الرواية الجديدة في المغرب ورهان التشابك مع التحوّلات الاجتماعية
The New Novel in Morocco and the Challenge of Engagement with Social Change
الملخّص
كيف يمكن الوصل ما بين الجمالي والثقافي و التخييلي والمرجعي، في إطار من رصد «تحولات النص الروائي » وهو يشتبك مع تحولات تعتصر مجتمعاتنا وعالمنا؟ ذلك هو سؤال هذه الدراسة في سبرها ميل الرواية المغربية، الجديدة والشابة خاصة، إلى ما تدعوه «المكوِّن الاجتماعي »، فينوع من الزخم الروائي المتجدد الذي يتبدّى فيه حضور روائيين سابقين ولاحقين، وانتقال من الأجناس الأدبية الأخرى -بل ومن المهن الأخرى- إلى الرواية، كما يتبدّى في حضور «بنات شهرزاد »، الكاتبات اللواتي يتصدين لمحارم المجتمع الذكوري البطريركي بدرجات متفاوتة من النجاح الفني، شأنهن في ذلك شأن زميلاتهن وزملائهن الذين يشتبكون مع التحولات الاجتماعية من خلال تناول متجدد ومغاير لمسائل شتى، من بينها مسألة «المثقف » ومسألة «الاستعمار » أو الغرب بصفة عامة.
Abstract
This study presents an investigation into new trends of the Moroccan novel, particularly new novels and those by young writers, towards the so-called “social component” in a kind of renewed novelistic momentum, where both old and new novelists are visible. Perceived by the author is a shift from other literary genres, and even other professions, to the novel. The emergence of the “daughters of Shahrazad” is also a prominent trend, that is women writers who challenge the taboos of male patriarchal society with varying degrees of artistic success. In this they are akin to their male and female colleagues who are engaged with social transformations by means of a new and different approach to various issues including the intellectual, colonialism, or the West in general.
- تحولات النص
- التحولات الاجتماعية
- المثقف
- الرواية
- الاستعمار.
- Transformations of Text
- Social Transformations
- Colonialism
كيف يمكن الوصل ما بين الجمالي والثقافي والتخييلي والمرجعي، في إطار من رصد «تحولات
النص الروائي» وهو يشتبك مع تحولات تعتصر مجتمعاتنا وعالمنا؟ ذلك هو سؤال هذه الدراسة
في سبرها ميل الرواية المغربية، الجديدة والشابة خاصة، إلى ما تدعوه «المكوِّن الاجتماعي»، في
نوع من الزخم الروائي المتجدد الذي يتبدّى فيه حضور روائيين سابقين ولاحقين، وانتقال من
الأجناس الأدبية الأخرى -بل ومن المهن الأخرى- إلى الرواية، كما يتبدّى في حضور «بنات
شهرزاد»، الكاتبات اللواتي يتصدين لمحارم المجتمع الذكوري البطريركي بدرجات متفاوتة من
النجاح الفني، شأنهن في ذلك شأن زميلاتهن وزملائهن الذين يشتبكون مع التحولات الاجتماعية
من خلال تناول متجدد ومغاير لمسائل شتى، من بينها مسألة «المثقف» ومسألة «الاستعمار» أو
«الغرب» بصفة عامة.
الرواية و«المكوِّن الاجتماعي»
بالنظر إلى مجمل التغيرات والتبدلّات التي مسَّت، في الجوهر، كثيرًا من أنساق التصور ومقولات
الإدراك، فإنه لم يعد في الإمكان الانغلاق في إطار من تصورات تتكئ، بالمطلق، على «المنجز الشكلاني الصارم» الذي يضيِّق من رحابة الكون الروائي، خصوصًا حين يختزل هذا الكون في «نصّ » هو قرين صنف من
«الشكلنة» أو بلغة جامعة «الكتابة الداخلية» التي لا تحيل إلا على ذاتها (Autoréférentialité) والمفصولة -تاليًا- عن مشكلات الناس والمجتمع والعصر. لقد حصل ذلك في المغرب ذاته، وب«تحريض» من النقد ذاته، في فترة سابقة، هي على وجه التحديد سنوات الثمانينيات الصاعدة التي بلغت فيها «البنيوية» (Structuralisme)، مع أنها «منهج ونظرية»، ما يشبه «الديانة» في هذا البلد. والمشكلة، هنا، لا تكمن في «مركزية الكتابة» ذاتها وفي إفادة هذه الأخيرة من «الفن المعماري» و«التقطيع السينمائي» و«المشهد المسرحي» و«تعضيد النص بالأقوال والقصاصات»... إلخ. بل تكمن في تلخيص الكتابة في مجرد «تقنية» أو «تخطيط» أو «تصميم»... على النحو الذي يشوِّش «الرؤية المفترضة» تجاه
الأشياء. فالرواية مطالبة، بدورها، بالتفاعل مع مكوِّنات الخطاب الثقافي وامتداداته في المتخيل الاجتماعي،
أو مطالبة ب«التشابك» مع «نص الواقع الاجتماعي» في أفق صياغة «خطابها» الذي يسعى بدوره -وعبر أواليات التضافر المتبادل- إلى أن يجعل من المجتمع مجلى له. ف«إشكاليات المجتمعات» راح الخطاب الروائي بدوره يفرض ذاته بخصوصها، بل ويقدِّم مدخلا لائقًا لفك جانب مهم من غموضها، وحتى على صعيد «النظرية الاجتماعية» هناك من يركِّز على «التعددية النظرية» في دلالة على عدم تمكّن أي نظرية من ادعاء استغراق
تفسير جميع مناحي الحياة الاجتماعية. المؤكد، في حال الحديث عن الرواية، ليس التنازل عن «عرش اللغة» أو عن «الشكل» ذاته، لاسيما في ظل تنامي «الرواية المعولمة» (كما عبَّر عنها الروائي المصري جميل عطية إبراهيم) ب«آلياتها التفكيكية» التي امتدت
داخل النص الروائي على النحو الذي جعل هذا الأخير، في نماذج كثيرة منه، مفكك ا ومنطفئًا قبل صاحبه. إن ما نفكِّر فيه، في إطار من الإقرار ب«تحولات النص الروائي»، وفي إطار من تصوّر يصل ما بين الجمالي والثقافي
والتخييلي والمرجعي، هو رواية تحافظ على «نسغها اللغوي» وتتشابك - في الوقت ذاته - مع «الألغام» التي تعتصر مجتمعاتنا المعاصرة في عالمنا «الجامح» هذا، كما نعته السوسيولوجي البريطاني أنطوني غيدنز. وفي هذا الصدد، فإننا لا نعدم، في السجّل العربي، وعلى مدار عشر السنوات الأخيرة، روايات يمكن أن «نجادل» بأنها
فاقت كثيرًا من «النماذج التوليفية» ل«المنتوج الفكري» ذاته في تعاطيه مع السياسة والجنس والدين، وعلى النحو
الذي بموجبه تكشف هذه الروايات عن «الأواليات الشعورية واللاشعورية» وعن «الانزلاقات المركَّبة» التي
بموجبها يتمّ «استعمال» هذه الألغام. ومن ثم منشأ «المكبوت الاجتماعي» الذي لا يمكن أن تتَّضح مواجهته،
على أرض الرواية ذاتها، إلا بفائض من السخرية المضمرة أو المعلنة.
1 ينبغي ألا يخفى أن هذا التوجه، في الكتابة والتنظير الفلسفي، الذي بلغ أوجه في فرنسا في الستينيات، كان نتيجة تطور غير مسبوق
كانت قد بلغته الرأسمالية وقتذاك في الغرب ككل، وعلى النحو الذي اكتست فيه «التقنية» أهمية بالغة. غير أن كل ذلك لم يجعل اللغة، وفي
منظور الكتابة ذاتها، مفصولة عن مشكلات الثقافة والتاريخ والفكر. وقد تكون هذه هي الفكرة الغائبة في العديد من نقاشات ما بعد
الحداثة في الفكر الفلسفي العربي المعاصر بصفة عامة.
