Return to Article Details The Algerian Novel in the 1990s: Writing Tragedy or the Tragedy of Writing?

الرواية الجزائرية التسعينية كتابة المحنة أم محنة الكتابة؟

The Algerian Novel in the 1990s: Writing Tragedy or the Tragedy of Writing?

عبد الله شطاح

Abdellah Chattah

الملخّص

كيف للأدب أن يقارب المحنة؟ كيف للنقد أن يقارب مثل هذا الأدب؟ غالبًا ما تركّز مثل هذه المقاربة الأخيرة على المضمون، الأمر الذي تبرّره طبيعة الإنتاج الأدبي موضوع النقد، إذ يكشف المضمون عن وجهه في مثل هذا الإنتاج قبل أيّ مظهر من مظاهر الشكل. ذلك أنَّ من المميّزات الفارقة في كتابة المحنة أنًها تتّجه رأسًا إلى «الموضوعة الغالبة » وتعلن مباشرةً موقفها من الخطوب الواقعة على المجتمع ككل. وكيف للأدب في مثل هذه اللحظات أن يغضّ الطَّرْف عن راهنها المأساوي ليلتفت إلى بذخ الحكاية وأصالة التخييل؟هذا هو التساؤل الأساسي الذي تطرحه هذه الدراسة حول الأدب الجزائري في تسعينيات القرن المنصرم، لتجد أنّ ما يحكم النسيج الروائي لتلك الكتابة كلّها هو قابلية قراءتها من زاوية الرؤية الموضوعاتية. وما تتناوله، لذلك، من موضوعات محدّدة -كالمثقف وأزمة الإنتلجنسيا، وهمجية الإرهاب، وغربة المنفى وحياده، والعودة إلى بدايات المدّ الإسلاموي، لتجد أنّ الكتابة حين تضطر إلى الاختيار بين أن تكون محاكاة أو أن تكون تخييلاً، ربّما تكون المحاكاة ذلك الخيار الفني الذي ينمّ عن تصورٍ لوظيفة الكتابة وقضايا الجنس الأدبي أكثر مما يشي بقصور في التعامل مع مقوّمات الكتابة والتخييل.

Abstract

How can literature approach the Algerian tragedy? How can criticism deal with such literature? How can literature at such moments turn a blind eye to its tragic present and engage with the privilege of storytelling and the authenticity of imagination? These are the key questions raised by this study on Algerian literature in the 1990s, which sees that the narrative fabric of all this writing governed by its ability to be read from an objective viewpoint, and the specific subjects it deals with as a result, such as the intellectual and the crisis of the intellectual, the savagery of terrorism, the alienation and biases of exile, and the return to the beginnings of the Islamist surge. Writing, when it has to choose between representation and imagination, may find that representation is the artistic choice that reflects a vision of the function of writing and issues of genre more than it reveals a shortcoming in dealing with the components of writing and imagination.

الكلمات المفتاحية:
  • الكتابة
  • المحنة
  • الأنتلجانسيا
  • التخييل
  • الإرهاب
  • الجزائرية .
Keywords:
  • Writing
  • Tragedy
  • Intelligentsia
  • Imagination
  • Terrorism

كيف للأدب أن يقارب المحنة؟ كيف للنقد أن يقارب مثل هذا الأدب؟ غالبًا ما تركّز مثل هذه المقاربة الأخيرة على المضمون، الأمر الذي تبرّره طبيعة الإنتاج الأدبي موضوع النقد، إذ يكشف المضمون عن وجهه في مثل هذا الإنتاج قبل أيّ مظهر من مظاهر الشكل. ذلك أنَّ من المميّزات الفارقة في كتابة المحنة أهنّا تتّجه رأسًا إلى «الموضوعة الغالبة» وتعلن مباشرةً موقفها من الخطوب الواقعة على المجتمع ككل. وكيف للأدب في مثل هذه اللحظات أن يغضّ الط رْف عن راهنه المأساوي ليلتفت إلى بذخ الحكاية وأصالة التخييل؟ هذا هو التساؤل الأساسي الذي تطرحه هذه الدراسة حول الأدب الجزائري في تسعينيات القرن المنصرم، لتجد أنّ ما يحكم النسيج الروائي لتلك الكتابة كل ها هو قابلية قراءتها من زاوية الرؤية الموضوعاتية. وما تتناوله، لذلك، من موضوعات محدّدة -كالمثقف وأزمة الإنتلجنسيا، وهمجية الإرهاب، وغربة المنفى وحياده، والعودة إلى بدايات المدّ الإسلاموي-... لتجد أنّ الكتابة حين تضطر إلى الاختيار بين أن تكون محاكاة أو أن تكون تخييلا، ربمّا تكون المحاكاة ذلك الخيار الفني الذي ينمّ عن تصورٍ لوظيفة الكتابة وقضايا الجنس الأدبي أكثر مما يشي بقصور في التعامل مع مقوّمات الكتابة والتخييل.

ملامح الاستعجال في كتابة الراهن

لا تزال المغامرة بمقاربة الرواية الجزائرية التي واكبت المرحلة التي عُرفت في تاريخنا الحديث بمرحلة المأساة الوطنية، مشوبة بكثير من الجرأة والمغامرة، وذلك لمجموعة من الأسباب التي تجعل أي مقاربة، لا تتمتع بقدر لا بأس فيه من الموضوعية وصفاء الرؤية، مجرد إعادة للهواجس المسيطرة على تلك المخيلة التي

أنتجت تلك النصوص المفتوحة على جميع الأسئلة المقلقة؛ أسئلة النقد والسياسة والإيديولوجيا والاجتماع1. أقول ذلك مدركًا تمام الإدراك صعوبة مواجهة الذات على مستوى الممارسة النقدية، صعوبة أن نكون القارئ والمقروء، الملاح ظ والملاحَظ في الوقت نفسه؛ فالمرجع التخييلي مرجعنا، والشخوص نحن أو بعضنا، والمأساة مأساتنا العميقة، وشطط الواقع الروائي هو شططنا بكل هلوساته وهوجه وجنونه. من أجل ذلك، ربما، لم تُقارَب ظاهرة الرواية التسعينية إلى الآن، في شموليتها، ومن حيث القوانين التي حكمتها أو انبنت وفقها، على الرغم من الاهتمام الكبير الذي واكب صعودها، سواء في البلاد العربية أو في أوروبا، أو في فرنسا خاصةً، وعلى الرغم من التأويلات الإيديولوجية التي أُلصقت ببعض النصوص، جاعلة ذلك الترحيب الغربي يبدو غير بريء تمامًا. إن غلواء «الإهمال» النقدي الأكاديمي الجاد لتلك الظاهرة، لم يخفف منه حتى الآن على الأقل، وفي حدود علمنا طبعًا، إلا الاهتمام الصحافي الذي واكب تلك الظاهرة، معرّفًا بمعظم النصوص الصادرة، وبكتّابها، ولا سيما أولئك الكتاب الذين تزامنت تجاربهم الروائية الأولى مع مرحلة المأساة الوطنية، أو تلك التي دفعها الوضع المتردي إلى اللياذ بالكتابة، درءًا للجنون أو الانتحار. صحيح أنه كانت هناك متابعات كثيرة للأعمال الروائية التي صدرت عهدئذ، وهو ما سنشير إليه في سياق هذا التناول، لكنها كانت في مجملها متابعات لآحاد النصوص من دون الارتقاء إلى مساءلة الظاهرة في مجملها، نستثني من ذلك بعض المتابعات الصحافية المستعجلة في الصفحات الثقافية التي لا تخرج عن ترديد التهمة التي أُلصقت نهائيًا بالأعمال الصادرة وقتئذ، عندما أطلقت عليها تعريفين يلخصان وحدهما الرؤية النقدية التي ووجهت بها، حيث سُمّيت حينًا ب «الأدب الاستعجالي» (Littérature de l’urgence)، وهو المفهوم الذي رددته الأوساط الفرنكفونية في مقارباتها النقدية أو معالجاتها الصحافية، بينما انفردت المقاربات العربية للظاهرة في الملتقيات والكتابات الصحافية خصوصًا بإطلاق مفهوم «كتابة المحنة» أو الاكتفاء بترجمة المفهوم الأول. يقول جعفر يايوش: «لقد أطلق البعض من زملائنا الأدباء والباحثين الجامعيين، على الكتابة الأدبية في الفترة التاريخية الممتدة من 1990 إلى غاية 2000، اصطلاحكتابة المحنة وكتابات الاستعجال». ينصرف المصطلح العربي إلى بيان تعالق الكتابة بالراهن الجزائري المأساوي إلى أبعد الحدود؛ راهن صادم للعقل والحس والمنطق والقيم، ومحيل إلى عوالم لم تعرفها المخيلة الجماعية، أكانت تلك التي عايشت فظائع الاستعمار أم تلك التي تعرّفت إليها في عوالم رواد الرواية الجزائرية، أمثال محمد ديب وكاتب ياسين ومولود فرعون، باعتبارهم، هم أنفسهم، قد كتبوا راهنًا جزائريًا يعيش محنة الاستعمار، لكن فضاءاتهم لم تحبل بفظائع الرواية التسعينية، التي كنا نحسبها شأنًا لا يحدث إلا للآخرين، في معسكرات النازية، ومعسكرات الفاشية التي عرفتها بقاع أخرى من العالم. أما كتابة المحنة، فهي الوجه الآخر لمحنة الكتابة، بما هي مرادف لمحنة العقل والروح والثقافة والوطن، تحمل ظلالا رومنسية تتقاطع مع محنة الإنسان الوجودية وأسئلته الخالدة المعلقة بين السماء

