التحوّلات السياسية والاجتماعية والجمالية في الرواية الفلسطينية على مشارف القرن الواحد والعشرين
The Political, Social, and Aesthetic Transformations in the Palestinian Novel on the Eve of the Twenty-First Century
الملخّص
يصعب عزل الرواية الفلسطينية عن رحمها العربي إلا استجابةً لمتطلبات البحث العلمي. فلسطين حاضرة بقوة في الرواية العربية، شأنها شأن حضور الهموم والانشغالات العربية بقوة في الرواية الفلسطينية. ومع ذلك، فإنَّ ثمّة ضروبًا من التميّز تسم الرواية الفلسطينية، وأوّل ما يلفت الانتباه بينها هو حضور الذاكرة، بل استنهاضها، كفعل مقاوم، الأمر الذي يتجلى في انتشار ظاهرة الأعمال المتسلسلة التي تحكي التاريخ الفلسطيني على أجزاء، كما يتجلى في جَعْلِ المشهد الروائي الفلسطيني محلاً تنعكس فيه تحولات القضية الفلسطينية: الحديث عن السلام والتطبيع؛ العمالة داخل الخط الأخضر؛ قيام دولتين أو دولة بقوميتين؛ هجاء السلطة؛ الشتات الفلسطيني؛ سجون الاحتلال... ولقد عرف المشهد الروائي الفلسطيني في مرحلة ما بعد أوسلو انعطافات حادة هي جزء من الانعطاف الحاد في حياة الفلسطينيين الفكرية والسياسية والاجتماعية والأدبية بعد هذا الحادث، وهو ما طرح موضوعات جديدة تتناولها هذه الدراسة في عدد من الروايات، فضلًا عن تناول ما رافق ذلك من تجرّؤ على التقاليد الروائية المعهودة.
Abstract
Palestine is strongly present in the Arabic novel; just as Arab concerns are strongly present in the Palestinian novel. Nevertheless, there are some differences marking out the Palestinian novel, the first of which to attract the attention is the presence, or evocation, of memory as an act of resistance, which has given rise to series of novels telling Palestinian history in parts, and in making the scene of the Palestinian novel reflect the transformations of the Palestinian cause: talk of peace and normalization, labor inside the Green Line; a two-state solution or a single bi-national state; mockery of the PA; the Palestinian diaspora; the prisons of the occupation, and so forth. The scene of the Palestinian novel since Oslo has experienced a sharp turn, which is part of the sharp turn in the intellectual, political, social, and literary life of the Palestinians after that event, which posed new subjects which this study considers in a number of novels, as well as dealing with the boldness towards novelistic traditions.
- الرواية الفلسطينية
- التاريخ الفلسطيني
- الشتات الفلسطيني
- الجمالية
- Aesthetics
- Palestinian Novel
- Palestinian History
- Palestinian Diaspora
يصعب عزل الرواية الفلسطينية عن رحمها العربي إلا استجابةً لمتطلبات البحث العلمي. فلسطين حاضرة بقوة في الرواية العربية، شأنها شأن حضور الهموم والانشغالات العربية بقوة في الرواية الفلسطينية. ومع ذلك، فإنَّ ثمّة ضروبًا من التميّز تسم الرواية الفلسطينية، وأوّل ما يلفت الانتباه بينها هو حضور الذاكرة، بل استنهاضها، كفعل مقاوم، الأمر الذي يتجىلّ في انتشار ظاهرة الأعمال المتسلسلة التي تحكي التاريخ الفلسطيني على أجزاء، كما يتجلى في جَعْلِ المشهد الروائي الفلسطيني محالّ تنعكس فيه تحولات القضية الفلسطينية: الحديث عن السلام والتطبيع؛ العمالة داخل الخط الأخضر؛ قيام دولتين أو دولة بقوميتين؛ هجاء السلطة؛ الشتات الفلسطيني؛ سجون الاحتلال... ولقد عرف المشهد الروائي الفلسطيني في مرحلة ما بعد أوسلو انعطافات حادة هي جزء من الانعطاف الحاد في حياة الفلسطينيين الفكرية والسياسية والاجتماعية والأدبية بعد هذا الحادث، وهو ما طرح موضوعات جديدة تتناولها هذه الدراسة في عدد من الروايات، فضلا عن تناول ما رافق ذلك من تجرّؤ على التقاليد الروائية المعهودة.
تقديم
رغم كل ما يؤخذ على الرواية العربية من أنها فن محدث ودخيل وابن هجين ضاع نسبه بين الشرق والغرب، فإن هذا الفن فرض وجوده واستطاع أن يتصدّر المشهد الأدبي، نظرًا إلى ما له من خصائص تجعله قادرًا على حمل المعارف والرؤى والأفكار التي تتعثّر الأشكال الأدبية الأخرى في حملها. وقد حمل هذا الفن منذ إرهاصاته البكر همّ المجتمع العربي إنسانًا وتاريخًا وقيامً حضارية؛ ففي مصر، رائدة الفن الروائي العربي،
كانت روايات نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس ولطيفة الزيات وفتحي غانم وصنع الله إبراهيم وإبراهيم أصلان وغيرهم، تحكي قضايا الوطن العربي من خلال روايتها لقضايا مصر. وفي المشرق العربي، حملت روايات حليم بركات وهاني الراهب وإلياس خوري ونبيل سليمان وعبد الرحمن مجيد الربيعي وغالب طعمة فرمان وغسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا ليس همّ دمشق وبيروت وبغداد وعامّن والقدس فحسب، بل همّ قضايا الإنسان العربي من مشرقه إلى مغربه أيضًا. كذلك هي الحال في الكتابات الخليجية، كمثل ما نرى في روايات عبد الرحمن منيف وتركي الحمد وغازي القصيبي وغيرهم. أما في المغرب العربي، فلدينا، على سبيل المثال، روايات الطاهر وطّار وعبد الله العروي وأحلام مستغانمي ومحمد شكري وإبراهيم الكوني وآخرين. وما قولنا الرواية الفلسطينية عزلا لها عن رحمها العربي، وإنما هو استجابة لمتطلبات البحث العلمي الذي يحصر الباحثين ضمن دائرة محددة، ويلزمهم بقسط معنيّ من الكلام؛ ففلسطين حاضرة بقوة في الرواية العربية. كما أن للهموم والانشغالات العربية صداها القوي في الرواية الفلسطينية. وأول ما أتذكره في هذا المجال هو محاضرات د. عبد المحسن طه بدر، التي كان يلقيها علينا في السنة الرابعة في جامعة بيروت العربية عام 1970، حيث كانت رواية غسان كنفانيأم سعد الشاهد الحاضر أبدًا في ذهن الدكتور على واقعية الرواية العربية وصدقها الفني. كما أن قضايا العرب الرئيسة، كالوحدة والعروبة، حاضرة في أشد الروايات تخصصًا بفلسطين، لا لأن الفلسطينيين متمسكون بعروبتهم كدثار يقي هويتهم وانتماءهم التلاشي والاندثار فحسب، وإنما لأنهم أيضًا منتشرون في معظم الأقطار العربية ويعيشون خصوصية مشكلاتها ويتفاعلون معها. فالروائيون الفلسطينيون، رجالا ونساء، عندما يكتبون عن قضيتهم يكتبون أيضًا عن المكان والبيئة التي يعيشون فيها. ونحن نرى انعكاس البيئة المحلية حتى عند أشدهم التزامًا بالقضية الفلسطينية كغسان كنفاني مثلا؛ فهذا الروائي كتب روايته الأولى رجال في الشمس وتوجّه بكليته إلى الفلسطينيين. وكان همّه كله أن يحرِّض شعبه على رفض الشتات بالتوجه إلى فلسطين. ولم يكن يقصد أن يكتب عن أي مشكلات اجتماعية عربية، ولكن لا وعيه فعل ذلك. كتب كنفاني يصف الحالة الاجتماعية البائسة في المخيمات الفلسطينية والضائقة الاقتصادية التي دفعت الناس إلى البحث عن حلول فردية، فكان بذلك يحكي قلق شريحة كبيرة من المجتمعات العربية في الأقطار الفقيرة، كمصر ولبنان وسورية والأردن. كتب ينهى الفلسطينيين عن التفتيش عن حل آني وفردي لمشكلاتهم، ويحرّضهم على التوجّه إلى فلسطين لا إلى الكويت، ولكنه كان من دون أن يدري يتنبأ بما سيحصل في العائلة العربية من تفكيك سببه انفصال رب الأسرة عن عائلته للعمل في دول النفط الغنية، وما سيتركه هذا التفكيك في حياة الأبناء على وجه الخصوص. كما أنه لم يدر في خلد كنفاني وهو يصف في مشهد قصير حوارًا بين أبي الخيزران وموظف الجمارك على الحدود الكويتية – العراقية، أنه يصف مأزق الإنسان العربي الذي قدّمته لاحقا رواية هاني الراهب رسمت خطًا في الرمال؛ فبطلها شهريار، الذي نام دهرًا، صحا ليتفاجأ بالمتغيرات الحاصلة في مملكته، فنسي دوره الحضاري، وغاص في حياة الترف (حياة النفط). والحالمون المنسلخون عن واقعهم الذين لايزالون
يعيشون على أمجاد التاريخ العربي، والناس الذين سلبتهم السلطات كرامتهم حتى خضعوا أمام متطلبات الحياة الضرورية، فتنازلوا عن قيمهم كي ينالوا رضى السلطات ويتحاشَوا غضبتها، مثّلتهم على عجل رواية رجال في الشمسبشخصية كل من أبي الخيزران العاجز، الذي يدّعي الفحولة الجنسية ويخبر عن مغامرات وهمية، ورئيس المخفر الكويتي اللاهي عن القيام بواجبه الوظيفي بالاستماع إلى هذه الروايات، والرجال الثلاثة الصامتين الأذلاء في الخزان. وكتب يحيى يخلف في أول عمل روائي له، نجران تحت الصفر، متحسسًا الحالة العربية بوجهيها السياسي، حيث صوّر مجتمع اليمن الغارق في البؤس والجهل والتخلّف، ونقل تفاصيل الصراع السياسي بين اليمن والسعودية، مشبّهًا ما يحدث في نجران بما هو حاصل في المخيمات الفلسطينية؛ فحارة العبيد تشبه مخيم اليرموك، وأجواء المطاردة فيها مثيلة لما يحدث للفلسطينيين في كثير من دول اللجوء. ويحيى يخلف، الذي كان يعيش في منطقة نجران في السعودية في أثناء الحرب اليمنية بين الجمهوريين والإماميين، انفعل بالحدث وكتبه بإحساس وتفهّم ونضج يصعب معها التفريق ما إذا كان هذا الكاتب يمنيًا أو سعوديًا أو فلسطينيًا. ولنا في رواية جبرا إبراهيم جبرا صيادون في شارع ضيق مثل آخر؛ فقد صوّر فيها بعين الفلسطيني اللاجئ، خريج جامعة كيمبردج في الأدب الإنكليزي الذي يصل إلى بغداد بعد النكبة، التحولّات التي شهدتها مدينة بغداد في خمسينيات القرن العشرين عن طريق وصف مجموعة من الشباب يمثّلون المجتمع البغدادي: الشاعر والصحافي والمفكر واليساري المتطرف، والرافض للمأسسة الداعي إلى الرجوع إلى حالة البداوة. بل إن جبرا لم يغيّب الحالة العربية حتى في أشد رواياته تخصصًا بفلسطين، ذلك لأنه صاحب مشروع عروبي تثويري مستقبلي يهدف إلى رفع شأن المجتمع العربي لا المجتمع الفلسطيني فقط. وعندما كتبت ليلى الأطرش رواية صهيل المسافات التي تبحث في أزمة المثقف، جعلت بطلها صالح أيوب المولود في غابرة، نموذجًا للمثقف السلبي الانتهازي الذي لا نراه فقط في غابرة (فلسطين)، وإنما في كل مدينة وجامعة ومؤسسة صحافية عربية أيضًا. صالح أيوب، المثقف المأزوم الذي خرج من قريته إلى المدينة ليتخلص من وصاية حمود الواشلي، يحمل في وجدانه أصالة الريف الذي ولد فيه وشوّهته ممارسات الوصي المتسلط الظالم، فعاش حياته ممزَّقًا بين حقيقتين: حقيقته الداخلية الأصيلة التي تعرف قيم الخير والحق والجمال، وحقيقته الخارجية النهمة إلى القيم النفعية من نفوذ ومال ومجد. صالح هذا موجود في جميع الأزمنة والأمكنة العربية. وتلاقت كتابات سحر خليفة مع معظم الكتابات النسوية، ككتابات غادة السامّن ولطيفة الزيّات ونوال السّعداوي وآسيا جبار وحميدة نعنع وكوليت خوري، تحت عناوين عريضة أهمها النضال ضد مجتمع ذكوري يهمّش المرأة ويقمع سعيها إلى تحقيق ذاتها. رغم هذا التكامل بين الروايتين العربية والفلسطينية، يبقى للرواية الفلسطينية خصوصية لا يمكن تجاهلها؛ فهي لصيقة القضية حتى في الروايات التي تبدو في ظاهرها بعيدة عنها؛
هي المرآة التي تعكس تباين مراحلها؛ هي في زمن الثورة رواية تحريض وتثوير وحث على النضال، وفي زمن الانهزامات استنهاض للذاكرة وتوثيق لمعاناة الواقع المعيش؛ هي في الأغلب رواية ملتزمة، مع جنوح صوب التجريب والحداثة بدأ يظهر منذ تسعينيات القرن العشرين. بدأ العصر الذهبي لرواية القضية الفلسطينية برواية رجال في الشمس (1962)، وكانت في ذلك الزمن رواية محرِّضة، إذ حثّت على الثورة، وقست على من حاولوا إيجاد حل فردي لمشكلاتهم بأن رمتهم في مكب النفايات. وتنبأت رواية كنفانيما تبقى لكم بالثورة، ورفضت روايته عائد إلى حيفاالهزيمة وحرّضت على الكفاح المسلح. وصُنِّفتْ رواية إميل حبيبيسداسية الأيام الستة بين روايات التغيير الثوري، وحرّضت رواية جبرا إبراهيم جبرا السفينة على العودة إلى الوطن حتى ولو تحت الاحتلال، ودعت رواية حبيبي البحث عن وليد مسعود إلى نبذ المنفى والتوجّه إلى السرية في النضال. غير أن اقتلاع المقاومة من لبنان عام 1982 وتفاعلات حرب الخليج وتداعيات اتفاق أوسلو وخلافات أهل البيت (فتح وحماس)، كل ذلك أصاب الفلسطينيين بالذهول، فتراجع كثير من الروائيين عن كتابة الأدب المقاوم إلى كتابة الذاكرة الفلسطينية حينًا، وتوثيق المعاناة تحت الاحتلال من مطاردة وسجن وحصار وإفقار وإبعاد حينًا آخر.