2 في هذا الصدد، يمكن أن نحيل على: سعيد يقطين، القراءة والتجربة (الدار البيضاء: دار الثقافة،.)1985
3 لقد جرى التنبيه إلى خطر الانغلاق في المقاربة البنيوية في: محمد برادة، أسئلة الرواية أسئلة النقد (الدار البيضاء: منشورات الرابطة،
1996)، المقدمة.
4 انظر: إيان كريب، النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس، ترجمة محمد حسين غلوم؛ مراجعة: د. محمد عصفور، سلسلة عالم
المعرفة؛ 244 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.)1999
إجمالا، ظلت الرواية، عبر تاريخها الطويل، وفي الغرب الذي هو مهد «شكلها الحداثي »، أكثر ميلا إلى «المكوِّن الاجتماعي» كما يمكن استخلاصه من خلال النماذج البشرية والواجهات الأمامية والخلفية... ومن
خلال مصائر المجتمعات وطبائع الناس ومظاهر العمران وسير المدن والأمكنة... إلخ. وتلك هي حال الرواية العربية على الرغم من تاريخها القصير مقارنة بالغرب. وفي المغرب، ظلّت الرواية، ومنذ فترة «التأسيس»
(-1940 1960)، معنيَّة بالتشابك مع نص الواقع الاجتماعي كما في باقي الأقطار العربية. وفي هذا الصدد
يمكن أن نحيل على أكثر من دراسة سعت إلى دراسة الموضوع من مناظير نقدية سوسيولوجية مختلفة. ويكفي أن نحيل على دراسة الأكاديمي لحمداني حميد الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي (1985)، التي مثّلت إضافة قياسًا بالنظر إلى «البنيوية التكوينية» (Structuralisme Génétique) التي كانت علامة على «الجدّة المنهجية»
وقتذاك. كما يمكن أن نحيل على الدراسة اللاحقة للناقد محمد الدغموميالرواية المغربية والتغير الاجتماعي (1991) التي سعت، من منظور «الدراسة السوسيو-ثقافية»، إلى رصد «التغيير الاجتماعي» في الرواية المغربية. وثمة دراسات أخرى ومقالات كثيرة، لا تفارق مفهوم «الرؤية الاجتماعية» ومقولة «التغيير الاجتماعي»، وهي في حاجة إلى بيبليوغرافيا مستقلة.
زخَمٌ روائيّ متجدد
في ضوء الإحالة الأخيرة، نكون قد أومأنا إلى أن مجال تحرّكنا هو الرواية المغربية المكتوبة بالعربية تمييزًا لها من
الرواية المكتوبة بالفرنسية. هذا وإن تكن الرواية الأخيرة قد تراجعت كميًا، وثقافيًا، نظرًا إلى «الشحوب» الذي
أخذ يطاول «استعمال» اللغة الفرنسية في الفضاء المغاربي ككل بسبب من «التعدد اللسني» الناجم عن نوع من «الانفجار الثقافي» الذي لوَّى بمفاهيم مركزية (وغير مجردة) مثل «الهوية» و»الذاكرة» و«السرد». وعلى الرغم
من أننا لا نزال نقرأ، من حين إلى آخر، نصوصًا يكتبها كتّاب مغاربة باللغة الفرنسية، فإن «الانتماء إلى العالم
الفرنكوفوني» لم يعد يمثِّل «كبير إضافة» على مستوى التفاعل مع «الخطاب الثقافي الاجتماعي» العام والسائد في المغرب. والشيء ذاته يقال عن الوجود المغاربي، ككل، في فرنسا... إذ لا يظهر أنه صار مرغوبًا فيه خلال
الفترة الأخيرة. وفي ضوء الإحالة الأخيرة، كذلك، وبالنظر إلى «المسافة التاريخية والثقافية» التي تفصلنا عن تواريخ الدراستين السابقتين، ثمّة تبدلّات كثيرة قد حصلت... وامتدّت إلى «الملعب النقدي» ذاته. ولذلك، فإن الخوض في موضوع
تشابك الرواية المغربية (المكتوبة باللغة العربية) مع الواقع، وخصوصًا في هذه الفترة، يفرض استحضار مجمل
المتغيرات الكونية والمحلية التي كان لها أبلغ الأثر في «التشكّل المجتمعي» وقبل ذلك، كان لها تأثيرها في مدى
الاعتقاد في «جدوى الأدب» - وفي جدوى الإنتاج الرمزي بصفة عامة - بالنظر إلى بروز «لاعب جديد»، هو الإعلام المرئي على وجه التحديد، الذي راح يفرض ذاته بل يصنع الإنسان ويوجِّه العالم. «فكل شيء صار يمر
عبر الشاشة.»
5 بخصوص موضوع الشكل، يستحسن الرجوع إلى ما كتبه العروي في الفصل الرابع من الإيديولوجيا العربية المعاصرة (الدار
البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1995). كما يمكن الاستئناس بالحوار التالي: Abdallah Laroui, «Histoire, science, idéologie,».
dans: Abdallah Bensmain, Symbole et Idéologie (Entretiens), (Rabat: Mediaproductions, 1987).
والحاصل، على مستوى المتن المغربي، وعلى مدار العشر سنوات أو الخمس عشرة سنة الأخيرة، وهو المدار الذي سننغلق في إطار منه في هذه الدراسة، مع بعض المرونة، هو بروز أسماء جديدة (ليست شابة بأكملها) جنبًا إلى جنب مع الأسماء المكرّسة والسابقة التي لا يزال أغلبها حريصًا على الحضور عن طريق النشر وعبر
الحوار في أحيان وعبر الكتابة النقدية الموازية في أحيان أخرى. فمحمد برادة وعز الدين التازي وبنسالم حميش والميلودي شغموم وأحمد التوفيق وعبد القادر الشاوي ومحمد الهرادي وأحمد المديني... وقبل هؤلاء شيخ الروائيين في المغرب عبد الكريم غلاب ومبارك ربيع المشدود بدوره إلى «راية الواقعية»... وكذلك عبد الله العروي (المؤرخ المفكر في المقام الأول) في عالمه الروائي المتفرِّد الذي يواصل فيه «فك الغموض»
الذي يلازمه في جبهة التاريخ والفكر... ودونما تغافل عن نقاد مكرَّسين نزلوا بدورهم إلى الرواية، كما هو
الشأن بالنسبة إلى سعيد علوش ونور الدين صدوق... إلخ، جميع هؤلاء أكدوا حضورهم، المتفاوت، من خلال نصوص روائية حظي بعضها بتعليقات وقراءات وحوارات وجوائز وحروب إعلامية (صغيرة)، كما هي حال كل «زخم روائي» حتى وإن كان من غير الممكن مقارنة المغرب مع فرنسا التي ينشر فيها سنويًا
ما يقرب من 600 رواية. وعلى ذكر الأسماء السابقة، لا بأس في التذكير بمحمد زفزاف (2001-1942) الذي خطفه الموت قبل الأوان، وبمحمد شكري (2003-1935) الذي انقطع عن الكتابة الروائية قبل أن يختطفه الموت؛ والكاتبان أمدّا الرواية المغربية بنصوص تغوص في القاع المجتمعي وفي الواجهات الخلفية، وبأسلوب متفرِّد يعكس اختلاط الأعمال بالأيام. وفي وقت ظلّ فيه شعراء يصرّون على شرف الانتساب ل«غواية الشعر»، أو يرتبطون بهذا الأخير ارتباط خيوط
