خلَف بأن الرواية اللبنانية المعاصرة خلقت هذا الصرح المفتقد، أو بالأحرى خلقت مجموعة من الصروح الكثيرة المتغايرة، التي تنطوي على حفنة قيّمة من الرسائل والرموز والتواريخ المتغايرة والمتباينة، وكتبت بطريقتها الإبداعية التاريخ المتماسك للحرب من أكثر من منظور وبأكثر من لغة، أو بالأحرى وقْع هذه الحرب الفادح على النفس الإنسانية، وحققت نوعًا من الاتفاق الوطني، بل العربي، على قيمتها وتمثيلها لما جرى، حتى ولو لم تحقق أي نوع من الاتفاق الجمعي على ما جرى. والرواية اللبنانية التي أعنيها هنا هي هذا النص السردي المتراسل من الروايات الجيدة التي أل فها كتّاب لبنانيون وكاتبات لبنانيات عن التجربة الإنسانية اللبنانية، وخصوصًا على مدى العقود الأربعة أو الخمسة الأخيرة؛ فالمعيار عندي هو القيمة الأدبية للرواية بصرف النظر عامّ إذا كان كاتبها رجلا أو امرأة، مسلامً أو مسيحيًا، وبصرف النظر أيضًا عن انتماءات الكتّاب والكاتبات، الطائفية منها أو الأيديولوجية، لأن الرواية الجيدة هي في حد ذاتها أهم المعايير التصنيفية عندي، ورواية الحرب الأهلية اللبنانية على الخصوص، بسبب صدورها عن آخر مراحل تطور الرواية اللبنانية وأكثرها نضجًا وتكثيفًا، لأنها استطاعت بحق أن تكون نصًا متعدد الرؤى واللغات. وقد تحوّل أدب تجربة الحرب الأهلية اللبنانية الجديد، بسبب جدة تناوله واختلاف منطلقاته عن المنطلقات الأدبية السائدة قبله، إلى أدب مساءلة الوضع العربي كله، بل الشرط الإنساني برمّته. في هذا الأدب، نجد الساحة التي تلتقي فيها جميع الخلفيات الاجتماعية والطبقية، والرؤى القبلية والطائفية، ومختلف الخطابات السياسية في حوار ديمقراطي حر يشيّد لنا صرحه المنيف القادر على مخاطبة الإنسان في كل مكان. وهي باعتبارها خطابًا ديمقراطيًّا في المحل الأول - لأن الرواية في أكثر الدراسات التي نظّرت لها، من باختين إلى لوكاتش وجيرار، هي

خطاب عقلي ديمقراطي - تتيح لجميع الكتّاب اللبنانيين، أيًّا تكن خلفياتهم الطائفية، أن يتحاوروا فيها لا على أساس طائفي أو حتى سياسي، وإنما وفق شروطها الأدبية التي تحكم على كل واحد منهم بحسب موهبته ونفاذ رؤاه وحدّة بصيرته، وليس وفقًا لخلفياته الطائفية أو العرقية أو الجنسوية - وهذا بُعد آخر من أبعاد ديمقراطيتها. فإذا ما ذكرت حفنة صغيرة من الكتّاب الذين كتبوا والكاتبات اللواتي كتبن في هذا المجال عن الحرب الأهلية اللبنانية، أمثال توفيق يوسف عواد ويوسف حبشي الأشقر ورشيد الضعيف وإلياس خوري وفواز طرابلسي وحسن داود وربيع جابر وإسكندر نجار وحنان الشيخ وإميلي نصر الله وإيثيل عدنان وهدى بركات وإيمان حميدان يونس ونجوى بركات، سنجد أننا شملنا جُل ألوان الطيف الطائفي اللبناني في خطاب علماني ديمقراطي لا تعتمد المكانات فيه، ولا حظّ كل كاتب أو كاتبة من رأس المال الأدبي، على خلفيته الطائفية، وإنما على قيمته الأدبية، وقدرته على إبداع عمل روائي مقْنع ومؤثّر، لا في لبنان وحده وإنما في العالم العربي بأسره، حيث تعَد الرواية اللبنانية جزءًا من المشهد الروائي العربي الأعرض، والعالم الإنساني الأوسع الذي يترجم هذا الإبداع إلى لغاته المختلفة، ويضع لبنان عبره على خريطة عصرنا الثقافية والمعرفية. فالأدب الروائي لا يعربّ عن الواقع الذي يصدر عنه فحسب، بل يستشرف مستقبله كذلك. ومن قرأ طواحين بيروت (1972) لتوفيق يوسف عواد يدرك أن مؤلّفها استشرف هذه الحرب قبل وقوعها بزمن غير قصير، ودقّ نواقيس الخطر التي تحذر المجتمع من السير وهو نائم إلى رمالها الناعمة. وهذا ما نجده كذلك في رواية إميلي نصر الله طيور أيلول (1962) التي تجسد لنا المناخ الطارد الذي يدفع الجميع إلى الهجرة، لأن الوطن الذي يطرد أبناءه سرعان ما يدفع ثمن ذلك غاليًا، حيث لا يبقى أمام من عجزوا عن الخروج سوى التوتر والحرب. ويكشف هذان العملان اللذان يستشرفان الحرب قبل وقوعها عن مدى تشظّي الوضع اللبناني، وتفشيّ الصراعات الداخلية فيه؛ فمن يقرأ رواية إميلي نصر الله أيضًا الإقلاع عكس الزمن (1981) بأجوائها المشحونة بتوترات مرحلة اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية ودمدماتها، تردّه إلى طيور أيلول، لأنها تعَد في مستوى من مستويات الدلالة فيها الصورة المقابلة أو المكملة لتلك التي قدّمتها طيور أيلول؛ إذ إن بداية الرواية بهجرة الطيور في أيلول ومرور أسرابها في أفق القرية الموشح ببواكير الغيوم المؤذنة بمقدم الشتاء، هي المعادل الرمزي لهجرة شبان القرية وفتياتها اليانعات: «عندما يحل شهر أيلول، تاسع أشهر السنة، تمر فوق قريتنا أسراب كثيرة من طيور كبيرة الحجم، قوية الجناحين، يعرفها السكان هنا بطيور أيلول». وهي بداية تحدد زمن القص لا باعتباره زمنًا محددًّا فحسب، ولكن باعتباره زمنًا تكراريًا أيضًا، لأنه زمن ظاهرة طبيعية تتكرر كلما حل تاسع أشهر السنة، ولهذا استخدمت جملة البداية زمن الفعل المضارع في الأفعال الثلاثة التي استعملتها، حتى يؤكد هذا الزمن استمرارية الظاهرة وتكراريتها. ولذلك نجد أن الهجرة في الرواية هجرة مؤذنة هي الأخرى بشتاء اجتماعي، لم نتعرف إلى برده المثير للقشعريرة والحزن إال في الإقلاع عكس الزمن. هذا الاستهلال الذي استطاعت الكاتبة أن تكثّف فيه موضوعها كله بشكل رمزي، استطاع أن يرتفع بالعمل إلى