الرواية واستنهاض الذاكرة
لعل أول من التفت إلى ضرورة حضور الذاكرة في الرواية كفعل مقاوِم هو الكاتب اللبناني إلياس خوري؛ فعلى هذا الأساس قامت روايته باب الشمس، التي تتنفس فيها ذاكرة مناضل في غيبوبة لتحكي قصة المقاومة الفلسطينية منذ النكبة حتى خروج المقاومة من لبنان عام1982. هذا في الرواية، أما في ما عداها، فإن الفلسطينيين حاربوا الغياب الذي جاءت به النكبة بالإصرار على استحضار المكان والتاريخ. في البدء كان استحضارهم شفويًا، كأن ينقل الآباء ذاكرتهم إلى الأبناء، ثم تنبّهوا إلى ضرورة تدوين الذاكرة خوفًا عليها من الضياع، فكان أن حفل المشهد الأدبي والأكاديمي بمؤلفات تؤرّخ لفلسطين قبل النكبة وتقدّم شهادات تثبت حضورها، منها: كتاب يافا عطر مدينة لامتياز ذياب، الذي يصوّر حياة اليافاويين من خلال مقابلات مع مختلف فئات المجتمع، وكتاب ساره غراهام براون الفلسطينيون ومجتمعهم -1880 1946، حيث تعمل الصور التي يتضمنها الكتاب على تثبيت الماضي ومحو الغياب، وكتاب وليد الخالدي قبل الشتات: تاريخ مصوّر للفلسطينيين 1948-1876، حيث يعرض فيه مجموعة ضخمة من الصور تعمل على تأكيد الحضور الفلسطيني، وتقاوم المحو الذي تجهد الصهيونية في تثبيته. ويشمل الكتاب مقدمة تحتوي على المعلومات الأساسية لتلك الحقبة. وقد ساهمت الإنترنت مؤخرًا في تقديم المعلومة وحفظ الذاكرة، فأنشئت عدة مواقع لهذا الغرض، منها على سبيل المثال شمل، بديل، باحث للدراسات، فلسطين في الذاكرة، هذا إلى جانب عشرات المواقع الفردية التي
تؤرّخ لمدينة أو قرية أو «حمولة». ولا يزال الفلسطينيون يبحثون ويؤلفون بكل ما يوّثق تاريخهم وجغرافيتهم، والمطابع لا تزال تطالعنا بالجديد في هذا المجال، نذكر منها الخطوة المميزة التي قام بها إبراهيم مهويّ وشريف كناعنة، وهي جمع الحكايات الشعبية من أفواه الرواة وإدراجها باللهجة المحكية في كتاب بعنوان قول يا طير. ولعل رواية يحيى يخلف بحيرة وراء الريحهي أولى الروايات الفلسطينية التي خصصت موضوعها لذاكرة الناس البسطاء وتاريخهم المعيشين. يقول لوكاتش: «إن ما يهمّ في الرواية التاريخية ليس إعادة سرد الأحداث التاريخية الكبرى، بل الإيقاظ الشعري للناس الذين برزوا في تلك الأحداث. وما يهم هو أن نعيش مرة أخرى الدوافع الاجتماعية والانسانية التي أدت بهم الى أن يفكروا ويشعروا ويتصرفوا كما فعلوا ذلك تمامًا في الواقع التاريخي». والرواية الفلسطينية على مشارف القرن الواحد والعشرين جنحت صوب الرواية التاريخية، بقصد الرد على الدعاية الصهيونية، وتثبيت فلسطين في الذاكرة بعد فشل تثبيتها في المكان؛ فكتابة الرواية التاريخية هنا هو فعل مقاومة لجأ إليه الفلسطينيون عندما انهزمت مقاومتهم المسلحة عام.1982 نشط هذا النوع من الرواية في العقدين الأخيرين، وانتشرت ظاهرة كتابة الأعمال المتسلسلة التي تحكي التاريخ الفلسطيني على أجزاء، منها مشروع إبراهيم نصر الله الملهاة الفلسطينية، ويتألف من خمسة أجزاء هي: زمن الخيول البيضاء (2007)؛ طفل الممحاة (2000)؛ طيور الحذر (1996)؛ زيتون الشوارع (2002)؛ أعراس آمنة (2004)؛ تحت شمس الضحى (2009). وثلاثية يحيى يخلف: بحيرة وراء الريح (1993)؛ ماء السماء (2008)؛ نهر يستحم في البحيرة (1997). وثلاثية محمد نصار: صفحات من سيرة المبروكة (2005)؛ سوق الدير (2007)؛ ليل المخيم)2009(.، وسلسلة أعمال سحر خليفة المتراتبة زمنيا مع الواقع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي: الصبار (1976)؛ عباد الشمس (1980)؛ باب الساحة (1990)؛ الميراث (1997)؛ صورة وأيقونة وعهد قديم (2002)؛ ربيع حار.)2004(تشترك هذه الأعمال في موضوع رئيس هو كتابة الذاكرة الفلسطينية وتوثيق المحطات المهمة من رحلة النضال والنفي الفلسطينية. ويكاد يكون موضوعها وزمانها ومكانها واحد، ومع ذلك لم تكن هذه الروايات رواية واحدة. يقول جبرا إبراهيم جبرا إن من عادة كافكا أن يصف تجربة ما، ثم يعود ويصفها على نحو آخر، ثم يعود ويصفها على نحو ثالث، وربما رابع وخامس، محاولا كل مرة إيجاد وصف أفضل لها، كأقرب ما يكون من الكلايدوسكوب، تديره كل مرة فيخلق كل مرة شكلا جديدًا أو حقيقة جديدة. العناصر هي ذاتها، ولكن نسبها وعلاقاتها تتبدل. هكذا هي الحال مع هذه الروايات؛ فإنْ نحن أخذنا، على سبيل المثال، الجزء الأول من سلسلة كل من: إبراهيم نصرالله ومحمد نصار ويحيى يخلف، لرأينا أن موضوع الروايات واحد هو المجتمع الفلسطيني قبل النكبة وفي إبّانها؛ كلها تتكلم على ما كان الفلسطينيون عليه من بساطة وجهل وسلبية، فيما كانت العصابات الصهيونية والانتداب الإنكليزي يعملان معًا لتمكين الصهيونية من فلسطين. وكلها تحكي مأساة التشرد والضياع في المنافي وما عاناه الناس من اضطهاد وبؤس وفقر، ولكن كالّ منها مكتوبة بإحساس مختلف
عن الأخرى، وكل روائي اختار تقنيات خاصة وزوايا معيّنة ميزت عمله من الأعمال الأخرى. في الذكرى الستين للنكبة، أصدر إبراهيم نصرالله الجزء الأول من الملهاة الفلسطينية، وهو زمن الخيول البيضاء، التي يحكي فيها تاريخ الشعب الفلسطيني على مدى 125 عامًا. وقد اعتمد في إنجاز عمله على شهادات شفوية جمعها من أناس اقتُلعوا من وطنهم وعاشوا في المنافي، فجاء عمله توثيقًا فنيًا لفلسطين القضية والإنسان والمكان. واستخدم لرؤيته تقنية حديثة، فكانت الرواية أشبه بلوحات فوتوغرافية تحيل كل لوحة إلى أخرى، وتتمم التالية ما غفلت عنه السابقة. بهذه العناصر تمكن نصر الله من جلب الماضي إلى الحياة بوصفه التاريخ السابق للحاضر، أي أنه تمكن من إعطاء حياة شعرية للناس الذين برزوا في تلك الحقبة التاريخية، وجعلهم مؤثرين إيجابيين في حياتنا الحالية. اتّبع يحيى يخلف في روايةبحيرة وراء الريح طريقة السرد التقليدية، فحققت الرواية رؤيتها لا عن طريق ج دّة تقنيتها كما عند نصر الله وإنما عن طريق التقاط العلاقات الصغرى الملائمة لتجسيد دوافع السلوك الإنساني؛ فشخصيات يخلف هم الناس البسطاء، الذين يقلقون ويتوترون ويتوقّعون الصعوبات لدى رؤية اليهود يتدربون وراء المستعمرة القريبة من قريتهم. والقرية التي تستضيف المتطوعين العرب وتفرح بهم وتستمع إلى انتصاراتهم الوهمية، ثم تحزن عند اكتشاف كذبهم. أما محمد نصار، فقد بدأ ثلاثيته برواية صفحات من سيرة المبروكة، فوصف من خلال قرية فلسطينية صغيرة ما كانت عليه الحالة الاجتماعية من جهل وتخلّف وفقر أيام العثمانيين، وأتى إلى ذكر الأحداث التي كانت دائرة في ذلك الزمن. فالرواية هي عودة مئة عام إلى الوراء لتأريخ مراحل التطور الفكري والتراثي والفلسفة والرؤى في المجتمع الفلسطيني. وقد بيّنت الرواية من خلال شخصياتها وأبطالها نضج الفلسطينيين الفكري وتطورهم التدريجي في تفكيرهم ورؤاهم الحياتية.