العنكبوت الواهنة بالجدران، فإن شعراء آخرين سرعان ما فارقوا الشعر لفترة أو بالمرة بعد أن استهوتهم فتنة الرواية الحديثة. وفي هذا الصدد يمكن أن نقدم على ذكر محمد الأشعري من خلال روايته القوس والفراشة (2011) التي عدّها نقاد «امتدادًا» لرواية جنوب الروح (1996) التي كان الأشعري قد دشّن من خلالها
قدومه من الشعر إلى الرواية. وتخوض الرواية الأخيرة في «الأصل» أو «الرحم» (الأمازيغي) وما نجم عن هجرة (تراجيدية)، لسلالة «آل الفرسيوي» من المنبت (الريف في شمال المغرب) نحو مكان آخر وسط المغرب (منطقة زرهون)، من تبدّل في القيم. الرواية تخوض، بطريقتها، في الهوية والذاكرة.. وفي موت المكان والتيه والضعف الإنساني... ولا تخلو من توابل إثنوغرافية ونتف تاريخية لم تؤثر في خواصها الفنية. والشيء ذاته فعلته «ذبابة الرواية» بشاعر لاحق على الأشعري وهو الشاعر حسن نجمي، سواء من خلال روايته الأخيرةجيرترود ستاين (2011) (التي سنتحدث عنها كما سنتحدث عن القوس والفراشة) أو رواية الحجاب التي صدرت في العام نفسه الذي صدرت فيه جنوب الروح. وتخوض الرواية، من خلال قناع سالم العروسي ورحلته إلى مدينة الباطنية، في حدث فاصل في المسار الثقافي لصاحبه يتعلق بعزله عن العمل الصحافي في جريدة الاتحاد الاشتراكي التي كانت وقتذاك نافذة على المجتمع المغربي وما يعتمل في دواخله من أسئلة مختلفة بالنظر إلى تصدّر حزب الجريدة للمشهد السياسي في المغرب وقتذاك. ويصف الكاتب هذا العزل ب«العزل الإيديولوجي» نتيجة تيارات وتصنيفات واصطفافات داخل الحزب. كما يعرض لعنف التحول وتبدل القيم والمبادئ. يقول: «لاحظ تبدل الوجوه والمبادئ والقيم، لم تعد المدرسة مدرسة، لم تعد الجمعية جمعية، لم يعد الحزب حزبًا. لم تعد
الصحافة صحافة: انهيارات ذبذبات سلالية». وكما قال محمد شكري في أحد حواراته، لقد أرادت الراوية أن تقابل النسق السياسي المفترس بالأدب الذي يحمي من الواقع المرير. وكما أشرنا، فإن العقد الأخير أو الخمس عشرة سنة الأخيرة كشفت عن أسماء جديدة في المشهد الروائي في المغرب، وأهم ما يلفت الانتباه، ومن منظور «سوسيولوجيا المعرفة»، أن عددًا من هؤلاء جاؤوا إلى لكتابة من
مهن مغايرة، مثل الطب والمحاماة والحلاقة والجمارك، ومن حقول معرفية مثل القانون والسياسة والصحافة.
ومعنى ذلك أن الكتابة لم تعد وقفًا على المتحدِّرين من «المؤسسة الأدبية» كما كان في السابق، ولعل في هذا ما
يعكس نوعًا من «التحول» الذي حصل في مجال الأدب ذاته، باشتراطاته الجمالية وإكراهاته المرجعية، نتيجة تحوّل
حصل في تركيبة المجتمع ككل، ونتيجة تحوّل حصل في مدى جدوى الاعتقاد في جعل «النخبة»، أو «الأقلية
المثقفة»، في الواجهة الأمامية من «المواجهة الفكرية» بمعناها الأعرض. «ليس جميع الناس يزاولون الرياضة من أجل المشاركة في الأولمبياد»، كما يقول الناقد الفرنسي الأشهر فيليب لوجون. صار الأهم هو «التمثيل» (Représentation)، هذا المفهوم- المفتاح في النقد الثقافي، على النحو الذي بموجبه أخذت الأقليات وفئات من المهمَّشين والمنبوذين والمهاجرين والمعتقلين... تؤكد أحقيتها على مستوى «سرد حكاياتها»، وهو ما لا نعدم
أثرًا له في المغرب الثقافي وإن في المدار الذي يرجّح كفّة تحولّات السرد مقارنة بالرواية. حرص بعض الأسماء الجديدة، في المغرب، على النشر بشكل منتظم، فيما اكتفى بعضها الآخر بنشر رواية واحدة، لاعتبارات قد يكون النشر أحد أسبابها المباشرة. وفي هذا الإطار، يمكننا أن نحيل على كمال الخمل شي الذي دشّن حضوره الروائي من خلال روايته الواحة والسراب (2001) التي عرض فيها لمغامرة جنسية
استثنائية لتلميذ يدعى سامي مع أستاذة أجنبية تدعى جانيط، هذا بالإضافة إلى مغامرات أخرى. وقد أردف الخمل شي الواحة والسراببرواية ثانية هي حارث النسيان (2003) «تخلّص» فيها من تأثير محمد شكري،
وذلك من خلال الخوض في عالم الجن والفانتستيك واليهود... إلخ. كما نشر رواية ثالثة، هي الإمام (2004)، انفتح فيها على التاريخ. وعلى ذكر اليهود أو المكوِّن اليهودي، وفي إطار من سؤال «الهوية»، فإنه لا بأس في التذكير برواية قلاع
طريس (2009) لصاحبها أحمد بنشريف، الذي ينحدر من المنطقة ذاتها التي ينحدر منها كمال الخمل شي. وتعرض الرواية ل«النزيف» الذي خلفته هجرة اليهود المغاربة من هذه المنطقة الواقعة قرب الحسيمة، من خلال شخصية نسيم الذي سينتهي به التطواف إلى إسرائيل. وفي سياق الحديث عن المكون اليهودي نفسه، لا بد من التشديد على رواية ستضمن لصاحبها ظهورًا محترمًا في الوسط الأدبي في المغرب، ونقصد رواية
أوراق عبرية (1996) لحسن رياض. وكانت الرواية، رغم قصرها، قد شدّت انتباه النقاد المغاربة إليها.
وهي تعرض، وبلغة شعرية وشفافة، ل«عشيرة» [بدلا من «مجموعة»] يهودية، في مدينة آسفي، تعيش غربتها
وتصارع من أجل البقاء عبر ترميم الذاكرة والاحتماء بها. كما يمكن أن نط لع على المكون اليهودي، وهذه المرّة
من خلال موضوعة الحب، والذي سيجمع بين المحجوب وإيزابيل المنحدرة من أصول مغربية يهودية، في الرواية الثانية لأحمد الكبيري مصابيح مشتعلة (2007)؛ غير أنه حب سرعان ما سينتهي إلى الفشل المغلّف
بما هو نفسي وبما هو «قومي عاطفي.»
6 كتاب شكري حواراتمفيد في منحاه العام بخصوص كاتب روائي في حجمه، لفت أنظارًا كثيرة ومختلفة، من داخل المغرب
وخارجه، إلى عالمه الروائي.