والأرض، حتى لا يكاد المصطلح يؤدي حق الأداء معنى المأساة كما يؤديه المصطلح الثاني، مصطلح الأدب الاستعجالي المحيل إلى مسارعة الكتابة إلى التقاط صور الحرائق المشتعلة في البيت الجزائري وإلى الخناجر المصلتة على رقاب الأبرياء من النسوة والأطفال، بما يجعل كل ممارسة كتابية غير متجهة رأسًا إلى التنديد بما يحصل، مجرد لعبة لفظية رخيصة لا تساوي قيمة حبرها. ذلك ما جعل مصطلح الأدب الاستعجالي أكثر التفاتًا إلى المقاربة المضمونية/التيماتيكية (الموضوعاتية) لمجمل الأعمال الصادرة وقتذاك، متناسية إلى حين، أو مهملة بالجملة، قيمتها الفنية والتشكيلية. نجد أحسن مثال في التدليل على ذلك، في المنهج الذي سلكه رشيد مختاري في كتابيه اللذين كرّسهما لمقاربة مضمونية صرف لموضوعة الشهادة (Témoignage) على ويلات الراهن، والتنديد بالوحشية الفاقدة للقلب والضمير وهي تمخر أوصال الوطن الجريح. المنهج نفسه كرّسه مخلوف عامر في مقاربته لبعض الروايات الصادرة في المرحلة التسعينية، حيث يقول: «ولعل هذا ما يفسر نزوع هذه المحاولات نحو التركيز على المضمون. لكن هذا الميل ذاته تبرره طبيعة الإنتاج الأدبي موضوع النقد. إذ مهما اجتهد الروائيون المعنيون في اصطناع تقنيات جمالية مستحدثة وسعيهم لخلق بنيات فنية جديدة، إلا أن المضمون هو الذي يكشف عن وجهه قبل أي مظهر من مظاهر الشكل». وعلى هذا الأساس يجد المصطلح مبرراته الموضوعية والنقدية، مستدعيًا، إنسانيًا وثقافيًا، التعامل مع النص وفق ما يقتضيه الجرح العميق الذي أحدثته الأزمة في نفوس أبنائها، بمساءلة الواقع والملابسات التي زجت بالبلاد في دوامة من الدماء والأشلاء، تجعل البحث عن المقومات الفنية سلوكًا ينمّ عن «قلة الحياء» الفني، إن صح القول، بما يجعل المنهج الموضوعاتي أليق المناهج بمساءلة النص وتفكيك مقولاته، إسهامًا في إضاءة العتمة المخيمة على الفضاء. وإذا حاولنا أن نستجليَالمميزات الفارقة لكتابة المحنة، وجدنا جل المقاربات تتجه رأسًا إلى «الموضوعة الغالبة » أو الموقف المعلن تجاه ما يقع من حوادث وما يتعرض له المجتمع من حرب على كل مكوناته المادية والبشرية. وفي كلمة واحدة، الحرب على مقومات الوجود نفسها، كأن مقاربة الظاهرة، ظاهرة كتابة المحنة، لا يمكن أن تتأتى إلا بالقبض على المعنى الذي يريد النص أن يقوله، ومنه الالتفات إلى الشخوص وموقفها ورؤيتها للحوادث والأشياء والوقائع، أو بنائها النفسي والآليات العقلية والروحية التي تطورها لمواجهة الموت المتربص، أو القراءة التي توليها النصوص للأزمة وجذورها والفاعلين الرئيسين فيها، بما جعلها تأخذ أبعاد الأدب المقاوم من عدة جوانب، وأحيانًا أخرى تتحول إلى قراءة عميقة للأزمة السياسية أو الظروف الاجتماعية والاقتصادية، بما جعل الكتابة « الوسيلة الوحيدة بين يدي الكاتب لتجاوز محنته الذاتية، والتخفيف من وطأة الجو العام الذي تعيشه فئات الشعب المختلفة. حيث تعلن عن قلقها و تنازع المقدس والمهيمن من أجل تحطيم التابوهات»، متكشفة، في الوقت نفسه، عن عبقريتها الخاصة في قدرتها على التحول إلى ملجأ/ملاذ، يعتصم به الكاتب من هول الطوفان العارم، وإلى سلاح في يده، هو الأعزل الذي لا يجيد استعمال سلاح آخر سوى الكتابة، محملّا إياها كل المخاوف والأحزان والشطط، وصراخه المبحوح في وجه الهمجية، مستنهضًا الضمائر الحية والرأي العام في الداخل والخارج. أصبحت الكتابة في ذلك الظرف العصيب من التاريخ، على حد قول

فيصل دراج: «المجال الآمن الأكثر مواءمة للتعبير عن المعيش، تصرح بما لا يقول به عالم السياسة وتذيع مالم يقل به علم الاجتماع وتنشر ما يخفيه عالم الاقتصاد ويحجبه». تُرى، هل نقدر على العتبى؟ وهل نمتلك قدرًا كافيًا من الجرأة لننكر عليها استعجالها ومحنتها؟ الإرهاب «ليس حدثًا بسيطًا في حياة المجتمع، وقد لا يقاس بالمدة التي يستغرقها ولا بعدد الجرائم التي يقترفها، بل بفظاعتها ودرجة وحشيتها. وعندما يتعلق الأمر بالجزائر فإن الإرهاب تقاس خطورته بتلك المقاييس جميعًا، إذ استغرق مدة غير قصيرة وارتكب جرائم كبيرة وارتكبها بفظاعة بلغت أقصى ما بلغته الهمجية»، على حدّ قول مخلوف عامر. وفي هذا السياق يحق لنا التساؤل: هل يمكن للأدب أن يعشى عن راهنه التراجيدي من أجل بذخ الحكاية وأصالة التخييل؟ الواقع أن تساؤلنا هذا هو القضية المحورية في خضم الجدل الدائر حول ما سُمّي الأدب الاستعجالي لأنه، من حيث لا يدري، يقع في قلب الانشغال الروائي بأسئلة الواقع والمتخيل، كما يقع في قلب معظم المقاربات التي تناولت، مستعجلة هي الأخرى، ذلك الأدب الذي لن تتأتى له الإجابة عن السؤال إلا بالتناول النقدي الجاد، وبعرض نماذجه على تصنيفات التخييل الروائي من دون اختزال القضية في مدى ارتباطه من عدمه بالراهن الدموي عندما انبرى الكتّاب، مستعجلين، إلى إدانته، وإدانة الأسباب التي تمخضت عنها المأساة الوطنية جملة وتفصيلا، بما يقحمها في مواجهة الواقع المعيش وأسئلة الهوية والإيديولوجيا وأسئلة الوطن الجريح، في كل صفحة، وكل سطر نقرأه، ونقرأ وراءه تشظ ي الذات الكاتبة وعجزها عن تشخيص الهمجية التي فاقت واقعيتها أغرب ألوان الخيال. إن القول براهنية كتابة المحنة لا يحتاج إلى تأويل عميق؛ فقد كانت ويلات الإرهاب وأثرها في الأفراد والجماعات والقرى والمدن تمثّل خلفية لمعظم الأحداث الروائية، تتلقّفها النصوص طازجة لتنسج، من وحيها، عالمها الروائي، من دون أن تتروى لبناء معادل تخييلي يتتبّع الأزمة منذ بداياتها التاريخية كما فعل بلزاك مثلا، مع كوميدياه البشرية، غير أن خصيصة الواقع المضطرم بالحرائق، والفضاء المضرج بالدماء والأشلاء، لم تبق للكتّاب فرصة التروّي أو التملي، فقد كانت المأساة، من هول الحضور، بما لم يدع مجالا لكل ذلك، وإذا قُدّرت لآحادهم الرغبة في تجاوز الراهن الحدثي القريب، وفتح فضاء السرد على عوالم متاخمة للراهن، متعلقة به بضرب من التعلق، أ ثقِل كاهل النص بخطابات مكشوفة في مساءلتها المعلنة للتاريخ والثقافة والهوية والوعي، قد تتخذ شكل المواعظ أو التأملات السياسية والاجتماعية، كما نجد ذلك خصوصًا، في رواية الشمعة والدهاليز للطاهر وطّار، وذاكرة الماء لواسيني الأعرج، حيث تحولت الكتابة الروائية للراهن الجزائري إلى كتابة لواقع الصراع بين سوداوية الواقع وهمجيته وبين الضمير الخلُقي أو الإنساني، وعليه «تحوّل الكاتب إلى راوٍ للأحداث أو هو البطل نفسه الذي لا يتعب ولا يكل في البحث الدؤوب عن المعنى، وذلك من خلال إيقاظ الرغبة الكامنة فيصبح المجتمع الذي يأوي الرواية وجهًا آخر للمجتمع الدنيوي، الذي لا سماء له ويكون زمن التقدم المتوالي وجهًا آخر لقهر البراءة الإنسانية». وبقدر ما كان الراهن الحدثي القريب دافعًا إلى العجلة في الكتابة من أجل التنديد والصراخ في وجه البربرية، كان في الوقت نفسه بمنزلة المنعطف الحاد في حيوات الكتّاب في بُعدهم الذاتي كأفراد يحملون بين جوانحهم قلق الوجود البشري وضعفه أمام المحن والأزمات، فانبروا يعقدون ما يشبه المحاكمة