انعكاسات التحولّات في القضية الفلسطينية على المشهد الروائي الفلسطيني
عرف المشهد الأدبي في العقدين الأخيرين (2011-1991) فورة في الرواية الفلسطينية على كلا الصعيدين النوعي والكمي؛ فقد تحرر الكتّاب من التزامات كثيرة كان يتحرج جيل المؤسسين الخوض فيها، كالحديث عن السلام والتطبيع والعمالة داخل الخط الأخضر، وقيام دولتين أو دولة بقوميتين. وخفتت الحماسة تجاه مدرسة الالتزام في الأدب، فجنح كثير من الروائيين صوب التجريب والحداثة، كما أدى الانفتاح الواسع على العالم من خلال البعثات الدراسية والإنترنت، إلى ظهور أسماء جديدة، وتأصلت أخرى كانت مغمورة، نذكر منها: جمال ناجي (غريب النهر، 2012؛ عندما تشيخ الذئاب، 2008؛ ليلة الريش، 2004؛ الحياة على ذمة الموت، 1993)؛ نبيل عودة (الانتفاضة، 2012)؛ إبراهيم زعرور (قصة خير الدين بن زرد العجيبة، 2011؛ رعاة الريح، 2010؛ الشارع الذي رحل، 2009)؛ سحر خليفة (حبي الأول،2011؛ أصل وفصل، 2009؛ ربيع حار، 2004؛ صورة وأيقونة وعهد جديد، 2002؛ الميراث، 1997؛ باب الساحة، 1990)؛ حزامة حبايب
(قبل أن تنام الملكة، 2011؛ أصل الهوى، 2009)؛ ديمة السمان (رحلة ضياع، 2011؛ برج اللقلق، 2005)؛ ربعي المدهون (السيدة من تل أبيب، 2010)؛ عبد الكريم عبد الرحيم (قريبًا من الجرمق، 2010)؛ عادل سالم (عناق الأصابع، 2010)؛ غريب عسقلاني (هل رأيت موت ظلي، 2010؛ 2001)؛ جفاف الحلق وحرارة اللسان، 2009)؛ يحيى يخلف (ماء السماء، 2008؛ نهر يستحم في البحيرة، 1996)؛ دينا سليم (الحافيات، 2008؛ سادينا، 2007؛ تراتيل عزاء البحر، 1996)؛ وداد البرغوثي (الوجوه الأخرى وتل الحكايات، 2007)؛ سهاد عبد الهادي (ذاكرة زيتونة، 2007)؛ ليلى الأطرش (مرافئ الوهم، 2005؛ ليلتان وظل امرأة، 1998؛ صهيل المسافات، 1999؛ امرأة للفصول الخمسة، 1990)؛ عزمي بشارة (حب في منطقة الظل، 2005؛ الحاجز، 2004)؛ دينا سليم مطانس (الحلم المزدوج، 2003)؛ نجمة خليل حبيب (ربيع لم يزهر، 2003)؛ ليانة بدر (نجوم أريحا، 2002؛ 1993؛ عين المرآة، 1991)؛ نجوى قعوار فرح (سكان الطابق العلوي، 1996)؛ حسن حميد (جسر بنات يعقوب، 1996؛ تعال نطير أوراق الخريف، 1996)؛ رشاد أبو شاور (شبابيك زينب، 1994)؛ توفيق فياض (وادي الحوارث، 1994)؛ إبراهيم نصر الله (مجرد اث ين فقط، 1992؛ عو، 1990)؛ أفنان قاسم (أربعون يومًا بانتظار الرئيس،.)1992 هجست هذه التجارب إلا أقلّها، بالهمّ والحلم الفلسطينيين؛ فسواء كانت التجربة من الداخل الفلسطيني أو من الضفة الغربية أو من الشتات، قريبه وبعيده، فإن هنالك دائما حبل سرّة يشدها هو فلسطين، إمّا قضية أو مكانا أو زمانا وإمّا خلفية أو مناخات رؤيوية. ومع أن معظم هذه الروايات كُتبت بعد اتفاق أوسلو، فإن موضوعاتها تنوّعت، فعاد بعضها في الزمن إلى بدايات القضية الفلسطينية، وتوقف بعضها عند المفاصل البارزة من مسيرتها، كانطلاقة المقاومة المسلحة والحرب اللبنانية الفلسطينية والاجتياح الاسرائيلي للبنان وتداعيات حرب الخليج على القضية وعلى العمالة في الكويت. وحكى عدد كبير منها التحولّات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الضفة الغربية وغزة بعد اتفاق أوسلو، فغدا كل حدث وكل موضوع وكل شاردة مادة روائية: السجن، الحصار، العمالة، الخيانة، الحاجز، نزاعات السلطة، المفاوضات، العائدون، المستثمرون، المطبّعون. وباختصار، أمسى كل ما يمور به المجتمع والقضية ممثلّا في الرواية. كثيرة هي الروايات التي تناولت السلطة السياسية بالنقد الذي وصل حد الهجاء الشخصي، كما في رواياتي رشاد أبو شاورالبكاء على صدر الحبيبوالرب لم يسترح في اليوم السابع، ورواية أفنان قاسمبانتظار الرئيس. وكثيرة هي الروايات الفلسطينية المحرِّضة التي ساهمت في بلورة الوعي الشبابي الذي أدى إلى ثورة الربيع العربي، منها، على سبيل النموذج، رواية لإبراهيم نصر الله. تحكي عو عو قصة الصراع بين المثقف العصري والسلطة المستبدة. والمثقف العصري، بحسب إدوارد سعيد، ليس فقط الناقد لسياسة الحكومة، بل أيضًا كل من يرى في المهنة الفكرية حفاظًا على حالة من اليقظة المتواصلة ومن الرغبة الدائمة في عدم السماح لأنصاف الحقائق والأفكار التقليدية بأن تسريّ المرء معها. هو بمعنى آخر مناهض طبيعي للحاكم المستبد وما يمثّله من قمع للحريات، وفرض لمفاهيم ورؤى تخدم أهدافه التسلطية بقولبة عقول الناس وتجهيلها لتسهيل حكمها. لذلك يسعى هذا الحاكم إلى ترويض المثقف العصري بأعنف الطرق وأكثرها لاإنسانية حتى يتم لهذا الحاكم سحقه. فبطل رواية عو (أحمد الصافي) كاتب وطني مستقيم وطموح يستخدم قلمه لخدمة الوطن والحرية والعدالة،
فتزعج كتاباته الجنرال، فيلاحَق ويعذ ب ويتعرّض لأقسى الضغوط حتى يرضخ ويتحول إلى كلب يتمسح بذيول الجنرال. ونصر الله بإيصال المثقف إلى هذه الدرجة من الانحطاط يكشف عن الدرك السفلي الذي وصل إليه مجتمعنا العربي. لقد تمكن الجنرال من سحق الطبقة المتنورة الواعية القادرة على التأثير في المجتمع وتوجيهه نحو قيم الخير والحق والجمال، وحوهّل ا إلى طبقة مرتبطة به تدور في فلكه، تخدم مصالحه وتساعده بما لها من معرفة وثقافة واحترام بين الناس على اكتساب مزيد من القوة وزيادة السيطرة. وهو لا يكتفي بإسكات صوت أحمد الصافي وإنما يريد أيضًا أن يستغل هذا الصوت لتجميل صورته: تذكّر.. إنني أريدك معتدلا.. نحن بحاجة إلى كمان.. لسنا بحاجة إلى بوق (يقول له.) وقد حلل هومي بابا في كتابه موقع الثقافة علاقة المستعمرَين بمستعمِريهم فقال: إن الخاضع للكولونيالية يلجأ كي يحافظ على هويته وثقافته إلى المحاكاة، التي هي قناع يخفي المنهزم ذاته الحقيقية خلفه كي يتماثل مع المنتصر. والمحاكاة التي تبدو وكأنها حامية للكولونيالية لا تطمس الهوية الكامنة خلف قناعها، بل إن خطرها يتمثّل في رؤيتها المزدوجة التي في كشفها عن تناقض الخطاب الكولونيالي هي أيضًا تعطل سيطرته. وفي رواية تماثل عو شبه تام بين الخاضع للكولونيالية وأحمد الصافي، بطل الرواية؛ ففيها لجأ أحمد إلى المحاكاة، وأخفى حقيقته خلف القناع، فصار كلبًا يقعى وينبح ويهز ذيله تحت قدمي الجنرال، ولكن ذاته المموهة كانت في الوقت ذاته تتمرد على الذات الخاضعة وتعطل مسيرتها؛ إذ لجأ الصافي إلى كتابة قصة متمردة في غفلة من الجنرال عطلت خطته. فبطلها سعد هو في الحقيقة ذات أحمد الصافي الحقيقية التي برزت من تحت القناع. سعد الثائر المتمرد على قوانين الجنرال يقوم بعملية فدائية داخل حدود فلسطين 48، وبعد عودته يلقي جنود الجنرال القبض عليه وعلى رفاقه، ويُعثَر في جيب سترته على القصة الملهمة، فيضُرَب ويعذ ب ولكنه يفضح رياء الجنرال أمام جنوده، فإذ هو لا وطني ولا ساهر على أمن الوطن وإنما منفذ جبان لأوامر جنرال أقوى منه متمثّل في أميركا وإسرائيل. صحيح أن ذات أحمد الصافي المموهة لم تستطع تمزيق القناع، وظلت تدور في فلك الجنرال، ولكنها كانت تصنع الثورة من وراء القناع وتحرّض على التمرد وتكشف كذب الجنرال. ولئن لم يتمكن من أن يكون بطل روايته طفل الليلة الطويلة، فإنه أحس بأنه يتوحد معه بالغضب وبالروح المتفجرة، وظل سعد يقرأ روايات الصافي ويتمثّل ما فيها من تمرد. لا تكمن قيمة الرواية في وقفتها التثويرية المحرضة فقط، بل تكمن أيضًا في قيمتها الفنية التي تجلّت بالرسم الواقعي للشخصيات. فشخوصها غير منمَّطة وإنما يمتزج فيها السلب والإيجاب بطبيعية لا افتعال فيها، تمامًا كما هم الناس بين ظهرانينا. والجنرال يحمل إلى جانب الصفات التسلطية الهدّامة ذكاء ومعرفة وقدرة على الإقناع يستخدمهما في حربه مع ضحيته؛ يعرف متى يستخدم العنف والتهديد ومتى يستخدم الترغيب الذي يصل إلى درجة التملّق، أجل التملّق، كأن يقول لضحيته: إنني من قرّائك.. أستطيع مثلا أن أعيد عليك قراءة فقرات طويلة من مقالاتك. بدأ بتعداد عناوين المقالات المنشورة خلال شهر تموز، فوجئ أحمد الصافي أكثر.. أو قوله: يا أحمد أنت أهم بكثير ممّا تعتقد... إنك الآن أشبه ما تكون بنهر ضائع في الصحراء، لنعمل سويًا وبصورة عملية من أجل مواطنينا، وإذا لم يدرك هذا إنسان وطني أصيل، مثقف مثلك، فمن سيدركه؟ كما أن أحمد الصافي ليس ضحية بريئة وقعت في براثن ثعلب فقط، وإنما فيه أيضًا كثير من النزعات الهدّامة، كالغرور والجشع والضعف أمام مغريات المنصب والجاه؛ فهو يرى نفسه أعلى من مستوى الآخرين. كان يدرك أنه أكثر
أهمية من رئيس التحرير وأكثر شعبية منه.. أما إذا نظر إلى المسؤولين عن الأقسام الأخرى، فإنه أكثر أهمية منهم مجتمعين. وهذا يعني أن في نفس المثقف جنرال ديكتاتور. ونصر الله يدين في ذلك المثقف وينسب إليه دورًا في إفساد المجتمع وإبقاء الناس مهمَّشين مقموعين خائفين. قيمة هذه الرواية ليست في أنها قالت الحقيقة التي نعرفها ونعيشها جميعًا ووثّقتها أكثر من رواية فلسطينية وعربية، وإنما في كونها تنبأت قبل عشر سنوات، أو بالأحرى حرّضت على الثورة القائمة اليوم والمسامّة الربيع العربي، آملين بأن تقضي على جميع جنرالات الأمة المتسلطين. بعد سنتين أكمل نصر الله برنامجه الروائي التثويري المحرِّض ضد السلطوية والفساد في المجتمع العربي بروايةمجرد اث ين فقط. ومع أن الرواية تحكي قصة النفي الفلسطيني على مدى نصف قرن، وتحكي أزمان هذه القضية منذ عهد الطفولة البريئة إلى زمن المذبحة ثم زمن اللجوء إلى إحدى دول النفط للعمل، فهي تخصص حيّزًا واسعًا لزمن الدولة العربية القمعية التي تدّعي الثورة وتطحن البشر. والرواية كسابقتها تميّزت بأنها حوّلت الحادث العادي والمألوف إلى حادث مدهش ومؤثر، وقدّمت رؤيتها بقالب شعري مكثّف له قدرة على التوالد عن طريق التأويل. من المحطات التي توقفت عندها الرواية الفلسطينية حرب السنتين في لبنان والاجتياح الإسرائيلي للبنان، فكتبت نجمة خليل حبيب رواية قصيرة بعنوان ربيع لم يزهر، تحكي معاناة عائلة فلسطينية تعرّضت للتطهير العرقي على أيدي القوات اليمينية في بيروت الشرقية، فلجأت إلى بناية للمهجرين في بيروت الغربية ضربتها القوات الإسرائيلية في أثناء الاجتياح بقنبلة فراغية في 6 آب/ أغسطس 1982، وذهبت العائلة مع من ذهبوا تحت أنقاض تلك البناية. وثّقت الرواية حصار بيروت، وحكت معاناة سكانها وصراعهم في مدينة قُطعت عنها الماء والكهرباء والتموين ثلاثة أشهر، وتعرّضت عن طريق التداعي لحرب السنتين التي سقطت خلالها مخيمات بيروت الشرقية في ضبية وجسر الباشا وتل الزعتر، والمجازر التي رافقت هذا السقوط. وتتبع الرواية مجموعة قصص قصيرة تحكي ما تجاهلته الرواية، كقصة «بقع فوق أفكار نعمان» التي تسبح في أفكار أحد شهداء المجموعة القتالية التي أُحرقت حتى التفحُّم في موقع حربي في الضاحية الجنوبية، وأخرى بعنوان و«صمت خليل» تدور في عقل الشاعر خليل حاوي قبل انتحاره حين علم بوصول القوات الإسرائيلية إلى مشارف بيروت. وقصة «يوم رحلت أم جهاد»، وهي تصوير للمجزرة التي جرت في مستشفى غزة ليلة مجزرتي صبرا وشاتيلا في أيلول/ سبتمبر 1982. وتنهي حبيبربيع لم يزهر بقصة متفائلة بعنوان «خريف يزهر»، تحكي ما أحدثته عملية خالد علوان من رفع لمعنويات الإنسان العربي الذي أصابه اليأس في إثر اجتياح بيروت. أما أكثر ما يميّز الرواية هو ردّها غير المباشر على ما يروِّج له الاستشراق والصهيونية حول ثقافة العنف والموت العربية، تسفيهًا للعمل الاستشهادي، وتحديدًا الافتراء الذيينسب إلى الأم العربية قصورًا في عاطفة الأمومة،