ولا يزال التعاطي مع المكون اليهودي يطرح مشكلات «القولبة» و«التنميط». وهو ما كان قد لازم الرواية
المغربية منذ فترة بعيدة، على نحو ما يمكن الاطلاع عليه في الرواية - الصاعقة الماضي البسيط Le Passé (
) Simple، التي كانت وقت صدورها (1954) قد أثارت نقاشًا ثقافيًا حادًا. إجمالا، إن «تمثُلّات اليهود »،
في الخطاب الروائي والثقافي بعامة في المغرب، في حاجة إلى دراسات مستقلَّة، لا سيما في ضوء مكتسبات
النقد الثقافي ونظريات تحليل الخطاب. وكان الكاتب والمفكر المغربي اليهودي إدمون عمران المليح (-1917
2011)، من خلال أعمال روائية عديدة، قد خاض، بلغة فرنسية محكمة، في «النزيف» الذي خلّفته الهجرة
وفي مدى أهمية النظر إلى المكوِّن اليهودي، جنبًا إلى جنب باقي المكوّنات الأخرى المشكِّلة ل«اللحمة
المجتمعية» للمغرب. وعلى ذكر النشر المنتظم، فإنه لا يمكننا التغافل عن الكاتب العصامي علي أفيلال الذي نشر ما يزيد على عشرين
رواية، هذا وإن كان هناك «حيف» أظهره النقاد تجاه هذا الكاتب. وهو يأخذ على هؤلاء أنهم لا يزالون ينظرون
إليه ك«حلاق»، ومعنى ذلك أنهم لا ينظرون إليه باعتباره روائيًّا. وأهم ما يلفت الانتباه، في عالم هذا الأخير، هو
إعطاؤه أهمية كبيرة للمرأة. غير أنه، ومن الأسطر الأولى من روايته ميلودة (1999)، التي خصَّها الناقد سعيد
يقطين بتقديم مقتضب، نتأكد من مدى «النبرة الرومنسية» التي تلوي ب«الرؤية» ومن «الكلمات» التي تفوق
حجم «الأشياء». هذا مع أن ميلودة، بحمولة اسمها الشعبي، تتيح إمكانات هائلة للتشابك مع العالم السفلي
وتفجير «الزفت الاجتماعي» تاليًا. وإذا كان كثيرون قد صادفوا عراقيل كثيرة على مستوى اختراق الوسط الأدبي في المغرب، فإن آخرين، وهم
قلّة، تمكّنوا من هذا الاختراق، وفي مقدّم هؤلاء بهاء الدين الطود، وهو من الأسماء التي جاءت إلى الكتابة
متأخرة (من المحاماة)، وقد تمك ن من لفت الانتباه إليه من أولى رواياته البعيدون (2001)، لاعتبارات عديدة
لا يمكن ردّها إلى نصّه الروائي فقط. لقد تسابق نقاد كثيرون نحو هذا النص، وكان كاتب الدراسة أحد
هؤلاء. وفي الحق، لم تكن رواية موسم الهجرة إلى الشمال (1967) في أساس ظهور «نظرية الخطاب ما بعد
الكولونيالي» فقط، بل إنها مهدَّت لهذه «النظرية». وليس غريبًا أن يشكِّل الطيب صالح، برائعته، «مدرسة »
امتد تأثيرها داخل عدد من البلدان العربية. ومن الطبيعي أن يمتد هذا التأثير إلى المغرب على نحو ما يتجسد في
رواية البعيدونالسالفة الذكر، بل إن هذا النص يضعنا -على مستوى «الأطروحة» الناظمة له- إزاء نوع من
«الاستنساخ» لرواية الطيب صالح. تتمحور رواية البعيدونحول شخصية تحمل اسم «إدريس» سترحل بدورها إلى «الغرب» من أجل دراسة
«الصحافة»، بل والعمل في إحدى المجلات «اللندنية» التي تُعنى ب«الاستشراق»، وبعد ذلك تعود إلى موطنها
الأصلي (المغرب) لتلقى المصير نفسه الذي لقيه «مصطفى سعيد» الطيب صالح، أي «الموت». هذا على الرغم
من أن الكاتب حاول إعطاء «الموت» طابعًا «محليًّا» (مأساويًا) حين جعل «مياه الأمطار» تجرف البطل في مدينته
الهامشية «القصر الكبير». و«إدريس»، في البعيدون، مات قبل أن يموت؛ أو بكلام آخر: لقد كان يحمل معه موته
«المؤجل» منذ أن ولج «الغرب». إن دور «المثقف» الذي أراد أن يضطلع به سرعان ما جعله يصطدم ب«جدار
الغرب السميك» (والمتصهيِّن، أيضًا). وقد حصل له هذا الوعي حين صرخ العامل التقني في «المجلة»، وفي
7 انظر، حول إدمون عمران المليح، كتابي، الكتابة والهويات القاتلة (عامّن: دار أزمنة.)2008
8 انظر، في هذا الصدد: خيري دومة، عدوى الرحيل: موسم الهجرة إلى الشمال ونظرية «ما بعد الاستعمار» (عامّن: دار أزمنة،.)2010
أثناء الحفل الذي أقامه ستيف الصحافي في «المجلة» نفسها، في وجه إدريس قائلا: «أنت إدريس... لتعلم أن
كتابتك مقرفة، تبعث على الغثيان، تحاول تلميع صورة العربي من خلال ما تدّعيه من حضارة الشرق. أنت
دجال، متى كان للعرب وللشرق عمومًا حضارة حتى ينقلها عنهم الغرب؟» كما سيطل بهاء الدين الطود، بعد عقد من الغياب، من خلال رواية ثانية، هي أبو حيان في طنجة (2010)،
وقد جعل من طنجة خلفية للوقائع، على شاكلة روايات مغربية سابقة مثل بحر الظلماتلمحمد الدغمومي
(1990) ومغاراتعز الدين التازي (1994 لمحمد برادة) والضوء الهارب (1995) و فراق في طنجة
(1996) لعبد الحي المودن. وكل ذلك من خلال شخصية أبي حيان التوحيدي التي ستجد ذاتها، بعد
التيه والتشظّي، في هذه المدينة. وسيصادم الكاتب ما بين التوحيدي «فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة »،
والرصين، علاوة على ذلك، والكاتب العالمي المزاجي والمتقل ب محمد شكري؛ وكل ذلك في مختتم القرن
العشرين، كما سيجعل أبا حيان يتعرض لمحاكمة على الطريقة الكافكاوية. إجمالا: إن الرواية تطرح مشكلات
التراث والتاريخ والقانون، ومشكلات الكتابة والثقافة والسخرية... في سياق التشابك مع المكان، وذلك
من خلال محمد شكري الذي صار علامة على مدينة طنجة. ويظهر أن الرواية بعيدة عن الرواية الأولى من
ناحية مدخل الفن الروائي، وكان في إمكان الكاتب أن يشتغل أكثر على «التناص»، وفي المدار الذي لا يفارق
نوعًا من التناغم ما بين التخييلي والمرجعي، حتى يضمن لنصه بُعدًا من التماسك والتجذر الفنيين. هذا
بالإضافة إلى شرط تسريب «الدلالة الاجتماعية» في الفضاء الدلالي للرواية، وفي إطار من استقطار «التراث
المعاصر» حتَّى تتم الاستجابة للحاضر. وعندما نتحدث عن الأسماء الجديدة، لا بد من الإشارة إلى مصطفى لغتيري الذي نشر روايات كثيرة، مثل
رجال وكلاب (2007) وتسونامي (2008) وعائشة القديسة (2008) وليلة إفريقية (2010) ورقصة
العنكبوت (2011) وابن السماء (2012) وعلى ضفاف البحيرة (2012). ونور الدين وحيد، صاحب غدًا
تكتمل الحكاية (1996) ورماد البارحة (1999) وشارع الرباط (2001). ولا بأس في أن نشير إلى عمرو
القاضي في البرزخ (1996) والطائر في العنق (1998) ورائحة الزمن الميت (2000) والإبحار إلى إيثاكا
(2001). كما ينبغي ألا تفوتنا الإشارة إلى الأكاديمي شعيب حليفي، الذي يبدو أنه يقاوم من أجل الجمع
بين البحث الأكاديمي والكتابة الروائية، هذا وإن كان يقول «إنني أميل إلى التخييل حيث أشعر بحرّية أكبر في
القول السردي وتحرير خيالاتي وخيالات من قد أمثلهم أو أعكس تمثلّاتهم»، وهو ما يظهر من خلاله نصوصه
الروائية مساء الشوق (1992) وزمن الشاوية (1994) ورائحة الجنة (1996) ومجازفات البيزنطي) 2006(
وأنا أيضًا تخمينات مهملة (2010) ولا أحد يستطيع القفز فوق ظله (2010). ونصوص هذا الأخير، وبشهادة
نقاد، «متنوّعة ومركّبة»؛ إضافة إلى أنها تحفل ب«المكان.» في سياق الروائيين، ومن الذين تلوا الرواد واللاحقين على هؤلاء، هناك عبد الكريم الجويطي الذي تمكّن