للماضي القريب والبعيد، باعتباره جزءًا من تاريخهم الشخصي ومن تراثهم الفردي في سياق الوجود العابر ولا مبالاته المحبطة. واتخذت تلك المحاكمة شكل السيرة الذاتية المعتمدة على التحليل الشخصي لمنجز الذات، كمحاولة تعتمد القدرات الكامنة في اللغة والفن من أجل فهم المستعصي وتأمّل الماضي والحاضر، فجاءت العناصر السيرية ملتبسة بالتخييل في كثير من الأعمال الروائية، نذكر منها: مكر الكلمات، والكاتبلياسمينة خضراء، وبوح الرجل القادم من الظلام لإبراهيم سعدي، والشمعة والدهاليز للطاهر وط. ار أماذاكرة الماء وشرفات بحر الشماللواسيني الأعرج، فتبدوان إلى التخييل الذاتي أقرب منهما إلى أي جنس آخر؛ إذ تبلور فيها النزوع السيري المشتغل على الأنا وتعالقاتها مع الواقع التسعيني المرهن تبلورًا أصبح يشكل وحده مبحثًا جديرًا بالدراسة. مثلما فرضت المأساة الوطنية تيمات كتابية وأساليب سردية وطرائق بنائية اشتركت كلها في التنديد بالواقع وإدانة الأعمال الدموية، استطاعت أن تبعث مواهب روائية كانت نائمة إلى ذلك الحين، لم تكتشف موهبتها إلا تحت طائلة صدمة الواقع العميقة التي دفعتها إلى الكتابة، مكرَهة لا مخريّ ة، نذكر منها بوعلام صنصال، الذي اقتحم الرواية في مرحلة متأخرة نسبيًا من حياته، من دون أن يعوّقه ذلك عن تحقيق مقروئية واسعة وشهرة كبيرة تجاوزت حدود الوطن، على الرغم ممّا اتسمت به كتابته الروائية من استفزاز للمشاعر الدينية والوطنية من خلال التشكيك في الهوية والانتماء القومي، ولا سيما في روايته الأولى يمين البرابرة. وقد برر مواقفه التي أثارت ذلك الجدل بالقول إن «الحرية التي أعطيتها لنفسي، هي سببت الصدمة، إذ عوتبت على أنني قلت أكثر مما يجب، وهو ما فعلته بمنتهى الإخلاص... فالرواية الجزائرية الراهنة، المكتوبة في قلب المأساة، تثير جدلا وًاسعًا حول التاريخ والهوية. وستكون هدّامة منذ اللحظة التي تمثلت فيها مهمتها في زعزعة المعتقدات السائدة، وعليه فليس المحكي سوى ذريعة للخطاب التدميري، لأن موضوعاتها في مستوياتها الصغرى هي الأسئلة المتعلقة بالدولة، بالنظام السياسي، بالجماهير، وهي نفسها التي تغذي مشاغلنا الروائية». يمكننا في الواقع أن نسحب الحكم الذي أورده صنصال في المقبوس السالف على النسيج الروائي للكتابة التسعينية كلها، ونباشر تعاملنا معها وفق ما مهّدنا به هذا البحث، من قابليته القرائية من زاوية الرؤية الموضوعاتية فحسب، انطلاقًا من كونها مجرد خطاب حمُ اكم للراهن بشتى تجلياته، من دون أن يضع في حسابه ضرورات الجنس الروائي ومقتضياته التخييلية، غير أن الأمر ليس بهذه الاختزال ولا بذلك التعميم. وإذا أمكن أن يصح الأمر على أعمال محدودة ومعدودة، لا سيما تلك التي جاءت نزولا عند مقتضى المرحلة، وتحت إلحاح الواقع الدموي على تبليغ الصوت الرافض والمندد، أو تلك التي كانت التجارب الأولى لناشئة الكتاب، فإن الحال ليست هي عند كتّاب سجلوا تراكامً معيّنًا في الساحة الروائية الوطنية والعربية أو الأجنبية بصفة عامة، وهو ما يستدعي التريث عندها لملاحظة موقعها من الجدل الدائر حول ذلك المتن، ونقصد بالضبط منجزات كتّاب أمثال الطاهر وطّار وواسيني الأعرج ورشيد بوجدرة، وأحلام مستغانمي، إذا حرصنا على

النزول عند مقتضى «الشرعية» الفنية المكرسة التي اكتسبها هؤلاء، وتجنبًا للحكم باقتصار الرواية على أيديهم، هم كذلك، على الوظيفة اللغوية التبليغية في بُعدها اللساني البحت مهما توافقت الموضوعات التي تتخذها تلك الأعمال، حتى ليمكن أن تشك ل وحدها مبحثًا خاصًا لمقارنة التشكيلات المختلفة للموضوع الواحد. ولعل شخصية المثقف أن تكون أبرزها بحضورها المكثف والمتكرر في بطولة مجموعة من الأعمال الروائية أبرزها ثلاثية أحلام مستغانمي، وأعمال واسيني الأعرج التي ظهرت في مرحلة التسعينيات، وهي تشكل بدورها ما يشبه الثلاثية، وهي شرفات بحر الشمال وحارسة الظلالوذاكرة الماء، وروايات الطاهر وطّار الشمعة والدهاليز والولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي، وغيرها.

موضوعة المثقف وأزمة الإنتلجنسيا هل يمكن تفسير ذلك الحضور الدال لشخصية المثقف في ضوء الواقع التاريخي الذي عاشته النخبة المثقفة في بداية التسعينيات، عندما كانت رموزها تتعرض للاغتيال في ظروف غامضة؟ هل هو خيار فني لإدانة الإهمال والتهميش اللذين عانتهما الإنتلجنسيا الوطنية، فكان من الطبيعي جدًا أن تفرز سياستها تيارًا يعلن حربه على العقل والفكر والنور؟ أم لإعلان الفشل المحيط بمشروع المثقف العاجز عن القيام بدوره الاجتماعي الذي لا يتأتى إلا ب «قدرة المثقفين على إنتاج وإعادة إنتاج معنى اجتماعي أو مجموعات أفكار ذات دلالات اجتماعية في مقدورها تكوين وتوجيه كل أو جزء من المجتمع المدني الذي توجد فيه هذه الفئة (المثقفون)، أي أنها تساعد على توجيه ممارسة اجتماعية». أم أن مرجع ذلك هو ما يغلف هذه الطبقة من غموض ونخبوية وطوباوية تجعل التواصل معها مغامرة في سراديب مجهولة، تلك التي عربّ عنها الطاهر وطّار على لسان «الشاعر»، بطلالشمعة والدهاليز بقوله: «أنا هذا المجرم الذي تتمثل جريمته في فهم الكون على حقيقته وفي فهم ما يجري حوله، قبل حدوثه، أتحول إلى دهليز مظلم متعدد السراديب والأغوار، لا يقتحمه مقتحم مهما حاول، وهذا عقابًا للآخرين على تفاهتهم». إن فهم المثقف الكونَ على حقيقته لم يفده، على أرض الواقع، في التواصل الفعال مع مكونات المجتمع الذي ينتمي إليه، وعجز تمام العجز، إلا في حدود ضيقة جدًا، عن إنتاج المعرفة الكفيلة بإضاءة المعتم، بله استشراف المستقبل الذي تقوم به المعرفة المؤسسة تمام التأسيس على البصر بالمحيط الاجتماعي والفضاء الثقافي الذي يتحرك ضمنه. يرى عبد القادر جغلول أن «ما اصط لح عليه بالمثقفين، أي منتجي ومعيدي إنتاج الأنماط الفكرية والمعايير والسلوكات.. مقطوعون إلى حد بعيد عن المجتمع ومكوناته المختلفة، حتى وإن كانوا يقاسمونها، إن قليلا أو كثيرًا، مصاعب الحياة اليومية ». كما لاحظ عجز التكوين عن تخريج مثقفين قادرين على فهم مجتمعهم و«صياغة التحولات الطارئة عليه وفهم التغيرات المعتملة فيه». ويقترح تسميتهم بالمتعلمين أو الكتبة لأنهم ليسوا سوى «معيدي إنتاج الخطابات التي أُنتجت بعيدًا عنهم ».

مهما يكن، فإن شخصية المثقف ومكانته في المجتمع ودوره الفكري الخطير والإهمال الذي أولته إياه السلطة السياسية، فضلا عن الضريبة الثمينة التي قدّمها بين يدي نبوغه وألمعيته، كل ذلك كان موضوعًا متواتر الحضور ومكثف الدلالة في المتن التسعيني برمّته، بما يجعل المقاربة الموضوعاتية لهذا التمظهر مبررة بأكثر من سبب. أما الموضوعة الأخرى التي تتحرك في إطارها أزمة الثقافة والمثقف، فهي الأكثر شدًّا للانتباه، باعتبارها، كما سلفت الإشارة، ما وسم كتابة الراهن بالأدب الاستعجالي، ونقصد بذلك وصف الهمجية والوحشية اللتين بلغتهما الأعمال الإرهابية في الجزائر، والتنديد بالتقتيل والاغتصاب اللذين أصبحا الخبز اليومي الذي تقتات به الجماهير المصدومة أمام واقع لم يعرض لها ولو في كوابيسها الأشد غرابة. من أجل ذلك، اتجهت الكتابة، في محنتها، إلى إعادة إنتاج الواقع، محاولةً عرض نماذج بشرية حولتها الظروف إلى آلات بلا ضمائر تحترف البطش والتنكيل، كما حاولت الالتباس بجلد الضحية لتعرض نوازعها العميقة وهي تواجه الموت المجاني بأيدي إخوان يتقاسمون معهم الأرض والتاريخ والدين، يتوزّعهم «إحساس متلفع بالخطر الداهم الذي لا يبقي ولا يذر، الأمر الذي يشحن النص الروائي بالتوترات النفسية الحادة التي تتلمس مواطن الضعف واليأس في ربط أجزاء الحدث، فتجد السارد يحكي من دون أن يحدد البؤرة التي يتمركز حولها الخطاب، وذلك في ظل ضبابية الرؤية وزئبقية المعنى». يمكننا التمثيل لهذا الاتجاه بعشرات النماذج المكتوبة باللغتين العربية والفرنسية، لكننا سنكتفي بالإشارة إلى تلك التي استطاعت أن تتبنّى الرؤية الموضوعية ولو نسبيًّا، حيث أخضعت شخوصها إلى فضاء مخبري بغية ملاحظة نهاياتها ومدى استجابتها لواقع بداياتها من حيث ترقب أثر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في إنتاج ظاهرة العنف وفي الزجّ بالجزائر في تلك الدوامة الجهنمية، ونقصد بذلك أعمال ياسمينة خضراء الذي أفاد في بناء متخيله من تجربته العسكرية الطويلة في مواجهة الإرهاب، ولا سيما في نصيه: بم تحلم الذئاب، وخرفان المولى. يتخذ في الأولى من الفضاء الحضري للجزائر العاصمة خلفية لتنامي الحدث الدرامي من خلال وجهة نظر الشخصية المحورية نافا وليد، الذي تتقاطع خيباته المتوالية مع خيبة شرائح عريضة من الشباب الجزائري، الأمر الذي يقوده إلى اعتناق الإيديولوجيا الإسلاموية التي تحاصره في بيته العائلي في القصبة، حيث تنمو هذه الأخيرة وتفشو بين أوساط الطبقة المحرومة التي ترضخ طائعة لخطابها الذي يحسن استغلال مرارة واقعهم. ويوفق الكاتب إلى رسم الفضاء الشعبي للقصبة بكل ما يعتمل فيه من تيارات وأفكار، وحيُْسن الاستماع إلى الهمس الساري بين الجدُر الآيلة إلى السقوط ورواد المقاهي الشعبية، ويقبض على هسيس الموت المحدق والخطر المتربص، يقول: «كانت الجزائر العاصمة مريضة تتخبط في الفضلات النتنة، تتقيأ، تتخبط بلا توقف، جماهيرها الإسهالية تهجم من الأحياء الخلفية في فورات صاخبة. والنمل يقفز من المجاري متأججًا في الشوارع المصهدة بشمس رصاصية. كانت العاصمة متشبثة بتلالها، مشمرة فستانها عن عورتها المتألقة... بينما يحبس الشعب أنفاسه أمام الوحش الزاني بالمحارم الذي كانت بصدد وضعه للعالم. تلد العاصمة، في الألم والغثيان، وفي الفظاعة طبعًا. يجأر نبضها بشعارات الأصوليين المتبخترين في الشوارع بخطى منتصرة. إنها لحظات يتفوق