الأمر الذي لا يجعلها تحزن عندما يموت ابنها وإنما تزغرد. فعلت حبيب ذلك من خلال إبرازها حقيقة العلاقة التقليدية بين الأم العربية وأبنائها. فمريم احتفت بربيع احتفاء باذخًا حتى قبل ولادته. وبعدها صار محور حياتها؛ فلأجله صبرت على فظاظة الزوج، وتسللت عبر جنح الظلام من بيتها في المخيم لتعيش في بناية للمهجرين، وعرّضت نفسها للخطر اليومي في أثناء الاجتياح الإسرائيلي لتؤمّن له أتفه طلباته، وعندما عُثر عليهما ميتين تحت أنقاض البناية التي ضربتها طائرة حربية إسرائيلية بقنبلة فراغية، كان هنالك يد تحتضن طفلا قيل إنها يد مريم وطفلها ربيع. وعن حرب الخليج وتأثيراتها في القضية الفلسطينية، والتخريب الذي أحدثه المنفى في الذات الفلسطينية وما أصاب لاجئي الكويت من إساءة وتهجير، خصصت حزامة حبايب رواية بعنوان أصل الهوى، تميّزت بالجِدّة في السرد والجرأة في كشف الذات. ولم يفت الرواية الفلسطينية الحديث عن التماثل المأساوي بين نكبة فلسطين واحتلال العراق، نذكر منها رواية غريب عسقلاني هل رأيت موت ظليالتي لنا وقفة معها في مكان آخر من البحث. من روايات السجن حكت رواية عادل سالم عناق الأصابع معاناة الأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال. تحدثت عن معاناتهم وأحلامهم وسر صمودهم، وعن علاقاتهم العاطفية ومشكلاتهم مع الحراس ومع ضعفاء النفوس الذين يتحولون إلى مخربِين. عقدة الرواية قصة حب تقليدية، ولكنها نجحت في نقل مشاعر شخصياتها، فرأينا أنفسنا نتفاعل معها: نحزن على عليّ الجعفري الذي استُشهد تحت التعذيب، ونغضب لغضب عمر القاسم الذي استثناه أحمد جبريل من قائمة المفرج عنهم، ونفرح لعلاقة الحب الرومنسي الجميلة بين علي وخولة، وينكسر فرحنا لانكسار قلبيهما. ويكمن تميّز الرواية في تخصيصها حيّزًا واسعًا من السرد لدور المرأة في معركة النضال وضرورة احترام المجتمع لعواطفها.
انعطافات الرواية الفلسطينية في مرحلة ما بعد أوسلو
إنه لأمر بديهي القول إن اتفاق أوسلو أحدث انعطافة حادّة في حياة الفلسطينيين الفكرية والسياسية والاجتماعية والأدبية، بل إنه أحدث بلبلة فكرية في عقل الأمة العربية كلها وليس الفلسطينيين فقط. لقد أتاح هذا الاتفاق العودة إلى مناطق السلطة الفلسطينية كما إلى مناطق 48. وكان بين العائدين رجال أعمال ومستثمرون وزوَّار من مختلف دول الشتات، جاؤوا لتفقّد أهلهم أو أقاربهم الذين انقطعت السبل بينهم على مدى نصف قرن تقريبًا، فاستُقبل العائدون بالتهليل. قال بعضهم: عندما عدت شعرت كأنني خُلقت من جديد. ولكن اختلاف المتخيَّل
عن الواقع أحدث صدمة في النفوس، خصوصًا للذين لا يملكون ذاكرة شخصية عن المكان. بيت الوالد لم يعد بيتًا. «حيفا لم تعد تتكلم معي»، يقول فواز تركي عند عودته إلى وطنه. ويقول مريد البرغوثي عند عودته إلى رام الله: «خلص! خلق الاحتلال أجيالا منا عليها أن تحب الحبيب المجهول. النائي. العسير. المحاط بالحراسة، وبالأسوار، وبالرؤوس النووية، وبالرعب الأملس. الاحتلال الطويل استطاع أن يحولنا من أبناءفلسطينإلى أبناءفكرة فلسطين». وشاركت الكتابات على اختلافها في نقل هذا المشهد مساءلته نثرًا وشعرًا، تخييلا وكتابات جادة موضوعية، وعكست الرواية مناخات هذه المرحلة، فساءلتها وحاكمتها ولم تعدم من روّج لها. فكانت رواية نهر يستحم في البحيرة أولها تعبيرًا عن البلبلة الفكرية التي أصابت الجسد الفلسطيني، ورواية السيدة من تل أبيبأكثرها إثارة للجدل. ومن أشدّها تمثيلا ونقدًا لواقع الناس ومعاناتهم اليومية روايتاالميراث وصورة وإيقونة وعهد قديم. ومن الروايات التي مثّلت التحوّل الجمالي في النص الروائي الفلسطيني كانت رواية هل رأيت موت ظلي.
ضبابية الرؤية السياسية، نموذج: نهر يستحم في البحيرةتكمن أهمية رواية يحيى يخلف في أنها شهادة أهل البيت على ناسه؛ فهو من فريق عمل السلطة الفلسطينية التي صنعت اتفاق أوسلو، وروايتهنهر يستحم في البحيرة هي رؤيته كمبدع وراءٍ لهذا الاتفاق، فماذا قال المبدع وبماذا اختلف عن السياسي؟ هذا ما سنحاول تبيانه في هذا الجزء من الدراسة. نلحظ في هذه الرواية تشابهًا كبيرًا بين المتخيّل وسيرة الكاتب الذاتية؛ فبطل الرواية من قرية سمخ، وعائد من الشتات إلى غزة بعد اتفاق أوسلو. هو كيحيى يخلف، كان طفلا عندما لجأت به عائلته من سمخ عام 1948 إلى الأردن. وفي عام 1970، عقب انهزام المقاومة الفلسطينية أمام الجيش الأردني، خرج مع المقاومة إلى لبنان ثم إلى تونس. وله ذكريات جميلة في لبنان وتونس. ويخلف أيضًا مخلص إخلاص الجندي الياباني لقيادته؛ إذ ظل مؤمنًا بالكفاح المسلح طريقًا للتحرير والعودة حتى واتاه رئيسه وأمره بالتخيلّ. وطبيعي أن يكون له بلبلة الجندي الفكرية ذاتها، وأن يصيبه ما أصاب الجندي من صدمة نفسية عندما قيل له إن الحرب انتهت لإحساسه بأنه أصبح رجلا بلا قضية. وللراوي أيضًا دماثة الخلُق التي عُرف بها يخلف. كما أن في عنوان الرواية بعضًا من سيرة الكاتب؛ فالنهر هو نهر الأردن، والبحيرة هي بحيرة طبرية في فلسطين المحتلة عام 1948. على ضفاف البحيرة ول 1944 د يخلف عامِ، وعبر النهر إلى الغربة طفلا في الرابعة من العمر. يخبرنا يخلف منذ العنوان بعلاقته الحميمة بالمكان، وهي هنا البحيرة التي أعلاها على النهر، وجعله بحاجة دائمة إليها ليستحم ويتطهر بها من أدرانه. إلى جانب ما يوحيه العنوان، تخصص الرواية جزءًا كبيرًا لوصف علاقة الانجذاب بين الراوي وأرضه وهاجسه الدائم بالعودة إليها. وتميزت أيضًا بتبيان رؤية الآخر (الإسرائيلي) لمفهوم العودة وموقفه منها وتحديده للنمط المقبول من العائدين. وبرهنت حادثًا إثر آخر على استحالة إنجاح مشروع العودة من خلال اتفاق أوسلو، وكشفت من ناحية أخرى عن اختلاط المشاعر وتضاربها بين الحنين الجارف واللهفة الحارقة عن بُعد، والخيبة المؤسية على أرض الواقع:
«دخلت مدفوعًا بحبي إلى أرض الوطن... كنت أحدق بعينين مغرورقتين بجبال أريحا والتلال البيضاء المحيطة بها... في البداية انتابتني مشاعر ليس لها مثيل.. إنه وطني.. إنني أعود إلى بقعة ما في وطني.. - واليوم.. - ما زلت أحاول الاندماج في هذا النسيج، وما زلت بحاجة للمزيد من الوقت كي يكون لي مناخ وطقس وعلاقات وحياة اجتماعية» (ص. 6-16) يبنيّ هذا المشهد الشرخ الذي أحدثه النفي بين الفلسطينيين ووطنهم؛ فالتباعد القسري والمستديم بين من تربوا تحت الاحتلال والذين تربوا في المنافي، أحدث فجوة بين أبناء الوطن الواحد، إذ راكمت كل فئة منهم تجربة تختلف عن الأخرى فتكوَّن لكل منها سلوكيات وأولويات متفارقة جعلت العائدين يحسون بأنهم غرباء في وطنهم، بينما يحس المقيمون بأنهم أمام زوار أو سائحين أو محسنين أكثر من كونهم أمام مواطنين وشركاء فعلييّن بالوطن. يمثّل أكرم عابد نموذجًا جيدًا لفلسطينيي المنافي البعيدة (أوروبا وأميركا)؛ فهو يعي فلسطينيته، ولذلك جاء يبحث عن زوجة عمه. وهو أيضًا تبنّى قيم منفاه واصطبغ بصبغته، فبدا في أنظار المقيمين مختلفًا. لقد أكسبته أميركا ملامح أرستقراطية، فهو يدخن الغليون، ويتحدث عن السوبرماركت الذي يملكه في لوس أنجلوس وعن أسعار البترول في البورصة وعن ثورة السود ضد البوليس، ويتكلم بالإنكليزية والعربية، ويغنّي أغاني عبد الوهاب وفرانك سيناترا، وينظر باهتمام إلى رجال الشرطة الفلسطينية وهم ينظّمون السير. أما الراوي، فيمثّل الآتين من دول الجوار (الأردن ولبنان وسورية وتونس)؛ فمن الأردن حمل أول تجربة له مع الموت أيام القواعد الفدائية. وفي العرقوب، في الجنوب اللبناني، بنى شخصية المقاوم الواثق من نفسه، وعلمّه الاجتياح الإسرائيلي والخروج من بيروت الصبر والحكمة. أما في تونس التي جاءها مهزومًا مبعَدًا، فكانت عائشة تجربة حب جميل أنضج عواطفه ولطّف بؤس منفاه وخسائره. ولكن رغم كل تلون واختلاف، ظلت صلة وصل قوية تربط الفلسطينيين بعضهم ببعض هي انجذابهم الغريزي إلى الأرض، وتوقهم إلى العودة إليها. يقول الراوي إنه مستعد لدفع ما تبقى من عمره كي يرى سطح البحيرة (حيث تقع قريته) الذي يشبه بطن الغزال، وإن سمخ هي الحلم الذي عاش في سويداء قلبه على مدى ستة وأربعين عامًا. لذلك، بدأ يخطط للذهاب إلى سمخ منذ لحظة وصوله إلى غزة. ورغم الترحيب الذي لقيه في غزة وبَعْدَها في رام الله، ورغم رحيل المحتلين عن غزة وامتلاء المدينة بالإعلانات الفرحة المرحبة بالعائدين، ظلت سمخ المقصد الأول، فبنيّ ذلك خصوصية العلاقة بين الفلسطينيين وديارهم؛ فهي عندهم ذاكرة المكان التي يلجأون إليها كلما اشتدت أزمتهم وضيّق عليه الظرف التاريخي الخِناق. فعندما تضيع سمخ بين الماضي والحاضر ويقوم على أنقاض بيوتها تلال من الأسمنت، ويتغير اسمها الى تسيمخ، عندما تتأزم الأمور في نفس العائد، وفيما هو يحدق بعيون هنا وهناك علّه يقبض على أثر ما، عله يجد شيئًا من م زق الأيام الماضية، تأتي عناصر الطبيعة (المكان) لتكون همزة وصل بين الداخل والخارج. غير أن العائد وإن استطاع جرَسْ العلاقة بينه وبين المكان، فإن علاقته بالمجتمع لم تكن على القدر نفسه من السهولة. فالراوي الذي أحس بالفرح عندما عبر الجسر وشاهد أرض الوطن، وسعد وهو يرى «بحر غزة الحنون»، ورفرف في قلبه طائر الشباب الذي تركه منذ سبع وعشرين عامًا، والذي يحب كل شيء: بلاط الرصيف، حجارة الأسوار، عنب الفلاحات في السلال، التماثيل من خشب الزيتون، كنافة الجبن عند جعفر ورائحة الحلاوة عند خان الزيت، لا يحس صدى مشاعره عند الناس، وأنه لو قالها لبدت الكلمات عادية جدًا.