مستوى الاستعارة الأدبية القادرة على اختراق حجب الزمن، وعلى تلخيص وضع إنساني متكرر خارج إطار اللحظة الزمنية التي تتناولها الرواية، وخارج حدود الواقع الجغرافي الذي تصدر عنه. تبدأ الرواية في النهوض من نثار الذكريات التي تستعيدها منى، الراوية/ البطلة/ الذات القروية المغايرة، وقد عادت إلى القرية بعد سنوات لتقرأ طقوس الحياة اليومية فيها، واندغمت في تفاصيل المكان وأكسبته مذاقه الخاص وشخصيته المتميزة. ولتذكر صديقتها مرسال وقصتها الشجية مع راجي، التي تسجل براءة الحب المستحيل في هذا المناخ المثقل بالتواريخ والقيود ومقادير الهجران الذي لا رادّ له، وأنجيلينا، ساعة القرية العجوز التي تسجل كرّ الزمن، وحنة، عجوز القرية ومستودع حكمتها وأسرارها، أو بالأحرى عرّافة دلفى اليونانية المصنوعة من أديم القرية ومن تصوراتها المتميزة للمقادير. أما مريم وحكايتها المأساوية مع فواز، فإنها تنتهي بالقتل والجنون، ونجية، عاهرة الضيعة التي حكم عليها القدر بالتعهر من دون أن يترك لها خيارًا، وسمعان الذي ترك القرية ثم عاد وقد بدّل اسمه إلى سايمون، وما أدراك ما سايمون، شخصية شوّهتها الهجرة فعادت تتلمس شيئًا من أصالتها القديمة، فما كان منها إلا أن شوّهت ليلى معها، وقضت على كل أمل لها في التحقق. ثم نجلا وقصة حبها المستحيل لكمال، الذي لا ينتمي إلى طائفة دينية أخرى غير تلك التي تنتمي إليها، وإنما إلى مذهب مغاير من الطائفة نفسها، ومع ذلك كان الحب محالا، لا أمل له إلا القتل على أيدي الأشقاء وأبناء العم. إننا هنا بإزاء الحدود التي تقام بالدم، ويسفك على إقامتها دم مستمر. هذه القصص والشخصيات تطل كلها من خلال تذاكر الكاتبة/ الراوية/ الذات المغايرة/ منى لقصة صديقتها مرسال التي تبدو كبندول الساعة الذي يجلب معه كل مرة قصة جديدة، وكأن قصة مرسال هي المعادل الروائي لأمثولة التمهيد الرمزية ولجناية عملية الهجرة الدائمة على مسيرة الحياة في القرية. ومن خلال هذه القصص والشخصيات التي تتداخل مصائرها وتتراكب قصصها، تنسج الكاتبة/ الراوية شبكة الرغبات الجمعية المحبطة التي تردد فيها الشخصيات ألحان بعضها بعضًا، فيعزف لنا فواز المجنون نغمة أخرى على ما جرى لراجي ال " متأمرك "، وتحكي لنا قصة مرسال تنويعها الجديد على قصة أم سليم. وتقدّم لنا قصة نجلا صورة مغايرة لمأساة مرسال. وتبلور لنا المدينة التي تتشوف الراوية إلى الرحيل إليها صورة محلية للمهجر الذي يبدو في هذه الرواية بمنزلة القدر أو اللعنة التي لا فكاك منها. بالصورة التي تتحول معهاطيور أيلولإلى أمثولة روائية راقية للوضع العربي المعاصر برمّته، وليس فقط الوضع اللبناني الذي اكتسبت من التصاقها بتفاصيله خصوصيتها ومصداقيتها. إذا كانت كلٌّ منطواحين بيروتوطيور أيلولتكشف لنا عن الحدود التي تقيمها القبلية والطائفية في لبنان بين المواطنين ومدى تجذّرهما بالعنف والدم، وتنبّه إلى فظاعة إقامة تلك الحدود وعبء تكريسها بالدم على الإنسان، فإن هذا لم يمنع الرواية اللبنانية من العودة إلى هذا الماضي الذي سبق الحرب، ولكن بعد اندلاعها، أو من منظور اندلاعها نفسه. فرواية إلياس خوري مجمع الأسرار)1994( من أكثر روايات الحرب الأهلية اللبنانية بحثًّا في الواقع الذي استبق الحرب، وآليات توليده لها. صحيح أن جُل رواياته، من الجبل الصغير (1977) وأبواب المدينة (1981) والوجوه البيضاء (1982) إلى رحلة غاندي الصغير (1989) ومملكة الغرباء (1993) ورائحة الصابون (2000) ويالو (2002)، وحتى كأنها نائمة (2007) وسينالكول (2012)، مهمومة بالحرب الأهلية، بحوادثها وترسباتها في الواقع اللبناني، وبصماتها التي لا تمّحي من إنسانه وسياساته، لكنمجمع الأسرار هي رواية العودة الدائمة إلى أسباب تلك الحرب وجذورها، وهي العودة التي منحت الرواية بنيتها السردية