فيها الدراويش على الشياطين، والشمس المحرقة تستوحي نيران الجحيم لتذيب الأرواح، والناس، في غفلتهم، يتقمصون مهرجان المعذبين». ينمّ التشكيل الفضائي المتقدم عن الفيضان المتسرب تحت أسس مجتمع مريض يتحرك في فضاء من الرعب، الذي يستحضر إلى الأذهان روائع السينما العالمية التي تقصت أساليب الرعب الكفيلة بإسالة العرق البارد من جباه أقسى الرجال وأعتاهم. في هذا الفضاء الجحيمي الحابل بالرعب والهمجية، يتحرك نافا وليد، وتتحرك معه زاوية الرؤية، واصفةً تفاصيل المشهد المكاني بألوانه وروائحه وتفاصيله الصغيرة الناطقة بالخطاب الأصولي المتفشي في تفاصيل المدينة المريضة بأبنائها وهم يخرجون من جلدهم الإنساني ليرتدوا لبوس أبالسة الجحيم. على النقيض من ذلك، تقف الأحياء العاصمية الراقية، بكبرياء تتجلى في عنجهية قصورها المزورّة عن الواقع المريض؛ توغل في اللذة والإثراء الفاحش المشبوه، ندخلها مصحوبين بالشخصية الرئيسة وهي تشتغل سائقًا عند عائلة راجا، لنتعرف على ألوان من الرفاهية والبذخ الذي يصعب تصوره بالقياس إلى الواقع البئيس الذي تعرفنا على ملامحه في الملفوظ السابق، وفي تشكيلات أخرى لفضاء القصبة والأحياء القصديرية على أطراف العاصمة. يضعنا النص، وفق تقنية التقاطبات، في مواجهة عالمين يحملهما التناقض والتقابل بين فضائيهما على الاصطدام الأكيد، اصطدام الحرمان بالوفرة، والفقر بالثراء الفاحش، والخيبة العميقة من البلاد والعباد بالاستغلال الوقح لخيرات البلاد من طرف قلة محظوظة، بما يجعل اتجاه نافا وليد، وهو يخرج من قصر راجا مذمومًا مدحورًا، إلى حمل السلاح، منسجامً تمامًا مع المقدمات السوسيو-اقتصادية التي أسس بها الكاتب فضاءه. لقد كان الفضاء الحضري للجزائر العاصمة هو الإطار الذي تحركت فيه الحوادث الروائية في النص كله، باستثناء بعض التشكيلات الفضائية للغابات والجبال، التي عبرتها الشخصية في رحلتها مع الجماعات المسلحة، بينما نجد أن الفضاء القروي/الفلاحي، في إحدى قرى الغرب الجزائري، هو الإطار الذي ستتحرك فيه شخوص الرواية الأخرى خرفان المولىخاضعة للسيرورة التخييلية نفسها بحثًا في جذور الأزمة وفق نسق يعتمد البحث في العوامل السيكولوجية، بالإضافة إلى بحث الخلفيات التاريخية والإرث العائلي الذي يمثل المحرك الجوهري في نزوع الشخوص إلى الانتقام، الذي كان الوازع الأساس في كثير من الجرائم التي اتخذت من ذريعة الدين مبررًا لوحشيتها المعلنة، حيث يكفي التصنيف الأولّي لتلك الشخوص لتنكشف الآلية الداخلية التي حكمت تصرفها لأنها ضمت مختلف الانتماءات المشكّلة لفسيفساء المجتمع الجزائري الرازح تحت وطأة الأحكام المسبقة التي عمرت منذ الفترة الاستعمارية، ف«قادة هلال» المدرّس الابتدائي هو في الواقع سليل أحد (القياد) في العهد الاستعماري. بعد أن ترفض سارة، جميلة القرية وابنة رئيس البلدية الفاسد، حبه يتطوع للجهاد في أفغانستان، طلبًا لسلوان محبوبته التي تقع في حب علال سيدهم الشرطي الفقير، والابن البار لقرية غاشيما. أما الشيخ عباس، فهو الزعيم الروحي لجميع الأصوليين، على جهل وعناد وتصلب لا حد له، سُجن عدة مرات، وعيسى عصمان/ (الحركي) الذليل الذي تجرع طوال حياته ألوانًا لا تحصى من الإهانات بسبب ماضيه الكريه إبان الثورة التحريرية، فلا يتحرر من نير الذل إلا بمبايعة ابنه تاج عصمان أميرًا للجماعات المسلحة بنواحي غاشيما، حينها يعمل على غسل العار الذي طال أمده بالانتقام من مستعبدي والده من سكان القرية. أما زان، فهو الشخصية الروائية التي لا نعثر على مثيل لها في كل المتن الروائي الاستعجالي على وفرته وتنوع أساليبه؛ إذ يتقاطع مع أحدب نوتردام الذي خلّد فيكتور هيغو ملامحه على أكثر من مستوى، من دون أن يحمل عمق إنسانية كازيمودو

ولا نبل عاطفته؛ فهو قزم لئيم، يستغل شفقة الجميع عليه ليتجسس عليهم لصالح الجماعات المسلحة التي تبيد أكثر من واحد بوحي توجيهاته وإرشاداته، ولا يفوته في خضم الرعب الفاشي، أن يجمع ثروة طائلة. لا يخفى أن علاقات التوتر والحقد والكراهية بين النماذج النمطية، التي بلور الناص ملامحها، تبدو وحدها مبررات كافية لجميع أصناف العنف الدموي تحت طائلة حسابات موغلة في القِدم. من أجل ذلك، لم يكن ضروريًا جدًا أن تتجه الرؤية إلى استثمار الاجتماعي أو الاقتصادي كما كان شأنها في بم تحلم الذئاب، وإنما انصرفت إلى الحفر في أعماق الشخصيات ومكبوتاتها ولا شعورها، مستعينةً بآليات علم النفس بغية تفسير جانب مهم من الأزمة في بيئة قروية معروفة بالتكافل الاجتماعي وسواسية الناس في فقرهم وغناهم. على هذا الأساس، نعتقد أن الكاتب اعتمد أسلوبًا أقل ما يقال عنه أنه تحرى فيه الإلمام بجوانب الأزمة التي لا يمكن اختزالها في الجانب السياسي على الرغم من مركزيته في الحوادث. وقد تمكنت الكتابة بتناولها الأزمة الجزائرية من الزاوية النفسية المعتمة من ارتياد آفاق مظلمة من الوجدان الجزائري المحتقن بتاريخ من المهانات والخيبات المتراكمة، وبجروح لم يزدها الخطاب المكرس بعد الاستقلال إلا تفسخًا، بما جعل انفجارها ذاك نتيجة منطقية منسجمة مع الواقع إلى أبعد الحدود. العلاقات المكانية/الغربة والحياد ملمح آخر تتقاطع عنده نصوص العشرية السوداء وتستثمر مكوناته الموضوعاتية والبنيوية بصورة لافتة للانتباه، ونعني به التصنيف المتواتر للأمكنة وفق توصيفي الغربة والحياد، حيث تتمظهر ملاذيًا في سياقات المنفى الذي دُفعت إليه النخبة المثقفة هروبًا من جحيم الهمجية الإرهابية، وطلبًا لم واطن قادرة على الدفاع عن قيم العدلَ والحق في الحرية والحياة. وقد كان الغرب جغرافيًا وحضاريًا موطنًا وملاذ ا وأمنًا، بيد أنه ظل مع ذلك، أو في أثناء ذلك، مفضيًا إلى الحياد من منطلق عدم الالتباس الشديد، الذي يميز المغتر ب عمومًا في علاقته مع أمكنة الغربة التي تُستدعى غالبًا في سياق المقارنة مع أمكنة الوطن، موطن الجمال هناك، في مقابل القبح والبشاعة هنا، بينما تلتبس المدن البعيدة بالجمال والسحر والألوان، ومن ثم ينفتح الفضاء الروائي على جدل رهيب عاشه المثقفون جميعًا وهو تقاطب ال (هنا) وال (هناك.) يمثّل الملفوظ التالي، الذي ورد على لسان بطل مكر الكلمات، نموذجًا صالحًا لتمثيل ذلك التقاطب، حيث يقول الكاتب الملتبس بالرواي، الذي كان قائدًا في الجيش الجزائري، وهو يستعيد لحظة فاجعة من المعارك التي خاضها في معاقل الإرهاب: «أسيرًا لهمومي، عوض المتعة بالجمال المتتابع أمامي (طبيعة المكسيك)، أمدّ يدي إلى الستارة المسحورة لكي أجد البشاعات اللامبررة لبلادي، أرى روائع إيفلوسان وطمأنينتها مدنّسة بأزيز حواماتي، وجوّها المنعش قد لوثته عصابة قذرة، لحاها إلى صرتها، في انتظار لحظة هدوء من أجل مجزرة أخرى... أتذكر الدماء المتيبسة في الساحات، والأنين الطويل للأرامل، وأثاث البيوت الفقيرة مقلوبة على جثث الأطفال، والكلاب التي أبت العودة إلى الأماكن التي ارتكب فيها البشر أخبث الفظاعات... تتابع المشاهد، في كل طريق وجوه تعرض مآسيها».... هكذا، عن طريق ستارة سحرية (ستارة نافذة القطار)، ينفتح المشهد على فضاءين يثيران أشد الأحاسيس تنافرًا، فضاء المأساة، وفضاء الجمال، بحيث لا يكون الأخير إلا معبرًا للآخر المنقوش على صفحة القلب والذاكرة، ذريعة لرؤيتين هما مناط التشكيل المكاني الخارج من عمق الفضاء والمأساة، حيث لا وقت لبذخ الأفكار والأساليب.