أما الخسارة التي لا يمكن تعويضها، فهي الهوة التي نشأت بين المنفيين وأوطانهم، وأحس بها بعمق العائدون من النضال إلى التسوية السلمية الذين مثّلتهم حالة الجندي الياباني أصدق تمثيل؛ فأونودو بإخلاصه لرسالته الدفاعية ورفضه تسليم سلاحه إلا بأمر مباشر من قائده، إنما يمثّل الفلسطينيين الذين التزموا وأخلصوا لمبادئ منظمة التحرير ومواقفها ورئيسها، فحملوا السلاح على مدى خمسة وأربعين عامًا، ورفضوا إلقاء السلاح حتى جاء قائدهم وطلب منهم ذلك. وأونودو المعتزل في جزيرة منعزلة عن أرض المعركة هو كالفلسطيني المبعَد إلى تونس. هو مثله «اكتشف فجأة أن بندقيته الصدئة تشبه غصن شجرة يابس، وأن المنظار العسكري الذي يتدلى من رقبته ليس له أية أهمية». وعزّ عليه أن يكتشف «أنه لم تعد له جدوى، وأن أيامه لم تعد ذات قيمة، وأن أجمل سنوات العمر ذهبت هباء» (ص. 71). وهو الذي قاوم جميع محاولات التيئييس، وظل ينتظر بعيدًا عن مسرح معركته اثني عشر عامًا حتى جاء قائده وأمره بتسليم سلاحه. وما البلبلة التي أحس أونودو بها إال ترجمة للبلبلة التي أحس بها الفلسطينيون حيال إعلان اتفاق أوسلو الذي أنهى مقاومتهم قبل أن تحقق أهدافها. رغم احتفاء الرواية الشديد بالوطن، فإنها لم تستطع أن تتخطى تجربة المنفى. كان الراوي كلما تقرّبتْ منه حبيبته مجد أو لاحت له في فعل أو ذكرى، رحل خياله إلى المحبوبة التونسية التي تركها هناك. بل إن يخلف أعلى المنفى على الوطن؛ ففي مقارنة بين مجد الحبيبة الفلسطينية وعائشة التونسية، تتغلب الثانية على الأولى، فكأنما عائشة ببهائها وعطرها وثوبها المطرز هي المنفى الرحب الذي حضن الفلسطيني وعطف عليه، في حين كانت مجد الحبيبة التي كبرت ورحل بريق خاص من عينيها، وبدأت التجاعيد تحبو تحت جفنيها، والحبيبة القادمة «من وراء الريح والضباب وبوابات الغربة والضياع ومن وجع سبعة وعشرين عامًا ومن أخاديد وشقوق السنين الهرمة» (ص. 12). وبذلك، خالف يخلف أدبيات القول الفلسطيني التي طالما نقمت وأدانت المنفى. لم يكن يحيى يخلف ليخالف المألوف فيُعلي المنفى على الوطن لولا أنه وجد في الوطن شرخًا أخرجه من وظيفته الأساسية وتوقف عن أن يكون الملجأ والأمان والانتماء. فالعائد آت وبه توق وفرح للوطن، ولكن ما لاقاه أشعره بالغربة عن الناس والمكان. ففي سمخ اختفت الملامح العربية، وأقيم فوق ترابها وعلى أنقاض بيوتها مدينة يهودية جديدة، واندثرت معالم أهلها، وحتى سمك بحيرتها. أما في المنفى، فقد كانت الإساءة في أغلبها من فعل الجهات الرسمية فيما احتضن الشعب العربي الفلسطينيين وقضيتهم معوضًا عامّ تلحقه بهم حكوماته من رفض وتنكّر وإساءة. كان الفلسطيني في الروايات التي سبقت نهر يستحم في البحيرة مشحونًا بالتوتر والغضب. هكذا كان سعيد س. وفارس اللبدي في عائد إلى حيفا (غسان كنفاني)، ووديع عساف في السفينة (جبرا إبراهيم جبرا)، وأسامة وباسل وأبو الفوارس في ثنائية الصبار وعباد الشمس (سحر خليفة). أمّا في هذه الرواية، فقد غاب الغضب وحلّ محله حزن هادئ فيه شجن: «صباح من ندى ومن كلوروفيل ومن تداعيات ومن أضغاث أحلام وفرح ناقص وابتسامة تشبه البكاء» (ص. 5). ولم تقف هذه النبرة الخفيضة عند حدود المناجاة أو الحديث الداخلي، بل رافقت الرواية في أشد فصولها تأزمًا، كأن يبقي الراوي على هدوئه، فلا ينفعل لمعرفته أن جثة خاله لا تزال محفوظة في الثلاجة منذ ستة وأربعين عامًا. لم يستصرخ ضمير العالم، ولا أنّب ولا أدان، بل ندبه بأسلوب قدريّ خفيض: «يا عبد الكريم الحمد.. كيف تحملت هذا الصقيع طوال هذه المدة، وكيف قضيت عمرًا آخر
في الثلاجة. ألم ترتعد فرائصك، ألم يقشعر بدنك؟... كيف داهمك هذا البرد الذي لا يكف عن التسلل إلى عظامك ليلا نهارًا. هذا البرد الذي يخز الروح ويحز الوريد والأعصاب؟» (ص. 120) وبقي العائد في منطقة الظل. مهُ ش، واقتصر دوره على مشاهدة الحادث أو الإخبار عنه دونما أي تدخّل فاعل فيه. وكان يحيى يخلف في ذلك منسجامً مع بطله وخط سيره. فالشخصية مهزومة ضائعة بين موقفين: قبول الهزيمة أو رفضها. لذلك، فإن دورها في الحوادث لا بد أن يكون هامشيًا، وأن تتصف جميع تصرفاتها بالسلبية، اللاموقف. فصاحبها (الراوي) يترك للآخرين كي يقرروا عنه. لقد قرر مجد أين ومتى وكيف يلتقيان، وقرر له أكرم أين يمضي ليلته ومتى يتابع السير ومتى يتوقف، بل قرر نوع طعامه وشرابه. وحتى غضبة الرواية الأخيرة (" القنبلة موجودة داخل صدري.. في أعماقي.. حذار من الاقتراب فقد تنفجر بين لحظة وأخرى ")، قام بها أكرم. ويحيى يخلف يعلن بذلك تراجع دور المقاتل المشرد ليبدأ دور المغترب التاجر. مرة واحدة تدخّل الراوي في الحادث وكان فاعلا فيه، عندما قرر مرافقاه (أكرم ومجد) العدول عن متابعة الرحلة، فأرصّ هو على إكمالها. وفي هذا دلالة تستدعي الوقوف إزاءها؛ إذ هي تنسب إلى الذين انتموا إلى المقاومة وظلوا في دول الجوار قوة الإحساس بفلسطين وقوة حضور حلم العودة في وجدانهم، في حين فتر هذا الحلم عند الذين ارتحلوا إلى منافٍ بعيدة كما يمثّلهم أكرم، وعند الذين ظلوا تحت الاحتلال فدجّنهم الخطاب الإسرائيلي كما متُثّلهم مجد. وكنتيجة لهذا التهميش تنسحب الشخصية المصابة به إلى الداخل، تعيش همومها وتتغذى بحزنها وذكرياتها، الأليم منها والمفرح. فتكثر أسماء محطات من الماضي: العرقوب، جنوب لبنان، الأغوار الجنوبية، ممر العمل الفدائي أيام الشباب المبكر، والضحايا الذين سقطوا من دون ثمن. انسجامًا مع هذه اللهجة الخفيضة، تراجع موقف الفلسطينيين تجاه الآخر؛ ففي حين صوّرت معظم الروايات السابقة الإسرائيليين أعداء وأشرارًا مسؤولين عامّ يصيب الفلسطينيين من تشرد وفقر وموت، كانوا في هذه الرواية، لا لون لهم ولا سمات خاصة. لا هم أصدقاء ولا هم أعداء صرحاء. هم واقع يفرض على العائدين التعامل معهم وتقبّل أحكامهم، وتظل لهم اليد العليا. ولأنهم كذلك، فإنهم المسؤولون عن فشل التواصل وسقوط الحوار. وتشمل المسؤولية النظام والمجتمع الإسرائيلي معًا؛ فصاحب النزل يتخوف من استقبال الفلسطينيين لأنهم من «المناطق». وأكرم العائد من منفاه ليحيي التعايش بإعادة خاتم زواج الفلسطيني إلى الزوجة اليهودية، يفشل. لقد غُيِّبت، فهي عمياء صماء خرساء. وتفشل مفاوضات أكرم في استعادة جثة الخال عبد الكريم الموجودة في حيازة السلطة الإسرائيلية منذ ستة وأربعين عامًا. كما تفشل البعثة التلفزيونية في إحياء مهرجانها التوفيقي رغم كل ما حشدته له من إمكانات. لذلك خرج العائد من تجربته مدركًا أن العودة إلى المكان وشيئًا من التاريخ لا يصنعان وطنًا، وتأكد له أيضًا أن نيته الحسنة لا تقابلها نية مماثلة من الطرف الآخر. لجأ يخلف الى الغرائبي والمدهش ليلفت إلى ما في هذا «النسيج المسمّى وطنًا» من تناقضات وعدم انسجام؛ ففيه يتحول مجرى النهر ويتغير منبعه ومصبّه، وتمسي مياهه مالحة. وفيه تنقلب دورة الحياة، فيكون الأب في العشرين والابن في الأربعين والزوجة في الستين. وفيه أيضًا تتمرد التماسيح على أنهارها. هذه هي اسرائيل؛ شائعات وأكاذيب وحواجز نفسية تقام كل يوم بينها وبين الفلسطينيين. لذا انتهت الرواية قاذفة السلام بقنبلة، وأعلنت مسؤولية الآخرين عن هذه النتيجة، فهم لا يزالون يفتعلون المخاوف ويقيمون الحواجز بينهم وبين الفلسطينيين، خائفين من أن يطلع لهم حوت من بحر غزة. وعلى الحواجز يفتشون عن ضبع له أنياب، عن كركدن، عن وحيد قرن. وفي طبرية شائعة تقول إن تغييرًا جيولوجيًا ضرب البحيرة وأثار تماسيحها التي خرجت هائجة تتعقب