المتميزة؛ فهي رواية العودة الدائمة للبدايات، أو بالأحرى اقتراح عدد كبير من البدايات، وهو بالتحديد أربع عشرة بداية، هي مفاصل هذه الرواية الزمنية، وتواريخ الواقع اللبناني الذي تصدر عنه. يعي إلياس خوري أن للشكل محتواه، وأن محتوى الشكل الروائي هو أكثر الأدوات المتاحة له تأثيرًا ونفاذ ا بعد اللغة. ولهذا، فهو مولع بالتجريب فيه، وقد آتت هذه التجربة ثمارها فأسبغت على النص كله هذا المناخ الذي يحيله إلى متاهة من البدايات المرجأة التي تلغي كلٌّ منها الأخرى، وتتصارع معها في جدل مستمر من أجل المصداقية، والمشروعية، وإعادة التراتب، وكأن البنية الروائية نفسها تجسّد لنا الجدل بين خطابات هذا الواقع المتصارعة والمتشابكة. لكن هذه المتاهة النصية المترعة بالقصص المتقاطعة، والتواريخ المتداخلة، والإحالات التناصية المتباينة، ليست خالية كلية من المنطق أو النسقية كما تريد عناصرها التكرارية أن توهمنا، بل تخضع لمنطق صارم يكشف عن حقيقة بنيته توقفُ الفصلين الأخيرين من الرواية عن استخدام لازمة «بدأت الحكاية هكذا» التي تكررت في الفصول الأربعة عشر السابقة. وتحوّل هذان الفصلان الأخيران إلى نوع مغاير من السرد الذي يهتم بالتوضيح والتعليق، بصورة تجعل البنية الروائية ذات طبيعة دائرية، حيث تتكوّن من دورتين، كلٌّ منهما سبعة فصول «أسبوع روائي» وتعليق، وإن كان في هذا التفسير نوع من إسباغ المنطق الهندسي الصارم على بنية تسعى جاهدة للتملص من كل منطق، فهل ثمة منطق للعنف اللبناني؟ تحاول الرواية أن تنسج لنا غابة من العلاقات بين الشخصيات تناظر غابة الحكايات والبدايات المتداخلة التي تجسد لنا ثراء العالم اللبناني وتعقيده. وتطرح مفهوم البداية كنقطة دينامية متحولة، وتنطلق من مصادرة أساسية هي أن كل نقطة في السرد تصلح كبداية، وأن البداية هي جوهر المشروع السردي نفسه، باعتباره بدءًا أبديًّا، أي قصًّا مستمرًا؛ فلعبة الزمن في هذه الرواية لا تبغي تأسيس تسلسله، بل الإجهاز على هذا التسلسل وتحويله إلى متاهة زمنية يتخبط فيها القارئ برغم منطقيتها البادية، ليعود باستمرار إلى زمن البداية/ النهاية، زمن اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1976، وموت البطل الذي مات معه لبنان القديم التي تقدم الرواية مرثيته، ومجمع أسراره ومسراته في وقت واحد. وزمن الحرب، عام 1976، الذي اختارته الرواية ميقاتًا لفصلها الأول وجعلته زمن الموت -موت إبراهيم بعد موت عمّته سارة- هو ما يجعل الرواية قصة ما مات في لبنان باندلاع تلك الحرب، بالرغم من أنها ظاهريًّا ليست رواية عن الحرب، وذلك لأنها فعليًّا رواية الحرب؛ فمحاولتها فهم زمن هذه الحرب تحيلها باستمرار إلى زمن حرب أخرى دارت عام 1948، وهو زمن محوري بالنسبة إلى شخصيتها الرئيسة الثانية حنا السلمان، بالرغم من أن الرواية لا تتناول، كما ذكرت، أيًّا من الحربين، ولكنها مشغولة بالزمنين. ويتجلى هذا الانشغال منذ فصلها الأول الذي يذكر الزمنين والتاريخين، ويفسح لبقية النص فرصة نسج شبكته المراوغة لاقتناص ما يريد اقتناصه منهما. لكن النص يذكر أزمنة وتواريخ أخرى، بعضها حقيقي، كالربط بين سنة ميلاد حنا (1920) وإعلان الجنرال غورو تأسيس دولة لبنان، والربط بين مذابح عام 1860 ونزوح أسرة نصار، وهي تواريخ لها دلالاتها المزدوجة كتواريخ دالة في مسيرة لبنان السياسية، وعلامات نصّية بارزة في مسيرة الرواية الدرامية، وبعضها الآخر تخييلي كتواريخ يعقوب «سانتياغو» نصار في رواية غابرييل غارسيا ماركيز وقائع موت معلنومقتله المعلن للجميع ما عداه. وهناك زمن الحرب الأهلية عام 1958، وأزمنة قديمة، تعود بنا إلى ما قبل عام 1860، وكيف اختلطت التواريخ الحقيقية في هذه الرواية بالخيال. وتربط هذه التواريخ كلها بهذه الحكاية الدالة على أمراء الخليج المزيفين، وهي من الحكايات المهمة والفاعلة في النص، خاصة أن الرواية تحرص على الإشارة إلى وثائقيتها من خلال هذا التوثيق الصحافي والتواريخ، وليس مهماًّ أن يكون هذا التوثيق دقيقًا، لأن الوثائقية هنا استراتيجيا

نصّية في المحل الأول. كما تحرص الرواية على إثبات زيف هؤلاء الأمراء: «من هو هذا الأمير؟ ليس من المؤكد أنه كان أميرًا. بل يكفي أن يكون شيخًا، ورائحة الكولونيا تفوح منه، كي يسمّيه الناس أميرًا. وحكاية الكولونيا طريفة، لأن أمراء حمّانا، كما أسماهم الناس، كانوا يُكثرون من تعطير وجوههم وأجسامهم بالكولونيا كي يخفوا رائحة النفط، بينما كان الناس «يبحثون فيهم عن تلك الرائحة التي يحاولون إخفاءها». لكن استقصاء التواريخ القديمة التي لا يمكن فهم الحرب من دونها، غير تصوير ما يدور في أثناء هذه الحرب، وما يجري فيها من كوابيس. ورواية رشيد الضعيف فسحة مستهدفة بين النعاس والنوم)1986( هي من الروايات القليلة التي تدخل بنا في دهاليز هذا الكابوس، بأن تجعل بنيتها الروائية نفسها معادلا لهذا الكابوس الرهيب الذي حط على الواقع اللبناني منذ منتصف السبعينيات. بل إن جُل رواياته التالية، من غفلة التراب (1991) وناحية البراءة (1997) وحتى إنسي السيارة (2002) وأوكي مع السلامة (2008) وتبليط البحر (2011) هي تجليات مختلفة للسعي إلى تحويل البنية الروائية إلى معادل للحياة في ظل هذا الكابوس اللبناني الذي بدأ بالتخلّق إبان الحرب الأهلية. وسوف نتناول هنا رواية فسحة... بشيء من التفصيل، لأن التمكن من تحويل البنية الروائية ذاتها إلى معادل لتلك الحالة الإنسانية/ اللاإنسانية الغريبة هو الذي يمنح هذا العمل الروائي الجميل تميّزه وتفرّده؛ إذ ليس في استطاعة البنية الروائية التقليدية، ولا الحوادث التي تتعاقب في تتابع منطقي لا وجود له في الواقع الذي تصدر عنه هذه الرواية، أن تجسّد لنا هذا الواقع الذي سيطر عليه غياب المنطق، واستحال فيه التتابع إلى سلسلة من الحوادث التي لا يمكن الربط بينها بأي شكل منطقي أو معقول، واستشرى فيه العنف حتى فقد كل معنى واستحال إلى عنف عبثي غريب. وأصبح القتل على الهوية فيه نوعًا من المنطق اللامنطقي الذي يتعلق الجميع بأذياله البالية. وصار الوصول إلى الهدنة ووقف إطلاق النار إيذانًا بانتهاكهما واندلاع نيران الحرب المجنونة من جديد. هذا العالم الذي عصفت حوادثه بجميع المواضعات التقليدية وأخذ إنسانه يبحث للحياة فيه عن منطق من نوع جديد يستطيع أن يتعايش معه، وأن يفهم به ما يدور حتى يواصل الجلد والحياة في هذا العالم الذي تتواصل فيه قعقعات الانهيار لأكثر من سبعة عشر عامًا من دون أن ينتهي بالدمار كلية، لا يمكن للروائي أن يبلور لنا ما يدور فيه أو أن يأسر لنا أهم ملامحه المميزة في أي بناء روائي تقليدي، لأن البنية الروائية التقليدية تنطوي في شكلها نفسه على محتوى مناقض لأسس هذا المجتمع الأولية؛ فهي بنية ذات طبيعة استقرارية، وينطوي تماسكها ومنطقها نفسه على افتراض تماسك العالم الذي تعكسه ومنطقيته. كما أن الثبات النسبي لكل مكوناتها، من اللغة والشخصيات والفضاء، يجسد نوعًا آخر من ثبات العالم واليقين بصلابته، وأهم من هذا كله بإمكانية فهمه وعقلنته. لكن عالم الحرب الأهلية اللبنانية عالم يستعصي بداءة على جميع محاولات الفهم والعقلنة؛ فمن ذا الذي يستطيع أن يعقلن لنا منطق القتل على الهوية، وأن يقنعنا بهذا المنطق العبثي من دون أن ينهار منطقه بمجرد أن يبدأ، لا من خلال تناقضات هذا المنطق الداخلية فحسب، بل وبرصاصة قناص يقتل هو الآخر على الهوية، ولكن تصوره للهوية المقتولة والهوية القاتلة مناقض لتصور ذلك الذي يمنطق لنا الأمر؟ ولهذا، كان لابد أن يبدأ أدب الحرب الأهلية اللبنانية بالخروج على مواضعات البنية القصصية التقليدية، حتى يجسد من خلال خروجه هذا خروج المجتمع كله على كل منطق وعلى كل عُرف. وهذا هو ما تفعله رواية رشيد الضعيف المهمة تلك منذ صفحاتها الأولى؛ فقد أدرك الكاتب أن أول أسئلة الرواية لابد أن تبدأ بسؤال