وهو الموقف نفسه الذي يسارع الكاتب إلى إعلانه إجابةً عن سؤال صحافي حول موقفه من مفهوم «الأدب الاستعجالي»، يقول: «وصِف الأدب الجزائري لسنوات 90 بالأدب الاستعجالي، يتعلق بخيار تسويقي Marketing أكثر منه بمقاربة موضوعية. أعتقد، عكس ذلك، بأن الأمر يتعلق بشكل من الالتزام ومن النضال الذي اختارته الروح الجزائرية كفضاء تعبيري، في الوقت الذي تحول فيها بلدها إلى مكان مغلق منكوب مبذول للبربرية والظلامية». الإحالة في هذا المقبوس على مفهوم الالتزام وعلى التصور الماركسي لوظيفة الأدب واضحة، لا كخلفية نظرية يصدر عنها الكاتب بوعي، ولكن كضرورة اقتضاها واقع محلي مخصوص أعلن الحرب على الثقافة والنور، الأمر الذي عجّل بظهور ذلك الزخم الثر من النصوص التي شغلتها الحرائق المشتعلة في أطراف ثيابها عن مقتضيات القول الفني وشروطه. أما واسيني الأعرج، فقد التبس هو الآخر ببطله الذي اختار منافي الشمال البعيدة عندما استحال عليه العيش وسط الموت والدمار والبداوة الزاحفة على مدينته التي يعشقها حد الفناء، وعند أول لقاء مع أمستردام يقع من دون أن يدري بين رحى التقاطب بين الهنا والهناك: «ياه، هذه هي أمستردام الشهية؟ المدينة البريئة والعذبة التي تنام على الماء، مونتسكيو قال عنها: أحب فينيس كثيرًا ولكني أحب أمستردام أكثر، بها نستمتع بالماء بدون أن نحرم من صلابة التربة، طرقها ناعمة مثل جلد مراهقة، مدينة هادئة ماعدا هدير السيارات الخافت والترام المطرز بالألوان الغريبة، الذي يشقّها طولا وعرضًا وغيمة رمادية ومطر لا يتوقف أبدًا... بدا لي كل شيء واسعًا، الطرقات، المحلات، الممرات، قلوب الناس، المدينة، أبهية المطار المتداخلة، العيون، في الوقت الذي تزداد فيه حياتنا، كل يوم ضيقًا». مئات التفاصيل يسردها الناص مأخوذ ا بهول المفارقة بين عالمين، عالم يقع على مرمى حجر من أعلى وجوه الكمال في الحضارة والعمران البشري الحديث وعالم مهرول نحو نهايته الأكيدة: «مدينتنا رسُقت مثلما تسُرق النجوم، أصبحت قديمة وعتيقة وكأنها ميت يخرج من تحت الأنقاض، الظلال الممتدة تملأ شوارعها التي بدأت تتآكل، السفن تتدحرج، والسواري بدأت زوايا ميلانها تتجاوز شكلها العادي... شخص ما (دعا) على هذه المدينة تقول مريم، شيء ما يدور داخل خفايا هذه المدينة وأحيانا في علنها...لا شيء تغري في هذه المدينة الحزينة التي تموت يوميًا، تموت مثل ريف قديم وتتحول إلى قرية صغيرة، تتهاوى مثل الورق اليابس، كل شيء فيها بدأ يفقد معناه، الشوارع، السيارات، الناس». تجدر الإشارة إلى أن الترميز الوارد في المقبوس عن السواري المائلة والأشياء التي تعتمل في خفايا المدينة وعلنها، تحيل من طرف خفي على بدايات المدّ الإسلاموي بعد حوادث 5 تشرين الأول/أكتوبر 1988، التي تبلغ أوج قوتها في بداية التسعينيات، وهي موضوعة أخرى تتردد في جملة من النصوص التي اشتغلت على الأزمة الجزائرية، أو تلك التي ظهرت خلال العشرية السوداء واضطرت، نزولا عند مقتضى المرحلة، إلى البحث في جذور الأزمة بالعودة إلى بداياتها القريبة، خصوصًا حوادث تشرين الأول/أكتوبر، وهو الاتجاه الذي سلكته روايةالورملمحمد ساري، حيث تتموضع الحوادث في نواحي بليدة الفلاحية، بين مزارع البرتقال والكروم التي يرصد تحولاتها منذ الحقبة الاستعمارية إلى المرحلة الاشتراكية بعد الاستقلال، إلى خيارات الانفتاح واقتصاد السوق في بداية التسعينيات، وأثر ذلك في وجدان الفلاحين والقرويين، معرّجًا على حوادث تشرين الأول/

أكتوبر والندوب العميقة في وجدان الشباب الذين تعرضوا للتعذيب في مخافر الأمن، وسوف يكونون الأنوية الأولى للخلايا الإرهابية التي توجّه ضرباتها الأولى إلى عناصر الأمن، آخذة بثأرها القديم. يمكن التمثيل لحالة الاحتقان التي مهدت للمأساة الوطنية من خلال التشكيل المكاني التالي، الذي يختصر بمفرده عمق التحولات التي عاشتها فضاءات أخرى غير الفضاء الحضري العاصمي: «آه على تلك السنوات السعيدة (السبعينيات والمزارع المسريّ ة ذاتيًا)، بعد سنوات، انقلب الوضع رأسًا على عقب، خرج سي العربي (الحارس الطيب الذي كان يسمح للناس بالانتفاع من خيرات المزرعة) وعوضه ناس آخرون، أصبح الحارس مسلحًا ببندقية صيد، يصطاد الأطفال مثلما يصطاد سرب الغربان الناعقة، بلا رحمة ولا شفقة، أحاطوا البساتين بالأسلاك الشائكة، عدنا إلى عهد الكولون، يأتون بالعمال من أماكن أخرى، ورجال وادي الرمان يسندون ظهورهم إلى الجدران ويتفرجون وبصدورهم يتراكم الغضب والحقد، ثم انتشر خبر طرد جميع القاطنين في الأراضي الفلاحية، لم تعد المزارع ملك ا للدولة، بيعت للكولون الجدد الذين سيّجوا المساحات بالأسلاك الشائكة وأقاموا حراسًا بالبنادق». تتقمص قرية واد الرمان هنا دور المعادل الموضوعي الذي يمكّن الناص من رصد التحولات العميقة في بنية المجتمع الجزائري السوسيو -اقتصادية التي يرشح بها مكون المكان الفلاحي، وتتبع سيرورة الشخوص وخيباتها المتكررة، والإحباطات التي تحفر في وجدانهم أخاديد لم يملأها إلا الخطاب الأصولي باستثماره أثر التحولات السريعة التي لم تخلف سوى القهر والبؤس والتهميش. هل يمكن التذرّع بهذا المنحى السوسيولوجي للحكم على المتن التسعيني بالوقوع في مطب التوثيق؟ هل يحق لنا ممارسة الإقصاء على الذوات الاجتماعية للكتّاب؟ فهؤلاء في المحصلة ليسوا سوى مثقفين ينفردون، دون عموم الذوات، بامتلاك رؤية تؤهلهم للخوض في قضايا المدينة من دون انتظار الإذن من أحد ما دام التساؤل عن وظيفة الكاتب والكتابة يمثل «شكلا من المعتقد، الذي يتطلب وظيفة اجتماعية للكاتب كوسيط لمعيش الشعب، وهو ما يفترض وضوح نظر حاد من جهة، وتجذرًا في الواقع السوسيو-سياسي، من جهة أخرى، دون نفي للذاتية التي تجد في الكتابة فضيلة شفائية (صراخ، عزاء، خلاص) أو وجودية، حيث تُعتبر الكتابة مبرر وجود في مواجهة إحباطات اليومي أو، أكثر من ذلك، كذاكرة، وكوسيلة للرقية من الموت». ثم إن الوساطة الاجتماعية التي يمارسها الكتاب، تتخذ شرعيتها الكاملة بالنظر إلى مفهوم الإنتلجنسيا كبنية عليا من بنى المجتمع، تضطلع بدورها الجدلي التاريخي في تفاعل الطبقات بعامل ذاتي لصيق بالفن الأدبي وبعبقرية اللغة التي تمارس دورها (التطهيري) الفردي والجماعي، وفق المفهوم الذي أرسى أرسطو أسسه في نظريته الشعرية الشهيرة.