الناس وتفترسهم، ثم ينكشف الأمر ويتبين أنه مجرد تمساح صغير لا أسنان له، هرب من حديقة الحيوانات، وقد تم تقييده وإعادته الى قفصه بحركة استعراضية دعائية فيها الكثير من اصطناع الخوف. بالعودة إلى مشهد سابق من نهر يستحم في البحيرة، يتبين أن هذا التمساح الصغير الذي لا أسنان له هو الفلسطينيون القادمون من الضفة الغربية الممثَّلون بمجد. ففي المطعم المغربي رقصت مجد، وكانت رقصتها تشبه السباحة، وكانت عيناها كعيني تمساح. بهذه الرمزية قدمت الرواية رؤيتها في اتفاق أوسلو، الذي هو أضعف من أن حيُق حقًا طبيعيًا من حقوق الفلسطينيين، وهو العودة إلى بيوتهم ولو زائرين. فالإسرائيليون يخافون أو يصطنعون الخوف عند قدوم أي فلسطيني إلى ما يعتبرونه بيتهم مهما يكن القادمون ضعفاء أو مسالمين. فالتمساح الصغير الذي جنّدت له الدولة الإسرائيلية هذا الحشد من القوة هو رمز لمجد الفتاة المسالمة التي قبلت بالهزيمة ودجّنها الاحتلال على مدى سبعة وعشرين عامًا ومع ذلك فهي لا تزال تخيف إسرائيل القوية. وهذا يعني أنّ إسرائيل سترفض العائد حتى ولو كان مسالما كتمساح صغير بلا أسنان. وهي وإن قبلت بعودة أكرمً، الفلسطيني «المؤمرَك»، فإنها لن تسمح له بأن يقوم بأي دور يربطه بماضيه حتى ولو كان دورًا سلميًا يهدف إلى إعادة خاتم الزواج إلى الزوجة اليهودية التي فصلتها النكبة عن زوجها الفلسطيني. كانت رواية نهر يستحم في البحيرة مناقشة لاتفاق أوسلو وتنبؤًا بفشله. وفيها تعارض صوت رجل السياسة يحيى يخلف مع صوت المبدع الروائي. في السياسة كان يحيى يخلف يشغل منصبًا رئيسيًا في سلطة صنعت اتفاق أوسلو، أما في الرواية فنفض يده من هذه الحكومة وأظهرها فاشلة عاجزة عن تأمين الحلم الذي من أجله ناضل الفلسطينيون ستة وأربعين عامًا. فهل أراد يخلف أن يحيل تجربة النضال الفلسطينية إلى العبثية، أم أراد لنا أن نتشبّه بالتجربة اليابانية فنقبل بالهزيمة وننشغل عن النصر العسكري بالتطور المعرفي والصناعي، فنعوض هزيمتنا العسكرية بنصر حضاري؟ أم أنه رأى في مأساة الجندي أونودو عزاء للمناضلين الفلسطينيين الذين تدعوهم قيادتهم لتقبّل الهزيمة؟ أي من هذه التأويلات جائز، فالرواية وليدة مرحلة منكسرة، تراجع فيها دور المقاوم المنفي ليفسح المجال لدور المهاجر «المؤمرك»، وحري بها أن تقدِّم الحزن والانكسار على الرفض والغضب. كانت رواية نهر يستحم في البحيرة رحلة عبور حزين عكس منطق الأشياء. من المنفى إلى وطن لم يحرَّر، تحكمها رؤيا مأزومة للمستقبل أنقذتها في اللحظة الأخيرة الصرخة الغاضبة التي اختتمت فيها الرواية: «القنبلة موجودة داخل صدري.. في أعماقي.. حذار من الاقتراب فقد تنفجر بين لحظة وأخرى» (ص. 144) مساءلة الذات في مجتمع ما بعد أوسلو، نموذج: الميراثكانت سحر خليفة أشد قسوة في محاكمة اتفاق أسلو؛ فإلى جانب أنها رأت فيه تنازلا عن الابن الشرعي، وإعطاء ثلثي فلسطين للإسرائيليين من دون ثمن، نسبت إليه تخريبًا للذات الفلسطينية، إذ تراجعت جميع القيم النضالية والأخلاقية لحساب القيم المادية التي سادها الفساد والاستغلال والرشوة. تدور عقدة الميراثحول عودة امرأة اسمها زينة من المهجر الأميركي إلى بلدتها وادي الريحان في الضفة الغربية، فتعلم أن والدها تزوج من فتاة مقدسية صغيرة اسمها فتنة لجأت إلى حمل اصطناعي في مستشفى إسرائيلي كي تضمن حصة من الميراث. ويدور في فلك القصة عمٌّ لزينة غير شقيق لأبيها هو أبو جابر، وثلاثة من أبنائه هم مازن وكمال ونهلة. مازن فدائي سابق عاد من لبنان في إثر إصابته بانفجار لغم أورثه إعاقة جسدية سبّبت له، إضافة إلى نهاية المقاومة المؤسية في لبنان عام 1982، إحباط ا غرّبه عن واقعه وعيّشه في أسى دائم على الماضي. بتأثير من زينة، يخرج مازن من
سلبيته ويعمل على إنشاء مشروع ثقافي ينتهي، بسبب الفوضى وسوء التدبير وتدخّل قوات الاحتلال، إلى الفشل في اللحظة الأخيرة، في ساعة الافتتاح. في كواليس المسرح، وقبل موعد بدء الاحتفال بقليل، تلد فتنة في مستشفى هداسا الإسرائيلي ابنها الذي حملته اصطناعيًا، فيعمل مازن على تأمين نقلها إلى مستشفى في القدس، ولكن تأخّر سيارة الإسعاف والانتظار الطويل على الحاجز الإسرائيلي، والجو الضاغط الخانق، كل ذلك سبّب للأم نزيفًا أودى بحياتها. تنتهي الميراث والجَدّة أميرة (والدة فتنة) تمد يديها بالمولود في أوجه الجنود الإسرائيليين على الحاجز وتقول لهم بهدوء ورأس مرفوع، وبالإنكليزية:
.» Thank you very much, this is your share «
فيالميراث، كما في معظم رواياتها السابقة واللاحقة، ساءلت خليفة المجتمع الفلسطيني بكل فئاته، سلطة وشعبًا، مثقفين وعامة، مقيمين وعائدين؛ فبواسطة كمال المهندس العائد من ألمانيا، كشفت عن هشاشة المجتمع، حيث الفساد والجهل والأمية والانتهازية متجذرة إلى أبعد حدود. وفي شخص مازن، عرضت لمأزق المناضلين المسحوقين بالانهزام والفشل، المهمَّشين في مجتمع ما بعد أوسلو. وطمأنتنا خليفة من خلال العم أبي جابر والجَدّة أميرة إلى بقاء القيم الأصيلة في المجتمع الفلسطيني رغم العجز والعبث والانكسار. جاء كمال من ألمانيا وكله حماسة وحنين إلى وادي الريحان. انحاز بكلّيته إلى الوطن، وغلّبه على المنفى في أشد المواقف حرجًا؛ فبينما كان محتجَزًا في غرفة معتمة رهينة بين أيدي أبناء عريس أخته السمسار، قارن بين ما هو كائن في قضية أخته نهلة، وما كان يمكن أن يكون لو أن الحدث حصل في ألمانيا. في الوطن يجازف أخوه سعيد بحياته لتخليص أخته الضائعة التي أساءت إليه، وما زال جرح رصاصتها في أعلى صدره، أمّا في أوروبا، فالإنسان جزيرة معزولة ومنسية. «لا أحد لك إال نفسك. إالّ قرشك. ممنوع الحنان والعواطف». رأى ناس بلاده «لهم أصوات لهم أحلام وروائح»، ورأى ناس أوروبا «مجرد ضجة، مجرد آلات.» حادثة في إثر أخرى، يتعمّق إحساس كمال بالاختلاف والاغتراب. هو فعلا غير أخته نهلة وأخويه مازن وسعيد. هو مزهو بتفوقه العلمي، ويرى نفسه فوق مستوى أهله وأبناء بلدته. فهُم يعيشون في سجن كبير، وقد أصبحوا بعد ربع قرن من الاحتلال «ووخمه، والانتفاضة والفوضى، مثل أهل الكهف». هو المهندس والعالم بالكيماويات والتربة. هو النزيه، رجل المعرفة والعلم. لم تسحقه الحاجة، ولا خرّبت ذاته ممارسات الاحتلال، فلا يفهم منطق السماسرة والنفعيين الذين عملوا على شراء الأرض من الفلاحين «ببلاش» وباعوها لأهل المدن بسعر الذهب، ولا يفهم سبب تأخُّر رخصة إنشاء مصنع النضح [للمبيدات]، مع أن الحدّ من الوسخ مصلحة تهمّ الجميع، ولا يُقَرّ مشروع إلا برشوة. وأهل البلد بدورهم يرونه «ساذجًا وأهبل وغشيامً» لا يعرف بأصول الشغل. «أهبل لأنه يظن أن العلم والخرائط وحدها تكفي. ومتغطرس لأنه يقول مجلس «أميّ» وكأن الأميّة عيب كبير. خلينا نشوف مين الأمي!». ولذلك قال له السمسار: «تعال معي خليك تتعلّم أصول الشغل» (ص. 126-127)، ولكنه لم يأت، بل قرر التنازل عن الوطن للسمسار وأمثاله. اكتشف أن السمسار وأبناءه يتكلمون لغة لا يفهمها. مد أحدهم يده متباهيًا وقال: «غاطسين بالدم لحد الكوع»، وأنهم عاشوا في ذل الاحتلال ثمانية وعشرين عامًا، وتقلّبوا في أعمال وضيعة وخطيرة وهم مستعدون لتصفية والدهم إذا جاءتهم منه خسارة مادية. لم يستطع أن يفهم كيف أمسى الشذوذ أمرًا طبيعيًا، فلا يثير فعل أبناء السمسار أي استغراب. هم من الناس، ويتفاهمون بلغة الناس. أدرك أنه خارج الجماعة، فبينه وبينهم غربة. شركة النضح مجرد فكرة، فكرة حلوة، لكن لن تصلح للتطبيق. هو لن يبقى، وإن بقي فلن يعمل إالّ وحده، من دون شريك أو شركاء.