البداية، وأن البداية هي العنصر الأساسي والمحدد لأي عمل لأنها تنطوي على الكثير من مصادراته الأساسية، كما برهن على ذلك إدوارد سعيد في دراسته المهمة عن البدايات. ومن هنا كانت بداية الرواية الملتبسة أولى علامات الالتباس الذي سيشمل في طواياه كل شيء، من الشخصية الرئيسة، إلى الشخصيات الثانوية التي سرعان ما جعلتها فوضى الحرب وعصفها بكل أنواع التراتبات الطبقية والاجتماعية والطائفية شخصيات رئيسة، إلى الحوادث العاصفة المشوشة المختلطة، إلى الزمن الذي لا يمكن أن يخضع لقوانين التتابع بأي حال من الأحوال. وقد بدأ هذا الالتباس حتى قبل البداية الروائية، لأن عنوان الرواية ذاته، فسحة مستهدفة بين النعاس والنوم، ينطوي على نوع من الالتباس الظاهري، ويشير في الوقت نفسه إلى جماليات العمل الجديدة التي تعتمد على هذا التكرار المتعمّد بين حرفي الفاء والسين في الكلمتين الأوليين، وحروف الفاء والسين والنون في الكلمتين الأخريين. هذا اللعب الجمالي على تكرار الحروف هو التمهيد الأول للعب المنطقي على ازدواجية البداية، أو تعدديتها؛ فما إن تبدأ الرواية وتتقدم في قراءتها حتى الصفحة الثالثة، حتى تجد نفسك بعد منتصفها أمام البداية من جديد، إلى حد أن القارئ قد يتصور أول وهلة أن ثمة خطأ مطبعيًا في الأمر، وأن الطابع قد أعاد طبع الصفحتين الأوليين مرتين، لكن ما إن يتقدم في قراءة البداية الثانية حتى يجد أن هناك اختلافات صغيرة، وأن الكاتب يدفعه منذ الصفحات الأولى مع بطله في متاهة هذا العالم الذي لا يمكن أن تعقله. فالبداية يقين، وتكرار البداية فيه إرجاء مستمر لليقين، وتعليق الحادث، ورجوع عن كابوسه إلى البداية مرة أخرى، والانطلاق في مسار مغاير عله يعِد بعالم أكثر عقلانية، فيكشف المسار الجديد عن كابوس جديد، ينكص عنه الراوي إلى البداية.. وهكذا دواليك. ولا تكتفي الرواية بهذا الإرجاء المبدئي لليقين، وإنما تحيله أيضًا إلى مد صفحاتها إلى وضع دائم وحالة مقيمة من خلال رواية الكثير من جزئيات النص الروائي مرات عدة، وبشكل مختلف كل مرة، حيث هناك عناصر تتكرر كما هي دونما تغيير، وأخرى تتباين بشكل جذري مع مثيلتها التي حلت مكانها، بصورة يحول معها النص فسحته النصية إلى نوع من المتاهة المعرفية الشائقة التي تلتبس فيها على القارئ التفاصيل، ويتبدد أي أمل في اليقين. إن موضوع الرواية الأساس هو التباس الهوية في عالم يزعم أساطين الحرب الأهلية فيه أنهم واثقون من هويتهم إلى حد إقامة حواجز الخطف على الهوية، بل والقتل على الهوية. وأول ما يفرضه هذا الالتباس الأساس في الهوية هو أن يتسم الحادث نفسه بقدر كبير من السيولة، بحيث لا يصبح في إمكان القارئ أو الشخصية الروائية على السواء بلورة أي نوع من الرواسي الثابتة. ولهذا، كانت براعة الكاتب في اختيار تلك اللحظات الفاصلة بين النعاس والنوم ليجعل فسحتها القصيرة كلحظة، الطويلة كالأبدية، هي زمنه الروائي الجديد؛ زمن ممطوط وممدود وأملس وعار من كل ملامح، ولا ينتمي إلى استراتيجيات تذويب الزمن التي رسّختها كتابات الحداثة القصصية، لأن تلك الاستراتيجيات تتعامل مع زمن واضح أو أزمنة جلية تعيد ترتيب تعاقبها حسب سلّم أولوياتها الجديدة التي لا تعبأ بالأولويات التعاقبية، بينما نحن هنا في عالم الكابوس الذي لا ينتظر دخول الإنسان في النوم كي يهجم عليه وإنما يستبقيه في تلك الفسحة المستهدفة بين النعاس والنوم، ويؤسس بذلك نوعًا خاصًا من الزمن الكابوسي الذي يتمدد فيه الواقع في تلك الفسحة الغريبة القصيرة بين النعاس والنوم، حيث يودع الإنسان عالم العقل من دون أن يبارحه كلية، ويستعد للدخول في عالم الأحلام من دون أن يعرف ما إذا كانت أضغاثها تنتمي إلى الوهم أم إلى الحقيقة. أليس هذا هو المعادل الحقيقي للوضع اللبناني الملتبس؟