من أن يلفت الانتباه إليه من خلال روايته كتيبة الخراب (2007) التي تعرَّف عليها القارئ العربي من خلال
انضمامها إلى اللائحة 16 لجائزة البوكر (2011). رواية، تجعل من مدينة بني ملال خلفية عامة وليس سيرة،
لتغوص في الواقع اليومي، ومن خلاله في العلائق الاجتماعية، ولتسخر من السلطة التي تفصح عن نفسها
بأشكال عارية ووقحة. ولذلك، وفي واحدة من حكايات الرواية، فإنه حتّى تلك «الشجيرة» التي تهديها سيدة
دنماركية إلى بلدية المدينة نفسها كي تزرعها، كعربون محبّة وتحية لحبيبها الذي توفي، تصير «مشكلة». تلك هي
السلطة التي تسعى إلى رصد الفرد وتفتيته وسحقه. رواية استثمر فيها الكاتب «مخزونه القرائي» على النحو
الذي جعله يرسم أكثر من مسافة مع نصوصه السابقة، وخصوصًا زغاريد الموت (1996) المثقلة بنوع من
«الأليغوريا المنهكة والمشتتة.» على الرغم من أنَّ هدفنا يتجاوز الجرد، فإن ذلك لا يحول دون التذكير بأسماء أخرى جديدة نشرت نصوصًا
روائية، كما هو الشأن بالنسبة إلى حسن البقالي في ماء الأعماق (2001)، وأحمد الكبيري (وقد أحلنا عليه)
في مصابيح مطفأة (2004)، والحبيب الدايم ربي فيزريعة البلاد (2004)، وجمال بو طيب في سوق النساء
(2006)، ومحمد البوزيدي فيوطن بحجم غرفة (2007)، وسعيد بوكرامي فيثقل العالم (2008)، ورشيد
الجلولي في الخوف (2009)، ومحمد أمنصور في دموع باخوس (2010)... وصولا إلى هشام ناجح في المدينة
التي... (2012)، من دون التغافل عن البشير الدامون، الذي طالعنا من خلال روايته الأولى (واللافتة) سرير
الأسرار، التي صدرت عن دار الآداب العام 2008 وسعت، وبدفق لغوي ناعم وسلس، ومن خلال ميل واضح إلى الحكي، إلى التشابك مع العالم السفلي... وذلك من خلال لغم الدعارة المفترس، وما ينجم عن هذه الأخيرة من نظرة تنميطية ل«الآخر» المتعاطي لها، وإلى الحد الذي يجعل هذا الأخير «آخر خارجيًا.» المؤكد أن هذه النصوص مختلفة، سواء من ناحية الوقائع أو من ناحية الخطاب الذي يستوعب هذه الوقائع. والمؤكد، كذلك، أن بعضها في حاجة إلى قراءة مستقلة لاستخلاص دلالات «القطيعة»، أو «تحولات النص
الروائي»، ولتبيان مستويات «الج دّة» فيها. والأهم أن بعضها سعى، كلٌّ بطريقته، إلى التشابك مع نص الواقع
الاجتماعي، هذا وإن كان هذا التشابك يظل يفتقد مقوّمات التشابك ومرتكزاته، فيما سعى بعضها الآخر إلى
الارتماء في الذات وفي التأمل ومحاولة التقاط «نبض المطلق». ويقضي منّا «شرط التقويم» استخلاص عدم
خوض الروائيين الجدد في القاع الاجتماعي، اعتمادًا على أساليب السخرية والمفارقة والتنويع في مستويات
الكتابة؛ وكأن الرغبة في الكتابة، هنا، تفوق الانتماء إلى حقل الأدب.
بنات شهرزاد
الآن، ما الذي يمكن قوله عن بنات شهرزاد ومدى إسهامهن في السجل الروائي المغربي؟ الأكيد، على مدار العقد الأخير، هو وجودنا بإزاء كاتبات مغايرات لكاتبات سابقات، مثل ليلي أبو زيد وخناثة بنونة، لاعتبارات عديدة، في مقدّمها اتساع هامش الحرية وانتشار المرأة في الفضاء العام وسياق الحراك الاجتماعي المتدافع...
إلخ. رغم ذلك، يسجِّل الملاحظ قلة عدد الكاتبات الروائيات في المغرب حتى الآن، مقارنة بأقطار أخرى، كما
هي الحال بالنسبة إلى الكاتبات السعوديات اللائي نجحن، وإن من ناحية «الخطاب الثقافي» المضمر في النوع الروائي، في اختراق «الخطوط الحمراء» وتحريك «المكبوت الاجتماعي». وقد تعمّدنا الإحالة على الرواية
السعودية، في دلالة على أن هامش الحرية لا تترتّب عليه، بالنتيجة، «طفرة روائية»، حتى في المدار الذي يجعل
من الطفرة ذاتها «ظاهرة اجتماعية» كما في الحال السعودية. تقتضي منّا الحالة المغربية، في حال الرواية الجديدة، التشديد على روائيات عدة، في مقدَّمهن الزهرة رميج.
وعلى الرغم من أن هذه الروائيّة جاءت إلى الكتابة متأخرة، فإنها تمكّنت من أن تفرض ذاتها، وذلك من خلال
9 انظر دراستي عن الرواية السعودية: «من الكتابة إلى المواجهة،» في الكلمة (الإلكترونية)، السنة 3، العدد 30 (حزيران/يونيو
روايتيها أخاديد الأسوار (2007) وعزوزة (2010) (سنتحدث عنها). تعالج في الرواية الأولى موضوع
الاعتقال الذي طاول كثيرًا من مبدعي جيل السبعينيات ومثقفيه وسياسييه. وهو الموضوع الذي تصدّر الواجهة
الثقافية، بشكل لافت، في التسعينيات النازلة وبداية الألفية. وكانت كاتبة مغربية أخرى، هي خديجة مروزاي،
قد خصّصت، للتجربة ذاتها، نصًا روائيًا، هو سيرة الرماد (2000)، غير أنه، مقارنة بنص الرميج، طغت
عليه «المباشرية» و«المنوالية»، سيرًا على أغلب نصوص هذه التجربة التي لم يفلح عديد من كتّابها وكاتباتها في
التقاط دلالاتها النابضة والطازجة، وذلك من خلال التركيز على «عمل الذاكرة» وفي المنظور ذاته الذي لا يفارق
«سياسة الذاكرة» ذاتها. ولعل «الثابت الرومنسي المتأوج» في عالم الزهرة رميج، هو ما نجده، من خارج إلحاح «المكوِّن المكاني المحلي»، في
روايات فاتحة مرشيد. وكانت هذه الأخيرة قد جاءت إلى الرواية من الشعر، بعد أن جاءت إليهما معًا من الطب
الذي ستستثمره في روايتها الأولىلحظات لا غير (2007) التي جعلت فيها من الحب، الذي سيصل ما بين طبيبة
نفسانية ومعتقل سياسي سابق، جسرًا للخروج من جروح الاعتقال. وكانت هذه الرواية قد حظيت بقراءات
عديدة، مقارنة بروايتها الثانية مخالب المتعة (2009) التي وسّعت فيها من تشابكها مع المكون الاجتماعي، ممثلّا
في البطالة والزواج. أما في روايتها الثالثة الملهمات (2001)، فقد عادت فيها إلى الالتصاق أكثر بموضوع المرأة
والإبداع والإلهام. إجمالا، لقد أصرّت فاتحة مرشيد على نوع من التشابك، مع التحولات الاجتماعية، لكن من
خلال نوع من «التصعيد الفني» الذي لا يحفل بالمكون الطوبوغرافي المحلي، فرواياتها لا تمنح إحساس التشكّل
من خلال الزمن والمكان أو «أرشيف المرحلة.» على أن المحارم الاجتماعية، خصوصًا من ناحية الجنس، هو ما ستتصدى له، وبجرأة نادرة، الكاتبة الشابة مليكة
مستظرف التي ستفارق الحياة، بعد مرض عضال، العام 2006، من دون أن تقفل عقدها الثالث، تاركة وراءها
رواية ثائرة وساخطة هي جراح الروح والجسد (1999). وتتأكد دلالات المواجهة من الصفحة الأولى التي
نقرأ فيها «لم يعد يهمني أحد»، و«قررت أن أحكي كل شيء بدون خوف أو حشومة». وتحكي عامّ يطاول المرأة
في مجتمع ذكوري متسلّط وقامع، وذلك من خلال شابة أوّل ما سيلاقي طريقها، وهي في السادسة من عمرها،
اغتصاب فظيع من قبل وحش لا إنسان، وبما سينجم عن ذلك من جروح مفتوحة، خصوصًا في عالم لا تسود فيه
سوى الأخبار السيئة التي ستلازم الشابة في دروب الحياة. وحتى الذاكرة، وفيما بعد، ستضاعف من الجروح:
«أحاول أن أتذكر الأشياء الجميلة في حياتي. فلا أجد شيئًا. حياتي ليس فيها سوى الخوف والحزن ثم المرض.»