بواسطة كمال، صوّرت خليفة بواقعية وصلت إلى حد التوثيق حالة عرفها المشهد الفلسطيني في إثر اتفاق أوسلو تمثّلت بعودة آلاف الفلسطينيين من مختلف المنافي إلى مناطق السلطة الفلسطينية، أملا بإنهاء غربتهم وبالمساهمة في بناء الوطن، ففوجئوا بالحالة البائسة التي آل إليها، وببُعد الشقة بينهم وبين أهلهم المقيمين. فهؤلاء قابلوا العائدين بالتشكيك والإدانة. قالت نهلة عن كمال إنه جاء ليدرس أوضاع البلد مثل أصحاب البزنس. ومثل جميع العائدين، سيدّعي أنه عاد إلى أرض الوطن، أرض الميعاد والمواعيد، وأنه سينحني على التربة ويمرغ جبهته بالغبرة ويقول للصحافيين وعيناه تغرورقان بالدموع، إن الوطن حضن الأم، ولولاه لا كان ولا كنّا. «تنام هناك في دور الأهل مثل السلطان، وتأكل المسخّن والمنسف... وبين عزومة وعزومة تنزل للبلد لتتفقد أوضاع السوق ولتطمئن على صمود الأهل» (ص. 119). وليساوم وليذكِّر بأنه وأمثاله دفعوا الثمن مالا في حين دفع الذين بقوا نفوسًا، لذلك يريد أن يتقاسم الكعكة. ولئن كانت نهلة قد قست بحكمها على كمال، فهو بدوره نظر إلى الناس من علياء، لأنهم، في رأيه، بحاجة الى أمثاله ليطوّرهم ويفتح عقولهم على الدنيا والحضارات والتاريخ. وبذلك وضعت الكاتبة وطنية العائدين موضوع تساؤل؛ فهم تخلّوا وهاجروا، وعندما عادوا قاسوا بقاءهم بحسابات الربح والخسارة، فكأن المنفى أخذ من أصالة انتمائهم، وكأن مادية المجتمعات التي اشتكوا منها انتقلت إليهم من دون أن يدروا. وإذا كان الوطن بيتا يؤوي وأهلا يتعاطفون ومجتمعًا يُشعِر بالاستقرار والحماية، فإن وادي الريحان لم تكن لمازن وطنًا؛ فمازن لا يحس بأن البيت مأوى آمن ما دام العدو يهيمن عليه؛ يدهمه في أي وقت وينهتك خصوصيته. ولا كان الأهل الصدر الحنون، فهُم لا يتحسسون همّه: أخته نهلة مشغولة بأعوامها الخمسين وضياع شبابها في الكويت، والأب مشغول بهمِّ البلد العام، المزرعة المهجورة والأبناء الذين ضاعوا في المنافي. وكذلك هو المجتمع، غارق بالكبت والجهل، ومحكوم بأعراف وتقاليد تقيّد وتأسر وتقف عائقًا على طريق تحقيق الذات. والأهم أنه وطن محتل، كل ما فيه يذكّر بالهزيمة والعجز والإدانة. ومازن، كأي منتمٍ مأزوم، يقف عند خسائره ويفشل في تخطّيها، فهو مذ عاد من بيروت يعيش حياة عبثية. يرفض جميع العروض التي قدّمها له الوالد ليبدأ حياة عملية بعيدًا عن أحلام الثورة. حياته كلها سياسة وتحرسّ على الماضي. هو، على لسان حبيبته، «مهزوم برّه وجوّه». حتى عندما تخىلّ عن سلبيته وأصابته عدوى المشاريع، قاومته الظروف وأفشلت مشروعه فعاد إلى دائرة البطالة. ونضاله أيضًا يقف عند حدود الكلام والتنظير. أدان أخويه كمال وجابر وصنّفهما بين فئة التجار والعبيد. هما في نظره انتهازيان وبرجوازيان ووصوليان، وفضّل عليهما سعيد التاجر، الغشاش، الجاهل، لأنه تمسّك بالأرض ولم يهرب. تقوم إلى جانب الرؤية الأساسية ل الميراثرؤية أخرى تستجوب العائدين وتشكّك في مصداقية انتمائهم؛ فلو كانت زينة وكمال صادقين في مشاعرهما لما تخلّيا عن الوطن في محنته ورجعا إلى أميركا وألمانيا، ولتحسسا معاناة الذين ظلوا تحت الاحتلال ثمانية وعشرين عامًا، ولما خيّبوا آمال الآباء المتلهفين دومًا على عودة أبنائهم ليكونوا إلى جانبهم. كان أبو جابر يحلم بعودة أبنائه، بأن يصيروا رجالا ويُنهضوا البلد من كبوته، ولكن الأبناء جميعهم خيّبوا أمله: «ابنة عاقة وولد تيس وآخر مهزوم ويكابر، ثم الفلتة في بلد النحس واثنان بلا أمل في العودة ودخول البلد، ومزرعة تذوي أمام عينيه، ومستوطنة كريات راحيل حول الوادي تطْبق عليه وتتوسع. أهؤلاء هم أولاده؟ أهذا ما حلم به جيله واندفع إليه؟ أهذا ما برشّ به ناصر أيام العز؟ وصوت العرب؟ أهذا أهذا؟» (ص. 240). يتألم أبو جابر عندما يرى أبناءه يهجرون ميراثهم الذي ضحى من أجل الحفاظ عليه بكل غالٍوثمين. «فلأجل الإبقاء على المزرعة سافرت نهلة إلى الكويت وعملت كل سني شبابها. ولأجلها رهن السيارة وصيغة أم جابر وما فرط بدونم
واحد. والنتيجة أن لا أحد من أبنائه الخمسة يطمع فيها أو يطمح إليها أو حتى يفكر ولو فكرة في إقامة كوخ عليها ليقضي فيه إجازة صيف». «لمن خلّفت يا أبو جابر؟ ولمن تحتفظ بمزرعتك؟» (ص. 271) وبواسطة زينة، كشفت خليفة الأصيل والمزيف في مجتمع ما بعد أوسلو. على يد فتنة، اكتشفت زينة القدس: تاريخها وكنائسها وجوامعها والاستيطان الزاحف نحوها وعائلاتها العريقة، ومنهم آل الشايب، عائلة فتنة. وفي حفلة أقامتها فتنة، تعرفت إلى مجتمع المدينة وما فيه من زيف: التملّق والتفاخر والمتاجرة غير الشريفة. وشهدت فضيحة نهلة والسمسار السكران ينقض على قفاها. وتابعت تطورات القضية: زواج نهلة واختطافها، تعثّر مشروع كمال والسمسار بسبب ذاك الزواج، فشوّه ذلك كله افتنان زينة بوادي الريحان وذهب بفرحتها. أقلق بطلة الميراثما رأته من تهميش للمرأة واستغلالها: نهلة التي نُفيت شابة إلى الكويت كي تؤمّن للأخ التعليم في أوروبا، وللمزرعة تكاليف بقائها، وللأب مستلزمات وجاهته. وفيوليت التي جرحها مجتمع البلدة واعتبرها سهلة وساقطة لأنها كانت صادقة وواضحة في حبها لمازن، فطمع فيها الباحثون عن العلاقة العابرة. وأقلق زينة الفساد والانتهازية والتخلّف المتمثّلة في أبي صابر السمسار وعائلته، وفي سعيد وزوجته وعبد الهادي بيك، أحد أقرباء فتنة، كما أقلقتها التقاليد الجائرة التي تجعل امرأة فتيّة تتزوج رجلا عجوزًا طمعا بميراثه. هذه الآفات وغيرها جعلتها تغلّب المنفى على الوطن: «أأكون هنا مثل نهلة؟ أأكون هنا مثل فيوليت؟ أتكون العيلة مقبرتي؟ أيكون هذا ثمن الميراث؟ وعدت أدوّن في أوراقي أن الأفراد في عائلتي مجرّد زردات مفروطة في سلسلة أصدأها القهر» (الغلاف.) لم يكن تخيلّ زينة عن الوطن ليتم بهذه السهولة لو لم تكن مأزومة بانتمائها. لقد وضعت الكاتبة انتماء زينة موضع مساءلة منذ الأيام الأولى لعودتها؛ فعمّها أبو جابر طلب نجدتها لتخليص الميراث من الوارثين المزيفين، فتنة، الزوجة الصغيرة الغبية، ولكن زينة خذلته. صمتت عن فعلة زوجة أبيها وتواطأت معها ولم تكشف سرّها فتخبر أن جنينها مزيف الأب ولا يستحق الميراث. وكان صمتها دلالة على هشاشة انتمائها، فهي رضيت أن يكون لها أخ مزيف يقاسمها ثلثي الميراث ويقاسمها نسبها العائلي عن غير حق. فلماذا سهل على زينة التخيلّ عن حقها فيما صارع العم («غير الل زَم») للحفاظ عليه؟ الجواب يأتي ضمنًا. فالذين يبتعدون عن أوطانهم يفقدون الوشائج الحقيقية التي تربطهم بها، كأن يكون الوطن المأوى والملاذ ومورد الرزق، وتقتصر حاجاتهم إليه على الأمور العاطفية التي لأجلها جاءت زينة، وهي ليست ملحّة إلى درجة النضال في سبيلها. لذلك رجعت زينة إلى المنفى، مع أنها ادّعت العكس وقالت إنها لا تريد أن تكون مثل نهلة وفيوليت. فلو كان انتماؤها جازما، لبقيت في وادي الريحان وعملت على تغيير حياة نهلة وفيوليت، كما فعلت الكاتبة شخصيا عام 1986 عندما عادت من أميركا إلى نابلس، لا لأن طبيعة نابلس المحافِظة تغريّت بل لأنها المدينة بحاجة إلى التغيير. وقد كان في إمكان زينة أن تغريّ؛ فموقعها الاجتماعي يتيح لها ذلك، إذ هي ابنة عائلة عريقة، وصاحبة ثروة كبيرة وعلى درجة عالية من العلم والثقافة، وهذه أمور تؤهلها لأن تكون رائدة ومثلا أعلى في مجتمعها. ولو لم تكن زينة مأزومة في انتمائها، لكشفت زيف حمل فتنة ومنعت ذهاب الميراث إلى الطفل اليهودي المولود في هداسا. في الميراث، نلتقي بشخصية السيدة أميرة (أم فتنة): امرأة شديدة الانتماء إلى وطنها وجذورها، تبُرز هشاشة انتماء زينة وتوحي لنا بتميّز المقيمين على الذين تربّوا في المنافي. فالسيدة أميرة، عكس زينة، ترى حمل ابنتها أقبح
ما يمكن أن يُفعَل. ويعود السبب إلى أنها صاحبة الذاكرة الجميلة، ذاكرة العروبة وجمال عبد الناصر وأغاني أم كلثوم: «أحبها من كل روحي ودمي. يا ليت كل مؤمن يحبها مثلي أنا»، وإلى أنها كانت تحس بأن حب القدس هو حب مصر، وحب مصر هو حب القدس. وأميرة تشعر بأن الجنين في أحشاء فتنة ليس سليل القدس فقط بل سليل عبد الناصر، ولذلك سمّت وليدها عبد الناصر. أما ذاكرة زينة، فكانت متأثرة بصورة الأب الذي يشهر السكين في وجهها يريد أن يذبحها، ولئن رأف بها ولم يفعل، فإنه تخىلّ عنها لجدتّها وعاد إلى الوطن من دون أن يهتم بمصيرها. لذلك، وقفت من حمل فتنة موقف الحياد، ثم تواطأت معها على أال تبوح بسرّها، بينما تألمت الأم (أميرة) ولعنت ابنتها. حبل اصطناعي في هداسا وهجست: أي تزييف، أي أخلاق؟ ماذا تسمّيه؟ تسمّيه هداسا، تسمّيه شلوما؟ تسميه كهانا؟ وتمنت أن يموت. وتألمت لأن الواقع عك س الأمنيات، فهو حيّ يُرزق في بطن ابنتها السخيفة، ما أسخفها... ما أغباها. وانهارت تبكي بفجيعة لأنها اكتشفت فجأة أن التاريخ كان قطعة واحدة موصولة وصار فتافيت (188). صحيح أنها عادت وغضّت النظر، فالسبب يعود إلى سطوة الواقع وهشاشة عظامها التي جعلتها عاجزة عن المقاومة، مضطرة إلى التراجع والبحث عن تبريرات لفعلة ابنتها: هو ابن الجو تقول. فلولا هداسا، ولولا الحوادث، ولولا الهزيمة، ولولا اليهود، ما حبلت فتنة من ظهر اليهود. وهي تأمل بأن تُذهِب الأيام ما به من هداسا وتبقي على ما فيه من آل الشايب: وخليفة بذلك تنحاز إلى فئة المقيمين الذين لم يهجروا، وتبرر قبولهم اتفاق أوسلو الذي لم يكن في الإمكان المجيء بأفضل منه. وهي أرادت أيضًا أن تستشف منه مستقبلا متفائلا يمكن أن يحدثه التمازج والقبول بين الشعبين؛ فتفاؤل أميرة بأن ينشأ الطفل الهجين عربيًا يمكن أن يفَّ بأنه أمل بمستقبل تعود فيه فلسطين عربية تؤاخي اليهودي وتقبله شريكًا. ترسم الميراثللوطن مستقبلا قاتمًا؛ فخطة الترحيل التي يعمل العدو على تحقيقها منذ استيلائه على فلسطين ينفذها أبناؤها بلا وعي منهم. ومناخ الرواية يدور في مجمله حول هذه المسألة. فالطرفان كلاهما، العائدون والمقيمون، يتحفزون للرحيل. فيوليت حبيبة مازن وأمها تتهيآن للسفر الى أميركا. ونهلة تتمنى لو أن الكويت ظلت على حالها، ولو أنها ظلت هي في الغربة حيث الزميلات أقرب من أي قريب. وزينة تخاف إن هي بقيت أن تصير العائلة مقبرتها. وكمال يعود الى ألمانيا. وفتنة ترحل عن الدنيا بعد أن أنهت دورها الخياني بإنجاب مولود ذكر أعطى «اليهود» ثلثي الميراث (فلسطين). وإذا كان من بارقة أمل، فهي بارقة غير منطقية؛ مجرد رجاء ترجوه أميرة كي يتخطى الناس الخسارة التي جاء بها اتفاق أوسلو ويعملوا بوعي لتحويلها إلى كسب يتحقق بتذويب اليهود في محيطهم العربي. جرأة التجريب والخروج من عباءة الرواية التقليدية، نموذج: هل رأيت موت ظليفي نص هو أقرب إلى الملحمة الشعرية منه إلى الرواية، كتب غريب عسقلاني رواية قصيرة من خمس عشرة لوحة بعنوان هل رأيت موت ظلي، تجرأ فيها على تقاليد الرواية المعهودة. ورغم أن روايته كانت أشد تجريبًا من رواية غسان كنفانيما تبقى لكم، فإن النقاد لم يهاجموها كما فعلوا مع رواية كنفاني. لقد أمسى النقد أكثر تساهلا إزاء