الإنسان، كما تكشف لنا رواية أخرى لرشيد الضعيف هي تقنيات البؤس)1989(، يعاني، بسبب الحرب، الموتَ في الحياة؛ فتجربة البؤس التي تصوّرها الرواية في حوادثها الظاهرية، وتسجّل عبرها تقنياته التي تستل النضارة من طقوس حياة البطل اليومية، حتى تتركه شبه ميت ومحارصَ في مصعد قُطعت عنه الكهرباء، تناظرها وتناقضها في الوقت نفسه صلابة النسيج النصيّ ونضارته التي تتجلى عبر تلك الحيدة الوصفية المتأنية الهادئة التي تؤسس بعنايتها الفائقة بالتفاصيل الدقيقة كتابة إيقاعية جديدة. ينبع إيقاعها الهادئ البسيط من مجافاتها للبلاغة التقليدية، وتأسيسها لشعريتها الحديثة، ومن تخليص الكتابة من أي أثر للنهنهات الانفعالية، أو الميلودرامات الفجائعية، أو البطولات المزعومة، ومن إمعانها في السيطرة على الإيقاع، ليصل الإيقاع الهادئ المحايد إلى أقصاه، ويصبح نقيض الحرب وقد وصل إلى منتهاه التعبيري، واختبار المفردات بدقة توشك أن تكون دقة مختبرية ذات توجّه علمي صارم، لا المفردات اللغوية وحدها، وإنما مفردات الحدث، وجزئيات البنية الزمنية، ودقائق حوافز الشخصية، وتفاصيل دوافع البنية السردية ذاتها. وتكتسب الكتابة فيها نضارتها من مجافاة الخطاب السياسي والتخلص منه كلية، ومن طرح جسد الواقع الحي والمتعنيّ على مد النص كله، وكأنه مطروح على مائدة التشريح المعملي، بصورة يغيب معها كلية أي تأويل سياسي أو تبسيطي لما جرى. وتتحول تجربة الحياة البائسة المتقشفة التي اختزلتها الحرب إلى أساسياتها الضرورية، بل والحتمية التي لا تتحقق بها إلا الحياة في حدها الأدنى، أو ما أود أن أدعوه درجة صفر الحياة، تتحول بقدرة التعبير السردي الهادئ والحيادي الذي بترت منه جميع الزوائد العاطفية والتعليقات والشروح التفسيرية، إلى نوع من التنسّك في محراب الفن الجديد، والزهد في عرض الكتابة الزائلة، بصورة تنبثق معها معالم شعرية جديدة لا يمل القارئ من استعادة قراءتها مرات عدة؛ فالكتابة في هذه الرواية الجميلة هي من ذلك النوع الذي يعود بالكتابة إلى مهد التعبير الفني الذي يؤسس فيه النص أسطورته الجديدة، من دون أن يزعم أن له أي بُعد أسطوري، لأن تأسيس هذه البنية ذات الطبيعة الأسطورية في النص مرادف لتأسيس الوعي النصي الجديد بأولية الأشياء والأحداث اليومية الصغيرة على المقولات والمفاهيم والقضايا الإنسانية الكبرى. ولا يعني هذا بأي حال من الأحوال أننا بإزاء نص غفل عن المقولات والمفاهيم والقضايا الإنسانية الكبرى، بل نحن أمام نص يعربّ عن مفاهيمه وقضاياه بطريقة جديدة كلية، ومغايرة جذريًّا لطرائق التعبير القديمة، تثري هذه المفاهيم وتكسبها أعماقًا جديدة. تبدأ الرواية التي تجسّد لنا أيام بطلها هاشم، سمي جد العرب الأول، بهدير اليقظة: " هدير المولّدات الكهربائية الموضوعة على الأرصفة في الخارج أيقظه "؛ يقظة استثارتها المول دات الكهربائية وهديرها الذي ينوب عن هدير الحرب وعنفوانها الباعث لليقظة، ولكنها ليست اليقظة/ الحياة، وإنما هي أقرب إلى اليقظة/ الموت، لأن النوم، وهو الميتة الصغرى عند المتصوفة، يفسح مكانه للحياة التي استحالت في هذا النص الروائي إلى الميتة الكبرى، لأنها اليقظة/ الموت أو الميتة/ الحياة. ويقظة البداية، في الوقت نفسه، هي اليقظة/ الميلاد، وإن كان الميلاد الذي تقدمه لنا الرواية هو الميلاد المقلوب الذي تتأسس به طقوس الحياة/ الموت. فجدل الحياة/ الموت هو الجدل الذي اختارت الرواية أن تبلور لنا من خلاله تقنيات البؤس، وأن تصوغ عبره كيف استحالت طقوس الحياة إلى رديف لطقوس الموت، وإن كانت في الوقت نفسه تجليًّا لمدى فداحة التشبّث المميت بالحياة، والتعايش مع تقنيات البؤس. وحتى ترهف الرواية وعي القارئ بتقنيات البؤس التي تحيل الحياة إلى كابوس

مستمر، لا مناص من التعايش معه وألْفته، تستخدم استراتيجيا سردية تنطوي بنْيتها النصّية ذاتها على هذا الجدل المستمر بين الحياة والموت، بين الوجود وفقدان الكينونة، وهي قص النص كله من خلال الراوي المتماهي مع البطل هاشم والمراقب له في آن، لأن هذا التماهي والانفصال معًا هما أوفق أساليب التعبير عن حالة الحياة في الموت، أو الحياة التي تعلّق الموت باستمرار حتى تقتنص منه الوجود. ولا بد قبل الانتهاء من الحديث عن تجليات الحرب اللبنانية في الرواية أن نشير إلى أهمية مساهمة المرأة اللبنانية في هذا المجال، وتخليقها رواية جديدة موازية ومكملة لتلك التي كتبها الرجال. وتبدأ روايات المرأة المهمّة حول الحرب الأهلية اللبنانية برواية حنان الشيخ حكاية زهرة)1980(، وهي الرواية التي حاولت أن تطرح زهرة كمعادل للتجربة اللبنانية الأوسع التي تمتد من تجربة الحزب السوري القومي الاجتماعي، إلى الهجرة إلى أفريقيا، إلى بحث المرأة المستمر عن ذاتها وحريتها، إلى اختفاء الطفح الجلدي من وجهها بعدما ظهر على وجه الواقع اللبناني باندلاع الحرب. ولكن الرواية تنتهي بقتل القناص لها هي وجنينها منه. ثم تكتمل دورتها برواية إيمان حميدان يونس باء مثل بيت مثل بيروت)1997( التي تنتقم فيها المرأة من القناص، فتقتله، وإن قررت الاحتفاظ بجنينها الذي تترك الرواية أباه ملتبسًا، فلا نعرف ما إذا كان القناص أم الطبيب محمد الذي قتله القناص. لكن قبل الحديث عن أي من الروايتين وجدلية إن إحداهما مكمّلة للأخرى من دون قصد، لابد لنا من التعريج على رواية إتيل عدنان الست ماري روز. بالرغم من أن هذه الرواية كُتبت أصلا باللغة الفرنسية، فإن الرؤية التي تنطوي عليها تجعلها أقرب إلى رواية الحرب الأهلية اللبنانية العربية منها إلى أي نص مكتوب بالفرنسية، لأنها، مثل رواية إلياس خوري، تهتم باستقصاء البنية الاجتماعية والنفسية التي أنجبت العنف اللبناني، وتجلّت في أبشع صورها بعد اندلاع الحرب. فالرواية تنقسم إلى قسمين، أو بالأحرى إلى زمنين، تدعو أولهما «الزمن الأول: مليون عصفور» وثانيهما «الزمن الثاني: ماري روز». ويختلف السرد من حيث بنيته ومنظوره من قسم إلى آخر، كما تنهض الصلة بين القسمين على الجدل والحوار أكثر ممّا تنهض على التتابع، وإن كان التتابع بين القسمين موجودًا وفاعلا، ولكنه التتابع الذي يثير التفكير، ويتطلب الجدل أكثر من ذلك الذي ينهض على التعاقب والتراكم. وتطرح الرواية يقين ماري روز بما تعمله من مساعدة للمستضعفين والعجزة، ومن تأييد للفلسطينيين الذين أحبّت أحدهم، وهو طبيب فلسطيني التقته في جنازة الشهيد غسان كنفاني الذي قتله الموساد الصهيوني، وتزوجته في السنوات السبع الأخيرة من حياتها، في مواجهة هذه المجموعة اللبنانية ال «متأوربة»، وفي مواجهة يقين أبونا إلياس الديني الكاذب الذي يكرسه لخدمة الحرب والتعصب الديني البغيض. ولا يدرك أبونا إلياس أنه بسماحه بانتهاك المسيح بهذه الطريقة الفظة قد انتهك بنفسه جوهر المسيحية، لأن المسيح الذي يتحدث عنه في غرفة التعذيب التي أنهت حياة ماري روز ليس مسيح الرحمة والمحبة، ولكنه أمير عشائري يطل على مملكة الخراب؛ فالمسيح الحقيقي لا يوجد إلا عندما يقوم أحدهم ويدافع عن الغريب ضد أخيه. المسيح هو تجيلّ البراءة، هو التجسيد الحي لصورة ماري روز التي آثرت الدفاع عن الفلسطيني ضد أهلها من المسيحيين المزيفين. فإذا عدنا إلى رواية باء مثل بيت مثل بيروت، سنجد أنها تطرح بقوة منظور المرأة في الحرب الأهلية اللبنانية،