الذاتي والموضوعي في إنتاجية المتن التسعيني تتجه بنا القراءة، على هذا النحو، صوب المفاهيم النقدية الممارسة لسوسيولوجيا النص في شقّها المتعلق باعتبار الأدب مؤسسة اجتماعية، وهو ما يحتم علينا مراقبة أثر الذاتي في إنتاجية المتن التسعيني، الذي جاء على نحو ما ليقول نوازع الأنا وهي تواجه الموت عاريةً إلا من عتاد الكتابة الزهيد. وقد سبقت لنا الإشارة إلى عدد من

المبدعين الذين وجدوا في الكتابة موئلا وملاذًا عندما أعوزهم الواقع مثيلَها في دنيا الناس، فاستقطبت الذات ال (أنا) مجموع الخطاب النصي لتتحول إلى بطلة مفردة تواجهه الواقع باستماتة، وتخوض معاركها البطولية الخاصة والعامة من دون أن يشاركها فيها سوى من تربطهم بالذات رابطة قريبة من حميمية انكمشت في هذه المرحلة إلى حدودها الدنيا. المثير للانتباه في هذا السياق هو المحكي على طول المسافة السردية الطويلة نسبيًا في رواية ذاكرة الماء لواسيني الأعرج التي تتشكل سيريًّا لتكتب ملحمة المواجهة المعلنة بين الموت المتربص في كل لحظة والرغبة المهووسة بالكتابة في سبيل استكمال النص قبل الاستسلام للمصير المحتوم. أما مايسة باي، فعلاقتها الشخصية بالكتابة تبدأ من اللحظة التي تتحول فيها هذه الأخيرة إلى فرصتها الوحيدة للاستمرار في ممارسة الحياة، تقول: «منذ السنوات الأولى من العشرية الرهيبة الماضية، نحن متجمدون من الخوف، ومن الصمت الحذر. لذلك أكتب لأرى نفسي في الصفحة، ولأتجنب الصراخ. ومن أجل أن أستشعر التفوق على المسألة، فوراء فعل الكتابة، ليست عجالة الوقت هي الأسبق، وإنما الرغبة في تحويل وقائع الرعب، على الصفحة، لتدجينها بفعل الإبداع». بشكل ما تستثمر إمكانات اللغة لخلق عالم تخييلي تتحقّق فيه العدالة الشعرية، عقابًا وجزاء، من دون المخاطرة بالتعرض للرعب الفعلي الكامن في فضاء العالم الواقعي. أليس فعل الكتابة بهذا المعنى ممارسة في غاية الأنانية، تكتفي بتحويل الواقع إلى مادة يتغذى عليها المتخيل الروائي؟ ألا يتحول الكاتب، عبر هذا المسلك، إلى مصاص دماء يعتاش على دماء ضحاياه؟ ألم تنجز الرواية الجزائرية التسعينية أطراسها المرعبة، مكلسة الدماء فوق الدماء حتى إنه «كلما أريقت دماء الأبرياء، بشراسة، على يدي العصابات المتوحشة، كلما قام الكتّاب، وهم كثيرون خلال هذه العشرية، بتغطيتها بالكتابة، أو بحبر الكتابة بالتحديد. وهكذا فإن لكلمة طرس (Palimpseste) معناها الكامل»؟ وربما كان معناها الآخر هو امتزاج دماء الكتّاب بدماء الضحايا، دماء فوقها دماء، لا عاصم من طوفانها إلا الكتابة. ألم تعترف يونيل بأن «الكتابة عندها تحذير من الجنون، وحماية منه»؟ تلك هي المسؤولية الشاقة التي حملتها الكتابة خلال سنوات الدم والنار، أن تكون المتناقضات كلها والجهات جميعها، أن تربّت فوق ظهور المبدعين وتحمل أتعاب الضحايا والمقهورين والواقع والحلم والفجيعة، وأن تكون تلقائية، ثرّة، نابضة بفوران الدماء ورسيس الألم، ورزينة، مكينة، متأملة، توثّق للذاكرة والتاريخ، فلا مناص من أن تفي أو تخون، تنجح أو تفشل، بنسب معيّنة ومقادير متفاوتة لأننا ببساطة طلبنا منها أكثر مما يستطيع كرمها ونبلها وشهامتها ورأفتها ومشاركتها الوجدانية لمحننا، محنة كتابتنا، بينما لم يكن عليها خلال كل ذلك سوى أن تكون ما تستطيع أن تكونه، إما محاكاة وإما تخييلا.

النص التسعيني: توثيق أم تخييل؟

نريد هنا أن نقارب المتن التسعيني في ضوء الاتهام الذي وسم روايات العشرية السوداء بالأدب الاستعجالي، من حيث سطحيتها المفرطة، بإعادة إنتاج الواقع بحرفيته، ومن ثم الافتقار المطلق إلى التخييل والسقوط الكلي في التقريرية الصحافية التي تحرص أكثر ما تحرص على نقل الواقع بأمانة، فأ طلق عليها بسبب ذلك توصيف

أدب الشهادة (Témoignage)، وهو توصيف يحمل ظلالا قدحية انتقاصية أكثر منه معنى الملاحظة النقدية المؤسسة، حيث اتجهت القراءات المشتغلة على ذلك المتن، في عجالات صحافية غالبًا، إلى التماس الأعذار لتوجهها التوثيقي ذلك، باعتبارها كتابات نضالية عضدت الصحافة وشدت ساعدها في التزامها بفضح الإيديولوجيا الأصولية بتبليغ صوت الضحايا والأبرياء، وبالتنديد بالوحشية والبربرية والإرهاب الدموي الأعمى. يصرح رشيد مختاري بأن: «حجم الشهادات المكتوبة التي ظهرت منذ 1988، قد صورت photographié ونددت بالمأساة بواسطة الكلمات اليومية العادية المنتزعة من الضبابية المفروضة، مبينة الحدث L’Evénement بكل قساوته، دون أن تبحث عن إثارة الإعجاب أو الخيبة. حيث تآزرت مع الصحافة، متخلية عن الأثر الأسلوبي، عندما أصبحت وظيفتها الجديدة هي أن تبلغ بقدر ما تسنتج الخلاصة السياسية لهذه المأساة، ومن ثم فهي لا تسعى إلى شرحها وإنما إلى تسجيلها في الزمان والمكان». أليس التسجيل في الزمان والمكان، على حد تعبير الكاتب، هو على نحو ما قبضٌ على لحظة هاربة في سيرورة الزمن والتاريخ؟ ألا يعني ذلك تحوّل الرواية إلى فوتوغرافيا تتوسل اللغة بدل عدسة الكاميرا من دون أن ترتبط الصورة الفوتوغرافية حتامً بالجمود الذي قد يتبادر إلى الذهن، لأنها تتحول إلى تخييل مفعم بالحركة عندما تُزَج في عملية التلقّي، وعندما يتلقاها كلّ راء /قارئ بكثافته الوجودية وتجاربه الخاصة وآلياته الذاتية في تفكيك الصورة وإعطائها المعنى الذي يريد؟ وعلى هذا الأساس يتحول البُعد الفوتوغرافي للمتن التسعيني إلى مادة صلبة، حافظة للتاريخ والذاكرة وتفاصيل المأساة الوطنية. ثم لماذا لا تقارب هذه الفوتوغرافيا باعتبارها خيارًا فنيًا ينمّ عن تصور ما لوظيفة الكتابة ولقضايا الرواية أكثر مما شي بالقصور في التعامل مع مقومات الكتابة والتخييل؟ ولم لا نرى فيها تجاوزًا للالتزام بالمعنى الذي بلورته الواقعية الاشتراكية وطوّرته إسهامات سارتر على الرغم من خطورة الانزلاق صوب الوعظية والمباشرة والرواية ذات الطرح؟ إذ المعاني تتجدد والواقع زئبقي بطبيعته، بما يجعل الرهان على المرحلة، أي مرحلة، يفضي إلى تسطيح العمل بربطه بقضايا لا تتضمن بالضرورة عمق القضايا الإنسانية الكبيرة التي تتيح للنص فرصة تجاوز مرحليته وآنيته باتجاه الخلود. التزام المتن التسعيني الحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم الالتزام تطرح نفسها في ضوء ما سبق بإلحاح. هل الأمر تحميل الرواية أكثر مما في استطاعتها أن تحتمل من نضال من أجل الحق والحرية والمعاني الإنسانية السامية والمثُل العليا وتوجّه خاص في الحياة، مذهبي عقدي أو إيديولوجي، أم الانكفاء بعيدًا عن كل ذلك على شحذ مقوماتها وتطوير آلياتها لكي لا تقع في سطحية المرجعي؟ الواقع أن الالتزام بعيدًا عن أي تشقيق مذهبي أو نظري يظل، على حد قول محمد برادة، متعالقًا مع «الدلالة العامة لما توحي به كلمة التزام من انشغال المبدع بقضايا القبيلة أو المجتمع أو العشيرة، واتخاذ مواقف تجاه قضايا سياسية أو دينية. فهذه الدلالة قد وج دت منذ وجِد الأدب، ولا نكاد نعثر على مبدع لم يتفاعل مع هموم وصراعات مجتمعه». نستطيع في ضوء هذا المعنى الذي يقرره محمد برادة أن نفسر إلى حد ما تلك الوفرة الوافرة من النصوص التي سارعت إلى إدانة الأعمال الإرهابية، بالطرائق التي وفّق إليها الكتّاب، متفاوتين كل التفاوت في أساليب مقاربتهم لعجالة المرحلة ومتقاربين في الالتزام بمقاومة