الخروج على الخطاب الروائي التقليدي، ربما لأن مدرسة الأدب الملتزم لم تعد ضاغطة كما كانت عام 1966، أو لأن الزمن زمن انكسارات وهزائم لا يضيره لو التفت الروائي إلى أمور أخرى غير أمور النضال. والرواية إلى جانب أنها بوح شعري مؤثر، تلجأ إلى الأسطورة والرمز لتقديم رؤيتها. يبدأ الفصل الأول بعنوان هو بذاته تمرد على أسلوب القص «همس الصمت»؛ الصمت الذي هو عكس الوظيفة الأساسية للرواية، أي الحكي. وما هو بصمت عادي بل صمت هامس. والهمس هو أيضًا ضد الإعلان الذي هو غاية الحكي الرئيسة. وعلى عكس العنوان، أتت الرواية ضاجة بالفعل والحركة: وبعد أن غضب عليّ ملك الماء أشفقت عليّ جنية الماء.. أنشبت أظافرها في صدري حتى بق الدم من صدري.. قالت: لن ترضعك امرأة غيري. وقذفتني إلى شاطئ مهجور.. مشيت لا أدري إلى أين حتى هدنّي التعب فنمت، فحملني الرخ وطار بي دهورًا حتى حط بي في جزيرة رأيت فيها إناث العصافير ترقص مع بزوغ الفجر حول أميرة وتغرد وجدًا (لوحة.)1 لقد خلخل عسقلاني الاستعمال العادي للغة، وخرج عن المألوف، فاستخدم أفعالا صاخبة (غضب، أشفقت، قذفتني، حملني وطار، ترقص، تغرد) في نص عنوانه الصمت، فأحدث في ذهننا صدمة، وأثار في نفوسنا تساؤلات من مثل تُرى عن أي صمت يتحدث الكاتب؟ فدفعنا بقوة للتفتيش عن الإجابة، ووصل بذلك إلى مبتغاه بطريقة أفعل في النفس، وأشد رسوخًا في الذهن، وأكثر إمتاعًا وإدهاشًا. سنعلم بعد إمعان في القراءة أن ما عناه الكاتب هو أدب الصمت الذي يتحرك في لهو عدمي، أو في تجاوز خفي نحو نقطة التلاشي. إنه بعبارة موجزة أدب الانطواء والعزلة والانسلاخ عن المجتمع والسبب والتاريخ. وبطل الرواية كان هذا المنطوي المنعزل عن المجتمع والتاريخ لا بالمعنى الحرفي للمفردات، فهو باللغة، بالقول، يعود دائامً إلى المجتمع والتاريخ، وإنما بالفعل، بالممارسة، إذ هو سلبي جدًا، تقع الأشياء عليه وحوله من دون أن يكون له أي دور أو تأثير فيها. وسنكتشف أن لغة الصمت هذه لا تتوقف عند حدود هذا الفصل في الرواية، وإنما تعمّها كلها. هو عاجز أمام حصار غزة، لا يجيد إزاءه إلا الرثاء. وفي مكان آخر، يحمله طير الرخ، يطير به قرونًا، ويحط به متى وأين يشاء، وهو لا يصنع الفعل وإنما ينتظر أن يقع عليه: «وأنا هل سيعمّدني نهر الأردن مثلما فعل مع المسيح.. أم تراني سأظل المرجوم في الغربة بعد أن شطبوا عسقلان من الخرائط فجعلوهاأشكلون علامة استفهام مبهمة بين قوم وعد الرب وخير أمة أخرجت للناس» (اللوحة الرابعة). وحبيبته شهرزاد صانعة الفعل والقول في الأسطورة القديمة ألف ليلة وليلة، هي أيضًا تخلّت عن ذكائها وفصاحتها، ووقفت عاجزة أمام الخراب الذي يحل بوطنها العراق، وهربت إلى رأس جبل في البتراء تراقب وطنها المكلوم بالاحتلال والفوضى. لغة الغياب هذه التي ينحو ظاهرها نحو اليأس والعجز والانسحاب من المجتمع والتاريخ، هي في حقيقتها لغة مواجهة ودعوة إلى النضال والمقاومة. هي لم تبرز موضوعها بدرجة عالية من النصاعة والوضوح وإنما دارت حوله، وتجنبت إبراز تفاصيله الدقيقة، واكتفت بتوجيه ضوء خفيف ظلي إليه. لقد استعمل عسقلاني «لغة تمس المرئي عن بُعد بلمسات رقيقة موارِبة وتغيبه بطرق مختلفة بحيث يبدو أقرب إلى مرئي يكفّنه الظل أو الضباب الناعم»، فكان نصه في غيابه وسلبيته أكثر من النص المتمرد والمحرض مباشرة تمردًا وتحريضًا على النضال والتغيير:
وجاء أن امرأة خرجت من خميلة الهوى.. تاهت بين المدى والمدى، زادها رجفة قلب، وبضعة أرغفة نضجت في تنّور الألق، التقت بفتى كنعاني ورث عن المسيح سعفة من إكليل الشوك.. عندما حاذته تسمرت وارتجفت.. فصرخ على وجع: - أنت!! هي - أنا سومرية أبحث عن وليف!!.. - وأنا لي في كل موعد سومرية /مجدلية.. (لوحة 6) لا أعتقد أن نصًا صريحًا في الدعوة إلى العروبة كمثل قصيدة «بلاد العرب أوطاني» سيكون فاعلا ومحرضًا أكثر من هذا المشهد. يقول محمود درويش إنه صنع حداثته لا بالإغراق في التجريب والفانتازيا، وإنما باكتفائه بتطوير أدواته التعبيرية والأسلوبية، فكان بدل أن يبتعد عن التراث ويرفضه، يعمل على تحديثه لتظل قصيدته تنبع من سياق تاريخ الشعر العربي وإيقاعاته، ومن داخل جماليات اللغة العربية. وعسقلاني صنع الشيء ذاته في هذه الرواية؛ فهو لم يلجأ إلى التراث فقط في انتقاء رموزه، وإنما لجأ إليه في الأسلوب فشذّبه وأدخله نصه الحداثي بتناسق لم يذهب بجذالة القديم ولا برونق الحداثة. يقول في اللوحة الثانية: «قد جاء في الأثر، أنه في الليلة الثانية بعد الألف، أودعت شهرزاد حكاياتها في صندوق الزمرد وألقت بها في ماء الفرات.. وتزينت بأبهى زينة، وتطيبت بأغلى طيب، وأمرت بإعداد فراش من ريش النعام على سطح بركة الزئبق، حتى إذا كان منتصف الليل، رأت وجه الملك مطبوعًا على سطح القمر، فاطمأنت للرؤيا..». أثبت عسقلاني أن الرواية الفلسطينية قادرة على حمل قضيتها بفنية عالية من دون أن تضيع في متاهات الحداثة وما بعدها.
استنتاج
يقول حسين مروة: «إن مقياس الصدق الفني في الأدب هو مدى اتصال الأثر الادبي بوجدان الشاعر أو الكاتب، ومدى تعبيره عن الانفعالات الحقيقية التي تثيرها الحياة الواقعية في وجدان الشاعر أو الكاتب». ويقول أيضًا: «الفن الذي لا حضور له في وطنه لا حضور له في أوطان الآخرين». وقد أثبتت الرواية الفلسطينية صدقها الوطني والتزامها الفني، واستطاعت أن تثبت حضورها الفاعل لا في المشهد الثقافي العربي فقط، وإنما في المشهد العالمي أيضًا. وبعد أن كانت تعامَل كوثيقة نضالية أو موضوعًا نفعيًا يخدم حاجة اجتماعية أو وطنية، أمست تؤخذ لذاتها، بغضّ النظر عن جنسيتها. ومع ذلك، فهي لم تتنكر لخصوصيتها، ولكنها صارت أكثر قدرة على نقل الخاص إلى العام. ورغم اكتظاظ المشهد الأدبي بهذه الرواية في العقدين الأخيرين، قلمّا التفت المشهد النقدي الجاد إلى جديدها. فالأكاديميون عندما يتناولون الرواية الفلسطينية يستسهلون الوقوف عند الأسماء المشهورة، كغسان كنفاني وإميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا وسحر خليفة وليانة بدر. لقد حاولت في هذه الدراسة أن أسدّ خرما صغيرًا في هذه الفجوة، وإني لأعتذر لاكتفائي بتناول نماذج معيّنة وترك، مرغمة، إبداعات رائعة لم يسمح المجال بتناولها.
المراجع العربية والمعرّبة
أبو إصبع، صالح. فلسطين في الرواية العربية. بيروت: مركز الأبحاث،.1975 أبو هيف، عبدالله. الجنس الحائر: أزمة الذات في الرواية العربية. بيروت: رياض نجيب الريِّس،.2003 الأطرش، ليلى. صهيل المسافات. القاهرة: دار شرقيات للنشر والتوزيع،.1999 بابا، هومي. موقع الثقافة، ترجمة ثائر ديب. بيروت والدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2006 بدر، عبد المحسن طه. حول الأدب والواقع. القاهرة: دار المعارف،.1981
بركات، حليم. المجتمع العربي في القرن العشرين. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2000
البرغوثي، مريد. رأيت رام الله. بيروت والدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2008؛.]1997[جبرا، جبرا إبراهيم. صيادون في شارع ضيق. بيروت: دار الآداب، 2003؛.]1974[. الفن والحلم والفعل. (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1988؛.]1986[. صراخ في ليل طويل. دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 1974؛.]1955[حبايب. حزامة. أصل الهوى. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2009 حبيب، نجمة. « رؤى النفي والعودة في الرواية الفلسطينية،» رسالة دكتوراه، قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة سدني، آب/أغسطس.2011. ربيع لم يزهر. بيروت: المركز العربي للأبحاث والتوثيق،.2003
الحوت، بيان. صبرا وشاتيلا، أيلول.1982 بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2003
الخالدي، وليد. كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة 1948 وأسماء شهدائها. ترجمة حسني زينة؛ تدقيق وتحرير سمير الديك. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.1997 خليفة، سحر. الميراث. بيروت: دار الآداب،.1997 درّاج، فيصل. الرواية وتأويل التاريخ. بيروت والدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2004. الذاكرة القومية في الرواية العربية من زمن النهضة إلى زمن السقوط. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2008 ذياب، امتياز. يافا عطر مدينة. مراجعة وتدقيق هشام شرابي. بيروت: دار الفتى العربي،.1991 الراهب، هاني. رسمت خطا في الرمال. بيروت: دار الكنوز الأدبية،.1999 سالم، عادل. عناق الأصابع. القاهرة: دار شمس،.2010 سعيد، إدوارد. صور المثقف، محاضرات ريث سنة.1993 نقله إلى العربية غسان غصن؛ راجعته منى أنيس. شاهين، محمد. آفاق الرواية «البنية والمؤثرات.» دمشق: اتحاد الكتاب العرب،.2001 صالح، فخري. قبل نجيب محفوظ وبعده، دراسات في الرواية العربية. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،
عبد الغني، مصطفى. الاتجاه القومي في الرواية. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1994 (سلسلة عالم المعرفة،.)188 فضل، صلاح. لذة التجريب الروائي. القاهرة: اطلس للنشر والانتاج الاعلامي،.2005 كنفاني، غسان. رجال في الشمس، الآثار الكاملة المجلد الأوّل - الروايات. ط 3، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1986؛.]1966[. ما تبقى لكم، الآثار الكاملة المجلد الأوّل - الروايات. ط 3، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1986؛.]1966[كونديرا، ميلان. فن الرواية. ترجمة أحمد عمر شاهين. القاهرة: دار شرقيات،.1999 مهوّي، إبراهيم وشريف كناعنة. قول يا طير: نصوص ودراسة في الحكاية الشعبية الفلسطينية. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2001 نصّار، محمد. صفحات من سيرة المبروكة. (سلسلة إبداعات فلسطينية بالتعاون مع الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين،.)2005
. سوق الدير. (سلسلة إبداعات فلسطينية بالتعاون مع الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين،
. ليل المخيم. على الموقع الإلكتروني:،http://www.adabfan.com/story/4983.html < نصرالله، إبراهيم. زمن الخيول البيضاء. ط 2. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2008؛.]2007[. مجرد اث ين فقط. عمان: دار الشروق،.1992. عو. عامّن: دار الشروق للنشر والتوزيع،.1990 يخلف، يحيى. بحيرة وراء الريح. ط 2. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2001؛.]1993[. نجران تحت الصفر. ط 4. بيروت: دار الآداب، 1988؛.]1977[. نهر يستحم في البحيرة. ط 1. رام الله وعمان: دار الشروق،.1997 يقطين، سعيد وفيصل درّاج. آفاق: نقد عربي معاصر. دمشق: دار الفكر،.2003 المراجع الأجنبية