وعلاقة هذه المرأة بالبيت وببيروت معًا، كما يقول العنوان، باعتبار البيت مكان المرأة الأثير، واستعارة للوطن في وقت واحد، لا لأن كاتبتها امرأة تهتم بأن تجسّد لنا عبء الحرب على المرأة اللبنانية وما فعلته فيها فحسب، وإنما لأن الرواية وضعت المرأة أيضًا في مركز السرد، وقدمت العالم الروائي كله من خلال شخصياتها النسائية الأساسية الأربع، واستخدمت بنية سردية نجحت في أن تخلق معادلا روائيًّا لما فعلته الحرب في المرأة اللبنانية، ووقع حوادثها على حياتها اليومية والنفسية على السواء. وتطرح الرواية كذلك مشكلة الحدود، الطائفية منها والجغرافية، وفداحة تأثيرها في الشخصيات في عالمنا العربي المنكوب في هذا الزمن الرديء؛ فالرواية تقدم لنا عالمها السردي ولبنان الحرب الأهلية من خلال شخصياتها الأربع ليليان ووردة وكاميليا ومهى. وقد عرفت الرواية العربية هذه البنية الروائية في كثير من الأعمال، لكن استخدام إيمان حميدان يونس الأصوات النسائية يسعى إلى تجسيد عبء عزلة المرأة وما تفرضه الحرب عليها من حصار من ناحية، وإلى تقديم صورة مصغَّرة من خلال هؤلاء النسوة اللواتي يسكنّ في بيت واحد هو لبنان كله، لأن بنية الأصوات النسائية الأربعة المعزولة بعضها عن بعض ليست بنية تراكم أو جدل تحكمه حبكة روائية واضحة، وإنما هي بنية تعتمد على غياب الحبكة الروائية، وإن عزلة هذه الأصوات وانفراد كل مها بسرد قصتها هما وجه من وجوه العزلة التي تفرضها الحرب على الإنسان، وتؤدي إلى اغترابه حتى وهو لايزال في بيته الأثير ومدينته الأصلية، وهي تجسيد للحدود الحقيقية والمصطنعة التي تقيمها الحرب بين البشر، حتى الذين يسكنون في بناية واحدة، بصورة تحيل النص إلى معادل لحالة العزلة التي وجدت فيها المرأة اللبنانية نفسها في أثناء الحرب، وقد تقطعت وشائج علاقاتها الأسرية والنسوية على السواء، ووجدت نفسها في جميع الحالات على حافة اليأس أو الهرب أو الجنون. ذلك لأن الرواية تكشف لنا كيف تغريّ الحرب من جغرافيا الوطن، تمزّق أوصاله وتفرض الحدود فيه حيثما لم تكن ثمة حاجة إلى حدود من قبل، وأهم من هذا كله كيف تبدد الوئام الداخلي للمجتمع، وتطيح فسيفساءه التي كانت علامة ثرائه فتصبح بالحرب الأهلية شارة فقره، وأبرز أعراض جنونه. الرواية تقدم لنا من خلال كل شخصية من شخصياتها الأربع، التي تسيطر كل منها على قسم من السرد، كيف أن جحيم الحرب يؤثر في كل شخصية بطريقة مغايرة لتأثيره في الأخرى، برغم حميمية العلاقة بين هذه الشخصيات، وحياتها في شقق مختلفة في بناية واحدة؛ فلكل شخصية جحيمها الخصوصي، أو طريقة الحرب الفريدة في تدمير حياتها العادية بطريقة خاصة بهذه الشخصية دون غيرها. تأثير الحرب في ليليان غير تأثيره في صديقاتها وجيرانها. وتبدأ الرواية وليليان تجهّز نفسها للهرب، أو بالأحرى للهجرة من شرور الحرب الضروس التي فرضت عليها حصارها. ولأن السفر هو هاجس ليليان الأول، وشاغلها الأساس، فإنها تُبقي جوازات السفر في حقيبتها الصغيرة التي تصحبها معها دائامً إلى الملجأ حينما يبدأ القصف، لأنها لا تريد أن تفقدها، فهي طوق النجاة الوحيد المتاح. بعد ليليان نتعرف إلى وردة، التي تسكن هي الأخرى في البناية عينها. وهي مثل ليليان تزوجت رجلا ليس من طائفتها، بل ليس من وطنها، ومن هنا لم يعد قادرًا على دخول لبنان، ولا على اصطحاب ابنتهما سارة التي تحتاج هي الأخرى إلى تصريح إقامة بالرغم من أن أمها لبنانية. وهذا ما يضعنا أمام نوع آخر من الحدود هي الحدود الوطنية المصطنعة بين العرب؛ فإذا كانت ليليان قد عبرت الحدود الطائفية، عندما تزوجت طلال، فإن وردة عبرت الحدود الجغرافية المصطنعة عندما تزوجت رشاد، الذي لم يعد قادرًا على دخول لبنان: «في المرة الأخيرة لم يستطع الدخول، وأعيد من المطار إلى الخليج»، ولهذا أحكمت الحرب الحصار حولها، وحرمتها زوجها، وابنتها التي قدّر لها أن تكبر بعيدًا عنها، وأصبحت " تتكلم بلهجة ذلك البلد، كذلك تتكلم الانجليزية " ولا تتكلم لهجة أمها، فتتضاعف بذلك الحدود التي تحول بينها وبين أمها. وقد انتهى المطاف برشاد، وابنتهما سارة، إلى الهجرة إلى أميركا، ولم يعد في استطاعة وردة انتظار مجيء ابنتها، فقررت هي الأخرى السفر إلى قبرص علّها تحصل على