  1. 37 محمد برادة، «تحولات مفهوم الالتزام في الأدب العربي الحديث،» نزوى، العدد.)2001(25 38 برادة، «تحولات مفهوم الالتزام.» 39 Mokhtari, Le Nouveau, p. 158. 40 يبقى الاعتراف الخارجي بالرواية العربية حلم الكتّاب جميعًا على اختلاف مذاهبهم، في الوطن العربي كله، وحتى في غيره من البلدان المتخلفة. ولا يزال هذا الحلم مثار كثير من الجدل حول مفهوم العالمية التي يقول بشأنها واسيني الأعرج إن الروائي العربي، كغيره من كتّاب العالم، منشغل بالعالمية التي تعني في شطر منها إخراج جهده الإبداعي من دائرة الضيق إلى دائرة الاتساع بما تعنيه من انفتاح وإنسانية. وسؤال العالمية الذي تطرحه الرواية العربية على نفسها أمر مشروع لأنه محاولة لتحديد وضعها في سياق الرواية العالمية وفي الذاكرة الجمعية الإنسانية، للوصول إلى الاعتراف بها كمنجز إنساني لا كمجهود فردي أو جماعي مرتبط بمحلية تضيق الخناق أكثر مما تدفع بالرواية نحو وضع اعتباري يليق بها. انظر: «سلطان ال Big Brother،»، الخبر،.2008/4/3

الوحشية بلا هوادة، وفي الإشادة بقيم التسامح والحرية وتقبّل الآخر والحوار ونسبية المعرفة، كأنهم بدفاعهم عن قيم الفضاء الاجتماعي الحر يدافعون عن شروط وجودهم كنخبة مثقفة وعن شروط وجود الرواية، مدركين أن لا رواية جديرة بهذا التصنيف من دون حرية، وأن الاستبداد والطغيان والتطرف تئد الديمقراطية والحرية والرواية والمثقف والثقافة جميعًا. وبإدراكها المميز ذاك لرهانات الكتابة والمعاني الوجودية المتخفية وراء الصمت والسلبية تارة، ووراء التنديد والتصدي والنضال تارة أخرى، تجد الرواية نفسها، من دون أن تسمّي ذلك، وتقف في خط المواجهة مع كل ما يرتهن وجودها أو يستبيح مبررات وجودها. وعندما ندقق النظر «نجد أن بصمات مفهوم الالتزام ما تزال سارية المفعول عند جزء من الكتّاب ولكن بفهم مغاير، يتفق على مسؤولية المبدع، إلا أنه يسلك طريقة نوعية في تحقيق تلك المسؤولية. وفي مجال الأدب العربي الحديث، لا نظن أن القضية قد أصبحت متجاوزة، وذلك بسبب عدم الوضوح الذي يطبع علاقة النقد بالنص الأدبي وبالقارئ تحت ضغط المشكلات الاجتماعية والسياسية التي تجعل معظم النقاد يتحرزون من المجاهرة باستقلالية الأدب عن الخطابات الإيديولوجية. لكن واقع الإبداع، في نماذجه الجيدة، يشخّص نوعًا آخر من (الالتزام) لا تكون فيه القيمة الفنية والرؤية الذاتية أقل من المضمون ودلالاته المختلفة». الواقع أن هذا النوع من الالتزام الذي ألمح إليه محمد برادة، والذي لا يضحّي بالقيم الجمالية والفنية في سبيل القضايا (الكبيرة)، بل يظل في منطقة «المابين» محاولا الأداء الالتزامي من حيث لا يفرّط في الأداء الفني، هو وحده القادر على النفاذ من «وصمة» الاستعجال وظرفيته إلى أرضية الاستمرارية والتجذر في مدوّنة تاريخ الأدب القومي. يعلن واسيني الأعرج، في إجابته عن سؤال حول رأيه في مفهوم «الأدب الاستعجالي»، اعتراضه المطلق على المفهوم واعترافه بوجود كتابات يمكن تصنيفها في خانة الشهادة بحكم إغراقها في المرحلية: «صحيح، في بعض الروايات، بُعد الشهادة هو الغالب، لأنها تشهد على حالة معيّنة، وعلى مرحلة محددة، وهي التي يمكن توصيفها بأدب الشهادة. هذا النوع من الأدب لا يهمني كثيرًا، هذه الشهادات تفيد التاريخ، والذات نفسها، لأن هناك حاجة ماسة لأطرح هذا كله على المجتمع، غير أنها آثار متعلقة بمرحلة معطاة، وإمكانات الاستمرارية محدودة جدًا، متى أرادت مغادرة فضائها إلى فضاء آخر». يكتسي هذا التصور الذي يصدر عنه الحكم القيمي لواسيني الأعرج أهمية خاصة لأنه يعربّ عن انشغاله العميق بقضايا الكونية والخلود، ولكونه واحدًا من المبدعين الذين سجلوا خلال العشرية السوداء تراكامً روائيًا معتبرًا تجاوز الحدود القطرية إلى البلاد العربية والأوروبية، واستقطب اهتمام الخطاب النقدي العربي باشتغاله المميز على موضوعة العنف والتطرف والأصولية. ذلك ما يضفي على وجهة نظره بخصوص الواقع الجزائري والنصوص التي اشتغلت عليه إبان العشرية السوداء نوعًا من الوجاهة في الجدل الذي أثارته إشكالية التوثيق والتخييل فيها.

محلية أم كونية؟ إن الفهم الذي أسس به واسيني الأعرج وجهة نظره حول قضية الكونية والخلود، في سياق حديثه عن التوثيق و«الشهادة» في متن العشرية السوداء، يعيد إلى الواجهة ذلك الجدل القديم الجديد الذي ما انفك يردده الخطاب النقدي العربي حول محلية الرواية العربية وكونيتها كلما أثيرت قضية الفولكلور والعرب وإشكالية التعبير عن الذات كما وضحها وناقشها عبد الله العروي في كتابه الإيديولوجيا العربية المعاصرة. ثم إن مغازلة الكونية، بقدر ما تحمل من طموح مشروع للرواية العربية من أجل ارتياد آفاق العالمية، وما يعنيه ذلك من شحذ لإمكاناتها الفنية والدلالية، يحمل في ثناياه قدرًا لا بأس فيه من التخيلّ عن القضايا الاجتماعية، والتنصل من المسؤولية الثقيلة المنوطة بها، أو على الأقل، لم يعد ذلك من أولوياتها ضمن الحركة الشمولية لمفهوم العولمة، كأن الأدب لم يُرضه البقاء على هامش الكونية الشاملة لمختلف مناحي الحياة، فراح يعلن تحرره من قيود الإطارية القطْرية، والارتماء في النهر الجارف لأفكار العالم الفسيح. صحيح أن تحوّل مفهوم الالتزام في الخطاب النقدي العربي بعد انحسار جمالية المقاومة، وتخيلّ المثقفين والكتّاب عن أدوارهم الطليعية، قد أدى إلى فهم جديد للواقعية لخ صه محمد برادة بقوله: «يبدو لي إذا أردت أن أغامر بتوصيف الوعي النظري الآخذ بالتبلور، راهنًا، في الساحة الأدبية العربية، أن مفهوم الأدب يرفض استنساخ الخطابات الإيديولوجية والسياسية السائدة، ويميل إلى استيحاء ما هو قيد التشك ل، وما ينبت في أعماق الذات المبدعة، ملامسًا لحظات الحميمية والتساؤل عن الكينونة والمصير، وعن العلاقة بالتاريخ وبالآخر»، لأن «المجتمع الذي يريد الأديب العربي وصفه يحكم على نفسه بالضعف والتخلّف. فإذا ما قنع ذلك الأديب بصورة تعكس الواقع بلا زيادة ولا نقصان، فإن الصورة التي ينجزها ستحافظ على نفس التخلف مع أن المطلوب من الفن هو تجاوزه وتداركه. إن العرب يحلمون دائامً باستدراك ما ضاع منهم، ومجال الاستدراك هو الفن، الأدب بخاصة، أكثر مما هو الفكر المجرد». وعلى هذا الأساس، لم يعد من المفيد للأدب العربي في شيء أن يقف بنفسه عند واقع هذا شأنه، في الوقت الذي يمكنه استغلال إمكاناته في سبيل الثأر من تخلّف عالمه، في المجالات التي لا يمكنه المغامرة فيها، وهو ما جعل العروي يتساءل: «أي نفع في التعبير إن هو ترك الواقع على حاله، ناقصًا غير مكتمل ولا محتمل؟». ينبغي أالّ نفهم تساؤل العروي في هذا السياق كدعوة تستدعي نظرية أرسطو عن المحاكاة ودور الأدب في إظهار الواقع أجمل مما هو عليه، بل هي دعوة إلى فهم عميق للمجتمع وبناه من أجل بناء صورة احتمالية ممكنة التحقق، بعيدًا عن التجريد الذي يسم الرواية العربية، التي تبدو، على حد قول برهان غليون: «لا كتاريخ للشخص والمجتمع ولكن بالأحرى، كتأريخ لهذا التاريخ، تمامًا كما يبدو المقال التاريخي العربي مقالا عن التاريخ أكثر مما هو تحقيق التاريخ ذاته». وعليه، فإن ارتباط العمل الأدبي بحقائق وقضايا اجتماعية مباشرة ليس هو