ذلك أنَّ المرأة، في مثل هذا العالم، مطلوب منها أن تلازم البيت، وأن تكون «آلة للتوليد» ليس غير. أما أن تصر
الطالبة على مواصلة الدراسة، فذلك لا يتطلب إلا الرحيل إلى الغرب كما ورد في نهاية الرواية. لقد نظر بعضهم إلى الرواية الأخيرة على أنها امتداد للسيرة الذاتية الروائية الخبز الحافي التي تنطوي، بمفردها،
على تاريخ بأكمله. والظاهر أن رواية محمد شكري مكتوبة بشطارة وباستقطار، مقارنةً ب جراح الروح والجسد
وبنصوص أخرى حاولت بدورها إلقاء الحجر ذاته في البركة الراكدة والآسنة، التي كان لمحمد شكري
قصب السبق في التطاول عليها. في جراح الروح والجسد كان الإصرار على «تبليغ الرسالة» هو الأهم، مقارنة
بمقتضيات النوع الروائي. المحارم نفسها هي ما ستحاول اقتحامها كاتبة روائية أخرى ستطلّ في مفتح الألفية الثالثة، نقصد وفاء مليح من
خلال روايتهاعندما يبكي الرجال (2007)، ومن قبل مجموعتها القصصية اعترافات رجل وقح (2004)، من
دون التغافل عن مقالاتها المتضمَّنة في كتابها النقدي المفتوحأنا الأنثى، الأنا المبدعة (2009). وقد حرصنا على
استحضار عناوين الكاتبة تأكيدًا لرغبة هذه الأخيرة في إيلاء أهمية للحكي الذي لا يفارق مناط تشكّل الأنوثة
ذاتها وليس مجرد الدفاع عنها أو الصراخ بصددها. ومن ثم، فإن الدفع بالرجال، وفي إطار من التخييل، إلى
«البكاء» أو «الاعتراف»، لا يدنو بأي حال من لوثة «مناطحة الرجل» بقدر ما يخفي نوعًا من «عطش الأنوثة.»
ومن ثم، فإن موت «البوكلي»، في عندما يبكي الرجال-ولاعتبارات عدّة لا ترتدّ إلى العجز الجنسي بمفرده
كما يفهم من ظاهر الرواية- لا يفيد، في تأويلنا، التضحية بالرجل بقدر ما يفيد نبذ مكامن الخلل التي تعوق
إمكان تعضيد الأنوثة في مجتمع يكون فيه الفرد ضحية القيم ذاتها التي يطمح إلى الدفاع عنها... وكأن المجتمع،
هنا، «مؤامرة.» وإذا كانت الآلة الأكاديمية، في تموقعها في قلعة «الأدب النسائي»، لم تمكِّن زهور كروم، رغم روايتيها جسد
ومدينة (1996) وقلادة قرنفل (2004)، من تأكيد حضورها باعتبارها، في المقام الأول، «كاتبة روائية»، فإن
زهرة المنصوري شقت لتجربتها طريقًا مغايرًا. وعندما طالعتنا روايتها الأولى البوار (2006)، اعتقد كثيرون
أن الأمر يتعلق بتحول من الشعر إلى الرواية على نحو ما حصل لبعض بنات شهرزاد، غير أن حصول الرواية،
في جنسها الأدبي، على «جائزة المغرب» لعام 2006 (مناصفة مع الكاتب حمزة بن إدريس العثماني عن روايته ابن
الشمس)، سرعان ما سيجعلنا نتأكد من أن الأمر لا يتعلق بالشاعرة زهرة المنصوري التي حرصت على تأكيد
حضورها الشعري منذ أواسط الثمانينيات وإنما بزهرة منصوري أخرى مشدودة، بالمطلق، إلى الرواية. تعالج الرواية الأخيرة، بأسلوب سلس، ومن خلال قرية في شمال المغرب، مشكلة المخدرات وما نجم عنها
من عوالم وهموم ومن تبدّل في مجال القيم والنظّر إلى البشر والحياة... إلخ. أما في روايتها الثانية، وبعنوانها
الشاعري والخادع، من يُبكي النوارس (2006)، فقد وسَّعت من الموضوع، وذلك حين اختارت أن تستجيب
لتداعيات 11 أيلول/سبتمبر وما خلَّفته من تعميق للبقية الباقية من «القولبة الاستشراقية» للإنسان العربي،
المصنَّف في صف الإرهاب ومحور الشر. لقد آثرت الكاتبة الخوض في هذا «الجرح» الذي يُعَد الغرب بدوره
مسؤولا عنه، ما دام أن هذا الأخير كامن في «جذور السعار الإسلامي»، إذا جاز أن نأخذ بعنوان المقال الأشهر
لأبي الاستشراق برنارد لويس... وهو المقال الذي سيمهّد لظهور كتاب صمويل هنتنغتون صدام الحضارات
(صيف 1993). ولم يكن غريبًا أن تنال الكاتبة عن روايتها، بخلفيتها الفكرية الداعية إلى «التسامح»، «جائزة
مؤسسة الفكر العربي».)2009(أما روايتها الثالثة الغثاء (2009)، فقد عادت إلى موضوع أثير في «التاريخ الاجتماعي»، هو موضوع «السيبة»
في مغرب ما قبل الاستعمار، وما رافق ذلك من قطع طرق وتسلط ومجاعات وأوبئة وأمراض وبؤس ومرارة...
إلخ. تقول الساردة: «لم يكن هناك سوى القتل... في غابة كان يعيش الناس. ولقد مرت البلاد بالسيبة... كان
الكل يقتل الكل... كان المرء يقتل أخاه من أجل كسرة خبز. الفوضى عمَّت البلاد: نهب وسلب وسرقة، وكل
هذه الأمور كانت تؤدي إلى سفك الدماء. فإما قاتل أو مقتول... قانون الغاب... البيع والشراء في بني البشر
كان مسألة عادية جدًا». الرواية «حفر تخييلي» في الذاكرة، و«إدانة للنسيان» كما لخص بعضهم؛ وتفكير في التاريخ
وفي المدار الذي لا يفارق التخييل. الظاهر أن زهرة منصوري تحررّت من «شرنقة أدب المرأة»، خصوصًا في المدار الذي يقرن هذا الأدب ب«منظور
الكتابة النسائية» كما في حال الكاتبات السابقات الزهرة رميج وفاتحة مرشيد ووفاء مليح وكاتبات أخريات لم
نذكرهن، مثل حليمة الإسماعيلي في أغنية لذاكرة متعبة (2004) واسمهان الزعيم في ما قيل همسًا.)2007(
والشرنقة السالفة الذكر هي ما حاولت أن تتخلَّص منها بديعة الراضي في روايتهاغرباء المحيط (2011) التي
شدّدت فيها، اعتمادًا على لغة رقيقة وناعمة، على «حموضة اليومي» التي دفعت بثلاثة أصدقاء إلى خيار الهجرة
السرية ليجدوا أنفسهم، بعد اصطدام ب«جدار الغرب»، لا غرباء فقط بل ومدفونين في مقبرة جماعية، ومن ثم
مجهولين في الممات كما في الحياة من قبل؛ حياة لا يمكن للمرء أن يأسف على مفارقتها.