تأشيرة تتيح لها السفر إلى أميركا لترى ابنتها، ولكن هيهات! فالأمر يتطلب رسالة كفالة من رشاد ورشاد لا يبعث بالرسالة. أما كاميليا، المرأة الثالثة، فإنها تختلف عن المرأتين، لأنها أكثر شخصيات هذه الرواية حيوية وتمردًا على الموت المحيط بها. لم تتزوج من الرجل الخطأ، بل لم تتزوج على الإطلاق. ولم تستسلم للحدود الطائفية أو لحدود التقاليد والمواضعات بالرغم من تديّن أسرتها، وإنما تمردت عليها جميعًا، وقررت أن تترك الضيعة، وتنتقل إلى بيروت، ثم من بيروت إلى لندن. نشأت في بيت ليس فيه رجل، وهذا ما يجعلها نموذجًا للمرأة الجديدة التي تنشأ بعيدًا عن قهر المواضعات الأبوية؛ فقد هاجرت أسرتها، وتركتها وديعة بين يدي عمّتها وجدتّها، كي يعمل الزوجان ويثريان. ثم مات الأب في حادث سيارة في الأرجنتين، وتزوجت الأم من شريكه في معمل «الخياطة»، وظلت تؤجل العودة عامًا بعد عام. ثم جاءت الحرب، فكانت العلة التي أجّلت عودتها إلى أجل غير مسمّى. ومن هنا استمتعت كاميليا بقدر من التحرر من التقاليد والأعراف ليس متاحًا عادة لمن هم من خلفية ريفية مثلها. أقامت في البداية علاقة مع بيار المسيحي وهي غير مسيحية. ثم انخرطت في تنظيم يساري، بينما انضم بيار إلى حزب الكتائب اليميني، فوضعتهما الحرب في مواجهة عبثية على جانبي الاستقطاب السياسي. وإذا انتقلنا إلى مهى سليمان، المرأة الرابعة التي تسكن هي الأخرى في البناية نفسها، وتقيم عندها، نكتشف حقيقة العلاقة الملتبسة التي تقيمها كاميليا مع راينجر، أو التي يفرضها بعنفه عليها، ونكتشف كذلك مدى حيوية كاميليا ومدى تأثيرها في الآخرين؛ فقد قلبت حياةَ مهى رأسًا على عقب وغريّ تها كلية. وإذا كانت كاميليا من أكثر شخصيات هذه الرواية حيوية، فإن مهى أكثر شخصيات هذه الرواية الشيقة كثافة وتعقيدًا. بقيت في المدينة طوال الحرب، ولم تغادر شقتها كما فعل الكثيرون الذين فرّوا إلى الريف، بل بقيت واهتمت بوردة في محنتها، وكانت تمضي ليالي الغارات معها في شقتها. ولم تعبر مهى الحدود الطائفية مثل ليليان، أو الجغرافية مثل وردة، ولكنها عبرت الحدود الاجتماعية داخل الطائفة الدرزية التي تنتمي إليها هي وحبيبها معًا. وأقامت علاقة جميلة مع غسان الذي يصغرها أعوامًا عدة، واستمرت زمنًا طويلا في انتظار أن ترضى أمه عن هذه العلاقة كي تتزوج من غسان. لكن الأم لم ترض بسبب فارق السن بينهما، إذ كانت مهى تكبره أعوامًا عدة، وهو أمر ممجوج عند الدروز خاصة، بسبب تركيزهم الشديد على فكرة الخصوبة واستمرارية الحياة. ثم أصابت الحرب هذه العلاقة الجميلة في الصميم، حينما أردت إحدى رصاصاتها غسان قتيلا، وأزالت بموته الضوء الذي كان يملأ حياة مهى بالنور والحياة. وقد جلب غسان على المستوى الرمزي في الرواية إلى هذه المرأة اللبنانية الدرزية حياة من نوع خاص، ولم يعُد لمهى بعد مقتله أي شيء في هذه الحياة يستحق أن تعيش له. بقيت في بيتها، أو شقتها السفلية، لا تبارحها، بعدما تركت معظم العائلات الحي، وبعد أن أصبح الحي محفوفًا بالخطر، ولم يعد يتردد عليه أحد ما عدا كاميليا التي جاءت إليه للتصوير، وصادقت من كان فيه من المقاتلين والقناصة. وأحدث وجودها تغييرًا جذريًّا في بيت مهى وفي حياتها: «تغير بيتي ولم يتغير عنوانه»، كما تقول لنا، وهذه عبارة تمثّل الاستعارة الروائية لتغير لبنان كله من دون أن يتغير عنوانه؛ تغير فعلا بعد هذا التحوّل الذي أحدثه وجود كاميليا فيه، وتغير بتطور الحرب وسيطرة المقاتلين بقانون الغاب الجديد على المكان. إذا كانت رواية إيمان حميدان يونس قد انتقمت من القناص الذي قتل زهرة في رواية حنان الشيخ، فإن نجوى

بركات تقدّم لنا قصة القناص الذي لم يُقتل، وما جرى له بعد أن وضعت الحرب أوزارها. فإذا كانت الرواية اللبنانية قد انشغلت طوال ربع القرن الأخير بالحرب الأهلية اللبنانية، وسعت إلى كتابة سجلها الروائي، والكشف عن حقائق الشخصية اللبنانية وتضارب تواريخها هي والواقع العربي على السواء، فإنها تبدأ الآن مع رواية نجوى بركات الجديدة يا سلام، في تناول قضايا السلام ومعاركه الشرسة التي لا تقل ضراوة - كما يتبدى لنا عبر صفحات هذه الرواية الجميلة - عن معارك الحرب، وما أثخنت به الواقع اللبناني من جروح. هذه إذن رواية عن الحرب، ولكن بعد أن حطّت الحرب أوزارها، وتمخضت عامّ يدعونه السلام وإعادة الإعمار. وتركت شخصيات الرواية الرئيسة التي تكوّنت نفسيًا واجتماعيًا وعمليًا في أتون الحرب، ونضجت قسماتها وتبلورت ملامحها على نيران آلياتها المدمِّرة، في حالة من الضياع وفقدان القدرة على التعامل مع الواقع الجديد الذي لم تنته فيه الحرب حقيقة، وإنما تبدلت تجلياتها، وتغيرت صورها، واكتسبت معاركها صيغًا وأشكالا جديدة غير تلك التي أجادتها شخصيات مرحلة الحرب السافرة. وهي صيغ لا تقل دموية عن الأشكال القديمة، بل قد تتجاوزها ضراوة ووحشية، ولكنها تبدو على السطح أقل قسوة وإيلامًا لأنها توجع من دون أن تجرح، وتتعمد القتل من دون إراقة الدماء. القتل اليومي الذي يدمر فيه الجميع بعضهم بعضًا، وكأن آليات التدمير أصبحت هي آليات الحياة الوحيدة التي يجيدها اللبناني الذي تجرع دم أخيه اللبناني خمسة عشر عامًا. بل إن هذه الرواية تنتهي، بعد أن تقدم لنا فنون القتل من دون إراقة الدماء وتعدد لنا صنوفه الدامية، ومعظم شخصياتها مقتولة ومسؤولة عن قتل نفسها، أو قتل غيرها من أقرب الشخصيات إليها؛ فالأم تقتل ابنها، والأخت تقتل أخاها، والحبيبة تقتل حبيبها، وكأن جوهر أشد العلاقات الإنسانية حميمية في لبنان اليوم قد أصبح هو التدمير ولا شيء سواه. الدمار القاسي الرهيب هو النتيجة الأساسية بل الوحيدة لعملية تأسيس الحدود من جديد، وهو المحور الأساسي لكل سلوك الشخصيات في هذه الرواية، وهو المحرك الأول لتصرفاتها، والدافع الأساسي إلى استمرار حياتها. فرواية يا سلاممنذ عنوانها ذاته هي رواية الدهشة إزاء هذا الدمار، إذا ما قرأت العنوان على أنه التعبير العامي الشائع الذي يعربّ عن الاستهجان والتعجب إزاء افتقاد البديهيات. وهي في الوقت نفسه رواية بطلتها سلام، وقد استحالت أداة النداء التي تسبق اسمها إلى صرخة هلع واستغاثة، لابد أن أخاها وضحيتها قد صرخ بها حينما هجمت عليه الجرذان والتهمته حيًا، ولاتزال هذه الصرخة تتردد في ذهن القارئ الذي يفرغ من الرواية على هذا الهول الذي تتكشف عنه نهايتها الفاجعة. وعلى هذا المستوى تصبح شخصية سلام هي مركز ثقل العمل الدلالي، وليس شخصية لقمان الذي يسيطر على أغلب القص، ويستأثر بنصيب الأسد من منظوره، بالرغم من استخدام السرد البادي لضمير الغائب، لكن استخدام ضمير الغائب لا يعني أن منظور السرد هو منظور الكاتب العليم ببواطن الأمور، فقد مضى عهد هذا المنظور إلى غير رجعة، كما لا يعني أن كل الشخصيات عنده سواء، وإنما يتيح الفرصة لبعض الشخصيات لتقديم العالم من منظورها وهي لاتزال تتسلح بالتخفّي وراء حياد القص بضمير الغائب. وتتحول هذه الشخصية (سلام) بالتدريج، وبسبب اختيار اسمها عنوانًا للنص، إلى مناط عملية التأويل من ناحية، ومركز عملية توليد الاستعارات من ناحية أخرى. لكن استئثار لقمان بمنظور القص يستهدف رواية العمل من منظور الذين كانوا وقود الحرب وضحاياها في أثناء استعارها، وبعد أن حطت أوزارها على السواء. وازدواج الدلالة في العنوان - وهو عتبة هذا النص الأولى - هو الذي يطرح على المتلقّي ازدواج الدلالة في شخصية سلام نفسها، وسعي