ما يضعف أو ينال من خاصياته الجمالية، كما أن الواقع الاجتماعي حين يعاش ويدرَك بعمق، يؤهل العمل أكثر ليشع كقيمة جوهرية في النظام الذي يهيكله. وعلى هذا الأساس، يعلّق واسيني الأعرج كتابته للراهن بالتقاط الجوهري وإعادة صوغ الواقع بما يتماشى والتحولات الجديدة لمفهوم الواقعية والالتزام كما أبَنّا عنها سالفًا، يقول: «أما أنا فأفهم الأدب كقدرة على الإمساك بالجوهري داخل المجتمع، غير أن وظيفتها ليست إعادة صياغة ما تمسك به، وإنما إعادة تشكيل، وإعادة كتابة تاريخ آخر على علاقة أكيدة بتاريخ البلاد، تتجاوز الكتابة التبسيطية للشهادة. تلك هي مهمتي الأدبية. طبعًا لا يمكنني الانفصال عن الواقع الوطني، هذا واضح، ولكن في نفس الوقت، يجب أن نتجنب، عند استقرارنا داخل الأدب، أن تكون مجرد إعادة إنتاج للواقع، بل يجب البحث عما هو مخفي خلفه». وعليه، فإن السؤال الجوهري الذي اتضحت ملامحه في ضوء المقبوسات السالفة هو: إلى أي حد استطاع هذا الأدب، متن العشرية السوداء الذي يعنينا في هذه القراءة، أن يكتب واقعه من دون أن يسقط في التقريرية والمباشرة؟ أو ما هي الأعمال التي استطاعت أن تنجز متخيّلها، متكئة على واقع المأساة الوطنية، ومراعية لشروط تكوّن المحكي وجاعلة منه فضاء أغنى من الفضاء المادي، متوسلة ما تتيحه اللغة من استعارة ورمز وشعرية تزيدها الرؤية الذاتية عمقًا وظلالا، هي بالتأكيد أكثر تأثيرًا من الواقع نفسه، من دون إغفال تلك التي التصقت بالواقع التصاقًا نفى عنها إمكان تجاوزه وإعادة صوغه، فتسترت وراء الأسلوب الفوتوغرافي، تاركة المشهد يقول فظاعته المجمدة في الفضاء والزمن. ذلك السؤال، في اعتقادي، هو المحور الذي يتم عبره عرض أدب العشرية السوداء على آليات النقد لمساءلة الاختيارات الجمالية لتلك المرحلة من التاريخ، غير أن ذلك لا يتم إلا في الإطار الذي تحدده طروحات سوسيولوجيا الرواية ومفاهيم الواقع والمتخيل واللغة والإيديولوجيا، لأنها تبحث في السؤال الكامن وراء الظاهرة التي نحن بإزائها، وهي الحدود الفاصلة بين الرواية والتاريخ، والتداخلات التي يمكن ملاحظتها بينها، في ظرف تاريخي مميز بخصوصيته، كالمرحلة التي نحن بصدد بحث تمظهراتها السوسيو- تاريخية على مستوى الخطاب الأدبي، لأنه من الممكن «أن نرى في العمل الأدبي مجرّد وثيقة متّصلة بمرحلة تاريخية معينة، ومن الممكن أن نتصوّر العنصر الاجتماعي على أنه عنصر يشرح الحلول الجمالية للعمل الأدبي. كما أن من الممكن دراسة العلاقة الجدلية بين هاتين الوجهتين، أي بين العمل كحقيقة جمالية من ناحية، والمجتمع كسياق مفرسّ شارح من ناحية أخرى، بحيث نرى أن العنصر الاجتماعي هو الذي يحدد الاختيارات الجمالية في نفس الوقت الذي تصبح فيه دراسة العمل وخواصه البنائية من عوامل فهم مجتمع ما بشكل واضح». وعليه ينهض السياق. يؤدي السياق السوسيو-تاريخي، بلا جدال، أحد أكبر الأدوار في عملية التشكيل والتأثير في تبلور الإنتاج الأدبي، وخصوصًا في جانبه المضموني والدلالي، «فالمجتمع سابق في وجوده على العمل الأدبي لأن الكاتب مشروط به، يعكسه ويعربّ عنه ويسعى إلى تغييره، والمجتمع حاضر في العمل الأدبي حيث نجد أثره ووصفه، وهو موجود بعد العمل لوجود سوسيولوجيا للقراءة وللجمهور الذي يقوم، هو أيضًا بإيجاد الأدب، ولوجود دراسات إحصائية لنظرية التلقّي».

تجدر الإشارة إلى أن الواقع المقصود بالدراسة في المتن التسعيني ليس واقعًا عاديًا في بساطة وانسيابية الستينيات والسبعينيات في الوطن العربي، ولا في وضوح معطيات العالم الغربي، لأنه واقع متشابك ومفرط التعقيد، لا تتوضح فيه الأوضاع الاجتماعية عن السياسية وعن الأيديولوجيا، فضلا عن انخراطه في حرب غير محددة الأهداف، كان من نتائجها الصدمة والارتباك وزعزعة الإيمان الراسخ بالثوابت الموروثة، ومن ثم تشتيت «انتباه» النص الروائي الذي استحال عليه إنتاج المعنى واستثمار مقومات الواقع من دون الوقوع في التأريخ وفي عجالة الوصف، فتجلّت أوضح اضطراباته في التغيير الحاصل على مستوى الالتزام، وفي مستوى علاقة الأدب بالمرجع وبالمصادر الواقعية خارج النص، وهو ما أدى إلى إعادة نظر ذات دلالة بالغة لمفاهيم الواقع والواقعي عند الكتّاب المكّرسين الذين وقفنا على بعض تصوراتهم، ومنهم مايسة باي التي صرّحت بالقول: «في كتابتي لهذه القصص، كانت عندي ثلاث إمكانيات من المقاربة، تكمن الأولى في الالتصاق بالواقع الحدثي البارد، وعليه اختيار أسلوب السرد الصحفي، وتكمن الثانية في التشكل عبر السخرية، أما الثالثة التي تبنّيتها وهي التي تفسر التوتر الحاد للنص، فتعطي للواقع بُعدًا شعريًا. حيث تتسامى جمالية النص عن الحدث». يكشف المقبوس السالف عن استراتيجيات المقاربة المعتمدة في كتابة الراهن الجزائري عند كاتبة مهمة من كتّاب التسعينيات، من حيث إنه يكشف عن وعي الكتّاب برهانات الكتابة الروائية في تلك المرحلة المأساوية من التاريخ، ومن حيث إنّه يؤكد الاختيار الواعي للأسلوب الصحافي أو الفوتوغرافي الذي وسم كتاباتهم بالشهادة. وعليه، لا مكان إلى جانب ذلك التوجه الواعي إلى الأحكام المعيارية بقدر ما ينبغي إعادة مقاربة ذلك المتن في ضوء هذا الخيار. إن مفهوم الالتزام، كما تجلى لنا في متن العشرية السوداء، على الرغم من اختلاف تصورات الكتّاب لتشعباته ولقضاياه المتعالقة مع الواقع والمتخيل، قد عربّ عن نفسه في الرفض المطلق للنهاية المفجعة التي انتهى إليها المسار الديمقراطي الفتي في التجربة الجزائرية، واضطر إلى عقد مساءلات عميقة للإيديولوجيا التي بررت خيار القتل والدمار من أجل مطالب سياسية بالدرجة الأولى، ومن ثم انزلقت، نزولا عند مقتضى الطبيعة الاستمرارية لترسبات المطالب السياسية وملابساتها القديمة نسبيًا، إلى كتابة التاريخ من حيث تكتب الواقع، فالفرق بين الرواية والتاريخ، في نهاية المطاف، «لا يكمن في أي منهما أكثر اتصافًا بالواقعية بل في كيفية بناء الواقع، وإعادة تشكيله داخل النص». غير أن التاريخ الذي نشير إليه هنا، هو ما تتفطن إليه حاسة الكاتب من المغيَّب والمهمَّش والمسكوت عنه عندما تنبش الذاكرة الجماعية، وتنفذ إلى ما يستقر تحت هدوء قشرة الوعي، وتناوش المناطق المحرّمة من الفكر والثقافة والإيديولوجيا، عندها فقط تصبح بديلا للتاريخ الرسمي وللتاريخ العال.

مهما يكن، فإن الحقيقة التي ينبغي تأكيدها وسط معمعان الأسئلة الحافة التي استدرجنا إليها المتن التسعيني، هي أن هذا الأخير قد استطاع أن يحسم معركة التأريخ لصالحه، فما تقوله الرواية زمنيًا في لحظة، «يحتاج فيه التاريخ إلى كل الاستحالات للقيام به، فالتاريخ من هذا المنظور، هو لعبة الكاتب، مثلما الكلمات، ومادته المعجونة sa patte a modeler التي تعجن بضوابط تنتمي إلى الأدب وليس إلى التاريخ بالمعنى الصارم، فتتحوّل العلاقة الإبداعية بالتاريخ إلى مساءلة واختراق، إنها معركة ضد المسكوت عنه والمسكّت عنه، فالرواية تواجه التاريخ بالسؤال الهدمي وبالكلمات، والمحرّمات وبالذاكرة المتحفزة، إنها معركة انتزاع شرعية الخطاب، مخاطبة الآخر المهيمن والمدوّن للتاريخ الرسمي بكل الغيظ والغضب، نكاية ببلاغته وبتاريخه المقولب وبأشخاصه المصنعين». بناء على هذه العلاقة الالتباسية بين الخطابين، يمكن أن نقول في خاتمة هذه المقاربة إن الرواية التسعينية استطاعت أن تؤسس خطابها المميز، وأن تبلغ صوتها إلى الآفاق البعيدة، وأن تكون البديل، في تلك المرحلة المظلمة، من آلة التاريخ البطيئة، حيث تكشفت عن شجاعة نادرة في مقاومتها المستميتة من أجل قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية بفضحها لبنية الإيديولوجيا الأصولية، وفساد السلطة، والحيف الاجتماعي، وخيبة أمل جيل الاستقلال، وغيرها من الأدواء التي وفرت المناخ المناسب لتنامي ظاهرة التطرف.