صور المثقّف، الغرب
يهمّنا الآن أن نوجز الحديث عن «تحول دلالي» في النسيج الروائي في المغرب، وذلك من خلال ما يمكن
نعته ب«دور» أو «أداء المثقف» الذي يمكن للكاتب الروائي، من خلال تداخل التخييل (Fiction) مع
التحقيق (Diction)، الاضطلاع به أو على الأقل الاحتكام إلى نوع من الحس الثقافي في التشابك مع الواقع
الاجتماعي... من دون أن يكون، في تصورنا، هنا، جعل الرواية مجرد «أداة»، وهو ما يفرغها من «وجودها
الذاتي المستقل» أمام جموح المثقف نحو تأكيد حضوره النقدي في السياق (المعاكس) الذي يستوعبه وعبر قنوات
أخرى. وفي هذا الصدد يمكن التشديد على الرواية-المنعطف لعبة النسيان، على الرغم من أنها صادرة العام
1987، أي قبل الفترة التي اخترناها مدارًا زمنيًا لهذه الدراسة. لقد تمكّنت هذه الرواية، على الرغم من إفادتها
من تقنيات «الرواية الجديدة»، من أن تخطو خطوات ملحوظة على طريق التحرّر من «إغماض التجريب»
الذي لوّى بروايات صدرت قبلها بسنوات معدودة. وتستمد الرواية عناصرها وفضاءاتها وشخوصها من
مرحلتين تاريخيتين مختلفتين: فاس والرباط في الأربعينيات والخمسينيات، ثم المرحلة التي أعقبت إعلان
الاستقلال إلى حدود الثمانينيات، على النحو الذي جعل منها مرحلة مغايرة بالنظر إلى ظروفها المغايرة
ومشكلاتها الخاصة. ويمكن استخلاص أن الرواية سعت، ومن منظور نقدي أيضًا، إلى «تشخيص» التعارض
القائم بين مجتمع تقليدي منسجم مع قيمه، ومجتمع أخذ يعيش مشكلات التحوّل عبر التحديث والصراعات
السياسية والاجتماعية. وفي سياق تأكيد «حس المثقف»، الذي يلوي بمجمل النظرة الناظمة للنص الروائي، فإنه يمكن التشديد على
رواية محمد الأشعري السالفة الذكر، القوس والفراشة التي فارق فيها موضوع روايتهجنوب الروح، المتمثّل في
«المجتمع المغربي التقليدي الغميس»، كما ينعته المؤرخ عبد الله العروي، نحو «مجتمع الحداثة» بقيمه الجديدة
الكاشفة عن «تصدّع» في العلائق البشرية وفي الروابط الاجتماعية، والكاشفة عن «انشطار» في مجال النظر إلى
الحياة وعن «تراجيديا مفتوحة» في مصائر الشخصيات. لقد أصرّت الرواية على أن تجعل موضوع «التطرف
الديني»، أو «الجنون الديني» كما نعته إدوارد سعيد، في مقدّم التحولات التي عصفت بالمجتمع المغربي المعاصر،
وذلك من خلال شخصية يوسف (وهو صحافي وكاتب تقدمي ومعتقل سياسي سابق)، الذي سيتلقى رسالة
مقتضبة وصادمة من تنظيم القاعدة تخبره بمقتل ابنه مع طالبان في أفغانستان. وحصل ذلك بعد أن استقرّ هذا
الأخير على أن ابنه (الوحيد، للمناسبة) يواصل دراسته في إحدى كبريات المدارس الهندسية في فرنسا، فيما كانت
«ماكينات الشحن العقائدي» قد خلّصته من آخر شعرة تصله بالوجود. وهذه الواقعة ستجعل كل شيء من
حول يوسف ينهار، كما أن هذا الانهيار سيطبع مجمل الحياة اللاحقة لهذا الأخير.
10 عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب، ط 6 (الدار البيضاء؛ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2002)، ص.652
غير أن ما يؤخذ على هذا الصنف من الروايات، ورغم لغته المدروسة، هو سقوطها في ما ينعت ب«الرواية
الإعلامية». والظاهر أن المشكل لا يكمن في التعاطي مع موضوع التطرف الديني في ذاته، وإنما في النظرة
الماسكة بتدافع الوقائع والشخوص. ولا داعي، هنا، للتذكير بعناوين روايات عربية عالجت الموضوع نفسه،
غير أنها تحرّرت من «تأثير الإعلام». والظاهر أن «الرواية الإعلامية» لم يسلم منها محمد برادة نفسه في روايته
امرأة النسيان (2004) التي بدا فيه «ناقامً» على «تجربة التناوب» التي خوّلت حزب الاتحاد الاشتراكي ترؤس
الحكومة المغربية (2002-1998). لقد توقف الكاتب عند وقائع كثيرة كان الإعلام (المكتوب خاصة) قد
تناولها. وفي ما يخص المثقف، أو تمظهرات المثقف في الرواية، فقدر المعارض أالّ يموت وهو في المعارضة،
كما ورد في الرواية. غير أن ما اتسم به التسيير السالف الذكر، ونتيجة «الأسمنت الدولتي» ونتيجة إكراهات
التكتيك السياسي وارتباك «البيت الداخلي»، كل ذلك ولَّد «خيبة المثقف». وهذه الخيبة هي، وفي النزْع الأخير،
«خيبة معمَّمة.» وثمة تحوّل دلالي آخر، في الرواية المغربية، ومن خارج «صور المثقف» الأخيرة، ومن خارج دوائر التشابك
(المباشر) مع الواقع الاجتماعي على نحو ما سعينا من قبل إلى استخلاص مجمل دلالاته. ونقصد، هنا،
موضوع الاستعمار، والغرب بصفة عامة، الذي عاد، ومن جديد، ليؤكد حضوره وبطريقة مغايرة بعض الشيء
للروايات التي عُنيت بالموضوع نفسه في فترات سابقة. وكما يقول الأستاذ أحمد اليابوري، في سياق دراسته
لرواية الغربة لعبد الله العروي نفسه، «إن تيمة الغرب تكاد تكون مستهلكة في الرواية العربية، إلا أن كل نص
روائي يتناول ذلك الغرب تحت ضغط أسئلة خاصة، يطرحها الواقع، خارج دائرة الأجوبة الجاهزة التي يقدمها
تراث الماضي». الرواية الأولى التي تستوقفنا، هنا، هي رواية الكاتب والأكاديمي محمد أنقار باريو مالقة (2007) التي تطرح،
من وجهة نظر مشوقة وموغلة في الحوار والوصف، مسألة الاستعمار (الإسباني) ودوره في تشكيل حي هامشي.