الرواية إلى إحالتها إلى استعارة للبنان كله، وقد تحوّلت إلى مرادف لهذه المرأة القبيحة التي تريد أن تحقق ذاتها وتشبع حاجاتها وأهواءها بأي ثمن. أو كأن سلام هي الصورة التي تجسد لبنان الطالع من الحرب، وقد حرمتها الحرب الموءودة فرصتها الوحيدة في الزواج من الأبرص الذي مات - قُتل كما سنعرف في نهاية الرواية - غيلة قبل نهاية الحرب، ومات معه أملها في الخلاص. وهذا الازدواج أيضًا هو مدخلها إلى تعدد الدلالات التي تنطوي عليها بنيتها الروائية، وهي تسعى بتؤدة إلى الكشف عن تسلل آليات الدمار إلى أكثر العلاقات الإنسانية حميمية، بصورة تؤكد معها شخصياتها أن الجروح التي تركتها سنوات الحرب فيها، خاصة الجروح غير المنظورة التي لم تلتئم بعدُ، قد نكأتها جميعًا جروح السلْم المصمية، وفجّرت ما التأم بعضها عليه من قيح. لكن علينا قبل استباق التحليل بالتأويلات الاستعارية لشخصية الرواية الرئيسة أن نقرأ معًا الرواية ذاتها. وأقترح على القارئ أن يبدأ القراءة بالتغاضي عن الاستهلال الوعظي الذي تفتتح به الرواية سرده، وتسعى من خلاله إلى صوغ نوع من الأمثولة الساذجة حول بيروت المدينة، التي ما عادت تشبه نفسها، ولا تشبه مدنًا سواها، وفقد أهلها عادة البكاء، لأن هذه الأمثولة الساذجة قد تدفع القارئ إلى التساؤل: وأين هي المدينة التي لاتزال تشبه نفسها، فكل المدن الحية تتغير وتتطور؟ أو أين هي المدينة التي تشبه مدنًا سواها؟ أليس من أصالة أي مدينة أنها لا تشبه مدنًا سواها؟ أخيرًا، إن الخلاصة التي يمكن أن نخرج بها من قراءة هذه الروايات اللبنانية، التي يمكن أن نضيف إليها كثيرًا من النصوص المهمة في هذا المجال، مثل نصوص هدى بركات أو بقية نصوص حنان الشيخ التي تناولت الحرب، هي أن الرواية اللبنانية التي كتبت تجربة الحرب يمكن اعتبارها الصرح القومي الوحيد للتجربة اللبنانية التي تتسم بالتشظّي والاحتفاء بالحدود والحرص على تعزيزها، حيث نكتشف من خلال تمحيص إنتاج هذه الرواية الثري أن كتابة التشظّي اللبناني عند الرجل تهتم كثيرًا بمسألة الهوية الملتبسة، بينما تهتم كتابة المرأة بمسألة الحدود، الحقيقية منها والمتوهمة، الواقعية منها أو الرمزية أو القيمية على السواء. ومن مجموع الكتابتين معًا تتبلور مساهمة الروائي اللبناني الجديد؛ الروائي الذي مضى بالرواية العربية خطوات فسيحة على طريق لم يُسمع فيها وقع لقدَم عربية من قبل، فجدّد بنيتها وأغنى لغتها وأثرى رؤاها.

المراجع العربية

بركات، نجوى. يا سلام. بيروت: دار الآداب،.1999 برنس، منى. ثلاث حقائب للسفر. القاهرة: مركز الحضارة العربية،.1998 التلمساني، مي. دنيازاد. القاهرة: دار شرقيات،.1997 حسان، محمد. عباد القمر. القاهرة: دار حور،.1999 حسن، حسني. اسم آخر للظل. القاهرة: دار شرقيات، في القاهرة،.1995 حميدان يونس، إيمان. باء مثل بيت مثل بيروت. بيروت: المسار،.1997 خالد توفيق، أحمد. يوتوبيا. القاهرة: دار ميريت،.2004 خوري، الياس. مجمع الأسرار. بيروت: دار الآداب،.1994 ذكري، مصطفى. هراء متاهة قوطية. القاهرة: دار شرقيات،.1997 رجب، وائل. داخل نقطة هوائية. القاهرة: دار شرقيات، في القاهرة،.1996 الشيخ، حنان. حكاية زهرة. بيروت: دار الآداب،.1980 الضعيف، رشيد. فسحة مستهدفة بين النعاس والنوم. بيروت: مختارات،.1986. تقنيات البؤس. بيروت: مختارات،.1989 عدنان، إيثيل. الست ماري روز. القاهرة: هيئة قصور الثقافة، (سلسلة آفاق الكتابة)،.2000 عصمت، عادل. هاجس موت. القاهرة: دار شرقيات، في القاهرة،.1995 غريب، أحمد. صدمة الضوء عند الخروج من النفق. القاهرة: نوارة للترجمة والنشر،.1996

القفاش، منتصر. تصريح بالغياب. القاهرة: دار شرقيات،.1997. أن ترى الآن. القاهرة: دار شرقيات،.2002 الناغي، مصطفى. دم فاسد. القاهرة: مطبوعات الجراد،.1998 نصر الله، إميلي. طيور أيلول. بيروت: المؤسسة الأهلية 1962، ص.9

المراجع الأجنبية

فرغلي، إبراهيم. كهف الفراشات. طبعة خاصة، القاهرة [د. ن].، 1998. وطبعة ثانية. القاهرة: دار ميريت،