وإذا ما كانت رواية محمد أنقار الأولى المصري (2003) قد لفتت أنظار النقاد إليها، فإن رواية باريو مالقة
خطفت الأنظار إليها. والرواية لا تستقّر على بطل محدد، ولا تهاجم الاستعمار بل تومئ إلى «الجرح الصامت»
الذي أخذ يخلفه رحيل هذا الأخير بعد أن نال المغرب استقلاله. لقد أرادت أن تؤرخ، وفي إطار من الأدب،
لحي منسي كسائر الأحياء التي شكّلها الاستعمار. الرواية تقع في صميم «الردّ كتابةً» أو «الردّ الكتابي» كما ترجمه
المؤلف، خصوصًا أنه كان قد أسهم في النقد المعاصر بدراسة لافتة موسومة بناء الصورة في الرواية الاستعمارية
(1994) سعى فيها إلى رصد تمثلاث الرواية الإسبانية الكولونيالية للإنسان المغربي. والرواية الثانية التي تستوقفنا، أيضًا، هي رواية الزهرة رميج عزوزة (2010) في دلالة على اسم نسائي شعبي
ساد، على نطاق، واسع، في المغرب من قبل. والرواية تعرض لما كنا، وعلى مدار دراسة (أكاديمية) موسّعة، قد
نعتناه ب«الاستعمار المضاعف»: استعمار خارجي من قبل الإمبراطورية الفرنسية وقتذاك، واستعمار من قبل
الرجل أو المجتمع التقليدي بصفة عامة. والاستعمار الأخير لم يكن يقل بشاعة عن الاستعمار الأوّل إن لم نقل
إنه فاقه في الامتهان والتحقير. وكانت خلاصتنا، بخصوص عزوزة، من خلال الدراسة المطوّلة المشار إليها من
قبل، على النحو التالي: «عزوزة، بكشفها عن المجتمع القبلي الانقسامي، وبهجرة الأسرة إلى المدينة، على النحو
الذي أفضى إلى «ميلاد البروليتاريا» التي تحدّث عنها روبير مونطاني وسواه، تكون هي المغرب ذاته في مرحلة
11 أحمد اليابوري، دينامية النص الروائي (الرباط: اتحاد كتاب المغرب، 1993)، ص.51
12 يحيى بن الوليد، «المرأة والاستعمار المضاعف»، الكلمة (الإلكترونية)، السنة 6، العدد 58 (شباط/فبراير.)2012
من مراحله الصعبة هي مرحلة الأربعينيات الصاعدة. الظاهر أن الكاتبة إحدى حفيدات عزوزة. والظاهر
أيضًا أننا كلُّنا عزوزة، وأن موتها مسؤولية الجميع. وهي ماتت قبلنا أو ماتت بدلا منا؛ ولذلك إننا مدعوون
جميعًا إلى رد الاعتبار لها. والرواية هي علامة على طريق المواجهة الأعرض، وكل ذلك من خلال «الرد الكتابي»
السالف الذكر. والرواية الثالثة التي تطرح موضوع الغرب بصفة عامة، ومن خلال مدينة طنجة الكوسموبوليتانية، التي كانت
خاضعة لعديد من الدول إبان فترة الاستعمار، هي رواية جيرترود شتاين (2011) لصاحبها حسن نجمي.
وكانت مدينة طنجة قد استهوت كثيرًا من الشخصيات النافذة في عالم السياسة والدبلوماسية وفي مجال المال
والصيرفة والأعمال وفي عمليات المافيا والجاسوسية والتهريب والدعارة واللواط... إلخ. كما كانت قد استهوت أيضًا كثيرًا من الشخصيات العالمية والوازنة في عالم الأدب والفن والإعلام، ومن بين هذه الأسماء الكاتبة
الأمريكية غيرترود شتاين (Gertrude Stein) التي ستحل بمدينة طنجة رفقة ملازمتها أليس طوكلْاس
(Alice B. Toklas). وفي هذا السياق يجنِّد السارد شخصية محمد الطنجاوي ل«ولوج» عالم شتاين المتنوِّع
والغني، لا سيما من ناحية تعاطيها للجنس ونسج العلاقات مع الآخرين من فرنسيين وغير فرنسيين. الرواية تطرح، بدورها، ومن وجهة نظرها، مشكلة الإنسان العربي (Homoarabicus)، كما تطرح مسألة «غول الاستشراق» الذي واجهه الطنجاوي.
خاتمة
من خلال ما سبق، نوّد تأكيد أننا ركّزنا، أكثر، على الأسماء الجديدة، وهي أسماء ليست شابّة بأكملها إذا
جاز أن نكرِّر ذلك ثانية. وكما نوّد تأكيد أن موضوع تشابك الرواية المغربية مع التحولات الاجتماعية، وعلى
أهميته المعرفية، لا يغطي على مواضيع أخرى، سواء على مستوى صلة الرواية بما يؤسِّس ل«جنسها» في علائقها
بالأجناس الأخرى، كما في حال موضوع «التخييل الذاتي» (Autofiction) الذي تجدّد النقاش النقدي
بخصوصه، من جديد، في النقد الروائي في المغرب، أو في علائقها بمكوِّناتها الذاتية، خصوصًا من ناحية «لغتها»
التي صارت مجالا ل«التهجين» و«التكسير»، أو حتى في علاقتها بموضوع التوزيع والتداول والتلقي، كما في حال موضوع «الرواية الرائجة». ونتصور أن هذه المواضيع، وسواها من المواضيع الأخرى، وبما في ذلك مواضيع سابقة من مثل «التأسيس» و«التجريب»، جديرة بالكشف من خواص أخرى بنيوية وتكوينية وتداولية تميّز النوع الروائي من سائر الأنواع الأخرى داخل حقل الإنتاج الأدبي بالمغرب. وفي حال المنظور الذي صدرنا عنه، فإن الرواية، في المغرب، تظلّ مشروطة بمجمل «الأنساق» المتحكِّمة في
الإنتاج الأدبي ككل، هذا وإن كان هذا الإنتاج - مقارنة ببلدان عربية محددّة - لم يبلغ حد «التراكم» الذي
عادة ما يحفّز حتّى على «المواكبة النقدية» بمعناها السوسيولوجي العام الذي يتأكّد من خلال أواليات
الرصد والفرز في أفق الاستقطار والاستخلاص، على النحو الذي يسمح، في سياق أوسع، بالحديث عن نوع من «الإنتاجية» في مجال الرواية، تلك الإنتاجية التي ارتقت، في أماكن أخرى، ومن جهات الأرض الأربع، إلى أن تلتبس بما ينعت ب«الفكر الروائي» في التقاطه «ذبذبات» المجتمع وتفاعله مع التحولات التي يمور بها، كل ذلك في إطار من «التأثر المتبادل» ما بين التخييل والتحقيق الذي يضمن للنوع الروائي حضوره
الذاتي المستقل من ناحية، وانغراسه في الأفق الثقافي العام الذي يسعى بدوره إلى الإسهام في توجيه الإنسان
والتاريخ من ناحية موازية. وفي ضوء الملحوظة الأخيرة، فإن محاولة رصد تشابك الرواية مع التحولات المجتمعية في المغرب، في المدار
الذي يجعل من الرواية أفقًا ل«إبداع المستقبل» وعبر التخييل والسخرية... والكتابة، تجعل الناقد (الجاد) يتحفظ
بعض الشيء بخصوص هذا «المطلب الفكري» لاعتبارات عديدة تتجاوز «التراكم» المشار إليه قبل قليل نحو
حجم المعطى ذاته (المتاح) الذي لا يسمح بالحديث عن ضرب من التنوع على مستوى التعاطي الروائي مع
المجتمع في «جدليته الملتبسة» وفي «قاعه الغميس» وفي «تقليدانيته متعددة الأبعاد»... وفي تطلّعات نماذجه نحو
التحرّر من التكلّس والتبلّد والمصادرة والتأجيل... إلخ. ثم إن ما يضمن للرواية تجدّد قراءاتها هو تجاوزها
لأن تكون مجرد «تمرين سردي»، لا سيمّا في الاتجاه الذي يوفِّر لها أشكال التقدّم على طريق التجذر في الأدب
بالمعنى «الجذري.»